Полный текст (1 175 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
وجوب الصلاة خلف الولاة وإن كانوا فساقاً
معلوم أن ولاة الأمور سابقاً كانوا هم الذين يخطبون بالناس، وكانوا هم الذين يصلون بهم الجمع والأعياد، فكان الخليفة أو أمير البلاد هو الذي يتولى الإمامة، وقد يكون فيه بعض من النقص، وبعض من الخلل، ولكنهم لما تولوا بالقوة، ولما كانت لهم سيطرة وسلطة وولاية؛ كانت طاعتهم واجبة؛ لما في مخالفهم ومعصيتهم من المفاسد الكثيرة، فإن معصية ولاة الأمور، ومخالفتهم، وترك الصلاة خلفهم، وتضليلهم، وترك طاعتهم؛ يسبب الشقاق، ويسبب الفتن، ويسبب الظلم والحبس والضرب والقتل، وتفريق الكلمة، وإساءة الظن، وما أشبه ذلك، فجاءت الشريعة بالسمع والطاعة لولاة الأمور، حتى قال النبي ﷺ وغيره: (اسمع وأطع، وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك) ، وما ذاك إلا لأن في الطواعية وفي الانقياد لهم جمعاً لكلمة المسلمين، وعدم تفريق لهم.
فإذا كان الوالي هو الذي يتولى الإمامة، ويتولى الخطبة، ويتولى الصلاة، ويتولى قيادة الجهاد، ويتولى إمامة الحجاج في عرفة وفي غيرها من المواقف، فإنهم يصلون خلفه، ولا يتركون الصلاة خلفه، وهذا فيما فإذا لم يوجد غيره، إذا كان المسلمون لا يصلون إلا في مسجد واحد، وإمام هذا المسجد هو هذا الأمير، وكان فيه شيء من النقص أو الخلل في دينه، من ارتكاب ذنب، أو إصرار على معصية، أو ترك لشيء من الطاعات أو نحو ذلك، فالصلاة خلفه أفضل من أن تصلي وحدك أو تترك الجمعة أو تترك الجماعة أو تترك العيد أو ما أشبه ذلك، هذا هو الواجب على المسلم.
стр. 702
صلاة الصحابة خلف الولاة والظلمة والفسقة
الصحابة ﵃ كانوا يصلون خلف الولاة الظلمة: كـ الحجاج، فقد كان ابن عمر وأنس وغيرهما يصلون خلفه، وهو مشهور بإراقة الدماء، ولم يشتهر عنه إلا أن في سيفه رهقاً، فكان كثير القتل في المسلمين، بمجرد التهمة وبمجرد الظن، ولذلك اعتبروه فاسقاً، وإن لم يكن فاسقاً في الاعتقاد، وإن لم يكن مخلاً بالعبادات، ولم يذكر عنه شيء من اقتراف المحرمات، بل كان شديداً على العصاة، فكان يقيم الحدود، ويجلد الزاني وشارب الخمر، وينهى عن سماع الغناء وما أشبه ذلك، وما نقم عنه إلا أن في سيفه رهقاً، فقد قتل عدداً كثيراً من المسلمين، وإن كان قتلهم متأولاً، وبكل حال فقد جعلوه من العصاة، وحكموا عليه بأنه عاص، ومع ذلك كان يؤم الناس في عرفة، ويصلي خلفه بعض الصحابة كـ عبد الله بن عمر بن الخطاب، ويصلي بالناس بالكوفة في العراق، ويصلي خلفه أنس بن مالك.
وكذلك في عهد عبد الله بن مسعود كان الوالي على الكوفة من قبل عثمان الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وكان متهاوناً بشيء من المحرمات، ومن ذلك أنه كان يشرب الخمر، فصلى بهم مرة وهو سكران، حتى صلى بهم الصبح أربعاً، والتفت إليهم وقال: أزيدكم؟ فقال له ابن مسعود: ما زلنا معك منذ اليوم في زيادة، ومع ذلك ما تركوا الصلاة خلفهم؛ لأنهم إذا تركوها صلوا فرادى، ولا شك أن هذا من ترك السنة، ومن ترك الجماعة، فالصلاة مع الجماعة خير ولو كان ذلك الإمام الذي فرض نفسه فيه شيء من الخلل والنقص.
ولا ينقص ذلك صلاة المصلي.
وكما تقدم أن الصلاة من أحسن أعمالهم، فإذا صلوا وأحسنوا فصلاتهم صحيحة، إذا أقاموا ركوعها وسجودها وخشوعها وقراءتها، وجميع ما يشترط فيها، فهي عمل صالح مبرور، فليس لنا أن نترك الصلاة لأجل فسقهم، ما دام أنهم يقيمون الصلاة كما ينبغي، وبإظهارهم للصلاة يحكم بأنهم مسلمون، فإن من صلى حكم بأنه مسلم، وعومل معاملة المسلمين، ولهذا لما ذكر النبي ﷺ أن بعض الولاة وبعض الأمراء يستحلون الدماء، ويفعلون ويفعلون، قيل: (يا رسول الله! أفلا نقاتلهم؟ قال: لا، ما صلوا، أو ما أقاموا فيكم الصلاة) أي: ما داموا يصلون، ويقيمون الصلاة، فالصلاة من أحسن الأعمال، فلا تخرجوا عليهم، ولا تقاتلوهم ولا تقتلوهم.
стр. 703
الصلاة خلف المبتدع وتفاصيلها
إذا لم يكن هناك ولاة يصلون بالناس كما في هذه الأزمنة، فإنه يختار للإمامة الأكفأ والأورع، ويعزل عنها المبتدع والعاصي المتظاهر بمعصية، فإذا عرف بأن هذا الشخص يتظاهر بمعصية، أو يفعل ذنباً من الذنوب، فلا يجوز أن يعين إماماً راتباً، بل إذا علم الناس منه هذا الذنب فإن عليهم أن يؤخروه، ويسعوا في خلعه وإبعاده.
أما لو لم يقدروا فالصلاة خلفه صحيحة إذا أتمها، ولكن إذا وجد من هو أحسن منه فليصلى خلف الحسن، فإذا رأيت أن إمام ذلك المسجد يستحل سماع الغناء، أو يحلق لحيته، أو يسكر، أو يدخن، أو يسبل ثوبه، يصلي مسبلاً، أو يؤوي بعض الفسقة والأشرار، ويستضيفهم ويؤيدهم، أو يتأخر عن بعض الصلوات، أو يتركها تركاً، أو ما أشبه ذلك، وتعلم ذلك منه، وتجد إماماً في مسجد آخر -ولو بعيداً- تقياً ورعاً، محافظاً على العبادة، متنزهاً عن الآثام، فلا شك أن الصلاة خلف ذلك التقي، وذلك الورع، أولى من صلاتك خلف هذا العاصي.
أما لو كان ترك الصلاة خلف ذلك الإمام يسبب ارتداعه فإن ذلك يلزم.
فلو أن الإمام شيعي، أو قبوري، أو عاصٍ مظهر للمعصية، أو معتزلي مخالف للعقيدة، أو يعتقد مذهب المتصوفة، أو ما أشبه ذلك، ومع ذلك دعوناه وبينا له، فأصر على معتقده، وصار إماماً يصلي في هذا المسجد، فكوننا نصلي خلفه فيه إقرار لهذه البدعة أو تقوية لها، ولكن علينا أن نسعى في إزالته، ونسعى في إبعاده وفصله، وإن لم نقدر، وكان في ترك الصلاة خلفه تنفير للناس منه؛ تركنا الصلاة خلفه، وذهبنا إلى المساجد الأخرى، سيما إذا ترك الصلاة خلفه الذين لهم كلمة مسموعة، فهذا يسبب ارتداعه، ويسبب توبته، ورجوعه عما يعتقده، فيقول: قد ترك هؤلاء الصلاة خلفي، ولا شك أنهم عرفوا أن ما أفعله خطأ، فيرجع إلى نفسه ويتوب، سواء كان الذنب الذي فيه بدعة أو معصية، فيرجع عن بدعته التي هي -مثلاً- تعظيم القبور، أو سب الصحابة كما يفعله الرافضة، أو اعتقاد تفضيل بعض الصحابة على الخلفاء، أو ما أشبه ذلك، أو كان على مذهب المتصوفة الذين يدعون أن الولي أفضل من الأنبياء، أو أن أولياءهم يستطيعون أن يأخذوا من الملأ الأعلى، أو ما أشبه ذلك من عقائد الصوفية الباطلة، أو كان عاصياً معصية ظاهرة: يحلق لحيته، أو يشرب الدخان، فإذا ترك الناس الصلاة خلفه ارتدع وفكر، وعلم أنه مخطئ، وأنهم ما تركوا الصلاة خلفه إلا وقد أنكروه، وأن الصواب معهم، وأنهم مجموعة كبيرة، ولا يمكن أن يكون هو المصيب وهم المخطئون مع كثرتهم، ففي ذلك فائدة، فنقول: تترك الصلاة خلفه، هذا إذا وجد غيره، فأما إذا لم يوجد إلا هو فإن الصلاة خلفه مجزئة، وهي أفضل من الصلاة على الانفراد كما ذكرنا.
وبكل حال فالصلاة خلف الولاة إذا لم يوجد غيرهم لازمة، ولا يجوز الانفراد عنهم، والصلاة خلف العصاة كذلك، إذا لم يوجد غيرهم.
стр. 704
الإمامة العارضة يتسامح فيها ما لا يتسامح مع الإمامة الراتبة
قد تدخل بعض المساجد وتجد الصلاة الأولى قد صليت، وتجد جماعة أخرى قد قدموا واحداً أنت تعرف أنه يدخن، أو تراه مسبلاً، أو تراه حليقاً، وتعرف منه مالا يعرف هؤلاء الذين يصلون خلفه، فماذا تفعل؟ نقول: صل خلفه ولا تصل وحدك؛ وذلك لأنه في هذه الحال صلاته عارضة، وليست مستمرة، وإنما إمامته إمامة عارضة، بخلاف ما إذا كان راتباً، أما إذا رتب في مسجد من عرف بالفسق وبالفجور، وبسماع الأغاني، وبالنظر إلى الصور، وبمغازلة النساء، وبالتساهل مع نسائه بإباحة السفور لهن أو نحو ذلك، فإذا عرف منه ذلك فلا يجوز إقراره في إمامة المسلمين؛ لأن في ذلك إظهاراً لمنكره، وتمكيناً له، فإن كونه يتولى الإمامة فيه شيء من تشجيعه وتقديمه ورفع معنويته، ورفع مستواه، وفي ذلك رفع للباطل على الحق، فعلى جماعة المسجد أن يسعوا جميعاً في عزلة عن الإمامة وعن الخطابة، ويسعوا في تولية من هو أهل، وعلى المسئولين بعد أن يتأكدوا من صحة ما رمي به وما وصف به، أن لا يقروه على هذه الإمامة، فإقراره فيه تقوية للمنكر، وإظهار لأهل المنكر، وعزله فيه إذلال وإهانة للعصاة، ودفع لهم عن التظاهر بالمعاصي.
وبكل حال معلوم أن صلاة الجماعة من واجبات الإسلام، وأن المسلمين مأمورون بأن يجتمعوا في مساجدهم، ويقدموا واحدا ًمنهم، ويصلوا خلفه، يركعوا بركوعه، ويتبعوه في السجود، وفي الرفع، وفي الخفض، وفي الحركات كما هو معلوم في كتب الفروع، ولكن لابد أن يكون الإمام قدوة حسنة؛ وذلك لأنه سمي إماماً، والإمام هو القدوة الذي يؤتم به، يقول ﵊: (إنما جعل الإمام ليؤتم به) ، حتى من جهة ترك المعاصي، ومن جهة صحة العقائد.
стр. 705
حكم الصلاة وراء الإمام المحدث
أشار الشارح إلى مسائل فروعية، وذكر أن الكلام عليها واسع، ومحله في كتب الفروع، وهو صحيح، فمثلاً: من صلى بالناس محدثاً -حدثاً أكبر أو أصغر-، وصلى الناس خلفه وهم لا يعرفون حدثه، فما الحكم؟ هذه مسألة فروعية، ففرقوا بين ما إذا كان علم بالحدث وهو في نفس الصلاة فاستمر فيها، فإنهم يعيدون، وما إذا لم يتذكر إلا بعد ما انصرف فإنهم لا يعيدون، واستدل بقصة عمر، فإنه صلى مرة الصبح بالجماعة، ثم رأى على ثوبه أثر احتلام، فاغتسل وأعاد الصلاة، ولم يأمرهم بالإعادة، هذا هو القول المشهور.
وقد روي عن علي أنه أمرهم بالإعادة، فإنه مرة صلى بالجماعة محدثاً في الكوفة، ولما كان بعد ثلاثة أيام تذكر أنه صلى بهم ذلك الوقت وهو محدث، فأمر منادياً ينادي في الأسواق: من صلى مع أمير المؤمنين في اليوم الفلاني الصلاة الفلانية فليعد تلك الصلاة، ولعل ذلك من باب الاجتهاد من علي ﵁، وهذه مسألة فروعية.
стр. 706
إذا ترك الإمام بعض واجبات الصلاة اجتهاداً
من المسائل الفروعية التي ذكرها الشارح: إذا ترك الإمام شيئاً يعتقد المأموم أنه واجب، والإمام يعتقد أنه ليس بواجب، ففي هذه الحال الصلاة صحيحة، صلاة الإمام صحيحة، وصلاة المأموم صحيحة أيضاً.
وقد كان هناك اختلاف بين الشافعي ومالك، فـ الشافعي ﵁ يرى الجهر بالبسملة، بل يراها واجبة، ومالك لا يرى البسملة من الفاتحة، فقيل للشافعي: هل نصلي خلف من يتبع الإمام مالك؟ فقال: ألست أصلي خلف مالك؟ مالك هو شيخه، ومع ذلك كان يصلي خلفه، وهو لا يقرأ البسملة، والشافعي يرى وجوب الجهر بالبسملة.
وكذلك رفع اليدين عند الركوع، وعند الرفع من الركوع لا يراه الحنفية، والشافعية ونحوهم يرونه من السنن المؤكدة، فإذا تركه الإمام الحنفي، وصلى خلفه شافعي أو حنبلي فصلاته صحيحة، ولا خلاف في ذلك؛ لأنه صلى خلف إمام مجتهد، رأى أن ذلك من جملة صلاته.
وهكذا التأمين في الصلاة، بعض الأئمة يرونه بدعة كالحنفية، حتى إنهم يبطلون الصلاة خلفه، وإذا صلى حنفي خلف شافعي وأمَّن في الصلاة لم تبطل صلاته؛ لأنه مجتهد، ولكل مجتهد نصيب، وهذه المسائل تفريعها والخلاف فيها مذكور في كتب الأحكام.
стр. 707
المطاعون في مواضع الاجتهاد
قال الشارح ﵀: [وقد دلت نصوص الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة أن ولي الأمر وإمام الصلاة والحاكم وأمير الحرب وعامل الصدقة يطاع في مواضع الاجتهاد، وليس عليه أن يطيع أتباعه في موارد الاجتهاد، بل عليهم طاعته في ذلك، وترك رأيهم لرأيه، فإن مصلحة الجماعة والائتلاف، ومفسدة الفرقة والاختلاف أعظم من أمر المسائل الجزئية، ولهذا لم يجز للحكام أن ينقض بعضهم حكم بعض، والصواب المقطوع به صحة صلاة بعض هؤلاء خلف بعض.
يروى عن أبي يوسف أنه لما حج مع هارون الرشيد فاحتجم الخليفة وأفتاه مالك بأنه لا يتوضأ، وصلى بالناس، فقيل لـ أبي يوسف: أصليت خلفه؟ قال: سبحان الله! أمير المؤمنين، يريد بذلك أن ترك الصلاة خلف ولاة الأمور من فعل أهل البدع.
وحديث أبي هريرة الذي رواه البخاري أن رسول الله قال: (يصلون لكم فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطأوا فلكم وعليهم) ، نص صحيح صريح في أن الإمام إذا أخطأ فخطؤه عليه لا على المأموم، والمجتهد غايته أنه أخطأ بترك واجب اعتقد أنه ليس واجباً، أو فعل محظور اعتقد أنه ليس محظوراً، ولا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يخالف هذا الحديث الصريح الصحيح بعد أن يبلغه، وهو حجة على من يطلق من الحنفية والشافعية والحنبلية أن الإمام إذا ترك ما يعتقد المأموم وجوبه لم يصح اقتداؤه به، فإن الاجتماع والائتلاف مما يجب رعايته وترك الخلاف المفضي إلى الفساد] .
قد وردت أدلة في طاعة ولاة الأمور مذكورة في كتب العقائد وكتب الأحكام، وكل يطاع حسب ولايته، وكل له ولاية تخصه، فهناك الخليفة الذي تحت ولايته جميع المسلمين، في شرق الأرض وغربها، كما كان الخلفاء الراشدون، وكذلك خلفاء بني أمية وبني عباس كانت خلافتهم عامة لجميع البلاد الإسلامية، فطاعتهم فيما أمروا به إذا لم يكن معصية تعتبر من طاعة الله، فقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: (من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني) ، فهذه ولاية عامة.
وهناك ولاية أخص منها، مثل: ولاية أمير الحجاج، وولاية أمير المجاهدين، فإنهم مأمورون بأن يؤمروا عليهم أحدهم، بل كل من سافر سفراً ولو قصيراً وكانوا جماعة، عليهم أن يؤمروا، كما في بعض الأحاديث أنه ﷺ قال: (لا يحل لثلاثة يسافرون إلا أمروا واحدا ًمنهم) ، أو كما ورد في الأحاديث، فهذا الأمير الذي يؤمرونه عليهم أن يطيعوه ما لم يأمر بمعصية، أما إذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة، وقد اشتهر حديث عبد الله بن حذافة لما أمره ﷺ على سرية، وأمر الصحابة الذين معه أن يطيعوه، فسار بهم أياماً، ولما كانوا مرة في مكان نازلين، كأنه غضب على بعضهم، فأمرهم أن يوقدوا ناراً، وقال لهم: ادخلوها، أليس قد أمركم رسول الله ﷺ أن تطيعوني، فهم بعضهم أن يدخلها! ثم قالوا: ما فررنا إلى رسول الله ﷺ إلا خوفاً من النار، فما زالوا يتحاججون حتى طفئت النار وسكن غضبه، فقال النبي ﷺ : (لو دخلوها ما خرجوا منها، إنما الطاعة في المعروف) ، فأمرهم بطاعته، ولكن بين في هذا الحديث أن الطاعة إنما تكون فيما كان معروفاً، فأما مثل هذا فلا طاعة.
وثبت أيضاً قوله ﷺ : (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) ، فإذا أمر الوالي بمعصية فلا سمع ولا طاعة، أما إذا أمر بطاعة أو أمر بما فيه مصلحة، أو أمر بما هو اجتهاد فإن أتباعه والذين تحته يطيعونه ولا يخرجون عن طاعته، هذه هي وظيفة أتباعه، وسواء كانت إمارة في بلد، أو على جيش، أو سرية، أو على غزو، أو على حجاج، أو عامل زكاة يذهب لجمع الزكاة ونحوها، كل هؤلاء لهم ولاية بحسبهم.
وكذلك من جعل رئيساً أو مديراً لمؤسسة من المؤسسات، أو دائرة من الدوائر الحكومية أو نحو ذلك، وجعل تحته من يخدمه أو من يعمل، وكانوا تحت ولايته، فإن عليهم أن يقدروا ما يأمرهم به، بشرط ألا يأمرهم بمعصية تخالف نصاً صريحاً، فهذه وظيفة هؤلاء أنهم ينفذون، ولكن بكل حال طاعتهم تكون بقدر المصلحة التي يؤمرون بها، ومعلوم أن ولايتهم إنما هي خاصة في محيطهم، وأما إذا كان الإنسان خارجاً عن ولايتهم، كما إذا انتهى من شغله معهم، أو كان في بيته أو في سوقه فليس لهم ولاية عليه.
ومعلوم أن أمير الجيش أو أمير البلد أو أمير الدائرة ونحوها بشر، وليس بمعصوم، وليست أقواله كلها صريحة في أنها واقعية، بل كثيراً ما يفعل الشيء ويكون عن اجتهاد، فعلى أتباعه ووزرائه وزملائه أن يشيروا عليه بما يرون فيه المصلحة، وقد كان النبي ﷺ يستشير أصحابه، ويقبل إشاراتهم ويقبل اقتراحاتهم، ولذلك أمثلة: لما غزا غزوة بدر ونزل منزلاً قرب بدر، قال له بعض أصحابة: هذا المنزل يا رسول الله أنزلك الله إياه أم هو الرأي والمكيدة؟ قال: (بل هو الرأي والمكيدة، فقال: إن هذا غير مناسب، وإن المناسب أن ننزل في المكان الفلاني، فنكون قد حلنا فيه بين القوم وبين المياه، فقبل رأيه) .
وهذا دليل على أنه إذا أشار عليه بعض أبتاعه برأي أو بنظر فعليه قبول ذلك إذا كانت فيه مصلحة.
وكذلك لما جاء الأحزاب وأحدقوا بالمدينة، وكانوا من قريش وغطفان، أراد النبي ﷺ أن يصالح غطفان بثلث الثمار، فاستشار أهل المدينة، فقالوا: إن كان هذا وحياً من الله فسمعاً وطاعة، وإن كان باجتهاد فلا نعطيهم إلا حد السيف، فقبل إشارتهم وقبل رأيهم، وهذا دليل على أن أتباع الوالي قد يشيرون عليه وينظرون له نظرة مناسبة.
فعلى كل حال نقول: لا شك أن الولاة ليسوا بمعصومين، وأن أتباعهم مأمورون بأن يرشدوهم ويدلوهم على المصالح، وعلى ما فيه الخير لهم، وللمجتمع، ولكن إذا اختير للإدارة أو للولاية المتأهل والفاضل الذي تجتمع فيه الصفات التي تؤهله لهذا المنصب فليس لأحد الاعتراض عليه، إلا على وجه النظر، أو على وجه الإشارة.
стр. 708
شرح العقيدة الطحاوية [٥٤]
تجب طاعة ولاة الأمر بالمعروف، وتجب مناصحتهم، ولا يجوز تكفيرهم إلا أن نرى كفراً بواحاً، والحكم على الناس إنما يكون بالظاهر.
стр. 709
وجوب طاعة الله ورسوله
مبنى عقيدة الإسلام على كتاب الله وسنة نبيه، وعلى طاعة الله وطاعة رسوله، وقد وردت الأدلة في تأكيد الأمر بالطاعة، والنهي عن المعصية في آيات كثيرة، مثل قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [النساء:١٣] إلى قوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا﴾ [النساء:١٤] ، ومثل قوله: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا﴾ [المائدة:٩٢] ، ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:٣٢] ، ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:١] في عدة آيات.
وأخبر تعالى بأن طاعة الرسول طاعة لله، قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠] ، وأخبر النبي ﷺ بأن طاعة الله تعالى سبب لدخول الجنة، وكذلك معصيته سبب لدخول النار، وأن طاعة الرسول ﵊ تعتبر العلامة لطاعة الرب تعالى، قال عليه الصلاة السلام: (كل الناس يدخل الجنة إلا من أبى، قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى) .
стр. 710
طاعة ولاة الأمر بالمعروف من طاعة الله ورسوله
من طاعة الله تعالى وطاعة الرسول ﵊: طاعة أولي الأمر، الذين ذكرهم الله بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩] ، وقال النبي ﷺ : (من أطاعني فقد أطاع الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن عصى أميري فقد عصاني) ، وكان ﵊ يأمر بطاعة ولاة الأمر، كما في قوله ﵊: (أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد حبشي، يقودكم بكتاب الله) ، وفي حديث أبي ذر: (اسمع وأطع وإن أخذ مالك وضرب ظهرك) .
وقد ذكر العلماء أن من عقيدة أهل السنة والجماعة: طاعة ولاة الأمور، الذين لهم الولاية والسيطرة على البلاد والعباد، وطاعتهم تعتبر جمعاً لكلمة المسلمين، وتعتبر قمعاً للمفسدين، ودفعاً للظالمين؛ لأن بولايتهم يثبت الحق ويظهر، وإذا لم يكن هناك ولاة صار الضعيف نهباً للقوي، ولم تثبت الكلمة، ولم يثبت الأمن، وحصلت الزعازع والفتن، وحصلت المخاوف، وحصل القتال وكثرت الفوضى، فلأجل ذلك شرعت طاعة ولاة الأمور.
ويشترط في طاعتهم: ألا تكون في معصية الله، ولا تخالف شيئاً من شرع الله، فلذلك ورد في الحديث أنه ﷺ قال: (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) ، وقال: (إنما الطاعة في المعروف) ، وإذا كان اجتماع المسلمين على أميرهم أو على واليهم فيه مصلحة فإن من تمام مصلحتهم، ومن تمام طمأنينتهم وحياتهم وسعادتهم ألا ينزعوا يداً من طاعة، وألا يفارقوا جماعة المسلمين، وألا ينبذوا إليهم أمرهم، وألا ينقضوا بيعتهم؛ فبذلك تثبت البلاد وتطمئن، ويأمن العباد على أنفسهم وعلى أموالهم، وبذلك يؤخذ الحق للمظلوم من الظالم، ويؤخذ على يد الظالم، ويُقهر على الحق، ويقصر عليه، ويضرب على يد الظالم بيد من حديد؛ فتأمن البلاد كلها، ويذهب عنها الخوف والفتن والزعازع، هذا هو السبب الذي لأجله أمرنا بطاعة ولاة أمورنا.
стр. 711
وجوب مناصحة ولاة الأمر
يجب علينا جميعاً أن نناصح من ولاه الله أمرنا، فإن هذا من تمام العقيدة، كان النبي ﷺ من جملة ما يأخذه على أصحابه في البيعة قوله: (وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم) ، وهذه المناصحة تتمثل في أن نكون ناصحين لهم.
والناصح هو الخالص، والنصح مشتق من قولهم: نصح العسل، إذا خلصه وصفاه، والمعنى: ألا يكون في قلبه غل ولا حقد على مسلم، وأن يبدي لكل مسلم كبير أو صغير النصيحة، ويدله على الخير الذي يحبه لنفسه، وبالأخص ولاة الأمور، فينصح لهم، وليست النصيحة مقتصرة على أن تحبهم وأن تخلص لهم المودة، وأن تصفي لهم قلبك، بحيث لا يكون في قلبك حقد ولا غل، بل إن النصيحة تتمثل أيضاً بالتحذير من الشرور، والدلالة على الخيرات، والإرشاد عند الهفوات، والتحذير من الزلات ونحوها.
ولا شك أن ولاة الأمور ومن دونهم ممن لهم ولاية بشر، والبشر عرضة للخطأ، وإذا كانوا عرضة للخطأ، والإنسان ليس بمعصوم، وإذا أخطأ ينتظر من إخوته، وممن تحته وممن فوقه وممن هو أكبر منه وأصغر؛ أن يرشدوه وأن يدلوه ويهدوه إلى الحق، فإذا اجتمعوا عليه وبينوا له، وقالوا له: إن الصواب كذا وكذا؛ رجع إليه، وفرح بأن يكون من رعيته، وممن تحت يده من يدله ومن يعينه، ويكون ذلك رداً له إلى الحق، وخيراً للأمة وللولاة.
أما إذا ترك الولاة وما هم عليه من الخطأ، حتى ظنوا أن ما هم فيه هو الصواب، ولم يرشدهم من حولهم من وزير أو أمير أو أخ أو صديق أو عالم أو جاهل؛ ولم يبينوا لهم ما يعلمونه من حق، فإنها تعظم بذلك المصيبة.
ولا شك أن كل عاقل من ولاة الأمور، وكل ناصح وكل محب تقي مؤمن يفرح ويسر إذا أبديت له النصيحة، وإذا أظهرت له الزلة التي زل فيها، والكلمة التي أخطأ فيها؛ فيرجع إلى الصواب، ويعود إلى طلب الحق، وهذه هي السمة والصفة التي يجب أن يكون عليها كل أحد من صغير أو كبير من مأمور أو أمير، فإذا كانت الأمة كذلك، يحبون لولاتهم ما يحبون لأنفسهم، وينصحون لهم، ويطيعونهم، ويرشدونهم، ويهدونهم إلى الصواب، وينبهونهم على الأخطاء، فعند ذلك تجتمع كلمة الأمة، وعند ذلك يظهر الحق ويقوى أهله، هذا هو الواجب في حق ولاة الأمور: السمع والطاعة ممن تحت أيديهم.
أما عامة الأمة فواجب علينا أيضاً أن ننصح لهم، وذلك لأنهم من جملة إخواننا، وقد جعل النبي ﷺ النصيحة لهم بعد النصيحة للولاة في قوله: (ولأئمة المسلمين وعامتهم) ، فأمر بأن ننصح للعامة، والنصيحة للعامة تتمثل في إرشادهم إلى الخير، وتحذيرهم من الشر، ودلالتهم عليه، وتعليم جاهلهم، وإرشاد ضالهم، وتنبيه غافلهم، وأمرهم بالخير، وحثهم عليه، ونهيهم عن الشر، وتحذيرهم منه، وما أشبه ذلك.
ولا شك أنهم إذا كانوا عقلاء، وإذا كانوا أتقياء: فرحوا بهذه النصيحة وقبلوها، وسروا بمن نصحهم، وشجعوه، والتزموا بأن يؤدوا هذه النصيحة إلى أبنائهم، وإلى إخوانهم، وإلى أحفادهم، فعند ذلك تنتشر الشريعة والعمل بها، وتظهر كلمة الله التي وعد بإظهارها، ويظهر دين الله على الدين كله.
وقد مر بنا أن من عقيدة المسلمين: أنهم يدينون بالطاعة لولاة أمورهم، وأنهم يصلون على أهل التوحيد الذين يقولون: لا إله إلا الله، وأنهم لا ينزعون يداً من طاعة، فإذا اتصفوا بذلك كله سكنت أمورهم، واطمأنوا في حياتهم، وعملوا بشريعتهم، وإذا عرفوا ذلك عرفوا أن عقيدة الإسلام جاءت بكل ما فيه الخير، وبما فيه الأمن والاستقرار.
стр. 712
الصلاة على من مات من المسلمين براً أو فاجراً
قال الشارح رحمه الله تعالى: [قوله: (والصلاة على من مات منهم) أي: ونرى الصلاة على من مات من الأبرار والفجار، وإن كان يستثنى من هذا العموم البغاة وقطاع الطريق، وكذا قاتل نفسه خلافاً لـ أبي يوسف، لا الشهيد خلافاً لـ مالك والشافعي رحمهما الله على ما عرف في موضعه، لكن الشيخ إنما ساق هذا؛ لبيان أنا لا نترك الصلاة على من مات من أهل البدع والفجور لا للعموم الكلي، ولكن المظهرون للإسلام قسمان: إما مؤمن وإما منافق، فمن علم نفاقه لم تجز الصلاة عليه والاستغفار له، ومن لم يعلم ذلك منه صلي عليه، فإذا علم شخص نفاق شخص لم يصل هو عليه، وصلى عليه من لم يعلم نفاقه، وكان عمر ﵁ لا يصلي على من لم يصل عليه حذيفة؛ لأنه كان في غزوة تبوك قد عرف المنافقين، وقد نهى الله ورسوله ﷺ عن الصلاة على المنافقين، وأخبر أنه لا يغفر لهم باستغفاره، وعلل ذلك بكفرهم بالله ورسوله، فمن كان مؤمناً بالله ورسوله لم ينه عن الصلاة عليه، ولو كان له من الذنوب الاعتقادية البدعية أو العملية الفجورية ما له، بل قد أمره الله تعالى بالاستغفار للمؤمنين فقال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد:١٩] فأمره سبحانه بالتوحيد والاستغفار لنفسه، وللمؤمنين والمؤمنات، فالتوحيد أصل الدين، والاستغفار له وللمؤمنين كماله، فالدعاء لهم بالمغفرة والرحمة وسائر الخيرات، إما واجب وإما مستحب.
وهو على نوعين: عام وخاص، أما العام فظاهر كما في هذه الآية، وأما الدعاء الخاص فالصلاة على الميت، فما من مؤمن يموت إلا وقد أمر المؤمنون أن يصلوا عليه صلاة الجنازة، وهم مأمورون في صلاتهم عليه أن يدعوا له، كما روى أبو داود وابن ماجة عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله يقول: (إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء) ] .
يقول: إننا مأمورون بأن نحسن الظن بالمسلمين، ولا نحكم على مسلم يتظاهر بالإسلام أنه مرتد وكافر، إذا كان ظاهره أنه من أهل الإسلام، ولو كان باطنه خفياً، فنصلي عليه بعد موته، وهذا معنى الحديث الذي قال فيه ﷺ : (صلوا على من قال: لا إله إلا الله) ، فإن المراد على أهل لا إله إلا الله، ولا شك أن أهل لا إله إلا الله هم أهل التوحيد، وهم أهل الإسلام، وهم أهل العلم وأهل العمل، وهم الذين يعملون بلا إله إلا الله، فيفعلون ما توجبه لا إله إلا الله، ويتركون ما تحرمه هذه الكلمة من المحرمات، فإذا كانوا متمسكين بذلك في الظاهر فإننا لا نكفرهم، ونصلي عليهم، ولو وقعت منهم هفوات، ولو صدرت منهم زلات، ولو كان مذنبين، ولو رأينا منهم بعض الذنوب الظاهرة لم نحكم بكفرهم ولم نحكم بخروجهم من الإسلام؛ لأن من عقيدة أهل السنة -كما تقدم مراراً- أنهم لا يكفرون بالذنوب، ولو كانت ما كانت، ما لم تصل إلى الشرك، إلا ما ورد التكفير به كترك الصلاة يعني: الاستمرار على تركها، فقد ورد أنه كفر.
وأما بقية الأعمال فإذا أطلق على بعضها لفظ الكفر فإنه يراد به الكفر العملي، كقوله ﷺ : (اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب والنياحة) ، فالطعن في النسب: كون الإنسان يعير نسبك ويقدح فيه، أو يقول: لست من قبيلة فلان، ولست ابن فلان، ونحو ذلك، هذا أطلق عليه أنه كفر، ولكنه عملي.
والنياحة: هي الصياح على الميت، أطلق عليه أنه كفر، ولكنه يراد به الكفر العملي، وكذلك قتال المسلمين أطلق عليه أنه كفر، وهو كفر عملي، وكل هذه لا توجب أن نتبرأ من هذا الإنسان، ولا أن نترك الصلاة عليه، بل هو أولى أن يصلى عليه.
فالمذنب الذي وقعت منه ذنوب وارتكب بعض السيئات يصلى عليه، ولا تترك الصلاة عليه، ولو كان قد زنى، ولو سرق، ولو أكل الربا أو أكل مال اليتيم، أو تولى عن الزحف، أو ما أشبه ذلك، ما عدا الذنوب التي توقعه في الكفر، وهي المكفرات المشهورة، التي إذا فعلها حكم بردته، كمسبة الله، فالذي يسب الله أو يسب الرسول ﵊ أو ينتقص دين الإسلام أو نحو ذلك، فإن هذا يعتبر ردة وخروجاً من الإسلام.
وبكل حال فالمعاصي التي دون الشرك ودون الكفر يصلى على أهلها.
стр. 713
من علم نفاقه لا يصلى عليه
المنافقون الذين يضمرون الكفر ويظهرون للناس أنهم مؤمنون، لا ندري ما في بواطنهم، فنصلي عليهم عملاً بالظاهر، فهم يصلون معنا، ويجاهدون معنا، ويصومون ويفطرون مع المسلمين، فإذا كانوا يضمرون الكفر في نفس الأمر فأمرهم بينهم وبين الله.
لكن إن اطلع على نفاق حقيقي بأن نجم النفاق من هذا الإنسان وظهر منه ما يدل على نفاقه وإضماره الكفر، وأنه ما أسلم ولا عمل هذه الأعمال إلا تستراً؛ فإنه والحال هذه يحكم بكفره، ولا يصلى عليه، قال الله تعالى: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة:٨٤] نهاه الله أن يصلي على المنافقين الذين يعلم نفاقهم، والذين أطلعه الله عليهم؛ لأنه قد أطلعه على بعضهم، وبعضهم لم يعلمهم كما قال تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنْ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة:١٠١] فالنبي ﵊ لا يعلم أعيانهم، وإنما الله تعالى هو الذي يعلم أعيانهم فأطلعه على بعضهم، فالذين أطلعه على بعضهم نهاه أن يصلي عليهم، وأطلع ﵊ حذيفة بن اليمان على بعض المنافقين الذين هموا بما لم ينالوا، فسماهم وأسرهم إلى حذيفة، فكان حذيفة يسمى صاحب السر، وكان إذا قدمت جنازة مشكوك فيها لم يصل عليها عمر حتى يرى حذيفة يصلي عليها، فيعلم أنه ليس من المنافقين.
فإذا عرف أن هذا منافق، يؤذي الله ورسوله، ويؤذي المؤمنين، ويسب الإسلام -وإن كان يتظاهر أنه مع المسلمين- فلا يصلى عليه والحال هذه، بل إذا اطلع على حاله وزندقته فإنه يقتل؛ لأن ذلك ردة منه وتبديل للدين، فإنه (من بدل دينه فاقتلوه) .
وكذلك أيضاً لا يصلى على أهل البدع الذين يظهرون بدعهم، مثل الرافضة الذين يظهرون للناس أنهم يحبون الإسلام، وأنهم يحبون القرآن وما أشبه ذلك، ولكنهم في الحقيقة يضمرون بغض الله وبغض رسوله، أو يضمرون بغض الصحابة الذين حملوا كتاب الله، ويعتقدون أنهم حرفوا كتاب الله وكذبوا على رسوله، ويبغضون أهل السنة، فمثل هؤلاء أعداء لله، ويعتبرون منافقين؛ لأنهم في الحقيقة يضمرون الكفر أو يضمرون البغض، ويعملون بما يسمونه التقية التي هي نوع من النفاق، وأشباههم من الملاحدة الذين يشك في عقيدتهم، فتترك الصلاة عليهم زجراً عن أفعالهم وعن معتقداتهم.
стр. 714
ترك الصلاة على بعض المسلمين من بعض الأعيان لبعض الأسباب
بعض الأشخاص تترك الصلاة عليهم لبعض الأسباب، فمثلاً: من قتل نفسه لا يصلي عليه الإمام الكبير أو العالم الكبير زجراً عن هذا الفعل، ولا يمنع ذلك أن يصلي عليه عامة الناس.
وكذلك تترك الصلاة على الشهداء؛ وذلك لأنهم أحياء عند ربهم يرزقون، فلم يصل النبي ﷺ على شهداء المعركة، إما لعدم حاجتهم إلى ذلك، وإما لأنهم والحال هذه يعتبرون من الأتقياء، ويعتبرون من أهل الخير، وإما تخفيفاً لكثرتهم؛ لأنهم قد يكونون عدداً كبيراً.
وبكل حال فالأصل أننا نصلي على أهل لا إله إلا الله، وأن الصلاة عليهم تنفعهم؛ وذلك لأن الميت قد انقطع عمله، فهو في حاجة إلى أن يدعو له إخوته المسلمون؛ ولهذا يدعون له بالمغفرة وبالرحمة ونحو ذلك.
في حديث عمرو بن عوف أن النبي ﷺ صلى على جنازة، يقول عوف: فحفظت من دعائه قوله: (اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله من الذنوب بالماء والثلج والبرد، ونقه من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله داراً خيرا ًمن داره، وأهلاً خيراً من أهله) ، يقول عوف: حتى تمنيت أن أكون ذلك الميت لمكان دعاء النبي ﷺ له.
ولعل هذا الدعاء لأجل أن يتم لأمته هذه الأدعية ويعلمهم، ولم يخصص للصحابة دعاء، بل أمرهم بأن يدعو بما تيسر؛ ولهذا قال ﷺ في الحديث: (إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء) أي: ادعوا له بما تحفظون وبما تيسر من هذا ومن غيره، ادعوا له بخير الدنيا وخير الآخرة، وأقصد بخير الدنيا: نعيم البرزخ ونعيم القبر، وخير الآخرة، يعني: ما بعد الموت، من الجنة وما قبلها، ادعوا له بذلك، وادعوا له بالمغفرة.
وقد أمر الله نبيه ﷺ بالاستغفار للمؤمنين في قوله: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد:١٩] ، وحكى الله تعالى عن بعض أنبيائه هذا الاستغفار، فحكى عن إبراهيم أنه قال: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ * رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم:٤٠-٤١] فلم يقتصر على والديه وعلى ذريته، بل دعا للمؤمنين يوم يقوم الحساب، وحكى عن نوح ﵇ أنه قال: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِي مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [نوح:٢٨] فدعا للمؤمنين والمؤمنات عموماً فيدخل في ذلك الأولون والآخرون.
إذاً: نحن مأمورون بأن ندعو للمؤمنين، والصلاة عليهم تنفعهم، والصلاة عليهم بعد موتهم فيها دعاء لهم، واستغفار لهم، وزيادة في أعمالهم، فيحرص المسلم على أن يصلى على الميت، وينبغي الحرص على كثرة عدد المصلين؛ لأنه ربما يكون فيهم مجاب الدعوة، وربما يكون في الكثير من هو أتقى وأنقى، وأفضل معتقداً، فيجيب الله تعالى دعوته، ومع كثرتهم أيضاً يقبل الله دعوتهم، فقد ورد في الحديث: (ما من مسلم يقوم عليه مائة رجل، لا يشركون بالله شيئاً، إلا شفعوا فيه) ، أو كما قال في الحديث، فهذا حث على أن يصلى على المسلم، حتى ولو لم يصدر منه شيء من الذنوب، ويستغفر له، ويطلب له من الله المغفرة والزلفى.
стр. 715
مسألة الشهادة بالجنة والنار للمعين
قال الشارح ﵀: [قوله: (ولا ننزل أحداً منهم جنة ولا ناراً) .
يريد: أنا لا نقول عن أحد معين من أهل القبلة: إنه من أهل الجنة أو من أهل النار إلا من أخبر الصادق ﷺ أنه من أهل الجنة، كالعشرة ﵃، وإن كنا نقول: إنه لا بد أن يدخل النار من أهل الكبائر من يشاء الله إدخاله النار، ثم يخرج منها بشفاعة الشافعين، ولكنا نقف في الشخص المعين، فلا نشهد له بجنة ولا نار إلا عن علم؛ لأن حقيقة باطنه وما مات عليه لا نحيط به، لكن نرجو للمحسن ونخاف على المسيئ.
وللسلف في الشهادة بالجنة ثلاثة أقوال: أحدها: ألا يشهد لأحد إلا للأنبياء، وهذا ينقل عن محمد ابن الحنفية والأوزاعي.
الثاني: أنه يشهد بالجنة لكل مؤمن جاء فيه النص، وهذا قول كثير من العلماء وأهل الحديث.
الثالث: أنه يشهد بالجنة لهؤلاء، ولمن شهد له المؤمنون كما في الصحيحين: (أنه مر بجنازة فأثنوا عليها بخير، فقال النبي ﷺ : وجبت، ومر بأخرى فأثني عليها بشر، فقال: وجبت -وفي رواية كرر: (وجبت) ثلاث مرات- فقال عمر: يا رسول الله! ما وجبت؟ فقال رسول الله: هذا أثنيتم عليه خيراً فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شراً فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض) ، وقال ﷺ : (توشكون أن تعلموا أهل الجنة من أهل النار، قالوا: بم يا رسول الله؟ قال: بالثناء الحسن، والثناء السيئ) ، فأخبر أن ذلك مما يعلم به أهل الجنة وأهل النار] .
أول الكلام يتعلق بمن يشهد له بالجنة ومن يشهد له بالنار، وهل يجوز ذلك أم لا؟ نقول: قد ثبت أنه ﷺ شهد لبعض أصحابه بالجنة كالعشرة، في قوله ﷺ : (النبي في الجنة، وأبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة) ، إلى آخر العشرة، فالعشرة مشهود لهم بالجنة، وهم الخلفاء الأربعة، والستة الباقون من العشرة هم الذين جمعهم الناظم بقوله: سعيد وسعد وابن عوف وطلحة وعامر فهر والزبير الممدح هؤلاء شهد لهم النبي ﷺ بالجنة، وختم لهم بأعمال صالحة، ولم ينقل عنهم ما يكون سبباً لمخالفة ما شهد به النبي ﷺ .
وممن شهد لهم بالجنة ثابت بن قيس بن شماس، لما أرسل إليه النبي ﷺ قال: (أخبره أنه من أهل الجنة) ، يقول الراوي: فكان يمشي بيننا وهو من أهل الجنة.
وكذلك بلال: فقد قال له: (إني أسمع دف نعليك في الجنة) ، وغيره من الذين شهد لهم بذلك.
وقد ثبت أيضاً أنه ﷺ قال: (إني لأرجو ألا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة) ، وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة، وفي هذا شهادة من النبي ﷺ أنه لا يدخل أحد منهم النار، كما أنهم من أهل الجنة؛ لأن من لم يدخل النار دخل الجنة ولابد.
وكذلك أهل بدر الذين عددهم ثلاثمائة وبضعة عشر، فقد ثبت أن النبي ﷺ قال: (إن الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) ، فمثل هؤلاء إذا كان الله قد غفر لهم فإن ذلك دليل على أنهم من أهل الجنة.
وبقية الصحابة ﵃ يرجى لهم الخير، ولسبقهم ولأعمالهم الصالحة قد أنزل الله فيهم آيات تدل على سبقهم وعلى فضلهم، قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ﴾ [التوبة:١٠٠] هؤلاء المهاجرون الذين هاجروا من مكة إلى المدينة، والأنصار الذين أسلموا بالمدينة ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ [التوبة:١٠٠] يعني: الذين أسلموا متأخرين من الصحابة، يقول تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً﴾ [التوبة:١٠٠] فهذه تزكية من الله تعالى لهم، وشهادة لهم بأنه أعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار، فهذا أيضاً دليل على أن المهاجرين والأنصار والذين أسلموا بعدهم ونصروهم يرجى لهم الخير.
стр. 716
تحقيق التوحيد يحرم دخول النار
وردت أحاديث في تغليب الرجاء، وأن أهل التوحيد لا يدخلون النار، مثل حديث عتبان بن مالك (أنه ﷺ ذكر عنده رجل يقال له: مالك بن الدخشم، فقال بعض الحاضرين: ذاك منافق، فقال: وما يدرك أنه منافق؟ أليس قد قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله؟! فقالوا: إنا نرى وده وميله إلى المنافقين، فقال: إن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله) ، وكذلك من حقق التوحيد كما قال النبي ﷺ : (من شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل) .
فهذه تزكية من الله، وهذه شهادة من الرسول ﵊، بأن من أتى بهذه الشهادة حقيقة، وشهد بالجنة والنار، وشهد بالبعث بعد الموت، وشهد بما أخبر الله تعالى به، وكان بتلك الشهادة عن يقين وعن عقيدة راسخة صادقة؛ أثمرت تلك الشهادة العمل، وأثمرت شهادة أن لا إله إلا الله طاعة الله وعبادته، وأثمرت شهادة أن محمداً رسول الله اتباعه وتعظيم سنته، والسير على نهجه، وأثمرت شهادة أن الجنة حق: طلبها، والعمل لها، وكذلك أثمرت شهادة أن النار حق: الهرب منها، والبعد عن الأسباب التي توقع فيها.
وبلا شك فإن العمل الصالح يسبب لصاحبه دخول الجنة، والأحاديث كثيرة معروفة في أن الأعمال الصالحة قد رتب عليها دخول الجنة.
وهناك أحاديث كثيرة بينت أن هناك أعمالاً رتب على بعضها دخول النار، ولكن يظهر أن ذلك الدخول لأجل ذلك الذنب، ثم بعد التمحيص من ذلك الذنب الذي لم يصل بصاحبه إلى الشرك، وإلى الحكم بخلوده في النار، فإنه يعذب بقدر ذنبه، ثم يخرج من النار، وعليه تحمل أحاديث الشفاعة التي بين النبي ﷺ فيها أنه يشفع في أهل لا إله إلا الله، وأنه سوف يخرج من النار أهل الإيمان بالله، ولا يبقى في النار إلا من وجب عليه الخلود، وحبسه القرآن، وهم الكفرة والملاحدة والمشركون ونحوهم.
стр. 717
الحكم العام فيمن يستحق الجنة ومن يستحق النار
نحن نحكم حكماً عاماً ونقول: أهل التوحيد، وأهل الإسلام، وأهل الإخلاص، وأهل العمل، هؤلاء نرجو لهم الجنة، والله تعالى لا يخيب رجاء المؤمنين؛ وأهل الكفر، وأهل الشرك، وأهل الزندقة والنفاق، هؤلاء نعلم أن الله توعدهم بالنار، أما أهل الكبائر فنخاف عليهم من عذاب الله، وكذلك نرجو لهم رحمة الله، نرجو أن الله تعالى يرحمهم، فهو واسع الرحمة، ولكن نخاف أن يعذبهم، وعذاب الله شديد؛ لأنه سبحانه قد توعد بالعذاب على دون ذلك، ووعد بالثواب على أعمال قليلة.
إذاً: نرجو لهؤلاء دون أن نجزم بأنهم من أهل الجنة، وإذا كانت عندهم كبائر فنخاف عليهم دون أن نجزم لهم بالنار، فلا نجزم لهؤلاء بجنة ولا نار، ولكن نخاف على المذنب، ونرجو للمحسن، هذه من عقائد أهل السنة.
стр. 718
الحكم على الناس إنما يكون بالظاهر لا بالظن
قال الشارح ﵀: [قوله: (ولا نشهد عليهم بكفر ولا بشرك ولا بنفاق، ما لم يظهر منهم شيء من ذلك، ونذر سرائرهم إلى الله تعالى) .
لأنا قد أمرنا بالحكم بالظاهر، ونهينا عن الظن واتباع ما ليس لنا به علم، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ [الحجرات:١١] ، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات:١٢] ، وقال تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً﴾ [الإسراء:٣٦]] .
وهذا يقتضي أننا لا نتخبط بجهل، ونقول في المسلم بغير يقين؛ وذلك لأن المسلمين لهم ظواهر وبواطن، والحكم للمسلم على الظاهر، والمعاملة له على الظاهر، فمن أظهر لنا خيراً فإننا نحسن الظن به، ومن أظهر شراً فإننا نسيء الظن به.
روي أن عمر بن الخطاب ﵁ خطب بعد موت النبي ﷺ وقال: أيها الناس! إن أناس كانوا يؤخذون بالوحي على عهد رسول الله ﷺ ، وإن الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكم بالظاهر، فمن أظهر لنا خيراً أحببناه وقربناه، وإن أضمر لنا سوءاً! ومن أظهر لنا شراً أبغضناه وعاديناه ولو كان قلبه سليماً! أو كما قال ﵁، فجعل الحكم على مجرد ما يظهره الإنسان.
ومما يدل على ذلك أيضاً حديث عبيد الله بن عدي بن الخيار أن أنصارياً جاء إلى النبي ﷺ فساره يستأذنه أن يقتل رجلاً من المنافقين، فجهر رسول الله ﷺ فقال: (أليس يشهد أن لا إله إلا الله؟ فقال الأنصاري: يشهد ولا شهادة له، فقال: أليس يشهد أن محمداً رسول الله؟ قال: يشهد ولا شهادة له، فقال: أليس يصلي؟ قال: يصلي ولا صلاة له، قال: أولئك الذين نهيت عن قتلهم) ، يعني: أنه أمر بمعاملتهم بالظاهر، ما دام يعلن الشهادة، وما دام يقيم الصلاة إقامة ظاهرة، فليس لنا أن ننقب عن قلبه، لماذا؟ لأنا لا ندري ما يكنه.
وفي قصة ذي الخويصرة الذي أنكر على النبي ﷺ بعض الأمر، ثم ولى فقال خالد بن الوليد: (ألا أقتله يا رسول الله؟ فقال: لا، لعله يصلي، فقال خالد: وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه! فقال النبي ﷺ : إني لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس، ولا أشق بطونهم) ، يعني: إنما نأخذهم بما يظهر لنا، أما ما في قلوبهم فهذا أمره إلى الله .
ولما قتل أسامة بن زيد ﵁ رجلاً من المشركين بعد ما قال: لا إله إلا الله؛ أنكر عليه النبي ﷺ وقال: (أقتلته بعد ما قال: لا إله إلا الله؟! فقال: يا رسول الله! إنما قالها خوف السلاح، إنما قالها مستعيذاً من القتل -يعني: أنه ما قالها إلا لما رأى السلاح قد وصله، ولم يكن ذلك عن يقين منه- فقال ﵊: فهلا شققت عن بطنه حتى تعلم هل قالها أم لا) يعني: أنك لا تدري ما في قلبه، فخذه بما ظهر لك، ففي هذه الأدلة ونحوها أن المعاملة تكون بالظاهر، سواء كان الظاهر خيراً أو شراً.
فالذين نراهم يظهرون الأعمال الخيرية نحبهم ونكل أمرهم إلى الله تعالى، والذين يظهرون الأعمال السيئة نبغضهم ونكل أمر قلوبهم إلى الله تعالى.
وكثيراً ما تنكر على بعض الذين يظهرون المعصية: الذي تراه يحلق لحيته، أو تراه يشرب الدخان، أو تراه يسبل ثوبه، أو تراه يتكاسل عن الصلوات ونحوها، أو تسمعه يقذف ويسب، أو نحو ذلك، فتنكر عليه، فيعتذر ويقول: العمل على ما في القلوب، قلبي طاهر، وإذا كان قلبي نقياً فلا عبرة بما أفعله، ولا عبرة بهذه المظاهر، هكذا يعتذر، هل هذا صحيح؟ ليس بصحيح، وكما أن العبرة بالباطن فإن الحكم للظاهر، ونقول: نحن لا ندري ما في باطنك، فباطنك خفي، إنما نعاملك بظاهرك، فهذا الذي أظهرته لنا -وهو عملك بهذه المعاصي وإعلانها- دليل على التهاون بأمر الله، ودليل على تهاونك بعقوبة الله، وتهاونك بنظر الله، ودليل على أن في قلبك محبة لهذه المعاصي، وأما كون قلبك نقياً، وكونك مؤمناً ونحو ذلك، فهذا ليس إلينا، بل إلى الله .
وأما إذا أظهر لنا الإنسان التقى والورع، ورأيناه يحافظ على العبادات، ولم نسمع منه شيئا ًمن الكلام الذي يقدح بعبادته أو ديانته فإننا نحبه، وليس لنا أن نتتبع أسراره، ولا أن نبحث عن خفاياه، ولا أن نظن به الظنون السيئة التي حذرنا الله منها، قال الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات:١٢] أي: لا تجسسوا على إخوانكم، لا تقولوا: فلان يمكن أنه منافق، لا ندري ما إيمانه، إذاً: نتجسس عليه ونتحسس، ونستمع إلى كلامه بخفيه وسريه! فليس لنا ذلك، فما دام أنا لم نره أظهر سوءاً، فإنا نعامله بما أظهر، ولا نقول: إن باطنه خبيث، وإنه يسر كذا وكذا، ليس لنا ذلك، وكذلك لا نتكلم فيه قدحاً بغير علم، فندخل في مخالفة الآية التي في سورة الإسراء، وهي قول الله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء:٣٦] يعني: لا تتبع ما ليس لك به علم فتتكلم بسوء، أو تستمع إلى شيء، أو تنظر إلى عورة ليس لك النظر إليها، أو تظن ظناً سيئاً ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً﴾ [الإسراء:٣٦] أي: كنت مسئولاً عن هذه الأشياء، فلا تسمع إلى حديث قوم وهم لا يحبون أن تسمع له، وتقول: لعلي أسمع منهم ما يدل على بغضهم وعلى حقدهم على الإسلام! نقول: ليس لك ذلك، أما إذا أظهروا ذلك علناً، فإن لك أن تشهد به، وهذا هو منهج الصحابة ﵃، فإن الذين عرف نفاقهم ما عرف إلا لما أعلنوه، كما في حديث عوف بن مالك أنه سمع بعض المنافقين يقول: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء: أرغب بطوناً، ولا أكذب ألسنة، ولا أجبن عند اللقاء، فعند ذلك قال له: كذبت ولكنك منافق، لأخبرن رسول الله ﷺ ، فذهب عوف ليخبر النبي ﷺ فوجد القرآن قد سبقه، وأن الله تعالى أطلع نبيه على هذه المقالة، فإذا ظهر من الإنسان كلام يدل على سخرية، ويدل على بغض وحقد على المسلمين، ويدل على سوء طوية، وعلى تهمته ببغض الإسلام وببغض المسلمين؛ فحينئذٍ لا يترك على هذا، بل يقام عليه الحد، ويؤخذ حق الله تعالى منه، أما إذا كان أمره خفياً فليس لنا ذلك، وقد يقال: إن هذا قد يكون سبباً في كثرة المنكرات، نقول: ما دامت المنكرات خفية فلسنا مسئولين عنها، لكن إذا رأينا علامات ظاهرة، كأن يعرف أن هناك بيوت دعارة يتوافد إليها أناس مشكوك فيهم فإن لنا أن نتحفظ.
стр. 719
شرح العقيدة الطحاوية [٥٥]
يجب الاجتماع على الحق، وتحرم الفرقة، والمسائل الاجتهادية لا يضلل فيها المخالف، ولا يعقد الولاء والبراء عليها، ما دام لها في النصوص محمل سائغ.
стр. 720
وجوب الاجتماع على الحق وحرمة التفرق
قال المصنف ﵀: [قوله: (ونتبع السنة والجماعة ونجتنب الشذوذ والخلاف والفرقة) .
السنة: طريقة الرسول ﷺ والجماعة: جماعة المسلمين وهم الصحابة والتابعون لهم بإحسان إلى يوم الدين فاتباعهم هدى وخلافهم ضلال، قال الله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران:٣١] وقال: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:١١٥] ، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [النور:٥٤] ، وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:١٥٣] وقال تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران:١٠٥] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [الأنعام:١٥٩] .
وثبت في السنن الحديث الذي صححه الترمذي عن العرباض بن سارية قال: (وعظنا رسول الله ﷺ موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله كأن هذه موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ فقال: أوصيكم بالسمع والطاعة فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة) ] .
يحث دين الإسلام على التمسك بالسنة، ويحث على الاجتماع على العقيدة السلفية، وينهى عن التفرق والتعادي والتقاطع، ويأمر بالتمسك بالصراط المستقيم، والأدلة على ذلك واضحة ظاهرة، ومنها قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام:١٥٣] فأمر بالاتباع، وأمر بالتمسك بالصراط المستقيم، وهو الذي أمرنا الله تعالى بأن ندعو به في صلاتنا بقولنا: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] ، وهو الطريق الذي سارت عليه الأمة الإسلامية، ونهجه أهل السنة، يأمر الله تعالى بالسير عليه، وبالتمسك به غاية التمسك، ويأمر النبي ﷺ بالتمسك به أشد ما يكون، وبالعض عليه بالنواجذ، التي هي أقاصي الأسنان، ولا شك أن ذلك كله دليل على أهمية السير على هذا الصراط السوي.
وينهى الإسلام عن التفرق والاختلاف؛ وذلك لأن في الاختلاف عداوة، فمتى اختلفت وجهة المسلمين فكانت طائفة تذهب إلى هذا، وطائفة تذهب إلى ذاك، وهذه تضلل الأخرى، وهذه تبدع هذه، ولم يكونوا مجتمعين على الحق، ولم يحصل بينهم التعاون على البر والتقوى؛ خيف عليهم أن يتسلط عليهم عدوهم، ويتغلب عليهم، فلا يقاومونه لاختلاف وجهاتهم، ولاختلاف أنظارهم.
والله تعالى قد نهى عن التفرق في مواضع كثيرة من كتابه، يقول الله تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران:١٠٥] ، ويقول الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٣] ، وينهى أيضاً عن الاختلاف كما في قوله تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا﴾ [آل عمران:١٠٥] ، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام:١٥٩] ، (شيعاً) يعني: أحزاباً، الشيع هو أن كلاً يذهب إلى رأي يتشيع له، يعني: يتعصب له.
وبكل حال فإذا عرفنا أن الإسلام يأمر بالاجتماع، فهذا الاجتماع لابد أن يكون على السنة، وأن يكون على الصراط السوي وعلى الطريق المستقيم، أما إذا كان المجتمعون قد اجتمعوا على ضلالة، اجتمعوا على بدعة، فإن اجتماعهم لا قيمة له؛ وذلك لأنهم تركوا الحق جانباً، وأعرضوا عن صراط الله الذي أمر بالتمسك به وبسؤاله، وهو الذي سارت عليه الأمة الإسلامية، وهو صراط المنعم عليهم الذين قال الله فيهم: ﴿وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقاً﴾ [النساء:٦٩] .
وكثيراً ما تأتي الأدلة في الحث على الجماعة، وكثيراً ما نسمع الخطباء يحثون على الجماعة، ويقولون: عليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة، أو فإن يد الله على الجماعة، والمراد بالجماعة هنا: جماعة الإسلام، الذين يجتمعون على قول صحيح سليم، ليس فيه خطأ ولا خلل، هؤلاء هم الجماعة، وجاءت الأحاديث تقول: (عليكم بالجماعة، (إياكم والفرقة) ، (اجتمعوا على الحق ولا تفرقوا) ، (إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية) ففيها حث المسلمين على أن يسيروا جميعاً، وأن الذي يشذ منهم فإنه إلى الهلاك، وتخطفه الشياطين، فيصير من نصيبها، كما أن الغنم إذا كانت مجتمعة فإن الراعي يراقبها ويرعاها، فإذا انفردت واحدة منها، وكانت بعيدة، وغفل عنها، جاء السبع فأكلها، فكذلك جماعة المسلمين.
стр. 721
الحق يستمد قوته من دليله ولا تضره كثرة مخالفيه
أهل البدع جماعات كثيرة، وقد تكون لهم قوة وكثرة واجتماعات، وقد يتفوقون في بعض الأحيان على أهل السنة، وقد يزيدون عليهم عدداً أو عدة أو قوة، ولكن هل يقال: إنهم على الجماعة؟ هل يقال: إنهم أهل الجماعة؟ هل يقال: إنهم أهل السنة؟! ليس كذلك، بل هم أهل فرقة، وهم أهل بدعة، وهم أهل ضلالة، ولو كثر عددهم، ولو كثرت جماعاتهم، ولو حصلت لهم قوة معنوية، أو قوة حسية، فإنهم ليسوا من أهل الجماعة، وليسوا من أهل السنة، فأهل السنة والجماعة هم من كان على مثل ما عليه النبي ﷺ وأصحابه، ويقلون ويكثرون، وأحياناً يمكن الله لهم، فيرجع ضالهم، ويرشد غاويهم، فيكثرون على الحق، ويتمسكون به، ويسيرون عليه، وأحياناً يكثر أعداؤهم فيضلون الخلق، ويشتتون الجماعات، ويقل المتمسكون بالسنة، ويصيرون أفراداً، فلا يعرفون، وربما يستخفون بمذهبهم، ويكنونه ولا يجهرون به، ومن جهر به أوذي وطرد واضطهد وسجن وشرد وهرب، وهو مع ذلك على السنة، وعلى العقيدة وعلى التوحيد، وعلى الدين الإسلامي، وعلى الصراط المستقيم، ولكن إذا قويت البدع وقويت المنكرات في بعض البلاد تسلط أهلها على أهل الحق واستضعفوهم، وساموهم سوء العذاب، ولكن النصر والتمكين لهم، والعاقبة للتقوى، إذا صبروا واحتسبوا، وما أصابهم في ذات الله وفي دينه كان رفعاً لدرجاتهم، وإعظاماً لأجرهم.
يحصل في هذه الأزمنة اضطهاد كثير لأهل الحق، وإذلال لهم، واتهام لهم بالثورات وبالانقلابات على الدولة، وأنهم يريدون السلطة، وكذلك مطاردتهم في الأسواق وغيرها، وكل من رؤي متمسكاً بالسنة وعاملاً بها اتهم بالاتهامات البعيدة، وأدخل السجون وضرب، وفرضت عليه الضرائب التي تثقل كاهله وما أشبه ذلك، كما هو موجود في كثير من الدول التي تنتمي إلى الإسلام، وهذا لا يدل على أن هؤلاء ليسوا على الحق، بل هم على حق، وإذا صبروا كان ذلك أعظم أجراً، ولا يدل على أن تلك الأمم والشعوب والدول التي أظهرت خلاف الحق، وانتهجت الباطل؛ على حق وصواب، فالعبرة لسيت بالكثرة، إنما العبرة بالإصابة، العبرة في الحق لمن كان مصيباً للحق ومتمسكاً به، هذا هو الذي عليه أهل السنة والجماعة.
стр. 722
أهل الحق هم من كان على مثل ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه
قال الشارح رحمنا الله تعالى وإياه: [وقال رسول الله ﷺ : (إن أهل الكتابين افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة -يعني: الأهواء- كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة) ، وفي رواية: (قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي) ، فبين ﷺ أن عامة المختلفين هالكون من الجانبين، إلا أهل السنة والجماعة.
وما أحسن قول عبد الله بن مسعود ﵁ حيث قال: (من كان منكم مستناً فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد ﷺ ، كانوا أفضل هذه الأمة، أبرها قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم في آثارهم، وتمسكوا بما استطعم من أخلاقهم ودينهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم) وسيأتي لهذا المعنى زيادة بيان إن شاء الله تعالى، عند قول الشيخ: (ونرى الجماعة حقاً وصواباً، والفرقة زيغاً وعذاباً) .
] .
هذه أدلة على أن أهل الحق هم المتمسكون بالسنة النبوية، وهم من كان على مثل ما كان عليه النبي ﷺ وصحابته، والصحابة ﵃ ما خاضوا في علم الكلام الذي خاض فيه المتكلفون المتكلمون، وكذلك كانوا يكرهون الاختلاف حتى في الفروع، بل إذا اختلفت عليهم الأدلة قالوا: آمنا بها وفوضنا ما لم نعلم، وعملنا بما كان عليه نبينا ﷺ وكان في عهده.
وقد تقدم أنه ﷺ كان ينهى أصحابه عن الاختلاف، خرج عليهم مرة وقد اختلفوا في القدر، فكأنه فقئ في وجهه حب الرمان، يعني: احمر وجهه من الغضب، فقال: (يا عباد الله! أبهذا أمرتم أم بهذا كلفتم؟ أتضربون كتاب الله بعضه ببعض؟! ما عرفتم منه فاعملوا به، وما لم تعرفوا فكلوا أمره إلى عالمه) .
هكذا أمر النبي ﷺ إذا اختلفت علينا الأدلة أن نأخذ بما هو الأنسب والأظهر، وندع الاختلاف.
وقد أخبر ﵊ بوقوع الاختلاف في هذه الأمة، ففي هذا الحديث الذي تقدم أخبر بأن أمته ستتفرق بهم الأهواء إلى ثنتين وسبعين فرقة، وكل طائفة تزعم أن الحق في جانبها، وكل طائفة تضلل غيرها وتبرر موقفها.
وهذه الاختلافات اختلافات اعتقادية، يضلل من خالف فيها، وليست اختلافات في الفروع وفي المسائل الاجتهادية التي طريقها الاجتهاد، فإن هذه لا يضلل فيها، ولهذا خالف بعض الأئمة مشايخهم دون أن يضللوهم، فالإمام مالك ﵀ كان إماماً متبعاً، وقد خالف أبا حنيفة في أشياء، والإمام الشافعي قرأ على مالك وأخذ عنه علمه، وقد خالفه في أشياء من الفروع، وكذلك أحمد خالف الأئمة الذين قبله في أشياء، ولكن ليس هذا ضلالاً، وليست هذه المذاهب من الفرق الضالة التي حكم النبي ﷺ بأنها في النار إلا واحدة، إنما تلك هي البدع المضلة التي تتعلق بالعقيدة، ولا شك أن أمور العقيدة أدلتها يقينية، أدلتها قطعية، ولا يستدل عليها بالأدلة الظنية التي يتطرق إليها احتمال الثبوت أو عدمه، وإنما يستدل عليها بأمور قطعية الدلالة لا لبس فيها ولا خفاء، ولكن عميت الأعين وصمت الآذان، فإن أولئك المبتدعة يرون الحق أبلجاً، ويرون الصراط مستقيماً، فتأتيهم بالأدلة، وتوضحها لهم، ولكن هم صم ولو سمعوا، بكم ولو نطقوا، عمي ولو نظروا، بهت بما شهدوا، عموا عن الحق، وعن سماعه صموا، وعن قوله خرسوا، وهذا حرمان من الله، وإلا فالطريق واضح؛ ولذلك حذر النبي ﷺ من هذه الأهواء الثنتين والسبعين، وأمر بالتمسك بالجماعة، وقال: (كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة) ، وفي رواية: (هم ما أنا عليه اليوم وأصحابي) .
стр. 723
عمق علم الصحابة وعدم تكلفهم يوجب الاهتداء بهديهم
الصحابة ﵃ لم يتكلموا في الجوهر والعرض، ولم يتكلموا في الأعراض والأبعاض والأعضاء وما أشبه ذلك مما ابتلي به المتكلمون، ولم يتكلموا في المحدثات التي امتلأت بها كتب هؤلاء المتكلمين، وإنما تقبلوا ما جاءتهم به السنة، وما ثبت في الأحاديث، وما نص عليه القرآن، وتقبلوا ذلك كله، واستسلموا له، كما شهد لهم ابن مسعود ﵁ في هذا الأثر: (من كان مستناً فليستن بمن قد مات) ، ابن مسعود من الصدر الأول، مات سنة اثنين وثلاثين بعد النبي ﷺ بنحو إحدى وعشرين سنة؛ لأنه ﷺ مات سنة إحدى عشرة، وابن مسعود مات سنة ثنتين وثلاثين، ومع ذلك يحث على طريقة الصحابة، ويريد بالصحابة: السابقين الأولين، كالخلفاء أبي بكر وعمر وعثمان لأنهم في زمانه، وكذلك من مات من السابقين ممن مات قبله، كـ عبد الرحمن بن عوف وأبي ذر، والعباس بن عبد المطلب، ونحوهم، ولا شك أن هؤلاء هم الصحابة الذين قصدهم في قوله هذا: (من كان مستناً فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة) ومن كان عالماً لا يؤمن عليه أن يضل، ولا يؤمن عليه أن يفتتن بالدنيا، أو يفتتن بالشبهات وبالدعايات المضللة، يقول: (أولئك أصحاب محمد ﷺ ، أبر هذه الأمة قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً) ما أبلغه من وصف! البر: هو الصدق والإخلاص، يعني: أن قلوبهم خالصة مخلصة، وعلمهم عميق؛ لأنه علم نبوي، ولم يكونوا يتكلفون.
وروي عن ابن مسعود ﵁ أنه لما جاءه رجل وقال: إن فلاناً يزعم أنه يكون قبل القيامة دخان يأخذ بمشام الناس، فعجب لذلك! حيث استدل بقوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان:١٠] فقال: إن الله تعالى قال لنبيكم: ﴿وَمَا أَنَا مِنْ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص:٨٦] ، وإن هذا من التكلف؛ لأن هذا فسر الآية بما يراه أو بما يظنه من أن الدخان المذكور فيها يكون قرب الساعة، وبكل حال فهو ينكر على من يتكلف في تفسير الآيات بمثل هذه الاحتمالات.
فإذا نظرنا فيما روي عن الصحابة ﵃، لم نجد في علمهم شيئاً من التكلف، بل وجدناهم يأخذون الأدلة على ظاهرها، ويفوضونها أو يعتقدون ما دلت عليه.
وقد حدث الضلال في آخر عهدهم من بعض المنكرين لبعض الأمور الغيبية، كما روي أن رجلاً انتفض عند ابن عباس لما قرأ آية في الصفات استنكاراً لها، فقال ابن عباس: ما فرق هؤلاء؟! يجدون رقة عند محكمه، ويهلكون عند متشابهه! أما الأثر المروي عن علي ﵁ أنه قال: (حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله!) ، فإنه دليل على أنه قد وجد في عهده من يتحدث بأشياء قد تستغرب، وقد يستنكرها بعض الجهلة، فلأجل ذلك نهى أن يحدثوا بالأشياء التي فيها شيء من الغرابة، وأمرهم أن يتحدثوا بالأشياء المعلومة كالأحكام، أي: اشغلوا أوقاتكم بالأحكام، وبأمور الطاعة، وبنوافل العبادات، وإياكم أن تشتغلوا بالأشياء التي فيها غرابة، ويستنكرها العامة وينكرونها، وإذا أنكروها وهي قطعية هلكوا، حيث إنهم كذّبوا الله ورسوله، فهذه طريقة وسيرة السلف الذين هم الصحابة ومن سار على نهجهم.
стр. 724
أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله
قال الشارح رحمه الله تعالى: [قوله: (ونحب أهل العدل والأمانة، ونبغض أهل الجور والخيانة) .
وهذا من كمال الإيمان وتمام العبودية، فإن العبادة تتضمن كمال المحبة ونهايتها، وكمال الذل ونهايته، فمحبة رسل الله وأنبيائه وعباده المؤمنين من محبة الله، وإن كانت المحبة التي لله لا يستحقها غيره، فغير الله يحب في الله لا مع الله، فإن المحب يحب ما يحب محبوبه، ويبغض ما يبغض، ويوالي من يواليه، ويعادي من يعاديه، ويرضى لرضائه ويغضب لغضبه، ويأمر بما يأمر به، وينهى عما ينهى عنه، فهو موافق لمحبوبه في كل حال، والله تعالى يحب المحسنين، ويحب المتقين، ويحب التوابين ويحب المتطهرين، ونحن نحب من أحبه الله، والله لا يحب الخائنين، ولا يحب المفسدين، ولا يحب المستكبرين، ونحن لا نحبهم أيضاً، ونبغضهم موافقه له .
وفي الصحيحين عن النبي ﷺ : (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا الله، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار) .
فالمحبة التامة مستلزمة لموافقة المحبوب في محبوبه ومكروهه، وولايته وعداوته، ومن المعلوم أن من أحب الله المحبة الواجبة، فلابد أن يبغض أعداءه، ولا بد أن يحب ما يحبه من جهادهم كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف:٤] .
والحب والبغض بحسب ما فيهم من خصال الخير والشر، فإن العبد يجتمع فيه سبب الولاية وسبب العداوة، والحب والبغض، فيكون محبوباً من وجه ومبغوضاً من وجه، والحكم للغالب، وكذلك حكم العبد عند الله، فإن الله قد يحب الشيء من وجه ويكرهه من وجه آخر، كما قال النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه : (وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته، ولا بد له منه) ، فبين أنه يتردد؛ لا أن التردد تعارض إرادتين، وهو يحب ما يحب عبده المؤمن، ويكره ما يكرهه، وهو يكره الموت فهو يكرهه، كما قال: (وأنا أكره مساءته) ، وهو سبحانه قضى بالموت، فهو يريد كونه، فسمى ذلك تردداً، ثم بين أنه لا بد من وقوع ذلك، إذ هو يفضي إلى ما هو أحب منه] .
стр. 725
وجوب حب الله وحب ما يحبه الله
واجب على المسلم أن يحب الله تعالى، وأن يحب ما يحبه الله، وأن يحب من يحبه الله، فيحب الله تعالى من كل قلبه؛ لأنه ربه، والمنعم عليه، ويحب ما يحبه الله من الأعمال التي تكون سبباً لرضاه، ويحب الذين يحبهم الله من أوليائه وأصفيائه وعباده الصالحين، وإذا كان كذلك فإنه يحضى بمحبة الله تعالى له، أما كونه يحب الله ورسوله فإن لذلك أسباباً، كيف لا يحب ربه الذي هو خالقه ومالكه؟! كيف لا يحب ربه الذي أنعم عليه وتفضل عليه؟! كيف لا يحب ربه الذي رزقه وخوله وأعطاه ما يتمناه؟! كيف لا يحب ربه الذي يتصرف فيه كما يشاء؟! كيف لا يحبه وقد هداه للإسلام ونور بصيرته؟!
стр. 726
وجوب حب النبي ﷺ
يجب على المسلم أن يحب النبي ﷺ ؛ وذلك لأن الله تعالى أنقذه على يديه، أنقذ جميع الخلق، وأنقذ هذه الأمة على يدي هذا النبي ﷺ ، فلأجل ذلك يجب أن يحبوه، وأن يقدموا محبته على كل شيء، قال النبي ﷺ : (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين) ، وقال له عمر: (والله إنك لأحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، فقال: لا يا عمر، حتى أكون أحب إليك من نفسك، فقال: والله إنك لأحب إلي من نفسي، فقال: الآن يا عمر) ولا شك أنه ﵊ أهل لأن يحبه المؤمنون الذين أنقذهم الله بواسطة دعوته، وأخرجهم به من الظلمات إلى النور، وأنقذهم به من الغواية، وبصرهم بواسطته إلى طريقة الهداية والحق، فلذلك يقدمون محبته على كل شيء.
وفي هذا الحديث يقول ﷺ : (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار) ، أخبر بهذا؛ لأن هذه الثلاث لابد منها حتى يجد بها المسلم حلاوة الإيمان، بدأها: بأن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، يعني: من النفس ومن المال ومن الأهل والوالد، ومن القريب والبعيد، ومن كل شيء حتى من نفسه، ومعلوم أنه إذا حصلت له هذه المحبة تبعها غيرها، فإذا أحب الله تعالى، وأحب رسوله ﷺ تبعتها الخصلتان الباقيتان، تبعها محبة ما يحبه الله، وتبعها كراهة ما يكرهه الله، فالثلاث متلازمة مترابطة.
والخصلة الثانية: أن يحب المرء لا يحبه إلا لله، معلوم أن من أحب الله أحب ما يحبه الله، بل العادة أن إنساناً إذا أحبك أحب كل من تحبه، فأنت مثلاً إذا أحببت زيداً، أحببت من يحبه زيداً؛ وذلك لأنك وثقت به، وصار له قدر في قلبك، وصارت له منزلة، فصرت توقره وتحبه، فإذا رأيته يؤثر عملاً آثرت ذلك العمل معه، وإذا رأيته يجتنب شيئاً اجتنبته؛ لأنك تثق به وتعرف أنه لا يفعل إلا ما هو خير، ولا يتجنب إلا ما فيه ضرر، فكيف بما يكرهه الله تعالى؟! لا شك أنك تكرهه، كيف بما يُحرّمه ويبغضه؟! لا شك أنك تبغضه، كيف بمن يحبهم الله تعالى من الأشخاص؟! لا شك أنك تحبهم.
وقد تقول: لكن الله تعالى قد ذكر أن المؤمنين يحبون المنافقين ظاهراً، في قوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿هَاأَنْتُمْ أُوْلاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ﴾ [آل عمران:١١٩] فهؤلاء الصحابة الذين يحبون الله ويحبون الرسول، ويؤثرونه على أنفسهم، ويفدونه بأرواحهم، كيف يحبون المنافقين؟!
الجواب
لأنهم يظهرون الإسلام، ويبطنون الكفر، ويخفون عقيدتهم، فيبطنون ما هم عليه من الضلال والبغضاء، الذي هو بغض الله، وبغض رسوله، وبغض الصحابة، وبغض المؤمنين، ولا يبدون ذلك، إنما يظهرون أنهم من أولياء الله، وأنهم من أحبابه، فلأجل ذلك وثق بهم المؤمنون فصاروا يحبونهم، يعني: تحبونهم؛ لأنهم يحبون الله ظاهراً، تحبونهم؛ لأنه يظهرون لكم محبة الرسول، وأنتم تحبون الرسول، ومحب المحبوب محبوب، ولكن هم لا يحبونكم؛ لأنكم تحبون الرسول، وهم يبغضونه، ومحب المبغوض مبغوض، فلما صرتم على يقين وعلى عقيدة من محبة الرسول ﷺ وهم على الضد من ذلك يبغضونه، وأبغضوكم؛ لأنكم تحبون مبغوضهم.
إذاً: عليك أن تحب من يحبه الله، وتبغض من يبغضه الله، وتظهر عليك آثار هذه المحبة، ولا شك أن لها آثاراً، ومن آثارها: الولاء والبراء العطاء والمنع التقريب والإبعاد، فمن أحببته أعطيته، ومن أبغضته حرمته، ومن أحببته قربته، ومن أبغضته أبعدته، وابتعدت عنه، ومن أحببته واليته، ومن أبغضته عاديته.
стр. 727
لا يجوز موالاة من حاد الله ورسوله ولو كان أقرب قريب
الذين يحبهم الله يجب أن تحبهم بقلبك، وتواليهم، وتعطيهم، وتقربهم، وتمدحهم، وتقتدي بهم، وتثني عليهم؛ لأن الله تعالى يحبهم، والذين يبغضهم الله تبغضهم، وتعاديهم، وتقاطعهم، وتبتعد عنهم، وتحذر منهم، وتذمهم، وتحذر من سيرتهم، وسنتهم، وعادتهم التي أصبحوا بها مبغضين لله، مبغوضين عند الله، ولو كانوا ما كانوا.
من الخصال التي ذكرها الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ مما يجب للمسلم على المسلم، في قوله: إنه يجب على كل مسلم ومسلمة تعلم هذه الثلاث المسائل: وذكر الثالثة منها: أن من أطاع الرسول ووحد الله لا يجوز له موالاة من حاد الله ورسوله، ولو كان أقرب قريب، واستدل بالآية التي في آخر المجادلة: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة:٢٢] لا تجد المؤمنين حقاً يوادون المحادين لله ورسوله أبداً، لا تجدهم يوادونهم، بل لابد أن يعادوهم ويقاطعوهم وينبذوا لهم قوس العداوة، ولو كانوا أقرب قريب، ولهذا قال: ﴿وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة:٢٢] يعني: أقاربهم الخاصين بهم، وما ذلك إلا أنهم لما أحبوا الله أبغضوا من يبغضه الله، فالذين عادوا الله، ولو كانوا أقارب عاداهم أولياء الله، ومقتوهم، وابتعدوا عنهم، وقطعوا الاتصال بهم.
أما أولياء الله فإنهم يحبونهم، ولو كانوا بعيدين في النسب، فصار بعضهم يؤثر أخاه المسلم على نفسه، ولو كان من فارس أو من الروم أو من البربر أو من الحبش أو نحو ذلك، فمثلاً: من الصحابة: بلال حبشي من الحبشة، وصهيب رومي من الروم، وسلمان فارسي من فارس، ولكن جمعت بينهم أخوة الإسلام ومحبة الله، فصاروا أخوة في ذات الله تعالى، يحب بعضهم بعضاً، ويؤثر بعضهم بعضاً، فهكذا تكون آثار هذه المحبة.
فلما أحب الله الصالحين، وأنت تحب الله أحببتهم، ولما أبغض الكافرين، وأنت تبغض ما يبغضه الله أبغضتهم، وكذلك الأعمال، فإن الله تعالى يبغض كثيرا ًمن الأعمال، يقول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة:٢٠٥] ، ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر:٧] ، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:٣٢] ، ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾ [النحل:٢٣] ، إذا كان الله لا يحب هؤلاء فلا تحبهم، بل أبغضهم، انظر من يحبه الله؟ الله يحب التوابين، ويحب المتطهرين، ويحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص، ويحب أهل هذه الخصال، ويحب الأعمال الصالحة، ويحب من عباده أن يأتوها، فالذي يدعي المحبة لابد أن تظهر عليه آثارها وعلاماتها الواضحة.
стр. 728
العلامة الدالة على صدق محبة الله
ذكروا أن اليهود لما قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه -وكذبوا فليسوا أحباءه- أنزل الله آية تسمى آية الامتحان أو آية المحنة في سورة آل عمران: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١] فامتحنهم الله بهذه الآية، فإذا كنتم صادقين في أنكم تحبون الله فلابد من علامة، والعلامة الواضحة هي أنكم تتبعون هذا الرسول الكريم، فإن هذه علامة صدق من يدعي محبة الله.
روي عن بعض السلف ﵀ أنه قال: من ادعى محبة الله ولم يوافقه فدعواه كاذبة؛ لأن الذي يحب الله يوافقه في أوامره ونواهيه، ويفعل ما يحبه الله من الطاعات، ويكره ما يكرهه الله من المحرمات والمعاصي، وكذلك أيضاً يحب أولياء الله ويبغض أعداء الله، وبذلك يكون صادقاً في هذه المحبة، وإذا لم يكن كذلك فليس بصادق، والذي يتظاهر بالمعصية ومع ذلك يدعي أنه يحب الله ليس بصادق، يقول بعض الشعراء: تعصي الإله وأنت تزعم حبه هذا عجيب في الفعال بديع لو كان حبك صادقاً لأطعته إن المحب لمن يحب مطيع فعلامة المحبة طاعة المحبوب.
محبة الله تعالى واجبة، وعلاماتها ظاهرة، وهي: طاعته، وحب العبادات التي يحبها، وحب العباد الذين يحبهم، وكذلك موافقته، وكذلك بغض المعاصي التي حرمها ومقتها وأبغضها، ومعاداة العصاة والكفرة الذين أبغضهم وكرههم ومقتهم، فمن كان كذلك فإنه من أحباب الله الذين وعدهم الله تعالى بالثواب العظيم، جاء في الحديث القدسي يقول الرب تعالى: (ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض نفس المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته) ، هكذا ورد في هذا الحديث، ومعنى كون الله تعالى إذا أحبه يقول: (كنت سمعه إلخ) أي: أنه لا يسمع إلا ما يحبه الله، ولا يبصر إلا ما يحبه الله، ولا يمد يده ويبطش إلا في طاعة الله، ولا يحرك قدمه ماشياً إلا فيما أمر الله به وأحبه.
стр. 729
شرح العقيدة الطحاوية [٥٦]
ذكر أهل العلم مسألة المسح على الخفين في كتب العقائد لأن إنكارها صار شعاراً لبعض أهل البدع، كما ذكروا فيها وجوب غسل القدمين في الوضوء لكون الرافضة لا يغسلون أقدامهم عند الوضوء.
стр. 730
وجوب تحقيق الأخوة والاجتماع بين المسلمين
تقدم لدينا ما يتعلق بحث الإسلام وتحريضه على الاجتماع ونهيه عن الافتراق، وحثه على الائتلاف وتحذيره من الاختلاف، وذلك أن المسلمين كلما كانوا مجتمعين، وكلما كانت كلمتهم واحدة؛ كان نفوذ كلمتهم أقوى من غيرهم ممن خالفهم، وكلما تفرقت كلمتهم وتشتت أهواؤهم، واختلفت آراؤهم، ضعفت معنويتهم، وقوي عليهم أعداؤهم، فلأجل ذلك جاء الإسلام يحث على الاجتماع، قال الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٣] فأمر بالاجتماع، ونهى عن التفرق، والتفرق يعم تفرق الأبدان وتفرق الأهواء والآراء والمذاهب والشيع والفرق والأحزاب، يعم ذلك كله، ويقول تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران:١٠٥] (تَفَرَّقُوا) أي: تفرقت كلمتهم، (وَاخْتَلَفُوا) أي: اختلفت آراؤهم، واختلفت أهواؤهم، وقد امتن الله تعالى على المؤمنين بأن جمعهم على كلمة التوحيد، وألف بين قلوبهم، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنفال:٦٢-٦٣] أي: جمع بينهم، ورزقهم المحبة والألفة، بحيث إن بعضهم يؤثر أخاه المسلم على نفسه، وعلى ولده، وعلى أحبابه وأحفاده وأنسابه وأقربائه، وذلك لما في قلبه من الود والرحمة للمسلمين عموماً.
ولا شك أن هذه الأوصاف كلما تأكدت وقويت وثبتت كان المسلم مؤثراً لإخوته، ومقدماً لهم، ومحباً لهم غاية الحب، ومقدماً لمصالحهم، وإذا كانوا مجتمعةً كلمتُهم، ومتآلفين على كلمة التقوى؛ نتج من ذلك تعاونهم على البر والتقوى، وتعاونهم على تنفيذ كلمة الله، وعلى إظهار شعائر دينه، وكلما كانوا كذلك ضعف أعداؤهم وتخاذلوا وتفرقوا، وحصل النصر والتمكين للمؤمنين، والتفرق والانهيار للكافرين، وهذه سنة الله.
стр. 731
خطورة الاختلاف والتفرق
اختلاف الكلمات واختلاف الآراء والأهواء سبب للتعصب، فيتعصب كل لرأيه، ولمذهبه، ولهواه، وهذا يحدث في أهل البدع، فإن هذه الطائفة إذا كانت تنتحل بدعة وتهواها وتفضلها فإنها لا تقبل ممن خالفها، بل ترى أن من خالفها على باطل وعلى ضلال، ونشاهد -مثلاً- الذين يسمون أنفسهم شيعة وهم الروافض، نشاهدهم يتآلفون فيما بينهم، ويحب بعضهم بعضاً، ويقدم بعضهم بعضاً ربما على نفسه، كما حكى لي أحد أهل السنة في هذا المسجد أنهم جماعة من أهل السنة نحو المائة أو المائتين، وحولهم من الرافضة أكثر من عشرين ألفاً، فهؤلاء الرافضة تأتيهم الإمدادات ويأتيهم العون من الشيعة في العراق وإيران والمملكة، ويشجعونهم.
والواجب أن أهل السنة يشجعون أهل السينة ويثبتونهم ويواسونهم، ويعطونهم ويمكنونهم؛ لأنه تجمع بينهم الأخوة الدينية التي هي أخوة الإسلام، فإذا كان أهل الباطل يجتمعون ويتناصرون على مذهبهم، الذي هو في الحقيقة باطل، ولكنه عمي عليهم، وزين لهم أنه حق، فما بال الذين هم على الحق وعلى الصراط؟! قرأت في بعض الكتب أن المسلمين في أول القرن الثاني، لما كانوا في خراسان مجتمعين من جهات متعددة، فإذا لم يغزو ولم يذهبوا إلى قتال أعدائهم وقع الاختلاف بينهم، وأخذوا يتفاخرون، وكل يتعصب لقبيلته، وكل يتعصب لمذهبه، وكل يتعصب لأميره ولشيخه، ويحصل بينهم تشتت واختلاف أهواء، وربما حصل بينهم تقاتل أو تناوش أو ما أشبه ذلك، فجاءهم أمير ناصح مخلص، وجمع كلمتهم، ووحد وجهتهم إلى قتال أعدائهم، وتوجهوا كلهم نحو الأعداء؛ عند ذلك زالت العداوة والبغضاء التي كانت بينهم، وصاروا إخوة متآخين متوجهين إلى العدو الذي هو أكبر الأعداء، العدو في الدين، فكانت هذه الفعلة التي يفعلها أولئك القادة -من جمعهم على التوحيد- أعظم نصيحة حتى يقاتلوا أعداءهم.
فنحن نحث المسلمين أن تجتمع قوتهم وتتوجه نحو أعدائهم، سواء الأعداء الكفار أو الأعداء المبتدعون، أو نحوهم.
وننهاهم عن التمادي في اختلاف الآراء والأهواء، وقد مر بنا حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ خرج مرة على أصحابه وهم يتنازعون في القدر وقد اختلفوا، فكأنما فقئ في وجهه حب الرمان، يعني: من شدة الغضب، فقال: (لا تختلفوا فتختلف قلوبكم، أبهذا أمرتم؟! أم بهذا كلفتم؟! ما عرفتم فقولوا به، وما لم تعرفوا فكلوا أمره إلى عالمه) ، فنهى عن اختلاف الكلمة في مسألة القدر.
стр. 732
مقومات الوحدة والتآلف بين المسلمين
الإسلام جاء بجمع الكلمة والحث على الجماعة، فحثهم على الألفة فيما بينهم، والأسباب التي بها يتآلفون، ويتعارفون، ويتآخون كثيرة منها: أولاً: يتعارفون لأنهم مسلمون، ويتحابون لأجل الإسلام.
ثانياً: يتعارفون ويتآلفون؛ لأن قصدهم وهدفهم واحد، وهو أن كلاً منهم يطلب الأجر الأخروي، ويطلب النصر من الله تعالى على الأعداء.
ثالثاً: أن كلاً منهم يدين بدين واحد فيجمعهم هذا الدين، فإذا دانوا بدين واحد فإن عليهم أن يتحابوا في ذات الله تعالى، ويزيلوا الأسباب التي توقع بينهم العداوة والبغضاء، وبذلك يتآلفون ويتحابون فيما بينهم.
وكما أنهم مأمورون على اختلاف طبقاتهم وجنسياتهم أن يتحابوا وأن يجتمعوا ولو تفرقت بلادهم، ولو تناءت أماكنهم، فإنهم أيضاً مأمورون بمقاطعة أعدائهم، وبمباينتهم، وبغضهم، والابتعاد عنهم، وإذلالهم، سواء كانوا مبتدعة أو كفرة أو مشركين، فإنهم إذا رأوا منهم الغلظة والشدة والبغضاء والكراهية ذلوا وهانوا، وهانت عليهم أنفسهم، وعرفوا عزة الإسلام ورفعته وتمكنه وعزة أهله؛ فأذعنوا له وانقادوا إما طوعاً وإما كرهاً، وهذه الأمور مجربة في الأزمنة المتقدمة والقرون الماضية، فإن المسلمين كلما اجتمعوا وأظهروا لأعدائهم المقت والاحتقار ذل الأعداء وقوي الأولياء، وارتفعت كلمة الله، وانخفضت كلمة المشركين.
стр. 733
خطورة القول على الله بغير علم
قال الشارح رحمنا الله وإياه: [قوله: (ونقول: الله أعلم فيما اشتبه علينا علمه) تقدم في كلام الشيخ رحمه الله تعالى أنه ما سلم في دينه إلا من سلم لله ولرسوله ﷺ ، ورد ما اشتبه عليه إلى عالمه، ومن تكلم بغير علم فإنما يتبع هواه، وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ﴾ [القصص:٥٠] ، وقال تعالى: ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ * كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلاَّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [الحج:٣-٤] ، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر:٣٥] ، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٣] .
وقد أمر الله نبيه أن يرد علم ما لم يعلم إليه، فقال تعالى: ﴿قُلْ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الكهف:٢٦] ، ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾ [الكهف:٢٢] ، وقد قال صلى عليه وسلم لما سئل عن أطفال المشركين: (الله أعلم بما كانوا عاملين) .
وقال عمر ﵁: (اتهموا الرأي في الدين، فلو رأيتني يوم أبي جندل، فلقد رأيتني وإني لأرد أمر رسول الله برأيي، فأجتهد ولا آلو، وذلك يوم أبي جندل والكتاب يُكتب، وقال اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال: اكتب: باسمك اللهم، فرضي رسول الله ﷺ وكتب وأبيت، فقال: (يا عمر! تراني قد رضيت وتأبى؟!) وقال أيضاً ﵁: (السنة ما سنه الله ورسوله، ولا تجعلوا خطأ الرأي سنة للأمة) .
وقال أبو بكر الصديق ﵁: (أي أرض تقلني، وأي سماء تظلني، إن قلت في آية من كتاب الله برأيي، أو بما لا أعلم) .
وذكر الحسن بن علي الحلواني حدثنا عارم حدثنا حماد بن زيد عن سعيد بن أبي صدقة عن ابن سيرين قال: لم يكن أحد أهيب لما لا يعلم من أبي بكر، ولم يكن بعد أبي بكر أهيب لما لا يعلم من عمر ﵁، وإن أبا بكر نزلت به قضية فلم يجد في كتاب الله منها أصلاً، ولا في السنة أثراً، فاجتهد برأيه، ثم قال: هذا رأيي، فإن يكن صواباً فمن الله، وإن يكن خطأً فمني وأستغفر الله] .
هذه مسألة جديدة، وهي: مسألة الفتيا بغير علم، والجرأة على الفتيا، والقول في الشرع بغير علم ذنب كبير، وقد روي عن بعض السلف، وروي مرفوعاً: (أجرأكم على الفتيا أجرأكم على النار) يعني: الفتيا بغير علم؛ وذلك لأن الذي يتكلم ويقول في الشرع وفي الدين برأيه وبهواه وبما يستحسنه، ينصب نفسه مشرعاً، وكأنه نائب عن الله، ومزاحم للرب تعالى في شرعه، يقول: أحل الله كذا، وحرم كذا، وأمر بكذا، ونهى عن كذا، وليس عنده مستند، وإنما يعتمد على ما يستحسنه، وما يراه في هواه ملائماً لواقعه، أو نحو ذلك، فلا جرم أن كان هذا ذنباً كبيراً، حتى قال بعضهم: القول على الله بلا علم أكبر من الشرك، واستدلوا بهذه الآية التي في سورة الأعراف، والتي حرم الله فيها خمسة أشياء، فبدأ بالأسهل ثم الذي فوقه إلى أن أتى إلى أعلاها وأشدها تحريماً، فقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ َ﴾ [الأعراف:٣٣] فهذا التحريم الأول، ثم جاء بعده ما هو أشد منه: ﴿وَالإِثْمَ﴾ [الأعراف:٣٣] فالإثم أشد من الفواحش، ثم جاء بعد الإثم ما هو أشد منه تحريماً فقال: ﴿وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف:٣٣] والبغي: الاستطالة على الناس بغير حق، فهو أكبر من الإثم، ثم جاء بعد البغي أكبر منه: ﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً﴾ [الأعراف:٣٣] ، ثم جاء بعد الشرك أكبر منه: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٣] فجعل القول على الله أكبر الخمسة التي حرمت في هذه الآية؛ وذلك لأن الذي يقول على الله كأنه رفع نفسه فوق الأنبياء، ورفع نفسه فوق العلماء، وجعل نفسه مشرعاً يحلل ويحرم ويقول على الله ما ليس له به علم.
стр. 734
منهج السلف في الإفتاء
كان العلماء الجهابذة الذين بلغوا الذروة في المعرفة، وكانوا على جانب من الورع، يسأل كثير منهم فيتوقفون في المسألة إذا لم يكن فيها دليل صريح واضح، يردها هذا إلى هذا إلى أن يتولى الفتيا والقول فيها أحدهم، فيكتفي به عن نفسه.
وكان الإمام أحمد ﵀ كثيراً ما يتلو الآية التي في سورة النحل وهي قول الله تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمْ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل:١١٦] الذين يقولون: هذا حلال بأهوائهم، وهذا حرام بأهوائهم، بدون دليل، يقول: إن هذا من الافتراء والكذب على الله تعالى، والقول عليه بغير علم، والآيات التي تقدمت كلها تدل على النهي عن أن يقول الإنسان على الله بغير علم.
ذكروا أن الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة الذي كانت تضرب إليه آباط الإبل، وكان هو المرجع في زمانه، سأله مرة قوم عن أربعين مسألة، فأجاب عن أربع مسائل، وتوقف عن ست وثلاثين مسألة! فقالوا له: أتتوقف وتقول: لا أدري وأنت مالك بن أنس؟! فقال: نعم، لا أدري، لا أدري، قولوا: مالك بن أنس لا يدري، قولوا: مالك يقول: لا أدري.
وكان كثير من العلماء يحثون على التوقف عن المسائل، فيقولون: من أخطأ (لا أدري) أصيبت مقاتله، أي: أنه إذا صار يفتي ولا يتوقف، ويستحيي أن يقول: لا أدري، فإنه قد تصاب مقاتله، بأن يزل مرة هنا، ومرة في هذه المسألة، ويحاسبه الله تعالى على أقواله بغير علم، فيقع في الهلاك والعياذ بالله، فالذي عنده علم بالمسألة، وعنده يقين بحكمها، ودليل عليها، وسئل عنها، لا يجوز له السكوت، ولا يجوز له التوقف، بل يقول بموجب علمه بالدليل، ولا يكتم العلم لقوله ﷺ : (من سئل عن علم يعلمه فكتمه، ألجم يوم القيامة بلجام من النار) ، أما إذا سئل وهو لا يعلم، وليس عنده خبرة بهذه المسألة، فلا يجوز له الإقدام عليها، بل يحيله إلى من هو أعلم منه، وإلى من عنده علم بتفصيل هذه المسائل ونحوها.
ولقد اعتنى علماء الإسلام بهذه المسائل التي يمكن أن تقع، اعتنوا بها غاية الاعتناء، واجتهدوا في بيانها، وفي إيضاحها أتم الاجتهاد، والحقوا كل مسألة بنظيرها، فلم يبق لأحد قول، فأنت إذا سئلت عن مسألة فارجع إليها في كتب أهل العلم، وقل: هذه المسألة أفتى فيها العالم الفلاني بكذا، والشيخ الفلاني بكذا، ويوجد بيانها في الكتاب الفلاني، وتورع أنت أن تستحسن فيها أو تقول فيها، يقول بعضهم: وقل إذا أعياك ذاك الأمر ما لي بما تسأل عنه خبر فذاك شطر العلم فاعلمنه واحذر هديت أن تزيغ عنه يقولون: إن كلمة (الله أعلم) شطر العلم، كأن الذي تعلم مسائل كثيرة، وقرأ العلوم المتنوعة، قرأ في التفاسير، وقرأ في كتب الحديث، وقرأ في كتب الآداب والأحكام، وقرأ في كتب العقائد، وحصّل منها معلومات، يقال له: أنت لم تحصل إلا على علم قليل يسير، ولذلك يقول بعضهم: وليس كل العلم قد حويته أجل ولا العشر ولو أحصيته ولو أحصيته ما حصلت إلا على العشر أو أقل من عشر العلوم، فالعلوم واسعة، وما ظفرت منها إلا بنزر يسير، فعليك أن تقتصر على ما تعلمه وتتحققه وتتيقنه.
стр. 735
إذا اجتهد العالم فأخطأ فله أجر
هناك مسائل فيها مجال للاجتهاد، ولأجل ذلك اختلفت فيها آراء العلماء، واختلفت فيها المذاهب، فذهب فيها الصحابي الفلاني إلى كذا، والصحابي الآخر إلى كذا، وذهب فيها الإمام أبو حنيفة إلى كذا، والإمام مالك إلى كذا، والشافعي إلى كذا، هذه المسائل فيها مجال للاجتهاد والاختلاف، وقد حصلت بسبب اختلاف الأفهام، واختلاف الآراء، وسعة المعلومات أو قلتها، فهذا هو السبب، ونحن نعذر الذين خالفوا الدليل، وأفتوا بخلافه، نعذرهم ونقول: هذا ما وصل إليه اجتهادهم، فهم قالوا عن اجتهاد، وقد اضطروا إلى القول فيها، وإلى الحكم بما يلزم السائل، وكانت واقعة لابد من الفتيا فيها، فاجتهدوا، ولو خالفوا الدليل فهم معذورون بهذا الاجتهاد، فإن النبي ﷺ قد عذر المجتهد في قوله: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد) يعني: على اجتهاده يعني: أنه معذور ومغفور له ذلك الخطأ، ومع ذلك يحصل له هذا الأجر.
ولكن ليس ذلك لكل أحد، فالذي لم يتأهل للاجتهاد، ولم يصل إلى رتبة المعرفة، ولم يكن من أهل الإتقان، ولم يعرف مراجع المسائل، ولا تفاصيل الأدلة، ولا وجوه الاستدلال، ولا ثبوت الأدلة أو عدم ثبوتها، ولا يعرف الجمع بين مختلفها، ولا يعرف متقدمها ومتأخرها، ولا يفرق بين خاصها وعامها، ومطلقها ومقيدها وما أشبه ذلك؛ فهذا لا يفتي إلا بالشيء الذي قد اتضح عنده حكمه كالشمس، أما الباقي فعليه أن يتوقف حتى لا تنطبق عليه هذه الآيات التي استدل بها الشارح ﵀، وكذلك الآيات التي أمر الله بها نبيه ﷺ برد العلم إلى الله، مثل قوله: ﴿قُلْ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ [الكهف:٢٦] ، فنحن نقول: الله أعلم، ونقول كما قالت الملائكة: ﴿لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة:٣٢] .
والله تعالى يذم الذين يجادلون في آيات الله بغير علم، فدل على أنهم إذا كان عندهم علم وجادلوا فإنهم يجادلون مجادلة حسنة، وأما الذين يجادلون بغير علم فإنهم مذمومون: ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ * كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلاَّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [الحج:٣-٤] يعني: أنه في هذه المجادلة قد اتبع الشيطان.
وبكل حال فالعلوم والحمد لله مدونة وموجودة وميسرة، والعلماء هم الذين يعرفون مراجعها، ويعرفون الراجح منها والمرجوح، ومن كان معه أهلية، وأخذ العلم من مظانه؛ فله أن يقول به، ولا يتبع غيره ممن لم يتمكن؛ ومن لم يكن عنده أهلية رجع إلى أهل العلم، وقال بما قالوا به، أو بما وصلت إليه أفهامهم واجتهاداتهم.
стр. 736
مسألة المسح على الخفين
قال الشارح ﵀: [قوله: (ونرى المسح على الخفين في السفر والحضر، كما جاء في الأثر) .
تواترت السنة عن رسول الله ﷺ بالمسح على الخفين، وبغسل الرجلين، والرافضة تخالف هذه السنة المتواترة، فيقال لهم: الذين نقلوا عن النبي ﷺ الوضوء قولاً وفعلاً، والذين تعلموا الوضوء منه وتوضئوا على عهده وهو يراهم ويقرهم، ونقلوه إلى من بعدهم، أكثر عدداً من الذين نقلوا لفظ هذه الآية، فإن جميع المسلمين كانوا يتوضئون على عهده، ولم يتعلموا الوضوء إلا منه، فإن هذا العمل لم يكن معهوداً عندهم في الجاهلية، وهم قد رأوه يتوضأ ما لا يحصي عدده إلا الله تعالى، ونقلوا عنه ذكر غسل الرجلين فيما شاء الله من الحديث، حتى نقلوا عنه من غير وجه في كتب الصحيح وغيرها أنه قال: (ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار) ، مع أن الفرض إذا كان مسح ظاهر القدم، كان غسل الجميع كلفة لا تدعو إليها الطباع، كما تدعو الطباع إلى طلب الرياسة والمال، فلو جاز الطعن في تواتر صفة الوضوء، لكان في نقل لفظ آية الوضوء أقرب إلى الجواز] .
стр. 737
سبب ذكر مسألة المسح على الخفين في كتب العقائد
هذه مسألة فروعية، ومع ذلك ذكرت في العقائد، وهي مسألة المسح على الخفين، يذكرها الفقهاء في أبواب الطهارة، يقولون: باب المسح على الخفين، ويذكرون أحكام ذلك، والناس يسمعون ذلك ويفهمونه ويعرفونه، فهي من المسائل الفروعية، مثل: باب التيمم، ومثل باب الغسل من الجنابة وموجباته، ومثل: إزالة النجاسة وخصال الفطرة، وما أشبه ذلك.
فلماذا ذكرت في كتب العقائد كهذا الكتاب وهي مسألة فرعية تتعلق بالطهارة؟
الجواب
لأن الخلاف فيها مع المخالفين في العقيدة، فالذين خالفوا فيها خالفوا في أكثر العقائد، وردوا السنة الصحيحة الصريحة في كثير من الأحكام الثابتة، وطعنوا في الذين يفعلونها، وخالفوا الأدلة.
الذين خالفوا في هذه السنة هم الرافضة الذين يسمون أنفسهم شيعة، يقولون: إنهم شيعة علي، يعني: أعوان علياً، مع أن علي ﵁ بريء منهم ومن مشايعتهم، وهم في الحقيقة ما شايعوه ولا نصروه، بل خذلوه وخذلوا أولاده، ولم يكن منهم نصر له ولا معاونة له ولا لأهله في زمن من الأزمان، ولكن زين لهم الشيطان أعمالهم فسموا أنفسهم شيعة علي، وأهل السنة يسمونهم رافضة؛ وذلك لأنهم رفضوا الحق، يعني: تركوا السنة وهم يعرفونها، سواء أوائلهم وأواخرهم، ولكنهم عاندوا في تركه ورفضه، فصدق عليهم اسم الرفض.
وقولهم في هذه المسألة قول باطل؛ وذلك لأنهم خالفوا المسلمين في أمرين: في غسل الرجلين، وفي المسح على الخفين، فهم لا يرون غسل الرجلين، فإذا كانت الرجل بارزة لا يرون غسلها، بل يمسحون الرجل كما يمسحون الرأس، هذا مذهبهم، فإنهم قد خالفوا السنة الصريحة في غسل القدمين إذا كانتا مكشوفتين، وخالفوا السنة الصريحة في مسح الخفين إذا كانا على القدمين، فخالفوا مرتين؛ فلأجل ذلك أنكر عليهم السلف، وأساءوا بهم الظن، وحذروهم وحذروا منهم، روي عن ابن المبارك ﵀ أنه كان يقول: إذا رأيت الرجل يسأل عن حكم المسح على الخفين أسأت به الظن، يعني: اتهمته في معتقده، خوفاً أن يكون من هؤلاء الشيعة؛ وذلك لأنه لم يكن أحد من أهل السنة المتمسكين بها يشك في حكم المسح على الخفين وفي جوازه؛ لأنه متلقى عن النبي ﷺ ، وقد نقله عنه جمع عن جمع، وأعداد عن أعداد، وتلقاه المسلمون وتقبلوه، فروي في المسح أكثر من أربعين حديثاً.
стр. 738
تواتر أحاديث المسح على الخفين
يقول الإمام أحمد ﵀: ليس في نفسي من المسح على الخفين شيء، فيه أربعون حديثاً عن رسول الله ﷺ ، وهي من الأحاديث الصحيحة التي لا توقف فيها ولا ارتياب.
وهناك أحاديث كثيرة قد يكون فيها مقال، ولكن يستدل بها أيضاً، وقد أوصلها بعضهم إلى ستة وخمسين حديثاً كما في نصب الراية، قال الحسن البصري ﵀ -وهو أحد كبار التابعين-: حدثني سبعون من أصحاب النبي ﷺ أنه مسح على الخفين وأمر به، فما دام أنها سنة ثابتة متواترة مشهورة ليس فيها اختلاف، وليس في ثبوتها تردد، فكيف -مع ذلك- ينكرها هؤلاء الرافضة؟! لا شك أن سبب إنكارهم هو أن الذين قالوا بها من أهل السنة، وهم يردون على أهل السنة، ولا يقبلون شيئاً مما جاء به السنيون، وهذا موجود إلى الآن، حدثني أحد المدرسين في الأحساء، في مدرسة متوسطة فيها من أولاد الشيعة وأولاد أهل السنة، يقول: ألقيت عليهم اختباراً شهرياً، وهو ما يسمى: بأعمال السنة، ولما ألقيته اخترت مسائل في المسح على الخفين، فكانت أجوبتهم على ما في الكتب، ولكن في النهاية قال له أحدهم: اعلم أيها المدرس أني أجبتك على ما في الكتاب، وإلا فأنا لا أقول بهذا، ولا أعتقده، ولا أصدقه، ولو قلتم ما قلتم يا أهل السنة، فلن نذهب إلى مذهبكم ولا نقبل منكم! مع أنه طالب لا يزال في المتوسطة! ويتلقى العلوم عن مدرسين من أهل السنة! ولكن لما كان الذين يلقنونهم عقيدتهم على تلك العقيدة، لم يتقبلوا حتى هذه المسألة الفرعية، التي هي من فروع المسائل؛ وذلك لأن الذين نقلوها من الصحابة الذين يطعن فيهم الرافضة، فالرافضة لا يقبلون كلام أبي بكر ولا عمر ولا عثمان ولا طلحة والزبير، ولا عبد الرحمن بن عوف، ولا أبي عبيدة، ولا غيرهم من أكابر الصحابة، ولا رواية أبي هريرة ولا عائشة ولا حفصة، لا يقبلون رواية أولئك؛ لأنهم يعتقدون أنهم كفار! فردوا هذا كلياً، ولم يقبلوا أحاديث المسح على الخفين أصلاً.
هذا قولهم في المسح على الخفين، أما أهل السنة فيقولون: هذه سنة الرسول ﷺ ، وهو الذي علمنا الشريعة، وتلقينا عنه علومها، تلقينا عنه الصلاة وكيفيتها وعددها، ولم يكن ذلك مبيناً في القرآن، من الذي أخبرنا أن صلاة الظهر أربعاً إلا الرسول ﷺ ؟ من الذي أخبرنا أن صلاة الفجر ركعتان، وصلاة المغرب ثلاث ركعات؟ من الذي أخبرنا أن في كل ركعة سجدتان، وأن في كل سجدة دعاء كذا وكذا؟ لا شك أنه النبي ﷺ ، فهو الذي علمنا صفة الصلاة، وعلمنا الطهارة وكيفيتها، وكيفية الغسل وموجباته وما أشبه ذلك.
وما دام أنه الذي علمنا ذلك فهو الذي علمنا سنة المسح على الخفين، ونقلها عنه صحابته الذين نثق بهم، والذين نعرف أنهم صحبوه مدة طويلة، وأنهم أخذوا عنه العلوم الشرعية، فنقلوا عنه العلوم الشرعية الفرعية والأصولية نقلاً تاماً، وتثبتوا في نقلها، فلا يتهمون بكذب، ولا يتهمون بنقص ولا زيادة ولا خيانة، فما داموا كذلك فكيف تتوجه إليهم التهم؟ فنحن نقبل هذه السنة كما قبلنا بقية السنن، فما الفرق؟! إذا كنا قبلنا ما نقلوه في العقيدة فكذلك نقبل ما نقلوه في الأحكام، وما نقلوه في الفروع، فهي سنة ثابتة متواترة لا شك فيها عند أهل السنة.
стр. 739
مسألة غسل القدمين في الوضوء
الرافضة لا يغسلون القدمين في الوضوء ولو كانتا مكشوفتين، بل يكتفون بمسحهما، ويستدلون بقراءة الجر: (وامسحوا برءوسكم وأرجلِكم) وأهل السنة يحملون الجر على أنه للمجاورة، ويستدلون بقراءة النصب ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة:٦] يعني: واغسلوا أرجلكم.
أهل السنة يرون غسل القدمين، وأنها تغسل كما تغسل اليدين إلى المرفقين، ويستدلون بالسنة؛ وذلك لأنه تواتر عن النبي ﷺ أنه كان إذا توضأ غسل قدميه، ولم ينقل عنه أنه مسحهما وهما ظاهرتان، ولم ينقل عنه المسح إلا على الخفين، أما إذا لم تكن في الخفين فإنه يغسلهما، هذا هو الذي تواتر عنه، وقد رواه عنه الأعداد الكثيرة من الصحابة، ورواه عن الصحابة التابعون، وتلقته الأمة بالقبول قولاً وعملاً، واشتهر ذلك وانتشر فيما بين المسلمين، وجاءت الرافضة فأنكروا ذلك، وقالوا: نقتصر على المسح! وسبب ذلك أنهم لا يقبلون -كما قلنا- أحاديث الصحابة؛ لأنهم في زعمهم كفار ارتدوا بعد الرسول ﷺ ! هذه عقيدهم قاتلهم الله، فهم يكفرون الصحابة! إذاً: أهل السنة عملوا بالسنة المتواترة في المسح على الخفين، وفي غسل القدمين إذا لم يكن عليهما خفان، وخالفهم الرافضة في ذلك.
وبكل حال هذه مسألة فرعية ليست من المسائل الاعتقادية؛ وذلك لأن العقائد إنما تكون في الأمور التي هي من الأمور الغيبية وما أشبه ذلك، كأمور الآخرة ونحوها، وأما مسائل الفروع كالصلاة والطهارة وما أشبهها فإنها تسمى فروعاً، ومع ذلك قد تدخل في الأصول، إذا كانت أدلتها قطعية يقينية، مثل أدلة المسح على الخفين فإنها قطعية، فقد ثبت فيها أربعون حديثاً، ووصلت إلى ستة وخمسين بما فيها من الروايات المنقطعة التي وصلت من طرق أخرى، والضعيفة التي جبرت بالتواتر، أو نحو ذلك، فأصبح الدليل يقينياً وليس ظنياً، ثم إن الذين عملوا به واتبعوه من الصحابة هم الذين نقلوا لنا كتاب الله، ونقلوا لنا سنة رسول الله ﷺ .
стр. 740
الأدلة على وجوب غسل القدمين
قال الشارح رحمه الله تعالى: [واذا قالوا: لفظ الآية ثبت بالتواتر الذي لا يمكن فيه الكذب ولا الخطأ، فثبوت التواتر في نقل الوضوء عنه أولى وأكمل، ولفظ الآية لا يخالف ما تواتر من السنة، فإن المسح كما يطلق ويراد به الإصابة، كذلك يطلق ويراد به الإسالة، كما تقول العرب: تمسحت للصلاة، وفي الآية ما يدل على أنه لم يرد بمسح الرجلين المسح الذي هو قسيم الغسل، بل المسح الذي الغسل قسم منه، فإنه قال: ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة:٦] ولم يقل: إلى الكعاب، كما قال: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة:٦] فدل على أنه ليس في كل رجل كعب واحد، كما في كل يد مرفق واحد، بل في كل رجل كعبان، فيكون تعالى قد أمر بالمسح إلى العظمين الناتئين، وهذا هو الغسل، فإن من يمسح المسح الخاص يجعل المسح لظهور القدمين، وجعل الكعبين في الآية غاية يرد قولهم، فدعواهم أن الفرض مسح الرجلين إلى الكعبين اللذين هما مجتمع الساق والقدم عند معقد الشراك؛ مردود بالكتاب والسنة، وفي الآية قراءتان مشهورتان: النصب والخفض، وتوجيه إعرابهما مبسوط في موضعه، وقراءة النصب نص في وجوب الغسل؛ لأن العطف على المحل إنما يكون إذا كان المعنى واحداً، كقوله: فلسنا بالجبال ولا الحديد.
وليس معنى: مسحت برأسي ورجلي هو معنى مسحت رأسي ورجلي، بل ذكر الباء يفيد معنى زائداً على مجرد المسح، وهو إلصاق شيء من الماء بالرأس، فتعين العطف على قوله: (وأيديكم) فالسنة المتواترة تقضي على ما يفهمه بعض الناس من ظاهر القرآن، فإن الرسول بين للناس لفظ القرآن ومعناه، كما قال أبو عبد الرحمن السلمي حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن: عثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما: أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي وصلى الله عليه وسلم عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا معناها.
وفي ذكر المسح في الرجلين تنبيه على قلة الصب في الرجلين، فإن السرف يعتاد فيهما كثيراً، والمسألة معروفة، والكلام عليها في كتب الفروع] .
هذا يتعلق بغسل القدمين، والإنكار على من يمسح القدمين كالرافضة، فهم يستدلون بقراءة الخفض: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ﴾ [المائدة:٦] .
و
الجواب
أننا أيضاً نستدل بقراءة النصب: (وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ) فالقراءتان تفسر إحداهما الأخرى، هذا من جهة.
ومن جهة ثانية: أن المسح يطلق على الغسل، فيسمى الغسل مسحاً، تقول العرب: تمسحت للصلاة، يعني: غسلت أعضائي غسلاً خفيفاً، فالأمر بقوله: (وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ) أي: اغسلوها غسلاً خفيفاً، قيل: إن سبب ذلك: أن القدمين مظنة الإسراف؛ لأنهما قد يحتاجان إلى كثرة صب الماء فيهما، فلأجل ذلك نهي عن الإسراف في صب الماء، فأمر بالغسل الخفيف الذي هو شبيه المسح.
ودليل ثالث: وهو أن الله حدد موضع الغسل ونهايته في اليدين وفي الرجلين، ففي اليد قال: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة:٦] ، ومعلوم أن التحديد يدل على أنه مغسول، فتغسل اليد إلى المرفق، ثم قال: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة:٦] فدل على أنها تغسل إلى الكعبين، حيث ذكر النهاية، ولم يذكر ذلك في الرأس، بل قال: (وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ) ولم يقل: إلى القفا، ولا إلى العنق، ولا إلى الأذن، بل أطلق بقوله: (وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ) ، فالمسح لم يذكر له تحديداً، والغسل ذكر له تحديداً بقوله: (إلى الكعبين) ، والكعبان: هما العظمان الناتئان في ظاهر القدم، وفي كل رجل كعبان، والرافضة يقولون: إن الكعب هو العظم الذي في المفصل، وهو كعب واحد، يعني: يقولون: إن في كل رجل كعب واحد وهو العظم الذي في المفصل، الذي بين القدم وبين الساق، ولو كان كذلك لقال: إلى الكعاب، كما قال: إلى المرافق، وبكل حال فتفصيل هذه المسألة -كما ذكر الشارح- في كتب الفروع، فلا نطيل فيها، والمسألة ظاهرة جلية والحمد لله.
следующие страницы →