Полный текст (1 175 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
تلاعب الشيطان بالصوفية وانحلالهم من التكاليف
في القصيدة البائية للأمير محمد بن إسماعيل الصنعاني التي يقول فيها: كقوم عراة في ذرى مصر ما ترى على عورة منهم هناك ثياب يعدونهم في مصرهم من خيارهم دعاؤهم فيما يرون مجاب يذكر أن في زمنه قوماً في مصر يمشون عراة ويمشون بدون ثياب، وأهل ذلك الزمان يقدسونهم ويتمسحون بهم، ويتبركون بهم، ويدعون أن دعوتهم مجابة؛ لأنهم قد وصلوا إلى الله، فهم في زعمهم يأخذون من اللوح المحفوظ، وليسوا بحاجة إلى أن يرجعوا إلى القرآن ولا إلى السنة.
عجباً لهؤلاء كيف اعتقدوا هذه العقيدة! هل هناك رتبة أفضل من رتبة الرسل؟ رسل الله وأنبياؤه الذين بلغوا شرائعه، والذين نزل عليهم الوحي هم صفوة الله تعالى من خلقه، فهل سقطت عنهم التكاليف؟ نبينا ﷺ وهو خاتم الرسل وأفضلهم، كان يقوم الليل حتى تفطرت قدماه، فلماذا لم تسقط عنه التكاليف التي سقطت عن هؤلاء الأولياء؟ ألم يتورع عن أكل تمرة وجدها في الطريق مخافة أن تكون من الصدقة، لماذا هؤلاء يأكلون أموال الناس؟ بل يستحلون دماءهم، ويزعمون أنهم قد رفع عنهم الحرج وأبيح لهم ما لم يبح لغيرهم؟ لا شك أن هذا من تلاعب الشيطان بهم، ثم بأتباعهم.
وبكل حال نقول: إن الولاية التي يلهج بها هؤلاء ليست خاصة بهذا دون هذا، بل كل أحد يستطيع أن يكون من أولياء الله إذا حقق الإيمان وحقق التقوى.
стр. 667
ولاية الله تنال بالإيمان والتقوى
يقول بعض الإخوان: إنكم معشر الوهابيين لا تقيمون للأولياء وزناً، الأولياء عندكم لا تقدسونهم ولا تعرفون قدرهم.
قال له ذلك الأخ: ومن هم الأولياء؟.
قال: الله يقول: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس:٦٢] .
فقال: اقرأ ما بعدها؛ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٣] ألا تكون منهم؟ ألا تحقق الإيمان وتحقق التقوى ثم تكون ولياً، ما بينك وبين أن تكون ولياً إلا أن تؤمن الإيمان الصحيح وتتقي الله تعالى، وبذلك تكون منهم، فلماذا تحرم نفسك وتتعلق بهم وتقدسهم وتعظمهم، وتعتقد فيهم، وتغلو في قبورهم وتفعل فيها ما لا يفعل إلا في بيوت الله تعالى وما لا يصلح إلا لله ؟ ولماذا تعتقد فيهم أنهم يعلمون الغيب، وأنهم يطلعون على الكون، وأنهم يبلغون الأمور، وأنهم يديرون الأفلاك وأنهم أقطاب الأرض، وأنهم عمدها وأسسها، وأن الأرض ثبتت بثباتهم، وأنه لولا هؤلاء الأولياء لماجت الأرض واضطربت وخسفت بنا؟ فنقول: لا شك أن هذا من تلاعب الشيطان بهم، وإلا فولاية الله تصلح لكل مؤمن: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة:٢٥٧] ، فعلى المؤمن أن يحرص على تحقيق الإيمان وتحقيق التقوى ليكون من أولياء الله تعالى، وعليه أيضاً أن يتولى الله ويتولى رسوله، ويتولى إخوته المؤمنين، بمعنى أن يحبهم وينصرهم، ولذلك ذكر الله تعالى أن المؤمنين يتولى بعضهم بعضاً: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة:٧١] ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال:٧٣] .
عقد الله الولاية بين المؤمنين كما عقد بين المهاجرين والأنصار في الآية التي سمعنا؛ وهي قوله تعالى في آخر سورة الأنفال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا﴾ [الأنفال:٧٢] .
(الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا) هؤلاء المهاجرون، (وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا) هؤلاء هم الأنصار.
ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال:٧٣] ، فالكفار بعضهم يتولى بعضاً، بمعنى: ينصر بعضهم بعضاً ويؤيده (والمؤمنون بعضهم أولياء بعض) يعني: أنهم يتناصرون فيما بينهم، وكذلك هم جميعاً أولياء الله، فكل من كان مؤمناً فهو من أولياء الله تعالى.
стр. 668
اعتقاد الصوفية حاجة الله إلى الولي
ثم قد يفهم من إطلاقات الصوفية ونحوهم أن الولي ولي الله، وأن الله تعالى بحاجة إلى هؤلاء الأولياء، وهذا اعتقاد خاطئ، فالله تعالى غني عن الأولياء جميعاً، وغني عن الخلق كلهم، وليس بحاجة إلى عبادتهم، ولا إلى ولايتهم، وإنما كان المؤمنون أولياء الله بمعنى أنهم لما أحبوا الله، ولما أطاعوه وعبدوه؛ تولاهم الله، بمعنى: نصرهم وأيدهم وقواهم، فأصبحوا هم أولياء الله، ووصف الله نفسه بأنه وليهم، فهكذا يكون المؤمن ولياً من أولياء الله، والله تعالى ولي الذين آمنوا.
стр. 669
تفاوت المؤمنين في الولاية
قال المؤلف: [والولاية أيضاً نظير الإيمان، فيكون مراد الشيخ أن أهلها في أصلها سواء، وتكون كاملة وناقصة؛ فالكاملة تكون للمؤمنين المتقين، كما قال تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمْ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَة﴾ [يونس:٦٢-٦٤] .
فـ (الذين آمنوا وكانوا يتقون) منصوب على أنه صفة أولياء الله، أو بدل منه، أو بإضمار: أمدح، أو مرفوع بإضمار (هم) ، أو خبر ثان لـ (إن) ، وأجيز فيه الجر بدلاً من ضمير (عليهم) .
وعلى هذه الوجوه كلها فالولاية لمن كان من الذين آمنوا وكانوا يتقون، وهم أهل الوعد المذكور في الآيات الثلاث، وهي عبارة عن موافقة الولي الحميد في محابه ومساخطه، ليست بكثرة صوم ولا صلاة، ولا تملق ولا رياضة.
وقيل: الذين آمنوا: مبتدأ، والخبر: لهم البشرى، وهو بعيد؛ لقطع الجملة عما قبلها، وانتثار نظم الآية.
ويجتمع في المؤمن ولاية من وجه، وعداوة من وجه، كما قد يكون فيه كفر وإيمان، وشرك وتوحيد، وتقوى وفجور، ونفاق وإيمان، وإن كان في هذا الأصل نزاع لفظي بين أهل السنة، ونزاع معنوي بينهم وبين أهل البدع، كما تقدم في الإيمان.
ولكن موافقة الشارع في اللفظ والمعنى أولى من موافقته في المعنى وحده، قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦] وقال تعالى: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤] الآية، وقد تقدم الكلام على هذه الآية، وأنهم ليسوا منافقين على أصح القولين.
وقال ﷺ : (أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خلة منهن كانت فيه خلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر) وفي رواية (وإذا اؤتمن خان) بدل: (وإذا وعد أخلف) أخرجاه في الصحيحين، وحديث: شعب الإيمان تقدم.
وقوله: (يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان) ، فعلم أن من كان معه من الإيمان أقل القليل لم يخلد في النار، وإن كان معه كثير من النفاق، فهو يعذب في النار على قدر ما معه من ذلك، ثم يخرج من النار.
فالطاعات من شعب الإيمان، والمعاصي من شعب الكفر، وإن كان رأس شعب الكفر الجحود، ورأس شعب الإيمان التصديق.
وأما ما يروى مرفوعاً إلى النبي ﷺ أنه قال: (ما من جماعة اجتمعت إلا وفيهم ولي لله، لا هم يدرون به، ولا هو يدري بنفسه) ، فلا أصل له، وهو كلام باطل، فإن الجماعة قد يكونون كفاراً، وقد يكونون فساقاً يموتون على الفسق] .
стр. 670
أكمل الناس ولاية أكملهم إيماناً
يتكلم هنا على الولاية وأنها الإيمان، وقد تقدم أن أهل الإيمان يتفاوتون في إيمانهم، وأيضاً يتفاوتون في صفة الولاية، فأولياء الله تعالى يتفاوتون في هذه الأوصاف، كما أن المؤمنين من عباد الله يتفاوتون في آثار الإيمان.
إذا عرفنا أن الإيمان قول وعمل، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وأن الحسنات والطاعات من شعب الإيمان، والمعاصي والمخالفات من شعب الكفر؛ أي: أن للإيمان شعباً وللكفر شعباً، وأن الإنسان قد يجتمع فيه خصال كثيرة من خصال الإيمان ويفقد بعضها فيكون مؤمناً ناقص الإيمان، وقد يكون فيه خصلة من خصال الكفر ولا يحكم بكفره؛ فيكون بذلك جامعاً بين كونه ولياً لله من جهة، وعدواً له من جهة، يحبه الله تعالى على ما فيه من الإيمان ومن الأعمال الصالحة، ويبغضه على ما فيه من المعاصي ونحوها، والحكم للصفة التي تغلب، ويكون أيضاً مثاباً ومعاقباً، ولأجل ذلك فإن الله تعالى يدخل كثيراً من العصاة النار ثم يخرجهم من النار بعد أن يمحصوا ويزال عنهم آثار تلك المعاصي، فأولئك محبوبون من جهة؛ وهي كونهم من المصدقين الذين أتوا بالشهادتين، ومبغضون من جهة؛ وهي كونهم قد أصروا على كثير من المعاصي واقترفوا كثيراً من الذنوب، وعملوا أنواعاً من السيئات، فأصبحوا بذلك قد جمعوا بين الأمرين؛ بين اقتراف السيئات وبين عمل الحسنات.
لكن الحكم لما هو الأصل، فيقال: إذا كان الأصل أنه ممن شهد الشهادتين وآمن بالله ، وآمن برسله، ولكن كان إيمانه الذي في قلبه ضعيفاً لم يحمله على كل العبادات والإتيان بها، ولم يزجره عن كل المعاصي والمخالفات، فإنه يقال: هو مؤمن، ولكن يعاقبه الله بهذه المعاصي التي اقترفها، أو يعفو الله عنه.
كذلك الكافر، قد يعمل حسنات، وقد يفعل قربات، ولكن العبرة بما عليه قلبه، فإذا كان كافراً يعتقد أن لله شركاء في العبادة، ويجعل أنواعاً من العبادات لغير الله، ولكنه مع ذلك قد يصلي، وقد يتصدق، ويقرأ، وقد يحب الخير، وقد يجاهد المشركين، ولكنه مع ذلك يدعو غير الله، فنقول: هذا مشرك، ولا ينفعه عمله هذا الذي عمله؛ لأنه حبطت أعماله وقرباته وحسناته وبطل أجرها وثوابها، فلا يستحق عليها شيئاً.
وبكل حال نقول: إن على المؤمن أن يحرص على تكميل إيمانه حتى يكون من أولياء الله الذين آمنوا وكانوا يتقون، كما جمع الله تعالى في وصفهم بين هذين: (الذين آمنوا وكانوا يتقون) ، فآمنوا إيماناً تظهر عليهم آثاره وهي الصالحات، وتصديقاً قوياً وتقوى يتركون بها الآثام والجرائم وأنواع المحرمات، وكبائر الإثم وصغائره.
فإذا كمل الإيمان ولو حصل معه شيء من السيئات ونحوها، واتقى الله ، أصبح من أولياء الله، وثوابه الذي يحصل له ثواب عاجل وثواب آجل، فالثواب الذي في الدنيا هو أن الله تعالى يحب أولياءه ويتولاهم: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة:٢٥٧] ، وإذا أحبهم الله وفقهم للطاعات وحماهم عن المعاصي والآثام.
أما الثواب في الآخرة فهو الثواب الأعظم، وقد ذكر الله بعض الثواب أو نوعاً منه بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢] فجعلهم من أهل الأمن، والأمن هو أن يكونوا آمنين في الآخرة، لا يخافون ولا يحزنون، ولذلك قال في هذه الآية: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس:٦٢] أي: هم آمنون، (وهم مهتدون) أي: على طريق سوي، فنعتقد بذلك أن لله أولياء، وأنهم ليسوا -كما يزعم المتصوفة والغلاة ونحوهم- خواص من الناس قد قطعوا المسافات، وأنهم سقطت عنهم التكاليف، وأنهم وأنهم، بل كل من آمن إيماناً صحيحاً واتقى الله تعالى حصل على ولاية الله، وأما من قصر في ذلك فإن معه نوعاً من الولاية ولكنها ولاية ناقصة.
стр. 671
الولاية التامة والولاية الناقصة
الولاية قسمان: ولاية تامة، وولاية ناقصة.
فالمسلم يحرص على أن يكون من أولياء الله، ولا يقول: أولياء الله هم أهل الدرجات الرفيعة وأهل المنازل العالية، والذين عرفوا الله المعرفة التامة ونحو ذلك، وكذلك الذين يسمونهم أقطاباً وأوتاداً، وعاملين أو واصلين أو نحو ذلك، بل كل من آمن إيماناً صحيحاً واتقى الله فهو من أولياء الله، وما عليك إلا أن تحقق هذه الآية لتصبح من أولياء الله.
ولا شك أن الأسباب التي تقوى بها هذه الأصول موجودة بحمد الله، فالإيمان بالله هو أصل وأساس هذه الأصول وهذه الأركان، وهو مبني على السماع، وهو ما بلغته الرسل، فإذا سمع العقل تلك الأدلة ورأى دلالتها، أيقن بأنها حق وأنها دالة على قدرة قادر، وكذلك إذا فكر فيما ترمي إليه، فإن تلك الأدلة فيها الالتفات أو الاستدلال بالآثار، وبالآيات، وبالبراهين، ولأجل ذلك يقيم الله الحجة بهذه الأدلة على المشركين والجاهلين ونحوهم، فيذكر لهم الآيات الكونية، ويتلو عليهم الآيات القرآنية، وكلها بلا شك تكون سبباً لترسيخ تلك العقيدة التي هي الإيمان بالله.
فإن العاقل إذا نظر فيما بين يديه من الأفلاك، وهذه المخلوقات العلوية والسفلية، علم أنها لم تخلق عبثاً، وأن الذي خلقها لا يتركها هملاً، وكذلك إذا نظر في نفسه، ونظر في مبدئه ومنتهاه، علم أيضاً أنه لم يخلق عبثاً، وأنه لابد أن يؤمر وينهى، ولابد أن يكون له رب مالك متصرف، وأن الذي خلقه استعبده؛ وفرض عليه أن يعبده، وأن يحمده، وأن يذكره وأن يشكره، وأنه لابد وأن يثيبه على العبادة أو يعاقبه على المعصية، هكذا تدل المؤمن العاقل فطرته على هذه الأمور، فكيف وقد أرشدته الأدلة، وقامت عليه البراهين، وأرسلت الرسل، وأنزلت الكتب تبين للناس هذه الأشياء التي هي أساس العقيدة، فلأجل ذلك لما آمن بذلك من آمن، وعرفوا الله حق المعرفة، وثبت الإيمان في أفئدتهم، وأشربته قلوبهم، ونبتت عليه لحومهم، صار مندمجاً في دمهم ولحمهم.
أما الظالمون لأنفسهم، فهم الذين يفعلون المكروهات ويتركون المستحبات ويفعلون المباحات، وقد يتركون بعض الواجبات وقد يفعلون بعض المحرمات، فلأجل ذلك وصفوا بالظلم.
والكل منهم تحت مشيئة الله، إلا أن الله تعالى وعدهم بالجنة، وأخبر بدعائهم بقوله عنهم: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر:٣٤] الحزن: يعني: الخوف، وذلك هو المذكور في هذه الآية، ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس:٦٢] .
فعلى كل حال: صفات أهل الإيمان موجودة في مثل هذه الآيات، والذي يحب أن يكون منهم عليه أن يطبقها ويعمل بها ليُحشَر معهم.
стр. 672
الغني الشاكر والفقير الصابر وأيهما أفضل ؟
قال الشارح رحمه الله تعالى [قوله: (وأكرمهم عند الله أطوعهم وأتبعهم للقرآن) أراد: أكرم المؤمنين هو الأطوع لله والأتبع للقرآن، وهو الأتقى، والأتقى هو الأكرم، ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] ، وفي السنن عن النبي ﷺ أنه قال: (لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأبيض على أسود، ولا لأسود على أبيض، إلا بالتقوى، الناس من آدم وآدم من تراب) .
وبهذا الدليل يظهر ضعف تنازعهم في مسألة: الفقير الصابر والغني الشاكر، وترجيح أحدهما على الآخر، وأن التحقيق أن التفضيل لا يرجع إلى ذات الفقر والغنى، وإنما يرجع إلى الأعمال والأحوال والحقائق، فالمسألة فاسدة في نفسها، فإن التفضل عند الله بالتقوى وحقائق الإيمان، لا بفقر ولا غنى، ولهذا -والله أعلم- قال عمر ﵁: الغنى والفقر مطيتان لا أبالي أيهما ركبت.
والفقر والغنى ابتلاء من الله تعالى لعبده كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾ [الفجر:١٥] ، فإن استوى الفقير الصابر والغني الشاكر في التقوى استويا في الدرجة، وإن فضل أحدهما فيها فهو الأفضل عند الله، فإن الفقر والغنى لا يوزنان، وإنما يوزن الصبر والشكر.
ومنهم من أحال المسألة من وجه آخر: وهو أن الإيمان نصف صبر ونصف شكر، فكل منهما لا بد له من صبر وشكر، وإنما أخذ الناس فرعاً من الصبر وفرعاً من الشكر، وأخذوا في الترجيح فجردوا غنياً منفقاً متصدقاً باذلاً ماله في وجوه القرب، شاكراً لله عليه، وفقيراً متفرغاً لطاعة الله ولأداء العبادات صابراً على فقره، وحينئذ يقال: إن أكملهما أطوعهما وأتبعهما، فإن تساويا تساوت درجتهما، والله أعلم.
ولو صح التجريد لصح أن يقال: أيما أفضل معافىً شاكر، أو مريض صابر، أو مطاع شاكر أو مهان صابر، أو آمن شاكر أو خائف صابر؟ ونحو ذلك] .
стр. 673
تفاضل الناس عند الله إنما هو بالتقوى
عرفنا أن تفاضل الناس بالتقوى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] ، لا بالحسب ولا بالنسب ولا بأصل الآباء والأجداد، ولا بالرتب ولا بالأموال ولا بالمناصب، إنما تفاضلهم عند الله تعالى بالأعمال الصالحة، فالله تعالى يقول في هذه الآية: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] بعدما ذكر القبائل والشعوب في قوله تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ﴾ [الحجرات:١٣] ، يعني: كل بني آدم تفرعوا من ذكر وأنثى؛ لكن جعلهم الله شعوباً وقبائل لمصلحة وهي: لا لتفاخروا، بل ليُعرَف أن هذا فلان من القبيلة الفلانية، وبعدما ذكر أن الحكمة في ذلك هي التعارف، ذكر أن هذا الفخر لا يجوز، وإنما الفخر بالتقوى فقال: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] .
وقد وردت أدلة في النهي عن الافتخار بالأسلاف، ثبت عنه ﷺ أنه قال: (لينتهينَّ أقوام يفتخرون بآبائهم الذين ماتوا، إنما هم فحم من فحم جهنم، أو ليكونن أهون على الله من الجعلان التي تدفع بأنفها النتن، إنما هو مؤمن تقي أو فاجر شقي، الناس كلهم بنو آدم، وآدم من تراب) .
وفي حديث آخر: (إن الله أذهب عنكم عُبَّية الجاهلية وفخرها بالآباء) ، فجعل الفخر بالتقوى، وجعل الإنسان إنما يكرم وإنما يرتفع منصبه ومنزلته عند الله تعالى إذا حقق التقوى، ولذلك يقول بعضهم: ألا إنما التقوى هي العز والكرم وحبك للدنيا هو الذل والسقم وليس على عبد تقي نقيصة إذا حقق التقوى وإن حاك أو حجم فإذاً: الفخر إنما هو بطاعة الله وبالتقرب إليه، وتمايُز الناس وتفاوتهم إنما يكون بحسب الإيمان، وبحسب آثار الإيمان، فأفضلهم أكملهم إيماناً وأكملهم أعمالاً وأكملهم وأحسنهم أقوالاً وأحوالاً، وأبعدهم عن الآثام، وأبعدهم عن أنواع الإجرام، هذا هو أكملهم عند الله وأكرمهم، وأرقاهم منزلة، فأما منصب وجاه ومال وحسب ونسب ومسكن وولد؛ فكل ذلك لا يُغني عن صاحبه، كما ذكر الله عن الكافر في قوله: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٨-٢٩] ، أي: هلكت عني سلاطيني وحسبي ونسبي وقبيلتي وأسرتي وأنصاري وأعواني، وتخلوا عني.
فإذاً: ما على الإنسان إلا أن يحقق الإيمان ويحقق التقوى؛ ليصبح بذلك أفخر الناس وأشرفهم، والفخر والشرف إنما يكون بما عند الله، ولا يضره لو كان ضعيفاً مهيناً لا يُؤبَه له، ولا يُنظَر إليه، ويُدفَع عن الأبواب، ولا يُقدَّم في المجالس، ولا يُحترَم ولا يُكرَم؛ فإنه إذا كان عند الله عزيزاً، كريماً، شريفاً، فلا يضره كونه عند الناس وضيعاً.
تكلم الشارح كما تقدم على ما اشتهر في كتب الأدب، وهي مسألة التفضيل بين الصابر والشاكر، حين يكون الصبر مع الفقر، والشكر مع الغنى، وقد تكلم فيهما العلماء، فتكلم فيهما ابن القيم ﵀ وأطال في ذلك في كتابه (هبة الصابرين وذخيرة الشاكرين) ، وهو كتاب عظيم ومفيد نوصي باقتنائه وبقراءته، تكلم فيه على الصبر، وعلى أنواع الصبر، وعلى الشكر، وعلى فوائده، وأطال في ذلك، وأطال أيضاً على هذه المسألة، وهي: مسألة التفاضل بين الغني الشاكر والفقير الصابر.
الفقير هو: الذي زُوِيَت عنه الدنيا، ولا يؤتى منها إلا قدر ما يسد رمقه، وأما الغني: فهو الذي فُتحت عليه الدنيا، وأوتي من أنواع زهرتها.
فالفقير صبر واحتسب وزهد وقنع بما آتاه ربه.
والغني شكر، فأعطى حقوق هذا المال وصرفه في وجوه البر، وأنفقه في الخيرات وفي المسرات، وأعطى المستضعفين، وصرفه في الجهاد في سبيل الله، ونفع به المحتاجين ونحوهم.
فأيهما أفضل: ذلك الفقير الذي اقتصر على نفسه وصبر واحتسب، أو هذا الغني الذي أنفق في وجوه الخير؟ اختلف العلماء في ذلك.
стр. 674
التفضيل لا يعود إلى ذات الغنى والفقر وإنما إلى ما خصهما من تقوى
فإذا نظرنا في الأدلة التي يُستدل بها من حيث النقل: الآيات والأحاديث، وجدناها كلها تفضل الفقير، وتحث على التقلل من طلب الدنيا، وتحث على الزهد فيها، وتضرب لها الأمثال، وقد أورد ابن القيم جملة كثيرة من ذلك، مع أنه ذكر أنه اقتصر على البعض ولم يستوفها، ولو استوفاها لزادت على ما ذكره أضعافاً كثيرة.
وأما الأدلة العقلية فإنها تفضل الشاكر الذي رزقه الله مالاً.
ومعلومٌ أن المال لا يحصل إلا بتسبُّب وبتعب وبكدح وبكد وبطلب، وأن هذا الطلب يحتاج إلى وقت وزمان، فلأجل ذلك كان الفقير متفرغاً للعبادة منقطعاً لها، وأما الغني فلا بد أن تكون له أوقات يقضيها في طلب المال، ويقضيها في تنميته، وفي تصريفه، وفي حساباته ونحو ذلك، فيكون جل وقته أو أكثره فيما يتعلق بأمور حياته الدنيا، ويكون وقته الذي يقضيه للعبادة أقل بأضعاف من الوقت الذي يقضيه الفقراء في العبادات ونحوها، فلأجل ذلك مال بعضهم إلى تفضيل الفقير.
وسمعنا هذا القول الذي اختاره الشارح، وهو أن أكثرهما تقوىً أكثرهما عبادة أكثرهما أعمالاً صالحةً، فإذا وفق الله الغني وأكثر من الصالحات وصار لا تلهيه أمواله ولا أولاده عن ذكر الله، فإنه يفضل غيره، كما وصف الله الأغنياء بقوله: ﴿رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ﴾ [النور:٣٧] .
فإذاً: لا بد أن تكون لهم تجارة ولهم بيع ولهم تنمية أموال؛ ولكن إذا جاء وقت العبادة تخلوا عن الدنيا وعن متاعها كله، وأقبلوا على العبادة، وإذا جاءت أوقات المنافسات والخيرات سارعوا إليها.
فإذاً: هؤلاء قد جمعوا بين الأمرين: جمعوا بين أنهم كانوا أهل تقوى وأهل إيمان وأهل أعمال صالحة وحسنات وخيرات كثيرة، وبين أن لهم أعمالاً متعدية بحيث إنهم وصلوا الأرحام، وأنفقوا في سبيل الله، وجهَّزوا الغزاة مثلاً، وأقاموا المشروعات الخيرية، ونشروا العلم، وبنوا بيوت الله، وأقاموا فيها الأماكن التي يُتَعَلَّم فيها ويُقْرأ، فكانوا بذلك نافعين لأنفسهم ونافعين لغيرهم، فكانوا بذلك أفضل.
ومما يدل على ذلك ما ورد في الصحيح أن فقراء المهاجرين أتوا النبي ﷺ وقالوا: (يا رسول الله! ذهب أهل الدثور بالأجور -أهل الدثور يعني: أهل الأموال- يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتق فقال: ألا أدلكم على عمل إذا فعلتموه سبقتم من قبلكم ولم يدرككم من بعدكم إلا من عمل مثلكم؟ قولوا: سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، بعد كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، فذهبوا وقالوها، ثم إن الأغنياء نُقِل إليهم ذلك ففعلوا، فقال الفقراء: يا رسول الله! سمع إخواننا أهل الأموال بما قلنا فقالوا مثلنا، فقال: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء) .
فغبط الأغنياء الذين ما شغلهم مالهم عن عبادتهم ولا عن أذكارهم ولا عن أعمالهم.
وبكل حال فالشكر والصبر كلاهما من الأعمال القلبية، ويُرى آثارها على الأعمال البدنية، وأما الأعمال الصالحة فإنها زيادة على ذلك، أعني أن التقوى والإيمان والصلاح وكثرة الخيرات وكثرة الحسنات ناتجة مما في القلب، وأما الشكر والصبر فهما من الصفات الظاهرة حتى يمكن أن يُحكم بتساويهما.
ويمكن أن يقال: ما قيل في الشاكر والصابر يقال في أمثالهما، فيقال مثلاً: المبتلى والمعافى كذلك، إنسان ابتُلي ولكنه احتسب، وآخر عوفي ولكنه شكر، فهما سواء، وكذلك مثلاً: إنسان أُعطي فشكر ربه، وآخر مُنع فحمد ربه.
وفي الحديث: (أن النبي ﷺ خُيِّر بين أن تكون له جبال مكة ذهباً وبين أن يجوع يوماً ويشبع يوماً، فاختار أن يجوع يوماً ويشبع يوماً، وقال: إذا جُعتُ تضرعتُ إليك وذكرتك، وإذا شبعتُ حمدتُك وشكرتك) ، فجعل الله ذلك مرتبة أفضل من أن تكون له الدنيا.
وقد ذكر الله تعالى أنه أعطى من قبله من الأنبياء من الدنيا ومع ذلك لم ينقصهم من مرتبتهم عنده، كما أعطى سليمان، قال تعالى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ [ص:٣٦] إلى قوله: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [ص:٣٩] ؛ لكن رتبة نبينا ﷺ وصبره على ما أوتي وتقلله ودعاؤه بقوله: (اللهم اجعل رزق آل محمد كفافاً) ، أفضل من رتبة سليمان، مع أن سليمان شاكر لربه كما حكى الله عنه أنه قال لما أتي بعرش بلقيس: ﴿قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل:٤٠] .
стр. 675
شرح العقيدة الطحاوية [٥٠]
للإيمان ثمار عظيمة، من أعظمها أنه يدعو إلى العمل الصالح، والتقوى، ويعصم صاحبه من الفتن، ويؤهله لاستحقاق رحمة الله.
стр. 676
أركان الإيمان
قال الشارح ﵀: [قوله: (والإيمان هو: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره وحلوه ومره من الله تعالى) .
تقدم أن هذه الخصال هي أصول الدين، وبها أجاب النبي ﷺ في حديث جبريل المشهور المتفق على صحته حين (جاء إلى النبي ﷺ على صورة رجل أعرابي، وسأله عن الإسلام فقال: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً.
وسأله عن الإيمان؟ فقال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره.
وسأله عن الإحسان؟ فقال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) .
وقد ثبت في الصحيح عنه ﷺ أنه (كان يقرأ في ركعتي الفجر تارة بسورتي الإخلاص: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١] و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] ، وتارة بآيتي الإيمان والإسلام: التي في سورة البقرة: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا﴾ [البقرة:١٣٦] الآية، والتي في آل عمران: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران:٦٤] الآية.
وفسر ﷺ الإيمان في حديث وفد عبد القيس المتفق على صحته حيث قال لهم: آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن تؤدوا خمس ما غنمتم) ومعلوم أنه لم يرد أن هذه الأعمال تكون إيماناً بالله بدون إيمان القلب، لما قد أخبر في غير موضع أنه لا بد من إيمان القلب، فعُلِم أن هذه مع إيمان القلب: هو الإيمان، وقد تقدم الكلام على هذا.
] ذكر الطحاوي خصال الإيمان أو أركان الإيمان، وقد تقدم بعضها.
وقد تقدم أيضاً اختياره أن الأعمال ليست من مسمى الإيمان، وأن الإيمان هو: القول باللسان والاعتقاد بالجنان، أو هو: التصديق الجازم دون تردد.
وتقدم أن القول الصحيح: كون الأعمال من مسمى الإيمان، فإن الصلاة من الإيمان، والصدقات من الإيمان، والصوم والحج والجهاد ونحوها من الإيمان، وكذلك البر والصلة والصدق والوفاء والأمانة ونحوها من خصال الإيمان، وكذلك ترك المحرمات خوفاً من الله تعالى من الإيمان أو من آثار الإيمان.
أركان الإيمان الستة تعتبر هي العقيدة، وتعتبر هي الأسس والأصول، فإذا ثبتت ورسخت في القلب فإن ثمرتها الأعمال الصالحة.
стр. 677
ثمرة الإيمان
ثمرة الإيمان بالله : أن يعبده المؤمن، وأن يخافه ويرجوه، وأن يعتمد عليه، ويقبل إليه بقلبه وقالبه ويتوب إليه، وأن يصدق بخبره، وأن يستعد للقائه.
ولا شك أن الأدلة التي قامت على الإيمان بالله تعالى سمعية وعقلية، ولا شك أيضاً أن من حقق الإيمان بالله تعالى، وصدق بأنه هو الإله الحق، وهو الرب، فإنه يصدق بوجوب عبادته، ويصدق بالإيمان بما أخبر به، ويصدق بالبعث بعد الموت، وبالجزاء في الآخرة، ويصدق بالرسل الذين بلغوا رسالات ربهم، ويصدق بالكتب التي أنزلها وضمَّنها شرائعه، ويصدق بالقضاء والقدر، وأنه من تمام قدرة الله على العباد وعلى كل شيء، ويصدق بالأمور الغيبية التي أخبر الله تعالى بها، ولو لم يرها؛ لأنه أخبر بها الصادق المصدوق، أخبر بها الله أو أخبرت بها رسله، فيصدق بذلك، ولا شك أن من صدق تصديقاً جازماً فإنه ولا بد سيعمل وسيظهر أثر هذا التصديق على جوارحه، وعلى لسانه، وعلى سمعه، وعلى بصره، وعلى يديه، وعلى رجليه، وعلى حاله وماله، وعلى مآله وعلى بدنه، يظهر أثر ذلك جلياً لا خفاء فيه.
وقد فسر النبي ﷺ الإيمان في حديث جبريل بالأعمال الباطنة، والإسلام بالأعمال الظاهرة، وقد تقدم الكلام على الإسلام والإيمان والإحسان، وتبين لنا أنها مراتب، وأن أعلاها مرتبة الإحسان، ثم بعدها مرتبة الإيمان، وأوسعها مرتبة الإسلام، وتقدم أمثلة لذلك.
وكل من دخل في الإسلام وعمل بالأعمال الظاهرة، عومل بمعاملة المسلمين، ولكن قد يكون إيمانه ضعيفاً لا يرتقي به إلى المرتبة الثانية، وكل من وصل إلى الإيمان وآمن بالأمور الغيبية وعمل بموجبها، فقد يكون تصديقه متوسطاً لا يصل به إلى المرتبة الثالثة التي هي الإحسان.
وقد فسر النبي ﷺ الإسلام بالأعمال الظاهرة في حديث جبريل، وجعل الأعمال الظاهرة أيضاً هي الإيمان في حديث وفد عبد القيس فقال لهم: (أتدرون ما الإيمان بالله؟! شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وتقيموا الصلاة، وتؤتوا الزكاة، وأن تؤدوا خمس ما غنمتم) فجعل إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والشهادتين من الإيمان، وكذلك أداء الخُمُس ألحقه بالزكاة، فجعل ذلك من الإيمان.
وبوَّب البخاري ﵀ على هذه الخَمْس بأنها من الإيمان، حيث يقول: أداء الزكاة من الإيمان، بابٌ: أداء الخمس من الإيمان، يعني: من الأعمال التي فعلها يكون متمماً للإيمان.
وقد ذكر الشارح فيما سبق حديث شعب الإيمان، وهو قوله ﷺ : (الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة، أعلاها: قول: لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق) فجعل هذه البضع والستين كلها من خصال الإيمان، أي: من أجزائه، أو من ثمراته، ولا شك أن المؤمنين يتفاوتون، وفي بعض الأحاديث: (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً) فجعل حسن الخلق -مع أنه جبلة وطبيعة؛ ولكن يثاب العبد عليه- سبباً لكمال الإيمان، وقوته، وتمكُّنه.
وبكل حال فما على المسلم إلا أن يحرص على تحقيق الإسلام والإيمان والعمل به، ثم بعد ذلك يتفقد أعماله هل عمل بالأعمال التي يتصف بها المسلمون المؤمنون؟ فإذا وجد في نفسه نقصاً، حرص على تكميل ذلك النقص؛ ليحوز الرتبة العالية.
стр. 678
سر قراءة سورتي الإخلاص وآيتي الإسلام والإيمان في سنة الفجر
كان النبي ﷺ في سنة الفجر يقرأ سورتي الإخلاص؛ وذلك لأن سورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] فيها توحيد الذات والصفات، وأما سورة الكافرون ففيها توحيد العبادة، فتوحيد الله تعالى بأفعاله تضمنته سورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] ، وتوحيد الله تعالى بأفعالنا تضمنته سورة الكافرون أي: أن تكون أفعالنا لله وحده، طاعتنا ودعاؤنا وتوكلنا وخوفنا ورجاؤنا.
إذاً: فكونه يقرأ هاتين السورتين في سنة الفجر التي يستقبل بها النهار، كأنه يعاهد ربه أنني في أول هذا النهار أعبدك يا رب وأخصك بالعبادة، وأعتقد وحدانيتك وأنزهك عن صفات النقص.
وأما قراءته للآيتين من سورتي البقرة وآل عمران فتلك الآيتان يشتملان على خصال الإيمان وخصال الإسلام.
فالإيمان ذُكر في آية البقرة: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٦] فجمعت الآية خصال الإيمان، يعني: آمنا بالرسل وآمنا بما أنزل إليهم؛ ولكن الإيمان يتبعه العمل، ولذلك ختمها بقوله: (وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) .
وآما آية آل عمران ففيها التوحيد، يخاطب الله بها أهل الكتاب في قوله: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران:٦٤] وهي كلمة التوحيد ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:٦٤] فختمها بالإسلام وأكد فيها التوحيد.
فكأن الإنسان إذا قرأهما في أول النهار يعاهد ربه على أنه مؤمن وأنه موحد.
ولقد تكرر معنا أن عقيدة المسلمين تنبني على أصول الإيمان التي بيَّنها النبي ﷺ في حديث جبريل المشهور لما سئل عن الإيمان فقال: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره) .
стр. 679
ثمرة الإيمان بالرسل واليوم الآخر
ما يتفرع عن أركان الإيمان الستة من الإيمان بأمور الغيب ونحو ذلك هو معتقد المسلمين، ولا شك أن دليلهم فيها هو الرسالات التي بلَّغتها إليهم رسل الله، فلما عرفوا الرسل، وعرفوا ما جاءوا به وصحته، وعرفوا أدلة رسالاتهم والمعجزات التي أيدهم الله بها؛ آمنوا برسل الله، ولما آمنوا برسل الله أولِهم وآخرِهم آمنوا برسالاتهم التي يحملونها، والتي بلَّغوها إلى أممهم، وكان من جملة تلك الرسالات: الإيمان بالغيب؛ حيث إن الرسل صادقون، ويلزم تصديقهم فيما بلَّغوه، وكان من جملة ما بلَّغوه أن أخبروا الناس بأنهم عبيد لله وأن الله هو ربهم، وأخبروا الناس بأنهم متعبَّدون، يعني: مأمورون ومنهيون، وأخبروا بأن الخلق مثابون أو معاقبون، وأن هناك داراً أخرى غير هذه الدار، يلاقون فيها جزاء أعمالهم، يلاقون فيها الثواب أو العقاب، على ما عملوه وما قدموه في هذه الحياة الدنيا.
فصدق المؤمنون بذلك كله، ولما صدقوا به ظهرت عليهم آثاره، فعند ذلك استعدوا لذلك اليوم، واستعدوا للقاء الله بالأعمال الصالحة التي يعرفون أنها سبيل النجاة، وأنها زادهم في الآخرة، وحَذِروا من الأعمال التي توبقهم والتي تكون سبباً للعذاب.
فهؤلاء المؤمنون هم أهل العقول هم أهل الذكاء هم أهل الفطنة هم الذين لم تقصُر أنظارهم عند الحياة الدنيا، ولا عند شهواتها وملذاتها، ولم يقصُروا أفكارهم على شهوات البطون أو الفروج، ولا على ما تميل إليه النفوس، بل سمت هممهم، وعلت عزائمهم، وتنافسوا في الأعمال الخيرية، واستعدوا للدار الآخرة، وجعلوا دار الدنيا دار ممر وليست بدار مقر، وعبروها ولم يعمروها، وجعلوا عمارتهم ومنافساتهم للآخرة التي هي دار البقاء، وهذا من ثمرة إيمانهم باليوم الآخر.
стр. 680
ثمرة الإيمان بالقدر وما يترتب عليه
من جملة ما أخبرت به الرسل: الإيمان بقضاء الله وقدره خيره وشره، وحلوه ومره، كله من الله.
والإيمان بالقدر يدخل فيه الإيمان بعلم الله، بحيث يعتقد المسلم أن الله تعالى عالم بالأشياء قبل أن تقع، عالم بما يكون في الوجود، وما كان، وما لم يكن لو كان كيف يكون.
ودليل هذا الإيمان أن الرب هو الذي يُحْدِث ما يَحْدُث في هذا الكون، فلا يُحْدِثه إلا وقد علمه، وعلم وقته وزمانه الذي يحصل فيه، وقد علم كيفية حصوله، فعلم عدد الخلق والتراب، وأبصر فلم يستر بصره حجاب، وسمع جهر القول وخفي الخطاب، وعلم ما سوف يحدث علم أعمال الخلق، وعلم عددهم، وعلم من يولد ومن لا يولد له، وعلم عمل كل مولود وما يُختم له قبل أن يوجد، كل ذلك يعلمه الله .
فالله بكل شيء عليم، يعلم السر والنجوى، ويعلم ما يدور في الصدور ﴿عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران:١١٩] ، ويعلم ما تكنُّه الأنفس وما توسوس به الصدور، فإذا علم المسلم بذلك فإنه يحاسب عليه إذا شاء، يقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٤] ، وهو يحمل الإنسان على ألَّا يحدث نفسه إلَّا بالخير، وألَّا يهم إلَّا بالطاعة، وألَّا يتكلم إلَّا بما فيه مصلحة، وأن يبتعد عن العقائد السيئة، وعن الوساوس والأوهام والتوهُّمات، وكذلك عن الهمم السيئة، وبذلك يكون مؤمناً بالله تعالى.
كذلك يدخل في الإيمان بالقدر: قدرة الله، فإن الرب سبحانه قادر لا يعجزه شيء، ولا يكون في الوجود إلا ما يريد، ولا يخرج مخلوق عن قدرته، ولا يعجزه أي مخلوق، فهو يعامل من يشاء بدون أن يرده أحد، وينتقم ممن يشاء بدون أن يحتجب عنه محتجب، وينتصر ممن عصاه، وينتقم منه وهو عزيز ذو انتقام، ويُحِل بمن يشاء المثلات، ويُنْزِل بهم العقوبات، ويرسل عليهم النكبات إذا شاء، ويوسع على من يشاء، ويضيق على من يشاء.
فإذا اعتقد المسلم ذلك اعتقد أن التصرف في الكون له وحده.
كذلك أيضاً يؤمن بما أصابه وما وقع له، فيعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، إذا أصابك شيء فاعلم أنه ليس منه مفر ولا محيد، فلا تقل: يا ليتني تقدمت أو تأخرت حتى أسلم من هذه المصيبة، بل تعلم أنها مكتوبة عليك لا مفر منها، وإن كان الرب سبحانه قد أمرك بأخذ الحذر.
فإذا علمت أن هذه قدرة الله، فعليك أيضاً أن تعلم بأن قدرة الله التي لا يخرج عنها شيء تدخل فيها الطاعات والمعاصي، فهو الذي قدَّر الطاعات وهو الذي قدَّر المعاصي كما يشاء، ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام:١٤٩] ؛ ولكنه سبحانه أمر ونهى.
فالذين علم الله فيهم الخير امتثلوا ما أمرهم الله به، والذين علم فيهم السوء تركوا ما أُمروا به، فهؤلاء العاصون لهم العقاب، وإن كان الله هو الذي خذلهم بحكمته وعدله، وهؤلاء الذين أطاعوا لهم الثواب، وإن كان هو الذي وفقهم برحمته وفضله.
كذلك أيضاً ينبغي أن نعرف أن الخير كله من الله، وأنه لا يُنسب إليه الشر بوجه من الوجوه، ومذكورٌ في تلبية الحاج أنه يقول: لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، والشر ليس إليك، نحن عبادك الوافدون إليك، الراغبون فيما لديك.
فيقولون: الشر ليس إليك.
ومعلوم أن الله تعالى هو الذي قدر الخير والشر؛ ولكن صدوره من الله تعالى ليس شراً، بل هو خير لهم، وإنما يكون شراً بنسبته إلى العبد، فإذا قدر الله على هذا الكفر، وعلى هذا القتل، وعلى هذا الزنا، وعلى هذا الإسكار، وعلى هذا السرقة، ونحو ذلك؛ فهي شر بالنسبة إلى العبد، وخير بالنسبة إلى تقدير الله تعالى، فإنه هو الذي قدرها، وقدرها حتى يُعلم أنه على كل شيء قدير، وأن ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.
стр. 681
شرح العقيدة الطحاوية [٥١]
في اللغة أسماء خصصها الشرع وجعل لها مدلولات اصطلاحية قد تختلف باختلاف موردها، ومن ذلك مسميات الإيمان والإسلام والكفر والفسوق والعصيان والنفاق، وغيرها.
стр. 682
تفسير الإسلام والإيمان
قال الشارح رحمه الله تعالى: [والكتاب والسنة مملوءان بما يدل على أن الرجل لا يثبت له حكم الإيمان إلا بالعمل مع التصديق، وهذا أكثر من معنى الصلاة والزكاة، فإن تلك إنما فسرتها السنة، والإيمان بين معناه الكتاب والسنة، فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال:٢] الآية، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [الحجرات:١٥] الآية، وقوله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥] فنفي الإيمان حتى توجد هذه الغاية، دل على أن هذه الغاية فرض على الناس، فمن تركها كان من أهل الوعيد، ولم يكن قد أتى بالإيمان الواجب الذي وعد أهله بدخول الجنة بلا عذاب.
ولا يقال: إن بين تفسير النبي ﷺ الإيمان في حديث جبريل، وتفسيره إياه في حديث وفد عبد القيس معارضة؛ لأنه فسر الإيمان في حديث جبريل بعد تفسير الإسلام، فكان المعنى أنه الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، مع الأعمال التي ذكرها في تفسير الإسلام، كما أن الإحسان متضمن للإيمان الذي قدم تفسيره قبل ذكره، بخلاف حديث وفد عبد القيس؛ لأنه فسره ابتداءً، لم يتقدم قبله تفسير الإسلام، ولكن هذا الجواب لا يتأتى على ما ذكره الشيخ ﵀ من تفسير الإيمان، فحديث وفد عبد القيس مشكل عليه.
ومما يسأل عنه: أنه إذا كان ما أوجبه الله من الأعمال الظاهرة أكثر من الخصال الخمس التي أجاب بها النبي ﷺ في حديث جبريل المذكور، فلم قال: إن الإسلام هذه الخصال الخمس؟ وقد أجاب بعض الناس: بأن هذه أظهر شعائر الإسلام وأعظمها، وبقيامه بها يتم استسلامه، وتركه لها يشعر بانحلال قيد انقياده] .
الإسلام فسر بالأعمال الظاهرة التي هي الأركان الخمسة، والإيمان فسر بالأركان الستة التي هي العقائد، وعلى هذا فإذا اجتمع الإسلام والإيمان فسر الإيمان بالأعمال العقدية الغيبية، وفسر الإسلام بالأعمال الظاهرة.
وسبب التسمية: أن الإسلام يستدعي الاستسلام الذي هو الإذعان، فالذي يقيم الصلاة مذعن ظاهراً، والذي يؤدي الحج مذعن ظاهراً، وكذا الذي يصوم ويزكي ويتشهد مذعن وخاضع ومتواضع.
وأما الأمور العقدية القلبية فهذه خفية، تستدعي أدلة قوية، ثم بعد ذلك ترتكز في النفس، وتكون آثارها الأعمال الصالحة، وقد مر بنا أنه ﷺ لما جاءه وفد عبد القيس قال لهم: (آمركم بالإيمان بالله، أتدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وتقيموا الصلاة، وتؤتوا الزكاة، وتؤدوا من الغنيمة الخمس) ، فأمرهم بأركان الإسلام وفسر بها الإيمان؛ وذلك لأنه لم يفسر لهم الإسلام، فجعل الإيمان هو الأعمال الظاهرة، فإذا اقتصر على الإيمان دخلت فيه الأعمال الظاهرة والباطنة، وإذا اقتصر على الإسلام دخلت فيه الأعمال الظاهرة والباطنة، وإذا اجتمعا فسر الإسلام بالظاهرة والإيمان بالباطنة.
الله تعالى ذكر الإيمان وأدخل فيه الأعمال الظاهرة، فجعل الجهاد -وهو من الأعمال الظاهرة- من خصال الإيمان.
كذلك قال في آية سورة النساء: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء:٦٥] فجعل تحكيم الشريعة وتحكيم النبي ﷺ العلامة الواضحة للإيمان، فمن لم يجعل الرسول هو الحكم فليس بمؤمن، فهذا دليل على أن الأعمال تدخل في مسمى الإيمان، وإذا اقتصر على الإيمان دخلت فيه الأعمال الظاهرة والباطنة؛ وذلك لأنها نتيجته وثمرته.
أما الإسلام فيفسر بالإعمال الظاهرة؛ لأنها علاماته، ومعلوم أن الأعمال الظاهرة ليست هي الخمس فقط، ولكن هذه الخمس هي دعائمها وأسسها وأصولها، وإذا حافظ عليها المسلم حافظ على غيرها، فالأركان الخمسة الظاهرة: الشهادتان والصلاة والزكاة والصوم والحج، هذه أسس الإسلام وعموده ودعائمه وأركانه التي يتكون منها، والتي يقوم عليها، ولكن هناك خصال أخرى تعتبر مكملات، فلأجل ذلك إذا أتى بهذه الأركان احتاج إلى مكملات.
وقد ذكرنا أنهم ضربوا مثلاً للإسلام بالبناء، قال ﷺ : (بني الإسلام على خمس) ، فمثله بالبناء، وأنتم تعرفون أن البناء لابد أن يكون له زوايا، فجعل الأركان هذه هي الزوايا التي يتكون منها، وهي الحيطان الأربعة المتقابلة، وهذه تعتبر أركانه لا يتم إلا بها، فهذا المكان لا يتم إلا إذا تكاملت زواياه المتقابلة، ولكن دون ذلك يحتاج إلى تكملة بقية الخصال التي هي إما أفعال وإما أقوال وهي بمنزلة المكملات.
فلو بنيت حيطان المسجد فقط دون إتمام بقية المسجد لقلنا: إنه يحتاج إلى تكملة: يحتاج إلى أبواب، ويحتاج إلى نوافذ، ويحتاج إلى إنارة، ويحتاج إلى تهوية، ويحتاج إلى فرش، ويحتاج إلى سرج، ويحتاج إلى مرافق ومتكئات وما أشبه ذلك، فكذلك الإسلام بحاجة إلى الجهاد، وبحاجة إلى الأعمال الصالحة، وبحاجة إلى ترك المنكرات كلها: ترك القتل، وترك الزنا، وترك الشرك، وترك السرقة، وترك الفساد بأنواعه وما أشبه ذلك، وكذلك يحتاج إلى بر الوالدين، وإحسان الجوار، وصلة الأرحام، وبذل السلام، وتشميت العاطس، وعيادة المريض، واتباع الجنائز وما أشبه ذلك، ولا شك أن هذه من خصال الإيمان.
فالذي يأتي بالأركان الخمسة، يطلب منه تكميل ذلك بأن تستدعي الخمسة غيرها، فيقال له: ائت بالبقية حتى تكون بذلك قد كملت الإسلام.
стр. 683
الإسلام ليس منحصراً في الأركان الخمسة وإنما هي دعائمه
قال الشارح ﵀: [والتحقيق أن النبي ﷺ ذكر الدين الذي هو استسلام العبد لربه مطلقاً، الذي يجب لله عبادة محضة على الأعيان، ويجب على كل من كان قادراً عليه ليعبد الله مخلصاً له الدين، وهذه هي الخمس، وما سوى ذلك فإنما يجب بأسباب مصالح، فلا يعم وجوبها جميع الناس، بل إما أن يكون فرضاً على الكفاية كالجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وما يتبع ذلك: من إمارة وحكم وفتيا وإقراء وتحديث وغير ذلك، وإما أن يجب بسبب حق الآدمي، فيختص به من وجب له وعليه، وقد يسقط بإسقاطه من قضاء الديون ورد الأمانات والغصوب، والإنصاف من المظالم: من الدماء والأموال والأعراض، وحقوق الزوجة والأولاد وصلة الأرحام، ونحو ذلك، فإن الواجب من ذلك على زيد غير الواجب على عمرو، بخلاف صوم رمضان وحج البيت والصلوات الخمس والزكاة، فإن الزكاة وإن كانت حقاً مالياً فإنها واجبة لله، والأصناف الثمانية مصارفها، ولهذا وجبت فيها النية، ولم يجز أن يفعلها الغير عنه بلا إذنه، ولم تطلب من الكفار، وحقوق العباد لا يشترط لها النية، ولو أداها غيره عنه بغير إذنه برئت ذمته، ويطالب بها الكفار.
وما يجب حقاً لله تعالى كالكفارات هو بسبب من العبد، وفيها معنى العقوبة، ولهذا كان التكليف شرطاً في الزكاة، فلا تجب على الصغير والمجنون عند أبي حنيفة وأصحابه رحمهم الله تعالى، على ما عرف في موضعه] .
يجيب الشارح هنا عن سؤال مقدر تقديره: لماذا اقتصر في الإسلام على الأركان الخمسة ولم يذكر بقية الخصال؟ أي أنه لم يقل: الإسلام أن تجاهد في سبيل الله، وأن تأمر بالمعروف وأن تنهى عن المنكر، وأن تصل رحمك، وأن تبر والديك، وأن تحسن إلى جيرانك، وأن تحب المسلمين، وأن تسلم على من سلم عليك، وأن تعود المرضى، وأن تتبع جنائز الموتى ونحو ذلك، لماذا لم يذكر هذه الخصال في الإسلام؟ ولماذا لم يذكر المتروكات؟ لماذا لم يقل: إن من الإسلام أن تترك الزنا، وأن تترك القتل، وأن تترك الشرك، وأن تترك السرقة، وأن تترك الغيبة والنميمة، وأن تترك الخيانة والإثم، وأن تترك السباب والفحشاء وما أشبه ذلك؟ فلماذا لم يذكر هذه الأشياء في الإسلام؟! نقول: لا شك أن هذه من خصال الإسلام سواء كانت أفعالاً كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والحب في الله والبغض في الله، والولاء له والبراء له، وما أشبه ذلك أو كانت من التروك، كترك المنكرات والمعاصي ونحوها، لا شك أنها من خصال الإسلام، ولكن يجاب عنها بما أجاب به الشارح، فالأركان الخمسة تستدعي غيرها، ولا شك أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، فإذا حافظ العبد عليها فإنها تحبب إليه الأعمال الخيرية، فتراه يحب النفقة في سبيل الله، وتراه يحب الخير، ويحب أهل الخير، وتراه يتعلم العلم ويعلمه، وتراه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويبر والديه، ويبذل السلام للعالم، ويأمر بما يصلح المسلمين، ويفشيه فيما بينهم، وتراه يصل الرحم ويحسن الجوار، ويحسن إلى المماليك وما أشبه ذلك، وتراه يبتعد عن المنكرات؛ لأن صلاته تنهاه، فتراه يحفظ لسانه، ويحفظ عينيه عن النظر للحرام، ويحفظ أذنيه عن سماع الملاهي وما أشبه ذلك، ويحفظ يديه عن البطش بالآثام ونحو ذلك، ويحفظ قدميه عن المشي بهما إلى ما حرم الله، لماذا؟ لأن صلاته أمرته بالخير ونهته عن الشر، فالصلاة سبب من الأسباب جعلته يحب الخير ويكثر منه.
وهناك أيضاً جواب ثاني وهو: أن هذه الخصال قد لا تجب على كل فرد، بخلاف الصلاة فإنها واجبة على كل فرد، والزكاة على كل فرد توافرت فيه شروطها، والصوم على كل فرد، والحج على كل فرد مستطيع، أما الجهاد فإنه على القادر، وهو فرض كفاية إذا قام به من يكفي سقط عن الباقين، وكذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا قام به من يكفي سقط عن الباقين، وكذلك الأمور التي تتعلق بالغير، فمثلاً بذل السلام فرض كفاية، فلو سلم واحد من عشرة كفى، وإذا رد واحد من العشرة كفى، وكذلك الخصال الخيرية لا تجب على كل أحد، فقد لا يجب على كل أحد أن يبر أو يصل، أو ما أشبه ذلك، فوجوبها إنما هو على الشخص الذي اتصف بتلك الصفات، فهذا جواب.
ومن الأجوبة أيضاً: أن هناك أعمالاً لا تجب على الإنسان بإيجاب الشرع، وإنما تجب عليه بإيجاب نفسه، كالكفارات والنذور التي أوجبها على نفسه، مثلاً: إذا أوجب على نفسه أضحية، أو أوجب على نفسه صدقة، اعتبر هذا مما أوجبه على نفسه ولم يوجبه عليه الشرع، إنما الشرع سن له الصدقة، وسن له الأضحية، وسن له أنواع البر المتعدية، أما كفارات النذور، وكفارات الأيمان وما أشبهها، فهذه لا تجب على كل فرد، إنما تجب على من أوجبها على نفسه، أو أتى بالسبب الذي أوجبه على نفسه.
إذاً: الناذر هو الذي أوجب على نفسه كفارة يمين إذا لم يفِ بنذره، والحالف هو الذي أوجب على نفسه كفارة إن حنث، والمظاهر هو الذي أوجب الكفارة على نفسه، وهكذا كفارة القتل، وهكذا كفارة الوطء في نهار رمضان وما أشبه ذلك، لا شك أن هذه إنما أوجبها الإنسان على نفسه.
وبكل حال فإن الأشياء التي يكلف بها الإنسان إما أن تكون من الخصال الخيرية التي ليست واجبة ولكنها مشروعة وفيها أجر كالأذكار، والأدعية، وقراءة القرآن، والاعتكاف في المساجد، والإتيان بالنوافل قبل الصلوات وبعدها، وأنواع التطوعات، وكذلك أنواع الصدقات البعيدة عن الواجب الذي هو الزكاة، وما أشبه ذلك؛ فهذه خصال خيرية يحبها الشرع، وحبه لها يظهر أنها طاعة، فإذا علم أنها طاعة وأن الله يحبها أكثر منها.
وأما التروك والمحرمات فإن الذي يتركها هو الذي يعرف عاقبتها، ويعرف الآثام التي تترتب عليها، فإذا علم العبد أن الله تعالى يعاقبه على الشرك ويعاقبه على القتل وعلى الزنا وعلى المسكرات والمخدرات ونحوها، ويعاقبه على القذف وعلى السباب والشتم واللعن والغيبة والنميمة ونحو ذلك، ويعاقبه على أكل الحرام كأكل الربا وأخذ الرشا والمعاملات المحرمة وما أشبه ذلك، ويعاقبه على سماع الغناء واللهو وما أشبه ذلك؛ تركها، وهذه أيضاً ليست من الضروريات، فليس كل أحد يتعامل بالمعاملات المحرمة، وليس كل واحد مضطراً إلى أن يغتاب وأن ينم ويسب ويكذب، وليس كل واحد مضطراً إلى أن يرى الصور والملاهي، وينظر إلى العورات وما أشبه ذلك، وليس كل واحد مضطراً إلى أن يسمع الغناء واللهو والباطل والكلام السيئ وما أشبه ذلك، فليست من الضروريات.
فإذاً: لما كان فيها مفاسد، وليس فيها مصالح، والإسلام مشتمل على النهي عنها، وعلى الزجر والعقوبة عليها؛ وجب على المسلم أن يتركها، فإذا أسلم العبد وعرف أن هذه الخصال التي هي أركان الإسلام هي السبب في أنه مسلم، عرف أن الإسلام لا يجتمع هو وضده، وأن الإسلام ينهى عن الآثام؛ فاجتنب الآثام كلياً، واستكثر من الطاعات كلياً، وبذلك يتم إسلامه وإيمانه.
стр. 684
الإيمان بالقدر خيره وشره
قال الشارح ﵀: [وقوله: (والقدر خيره وشره وحلوه ومره من الله تعالى) .
تقدم قوله ﷺ في حديث جبريل ﵇ (وتؤمن بالقدر خيره وشره) ، وقال تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة:٥١] ، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً﴾ [النساء:٧٨] ، وقوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنْ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء:٧٩] الآية.
فإن قيل: كيف الجمع بين قوله تعالى: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء:٧٨] وبين قوله: ﴿فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء:٧٩] ؟ قيل: قوله: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء:٧٨] : الخصب والجدب والنصر والهزيمة كلها من عند الله، وقوله: ﴿فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء:٧٩] أي: ما أصابك من سيئة من الله فبذنب نفسك عقوبة لك، كما قال: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى:٣٠] يدل على ذلك ما روي عن ابن عباس ﵄ أنه قرأ: (وما أصابك من سيئة فمن نفسك وأنا كتبتها عليك) والمراد بالحسنة هنا النعمة، وبالسيئة البلية، في أصح الأقوال، وقد قيل: الحسنة الطاعة، والسيئة المعصية، وقيل: الحسنة ما أصابه يوم بدر، والسيئة ما أصابه يوم أحد، والقول الأول شامل لمعنى القول الثالث، والمعنى الثاني ليس مراداً دون الأول قطعاً، ولكن لا منافاة بين أن تكون سيئة العمل وسيئة الجزاء من نفسك، مع أن الجميع مقدر، فإن المعصية الثانية قد تكون عقوبة الأولى، فتكون من سيئات الجزاء، مع أنها من سيئات العمل، والحسنة الثانية قد تكون من ثواب الأولى، كما دل على ذلك الكتاب والسنة] .
стр. 685
الحسنة والسيئة من الله
المصائب والحسنات والسيئات كلها مقدرة من الله، فالله تعالى يقول: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء:٧٨] الحسنة والسيئة كلها مكتوبة ومقدرة من الله، لو شاء الله ما حصلت هذه العقوبات ونحوها، ولا حصلت هذه الآفات وما أشبهها، فهي من الله خلقاً وتكويناً وقضاءً وقدراً.
الحسنة هنا تدخل فيها الأعمال الصالحة، فما عملت من أعمال صالحة فالله هو الذي أقدرك عليها، وتدخل فيها الخيرات الحسية، فما أصابك من نعمة، وما أصابك من صحة ومن ثروة ومن خصب ومن أمن ورخاء، وما أصابك من نعمة مال أو ولد أو فرح أو بشر وسرور، ما أصابك من هذا كله فهو من الله، وقد جعل الله تعالى ذلك ثواباً على الأعمال والحسنات التي يعملها العبد، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ [النحل:٤١] أي: لنعطينهم في الدنيا حسنة؛ وذلك لأنهم أتوا بالأسباب التي هي الإيمان والأعمال الصالحة، إما الحسنة التي هي خيرات أخروية أو خيرات دنيوية فهي من الله، وهي أيضاً جزاء له على عمله، فأنت أيها المؤمن التقي والعبد الصالح إذا أصلحت عملك جازاك الله تعالى بحسنات في الدنيا، وبحسنة في الآخرة، ولهذا كان من دعاء النبي ﷺ : (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة) ، فالحسنة في الدنيا: الصحة والنعمة والرفاهية والنصر والتمكين والخيرات المحبوبة في النفوس، والحسنة في الآخرة هي الجنة.
فما أصابك من حسنة فمن الله، هو الذي أنعم بها عليك، وهو الذي تفضل بها عليك، وما أصابك من سيئة فمن نفسك، ما أصابك من هم أو من غم، ما أصابك من جوع أو من عري، ما أصابك من مرض أو من حزن، ما أصابك من خوف أو قلق واضطراب وفقر وفاقة، أو من مرض وموت وفراق حبيب وما أشبه ذلك، فاعلم أنه عقوبة على سيئة اقترفتها، أو أنه محنة لك واختبار، فإذا كان عندك شيء من النقص أو من الضعف في إيمانك فسبب هذه السيئة التي أصبت بها صادر عن نفسك، ولهذا قال الله تعالى للصحابة في غزوة أحد: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٥] من عند أنفسكم أي: بسبب فعلكم سلط عليكم هذا العدو، فهو من عند أنفسكم، أي: عملتم عملاً حصل به هذا التسليط.
стр. 686
الواجب على المسلم إذا أصابته حسنة أو سيئة
لا شك أن الإنسان إذا ابتلي بالحسنة فعليه أن يشكر، وإذا ابتلي بالسيئة فعليه أن يصبر، فإذا أصابته النعمة والرخاء والثروة والغناء وكثرة المال والولد والصحة والرفاهية والخيرات التي تسره وتجلب له الحياة السعيدة فلا يعتقد أن هذا لكرامته، بل يعتقد أنه ابتلاء من الله له، إما أنه جزاء على أعمال عملها، وثواب لحسنات عملها، فيكون قد عجلت له حسناته، فإن الصحابة ﵃ كانوا يخافون إذا وسعت عليهم الدنيا ويقولون: نخشى أن تكون طيباتنا عجلت لنا.
والخيرات والرفاهية التي فيها الناس الآن قد تكون حسناتهم وأعمالهم الصالحة عجلت لهم، ولا يبقى لهم في الآخرة ثواب، ويمكن أن تكون هذه الحسنات والنعم والرخاء التي أعطيها الناس في هذه الأزمنة جزاء على أعمالهم الصالحة، مع ادخار الأجر لهم، فالله تعالى يثيب الصالحين والمؤمنين بثواب في الدنيا، ولا ينقص ثوابهم في الآخرة، فيجمع لهم بين الحسنتين: حسنة الدنيا وحسنة الآخرة، ويمكن أن تكون هذه الخيرات، وهذه النعم التي أصابها الناس في هذه الأزمنة، وهذه التوسعة والرفاهية والنعم ابتلاء، فإن الله تعالى يبتلي بالخير كما يبتلي بالشر، فيبتلي بالحسنات ويبتلي بالسيئات، فالابتلاء بالحسنات لأجل أن يظهر من العبد هل يشكر أم يكفر، كما حكى الله تعالى عن سليمان أنه قال: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل:٤٠] .
فهذه النعم التي فتحت علينا من فضل الله علينا ليبتلينا هل نشكر أم نكفر، فإذا عرفنا أنها من الله شكرنا، وإذا عرفنا أنها بحاجة إلى شكر استعملناها فيما يحبه الله تعالى، وبذلك تثبت، وبذلك نكون من الشاكرين لها، فهذا هو الابتلاء بالخيرات.
أما الذين انخدعوا بها، واعتقدوا أن ذلك دليل على كرامتهم، فإنهم هم المحرومون، هم الذين تعجلوا ثواب أعمالهم في الدنيا، واعتقدوا أن ما فتح عليهم وما أمدهم الله به دليل على كرامتهم، وعلى فضلهم، وعلى شرفهم، وعلى رفعة منزلتهم ونحو ذلك، وقد وقع هذا للأولين، فحكى الله عن قارون أنه قال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص:٧٨] أي: أوتيته على شرف، أوتيته على منزلة رفيعة، أو أوتيته لأني محبوب ومحظوظ عند الله، ولهذا ﴿قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [القصص:٧٩] هؤلاء هم الذين نظرتهم دنيوية، ولم يعلموا أن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الآخرة إلا من يحب.
فإذا عرف العبد أن الابتلاء بالخيرات ليس دليلاً على الكرامة، بل إما أنه لحسنات عملها فيثاب عليها في الدنيا ولا يبقى له في الآخرة شيء، وإما أنه لأجل أن يختبر هل يشكر أم يكفر، وإما أنه تعجيل أو توسعة عليه في الدنيا، ولا ينقص أجره في الآخرة، فإذا شكر الله تعالى علم كيف يقابل الحسنات الدنيوية.
стр. 687
أسباب المصائب والابتلاءات
إذا أصاب الإنسان سيئة دنيوية، مصيبة أو بلاء أو مرض أو فقر أو فاقة أو موت قريب، أو حزن أو خوف، أو تشريد وتفريق، أونهب وسلب، أو تسليط أعداء، أو ما أشبه ذلك، فما سبب ذلك؟ لا شك أنه يدخل في هذه الأمور: إما أن يكون ذلك تكفيراً للسيئات، فالمؤمن يبتلى، فإذا كانت عنده سيئات سلط الله عليه المرض، وسلط الله عليه الخوف ونحو ذلك، كما في الحديث: (إن عظم الجزاء مع عظم البلاء) ، وفي الحديث أيضاً: (أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل) ، هذا سبب.
السبب الثاني: أن هذه المصائب والآفات التي تصيب الإنسان قد تكون تمحيصاً وتكفيراً للسيئات التي اقترفها، وذلك لأنه قد لا يأتي بحسنات تمحوها، فيسلط الله عليه الأمراض.
السبب الثالث: أنه ابتلاء وامتحان ليظهر من يصبر وممن يجزع، قال الله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد:٣١] ، ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:١٥٥] ، ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران:١٨٦] .
إذاً: هذه المصائب هي بسبب الناس، سيئات اقترفوها، أو أعمال قصروا فيها، أو نحو ذلك، فالسبب منهم، والله تعالى قد يبتليهم بهذه الأشياء حتى يختبر قوة إيمانهم وصبرهم، وحتى يرفع درجات الصابرين، وحتى يكفر عنهم بعض سيئاتهم، أو يكون هذا الابتلاء اختباراً ليظهر من يشكر ممن يجزع.
فهذا ما ورد في معنى قوله: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنْ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء:٧٩] .
стр. 688
شرح العقيدة الطحاوية [٥٢]
تنقسم الذنوب إلى كبائر وصغائر، وقد بين العلماء ضابط الكبيرة، والفرق بينهما وبين الصغائر، وحذروا من التهاون بالصغائر، وبين أحكامها وما يترتب عليها.
стр. 689
الموحدون لا يخلدون في النار وإن دخلوها
من عقيدة أهل السنة: أنهم لا يخلدون العصاة في النار، وإن دخلوها فإنهم يخرجون منهم، والمراد الذين ماتوا وهم مصرون على بعض الذنوب الكبيرة التي ورد فيها وعيد، وأما الخوارج فتمسكوا بأحاديث وبنصوص فيها وعيد شديد لمن عمل ذنباً أو كبيرة، فأخرجوهم من دائرة الإسلام وأدخلوهم في الكفر، واستحلوا دماءهم وأموالهم بمجرد ارتكاب الذنب.
أما المعتزلة فأخرجوهم من الإسلام ولم يدخلوهم في الكفر، وجعلوهم في منزلة بين الكفر والإيمان، وحكموا بخلودهم في النار بموجب النصوص التي فيها وعيد.
وأهل السنة قالوا: إنهم تحت مشيئة الله إن شاء غفر لهم ذنوبهم وأدخلهم الجنة من أول وهلة، وإن شاء أدخلهم النار تطهيراً لهم لما اقترفوه من الذنوب، ما يمحصون ويهذبون وينقون يخرجون من النار ويدخلون الجنة، فمنهم من يكون بقاؤه في النار ألوفاً من السنين، ومنهم من لا يبقى فيها إلا قليلاً، على قدر ذنوبهم أو بدعهم، ومآلهم إلى الجنة، ولو بعد مدة؛ وذلك لأنهم من أهل الإيمان، ومن أهل التوحيد، ومن أهل التصديق، وإن كان معهم شيء من الذنوب التي اقترفوها.
فكيف نحمل النصوص التي فيها الوعيد بعدم دخول الجنة لبعض العصاة؟ وردت أحاديث كثيرة وآيات ظاهرة الدلالة في أن العصاة في النار، سواء يخلدون فيها أو يدخلونها، أو يحرمون الجنة، مثل قوله ﷺ : (لا يدخل الجنة نمام) ، ومثل قوله: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر) ، وكقوله ﷺ : (ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية) ، ومثل قوله: (إن من عقد لحيته، أو تقلد وتراً، أو استنجى برجيع دابة أو عظم فإن محمداً بريء منه) ، ومثل الآيات قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:٢٣] ، وكقوله: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال:١٦] ، ومثل قوله في آكل الربا: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢٧٥] يعني: من عاد إلى التعامل بالربا، فتوعدهم بأنهم من أصحاب النار بمجرد أكلهم الربا، والربا إنما هو من الكبائر لا من الكفر والشرك، وكذلك الوعيد في قتل النفس، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا﴾ [النساء:٩٣] .
تمسك بهذه النصوص الوعيدية من القدرية والخوارج، وجعلوها نصاً في أن العاصي المصر على المعصية لا يخرج من النار، بل يدخل فيها ويخلد، وتمسكوا بالآيات التي فيها عدم الخروج من النار كقوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنْ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ [المائدة:٣٧] ، وكقوله: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [الحج:٢٢] ، وكقوله: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْ النَّارِ﴾ [البقرة:١٦٧] هذا ما تمسك به الوعيدية.
وأهل السنة يقولون: هذه النصوص فيها وعيد شديد، فنجريها على ظاهرها ليكون أبلغ في الزجر، لتكون زاجرة عن المعاصي، وذلك لأن التهاون بالمعاصي يعتبر ذنباً أكبر من فعلها، فلأجل ذلك لا نتأولها حتى تكون زاجرة، بل نؤيدها ونؤكدها ونستدل بالأخبار الأخرى، وبالأحاديث الكثيرة التي فيها الوعيد الشديد على الذنوب، والتي فيها إهلاك الله تعالى لمن أذنب أي ذنب، أو لمن ارتكب أي منكر، ولو تتبعنا ذلك لوجدنا فيه أحاديث كثيرة تدل عليه، ومن أراد أن يتوسع فيها فليقرأ الأحاديث التي ذكرها ابن القيم في كتابه الذي سماه: الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، حيث أورد في أوله أحاديث كثيرة وأدلة كثيرة تدل على أن الله تعالى يعاقب على الذنوب، ولو لم تصل إلى الكفر، وأنه بسبب الذنوب أهلك أقواماً.
فاستدل مثلاً بما روي في بعض الآثار: أن الله أوحى إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل: (أني مهلك من قومك ستين ألفاً من شرارهم وأربعين ألفاً من خيارهم، قال: يا رب! هؤلاء الأشرار فما بال الأخيار؟ قال: إنهم لم يغضبوا لغضبي، وكانوا يجالسوهم ويؤانسوهم) ، فعاقب الأخيار في الدنيا بالهلاك، ولم يكن لهم ذنب إلا مجالسة الأشرار ومؤاكلتهم، ولم يذكر ذنب الأشرار هل وصل إلى الكفر أو أنه من المعاصي، وإذا كان من المعاصي فهو دليل واضح على أن العصاة متوعدون بالهلاك في الدنيا، وبالعذاب أو الوعيد في الآخرة.
وروي أن ربنا سبحانه أمر جبريل أن يخسف بقرية كذا وكذا، فقال: يا رب! فيهم عبدك فلان، لم يعصك طرفة عين، فقال: به فابدأ وأسمعني صوته، فإنه لم يتمعر وجهه فيَّ قط، فأمر بإهلاكه، مع أنه لم يذكر له ذنباً إلا أنه لا يغار لله، ولا يتمعر وجهه في ذات الله، وذلك دليل على أن هذا ذنب.
فإقرار العصاة، وعدم الغضب لذات الله، ذنب، ولو لم يعمل الذنب، ولكنه لما لم يغضب لغضب الله استحق أن ينزل عليه من الوعيد والعذاب ما نزل على المعذبين، وهذا يدل على أن أهل المعاصي على خطر في الدنيا وعلى خطر في الآخرة.
ولو لم يكن إلا أثر ذلك الغضب عليهم في الآخرة، لو لم يكن للعصاة عقوبة إلا أنهم إذا غضب الله عليهم انتقم منهم في الدنيا بأي انتقام، ولو لم يصل ذنبهم إلى الكفر؛ فحري بهم أن يتوبوا.
وكذلك من آثار غضب الرب عليهم أن يدخلهم دار العذاب، وهي النار، ولو لم يدخلوها إلا ساعة لاحترقوا، فكيف بما روي أنهم يمكثون فيها عشرات السنين وربما مئات السنين أو ألوف السنين وهم يعذبون فيها، على قدر ذنوبهم كباراً وصغاراً، ولا شك أن هذا عذاب شديد لو اقتصر على عذابهم ساعة لكان أولى بهم ألا يقترفوا ذنباً، وألا يصروا على معصية أياً كانت تلك المعصية.
ولما جاءت هذه الأحاديث وهذه الآثار في وعيدهم كان من عقيدة أهل السنة: أنا نخاف على العصاة، فنقول للعصاة: إنا نخاف عليكم، لا نأمن عليك أيها العاصي نقمة الله، لا نأمن عليك عذابه، لا تأمن أيها العاصي أن يأخذك الله على غرة وغفلة، لا تأمن أن يعذبك أي عذاب، حتى ولو كان عذاباً تظنه هيناً، روي عن بعض السلف أنه قال: (لو توعدني الله إذا عصيته أن يحبسني في الحمام لكان ذلك وعيداً شديداً) أي: يستحق أن أهرب من المعصية حتى لا أحبس في الحمام، فكيف بالحبس في النار التي تلتهب وتشتد على أهلها، ﴿إِذَا رَأَتْهُم مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً * وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُوراً * لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً وَاحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً﴾ [الفرقان:١٢-١٤] ، ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ [الملك:٨] فإذا كان هذا وعيد بهذا العذاب الذي هو عذاب النار؛ فلا شك أنه يحمل المؤمن المصدق على الهرب من أسباب العذاب، حتى ولو كان يرجو في النهاية أن يخرج من النار وأن يدخل الجنة.
стр. 690
مآل أهل التوحيد إلى الجنة لا يعني الأمن وعدم الخوف
من عقيدة أهل السنة أن كل من كان من أهل التوحيد ومن أهل الإيمان فإن مآله إلى دخول الجنة ولو عذب في النار ما عذب، ولكن نخاف عليه ونحوفه، فقد وردت الأدلة الكثيرة في نجاة أهل التوحيد، فآمن أهل السنة بذلك، وصدقوا بأحاديث الشفاعة، والتي منها قوله ﷺ : (لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجل كل نبي دعوته، وإني اختبأت دعوتي لأمتي شفاعة يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله من لا يشرك بالله شيئاً) ، وقال في حديث عتبان: (إن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله) ، وأشباه ذلك من الأحاديث، وكذلك أحاديث الإخراج من النار، وفيها أن الله يقول للشافعين وللملائكة: (أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان، أخرجوا من النار من قال: لا إله إلا الله وكان في قلبه أدنى أدنى حبة خردل من إيمان، ثم يقول الله تعالى: لأخرجن من النار من قال: لا إله إلا الله) .
فيخرج من النار أهل لا إله إلا الله؛ وذلك لأنهم كانوا موحدين لم يشركوا بالله لا في الاعتقاد ولا في الأعمال، وكانوا ممن قال: لا إله إلا الله مخلصين من قلوبهم، وكانوا على إيمان راسخ في قلوبهم، ولكن لضعف ذلك الدافع نزعتهم النفس إلى فعل شيء من الذنوب، فأصروا ولم يستغفروا حتى أتتهم آجالهم، وهم مؤمنون مصدقون، ولكن قد يدخلون النار بسبب ما اقترفوه من الذنوب، ثم بعد ذلك يخرجهم الله إذا شاء بفضله ورحمته.
إذاً: نحن نخاف على العصاة، ولا نأمن عليهم، نقول للعاصي: إنك على خطر، إذا رأيت العاصي المصر على المعصية المتمادي في معصيته فعليك أن تحذره، وتقول: إنك على خطرين: خطر عقوبة في الدنيا بأن يعاجلك الله وينتقم منك، وخطر عقوبة في الآخرة بأن يدخلك في النار وهي دار عذابه، ولو كان مآلك ونهايتك بتوحيدك واعتقادك أن تخرج منها، ولكن لا تأمن العذاب، ولا تستطيع أن تصبر عليه، فالنار التي توعد الله بها شديدة الوقود والالتهاب، وحرها شديد، وقعرها بعيد، وطعام أهلها الزقوم، وشراب أهلها المهل والصديد، ولباسهم القطران والحديد، وعذابهم أبداً في مزيد، فكيف تصبر عليها؟! قال النبي ﷺ : (ناركم هذه جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم، قالوا: يا رسول الله! إن كانت لكافية، فقال: فضلت عليها نار جهنم بتسعة وستين جزءاً كلهن مثل حرها) ، إذا كانت النار تضاعف سبعين ضعفاً فمن يطيق الصبر عليها؟! الله تعالى قد ذكر أنواع العذاب فيها حتى ذكر الحميم، وذكر الزقوم، وذكر المهل والصديد الذي هو شرابهم، وقال: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وَجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً﴾ [الإسراء:٩٧] ، وقال: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا﴾ [النساء:٥٦] ، وقال في شرابهم: ﴿يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً﴾ [الكهف:٢٩] ، وقال أيضاً: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد:١٥] ، فهذا يحصل لكل من دخل النار، ولا شك أنه يخيف المؤمن، فالمؤمن المصدق يخاف أن يدخل في هذا العذاب ولو وقتاً يسيراً.
إذاً: نحن نخاف على العصاة، ولا نأمن عليهم عقاب الله، ونقول لهم: لا تأمنوا مكر الله ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٩] ، ولو تعلقتم وتشبثتم بالأدلة التي فيها الوعد، والتي فيها إخراج العصاة من النار، والتي فيها تحريم أهل التوحيد على النار، لكن لا تأمنوا من النار ولو وقتاً يسيراً، فتوبوا إلى ربكم وأصلحوا أعمالكم، فهذا هو الجمع بين هذه الأحاديث.
أهل السنة تمسكوا بأحاديث الشفاعة التي فيها إخراج أهل التوحيد من النار، وقالوا: ربما يمكثون فيها عشرات السنين أو مئاتها أو ألوفها، وأهل الوعيد تمسكوا بالأدلة التي فيها دخول النار والوعيد بالنار على بعض المعاصي، والجمع بينهما أنه لا مانع من أن يدخلوا النار، ثم بعد ذلك يخرجون منها برحمة أرحم الراحمين، وبشفاعة الشافعين، ولا مانع أن يطلق الخلود على الدوام الطويل، أو على المكث الطويل، ولا مانع أن يطلق حرمان الجنة، أو حرمان دخولها على حرمان الدخول لأول مرة أو نحو ذلك، والله هو الحكيم في أمره، وكلام الله وكلام رسوله لا يمكن أن ينقض بعضه بعضاً، بل كله حق، فمتى أمكن الجمع قلنا به واعتقدنا صحته، وإذا لم يمكن وكلنا أمره إلى الله.
стр. 691
الكبائر والصغائر
قال الشارح رحمنا الله تعالى وإياه: [قال المصنف رحمه الله تعالى: [قوله: (وأهل الكبائر من أمة محمد ﷺ في النار لا يخلدون إذا ماتوا وهم موحدون، وإن لم يكونوا تائبين، بعد أن لقوا الله عارفين، وهم في مشيئته وحكمه إن شاء غفر لهم وعفا عنهم بفضله كما ذكر في كتابه: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء﴾ [النساء:٤٨] وإن شاء عذبهم في النار بعدله ثم يخرجهم منها برحمته وشفاعة الشافعين من أهل طاعته، ثم يبعثهم إلى جنته، وذلك بأن الله تعالى تولى أهل معرفته، ولم يجعلهم في الدارين كأهل نكرته الذين خابوا من هدايته، ولم ينالوا من ولايته، اللهم يا ولي الإسلام وأهله ثبتنا على الإسلام حتى نلقاك به) .
فقوله: (وأهل الكبائر من أمة محمد ﷺ في النار لا يخلدون إذا ماتوا وهم موحدون) رد لقول الخوارج والمعتزلة القائلين بتخليد أهل الكبائر في النار، لكن الخوارج تقول بتكفيرهم والمعتزلة بخروجهم عن الإيمان لا بدخولهم في الكفر بل لهم منزلة بين منزلتين كما تقدم عند الكلام على قول الشيخ ﵀: (ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله) .
وقوله: (وأهل الكبائر من أمة محمد ﷺ تخصيصه أمة محمد يفهم منه أن أهل الكبائر من أمة غير محمد ﷺ قبل نسخ تلك الشرائع به حكمهم مخالف لأهل الكبائر من أمة محمد وفي ذلك نظر، فإن النبي ﷺ أخبر أنه: (يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان) ولم يخص أمته بذلك بل ذكر الإيمان مطلقاً، فتأمله وليس في بعض النسخ ذكر الأمة] .
وقوله: (في النار) معمول لقوله: (لا يخلدون) ، وإنما قدمه لأجل السجعة، لا أن يكون (في النار) خبر لقوله: (وأهل الكبائر) كما ظنه بعض الشارحين.
واختلف العلماء في الكبائر على أقوال: فقيل: سبعة، وقيل: سبعة عشر، وقيل: ما اتفقت الشرائع على تحريمه، وقيل: ما يسد باب المعرفة بالله، وقيل: ذهاب الأموال والأبدان، وقيل: سميت كبائر بالنسبة والإضافة إلى ما دونها، وقيل: لا تعلم أصلاً أو أنها أخفيت كليلة القدر، وقيل: إنها إلى السبعين أقرب، وقيل: كل ما نهى الله عنه فهو كبيرة، وقيل: إنها ما يترتب عليه حد، أو توعد عليها بالنار، أو اللعنة أو الغضب، وهذا أمثل الأقوال.
واختلفت عبارات السلف في تعريف الصغائر، فمنهم من قال: الصغيرة ما دون الحدين: حد الدنيا وحد الآخرة، ومنهم من قال: كل ذنب لم يختم بلعنة أو غضب أو نار، ومنهم من قال: الصغيرة ما ليس فيها حد في الدنيا، ولا وعيد في الآخرة، والمراد بالوعيد: الوعيد الخاص بالنار أو اللعنة أو الغضب، فإن الوعيد الخاص في الآخرة كالعقوبة الخاصة في الدنيا، أعني: المقدرة، فالتعزير في الدنيا نظير الوعيد بغير النار أو اللعنة أو الغضب.
وهذا الضابط يسلم من القوادح الواردة على غيره، فإنه يدخل فيه كل ما ثبت بالنص أنه كبيرة كالشرك والقتل والزنا والسحر وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات، ونحو ذلك كالفرار من الزحف وأكل مال اليتيم وأكل الربا، وعقوق الوالدين واليمين الغموس، وشهادة الزور وأمثال ذلك.
وترجيح هذا القول من وجوه: أحدها: أنه هو المأثور عن السلف كـ ابن عباس وابن عيينة وابن حنبل وغيرهم.
الثاني: أن الله تعالى قال: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً﴾ [النساء:٣١] ، فلا يستحق هذا الوعد الكريم من أُوعد بغضب الله ولعنته وناره، وكذلك من استحق أن يقام عليه الحد لم تكن سيئاته مكفرة عنه باجتناب الكبائر.
الثالث: أن هذا الضابط مرجعه إلى ما ذكره الله ورسوله من الذنوب، فهو حد متلقى من خطاب الشارع.
الرابع: أن هذا الضابط يمكن الفرق به بين الكبائر والصغائر، بخلاف تلك الأقوال، فإن من قال: سبعة، أو سبعة عشر، أو إلى السبعين أقرب، مجرد دعوى، ومن قال: ما اتفقت الشرائع على تحريمه دون ما اختلفت فيه، يقتضي أن شرب الخمر، والفرار من الزحف، والتزوج ببعض المحارم، والمحرم بالرضاعة والصهرية ونحو ذلك ليس من الكبائر! وأن الحبة من مال اليتيم، والسرقة لها، والكذبة الواحدة الخفيفة ونحو ذلك من الكبائر، وهذا فاسد.
ومن قال: ما سد باب المعرفة بالله، أو ذهاب الأموال والأبدان، يقتضي أن شرب الخمر، وأكل الخنزير، والميتة، والدم، وقذف المحصنات، ليس من الكبائر! وهذا فاسد.
ومن قال: إنها سميت كبائر بالنسبة إلى ما دونها، أو كل ما نهى الله عنه فهو كبيرة، يقتضي أن الذنوب في نفسها لا تنقسم إلى صغائر وكبائر، وهذا فاسد؛ لأنه خلاف النصوص الدالة على تقسيم الذنوب إلى صغائر وكبائر.
ومن قال: إنها لا تعلم أصلاً، أو إنها مبهمة، فإنما أخبر عن نفسه أنه لا يعلمها، فلا يمنع أن يكون قد علمها غيره، والله أعلم] .
стр. 692
انقسام الذنوب إلى صغائر وكبائر
هذا الكلام يتعلق بالكبائر؛ لأن الكلام حولها في قول صاحب المتن: (وأهل الكبائر من أمة محمد ﷺ في النار لا يخلدون) ، يعني: ونعتقد أن أهل الكبائر إذا دخلوا النار فإنهم لا يخلدون، بل يمكثون فيها بقدر ذنوبهم، ثم يخرجون، ولما ذكر أن هذا قولنا في أهل الكبائر، احتيج إلى معرفة الكبيرة ما هي؛ وذلك لأن الله تعالى قسم الذنوب إلى قسمين: كبائر وسيئات، فقال تعالى في سورة النساء: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء:٣١] فجعل هناك كبائر وهناك سيئات، ولا شك أن الكبائر سيئات ولكنها كبيرة، والسيئات التي دونها تسمى صغائر، وقال تعالى في سورة النجم: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ﴾ [النجم:٣٢] فقسمها إلى كبائر وإلى لمم، واللمم هو مقدمات الذنوب، وقد ثبت عن ابن عباس قال: ما رأيت أشبه باللمم مما قال أبو هريرة عن النبي ﷺ : (كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة، فالعينان تزنيان وزناهما النظر، واليدان تزنيان وزناهما اللمس، والرجلان تزنيان وزناهما المشي، والأذنان تزنيان وزناهما السمع، واللسان يزني وزناه النطق، والقلب يهوى ويتمنى، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه) ، فجعل التصديق أو التكذيب بالفعل الذي هو الزنا بالفرج، وجعل هذه مقدمات، وهي اللمم؛ وذلك لأن تحريمها من باب سد الذرائع، لأنها من باب الوسائل، فالأصل هو الزنا الذي حرمت هذه الأشياء لأجله.
ولاشك أن الزنا من الكبائر فقد توعد الله عليه بقوله: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء:٣٢] ، وقرنه بالشرك والقتل فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً﴾ [الفرقان:٦٨] فجعل هذه الأشياء مما يتوعد عليه بالآثام وبالعذاب.
وبذلك نعرف أن الذنوب قسمان: كبائر وصغائر، فإذا قلت: ما حد الكبيرة، حتى نتجنبها؛ فتغفر لنا الصغيرة؟ نقول: إن الكبائر هي الذنوب الفاحشة التي سميت فاحشة، والتي توعد عليها، إما بحد في الدنيا، وإما بعذاب في الآخرة، فمثلاً: الشرك والقتل والزنا والربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات؛ هذه قد توعد عليها بعذاب في الآخرة.
ومثلاً: السرقة والقذف والسكر، هذه قد جعل فيها حد في الدنيا، وهو الجلد، أو نحو ذلك، فإذا سمعنا قوله ﷺ : (ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب) ، وقوله: (النائحة إذا لم تتب تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب) ، نعد النياحة من الكبائر، وكذلك إذا أطلق على الذنب أنه كفر كقوله: (أربع في أمتي من أمر الجاهلية) ، أو (اثنتان في الناس هما بهم كفر) ، أو: (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر) ، وأشباه ذلك، فهذه كلها من الكبائر.
стр. 693
خلاف العلماء في تعيين الكبائر وتعدادها
ثبتت بعض الأحاديث التي فيها عد الكبائر كقوله ﷺ : (اجتنبوا السبع الموبقات) ، وكقوله ﷺ : (ألا أخبركم بأكبر الكبائر؟ الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقول الزور، وشهادة الزور) ، وهذه جعلها من أكبر الكبائر، وسميت اليمين الغموس بهذا لأنها تغمس صاحبها في الإثم ثم في النار، فاليمين الكاذبة ورد فيها وعيد شديد.
ولعلكم قد قرأتم الكتب التي ألفت في ذلك، فقد ألف فيها الإمام الذهبي كتابه المشهور: كتاب الكبائر، وأوصلها إلى سبعين كبيرة، جمع فيها ما وقف عليه، وإن كان قد أدخل بعضها في بعض، وجاء بعده ابن حجر الهيتمي وألف كتاباً كبيراً سماه: الزواجر عن اقتراف الكبائر، وأوصلها إلى أربعمائة، بتفصيل في بعضها، وهذا دليل على أنهما كثيرة، ويمكن أن توجد في هذه الأزمنة ذنوب لم تكن مشهورة من قبل، فتضاف إلى هذا العدد، وبذلك يعرف أن الكبائر كثيرة، وأنها لا تحصر في سبع ولا في سبعين، كما روي عن ابن عباس أنه قال: هي إلى السبعين أقرب منها إلى السبع، وفي رواية: إلى السبعمائة، أي: أنها قد تصل إلى سبعمائة.
وقد يقال أيضاً: ضابط الكبيرة أنها ما أصر صاحبه على الذنب، ولو كان ذنباً صغيراً، ولذلك قالوا: لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار.
ولعل ذلك تفسير لما ورد في قصة الرجل الذي كلما أذنب ذنباً تاب إلى الله، واعترف به، وطلب من ربه أن يغفره، فغفره الله له وقال: (علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به، قد غفرت لعبدي) ، فجعل الاستغفار بعدها سبباً لمحو الذنب، فنقول: إن الإصرار على الذنب ولو كان صغيراً يصيره كبيراً؛ وذلك لأنه يدل على التهاون بذلك الذنب، وبما ورد فيه من الوعيد، وتهاون بنظر الله إليه، وتهاون بما جاء في تحريمه، فأصر عليه واستمر عليه، فإذا أصر على شيء يسير ولو كان -مثلاً- أكلاً يسيراً من الحرام، ولكنه استمر عليه فإنه يصبح كبيراً، وإذا أصر على كذب ولو يسيراً، كل يوم أو كل أسبوع يكذب كذبة أو كذبتين اعتبر هذا ذنباً كبيراً، وإذا أصر على النظر إلى النساء المتبرجات، واستمر على ذلك اعتبر استمراره كبيرة من الكبائر، وإذا أصر على السباب والشتم واللعن، أو أصر على سماع المحرم من الغناء ونحوه، أو أصر على النظر في الصور الفاتنة، واستمر على ذلك؛ اعتبر هذا الإصرار ذنباً يضاف إلى ما ورد فيه من الوعيد، واعتبر كبيرة من الكبائر.
وأما التعريفات التي تقدمت فكلها تقريبية، فكل يعرف الكبيرة بما يظهر له، ولا شك أن الذنوب تسد باب المعرفة، كما تقدم في بعض التعاريف، وإن كان هذا التعريف ليس بواضح، وكذلك التعريفات الأخر، التي فيها: أن الكبائر: ما توعد عليه بوعيد أو بعذاب أو بنفي إيمان، أو ما فيه حد في الدنيا أو عقوبة في الآخرة، والذين قالوا: إن الكبائر لا تعلم ولا يعرفون معناها، وأنها قد أخفيت كما أخفيت ليلة القدر في ليالي رمضان ونحو ذلك، نقول: لا شك أن الله ما أمر باجتنابها إلا وهي معروفة، ولا شك أنه ورد في بعض الذنوب ما يعين أنها من الكبائر، كما ذكرنا في السبع الموبقات وفي أكبر الكبائر التي في حديث أبي بكرة، وفي غير ذلك.
وإذا عرف العبد أن هذه من الكبائر، وأن الإصرار عليها سبب للوعيد الذي رتب عليها، فإنه يجتنبها حتى يسلم له دينه، وحتى يستحق الوعد من الله تعالى بتطهير الخطايا؛ وذلك أن اجتناب الكبائر سبب لمحو الصغائر.
стр. 694
إياكم ومحقرات الذنوب
الصغائر قد تكثر على الإنسان، فإن كان مصراً عليها، ومكثرا ًمنها، لم يأمن أن تهلكه، تجتمع عليه من كل جهة فتهلكه، وإن كانت متفرقة ويسيرة من غير إصرار فإن الله تعالى يغفرها بالأعمال الصالحة، والحديث الذي ورد في التحذير من الكبائر يفهم منه أنه في المصر عليها، قال ﷺ : (إياكم ومحقرات الذنوب، فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه) ، ثم ضرب لها مثلاً بقوم نزلوا في فلاة، فحضر جميع القوم، فجعل هذا يأتي بعود، وهذا يأتي بعود حتى جمعوا حطباً كثيراً، فأوقدوا فيه ناراً، فأنضجوا خبزتهم، يعني: أن الذنوب الصغيرة: كلمة، ونظرة، وسمعة، وبطشة، وأكلة، ونحو ذلك، فإذا كانت كثيرة اجتمعت على الإنسان وأحدقت به وأهلكته، كما أن القوم إذا اجتمعوا وهم كثير وجاء هذا بعود وهذا بعرق مع أن الأرض صحراء ليس فيها حطب، فلكثرتهم يجمعون ما يوقدون به حتى ينضجوا طعامهم، فهذا يبين أن الإنسان لا يأمن من الإصرار على الذنوب الصغيرة حتى لا تهلكه وتوقعه في العذاب، أو تؤهله بأن يكون من أهل الوعيد، ومن أهل العذاب الشديد والعياذ بالله.
وبلا شك فإن التهاون بها والإكثار منها يدل على عدم الاهتمام بتحريم الله وبنهيه، أما الذي يحذرها ويتركها خوفاً من الله؛ لأن الله نهى عنها وحرمها، فهو الذي يستحضر عظمة الله، ونهيه وتحذيره.
стр. 695
فضل التوبة وشروطها
قال الشارح ﵀: [وقوله: (وإن لم يكونوا تائبين) ؛ لأن التوبة لا خلاف أنها تمحو الذنوب، وإنما الخلاف في غير التائب، وقوله: (بعد أن لقوا الله تعالى عارفين) ، لو قال: (مؤمنين) بدل قوله: (عارفين) كان أولى؛ لأن من عرف الله ولم يؤمن به فهو كافر، وإنما اكتفى بالمعرفة وحدها الجهم، وقوله مردود باطل كما تقدم، فإن إبليس عارف بربه ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الحجر:٣٦] ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص:٨٢-٨٣] ، وكذلك فرعون وأكثر الكافرين قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان:٢٥] ، ﴿قُلْ لِمَنْ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون:٨٤-٨٥] ، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على هذا المعنى، وكأن الشيخ ﵀ أراد المعرفة الكاملة المستلزمة للاهتداء التي يشير إليها أهل الطريقة، وحاشا أولئك أن يكونوا من أهل الكبائر، بل هم سادة الناس وخاصتهم] لا خلاف أن التوبة تمحو الذنب ولو كان من الكبائر، ولو كان من الشرك، فالكلام ليس في التائب، أما أهل التوبة فلا وعيد عليهم، بل الله تعالى يقبل توبتهم، ويغفر ذنوبهم، ويدخلهم دار كرامته، ويكفر عنهم بسبب توبتهم ما وقعوا فيه من كفر ومن كبائر ومن صغائر ومن ترك أوامر، يمحو ذلك كله بسبب التوبة، وهذه التوبة لابد أن تكون نصوحاً، وهي التي أمر الله بها، ﴿تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً﴾ [التحريم:٨] ؛ وذلك لأن هناك من يتوب توبة لا تزجره عن المعاصي، وتسمى توبة الكاذبين، فلا تكون مفيدة له، ولا ماحية لما وقع منه، ولا لما فعله من الخطايا، ولا لما تركه من الطاعات، فلابد أن تكون التوبة نصوحاً.
وتعرفون أن للتوبة شروطاً لابد منها، وذكر العلماء منها ثلاثة: الإقلاع عن الذنب، والندم على ما مضى، والعزم على ألا يعود إلى الذنب.
أما الذي يتوب بلسانه ويقول: أنا تائب، أو تبت إلى الله، ومع ذلك هو مصر على الذنب، حتى ولو كان صغيراً، ومتهاوناً به، فهذا لا توبة له؛ لأنه يتوب بلسانه، ويعمل الذنب بلسانه أيضاً، يقول بلسانه: تبت إلى الله، ثم يستعمل لسانه في الشتم أو في اللعن أو في القذف، أو نحو ذلك، أو يستعمل بصره في المحرم، بأن ينظر إلى الحرام، أو يقول بلسانه ويأكل الحرام، وهو مستمر على ذلك، فلا توبة له، وكذلك الذي يتمدح بمعاصيه، مع أنه قد تركها، فيتمدح بأنه قد زنى بكذا وكذا، ويتمدح بأنه قد قتل فلاناً وفلاناً، ويرى ذلك منحة، ويتمدح بأنه قد خدع فلاناً، وأخذ ماله، أو سرق كذا وكذا، ويتمدح بأنه قد شرب كذا وكذا خمراً وما أشبه ذلك، فكل ذلك لا تقبل معه التوبة.
وهكذا الذي يتوب توبة مؤقتة! بأن يعزم على أنه بعد حين سيعاود الذنب إذا قدر عليه، ومن أمثال هؤلاء: الذين يسافرون لأجل الزنا إلى كثير من البلاد الإباحية، فإذا جاءوا قالوا: تبنا، ولكنهم عازمون على أن يرجعوا إلى تلك البلاد مرة أخرى؛ ليعودوا إلى ما فعلوه.
وهكذا من ترك الذنب في وقت من الأوقات، كالذين يتركون الخمر في رمضان أو الدخان أو نحو ذلك، ثم يعزمون على العودة إليه بعد إفطارهم، لا شك أن هؤلاء لا تقبل توبتهم.
والحاصل أن التوبة النصوح تمحو السيئات وتمحو الكبائر، وتمحو الشرك، وأكبر الشرك التثليث الذي ذكره الله عن النصارى، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة:٧٣-٧٤] ، فدعاهم إلى التوبة مع كونهم يقولون: إن الله ثالث ثلاثة.
وكذلك دعا الذين يشركون في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً * إِلاَّ مَنْ تَابَ﴾ [الفرقان:٦٨-٧٠] فاستثنى من هؤلاء التائب فإنه تقبل توبته، وقد ذكر الله أنه يبدل سيئاته حسنات.
والمراد أن التوبة الصادقة تكون سبباً لمحو الذنوب كلها كبائرها وصغائرها، أما ما يتعلق بأهل الكبائر الذين لم يتوبوا، فقد عرفنا أنهم تحت مشيئة الله، إذا شاء الله عاقبهم وعذبهم بقدر ذنوبهم، وإذا شاء غفر لهم ومحا عنهم ما وقعوا فيه من السيئات، ومعلوم أنا لا نأمن أن ينتقم الله منهم في الدنيا، وأن يغضب عليهم في الآخرة، فيعذبهم على هذه الذنوب التي اقترفوها، ومعلوم أيضاً أن عذاب الله شديد، وأن العذاب في النار لا يقدر عليه أحد، قال الله في عذاب النار: ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور:١٦] ومن يطيق الصبر على ذلك العذاب الشديد؟! فإذا عرف المؤمن أنه باقتراف هذه السيئات متوعد بهذا الوعيد الشديد؛ زجره ذلك وحمله على أن يتوب إلى الله تعالى، ويقلع عن السيئات.
стр. 696
شرح العقيدة الطحاوية [٥٣]
من عقيدة أهل السنة الصلاة خلف كل بر وفاجر، وللصلاة خلف المبتدع أحكام بين أهل العلم ﵏ اختلافها باختلاف البدعة والمبتدع، كما تدل على ذلك النصوص الشرعية.
стр. 697
مجمل اعتقاد أهل السنة في مسألة التكفير
عقيدة أهل السنة والجماعة تخالف عقائد المبتدعة، ومبنى هذه العقيدة على سنة النبي ﷺ ، وعلى الجماعة التي هي اجتماع كلمتهم على الحق، واجتماعهم على إمامهم، وعلى متبوعهم، وبذلك سموا أهل السنة، وسموا أهل الجماعة، فالجماعة في الأصل هم: الذين كانوا مجتمعين على الحق في الزمن الماضي، ويراد بهم السلف الصالح، ولا شك أنهم كانوا مجتمعين، وغيرهم كانوا متفرقين، ولأجل ذلك فسرت الآية التي في سورة آل عمران، وهي قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران:١٠٦] بأنه تبيض وجوه أهل السنة والائتلاف، وتسود وجوه أهل الفرقة والاختلاف، فدل على أن أهل السنة مجتمعون ومتآلفون، وأن أهل البدع مفترقون ومتخالفون، ومخالفون للحق وللصواب.
ومن عقيدة أهل السنة أنهم لا يكفرون بالذنوب، ولا يخرجون المذنب من الإسلام، وخالفهم في ذلك كثير من المبتدعة، فكفروا بمجرد اقتراف الذنوب، وأخرجوا أهل الكبائر من الإسلام، ولا شك أن ذلك فيه اعتداء على حرمات المسلمين، بحيث إنهم كفروا المسلمين واستحلوا دماءهم وأموالهم، والمراد بالذنوب هنا: الذنوب التي دون الكفر، وتسمى كبائر الذنوب، فإنها لا يبلغ أصحابها أن يحكم بكفرهم، فلا نكفر من قاتل المسلمين إذا كان متأولاً، ولا نكفر البغاة الذين يثورون على الأئمة، ولا نكفر قطاع الطريق، ولا نكفر من فعل جريمة الزنا أو جريمة السرقة أو القذف أو شرب الخمر أو شرب الدخان أو ما أشبه ذلك، لا نكفر هؤلاء، وكذلك من ارتكب بقية المحرمات.
ولكن الذي يكفر هو الذي يستحل الحرام، ويرد النصوص الصريحة، ويعتمد على هواه، فمثل هذا -ولو لم يفعلها- يعتبر كافراً؛ لأن من استحل الحرام الصريح الذي دليله كالشمس يعتبر قد رد على الله تعالى شريعته، ورد على الرسول ﷺ سنته.
وهناك ذنوب يوجد خلاف في التكفير بها، مثل ترك الصلاة والإصرار على تركها، والتهاون بها؛ وذلك لورود الأدلة التي تنص على كفر من ترك الصلاة، ولا شك أن الكفر الذي ورد فيمن ترك الصلاة من الكفر الذي سمي به الكفار، وإن كان بعضهم قد تأول ذلك، وبكل حال فهذه طريقة أهل السنة والجماعة.
كذلك أيضاً من طريقتهم أنه إذا مات أحد العصاة ونحوهم لا يتركون الصلاة عليه، وقد تترك الصلاة على بعضهم للزجر، يتركها الإمام ونحوه، كمن قتل نفسه فلا يصلي عليه الإمام، وكذلك من غل لا يصلي عليه الإمام، ويصلي عليه بقية الجماعة، وقد ثبت أنه ﷺ صلى على المرأة التي رجمت بعد أن اعترفت بالزنا، وأخبر بأن اعترافها يعتبر توبة.
وأباح الصلاة على العصاة، وقال: (صلوا على من قال: لا إله إلا الله، وصلوا خلف من قال: لا إله إلا الله) ، فهذه طريقة أهل السنة في عدم التكفير.
وأما المعتزلة فإنهم يكفرون بمثل هذه الذنوب، ويخرجون المسلم بها من الإسلام، وإن لم يدخلوه في الكفر، بل يجعلوه بين الإسلام والكفر، وطريقة الخوارج: أنهم يخرجونه من الإسلام ويدخلونه في الكفر، والفرق بينهما أن الخوارج يستحلون دمه، ويسبون امرأته وابنته، ويستحلون ماله، ويستحلون قتله.
أما أهل السنة فإنهم يقولون: إن المؤمنين من هذه الأمة لا يخلدون في النار، وإن دخلوها، فإنهم بعدما تكفر عنهم سيئاتهم يخرجون منها، هذه عقيدة أهل السنة، وإن خالفهم في ذلك من خالفهم فلا عبرة بمخالفتهم.
стр. 698
الحق يعرف بدليله لا بقائله
أهل السنة هم المتمسكون بكتاب الله تعالى وبأحاديث نبيه ﷺ ، ومنهم الأئمة الأربعة، ومنهم الهداة الذين هدى الله تعالى بهم خلقاً كثيراً في صدر هذا الإسلام، وإن كانوا يقلون في بعض الأزمنة، ويكثر المبتدعة، ففي زماننا قد يكون المتمسكون بالسنة حقاً قلة في البلاد، ويصدق على هذا الزمان أنه زمان الغربة، الذي قال فيه النبي ﷺ : (بدأ الإسلام غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء، قيل: من الغرباء؟ قال: الذين يصلحون عند فساد الناس) ، وفي رواية: (الذين يصلحون ما أفسد الناس من سنتي) ، وفي بعض الروايات: (الذين يفرون بدينهم من الفتن) ، فإذا وقعت الفتن والاختلافات والبدع في بلاد هربوا ونجوا بدينهم، وفي رواية: (النزاع من القبائل) ، يكون من الأسرة واحد أو اثنان، من القبيلة عشرة أو خمسة، من البلدة عشرة أو عشرون، والبقية مخالفون لهم، أو ينتقدونهم، فهؤلاء هم الغرباء، فطوبى للغرباء.
ولكن لا يضر الحق قلة أهله، فالعبرة بالمتمسكين بالحق، والعبرة بالأدلة، وليس العبرة بكثرة الهالكين، وذلك لكثرة الأسباب التي تحرف الناس وتصرفهم عن الحق؛ لكثرة الفتن، ولكثرة المغريات، ولكثرة الدعايات المضللة.
إذاً: لا عجب -مع كثرة هذه المغريات- من كثرة الهالكين، كما قال بعض السلف: ليس العجب ممن هلك كيف هلك، إنما العجب ممن نجا كيف نجا! يعني: مع كثرة الفتن، ومع كثرة الدعايات والمضللات يستغرب أن هذا الإنسان يمن الله عليه بالهداية، ويوفقه للتمسك بالشريعة، ويعض عليها بالنواجذ، مع كثرة من يخذله ويؤنبه ويوبخه ويرميه بالرجعية، ويرميه بالتقهقر والتأخر، ويرميه بالتزمت والتشدد والغلو، وما أشبه ذلك، ولكن إذا رزقه الله إخلاصاً، وتمسك بالحق، وصمد عليه؛ فلا يضره ذلك، وسيجعل الله له فرجاً ومخرجاً.
أهل السنة في كل زمان يرميهم أهل البدع بالشذوذ، ويرمونهم بالتغفيل، ويرمونهم بالأسماء التي ينكرون بها، فيقولون لهم: مشبهة، ومجسمة، وحشوية، ونوابت، وغثاء، وغُثُر، ونحو ذلك من الأسماء التي ابتدعوها وما أنزل الله بها من سلطان، ولا تنطبق عليهم، وإنما تنطبق على أعدائهم، فلا تضرهم هذه الألقاب.
إذاً: لا عبرة بمن خالفهم، إنما العبرة بمن وافق الحق وتمسك به، فالحق حق ولو قل المتمسكون به، والباطل باطل ولو كثر المعتنقون له، إنما العبرة بالدليل، ولا شك أن حجة الله تعالى قوية، وأن من احتج بالدليل الواضح فإنه غالب ولو صمد أمامه الناس، وقد مضت لنا أدلة عقلية وأدلة نقلية تبين صحة ما عليه أهل الحق.
стр. 699
حكم الصلاة خلف المبتدع والفاسق
قال الشارح رحمنا الله تعالى وإياه: [قال المصنف رحمه الله تعالى: [قوله: (ونرى الصلاة خلف كل بر وفاجر من أهل القبلة، وعلى من مات منهم) .
قال ﷺ : (صلوا خلف كل بر وفاجر) رواه مكحول عن أبي هريرة ﵁، وأخرجه الدارقطني قال: مكحول لم يلق أبا هريرة، وفي إسناده معاوية بن صالح متكلم فيه، وقد احتج به مسلم في صحيحه، وخرج له الدارقطني أيضاً وأبو داود عن مكحول عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (الصلاة واجبة عليكم مع كل مسلم بر وفاجر، وإن عمل بالكبائر، والجهاد واجب عليكم مع كل أمير بر وفاجر، وإن عمل الكبائر) وفي صحيح البخاري: أن عبد الله بن عمر ﵁ كان يصلي خلف الحجاج بن يوسف الثقفي وكذا أنس بن مالك وكان الحجاج فاسقاً ظالماً، وفي صحيحه أيضاً أن النبي ﷺ قال: يصلون لكم؛ فإن أصابوا فلكم ولهم وأن أخطأوا فلكم وعليهم، وعن عبد الله بن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (صلوا خلف من قال لا إله إلا الله، وصلوا على من مات من أهل لا إله إلا الله) أخرجه الدارقطني من طرق وضعفها.
اعلم رحمك الله وإيانا: أنه يجوز للرجل أن يصلي خلف من لم يعلم منه بدعة ولا فسقا باتفاق الأئمة وليس من شرط الائتمام أن يعلم المأموم اعتقاد إمامه ولا أن يمتحنه فيقول: ماذا تعتقد؟! بل يصلي خلف المستور الحال.
ولو صلى خلف مبتدع يدعو إلى بدعته أو فاسق ظاهر الفسق، وهو الإمام الراتب الذي لا يمكنه الصلاة إلا خلفه، كإمام الجمعة والعيدين، والإمام في صلاة الحج بعرفة، ونحو ذلك، فإن المأموم يصلي خلفه عند عامة السلف والخلف، ومن ترك الجمعة والجماعة خلف الإمام الفاجر فهو مبتدع عند أكثر العلماء، والصحيح أنه يصليها ولا يعيدها، فإن الصحابة ﵃ كانوا يصلون الجمعة والجماعة خلف الأئمة الفجار ولا يعيدون، كما كان عبد الله بن عمر يصلي خلف الحجاج بن يوسف، وكذلك أنس ﵁ كما تقدم، وكذلك عبد الله بن مسعود ﵁ وغيره يصلون خلف الوليد بن عقبة بن أبي معيط وكان يشرب الخمر، حتى إنه صلى بهم الصبح مرة أربعاً، ثم قال: أزيدكم؟ فقال له ابن مسعود: ما زلنا معك منذ اليوم في زيادة.
وفي الصحيح أن عثمان بن عفان ﵁ لما حصر صلى بالناس شخص، فسأل سائل عثمان: إنك إمام عامة، وهذا الذي صلى بالناس إمام فتنة؟ فقال: يا ابن أخي! إن الصلاة من أحسن ما يعمل الناس، فإذا أحسنوا فأحسن معهم، وإذا أساءوا فاجتنب إساءتهم.
والفاسق والمبتدع صلاته في نفسها صحيحة، فإذا صلى المأموم خلفه لم تبطل صلاته، لكن إنما كره من كره الصلاة خلفه؛ لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب.
ومن ذلك: أن من أظهر بدعة وفجوراً لا يرتب إماماً للمسلمين، فإنه يستحق التعزيز حتى يتوب، فإن أمكن هجره حتى يتوب كان حسناً، وإذا كان بعض الناس إذا ترك الصلاة خلفه وصلى خلف غيره أثَّر ذلك في إنكار المنكر حتى يتوب أو يعزل، أو ينتهي الناس عن مثل ذنبه، فمثل هذا إذا ترك الصلاة خلفه كان في ذلك مصلحة شرعية ولم تفت المأموم جمعة ولا جماعة، وأما إذا كان ترك الصلاة خلفه يفوت المأموم الجمعة والجماعة، فهنا لا يترك الصلاة خلفه إلا مبتدع مخالف للصحابة ﵃.
وكذلك إذا كان الإمام قد رتبه ولاةُ الأمور، ليس في ترك الصلاة خلفه مصلحة شرعية، فهنا لا يترك الصلاة خلفه، بل الصلاة خلفه أفضل، فإذا أمكن الإنسان ألا يقدم مظهراً للمنكر في الإمامة وجب عليه ذلك، لكن إذا ولاه غيره، ولم يمكنه صرفه عن الإمامة، أو كان لا يتمكن من صرفه عن الإمامة إلا بشر أعظم ضرراً من ضرر ما أظهر من المنكر، فلا يجوز دفع الفساد القليل بالفساد الكثير، ولا دفع أخف الضررين بحصول أعظمهما، فإن الشرائع جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها بحسب الإمكان، فتفويت الجمع والجماعات أعظم فساداً من الاقتداء فيهما بالإمام الفاجر، لا سيما إذا كان التخلف عنها لا يدفع فجوراً، فيبقى تعطيل المصلحة الشرعية بدون دفع تلك المفسدة.
وأما إذا أمكن فعل الجمعة والجماعة خلف البر، فهذا أولى من فعلها خلف الفاجر، وحينئذ فإذا صلى خلف الفاجر من غير عذر، فهو موضع اجتهاد العلماء: منهم من قال: يعيد، ومنهم من قال: لا يعيد، وموضع بسط ذلك في كتب الفروع.
وأما الإمام إذا نسي أو أخطأ، ولم يعلم المأموم بحاله فلا إعادة على المأموم، للحديث المتقدم، وقد صلى عمر ﵁ وغيره وهو جنب ناسياً للجنابة، فأعاد الصلاة ولم يأمر المأمومين بالإعادة.
ولو علم أن إمامه بعد فراغه كان على غير طهارة أعاد عند أبي حنيفة، خلافاً لـ مالك والشافعي وأحمد في المشهور عنه، وكذلك لو فعل الإمام ما لا يسوغ عند المأموم، وفيه تفاصيل موضعها كتب الفروع.
ولو علم أن إمامه يصلي على غير وضوء فليس له أن يصلي خلفه؛ لأنه لاعب وليس بمصل] .
стр. 700
الأولوية في الإمامة تكون للأقرأ
هذا الكلام يتعلق بالصلاة خلف الولاة وخلف الأئمة، وبلا شك أن إمام المسلمين الذي يصلي بهم، والذي يؤمهم في الصلوات الجامعة، كالجماعة والأعياد ونحوها، يجب أن يكون أهلاً، وقد ثبت أن النبي ﷺ قال: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة) ، وفي رواية: (فأكبرهم سناً) ، وقد جعل العلماء ترتيب الأئمة على هذا الحديث، وذكروا أن الأقرأ إذا كان عالماً بفقه الصلاة فإنه يقدم على غيره، بشرط معرفته بأحكام الصلاة، ثم بعده إذا استوى اثنان أو أكثر في العلم والفقه قدم من هو أوسع علماً بالسنة، يعني: بالأحاديث النبوية، وصحيحها وما يتصل بها، ثم إذا استووا في ذلك مع غيرهم قدم من هو أقدم علماً وأقدم هجرة، ثم بعد ذلك يقدم أكبرهم سناً، ثم بعد ذلك يقدم أتقاهم وأخشاهم لله وأورعهم.
стр. 701
وجوب الصلاة خلف الولاة وإن كانوا فساقاً
معلوم أن ولاة الأمور سابقاً كانوا هم الذين يخطبون بالناس، وكانوا هم الذين يصلون بهم الجمع والأعياد، فكان الخليفة أو أمير البلاد هو الذي يتولى الإمامة، وقد يكون فيه بعض من النقص، وبعض من الخلل، ولكنهم لما تولوا بالقوة، ولما كانت لهم سيطرة وسلطة وولاية؛ كانت طاعتهم واجبة؛ لما في مخالفهم ومعصيتهم من المفاسد الكثيرة، فإن معصية ولاة الأمور، ومخالفتهم، وترك الصلاة خلفهم، وتضليلهم، وترك طاعتهم؛ يسبب الشقاق، ويسبب الفتن، ويسبب الظلم والحبس والضرب والقتل، وتفريق الكلمة، وإساءة الظن، وما أشبه ذلك، فجاءت الشريعة بالسمع والطاعة لولاة الأمور، حتى قال النبي ﷺ وغيره: (اسمع وأطع، وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك) ، وما ذاك إلا لأن في الطواعية وفي الانقياد لهم جمعاً لكلمة المسلمين، وعدم تفريق لهم.
فإذا كان الوالي هو الذي يتولى الإمامة، ويتولى الخطبة، ويتولى الصلاة، ويتولى قيادة الجهاد، ويتولى إمامة الحجاج في عرفة وفي غيرها من المواقف، فإنهم يصلون خلفه، ولا يتركون الصلاة خلفه، وهذا فيما فإذا لم يوجد غيره، إذا كان المسلمون لا يصلون إلا في مسجد واحد، وإمام هذا المسجد هو هذا الأمير، وكان فيه شيء من النقص أو الخلل في دينه، من ارتكاب ذنب، أو إصرار على معصية، أو ترك لشيء من الطاعات أو نحو ذلك، فالصلاة خلفه أفضل من أن تصلي وحدك أو تترك الجمعة أو تترك الجماعة أو تترك العيد أو ما أشبه ذلك، هذا هو الواجب على المسلم.
стр. 702
صلاة الصحابة خلف الولاة والظلمة والفسقة
الصحابة ﵃ كانوا يصلون خلف الولاة الظلمة: كـ الحجاج، فقد كان ابن عمر وأنس وغيرهما يصلون خلفه، وهو مشهور بإراقة الدماء، ولم يشتهر عنه إلا أن في سيفه رهقاً، فكان كثير القتل في المسلمين، بمجرد التهمة وبمجرد الظن، ولذلك اعتبروه فاسقاً، وإن لم يكن فاسقاً في الاعتقاد، وإن لم يكن مخلاً بالعبادات، ولم يذكر عنه شيء من اقتراف المحرمات، بل كان شديداً على العصاة، فكان يقيم الحدود، ويجلد الزاني وشارب الخمر، وينهى عن سماع الغناء وما أشبه ذلك، وما نقم عنه إلا أن في سيفه رهقاً، فقد قتل عدداً كثيراً من المسلمين، وإن كان قتلهم متأولاً، وبكل حال فقد جعلوه من العصاة، وحكموا عليه بأنه عاص، ومع ذلك كان يؤم الناس في عرفة، ويصلي خلفه بعض الصحابة كـ عبد الله بن عمر بن الخطاب، ويصلي بالناس بالكوفة في العراق، ويصلي خلفه أنس بن مالك.
وكذلك في عهد عبد الله بن مسعود كان الوالي على الكوفة من قبل عثمان الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وكان متهاوناً بشيء من المحرمات، ومن ذلك أنه كان يشرب الخمر، فصلى بهم مرة وهو سكران، حتى صلى بهم الصبح أربعاً، والتفت إليهم وقال: أزيدكم؟ فقال له ابن مسعود: ما زلنا معك منذ اليوم في زيادة، ومع ذلك ما تركوا الصلاة خلفهم؛ لأنهم إذا تركوها صلوا فرادى، ولا شك أن هذا من ترك السنة، ومن ترك الجماعة، فالصلاة مع الجماعة خير ولو كان ذلك الإمام الذي فرض نفسه فيه شيء من الخلل والنقص.
ولا ينقص ذلك صلاة المصلي.
وكما تقدم أن الصلاة من أحسن أعمالهم، فإذا صلوا وأحسنوا فصلاتهم صحيحة، إذا أقاموا ركوعها وسجودها وخشوعها وقراءتها، وجميع ما يشترط فيها، فهي عمل صالح مبرور، فليس لنا أن نترك الصلاة لأجل فسقهم، ما دام أنهم يقيمون الصلاة كما ينبغي، وبإظهارهم للصلاة يحكم بأنهم مسلمون، فإن من صلى حكم بأنه مسلم، وعومل معاملة المسلمين، ولهذا لما ذكر النبي ﷺ أن بعض الولاة وبعض الأمراء يستحلون الدماء، ويفعلون ويفعلون، قيل: (يا رسول الله! أفلا نقاتلهم؟ قال: لا، ما صلوا، أو ما أقاموا فيكم الصلاة) أي: ما داموا يصلون، ويقيمون الصلاة، فالصلاة من أحسن الأعمال، فلا تخرجوا عليهم، ولا تقاتلوهم ولا تقتلوهم.
стр. 703
الصلاة خلف المبتدع وتفاصيلها
إذا لم يكن هناك ولاة يصلون بالناس كما في هذه الأزمنة، فإنه يختار للإمامة الأكفأ والأورع، ويعزل عنها المبتدع والعاصي المتظاهر بمعصية، فإذا عرف بأن هذا الشخص يتظاهر بمعصية، أو يفعل ذنباً من الذنوب، فلا يجوز أن يعين إماماً راتباً، بل إذا علم الناس منه هذا الذنب فإن عليهم أن يؤخروه، ويسعوا في خلعه وإبعاده.
أما لو لم يقدروا فالصلاة خلفه صحيحة إذا أتمها، ولكن إذا وجد من هو أحسن منه فليصلى خلف الحسن، فإذا رأيت أن إمام ذلك المسجد يستحل سماع الغناء، أو يحلق لحيته، أو يسكر، أو يدخن، أو يسبل ثوبه، يصلي مسبلاً، أو يؤوي بعض الفسقة والأشرار، ويستضيفهم ويؤيدهم، أو يتأخر عن بعض الصلوات، أو يتركها تركاً، أو ما أشبه ذلك، وتعلم ذلك منه، وتجد إماماً في مسجد آخر -ولو بعيداً- تقياً ورعاً، محافظاً على العبادة، متنزهاً عن الآثام، فلا شك أن الصلاة خلف ذلك التقي، وذلك الورع، أولى من صلاتك خلف هذا العاصي.
أما لو كان ترك الصلاة خلف ذلك الإمام يسبب ارتداعه فإن ذلك يلزم.
فلو أن الإمام شيعي، أو قبوري، أو عاصٍ مظهر للمعصية، أو معتزلي مخالف للعقيدة، أو يعتقد مذهب المتصوفة، أو ما أشبه ذلك، ومع ذلك دعوناه وبينا له، فأصر على معتقده، وصار إماماً يصلي في هذا المسجد، فكوننا نصلي خلفه فيه إقرار لهذه البدعة أو تقوية لها، ولكن علينا أن نسعى في إزالته، ونسعى في إبعاده وفصله، وإن لم نقدر، وكان في ترك الصلاة خلفه تنفير للناس منه؛ تركنا الصلاة خلفه، وذهبنا إلى المساجد الأخرى، سيما إذا ترك الصلاة خلفه الذين لهم كلمة مسموعة، فهذا يسبب ارتداعه، ويسبب توبته، ورجوعه عما يعتقده، فيقول: قد ترك هؤلاء الصلاة خلفي، ولا شك أنهم عرفوا أن ما أفعله خطأ، فيرجع إلى نفسه ويتوب، سواء كان الذنب الذي فيه بدعة أو معصية، فيرجع عن بدعته التي هي -مثلاً- تعظيم القبور، أو سب الصحابة كما يفعله الرافضة، أو اعتقاد تفضيل بعض الصحابة على الخلفاء، أو ما أشبه ذلك، أو كان على مذهب المتصوفة الذين يدعون أن الولي أفضل من الأنبياء، أو أن أولياءهم يستطيعون أن يأخذوا من الملأ الأعلى، أو ما أشبه ذلك من عقائد الصوفية الباطلة، أو كان عاصياً معصية ظاهرة: يحلق لحيته، أو يشرب الدخان، فإذا ترك الناس الصلاة خلفه ارتدع وفكر، وعلم أنه مخطئ، وأنهم ما تركوا الصلاة خلفه إلا وقد أنكروه، وأن الصواب معهم، وأنهم مجموعة كبيرة، ولا يمكن أن يكون هو المصيب وهم المخطئون مع كثرتهم، ففي ذلك فائدة، فنقول: تترك الصلاة خلفه، هذا إذا وجد غيره، فأما إذا لم يوجد إلا هو فإن الصلاة خلفه مجزئة، وهي أفضل من الصلاة على الانفراد كما ذكرنا.
وبكل حال فالصلاة خلف الولاة إذا لم يوجد غيرهم لازمة، ولا يجوز الانفراد عنهم، والصلاة خلف العصاة كذلك، إذا لم يوجد غيرهم.
стр. 704
الإمامة العارضة يتسامح فيها ما لا يتسامح مع الإمامة الراتبة
قد تدخل بعض المساجد وتجد الصلاة الأولى قد صليت، وتجد جماعة أخرى قد قدموا واحداً أنت تعرف أنه يدخن، أو تراه مسبلاً، أو تراه حليقاً، وتعرف منه مالا يعرف هؤلاء الذين يصلون خلفه، فماذا تفعل؟ نقول: صل خلفه ولا تصل وحدك؛ وذلك لأنه في هذه الحال صلاته عارضة، وليست مستمرة، وإنما إمامته إمامة عارضة، بخلاف ما إذا كان راتباً، أما إذا رتب في مسجد من عرف بالفسق وبالفجور، وبسماع الأغاني، وبالنظر إلى الصور، وبمغازلة النساء، وبالتساهل مع نسائه بإباحة السفور لهن أو نحو ذلك، فإذا عرف منه ذلك فلا يجوز إقراره في إمامة المسلمين؛ لأن في ذلك إظهاراً لمنكره، وتمكيناً له، فإن كونه يتولى الإمامة فيه شيء من تشجيعه وتقديمه ورفع معنويته، ورفع مستواه، وفي ذلك رفع للباطل على الحق، فعلى جماعة المسجد أن يسعوا جميعاً في عزلة عن الإمامة وعن الخطابة، ويسعوا في تولية من هو أهل، وعلى المسئولين بعد أن يتأكدوا من صحة ما رمي به وما وصف به، أن لا يقروه على هذه الإمامة، فإقراره فيه تقوية للمنكر، وإظهار لأهل المنكر، وعزله فيه إذلال وإهانة للعصاة، ودفع لهم عن التظاهر بالمعاصي.
وبكل حال معلوم أن صلاة الجماعة من واجبات الإسلام، وأن المسلمين مأمورون بأن يجتمعوا في مساجدهم، ويقدموا واحدا ًمنهم، ويصلوا خلفه، يركعوا بركوعه، ويتبعوه في السجود، وفي الرفع، وفي الخفض، وفي الحركات كما هو معلوم في كتب الفروع، ولكن لابد أن يكون الإمام قدوة حسنة؛ وذلك لأنه سمي إماماً، والإمام هو القدوة الذي يؤتم به، يقول ﵊: (إنما جعل الإمام ليؤتم به) ، حتى من جهة ترك المعاصي، ومن جهة صحة العقائد.
стр. 705
حكم الصلاة وراء الإمام المحدث
أشار الشارح إلى مسائل فروعية، وذكر أن الكلام عليها واسع، ومحله في كتب الفروع، وهو صحيح، فمثلاً: من صلى بالناس محدثاً -حدثاً أكبر أو أصغر-، وصلى الناس خلفه وهم لا يعرفون حدثه، فما الحكم؟ هذه مسألة فروعية، ففرقوا بين ما إذا كان علم بالحدث وهو في نفس الصلاة فاستمر فيها، فإنهم يعيدون، وما إذا لم يتذكر إلا بعد ما انصرف فإنهم لا يعيدون، واستدل بقصة عمر، فإنه صلى مرة الصبح بالجماعة، ثم رأى على ثوبه أثر احتلام، فاغتسل وأعاد الصلاة، ولم يأمرهم بالإعادة، هذا هو القول المشهور.
وقد روي عن علي أنه أمرهم بالإعادة، فإنه مرة صلى بالجماعة محدثاً في الكوفة، ولما كان بعد ثلاثة أيام تذكر أنه صلى بهم ذلك الوقت وهو محدث، فأمر منادياً ينادي في الأسواق: من صلى مع أمير المؤمنين في اليوم الفلاني الصلاة الفلانية فليعد تلك الصلاة، ولعل ذلك من باب الاجتهاد من علي ﵁، وهذه مسألة فروعية.
следующие страницы →