Полный текст (1 175 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
مسألة المسح على الخفين
قال الشارح ﵀: [قوله: (ونرى المسح على الخفين في السفر والحضر، كما جاء في الأثر) .
تواترت السنة عن رسول الله ﷺ بالمسح على الخفين، وبغسل الرجلين، والرافضة تخالف هذه السنة المتواترة، فيقال لهم: الذين نقلوا عن النبي ﷺ الوضوء قولاً وفعلاً، والذين تعلموا الوضوء منه وتوضئوا على عهده وهو يراهم ويقرهم، ونقلوه إلى من بعدهم، أكثر عدداً من الذين نقلوا لفظ هذه الآية، فإن جميع المسلمين كانوا يتوضئون على عهده، ولم يتعلموا الوضوء إلا منه، فإن هذا العمل لم يكن معهوداً عندهم في الجاهلية، وهم قد رأوه يتوضأ ما لا يحصي عدده إلا الله تعالى، ونقلوا عنه ذكر غسل الرجلين فيما شاء الله من الحديث، حتى نقلوا عنه من غير وجه في كتب الصحيح وغيرها أنه قال: (ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار) ، مع أن الفرض إذا كان مسح ظاهر القدم، كان غسل الجميع كلفة لا تدعو إليها الطباع، كما تدعو الطباع إلى طلب الرياسة والمال، فلو جاز الطعن في تواتر صفة الوضوء، لكان في نقل لفظ آية الوضوء أقرب إلى الجواز] .
стр. 737
سبب ذكر مسألة المسح على الخفين في كتب العقائد
هذه مسألة فروعية، ومع ذلك ذكرت في العقائد، وهي مسألة المسح على الخفين، يذكرها الفقهاء في أبواب الطهارة، يقولون: باب المسح على الخفين، ويذكرون أحكام ذلك، والناس يسمعون ذلك ويفهمونه ويعرفونه، فهي من المسائل الفروعية، مثل: باب التيمم، ومثل باب الغسل من الجنابة وموجباته، ومثل: إزالة النجاسة وخصال الفطرة، وما أشبه ذلك.
فلماذا ذكرت في كتب العقائد كهذا الكتاب وهي مسألة فرعية تتعلق بالطهارة؟
الجواب
لأن الخلاف فيها مع المخالفين في العقيدة، فالذين خالفوا فيها خالفوا في أكثر العقائد، وردوا السنة الصحيحة الصريحة في كثير من الأحكام الثابتة، وطعنوا في الذين يفعلونها، وخالفوا الأدلة.
الذين خالفوا في هذه السنة هم الرافضة الذين يسمون أنفسهم شيعة، يقولون: إنهم شيعة علي، يعني: أعوان علياً، مع أن علي ﵁ بريء منهم ومن مشايعتهم، وهم في الحقيقة ما شايعوه ولا نصروه، بل خذلوه وخذلوا أولاده، ولم يكن منهم نصر له ولا معاونة له ولا لأهله في زمن من الأزمان، ولكن زين لهم الشيطان أعمالهم فسموا أنفسهم شيعة علي، وأهل السنة يسمونهم رافضة؛ وذلك لأنهم رفضوا الحق، يعني: تركوا السنة وهم يعرفونها، سواء أوائلهم وأواخرهم، ولكنهم عاندوا في تركه ورفضه، فصدق عليهم اسم الرفض.
وقولهم في هذه المسألة قول باطل؛ وذلك لأنهم خالفوا المسلمين في أمرين: في غسل الرجلين، وفي المسح على الخفين، فهم لا يرون غسل الرجلين، فإذا كانت الرجل بارزة لا يرون غسلها، بل يمسحون الرجل كما يمسحون الرأس، هذا مذهبهم، فإنهم قد خالفوا السنة الصريحة في غسل القدمين إذا كانتا مكشوفتين، وخالفوا السنة الصريحة في مسح الخفين إذا كانا على القدمين، فخالفوا مرتين؛ فلأجل ذلك أنكر عليهم السلف، وأساءوا بهم الظن، وحذروهم وحذروا منهم، روي عن ابن المبارك ﵀ أنه كان يقول: إذا رأيت الرجل يسأل عن حكم المسح على الخفين أسأت به الظن، يعني: اتهمته في معتقده، خوفاً أن يكون من هؤلاء الشيعة؛ وذلك لأنه لم يكن أحد من أهل السنة المتمسكين بها يشك في حكم المسح على الخفين وفي جوازه؛ لأنه متلقى عن النبي ﷺ ، وقد نقله عنه جمع عن جمع، وأعداد عن أعداد، وتلقاه المسلمون وتقبلوه، فروي في المسح أكثر من أربعين حديثاً.
стр. 738
تواتر أحاديث المسح على الخفين
يقول الإمام أحمد ﵀: ليس في نفسي من المسح على الخفين شيء، فيه أربعون حديثاً عن رسول الله ﷺ ، وهي من الأحاديث الصحيحة التي لا توقف فيها ولا ارتياب.
وهناك أحاديث كثيرة قد يكون فيها مقال، ولكن يستدل بها أيضاً، وقد أوصلها بعضهم إلى ستة وخمسين حديثاً كما في نصب الراية، قال الحسن البصري ﵀ -وهو أحد كبار التابعين-: حدثني سبعون من أصحاب النبي ﷺ أنه مسح على الخفين وأمر به، فما دام أنها سنة ثابتة متواترة مشهورة ليس فيها اختلاف، وليس في ثبوتها تردد، فكيف -مع ذلك- ينكرها هؤلاء الرافضة؟! لا شك أن سبب إنكارهم هو أن الذين قالوا بها من أهل السنة، وهم يردون على أهل السنة، ولا يقبلون شيئاً مما جاء به السنيون، وهذا موجود إلى الآن، حدثني أحد المدرسين في الأحساء، في مدرسة متوسطة فيها من أولاد الشيعة وأولاد أهل السنة، يقول: ألقيت عليهم اختباراً شهرياً، وهو ما يسمى: بأعمال السنة، ولما ألقيته اخترت مسائل في المسح على الخفين، فكانت أجوبتهم على ما في الكتب، ولكن في النهاية قال له أحدهم: اعلم أيها المدرس أني أجبتك على ما في الكتاب، وإلا فأنا لا أقول بهذا، ولا أعتقده، ولا أصدقه، ولو قلتم ما قلتم يا أهل السنة، فلن نذهب إلى مذهبكم ولا نقبل منكم! مع أنه طالب لا يزال في المتوسطة! ويتلقى العلوم عن مدرسين من أهل السنة! ولكن لما كان الذين يلقنونهم عقيدتهم على تلك العقيدة، لم يتقبلوا حتى هذه المسألة الفرعية، التي هي من فروع المسائل؛ وذلك لأن الذين نقلوها من الصحابة الذين يطعن فيهم الرافضة، فالرافضة لا يقبلون كلام أبي بكر ولا عمر ولا عثمان ولا طلحة والزبير، ولا عبد الرحمن بن عوف، ولا أبي عبيدة، ولا غيرهم من أكابر الصحابة، ولا رواية أبي هريرة ولا عائشة ولا حفصة، لا يقبلون رواية أولئك؛ لأنهم يعتقدون أنهم كفار! فردوا هذا كلياً، ولم يقبلوا أحاديث المسح على الخفين أصلاً.
هذا قولهم في المسح على الخفين، أما أهل السنة فيقولون: هذه سنة الرسول ﷺ ، وهو الذي علمنا الشريعة، وتلقينا عنه علومها، تلقينا عنه الصلاة وكيفيتها وعددها، ولم يكن ذلك مبيناً في القرآن، من الذي أخبرنا أن صلاة الظهر أربعاً إلا الرسول ﷺ ؟ من الذي أخبرنا أن صلاة الفجر ركعتان، وصلاة المغرب ثلاث ركعات؟ من الذي أخبرنا أن في كل ركعة سجدتان، وأن في كل سجدة دعاء كذا وكذا؟ لا شك أنه النبي ﷺ ، فهو الذي علمنا صفة الصلاة، وعلمنا الطهارة وكيفيتها، وكيفية الغسل وموجباته وما أشبه ذلك.
وما دام أنه الذي علمنا ذلك فهو الذي علمنا سنة المسح على الخفين، ونقلها عنه صحابته الذين نثق بهم، والذين نعرف أنهم صحبوه مدة طويلة، وأنهم أخذوا عنه العلوم الشرعية، فنقلوا عنه العلوم الشرعية الفرعية والأصولية نقلاً تاماً، وتثبتوا في نقلها، فلا يتهمون بكذب، ولا يتهمون بنقص ولا زيادة ولا خيانة، فما داموا كذلك فكيف تتوجه إليهم التهم؟ فنحن نقبل هذه السنة كما قبلنا بقية السنن، فما الفرق؟! إذا كنا قبلنا ما نقلوه في العقيدة فكذلك نقبل ما نقلوه في الأحكام، وما نقلوه في الفروع، فهي سنة ثابتة متواترة لا شك فيها عند أهل السنة.
стр. 739
مسألة غسل القدمين في الوضوء
الرافضة لا يغسلون القدمين في الوضوء ولو كانتا مكشوفتين، بل يكتفون بمسحهما، ويستدلون بقراءة الجر: (وامسحوا برءوسكم وأرجلِكم) وأهل السنة يحملون الجر على أنه للمجاورة، ويستدلون بقراءة النصب ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة:٦] يعني: واغسلوا أرجلكم.
أهل السنة يرون غسل القدمين، وأنها تغسل كما تغسل اليدين إلى المرفقين، ويستدلون بالسنة؛ وذلك لأنه تواتر عن النبي ﷺ أنه كان إذا توضأ غسل قدميه، ولم ينقل عنه أنه مسحهما وهما ظاهرتان، ولم ينقل عنه المسح إلا على الخفين، أما إذا لم تكن في الخفين فإنه يغسلهما، هذا هو الذي تواتر عنه، وقد رواه عنه الأعداد الكثيرة من الصحابة، ورواه عن الصحابة التابعون، وتلقته الأمة بالقبول قولاً وعملاً، واشتهر ذلك وانتشر فيما بين المسلمين، وجاءت الرافضة فأنكروا ذلك، وقالوا: نقتصر على المسح! وسبب ذلك أنهم لا يقبلون -كما قلنا- أحاديث الصحابة؛ لأنهم في زعمهم كفار ارتدوا بعد الرسول ﷺ ! هذه عقيدهم قاتلهم الله، فهم يكفرون الصحابة! إذاً: أهل السنة عملوا بالسنة المتواترة في المسح على الخفين، وفي غسل القدمين إذا لم يكن عليهما خفان، وخالفهم الرافضة في ذلك.
وبكل حال هذه مسألة فرعية ليست من المسائل الاعتقادية؛ وذلك لأن العقائد إنما تكون في الأمور التي هي من الأمور الغيبية وما أشبه ذلك، كأمور الآخرة ونحوها، وأما مسائل الفروع كالصلاة والطهارة وما أشبهها فإنها تسمى فروعاً، ومع ذلك قد تدخل في الأصول، إذا كانت أدلتها قطعية يقينية، مثل أدلة المسح على الخفين فإنها قطعية، فقد ثبت فيها أربعون حديثاً، ووصلت إلى ستة وخمسين بما فيها من الروايات المنقطعة التي وصلت من طرق أخرى، والضعيفة التي جبرت بالتواتر، أو نحو ذلك، فأصبح الدليل يقينياً وليس ظنياً، ثم إن الذين عملوا به واتبعوه من الصحابة هم الذين نقلوا لنا كتاب الله، ونقلوا لنا سنة رسول الله ﷺ .
стр. 740
الأدلة على وجوب غسل القدمين
قال الشارح رحمه الله تعالى: [واذا قالوا: لفظ الآية ثبت بالتواتر الذي لا يمكن فيه الكذب ولا الخطأ، فثبوت التواتر في نقل الوضوء عنه أولى وأكمل، ولفظ الآية لا يخالف ما تواتر من السنة، فإن المسح كما يطلق ويراد به الإصابة، كذلك يطلق ويراد به الإسالة، كما تقول العرب: تمسحت للصلاة، وفي الآية ما يدل على أنه لم يرد بمسح الرجلين المسح الذي هو قسيم الغسل، بل المسح الذي الغسل قسم منه، فإنه قال: ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة:٦] ولم يقل: إلى الكعاب، كما قال: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة:٦] فدل على أنه ليس في كل رجل كعب واحد، كما في كل يد مرفق واحد، بل في كل رجل كعبان، فيكون تعالى قد أمر بالمسح إلى العظمين الناتئين، وهذا هو الغسل، فإن من يمسح المسح الخاص يجعل المسح لظهور القدمين، وجعل الكعبين في الآية غاية يرد قولهم، فدعواهم أن الفرض مسح الرجلين إلى الكعبين اللذين هما مجتمع الساق والقدم عند معقد الشراك؛ مردود بالكتاب والسنة، وفي الآية قراءتان مشهورتان: النصب والخفض، وتوجيه إعرابهما مبسوط في موضعه، وقراءة النصب نص في وجوب الغسل؛ لأن العطف على المحل إنما يكون إذا كان المعنى واحداً، كقوله: فلسنا بالجبال ولا الحديد.
وليس معنى: مسحت برأسي ورجلي هو معنى مسحت رأسي ورجلي، بل ذكر الباء يفيد معنى زائداً على مجرد المسح، وهو إلصاق شيء من الماء بالرأس، فتعين العطف على قوله: (وأيديكم) فالسنة المتواترة تقضي على ما يفهمه بعض الناس من ظاهر القرآن، فإن الرسول بين للناس لفظ القرآن ومعناه، كما قال أبو عبد الرحمن السلمي حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن: عثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما: أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي وصلى الله عليه وسلم عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا معناها.
وفي ذكر المسح في الرجلين تنبيه على قلة الصب في الرجلين، فإن السرف يعتاد فيهما كثيراً، والمسألة معروفة، والكلام عليها في كتب الفروع] .
هذا يتعلق بغسل القدمين، والإنكار على من يمسح القدمين كالرافضة، فهم يستدلون بقراءة الخفض: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ﴾ [المائدة:٦] .
و
الجواب
أننا أيضاً نستدل بقراءة النصب: (وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ) فالقراءتان تفسر إحداهما الأخرى، هذا من جهة.
ومن جهة ثانية: أن المسح يطلق على الغسل، فيسمى الغسل مسحاً، تقول العرب: تمسحت للصلاة، يعني: غسلت أعضائي غسلاً خفيفاً، فالأمر بقوله: (وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ) أي: اغسلوها غسلاً خفيفاً، قيل: إن سبب ذلك: أن القدمين مظنة الإسراف؛ لأنهما قد يحتاجان إلى كثرة صب الماء فيهما، فلأجل ذلك نهي عن الإسراف في صب الماء، فأمر بالغسل الخفيف الذي هو شبيه المسح.
ودليل ثالث: وهو أن الله حدد موضع الغسل ونهايته في اليدين وفي الرجلين، ففي اليد قال: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة:٦] ، ومعلوم أن التحديد يدل على أنه مغسول، فتغسل اليد إلى المرفق، ثم قال: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة:٦] فدل على أنها تغسل إلى الكعبين، حيث ذكر النهاية، ولم يذكر ذلك في الرأس، بل قال: (وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ) ولم يقل: إلى القفا، ولا إلى العنق، ولا إلى الأذن، بل أطلق بقوله: (وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ) ، فالمسح لم يذكر له تحديداً، والغسل ذكر له تحديداً بقوله: (إلى الكعبين) ، والكعبان: هما العظمان الناتئان في ظاهر القدم، وفي كل رجل كعبان، والرافضة يقولون: إن الكعب هو العظم الذي في المفصل، وهو كعب واحد، يعني: يقولون: إن في كل رجل كعب واحد وهو العظم الذي في المفصل، الذي بين القدم وبين الساق، ولو كان كذلك لقال: إلى الكعاب، كما قال: إلى المرافق، وبكل حال فتفصيل هذه المسألة -كما ذكر الشارح- في كتب الفروع، فلا نطيل فيها، والمسألة ظاهرة جلية والحمد لله.
стр. 741
شرح العقيدة الطحاوية [٥٧]
من الفرق التي تخالف أهل السنة فرقة الرافضة، فهم ينكرون السنة ويطعنون في نقلتها، حتى ردوا ما هو متواتر كمسح الخفين، وخالفوا في الإمامة فاشترطوا عصمة الإمام وحصروا الإمامة في اثني عشر رجلاً من آل البيت، لم يتولوا على المسلمين ولا حصل بهم الاستصلاح المزعوم.
стр. 742
مجمل القول في مسألة الولاء والبراء وآثارها
كان من جملة ما مر بنا من أمور العقيدة: مسألة المحبة والبغض، والولاء والبراء، وهو أن أهل السنة يحبون أهل الإيمان وأهل التقوى، ويبغضون أهل الكفر والعناد، يحبون أهل الطاعات، ويبغضون أهل المعاصي، وينتج من آثار هذا: الولاء لمن يحبونه، والبغضاء والمعاداة لمن يبغضونه، ويكون الولاء والبراء هو آثار الطاعات وآثار المعاصي.
ولا شك أن هذه سمة وصفة مدح الله بها أولياءه، ومدح بها صحابة نبيه ﷺ ، وذلك أنهم لما ألف الله بينهم، وجمعهم على الإيمان وعلى تقوى الله تعالى؛ تآلفوا فيما بينهم، وصار بعضهم يحب بعضاً ويألف بعضهم بعضاً، ويوالي بعضهم بعضاً، ويقرب بعضهم بعضاً، بل وصفهم الله تعالى بقوله: ﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر:٩] ، وهل هناك وصف أكبر من هذا الوصف؟! (يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة) يقدمون إخوتهم في ذات الله تعالى على مصالحهم الدنيوية، ويقدمونهم على شهواتهم الدنيوية، فيؤثر أحدهم أخاه بالطعام ويبيت جائعاً! ويؤثره بالشراب ويبيت ضمآن، ويؤثره بالكسوة الجميلة، ويؤثره بالمكان المريح، ويؤثره بالمركب اللين، وذلك من باب المحبة التي رسخت في قلوبهم، فهم لما أحبوا الله تعالى أحبوا أولياءه، وأحبوا من يحبه، ومحب المحبوب محبوب، هكذا وصفهم الله تعالى: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ [الأنفال:٦٣] مع تباعدهم في الأرحام، وتباعدهم في الأنساب، وتباعدهم في البلاد، ولكن جمعهم وصف الإيمان، فتآلفت قلوبهم، ولو كانوا قبل ذلك متعادين ومتقاتلين ومتناحرين، فقبل الإسلام كان بعضهم ينهب بعضاً، ويسبي بعضهم بعضاً، ويقتل بعضهم بعضاً، وذلك لأنه لم يوجد إيمان يؤلف بينهم، ولم يوجد إيمان يجمع بينهم.
فلما مَنَّ الله عليهم بهذا الإيمان تآلفوا وتقاربوا، وتآخوا، وهذا من الله تعالى لا من خلقه، ولهذا امتن الله على رسوله ﷺ بجمعهم عليه فقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنفال:٦٢-٦٣] ، فتأليف القلوب هو اجتماعها وتحابها وتوادها، ولو كانوا متباينة أنسابهم، فبعضهم من الحبشة كـ بلال، وبعضهم من الروم كـ صهيب، وبعضهم من الفرس كـ سلمان، وبعضهم من العرب، وبعضهم من العجم، ولكن جمعهم الوصف الوحيد الذي هو الإيمان بالله تعالى، فلنا بهم قدوة، فعلى كل المسلمين في كل زمان وفي كل مكان أن يتآلفوا فيما بينهم، ويتوادوا ويتحابوا.
ومن آثار التواد لأجل الإيمان: البغض لأجل الكفر والنفاق، وذلك لأن الكفر والإيمان ضدان لا يجتمعان، فلا يجتمع أن تحب الله وتحب أعداءه، فإذا أحببت الله أحببت أولياءه أهل طاعته، وإذا أحببت أولياءه فلابد أن تبغض أعداءه، ولابد أن تبغض من يبغضهم الله، وتقاطعهم وتعاديهم، وتبتعد عنهم كل الابتعاد، وذلك لأن ربك الذي أنعم عليك يبغضهم، وأنت تبغضهم لأجل ذلك، ومبغض المبغوض عند المحبوب مبغوض، الذين يبغضهم محبوبك لابد وأن تبغضهم.
وهذا ما جرى للصحابة ومن بعدهم، فإن الله تعالى مدحهم فقال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة:٢٢] لا تجدهم يوادون أهل المحادة، لا تجدهم إلا يباعدونهم ويبغضونهم، وتجدهم قد مقتوهم وحقروا شأنهم، وكرهوا مجالستهم، وقطعوا الصلة بهم، ونفروا ونفَّروا منهم، وأذلوهم وحرصوا على إهانتهم بكل ما يستطيعون، وإذا استطاعوا أن يقاتلوهم قاتلوهم ولو كانوا آباءهم أو إخوانهم أو أبناءهم أو عشيرتهم، ضرب الله مثلاً بهؤلاء الذين هم أقرب الأقارب، فإذا كان الله تعالى يبغضهم لأجل كفرهم، ولأجل معصيتهم، ولأجل خروجهم عن الاستقامة، فإن المؤمن يبغضهم، ولو كانوا أقارب، لأجل الخروج عن طاعة الله.
стр. 743
مجمل القول في مسألتي المسح على الخفين وغسل القدمين
وكذلك مرت بنا مسألة فرعية، وذكرنا أنها أدخلت في الأصول لأجل أن الخلاف فيها مع المخالفين في الأصول، وهي مسألة المسح على الخفين، وذلك لأن الرافضة أنكروا المسح على الخفين، وصاروا يمسحون على القدمين مكشوفتين، فتركوا سنة وارتكبوا بدعة.
ولما كانوا مخالفين في العقيدة، مخالفين في محبة الصحابة ﵃ بل يبغضونهم! وبينما يغلون في بعض الصحابة ويعبدونهم، فقد ترتب على ذلك المخالفة في المسح على الخفين، فذكرت في العقائد.
والرافضة كانوا مخالفين لنا في هذه السنة التي هي جواز المسح على الخفين، فكانوا لا يرون ذلك ولا يعتقدونه، وأضافوا إلى ذلك بدعة، وهي أنهم يمسحون على القدمين المكشوفتين! فهم لا يقبلون السنة، ولا يعملون بالأحاديث الصحيحة التي في البخاري ومسلم، بل لا يعترفون بـ البخاري ومسلم، ولا بأكثر الأسانيد التي ذكرت في هذه الكتب.
فلما كان الأمر كذلك لم يقبلوا هذه السنة، مع أنها سنة مأثورة متواترة راوها عن النبي ﷺ جمع غفير، ورواها عن الصحابة أكثر وأكثر، واشتهرت في عهد التابعين وأتباع التابعين، وعمل بها أهل السنة في كل الأمصار وفي كل البلاد، وعلى اختلاف الطبقات، وانفردت الرافضة بأن أنكرت هذه السنة رغم شهرتها، فلأجل ذلك صار الذين ينكرونها محل سوء ظن، وكما أن ابن المبارك يقول: إن الرجل ليسألني عن حكم المسح على الخفين فأسيء به الظن، يعني: أتهمه بأنه على مذهب الرافضة، وهذا هو المعمول به: أنه لاينكرها إلا هؤلاء الرافضة، فلا التفات إليهم.
أما أحكام المسح على الخفين فمذكورة في كتب الأحكام.
стр. 744
الجهاد والحج ماضيان وإن جار الأئمة
стр. 745
الرد على الرافضة في خرافة الإمام المنتظر
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قوله: (والحج والجهاد ماضيان مع أولي الأمر من المسلمين، برهم وفاجرهم، إلى قيام الساعة، لا يبطلهما شيء ولا ينقضهما) .
يشير الشيخ ﵀ إلى الرد على الرافضة، حيث قالوا: لا جهاد في سبيل الله حتى يخرج الرضى من آل محمد ﷺ ، وينادي مناد من السماء: اتبعوه! وبطلان هذا القول أظهر من أن يستدل عليه بدليل، وهم شرطوا في الإمام أن يكون معصوماً، اشتراطاً بغير دليل، بل في صحيح مسلم عن عوف بن مالك الأشجعي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم، قال: قلت: يا رسول الله! أفلا ننابذهم عند ذلك؟ قال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة، ألا من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئاً من معصية الله، فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا ينزعن يداً من طاعته) ، وقد تقدم بعض نظائر هذا الحديث في الإمامة، ولم يقل: إن الإمام يجب أن يكون معصوماً.
والرافضة أخسر الناس صفقة في هذه المسألة؛ لأنهم جعلوا الإمام المعصوم هو الإمام المعدوم! الذي لم ينفعهم في دين ولا دنيا! فإنهم يدعون أنه الإمام المنتظر، محمد بن الحسن العسكري الذي دخل السرداب في زعمهم سنة ستين ومائتين أو قريباً من ذلك بسامراء، وقد يقيمون هناك دابة، إما بغلة وإما فرساً ليركبها إذا خرج! ويقيمون هناك في أوقات عينوها لمن ينادي عليه بالخروج: يا مولانا اخرج! يا مولانا اخرج! ويشهرون السلاح ولا أحد هناك يقاتلهم! إلى غير ذلك من الأمور التي يضحك عليهم فيها العقلاء! وقوله: (مع أولي الأمر برهم وفاجرهم) ؛ لأن الحج والجهاد فرضان يتعلقان بالسفر، فلابد من سائس يسوس الناس فيهما، ويقاوم العدو، وهذا المعنى كما يحصل بالإمام البر يحصل بالإمام الفاجر] .
стр. 746
وجوب السمع والطاعة لولاة الأمر ما أقاموا الصلاة
هذا يتعلق بالإمامة، وهي الولاية العامة، وذلك لأن أهل السنة يرون السمع والطاعة للأئمة، وقد تقدم الاستدلال على ذلك في مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩] ، ومثل قوله ﷺ لـ أبي ذر: (اسمع وأطع وإن جلد ظهرك وأخذ مالك) ، وقوله: (عليكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة، يقودكم بكتاب الله) .
وفي هذا الحديث أنه ﷺ قال: (خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم) ، يعني: تدعون لهم ويدعون لكم، عبر بالصلاة عن الدعاء (وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم) ، يعني: تدعون عليهم (ويلعنونكم، قال: قلنا: يا رسول الله! أفلا ننابذهم؟) يعني: نخالفهم وننبذ إليهم الطاعة، (قال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة) ، أي: ما داموا يقيمون فيكم الصلاة، ويبنون المساجد، ويعينون الأئمة والمؤذنين، ويرفع صوت الأذان في كل وقت، ويجتمع المصلون ويؤدون الصلاة جماعة؛ وذلك لأن الصلاة هي شعار الإسلام، وشعار المؤمنين.
فهذه الأدلة ونحوها تدل على وجوب السمع والطاعة للأئمة، ولو كان فيهم شيء من النقص، أو حصل فيهم شيء من الخلل والمعصية؛ وذلك لأن الاجتماع على الأئمة فيه مصلحة للأمة؛ لأن ترك الاجتماع والتفرق والفوضى والاختلاف سبب للنهب والسلب، والضرب والقتل، فيكون الضعيف نهبة للقوي، وليس هناك من يأخذ له حقه، ولا تكون هناك إقامة حدود، ولا انتصار لمظلوم إلا بهذه الولاية.
فهذا هو السبب في أنه أمر بالسمع والطاعة لولاة الأمور، بل حرص على أن يكون في كل طائفة أمير يرجعون إليه، حتى قال ﷺ : (إذا خرج ثلاثة في سفر أو برية فليؤمِّروا أحدهم) ، أو كما قال، وذلك حتى يرجعوا إليه ويستشيروه، كل ذلك حث للأمة على أن يسمعوا ويطيعوا لولاة أمورهم.
стр. 747
الإمارة في الحج
وقد تقدم شرح حقوق الأئمة وما يجب لهم، ولكن ذكر هنا أن الجهاد والحج ماضيان مع الأمراء أبراراً كانوا أو فجاراً، كما وردت بذلك السنة، وكما عمل بذلك السلف الصالح، فكانوا يحجون ويكون أمير الحج أحد الولاة، وقد يكون سفيهاً، وقد يكون معه شيء من النقص والتقصير، وقد يؤخر الصلاة عن وقتها، وقد يستمع شيئاً من اللهو وغناء القينات ونحو ذلك، وقد يتعاطى شيئاً من الأشربة المكروهة كالنبيذ ونحوه، ولكن مصحلة جمعه لهؤلاء الحجاج وحمايته لهم عن قطاع الطريق مصلحة كبيرة لا يستهان بها.
كانوا في الأزمنة المتقدمة من عهد الخلفاء إلى عهد قريب، أعني: قبل خمسين أو ستين سنة لابد أن يكون للحج أمير، فكل أهل جهة يحج بهم أمير يتأمر عليهم، وإذا وصلوا إلى مكة تأمر على الجميع واحد يرجعون إليه، فأهل العراق يحجون مع أمير خاص بهم، يحميهم عن قطاع الطريق إلى أن يصلوا إلى مكة، وكذلك أهل الشام وأهل مصر وأهل اليمن وأهل خراسان وأهل البحرين، وأهل عمان وأهل المناطق النائية، فكان يجتمع أهل كل جهة مئات وألوف ويسيرون جميعاً، ولا يتفرقون مخافة قطاع الطريق، فإذا وصل هؤلاء وهؤلاء إلى مكة كان الأمير واحداً، هو الذي يؤذن فيهم بوقت الوقوف في عرفة، ويؤذن فيهم بوقت الانصراف من عرفة، ويؤذن فيهم بوقت رمي الجمار، وكذلك بوقت الخروج من مزدلفة، وهكذا، ويسيرون إذا سار، وينزلون إذا نزل، ويقتدون به، ويقيم لهم الأحكام ويعلمهم المناسك.
وفي حديث عن ابن عمر أنه سئل: متى نرمي الجمار؟ فقال: إذا رمى إمامك، يعني: انتظر حتى يرمي ذلك الإمام، فإذا رمى فإن ذلك وقت الرمي، فدل على أنهم لا يبدءون برمي الجمار إلا إذا رمى أئمتهم، هكذا كانوا.
وفي هذه الأزمنة لما أمنت البلاد، وتقاربت الطرق وسفلتت، وقطع دابر قطاع الطريق ونكبوا، ولم يبق هناك من يعترضهم، إلا من لا يؤبه لهم، وصارت الطرق آمنة، أصبح الناس يحجون أفراداً، وجاءت هذه الناقلات الجديدة: الحافلات والسيارات والطائرت والبواخر ونحوها، فسهلت للناس الطرق، فأصبح لا حاجة إلى استصحاب الأمير، ولا أن يجتمعوا كلهم، فهذا هو السبب في التساهل في أمر الولاية، حتى في المناسك أصحبوا يعرفون المناسك، ويعرفون أماكنها، وقد حددت وحدد أوقاتها، وما أشبه ذلك، فلم يكن هناك ضرورة إلى إقامة أمير في الحج.
стр. 748
ضرورة الإمارة في الجهاد وضرورة طاعة الأمير وإن كان مقصراً
أما بالنسبة للجهاد فمعلوم أنه يستدعي أميراً ذا حنكة ومعرفة بطرق السير، وكذلك بأوقات القتال وبمناسباته، فلأجل ذلك ما كانوا يغزون إلا ومعهم أمير قد جَرب وقد جُرب، وقد عرف الطرق وعرف القتال، وقد صارت له فطنة وتجربة قوية، فكانت كل سرية وكل جيش يخرج للغزو -السرية: ما دون الثلاثمائة، والجيش ما فوق ذلك- فلا يخرج إلا ومعه أمير، فيرفق بضعيفهم، ويزجر متخلفهم، وينتظر منقطعهم، هذا لما كان السير في ذلك الوقت على الرواحل التي كان سيرها بطيئاً، وكانوا يحتاجون إلى أن يتأنوا في سيرهم، فكانوا لابد يؤمروا واحداً عليهم، ثم هو الذي يحدد لهم وقت القتال، وكذلك يعين لهم الأماكن التي يقيمون فيها، ويقسمهم أقساماً، ويجعل ميمنة وميسرة، وقلباً، ويؤجج فيهم بالحملة على القتال عندما يأذن لهم، وينصب لهم الرايات والأعلام.
لم يكن بد من أن يكون ذلك الأمير ذا تجربة، وقد يكون عند الأمير شيء من الخلل، أو معه نقص أو عيب، أو يقترف شيئاً من المعاصي، أو يترك شيئاً من الطاعات، ولكن لا يكون ذلك العمل الذي يعمله كفراً؛ لقوله ﵊: (إلا أن تروا كفراً بواحاً، عندكم فيه من الله برهان) ، يعني: فلا تسمعوا ولا تطيعوا ولا تقاتلوا معهم والحال هذه، فأمر بأن يقاتل مع هؤلاء ولو كانوا ذوي معصية أو خلل أو نقص، وبكل حال فقد أمرنا بأن نجاهد معهم، ونصبر عليهم.
وفي هذه الأزمنة قد يقال: إنها تغيرت الأحوال، ولكن مع ذلك لابد لكل غزو أو لكل مرابطين من رئيس يرأسهم، يمتثلون إرشاداته وأوامره، ويقفون إذا أوقفهم ويرابطون، ولا ينصرف أحد منهم إلا بعدما يأذن له، فهذه الأمور لابد من اعتبارها.
في هذه الأزمنة قد يقال: خفت تلك الأمور التي كانت قديماً؛ وذلك لأن الأسلحة تغيرت عما كانت عليه، فقد كان القتال قديماً مواجهة بالسيف وبالرمح، وبالنبال والسهام وما أشبهها، وأما الآن فالأسلحة قد يكتفى بإرسالها من بعيد، كالصواريخ والقنابل وما أشبهها، ولكن بكل حال لا نزال بحاجة إلى أمير يطاع في مثل هذه الأمور، هذا هو السر في الأمر بطاعة الولاة، وفي الأمر بالحج معهم والغزو معهم، ولو كان معهم شيء من الخلل، أو شيء من النقص.
стр. 749
حصر الرافضة للإمامة في اثني عشر إماماً
يقول الشارح: إن المؤلف أتى بهذا الكلام رداً على الرافضة، وذكر أن الرافضة يعتقدون أنه لا يجاهد أحد إلا مع إمام معصوم، ولا يحج إلا مع إمام معصوم، وهم لا يزالون على هذه العقيدة إلى يومنا هذا، لدرجة أنهم لا يصلون خلفنا؛ لأنهم يرون أن الصلاة لا تصح إلا خلف معصوم، أو خلف من يتمسك بعقيدة ذلك المعصوم! معلوم أن الرافضة اعتمدوا أن أئمتهم الذين يرجعون إليهم من أهل البيت، وهم اثنا عشر، وقد انقطعوا، وأولهم الإمام علي، وفي نظرهم أنه هو الإمام الذي له الإمامة، وأن خلافة أبي بكر باطلة! لأنه مغتصب للخلافة! وكذلك خلافة عمر وعثمان، ويدعون أنهم أخذوا ما لا يستحقونه، ويسبونهم ويدعون أنهم ظلمة! وكذلك يخونون الصحابة الذين بايعوهم وأقروهم هذه المدة، مع أن من بينهم علياً وأبناء علي ﵁، فهذا معتقدهم.
ثم يجعلون بعد علي الحسن، ثم بعد الحسن الحسين، ثم علي بن الحسين وهو زين العابدين، ثم محمد الباقر، ثم جعفر الصادق، ثم علي الرضا إلى آخرهم وهو محمد بن الحسن العسكري.
стр. 750
السرداب ومهدي الرافضة
لما أن الحسن العسكري لم يكن له أولاد وكان عندهم أن الإمامة في ذرية علي، كل واحد منهم يخلفه ولده، فلم يكن للحسن العسكري ولد، فلما توفي ولم يكن له ولد أوحى إليهم الشيطان وقال: لا يمكن أن ينقطع الأمر، وأن لا يكون لهم أولاد يخلفونهم، فإذاً: الثاني عشر من أئمتهم هو محمد بن الحسن العسكري، أين هو؟! دخل سرداب سامراء ولابد أن يخرج! يدعون أنه دخل وهو طفل عندما ولد، أو بعد ما ترعرع، وأنه لا يزال في ذلك السرداب، وأنهم ينتظرونه من سنة مائتين وستين أو نحوها، وهم ليس لهم إمام، مع أنهم يقولون: لا تصلح الدنيا إلا بإمام، ولابد أن يكون ذلك الإمام معصوماً، وأن الإمامة لا تخرج عن ذرية علي، ثم ذرية الحسين، ثم ذرية زين العابدين، ثم ذرية الصادق والباقر والرضا ونحوهم إلى الحسن، فلابد أن يكون للحسن ولد يخلفه.
وأهل العلم والمؤرخون يقولون: إن الحسن العسكري لم يخلِّف وإنه مات وليس له ولد، لكن هؤلاء لما كانت العقيدة راسخة عندهم وأن نسله لا ينقطع جاءهم الشيطان وقال: إن له ولداً، ولكنه دخل هذا السرداب، ثم لابد أن يخرج فانتظروه، فصاروا ينتظرونه.
والآن له نحو ألف ومائة وخمسين سنة، وهم لا يزالون ينتظرونه! وكانوا في تلك المدة القديم يُجلسون واحداً ينتظره، ويصيح: اخرج يا مولانا! اخرج يا مولانا! وليس عنده أحد، وقد جعلوا عند طرف السرداب فرساً، وجعلوا عليها سرجاً، وجعلوا مع الحراس الذين يحرسونها سيوفاً حتى يحمونه إذا خرج! ويدعون أنه سوف يخرج ويركب الفرس، ويذهب إلى مكانهم، ويقتل أعداءهم كما يزعمون، وينتصر لهم ممن خالفهم، ولا يزالون منذ ألف ومائة وخمسين سنة وهم على هذه الطريقة إلى اليوم! قبل خمسة أشهر أو نحوها جاءنا بعض الإخوان ومعه أوراق أخذها من الشيعة الذين أسروا في حرب الخليج، وأودعوا في السجون، فوجدوا معهم أوراقاً كلها غلو ومبالغة في التشيع، وإذا بواحدة من الأوراق فيها ذكر الأئمة الاثني عشر: الإمام علي، والإمام الحسن، والإمام الحسين، إلى أن قال: والإمام محمد بن الحسن العسكري عجل الله بخروجه، فلا يزالون يُؤمِّلون أنه سوف يخرج، ولا يزالون ينتظرونه! وفي وقت الشارح -في القرن الثامن- يذكر أنهم يجعلون عند السرداب فرساً، والآن لا أدري هل استبدلوا بالفرس سيارة أو لا يزالون ينتظرونه كما كانوا! الله أعلم.
ولا شك أن هذا غاية الحمق وغاية الضلال، ولما ذكر ابن القيم ﵀ في آخر كتاب: المنار المنيف حالتهم، وأن محمد بن الحسن العسكري هو منتظرهم، وأنهم لا يزالون ينتظرونه أنشد قول الشاعر: ما آن للسرداب أن يلد الذي حملتموه بزعمكم ما آنا فعلى عقولكم العفاء فإنكم ثلثتم العنقاء والغيلانا أي: هذا السرداب الذي تحرسونه ما آن له أن يلد ولدكم؟! ما آن أن يخرج هذا الولد الذي جعلتموه حاملاً به؟! ولابد للحامل أن تلد، فمتى يلد هذا السرداب؟! ومتى يخرج هذا الولد الذي جعلتموه حاملاً به؟! ولا شك أن هذا هو غاية السفه، وغاية الضلالة.
يشترطون أن يكون للدنيا إمام معصوم، ويزعمون أن الدنيا لا تخلو من إمام معصوم، وأن ذلك الإمام هو الذي يدبر أمور الناس، إمامكم يا معشر الرافضة لم ينفعكم منذ ألف ومائة وخمسين سنة.
ولما استولى عليهم -قريباً- الخميني الذي سموه: آية الله الخميني قالوا له: ننتظر أن يخرج المنتظر الذي هو المهدي المنتظر يعني: العسكري، يقولون: إنه قال: نحن نخلفه حتى يخرج، نحن نعمل وندبر الأمور، فخدعهم بذلك، وادعوا أنه خليفة عن المهدي المنتظر، فصاروا يعظمونه ويطيعونه ويقدسونه تقديساً يخرج عن المعتاد، كما ذكر لنا كثير ممن صحبهم، أنه عندهم كأنه رسول، بل قد يشرع لهم ويأمرهم بأوامر لا يأمر بها إلا الرسل، أو من يتلقى عن الرسل.
وبكل حال فقد خالفوا في هذا الأمر، وهو أنهم لا يطيعون للأئمة، ولأجل هذا فإنهم في كل زمان لا يثبتون خلف أئمة الزمان، بل كثيراً ما يخرجون عن الطاعة، وينبذونها ويقاتلون الأئمة والخلفاء، ويفعلون ذلك كثيراً، إلى أن جاء هذا الوقت الذي تفرقت فيه الولايات، واستقلت كل دولة في جانبها وفي جهتها، فصار كل من تولى بلداً سموه رئيساً وسيداً وزعيماً، وصار يتصرف فيمن تولى عليه من رافضة أو من غيرهم.
стр. 751
شرح العقيدة الطحاوية [٥٨]
يجب الإيمان بالملائكة، وللإيمان بهم ثمرات كثيرة، لاسيما الإيمان بالملائكة الحفظة، وذلك أن المرء يراقب الله وينتهي عن الإثم إذا استشعر من معه من ملائكة الله.
стр. 752
الإيمان بالملائكة وما وكلوا به من أعمال
قال الشارح ﵀: [قوله: (ونؤمن بالكرام الكاتبين، فإن الله قد جعلهم علينا حافظين) .
قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار:١٠-١٢] ، وقال تعالى: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنْ الْيَمِينِ وَعَنْ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٧-١٨] .
وقال تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد:١١] ، وقال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف:٨٠] .
وقال تعالى: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية:٢٩] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ﴾ [يونس:٢١] .
وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، يجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر، فيصعد إليه الذين كانوا فيكم، فيسألهم وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون، وفارقناهم وهم يصلون) ، وفي الحديث الآخر: (إن معكم من لا يفارقكم إلا عند الخلاء وعند الجماع، فاستحيوهم وأكرموهم) ، وجاء في التفسير: اثنان عن اليمين وعن الشمال يكتبان الأعمال، صاحب اليمين يكتب الحسنات، وصاحب الشمال يكتب السيئات، وملكان آخران يحفظانه ويحرسانه واحد من ورائه وواحد أمامه، فهو بين أربعة أملاك بالنهار، وأربعة آخرين بالليل بدلاً حافظان وكاتبان.
وقال عكرمة عن ابن عباس: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد:١١] : ملائكة يحفظونه من بين يديه ومن خلفه، فإذا جاء قدر الله خلوا عنه] .
стр. 753
الإيمان بالملائكة من الإيمان بالغيب
نؤمن بالكرام الكاتبين وبالملائكة الحافظين كما أخبرنا الله، وإن كنا لا نراهم، فالإيمان بهم من أمر الغيب؛ وذلك لأن الله تعالى أخبر عن أشياء غيبية فنحن نصدق بها ونقبلها، ويكون لتصديقنا آثار.
فالملائكة مخلوقون كما أخبرنا الله، وإن كنا لا نراهم، يجلس أحدهم أو يقوم أحدهم أمامنا أو خلفنا أو عن جانبينا فلا نراه، كما أخبرنا أيضاً بأن الشياطين يكونون معنا ولا نراهم، بل أخبر بأن الشيطان يلابس الإنسان، ويجري منه مجرى الدم، ويوسوس في صدور الناس.
فالإيمان بالملائكة من الإيمان بالغيب الذي مدح الله أهله بقوله تعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة:٢-٣] ، وذلك لأنه إيمان بشيء خفي، ولكن العمدة فيه خبر الله تعالى، وخبر الله صدق وحق، وكذلك خبر الرسل فنؤمن بما أخبروا به ونتقبله، وإن كان ذلك خلاف ما نألفه ونعرفه، وإن أنكر ذلك من أنكره، فلا نلتفت إلى إنكار من أنكر.
فالذين أنكروا وجود الشياطين أو أنكروا وجود الملائكة، أو أنكروا الأرواح، أو أنكروا وجود الجن، أو نحو ذلك؛ هؤلاء بلا شك لم يتسع فهمهم للأمور الغيبية، ولا للأخبار السماوية، ولا للقدرة الإلهية، فلأجل ذلك لم يتجاوزوا ما يدركونه بالحس، فلا يؤمنون إلا بما أدركوه بالإحساس، فهؤلاء إيمانهم ناقص.
стр. 754
وظيفة الملائكة الكرام الكاتبين
والحاصل أن الكلام على الملائكة الكرام الكاتبين، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ﴾ [الانفطار:١٠-١١] حافظين: يحفظونكم، وكاتبين: يكتبون أعمالكم.
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنْ الْيَمِينِ وَعَنْ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٦-١٨] ، الرقيب والعتيد: هما الملكان اللذان يكتبان الحسنات والسيئات، أحدهما عن اليمين يكتب الحسنات، والثاني عن الشمال يكتب السيئات، وذكروا أن الذي على اليمين أمير على الذي على الشمال، فإذا عمل سيئة قال له: لا تكتبها رجاء أن يتوب ويستغفر، فإذا استمر عليها كتبت سيئة، وإذا عمل الحسنة كتبها صاحب اليمين عشر حسنات، كما ورد ذلك في الحديث وفي القرآن.
فهؤلاء هم الحفظة للأعمال وللأقوال، يكتبون كل ما يتكلم به، ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ﴾ [ق:١٨] فما من لفظة يُتلفظ بها إلا وتكتب في سجل هؤلاء الملائكة كتابة الله أعلم بها، قد تكون بالأحرف، وقد تكون بغيرها، فلهم قدرة على الكتابة ولو كانت ما كانت.
وكذلك يكتبون كل الأعمال، ولذلك وصفهم بقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار:١٢] ، أي: كل ما تفعلونه وكل ما يخطر ببال أحدكم، أو يدور في خياله فإنه مكتوب.
وكيف يكتبون أعمال القلب؟ يطلعهم الله على أعمال القلوب، فالأعمال التي تكنها القلوب يثاب عليها العبد أو يعاقب، فيثاب مثلاً على النصيحة، ويعاقب على الحسد والغل والغش، وهو من الأعمال القلبية، ويثاب على الإيمان الذي هو التصديق الجازم، ويعاقب على النفاق الذي هو الشك والريب، وهي من أعمال القلوب، فلابد أن الملائكة تكتبها لقوله: ﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار:١٢] ، فهؤلاء هم الكتبة، ويسمون أيضاً: الحفظة للأعمال.
стр. 755
وظيفة الملائكة الحافظين
وهناك ملائكة يحفظون العبد عن الأخطار والأضرار التي يتعرض لها، حتى يأتي الأمر الذي قدره الله فيخلون بينه وبينه، وهم المذكورون في سورة الرعد في قوله تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد:١١] أي: يحفظونه بأمر الله، فإذا جاء الأمر الذي قدره الله فإنهم يخلون بينه وبينه، أما الأمور التي لم يقدرها الله عليه فإنهم يدفعون عنه الشرور، ويدفعون عنه الأضرار، ويدفعون عنه الاعتداءات التي ما كتبها الله تعالى، فهم أربعة: ملكان عن اليمين وعن الشمال يحفظون أعماله، وملكان أمامه وخلفه يحفظون جسده مما لم يكتب عليه، فيبيت بين أربعة، ويظل بين أربعة، فيوكل بكل إنسان ثمانية: أربعة بالليل وأربعة بالنهار، وهؤلاء هم الذين يتعاقبون.
وفي الحديث الذي تقدم: (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة العصر وصلاة الفجر، فيعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم ربهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون) ، فهذا من حفظ الله تعالى لأعمال عباده، فالله تعالى قادر على أن يحفظ كل أعمال العباد بدون وكيل وبدون كتابة، ولكنه أراد بذلك قيام الحجة على العبد حتى لا يقول: إني ظلمت، أو إني ما عملت كذا وكذا، بل يجد ما عمله كله مدوناً، فينشر له سجل بأعماله: حسناته وسيئاته، ويقال له: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾ [الإسراء:١٤] .
стр. 756
كل إنسان وكل به قرين من الجن وقرين من الملائكة
قال المؤلف رحمنا الله تعالى وإياه: [وروى مسلم والإمام أحمد عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : (ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة، قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: وإياي، ولكن الله أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير) ، الرواية بفتح الميم من (فأسلمَ) ، ومن رواه (فأسلمُ) برفع الميم فقد حرف لفظه، ومعنى فأسلم أي: فاستسلم وانقاد لي في أصح القولين؛ ولهذا قال: (فلا يأمرني إلا بخير) ، ومن قال: إن الشيطان صار مؤمناً فقد حرف معناه فإن الشيطان لا يكون مؤمناً.
ومعنى: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد:١١] قيل: حفظهم لهم من أمر الله، أي: الله أمرهم بذلك، يشهد لهذا قراءة من قرأ: (يحفظونه بأمر الله) .
وقد ثبت بالنصوص المذكورة أن الملائكة تكتب القول والفعل، وكذلك النية؛ لأنها فعل القلب، فدخلت في عموم ﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار:١٢] ، ويشهد لذلك قوله ﷺ : (قال الله : إذا هم عبدي بسيئة فلا تكتبوها عليه، فإن عملها فاكتبوها عليه سيئة، وإذا هم عبدي بحسنة فلم يعملها فاكتبوها له حسنة، فإن عملها فاكتبوها عشراً) ، وقال رسول الله ﷺ : (قالت الملائكة: ذاك عبدك يريد أن يعمل سيئة وهو أبصر به، قال: ارقبوه، فإن عملها فاكتبوها بمثلها، وإن تركها فاكتبوها له حسنة، إنما تركها من جرائي) ، خرجاهما في الصحيحين واللفظ لـ مسلم] .
الحديث الذي بدأ به الشارح فيه بيان أن الإنسان موكل به ملائكة يأمرونه بالخير، وهناك شياطين يأمرون الناس بالشر، يسمى هذا قرين وهذا قرين، الجني الذي هو الشيطان قرين سوء، والملك قرين خير، ورد في بعض الأحاديث: (إن للشيطان بقلب الإنسان لمة، وللملك لمة، فلمة الشيطان إيعاد بالشر، ولمة الملك إيعاد بالخير) ، أو كما في الحديث.
إبليس من أهل النار، ومن المعذبين بالنار، وهو مخلوق من النار، والشياطين خلقوا من النار، فأقدم على العذاب، وأقدم على اللعنة، وأقسم أن يغوي جنس الإنسان، وأن يحرص على أن يخرجهم من الإيمان، أقسم بذلك وقال: ﴿لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً * وَلأضِلَّنَّهُمْ وَلأمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذْ الشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُبِيناً * يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمْ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً﴾ [النساء:١١٩-١٢٠] .
فهذا الشيطان عدو للإنسان، ليس من جنس بني آدم أحد إلا وقد وكل به أو سلط عليه شيطان، ووكل به ملك، فالملك يأمره بالخير، والشيطان يأمره بالشر.
الصحابة سألوا النبي ﷺ فقالوا: أنت يا رسول الله مثلنا يعني: هل وكل بك ملك وشيطان؟ قال: نعم، ولكن الشيطان الذي وكل بالنبي ﷺ أعانه عليه، فقال: (أعانني الله عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير) ، وليس معناه: أنه أصبح مسلماً، بل المراد أنه أذعن واستسلم، ولم يعد يأمر إلا بالخير؛ وذلك لأن الله تعالى عصم نبيه ﷺ عن أن يتسلط عليه الشيطان، فأعانه عليه، كما أن الله تعالى سخر الشياطين لسليمان أحد أنبياء الله تعالى، وذللهم له، فصاروا يعملون عنده، يقول تعالى: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ﴾ [ص:٣٧-٣٨] سخرهم الله لسليمان، وأما نبينا ﵊ فذلل الله له ذلك الشيطان فلم يعد يأمره إلا بخير، أما جنس بني آدم فكل إنسان لابد أن يتسلط عليه هذا الشيطان ويوسوس له، فإذا رزقه الله الإيمان، ورزقه قوة اليقين، فإن تلك الوساوس التي يوسوس بها لا تبقى في قلبه، ولا يصدق بها، بل ينكرها ويدفعها، وهذا حقيقة المؤمن الصحيح الإيمان، ثم يعوضه الله أن الملك الذي هو قرينه يثبته، ويذكره، وينشطه، ويدفعه ويدعوه إلى الخير، ويحثه عليه، فيقوى الجانب الإيماني، وإذا قوي الجانب الإيماني عزم على الأعمال الصالحة، وترك الأعمال السيئة، فهذا هو المؤمن القوي، أما الذي إيمانه ضعيف فإن الشيطان يتقوى عليه، وتتمكن وسوسته من قلبه، وتصده عن الهدى، وتوقعه في الردى، ولا يطيع نصح الناصحين، ولا ينيب إلى لمة الملك، ولا يلتفت إليها، فيبقى بعيداً عن الخير، مقبلاً على الشر، فهكذا كل إنسان إما أن يكون إيمانه ضعيفاً فيقوى عليه قرين السوء وهو الشيطان، وإما أن يكون إيمانه قوياً فيقوى عليه قرين الخير وهو الملك.
والقوة والضعف ليست بالقوة البدنية، ولكنها القوة الإيمانية، القوة قوة الإيمان، كون الإيمان راسخاً في القلب، إذا جاءته وساوس الشيطان اضمحلت، وإذا جاءته تثبيتات الملك تمكنت وقويت، فهذا هو السبب في انقسام الناس إلى من يكون عدواً لله ومن يكون ولياً لله، من يكون ولياً للشيطان ومن يكون ولياً للرحمن، فأولياء الرحمن هم الذين أطاعوا الله تعالى، وأطاعوا رسله، وصارت الملائكة الذين معهم يرشدونهم إلى الخير، فيتبعونهم، وأولياء الشياطين هم الذين استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله.
стр. 757
الإيمان بالملائكة الحفظة
الإنسان معه ملك، ومعه شيطان، والمراد بالملك: جنس الملائكة، فيكون الإنسان معه ملائكة يدعونه إلى الخير ويحثونه عليه، وملائكة يحفظونه، وملائكة يكتبون أعماله.
الملائكة الذين يحفظونه هم الذين يقول الله فيهم: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد:١١] وفسرها بعض المفسرين بقوله: يحفظونه بأمر الله، أي: يحفظونه بأمر الله امتثالاً لأمر الله تعالى، فإذا جاء القدر الذي قدر الله عليه خلوا بينه وبينه.
ثم هؤلاء الملائكة الذين هم الحفظة يكتبون السيئات والحسنات، وسمعنا الحديث المشهور في الصحيح، الذي أخبر النبي ﷺ فيه أن من كرم الله وفضله الواسع على عباده، أن الذي يهم بحسنة ولا يعملها يكتبها الله حسنة، والذي يهم بها ويعملها يكتبها عشراً، والذي يهم بسيئة ولا يعملها يكتبها الله حسنة، وإذا هم بالسيئة وعملها كتبها الله سيئة واحدة بدون مضاعفة، وإذا رزقه الله توبة منها محيت عنه لتوبته، وإذا أصر عليها وعمل سيئة إلى جانب سيئة وإلى جانب سيئات أخرى تكاثرت عليه، وتراكمت عليه، وأصبح مثقلاً بالسيئات، ولكن قد أخبر الله تعالى بأنه يمحوها بالتوبة ويمحوها بالحسنات، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤] ، وقال النبي ﷺ : (وأتبع السيئة الحسنة تمحها) يعني: متى وقعت في سيئة فأتبعها بحسنة، إما حسنة التوبة وإما حسنة العمل الصالح وإما غير ذلك.
وقد تكلم العلماء على هذا الحديث، وبينوا المراد منه، وأطالوا الكلام في ذلك، وملخص ما ذكروا أن الذي يهم بحسنة ثم يتركها عجزاً أو تعباً أو نحو ذلك يكتبها الله له حسنة وإن لم يعملها، هم مثلاً بأن يتصدق على مسكين، ولكن لم يجد في ذلك الوقت شيئاً، وفاتت حاجته، يكتب الله له كأنه تصدق، يكتبها له حسنة، هم مثلاً أن يقوم في آخر الليل للصلاة، ولكن غلبه النوم، أو الكسل، أو التعب، ولم يتيسر له القيام، يكتب الله له كأنه قام، ويكتب له بذلك حسنة، فإذا يسر الله له فتصدق أو صلى أو صام، أو جاهد، أو ذكر الله، أو قرأ فإن الحسنة بعشر أمثالها، فضلاً منه سبحانه، فيكتب الدرهم بعشرة دارهم، وتكتب الركعة بعشر ركعات، والمراد بهذا في الأوقات العادية، وقد تضاعف أضعافاً أخرى في أوقات أخرى، هذا بالنسبة للحسنات، أما بالنسبة للسيئات فإذا هم بالسيئة ولكن تذكر أنها سيئة، وتذكر عقوبتها، وتذكر الإثم، وتذكر آثارها على قلبه، وآثارها على سيرته، وآثارها في دنياه وآخرته، فعند ذلك تركها من جراء الله، يقول في الحديث: (إنما تركها من جرائي) ، فهذا يكتب له حسنة، ما عمل سيئة، ولا عمل حسنة، ولكنه هم بسيئة ثم تذكر فخاف الله تعالى فتركها، يكتب له بهذا الترك حسنة، يقول الله: (إنما تركها من جرائي) .
أما إذا غلبته نفسه وعمل تلك السيئة كتبها الله بمثلها، والسيئات تتراكم، سيئات النظر، وسيئات السمع، وسيئات الكلام، وسيئات الأكل والشرب، وسيئات المكاسب، لا شك أنها تتراكم، وبكل حال فإذا عملها كتبها الله بمثلها حتى يتوب منها.
أما إذا تركها عجزاً، فبلا شك أنه يأثم على نيته، فلو مثلاً هم بزنا، وبذل الأسباب، وجاء إلى المكان الذي هو معد للزنا أو نحو ذلك، وحاول فتح الأبواب، وحاول الصعود مع السلالم أو مع الحيطان، ولكنه لم يجد منفذاً، أو عثر عليه الحرس، وقبضوا عليه وطردوه؛ فمثل هذا يجازى على فعله؛ وذلك لأنه ما تركها خوفاً من الله، وإنما تركها عجزاً، وكذلك لو هم بسرقة ولكنه ما قدر، حاول أن يكسر الأبواب، حاول أن يفتح الأقفال ولكنه ما قدر على ذلك، فهذا تكتب عليه سيئة، وكذلك لو هم بحسنة ولكن دعته نفسه إلى تركها تهاوناً ليس عجزاً، فمثل هذا أيضاً قد لا يثاب على تركه للحسنة، ولا يكتب له حسنة، وفي بعض الروايات: (لم يكتب عليه شيء) .
إذاً: الحديث هذا مخصوص بما إذا ترك السيئة خوفاً من الله، وترك الحسنة عجزاً عنها أو لعدم توافر أسبابها، وإلا فقد يجازى بما نوى.
وقد ورد في الحديث أن النبي ﷺ قال: (إنما الدنيا لأربعة: رجل آتاه الله مالاً وعلماً -يعني: علماً دينياً- فهو يعمل في ماله بعلمه) ، يصل الرحم، ويتصدق على ابن السبيل، وينفق في الجهاد، وينفق في وجوه الخير، ويبني المساجد والمدارس، وينشر العلم، قال: (يعمل بعلمه في ماله، فهذا بأفضل المنازل) يعني: بأرقاها، نفعه علمه في تصريف ماله.
قال: (ورجل آتاه الله علماً ولم يؤته مالاً فهو يقول: لو أن لي مثل مال فلان لعملت فيه مثل عمله) ، أعطاه الله العلم فيتمنى أن يكون له مال حتى يصل الأرحام، وحتى يعطي الأقارب، وحتى يتصدق على الفقراء والمساكين، وحتى يعطي أبناء السبيل، وحتى يجهز الغزاة، وحتى ينفق في وجوه البر، يقول النبي ﷺ : (فهو بنيته وقصده، وهما في الأجر سواء) .
قال: (ورجل آتاه الله مالاً ولم يؤته علماً) ، حرمه الله من العلم، ورزقه الله أموالاً، فهو ينفقها في المعاصي، ينفقها في كل معصية، ينفقها في قطيعة الرحم، وينفقها في القتل، وينفقها في الملاهي، وينفقها في المعاصي بأنواعها: في الزنا وفي الغناء وفي كذا وكذا، ينفقها فيما يبعده من الله؛ لأنه ما عنده علم، ولا عنده معرفة بمآل هذا المال، ولا بما يكسب فيه الأجر، فهذا بأخبث المنازل.
قال: (رجل لم يؤته الله مالاً، ولم يؤته علماً) ، ولكن يتمنى أن يكون له مال مثل ذلك الجاحد، (يقول: لو كان لي مثل مال فلان لعملت فيه مثل عمله) ، يعني: لقطعت الطريق، ولسافرت إلى المعاصي، ولصرفته في الأغاني وفي آلات اللهو، ولفعلت وفعلت، يتمنى؛ لأنه ما عنده علم، وما عنده مال، يقول النبي ﷺ : (فهما في الوزر سواء) ، فأخذنا من هذا أن من نوى الشر وإن لم يعمله وحرص عليه فإنه يجازى على نيته، فليس كل من نوى الشر وتركه يثاب، إنما يثاب إذا تركه لله وخوفاً من الله.
стр. 758
شرح العقيدة الطحاوية [٥٩]
يجب الإيمان بملك الموت الموكل بقبض الأرواح، والأرواح من مخلوقات الله، ولا يعلم حقيقتها إلا الله، وقد تكلم العلماء على كثير من المسائل المتعلقة بالروح مستضيئين بالأدلة من الكتاب والسنة.
стр. 759
الإيمان بملك الموت
قال الشارح رحمه الله تعالى: [قوله: (ونؤمن بملك الموت الموكل بقبض أرواح العالمين) .
قال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [السجدة:١١] ، ولا تعارض هذه الآية قوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام:٦١] ، وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الزمر:٤٢] ؛ لأن ملك الموت يتولى قبضها واستخراجها، ثم يأخذها منه ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب، يتولونها بعده، كل ذلك بإذن الله وقضائه وقدره وحكمه، فصحت إضافة التوفي إلى كل بحسبه] .
هذا أيضاً من عقيدة أهل السنة، وهو داخل في الإيمان بالملائكة، الإيمان بملك الموت الذي وكله الله تعالى بقبض الأرواح، وقد ذكره الله تعالى في هذه الآية في سورة السجدة: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة:١١] ، وقد ورد في الأحاديث ما يدل على أن الذي يقبض الأرواح ملك واحد، وقد تقول: كيف يقبض أرواح العالم في شرق الأرض وفي غربها وهو واحد؟ نقول: لا ينافي ذلك قدرة الله تعالى التي أقدره عليها، ويمكن أن ملك الموت معه أعوان يقبضون تلك الأرواح.
ونقول: لا شك أن الإنسان مركب من جسد وروح، جسد وهو هذا اللحم والعظم ونحوه، وروح وهي التي تسري في هذا الجسد حتى يعيش وحتى يتحرك، فما دامت هذه الروح في هذا الجسد فإنه قابل للحركة، وإذا خرجت هذه الروح من هذا الجسد بقي ميتاً جثة لا حركة به، فهذه الروح هي التي بها الحياة، وهي التي تقبض عند الموت، وفي حديث البراء في قبض الأرواح يقول النبي ﷺ : (إن المؤمن إذا كان في إقبال من الآخرة وإدبار من الدنيا نزلت عليه ملائكة بيض الوجوه، فيجلسون منه مد البصر، ومعهم أكفان من الجنة، وحنوط من الجنة، ويأتيه ملك الموت فيجلس عند رأسه فيقول: اخرجي أيتها الروح الطيبة كانت في الجسد الطيب، اخرجي إلى روح وريحان، ورب غير غضبان، فتسل روحه من جسده كما تسل الشعرة من العجين) ، فأخبر بأن الروح هي التي تخرج، وأنه يخاطبها، وأنها تنزع من جسده أو تنشط منه، وفسر بذلك قول الله تعالى: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً * وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطاً﴾ [النازعات:١-٢] فقالوا: النازعات الملائكة التي تنزع أرواح الكفار نزعاً شديداً، والناشطات الملائكة التي تأخذ أرواح المؤمنين برفق؛ ولذلك سماه نشطاً، يعني: أنها تنشطه نشطاً ولا يحس بألم، وبكل حال الملائكة يقبضون الأرواح ويصعدون بها إلى الله تعالى إن كانت أرواح المؤمنين، أما أرواح الكفار فلا تفتح لهم أبواب السماء، ولا يدخلون الجنة، بل تذهب أرواحهم إلى حيث شاء الله.
وقد تكلم العلماء على حقيقة الروح وأطالوا فيه، وقد يأتي بعض الكلام على حقيقة الروح، والحاصل أننا نؤمن بقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام:٦١] فأثبت أن هناك رسلاً عدداً يتوفونه، وأخبر في آية أخرى أن ملك الموت واحد: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ [السجدة:١١] ، وإذا قيل: إنه ملك واحد فيمكن أن يكون اسم الموت الذي هو خروج الروح من الجسد هو الذي ورد في الأحاديث أنه يذبح يوم القيامة، يقول في الحديث: (يجاء بالموت في صورة كبش، فيقال: يا أهل الجنة! هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون ويقولون: نعم هذا الموت، ويقال: يا أهل النار! هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون ويقولون: نعم، هذا الموت، فيذبح بين الجنة والنار، ويقال: يا أهل الجنة! خلود ولا موت، ويا أهل النار! خلود ولا موت) ، فالذي يفنى أو يذبح هو حقيقة الموت، ليس هو الملك، إنما هو الموت الذي هو خروج الروح من الجسد.
نحن نشاهد الأموات عندما تخرج أرواحهم، ولكن لا نشاهد الملائكة الذين يقبضونها، ولكن نؤمن بذلك، نؤمن بأن الملائكة يحضرون وإن كنا لا نراهم؛ ولذلك قال الله تعالى: ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ * وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ * فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتْ الْحُلْقُومَ﴾ [الواقعة:٨١-٨٣] يعني: خرجت الروح إلى الحلقوم الذي هو أسفل الحلق، ﴿وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة:٨٤-٨٥] يعني: الملائكة أقرب إليه منكم، ولكنكم لا تبصرونهم ﴿فَلَوْلا إِنْ كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الواقعة:٨٦-٨٧] يعني: إذا كنتم تقولون: إنكم غير مبعوثين فردوا هذه الروح إلى هذا الجسد، فردوا روح هذا الذي مات وخرجت روحه، استردوها وردوها في جسده إن كنتم صادقين.
وأخبر الله تعالى أيضاً أن الملائكة يحضرون عند الميت في قوله تعالى: ﴿وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمْ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام:٩٣] يخاطبون أرواح الكفار عند إخراجها بهذا.
إذاً: من عقيدة أهل السنة أنهم يؤمنون بملك الموت وبأعوان ملك الموت الذين يقبضون الأرواح، وبأن الروح التي تخرج هي التي يقبضها الملك أو الملائكة، وهي التي تبقى بعد الموت، وأما الجسد فإنه يفنى، والروح التي تخرج هي التي تعذب في البرزخ أو تنعم، فإذا آمن الإنسان بذلك لم يستغرب ما ورد أنه ﷺ أخبر بأن في القبر عذاباً ونعيماً، مع أننا نشاهد أن الأموات يفنون، وتأكلهم الأرض، ولكن مع ذلك أرواحهم باقية، أرواحهم هي التي تتألم أو تتعذب كما أن أرواحهم هي التي تقبض، وهي التي ورد في الحديث أنها تجعل في أكفان من الجنة، أو تجعل في أكفان من النار على حسب ما ورد في السنة.
فبهذا يؤمن كل مسلم اعتماداً على النصوص، ولا منافاة بين الآية: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ [السجدة:١١] أنه واحد وقوله: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ [الأنعام:٦١] ، وقول الملائكة: ﴿أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [الأنعام:٩٣] ، فالمعنى: أن الملك واحد ومعه أعوان، فهو يقبض وهم يقبضون، وهم يجعلون الأرواح في تلك الأكفان، ويصعدون بها إلى آخر ما ذكر النبي ﵊ في الأحاديث.
стр. 760
حقيقة الروح
قال الشارح ﵀: [وقد اختلف في حقيقة النفس ما هي؟ وهل هي جزء من أجزاء البدن أو عرض من أعراضه أو جسم ساكن له مودع فيه، أو جوهر مجرد؟ وهل هي الروح أو غيرها؟ وهل الأمارة واللوامة والمطمئنة نفس واحدة أم هي ثلاثة أنفس؟ وهل تموت الروح أو الموت للبدن وحده؟ وهذه المسائل تحتمل مجلداً، ولكن أشير إلى الكلام عليها مختصراً إن شاء الله تعالى.
فقيل: الروح قديمة، وقد أجمعت الرسل على أنها محدثة مخلوقة مصنوعة مربوبة مدبرة، وهذا معلوم بالضرورة من دينهم أن العالم محدث، ومضى على هذا الصحابة والتابعون، حتى نبغت نابغة ممن قصر فهمه في الكتاب والسنة، فزعم أنها قديمة، واحتج بأنها من أمر الله، وأمره غير مخلوق، وبأن الله أضافها إليه بقوله: ﴿قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء:٨٥] ، وبقوله: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحجر:٢٩] كما أضاف إليه علمه وقدرته وسمعه وبصره ويده، وتوقف آخرون، واتفق أهل السنة والجماعة أنها مخلوقة، وممن نقل الإجماع على ذلك محمد بن نصر المروزي وابن قتيبة وغيرهما، ومن الأدلة على أن الروح مخلوقة قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد:١٦] فهذا عام لا تخصيص فيه بوجه ما، ولا يدخل في ذلك صفات الله تعالى فإنها داخلة في مسمى اسمه، فالله تعالى هو الإله الموصوف بصفات الكمال، فعلمه وقدرته وحياته وسمعه وبصره وجميع صفاته داخل في مسمى اسمه، فهو سبحانه بذاته وصفاته الخالق وما سواه مخلوق، ومعلوم قطعاً أن الروح ليست هي الله ولا صفة من صفاته، وإنما هي من مصنوعاته، ومنها قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً﴾ [الإنسان:١] ، وقوله تعالى لزكريا: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً﴾ [مريم:٩] ، والإنسان اسم لروحه وجسده، والخطاب لزكريا لروحه وبدنه.
والروح توصف بالوفاة والقبض، والإمساك والإرسال، وهذا شأن المخلوق المحدث.
وأما احتجاجهم بقوله: (مِنْ أَمْرِ رَبِّي) فليس المراد هنا بالأمر الطلب، بل المراد به المأمور، والمصدر يذكر ويراد به اسم المفعول، وهذا معلوم مشهور] .
كلمتا الروح والنفس الصحيح أنهما مترادفتان، الروح هي النفس، وقد اختلف في حقيقة الروح ما هي، إذا مات الميت وخرجت روحه لا نبصرها، مع أننا متيقنون أنها خرجت، وكذلك الملائكة أرواح ينزلون ويقبضونها ونحن لا نراهم؛ لأنهم أرواح، كذلك الشياطين أرواح شريرة، يقول تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف:٢٧] نحن لا نرى الشياطين، مع أن الشيطان يدخل في الإنسان ويجري منه مجرى الدم، ويوسوس في صدره ولا نراه، لكنه ينخنس إذا ذكر الله، ولهذا سماه الله: ﴿الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾ [الناس:٤] .
وأقرب مثال الجن، فهم أرواح، وإذا سلط الله الجني على الإنسي فإنه يلابسه حتى يغلب على جسده، ويصير كأنه هو روحه، فهل نحن نرى هذا الجني إذا أتى أو إذا خرج؟ لا نراه، نسمعه إذا تكلم وهو ملابس لذلك الإنسي، ينطق ويتكلم، ويخرج عندما يعذب مثلاً، ولا نراه إذا جاء ليدخل، ولا نراه إذا خرج.
إذاً: هو روح بلا جسد، ولعله يأتينا كلام في حقيقة الروح وماهيتها.
هل الروح مخلوقة أو غير مخلوقة؟ بعض الفلاسفة يقول: إنها غير مخلوقة وإنها قديمة، والفلاسفة هم الذين يقولون: إن هذا الإنسان ليس له مبدأ، ينكرون أن الله خلق آدم من تراب، ويقولون: إن هذا الإنسان قديم، وإن الأرض قديمة ولم يسبقها عدم، وينكرون أيضاً الحشر والمعاد، فيقولون: ليس هناك حشر، وليس هناك نشر، وليس هناك قيامة، ولا جنة ولا نار، إنما جنس البشر يتوالد ويبقى على الأرض دائماً وأبداً، كما أنه عليها منذ القدم، فكذلك يبقى عليها أبداً، هؤلاء الفلاسفة ينكرون خلق الروح، ويقولون: إن الروح غير مخلوقة وليست محدثة، بل هي باقية وقديمة وليس لها مبدأ، ويستدلون بهذه الآية في سورة الإسراء: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الرُّوحِ قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء:٨٥] والسؤال إنما هو عن الماهية، ما هي الروح؟ ولما كانت حقيقتها لا ترى ولا توصف أجابهم الله بأنها من أمره، وأنكم لا تعلمونها ولا يمكن أن تتصوروها؛ ولذلك قال: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [الإسراء:٨٥] ، فليس المراد أنها صفة من صفاته، بل المراد أنها من أمره، أي: مخلوقة بأمره، وكذلك إضافتها إلى الله في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحجر:٢٩] ليس المراد أن الروح صفة من صفات الله، أو أنها من ذات الله، بل المراد من الأرواح التي خلقتها، وكذلك وصف الله عيسى بقوله: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء:١٧١] أي: روح من الأرواح التي خلقها، وليس المراد أنه من ذات الله، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً.
فبكل حال نعرف أن هذه الروح التي بين جنبي الإنسان مخلوقة كسائر المخلوقات، ولكن لا تدرك كيفيتها ولا ماهيتها.
стр. 761
قوله تعالى: (ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي)
قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الرُّوحِ قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [الإسراء:٨٥] قيل: إن هذه الآية نزلت لما أرسلت قريش إلى يهود المدينة من يسألهم عن أمر محمد ﷺ ، فجاء أولئك الرسل إلى اليهود، فقال اليهود: سلوه عن ثلاثة أشياء، سلوه عن فتية خرجوا من بلادهم فإن لهم أمراً عجيباً، يعنون أصحاب الكهف، وسلوه عن رجل طوّاف طاف بالمشرق والمغرب، يعنون ذا القرنين، وسلوه عن الروح، فأنزل الله هذه الآية جواباً لسؤالهم.
وقيل: إن اليهود الذين بالمدينة مر بهم النبي ﷺ وهو يتوكأ على عسيب، ومعه ابن مسعود، فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح، فقالوا: ما هي الروح يا محمد؟! فوقف قليلاً، يقول ابن مسعود: فاتكأ على عسيبه وعلمت أنه يوحى إليه، فقال بعد قليل: ( ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الرُّوحِ قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [الإسراء:٨٥] ) ، فأجابهم الله تعالى بأن الروح غير معلومة لكم، ولا يمكنكم إدراكها ولا معرفة ماهيتها، وذلك دليل على عظمة الله وعجيب قدرته، حيث نوع المخلوقات، فجعل منها ما يرى، ومنها ما لا يرى، وجعل منها أجراماً، وجعل منها أرواحاً، وجعل منها جماداً، وجعل منها متحركاً حياً متقلباً، فهذا بلا شك دليل على كمال قدرة الله ، وأنه على كل شيء قدير، ودليل على قصر علم الإنسان، فقد قصر باعه في العلوم، فلا يطلع على المغيبات، ولا يصل بفكره ولا بأمره ولا ببحثه إلى الأمور التي أخفاها الله عليه، وعلى هذا ليس له أن يتدخل في أمور الغيب، وليس له أن يتخرص فيها.
стр. 762
الجهل بكيفية الروح المخلوقة دليل على الجهل بكيفية صفات الخالق سبحانه
استدل العلماء بأمر الروح على أن الإنسان لا يستطيع أن يتدخل في أمر صفات الرب ؛ وذلك لأن الذين تدخلوا في صفات الله، وقالوا: كيف يتصف بأنه ينزل ويصعد؟ وكيف يتصف بأنه يجيء ويحكم وينزل لفصل القضاء؟ وكيف يتصف بأنه استوى على العرش واستقر عليه؟ وكيف يتصف بأنه حي وبأنه سميع بصير متكلم بكلام مسموع ونحو ذلك؟ كيف يتصف بذلك؟ هذا مما يخالف الخيال! هذا مما يخالف الفكر، هذا مما يخالف العقول، وأخذوا يخوضون في مثل هذا خوضاً زائداً، فيقول لهم شيخ الإسلام وغيره: أنتم قد عجزتم عن إدراك الروح التي بين جنوبكم، كل منكم مكون من جسد وروح، هذه الروح التي تدخل وتخرج، هذه الروح التي يحيا بها البدن ويموت بخروجها، هل أدركتم ماهيتها؟ هل قدرتم على معرفتها؟ هل علمتم من أي شيء هي؟ هل هي جسم أم هي عرض، أم هي جوهر، أم هي صافية، أم هي كدرة؟ ما هي ما هيتها؟ ومن أي شيء هي؟ وإذا خرجت أين تذهب؟ وأين تكون؟ كذلك أيضاً الأرواح الأخرى التي تتحققونها وتوقنون بها كيف لا ترونها؟ إذا عجزتم عن إدراك ماهيتها فأنتم عن إدراك كنه صفات الرب بطريق الأولى تعجزوا.
أنتم تتحققون أن هناك نوعاً من المكلفين وهم الجن الذي خلقهم الله من نار السموم كما أخبر الله، نتحقق أنهم موجودون معنا، وأنهم ينطقون ويتكلمون، وأنهم يقدرون على أن يتشكلوا بأشكال متعددة، يتشكلون بأشكال الحيوانات، وبأشكال الجمادات، ويتصورون بصورة إنسان، وبصورة سبع، وبصورة كلب، وبصورة حشرة، وبصورة هامة ونحو ذلك، كما هو مشاهد، وكذلك أيضاً يلابسون الإنس، يدخلون في جسد الإنسي، ويلابسونه، ولا يشعر أحد بهم، ولا يراهم ولا نراهم، من أي شيء مادتهم؟ من أي شيء أجسامهم؟ لا ندري.
إذاً: نقول: ﴿قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [الإسراء:٨٥] ، فنحن حجبنا وعجزنا عن إدراك ماهية هذه الأرواح التي هي أقرب شيء إلينا، والتي نشاهد أن الميت تخرج روحه ومع ذلك لا نراها، كما قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتْ الْحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ * فَلَوْلا إِنْ كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَا﴾ [الواقعة:٨٣-٨٧] هل تستطيعون أن ترجعوها إذا خرجت؟ فإذا عجز الإنسان عن إدراك هذه الروح التي هي أقرب شيء إليه فكيف يخوض في خالقه؟ وكيف يخوض في صفات الباري ؟ الأولى له أن يسلم بذلك، وأن يرد علمها إلى عالمها.
كذلك أيضاً: لا يخوض في أمر المخلوقات التي لم يرها، لا يقول مثلاً: ما هي كيفية خلق الملائكة؟ ومن أي شيء أجسامهم؟ وكيف تركيب أعضائهم؟ وكيف يسجدون وعلى أي أعضاء؟ وهل لهم يدان ورجلان كما لنا لأن الله قد ذكر أن لهم أجنحة؟ وهل لهم وجوه كوجوهنا؟ وكيف ينطقون ويتكلمون؟ الله أعلم، لا علم لنا إلا أنهم مخلوقون، وأنهم أرواح تستغني عن أجساد ظاهرة، بحيث ينزلون ولا نراهم كما أخبر الله بأنهم ينزلون في الأرض في ليلة القدر كما في قوله: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ [القدر:٤] إذا تنزلوا نحن لا نراهم، وكذلك أخبر النبي ﷺ باجتماعهم في صلاة العصر وصلاة الفجر بقوله: (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، فيجتمعون في صلاة العصر وصلاة الفجر) ، هل نحن نراهم؟ لا نراهم، هم عالم ونحن عالم، حتى الشياطين الذين سلطهم الله على نوع الإنسان، وقد أخبر الله أن الشيطان يصل من الإنسان إلى قلبه، يقول الله: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾ [الناس:٥] وأخبر النبي ﵊ بأنه يجري من ابن آدم مجرى الدم، يعني: ينفذ فيه ويسري في عروقه كما تسري روحه، يصل إلى جميع جسده ولا يرده شيء، إلا إذا استعاذ العبد بالله، ولجأ إليه؛ فإن الشيطان ينخنس، ولذلك سمي (بالوسواس الخناس) .
ونحن مع ذلك لا نراهم، إذاً: هم عالم ونحن عالم، فليس لنا أن ننكرهم، ولا أن نجحدهم؛ لأن الله قد أخبر بهم، وخبر الله حق، وأخبر بأنهم يروننا في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف:٢٧] يعني: إن الشياطين يرونكم هم وقبيلهم، يعني: وأمثالهم كالجن ونحوهم، يرونكم دون أن ترونهم، فما دام أننا متحققون بوجود أرواح لا نراها، وبأن هناك أرواحاً مخلوقة كالجن والشياطين والملائكة؛ فنعرف بذلك قصر علمنا عن إدراك كنهها، وعن معرفة تركيبها.
стр. 763
اختلاف العلماء في تعريف الروح
سمعنا في كلام شارح الطحاوية أن العلماء تكلموا في الروح، وأطالوا القول فيها، وعرفوها بتعريفات مضطربة مختلفة، وكان من جملة من عرفها تعريفاً مناسباً ابن القيم ﵀ في كتابه الذي سماه: كتاب الروح، وهو كتاب مطبوع مشهور تكلم فيه على الأرواح، وعذاب القبر ونعيمه، وتكلم فيه على حقيقة الروح، وما ورد من صفاتها، وبين الرد على الذين أنكروها ووصفوها بصفات غريبة، وعرفها بأنها جسم خفيف شفاف علوي نوراني حي متحرك، يسري في جسد الإنسان كما يسري الدهن في الورد، وكما تسري النار في الفحم، فما دام هذا الجسد قابلاً لتلك الإفاضات منه فإنه يبقى فيها، وإذا تغيرت ماهية هذا الجسم وبقي لا يصلح لفيضاناتها عليه؛ أذن الله بفراق الروح لهذا الجسم، فبقي جسم الإنسان جماداً لا حركة فيه، وذلك هو الموت، فإذا خرجت الروح بقي الجسد جثة هامدة.
ولا حاجة إلى كثرة الخوض وإطالة الكلام فيها، مع أن الله تعالى قد حجب أنظار العباد عنها، وفوض أمرها إلى الله.
كتاب الجلالين مؤلفه رجلان أحدهما جلال الدين المحلي، وهو الذي ألف آخره، من سورة الكهف إلى آخره، وجلال الدين السيوطي وهو الذي ألف أوله، من البقرة إلى سورة الإسراء، فـ المحلي لما أتى على قوله تعالى في سورة ص: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [ص:٧٢] عرف الروح بأنها جسم حي متحرك، وبأن لها حياة وتقلباً، ولكن السيوطي لما أتى على قوله في سورة الحجر: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر:٢٨-٢٩] لم يذكر هذه الجملة التي هي تفسير الروح؛ لأنه أتى على هذه الآية وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء:٨٥] فتوقف عن تفسيرها.
فالأولى التوقف، والذين خاضوا فيها من العلماء وأطالوا القول فيها عذرهم أنهم يريدون بذلك إقناع أولئك الكافرين أو الكاذبين الذين صاروا يعرفونها بتعريفات بعيدة عن الواقع، فما حمل ابن القيم ﵀ على الإطالة في تعريفاتها وفي صفاتها إلا أنه يناقش أقواماً ينكرون وجودها، أو ينكرون انفصالها، أو ينكرون تميزها، لهم أقوال عجيبة كما حكاها عنهم في ذلك الكتاب كالفلاسفة ونحوهم الذين يسمونها مثلاً: النفس الناطقة مثلاً، أو يزعمون أنها هذا الكون كله، أو هذا الهواء، أو النَفَس، أو ما أشبه ذلك مما لا أصل له، والأولى أننا نكل علمها وعلم الغيب كله إلى الله تعالى.
стр. 764
الفرق بين النفس والروح
قال الشارح رحمنا الله تعالى وإياه: [وأما اختلاف الناس في مسمى النفس والروح هل هما متغايران أو مسماهما واحد، فالتحقيق أن النفس تطلق على أمور، وكذلك الروح، فيتحد مدلولهما تارة ويختلف تارة، فالنفس تطلق على الروح، ولكن غالب ما تسمى نفساً إذا كانت متصلة بالبدن، وأما إذا أخذت مجردة فتسمية الروح أغلب عليها، وتطلق على الدم ففي الحديث: (ما لا نفس له سائلة لا ينجس الماء إذا مات فيه) ، والنفس العين يقال: أصابت فلاناً نفس أي: عين، والنفس الذات كقوله تعالى: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ [النور:٦١] ، وقوله: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النساء:٢٩] ونحو ذلك.
وأما الروح فلا تطلق على البدن لا بانفراده، ولا مع النفس، وتطلق الروح على القرآن وعلى جبرائيل، ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى:٥٢] ، وقوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ﴾ [الشعراء:١٩٣] ، وتطلق الروح على الهواء المتردد في بدن الإنسان أيضاً.
وأما ما يؤيد الله به أولياءه فهي روح أخرى، كما قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمْ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة:٢٢] ، وكذلك القوى التي في البدن فإنها تسمى أرواحاً، فيقال: الروح الباصرة، والروح السامعة، والروح الشامة، ويطلق الروح على أخص من هذا كله وهو قوة المعرفة بالله والإنابة إليه ومحبته، وانبعاث الهمة إلى طلبه وإرادته، ونسبة هذا الروح إلى الروح كنسبة الروح إلى البدن، فللعلم روح، وللإحسان روح، وللمحبة روح، وللتوكل روح، وللصدق روح.
والناس متفاوتون في هذه الأرواح، فمن الناس من تغلب عليه هذه الأرواح فيصير روحانياً، ومنهم من يفقدها أو أكثرها فيصير أرضياً بهيمياً، فقد وقع في كلام كثير من الناس أن لابن آدم ثلاثة أنفس: مطمئنة ولوامة وأمارة، قالوا: وإن منهم من تغلب عليه هذه، ومنهم من تغلب عليه هذه كما قال تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ [الفجر:٢٧] ، وكقوله تعالى: ﴿وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة:٢] ، وكقوله تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف:٥٣]] .
تكلم الشارح على تعريف النفس والروح بهذا الكلام الذي سمعنا؛ وذلك لأن هناك خلافاً هل الروح النفس أو الروح غير النفس؟ وذلك لأن كلمة النفس قد تطلق على بعض الأشياء، كما في هذه التعريفات التي سمعنا، فتطلق على الدم، فالدم يسمى نفساً كما في الحديث: (ما لا نفس له سائلة لا ينجس الماء إذا مات فيه) يعني: كالذباب والبعوض والجراد والفراش، فكل ما لا نفس له سائلة إذا مات في الماء فإنه لا ينجسه؛ لأنه ليس له نفس، يعني: ليس له دم إذا ذبح.
كذلك تطلق النفس على ذات الإنسان كما في قوله تعالى: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ [النور:٦١] يعني: على ذواتكم، وقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النساء:٢٩] يعني: لا تقتلوا ذواتكم، فذات الإنسان هي نفسه، وقد يكثر استعمال النفس في مثل هذه المعاني وغيرها.
إذاً: النفس في الأصل هي ماهية الشيء وذاته، وأما الإنسان الذي كلفه الله تعالى فقد ناداه بنداء الإنسان: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ﴾ [الانشقاق:٦] والإنسان هو هذا الجنس من بني آدم، ومعلوم أنه مركب من جسد وروح، وهذا النَفَس الذي يدخل ويخرج، ويجتذب هذا الهواء يسمى نفساً، وهو ملازم للإنسان، ونفسه يعني: ذاته توصف بصفات كما سمعنا، توصف بأنها نفس لوامة، وأنها نفس أمارة بالسوء، وأنها نفس مطمئنة، ومن العلماء من يقول: إن للإنسان ثلاثة أنفس: نفس لوامة، ونفس أمارة، ونفس مطمئنة، والصحيح أنها نفس واحدة، تارة يغلب عليها الاطمئنان فتوصف بأنها نفس مطمئنة، فيقال: إن هذا الإنسان نفسه مطمئنة، وتارة يغلب عليها وصف اللوم، يفعل الشيء ويلوم نفسه عليه، فيقال: هذا الإنسان نفسه لوامة، وتارة يغلب عليه السوء والأمر بالسوء، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف:٥٣] فهي نفس واحدة تتصف بهذه الصفة تارة، وبهذه تارة، وهذه تارة، ولا تكون ثلاثة أنفس، وهذا هو الصحيح من أقوال العلماء.
فما دامت الروح في الجسد فإنها تسمى نفساً وتسمى روحاً، فإذا خرجت الروح من الجسد فإنها لا تسمى نفساً غالباً، وإن كانت قد تسمى بذلك في مثل قول الله تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [الأنعام:٩٣] ، يعني: أخرجوا أرواحكم، فإذا خرجت فإنها تقبضها الملائكة وتكفنها، وكذلك قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر:٤٢] فسماها هاهنا نفساً، فما دامت في الجسد فإنها تسمى نفساً، الله يتوفاها يعني: يقبضها، وبعد قبضها يغلب عليها اسم الروح، وكذلك في النوم نفس النائم تخرج، ولكنها لا تخرج خروجاً كلياً، بل يبقى أثرها على البدن؛ ولهذا ذكروا أنه إذا نام الإنسان فإن روحه تخرج، وتصعد إلى السماء، وترى كذا وكذا من الرؤى ونحو ذلك، وفي حديث الدعاء عند النوم، قال ﷺ : (باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين) ، فأفاد بأن النفس قد تمسك، يعني: إذا قبضت في النوم فقد لا ترجع إلى صاحبها إذا أراد الله، وقد ترجع، فهو يقول: إن أمسكت نفسي ولم تردها علي فارحمها، وإن أرسلتها ورددتها علي فاحفظها، يعني: تطبيقاً للآية ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ﴾ [الزمر:٤٢] ، يمسكها ولا يردها، ويمسك الأخرى التي لم يقض عليها الموت إلى أجل مسمى، إلى الأجل الذي حدد الله خروج هذه الروح من هذه الجسد.
أما كلمة الروح فسمعنا أنها في الأصل مادة الحياة، كل شيء تحصل به الحياة فإنه يسمى روحاً، فالله تعالى سمى القرآن روحاً ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى:٥٢] ، لماذا سمي القرآن روحاً؟ لأن به الحياة المعنوية، حياة القلوب، الحياة المعنوية هي حياة صحيحة والناس لا يشعرون بها، أو لا يهتمون بها؛ وذلك لأن القرآن إذا تأثرت به القلوب فإنه روح لها وحياة لها أعظم حياة، وأعظم منفعة لها؛ فلذلك سماه الله روحاً، فكما أن الأبدان تحيا بالأرواح فكذلك القلوب تحتاج إلى أرواح معنوية، وهو هذا القرآن وما فسر به وما يتبعه من السنة، وكذلك سمى الله جبريل ﵇ روحاً في قوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنْ الْمُنذِرِينَ﴾ [الشعراء:١٩٣-١٩٤] الروح الأمين هو جبريل ﵇، وهو الذي نزل به؛ وذلك لأن الملائكة كلهم أرواح، فجبريل من جملتهم، ولا ينافي ذلك أنهم يصعدون وينزلون، وأن لهم أجنحة وأن لهم أجساداً معنوية لا نراها، فهم أرواح وجبريل من جملتهم، ولكن لجبريل خصوصية بهذه التسمية، حتى قال بعضهم في قول الله تعالى في آخر سورة (عم) : ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفّاً﴾ [النبأ:٣٨] إن الروح هو جبريل، وقيل: إن المراد بالروح هنا الأرواح، يعني: يوم تقوم الأرواح، سواء كانت أرواح الملائكة أو أرواح بني آدم أو أرواح الجن أو أرواح الشياطين، تقوم الأرواح، وتقوم الملائكة صفوفاً، وبهذا أيضاً فسرت الروح التي في سورة القدر: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ﴾ [القدر:٤] قيل: إن الروح التي تتنزل فيها هي أرواح بني آدم أو أرواح الملائكة تتنزل في تلك الليلة.
لكل شيء روح تحيا به تلك الماهية، فالقرآن يسمى روحاً، والإسلام له روح، والإيمان له روح، وكذلك التوكل له روح، والعبادة لها روح، والاستعانة لها روح، وكذلك المحبة والخوف والرجاء وسائر أنواع العبادات لها روح، يعني: لها حقيقة معنوية تتأكد فيها أو تؤكد وتصير بها مؤكدة نافعة، فإذا عرف بأن الروح هو الذي تحصل به الحياة، فكلمة الروح سميت بذلك لأن فيها حياة البدن، ولأنها حية، وقد رجح العلماء المحققون أن الأرواح بعد خروجها من الأجساد باقية كما يقول بعضهم: وأن أرواح الورى لم تعدم مع كونها مخلوقة فاستفهم فهذه حقيقتها، فأرواح بني آدم ما عدمت بعد خروجها من أجسادهم، مع اعتقادنا أنها مخلوقة مكونة بعد أن كانت معدومة، أوجدها الله وكونها، وقد تقدم الخلاف في وقت خلقها، متى خلقت؟ وأن الراجح أنها تخلق مع خلق الإنسان، وتبقى بعد موته.
وعلى كل حال فأمر هذه الأرواح وحقائقها يختلف باختلاف الإنسان، وقوة معنويته وضعف معنويته.
стр. 765
هل تموت الروح أم لا ؟
قال الشارح ﵀: [والتحقيق أنها نفس واحدة لها صفات، فهي أمارة بالسوء، فإذا عارضها الإيمان صارت لوامة تفعل الذنب ثم تلوم صاحبها وتلوم بين الفعل والترك، فإذا قوي الإيمان صارت مطمئنة؛ ولهذا قال النبي ﷺ : (من سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن) ، مع قوله: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) الحديث.
واختلف الناس هل تموت الروح أم لا؟ فقالت طائفة: تموت؛ لأنها نفس، وكل نفس ذائقة الموت، وقد قال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦-٢٧] ، وقال تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨] ، قالوا: وإذا كانت الملائكة تموت فالنفوس البشرية أولى بالموت.
وقال آخرون: لا تموت الأرواح فإنها خلقت للبقاء، وإنما تموت الأبدان، قالوا: وقد دل على ذلك الأحاديث الدالة على نعيم الأرواح وعذابها بعد المفارقة إلى أن يرجعها الله في أجسادها.
والصواب أن يقال: موت النفوس هو مفارقتها لأجسادها وخروجها منها، فإن أريد بموتها هذا القدر فهي ذائقة الموت، وإن أريد أنها تعدم وتفنى بالكلية فهي لا تموت بهذا الاعتبار، بل هي باقية بعد خلقها في نعيم أو في عذاب كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
وقد أخبر سبحانه أن أهل الجنة لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى، وتلك الموتة هي مفارقة الروح للجسد، وأما قول أهل النار ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر:١١] ، وقوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [البقرة:٢٨] فالمراد أنهم كانوا أمواتاً وهم نطف في أصلاب آبائهم، وفي أرحام أمهاتهم، ثم أحياهم بعد ذلك، ثم أماتهم ثم يحييهم يوم النشور، وليس في ذلك إماتة أرواحهم قبل يوم القيامة، وإلا كانت ثلاث موتات.
وصعق الأرواح عند النفخ في الصور لا يلزم منه موتها، فإن الناس يصعقون يوم القيامة إذا جاء الله لفصل القضاء، وأشرقت الأرض بنوره، وليس ذلك بموت، وسيأتي ذكر ذلك إن شاء الله تعالى، وكذلك صعق موسى ﵇ لم يكن موتاً، والذي يدل عليه أن نفخة الصعق -والله أعلم- موت كل من لم يذق الموت قبلها من الخلائق، وأما من ذاق الموت أو لم يكتب عليه الموت من الحور والولدان وغيرهم فلا تدل الآية على أنه يموت موتة ثانية، والله أعلم.
] الكلام الأول يتعلق بالأنفس وتعددها، وذكرنا أن الراجح أن النفس واحدة تغلب عليها صفات الإيمان فتسمى نفساً مطمئنة، وتغلب عليها المعاصي فتسمى نفساً لوامة، وتغلب عليها صفة الكفر والبدع فتسمى نفساً أمارة بالسوء، وهي نفس واحدة، هذا هو الصواب.
أما الكلام الثاني فيتعلق بموت الأرواح، هل الأرواح تموت؟ قال بعضهم: إنها تموت، وهي إذا خرجت من الأجساد فإنها تحس إذا صعدت إلى السماء، ويخرج منها ريح طيبة أو ريح خبيثة، وتتألم أو تتنعم، فهي لا تزال حية في هذا العالم في البرزخ بعد فراق هذا الجسد، وأما الجسد فإنه يفنى ويصير تراباً، كما قال تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ [طه:٥٥] .
وبعضهم يقول: إن الأرواح بعد خروجها تبقى مدة ثم تموت، فإنه لابد أن يأتي عليها الموت الذي كتبه الله على كل شيء؛ لأنها أنفس، وكل نفس ذائقة الموت، ولابد من فنائها لقوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن:٢٦] هذا دليل من قال: إنها تفنى وتموت، وقاسوها على الملائكة، لأن الملائكة لابد أن يموتوا، وكذلك الجن معروف أيضاً أنهم يموتون، مع كونهم أرواحاً، فلابد أن يكون موتهم شيئاً يحسون به، ويحصل بذلك عدم الحياة لهم، فإذا كان الجن يموتون، والملائكة يموتون، فالأرواح التي هي أرواح الإنسان كيف لا تموت؟ هذا قول بعض العلماء.
والقول الثاني: أنها بعد خروجها لا تموت، بل تبقى إما منعمة وإما معذبة، وهو ما تدل عليه أحاديث عذاب القبر، وموتها هو مفارقتها لهذا الجسد، فإنها كانت عامرة لهذا الجسد، وكانت منعمة فيه، فنزعت منه، وخرجت منه، كما في أحاديث عذاب القبر أن الملك يجلس عند رأسه فيقول: (اخرجي أيتها الروح الطيبة كانت في الجسد الطيب -أي: الذي كنت تعمرينه- اخرجي إلى روح وريحان، ورب غير غضبان) ، ويقول عند روح الكافر: (اخرجي أيتها الروح الخبيثة كانت في الجسد الخبيث -أي: الذي كنت تعمرينه- اخرجي إلى غضب من الله وسخط) ، فهذا دليل على أن خروجها هو الذي يسمى الموت، خروجها ومفارقتها لهذا الجسد هو موتها حقاً، وهو الموت الذي كتب الله عليها، فإذا خرجت فإنها ماتت، وإن كانت بعد ذلك تبقى حية، وتبقى متحركة ومتنعمة أو متلذذة أو متألمة.
стр. 766
معنى قوله تعالى: (كل من عليها فان)
قول الله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨] ، و ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن:٢٦] ، و ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران:١٨٥] المراد بها أنها يأتي عليها الموت الذي هذا صفته، فقد أتى على الروح الموت، وهو مفارقتها للجسد.
عند بعض الفلاسفة أن الروح قديمة ليست مخلوقة، وعبر عن ذلك شاعرهم ابن سيناء في قصيدته التي يقول في أولها: هبطت إليك من المحل الأرفع ورقاء ذات تقلب وتفجع وصلت على كره فلما وصلت ألفت مرافقة الخراب البلقع وصفها بأنها هبطت من المحل الأرفع من السماء، وشبهها بالورقاء، والورقاء نوع من الطيور تسمى الورق، فذكر أنها وصلت إلى هذا الجسد مكرهة، ولكن بعدما وصلت تمكنت وألفت مرافقته، مع كونه خراباً بدونها، لكن لا يسلم لهم أنها قديمة، بل هي مخلوقة مكونة بعد أن كانت معدومة، فإن الله تعالى هو خالق كل شيء، فأما فناؤها فيحصل بمفارقتها لهذا الجسد، والله تعالى أخبر بأن كل شيء هالك إلا وجهه، فهلاكها معناه خروجها من أجسادها، فهذا موت، وبعضهم يقول: إن قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن:٢٦] المراد كل ما خلق للفناء، وأما ما خلق للبقاء فإنه لا يفنى، ويقول: ما خلق الله الجنة وما فيها من الحور ونحوها إلا للبقاء فلا تفنى، ولا يأتي عليها الموت؛ لأنها خلقت للبقاء، ومنهم من يقول: الحور التي في الجنة تفنى، ثم بعد ذلك تحيا.
وأما الصعق الذي ذكره الله في قوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر:٦٨] وكذلك الفزع المذكور في قوله: ﴿وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النمل:٨٧] فزع أولاً، ثم صعق ثانياً، فهذا الصعق إن كان على الأحياء فإنه موت، يعني: أن الناس يموتون في ذلك اليوم، إذا نفخ في الصور ماتوا كلهم، وعبر بالصعق عن الموت، والمراد الناس الذين تدركهم الساعة وهم أحياء، ينفخ في الصور فيموتون موتة واحدة، ثم بعد ذلك ينفخ فيه أخرى، وأخبر النبي ﷺ أن بين النفختين أربعون، قيل: إنه أراد أربعون سنة.
وهذا الصعق موت في حق الأحياء، وأما الأرواح فإنه ليس موت في حقها، وإذا صعقت لا يلزم أن تموت، وقيل: إن الأرواح هي من المستثنى في قوله: ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر:٦٨] ، فالذين يشاء الله عدم صعقهم مثل الأرواح ومثل حور الجنة، وكل ما خلق للبقاء.
وبكل حال نؤمن بأن هذا الكون الذي نحن فيه هو الذي يفنى، وأن هناك مخلوقات خلقت للبقاء كالأرواح، فالله هو الذي خلقها وقدر لها مقاديرها، فإذا حصل النفخ في الصور فإنها لا يأتي عليها هذا الفناء والفزع، والصعق يأتي على غيرها، وقد أخبر النبي ﷺ عن صعق يوم القيامة بعد البعث، وأن الناس يصعقون يوم القيامة، وكأنه صعق لفزع يأتيهم، يقول: (فأكون أول من يفيق، فإذا موسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري هل أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور؟) ، صعقة الطور هي المذكورة في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً﴾ [الأعراف:١٤٣] فدل على أن هناك صعقة يوم القيامة، وهذا الصعق ليس بموت وإنما هو غشية تحصل من هذا الفزع، ثم يحصل بعدها إفاقة، ويكون النبي ﷺ أول من يفيق، فيجد موسى قد أفاق قبله أو لم يصعق جزاء له على صعقته يوم الطور.
стр. 767
معنى قوله تعالى: (قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين)
تكلم الشارح على قوله تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر:١١] والصحيح أن هاتين الموتتين والحياتين في الدنيا وفي الآخرة، الموتة الأولى هي الموت في الأرحام وفي الأصلاب، فإنه في حالة كونه في الرحم شبه ميت، ليس به حركة الحي حتى ينفخ فيه الروح بعد الشهر الرابع.
الموتة الثانية خروجه من هذه الدنيا، فهاتان موتتان.
والحياة الأولى خروجه إلى هذه الدنيا من الرحم فإنها حياة مشاهدة، والحياة الثانية حياته بعد النفخ في الصور يوم القيامة الحياة الباقية.
فهاتان الموتتان موتة في الرحم وموتة في الدنيا، والحياتان حياة في الدنيا وحياة في الآخرة، وهي المفصلة في قوله تعالى: ﴿وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً﴾ [البقرة:٢٨] يعني: في الأرحام، ﴿فَأَحْيَاكُمْ﴾ [البقرة:٢٨] يعني: في الدنيا، ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ [البقرة:٢٨] يعني: في البرزخ ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [البقرة:٢٨] أي: للآخرة.
وقد نصب الله الأدلة على الأمور الغيبية والأمور الأخروية، وأمر العباد بأن يتفكروا وينظروا فيما بين أيديهم وفيما خلفهم، ولا شك أن من نظر في ذلك اعتبر وتذكر واتعظ، إذا نظر -مثلاً- إلى خلق الإنسان، ومبدأ أمره، عرف أن الذي خلقه قادر على أن يعيده، وليس بدأ الخلق أهون من إعادته، نظر إلى الأفلاك العلوية والسفلية فأخذ منها آية دل الله عليها بقوله: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر:٥٧] ، خلق السماوات مع علوها ومع عظمها وخلق الأرض مع اتساعها أكبر من خلق الناس.
والآيات التي أمر الله عباده أن يتعظوا بها وينظروا فيها كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ [الروم:٢٠] ، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً﴾ [الروم:٢١] ، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الروم:٢٢] ، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [الروم:٢٣] ، ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً﴾ [الرعد:١٢] ، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ [الروم:٢٥] ، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الروم:٤٦] ولا شك أن هذه الآيات عبرة لمن اعتبر، وعظة لمن اتعظ؛ فلأجل ذلك أصبح اليوم الآخر يقيناً عند أهل الإيمان؛ لأنها قامت عليه البراهين بعدما كان المشركون ينكرونه ويقولون: ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * أَوَآبَاؤُنَا الأَوَّلُونَ﴾ [الصافات:١٦-١٧] يستنكرون ذلك، فأقام الله عليهم الحجة، وبين لهم الأدلة.
ومعلوم أن الإنسان يتكون من جسد وروح، فبعد الموت تخرج هذه الروح من جسده، ويبقى الجسد ليس به حركة، فيفنى الجسد ويكون تراباً، ولكن قدرة الله أعلى من كل شيء، فهو قادر سبحانه على أن يوصل إليه الألم أو النعيم ولو كان تراباً أو رماداً، الله قادر على كل شيء، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.
أما روحه التي كانت تعمر جسده فقد مر بنا أن الروح لا تعدم، وأنها باقية، وأنها في هذا البرزخ بين الدنيا والآخرة إما في نعيم وإما في عذاب، وإن كنا بعقولنا لا ندرك ماهيتها، ولا ندري أين مستقرها، بل نتحقق بأن الروح إذا خرجت من البدن لا تنعدم كما ينعدم البدن، بل تبقى، والدليل على بقائها الأحاديث التي فيها أنها تقبض، وأنه يعرج بها، وأنها ترى من يقبضها، ونحو ذلك، فهي إذاً: باقية في هذه المدة بين الدنيا والآخرة، ويوم القيامة يأمر الله الأرض فتجمع ما فيها من رفات الأموات، وتتجمع عظامهم حتى تتكامل، ويكسوها الله لحماً، ثم بعد أن يعيدها يرسل إليها أرواحها، وقد وقع مثل ذلك في الدنيا، فحكى الله قصة الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها، فاستبعد إعادتها وقال: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة:٢٥٩] كأنه استبعد أن تحيا وقد فنيت، فأراه الله الآية في نفسه، فأماته الله مائة عام ثم بعثه، وكان معه حمار، وكان معه سلة طعام وفاكهة، فلما بعثه ونفخ فيه الروح بعد مائة سنة، أراه الله كيف يحيي الموتى، فقيل له: كم لبثت؟ قال: لبثت يوماً أو بعض يوم، فقال الله: ﴿بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ [البقرة:٢٥٩] أي: لم يتغير، ﴿وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ﴾ [البقرة:٢٥٩] ، وكان حماره قد فني وأصبح تراباً، ﴿وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ﴾ [البقرة:٢٥٩] يقولون: إنه أخذ ينظر إلى عظام الحمار كيف تجتمع ثم يلتئم بعضها ببعض، أولاً التأمت العظام، ثم اكتست لحماً، ثم نبت عليها جلدها، ثم نفخ فيه الروح، فقام الحمار ونهق كما ينهق إذا كان حياً! فأراه الله الآية في نفسه، وفيما كان معه، وذلك بلا شك آية وعبرة تدل أن الله قادر على أن يحيي الموتى ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة:٤٠] ، فإذا أيقن الإنسان بذلك فإن يقينه يحمله على أن يستعد لما بعد الموت.
стр. 768
شرح العقيدة الطحاوية [٦٠]
من عقيدة أهل السنة الإيمان بعذاب القبر، وقد دلت عليه كثير من الأدلة من القرآن والسنة، وقد رد أهل العلم على شبه من ينكره من أهل الأهواء والبدع.
стр. 769
الإيمان بعذاب القبر وفتنته
قال الشارح رحمه الله تعالى: [قوله: (وبعذاب القبر لمن كان له أهلاً، سؤال منكر ونكير في قبره عن ربه ودينه ونبيه، على ما جاءت به الأخبار عن رسول الله ﷺ ، وعن الصحابة رضوان الله عليهم.
والقبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران) .
قال تعالى: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ * النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٥-٤٦] ، وقال تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمْ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ * يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً وَلا هُمْ يُنصَرُونَ * وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الطور:٤٥-٤٧] ، وهذا يحتمل أن يراد به عذابهم بالقتل وغيره في الدنيا، وأن يراد به عذابهم في البرزخ وهو أظهر؛ لأن كثيراً منهم مات ولم يعذب في الدنيا، أو المراد أعم من ذلك.
وعن البراء بن عازب ﵁ قال: كنا في جنازة في بقيع الغرقد، فأتانا النبي ﷺ فقعد وقعدنا حوله كأن على رءوسنا الطير، ولما يلحد له، فقال: (أعوذ بالله من عذاب القبر ثلاث مرات، ثم قال: إن العبد المؤمن إذا كان في إقبال من الآخرة وانقطاع من الدنيا نزلت إليه الملائكة كأن على وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، فجلسوا منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: يا أيتها النفس الطيبة! اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، قال: فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء، فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وذلك الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض.
قال: فيصعدون بها فلا يمرون بها -يعني: على ملأ من الملائكة- إلا قالوا: ما هذه الروح الطيبة؟ فيقولون: فلان بن فلان بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا بها الى السماء، فيستفتحون له فيفتح له، فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها، حتى ينتهي بها إلى السماء السابعة، فيقول الله : اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وأعيدوه إلى الأرض، فإني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى.
قال: فتعاد روحه في جسده، فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله، فيقولان له: ما علمك؟ فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت، فينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي؛ فافرشوه من الجنة، وافتحوا له باباً إلى الجنة.
قال: فيأتيه من روحها وطيبها، ويفسح له في قبره مد بصره، قال: ويأتيه رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح فيقول: أبشر بالذي يسرك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول له: من أنت فوجهك الوجه الذي يجيء بالخير؟ فيقول: أنا عملك الصالح، فيقول: يا رب! أقم الساعة؛ حتى أرجع إلى أهلي ومالي.
قال: وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه، معهم المسوح، فيجلسون منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الخبيثة! اخرجي إلى سخط من الله وغضب، قال: فتتفرق في جسده فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول، فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح، ويخرج منها كأنتن ريح خبيثة وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها، فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الخبيث؟ فيقولون: فلان بن فلان بأقبح أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهي بها إلى السماء الدنيا، فيستفتح له فلا يفتح له، ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف:٤٠] فيقول الله : اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى، فتطرح روحه طرحاً، ثم قرأ: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنْ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج:٣١] .
قال: فتعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه! لا أدري، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه! لا أدري، فينادي مناد من السماء: أن كذب عبدي، فافرشوه من النار، وافتحوا له باباً إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه، ويأتيه رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن الريح، فيقول: أبشر بالذي يسوءك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول: من أنت فوجهك الوجه الذي يجيء بالشر؟ فيقول: أنا عملك الخبيث، فيقول: رب! لا تقم الساعة) رواه الإمام أحمد وأبو داود، وروى النسائي وابن ماجة أوله، ورواه الحاكم وأبو عوانة الإسفرائيني في صحيحيهما وابن حبان، وذهب إلى موجب هذا الحديث جميع أهل السنة والحديث، وله شواهد من الصحيح، فذكر البخاري ﵀ عن سعيد عن قتادة عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: (إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه إنه ليسمع قرع نعالهم، فيأتيه ملكان فيقعدانه فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل محمد ﷺ ؟ فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقول له: انظر إلى مقعدك من النار أبدلك الله به مقعداً من الجنة، فيراهما جميعاً) ، قال قتادة: وروي لنا أنه يفسح له في قبره وذكر الحديث.
وفي الصحيحين عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ مر بقبرين فقال: (إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستبرىء من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة، فدعا بجريدة رطبة فشقها نصفين، وقال: لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا) .
وفي صحيح أبي حاتم عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : (إذا قبر أحدكم أو الإنسان أتاه ملكان أسودان أزرقان يقال لأحدهما: المنكر وللآخر النكير) ، وذكر الحديث إلخ] .
стр. 770
الأدلة على عذاب القبر
الإيمان بالبرزخ وما يكون فيه ثبت تفصيلاً بالسنة، وثبتت أدلته من القرآن، وقد روي أن امرأة من اليهود دخلت على عائشة، فكان من جملة ما قالت لها: أعاذك الله من عذاب القبر، فأنكرت عائشة أن يكون في القبر عذاب، فلما جاء النبي ﷺ سألته، فقال: (نعم، إن القبر فيه عذاب وفيه نعيم) أو كما قال.
وقد استدل الشارح على عذاب البرزخ بآيات، وابتدأ بقوله تعالى في قصة آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦] ، في بعض الحكايات أن أناساً رأوا في المنام أو في اليقظة أن طيوراً تذهب أول النهار وهي بيض إلى وراء البحر، وترجع في آخر النهار وهي سود، فقيل له: إن هذه أرواح آل فرعون في أول النهار تعرض على النار فتحترق، ثم ترجع فتعود كما كانت، ثم ترجع في آخر النهار فتحترق، يعرضون على النار فيحترقون فتسود ألوانهم، هذا عذاب البرزخ، يعرضون على النار غدواً أول النهار، وعشياً آخر النهار.
فإذا كان هذا في حق آل فرعون فكذلك كل كافر، وكل خارج من الإسلام، وكل مبتدع؛ يثبت له هذا العذاب الذي ثبت لآل فرعون.
الآية الثانية في آخر سورة الطور، وهي قوله تعالى بعدما ذكر يومهم الذي فيه يصعقون، وهو يوم القيامة، قال: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ﴾ [الطور:٤٧] (عذاباً دون ذلك) يعني: قبل ذلك، فسر هذا العذاب بأنه عذاب القبر، وقيل: إنه عذاب في الدنيا، ورجح الشارح أنه عذاب القبر؛ وذلك لأن كثيراً منهم مات ولم يعذب في الدنيا، فدل على أنه لابد أن يأتيه عذاب قبل عذاب يوم القيامة، ولا يكون إلا عذابه في البرزخ.
وقد استدل أيضاً بقوله تعالى في سورة السجدة: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ * وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ الْعَذَابِ الأَدْنَى﴾ [السجدة:٢٠-٢١] ففسر العذاب الأدنى بأنه عذاب البرزخ، فإن عذاب القبر قبل العذاب الأخروي.
واستدل أيضاً عليه بقوله تعالى في سورة التوبة لما ذكر المنافقين: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ [التوبة:١٠١] المرتان قيل: مرة في الدنيا ومرة في البرزخ، أو مرتين في البرزخ، يعني: عذاب على الأرواح وعذاب على الأبدان، فهذه أدلة تدل على إثبات عذاب القبر من القرآن.
وقد تكلم العلماء على القبور وما يكون فيها، فكتب المتقدمون كتباً كثيرة كـ ابن أبي الدنيا له كتاب مطبوع فيمن شوهد يعذب في قبره، وكذلك ابن القيم في كتابه المسمى بكتاب الروح، تكلم فيه على عذاب القبر، وذكر الأدلة عليه، وذكر أنواعه، كذلك تلميذه ابن رجب في كتابه الذي يسمى: (أهوال القبور وأحوال الموتى إلى النشور) تكلم فيه على عذاب القبر وأنواعه، وتوسع في ذلك، وذكروا أمثلة وأدلة على ذلك.
стр. 771
شرح حديث البراء الطويل في عذاب القبر
وردت أحاديث كثيرة تدل على إثبات عذاب القبر، وذكر الشارح بعضها كما سمعنا، وذكر ابن كثير في التفسير عند قوله تعالى في سورة إبراهيم: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧] أنها نزلت في عذاب القبر، وقد أورد عندها أحاديث كثيرة طويلة وقصيرة فيها ذكر ما يعرض على الميت في قبره وما يناله من العذاب، ومنها هذا الحديث الطويل الذي سمعناه، فنتأمل في هذا الحديث، ونأخذ منه عبرة.
يشترك المؤمن والكافر في أن ملك الموت يجلس عند رأس كل واحد منهما، إلا أنه يقول للمؤمن: اخرجي أيتها الروح الطيبة، كانت في الجسد الطيب، اخرجي إلى روح وريحان، ورب غير غضبان، ويقول للكافر: اخرجي أيتها الروح الخبيثة كانت في الجسد الخبيث، اخرجي إلى سخط من الله وغضب.
أما روح المؤمن فإنه يسلها كما تسل الشعرة من العجين، أو تسيل روحه كما تسيل القطرة من فم السقاء، وأما روح الكافر فتتفرق في جسده فينتزعها بقوة كما ينتزع السفود من الصوف المبلول، والسفود هو الذي له أطراف من حديد محددة، إذا أدخل في الصوف المبلول لا يخرج إلا بعد ما يتقطع الصوف، وبعدما يتقطع ما علق به، وأنت إذا أردت أن تخرج شوكة من وسط صوف أو قطن ما تخرج إلا بعد أن يتقطع الذي حولها، فروح الكافر تتفرق في جسده، وينتزعها الملك بقوة فتتقطع العروق، وتتقطع الشرايين، فلا تخرج إلا بقوة، وهذا دليل على أن هذا أول عذاب.
وبعدما تخرج الروح تأخذها الملائكة، فملائكة المؤمن كأن وجوههم الشمس، وملائكة الكافر سود الوجوه، ومع ملائكة المؤمن أكفان من الجنة، وحنوط من الجنة، والحنوط هي الأطياب التي يطيب بها الميت، فالميت يطيب بدنه بأنواع من الطيب، وروحه كذلك تطيبها الملائكة بحنوط من الجنة، وياسمين من الجنة، وأكفان من الجنة، وأما الكافر فإن روحه تجعل في تلك المسوح، وهو الخشن من ثياب الصوف الذي في غاية الخشونة، هذا الفرق بينهما.
بعدما يُصعد بها يخرج من المؤمن كأطيب ريح مسك وجدت على وجه الأرض، ويخرج من الكافر كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض، مع أنها روح، ولكن هذه لها رائحة طيبة، وهذه لها رائحة خبيثة.
وكذلك المؤمن يسمونه بأحسن أسمائه في الدنيا، والكافر بأقبح أسمائه في الدنيا، والمؤمن يستفتح له فتفتح له أبواب السماء، ويشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء الثانية، وهكذا حتى تصل روحه إلى السماء السابعة، فعند ذلك يقول الله: اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وأعيدوه إلى الأرض، فإني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى، فتصعد روحه وتصل إلى السماء السابعة، ويكتب كتابه في عليين كما في قوله تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين:١٨] مشتق من العلو.
وأما الكافر فيقول: اكتبوا كتابه في سجين، قال تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ [المطففين:٧] سجين قيل: إنه مشتق من السجن، يعني: كأن أرواحهم مسجونة في أسفل الأرض السابعة، فيكون هذا مستقر أرواحهم، ومحل كتابهم، وروح الكافر لا تفتح لها السماء، ﴿لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف:٤٠] الجمل هو زوج الناقة، وسم الخياط هو ثقب الإبرة، فالإبرة التي يخاط بها لها ثقب يدخل فيه السلك الذي يخاط به، فكيف يتصور أن الجمل يدخل من ثقب الإبرة التي يخاط بها؟ والمعنى: أنهم لا يدخلون الجنة حتماً؛ لأنه لا يتصور دخول الجمل في سم الخياط.
كذلك روح الكافر تطرح من السماء طرحاً إلى الأرض، واستدل عليه بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنْ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج:٣١] في مكان بعيد، فتطرح روحه طرحاً.
وكل منهما تعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان يقال لهما: منكر ونكير كما سمعنا، ويسألانه عن ثلاث مسائل: عن ربه ونبيه ودينه، فيثبت الله المؤمن وينطقه بالصواب، ولو كان أمياً، ولو كان لا يقرأ، ولكن عقيدته التي مات عليها يبقى عليه أثرها، فينطقه الله بأن يقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد ﷺ ، أما الكافر فكما سمعنا ولو كان قارئاً، ولو كان عالماً، ولو كان فاهماً، يزيغه الله ويضله، فلا يدري بالجواب، فيقول: هاه هاه! لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته، وفي بعض الروايات: (يضرب بمرزبة من حديد) ، والمرزبة هي حديدة كبيرة لها رأس كبير، يضرب بها، يقول في بعض الروايات: (لو ضرب بها جبل لكان تراباً) ، وماذا يتحمل هذا الإنسان الذي يضرب بهذه المرزبة؟! ولكن لأن الله ما أراد إفناءه لم يفن، فيتألم بذلك وإن كنا لا نشعر بذلك، ولا تدركه أفهامنا.
ثم إذا سئل المؤمن وأجاب بالجواب الصحيح يقول الله: صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة، وافتحوا له باباً إلى الجنة، فيأتيه من روحها وريحانها، وينظر إلى منزله من الجنة، وفي بعض الروايات: (يفتح له بابان: باب إلى النار ويقال: هذا المنزل الذي أعاذك الله منه، وباب إلى الجنة ويقال: هذا منزلك الذي أبدلك الله به -فينظر إليهما ويراهما جميعاً، ويتمنى أن تقوم الساعة- فيقول: رب أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي، فيفسح له في قبره مد بصره) ، ويكون القبر عليه روضة من رياض الجنة، وإن كنا لا ندرك ذلك.
وأما الكافر والعياذ بالله فيقول الله: كذب عبدي، فأفرشوه من النار، وافتحوا له باباً إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه، فيكون عليه حفرة من حفر النار، وإن كنا لا ندرك ذلك؛ لأنه في عالم ونحن في عالم.
стр. 772
الرد على من ينكر عذاب القبر
وردت الأدلة التي تثبت عذاب القبر مثل قوله ﷺ : (إذا وضع الرجل في قبره، وتولى عنه أصحابه، وإنه ليسمع قرع نعالهم، أتاه ملكان فيجلسانه) ، إلى آخر الأحاديث التي سمعنا.
فإذا قال قائل: أين العذاب ونحن قد نحفر القبر بعد يومين أو بعد أيام ونجده كما هو لم يتغير؟ ويقول بعضهم: إنا نضع على صدره الزئبق الذي هو خفيف الحركة، ومع ذلك نجده على حاله لم يتغير عن موضعه، فكيف يكون العذاب مع هذا؟ ف
الجواب
أنكم في عالم وهم في عالم، والعالم الذي هم فيه هو عالم الأرواح، ولا شك أن الروح هي التي يكون عليها الحساب، وعليها العذاب، وهي التي تتألم وتتنعم، ونحن لا نشعر بذلك، ولا تدركه أفهامنا، والذي في الدنيا لا يشعر بما يكون بعد الموت؛ فلأجل ذلك يقول في الحديث: (إنه يصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعها الإنسان لصعق) لو أسمعنا الله ما يكون من أهل القبور لما استقر الناس في الدنيا، ولما تهنوا بمأكل ولا بمشرب، ولما عمرت هذه الدنيا بأهلها؛ لأنهم إذا كانوا يسمعون عذاب هؤلاء وصياحهم وعويلهم، ويعلمون أنهم سيصيرون إلى مثل ذلك، تنكدت عليهم الحياة، وتكدر عليهم صفوها، وتكدرت عليهم معيشتها؛ فلأجل ذلك لما أراد الله عمارة هذه الدنيا حجب عنهم الأمور الأخروية، التي أولها ما بعد الموت، حجبها عنهم فلا يسمعون شيئا ًمما فيها، ولا يعلمون حقيقته، ولكن قد يطلع الله أفرادا ًعلى شيء من ذلك، ومن أراد أمثلة لذلك فيرجع إلى الكتب التي ذكرنا، مثل كتب ابن أبي الدنيا فله رسائل في ذلك، وكتاب أهوال القبور لـ ابن رجب، وكتاب الروح، فقد ذكروا عن أناس أنهم أطلعوا على بعض الأمور الأخروية، ومنها ما هو أحلام ومرائي، ومنها ما هو رأي عين، وفي بعض الحكايات أن بعضهم رؤي في المنام وعلى وجهه سفعة من سواد، فقيل له: ما هذا السواد في وجهك؟ فقال: دفن عندنا بشر المريسي فزفرت جهنم زفرة، فنال جميع أهل القبور منها هذه السفعة من السواد! ومعلوم أن المقبورين قد يكون أحدهما سعيداً والآخر شقياً، ويدفنان في قبر واحد، ويكون هذا قبره روضة من رياض الجنة، وهذا حفرة من حفر النار، وهما ملتصقان، ولا يتألم هذا بعذاب هذا، ولا يتنعم هذا بنعيم هذا، والله قادر على كل شيء؛ لأنه يقدر على إيصال كلٍ ما يستحقه، ولا يستبعد في قدرة الله أمثال هذه الأمور.
وأما الحكايات الدنيوية فذكروا منها أشياء كثيرة، ذكروا أن فلاناً لما دفنوه، وسووا عليه لبنه، سقطت قلنسوة واحد منهم، فخفض رأسه ليأخذها، فرأى القبر قد مد وقد وسع في نظر عينه، ولم يره غيره! وهذه بشرى.
وكذلك يحكى عن كثير من الذين يشهد لهم بالخير أنه يخرج من قبورهم رائحة المسك، وأنه يشم منهم قبل أن يدفنوا روائح طيبة على الأبدان، فكيف بالأرواح؟! ولا شك أن الله سبحانه أخبر على لسان رسله بهذه الأمور، وأظهر منها علامات لتكون شاهداً ودليلاً للأمة على مثل هذه الأمور التي لم يروها.
стр. 773
إطلاع الله نبيه على عذاب بعض أهل القبور
أطلع الله نبيه على ما لم يطلع عليه غيره، ففي بعض الأحاديث أنه كان ﷺ راكباً على حمار فأقبل على خمسة قبور، فحادت الأتان التي كان راكبها، فنزل وسأل: (لمن هذه القبور؟) فأخبر بأنهم من المشركين، فأخبر بأن الأتان -التي هي أنثى الحمر- لما سمعت عذابهم أو أحست بما هم فيه من العذاب حادت، فأطلعه الله على ذلك، ولم يطلع عليه غيره، ولا يلزم أن يكون ذلك مطرداً، يعني: ليس كل من ركب حمار ومر على قبر أن ينتبه له ذلك الحمار أو نحوه، والدواب قد يكون لها سماع وانتباه لشيء لا نسمع به، ولكن قد لا يظهر عليها أثر ذلك السماع، فقد أخبر النبي ﷺ بأن الدواب في صباح كل يوم جمعة تصيخ قرب الصباح إلى طلوع الشمس تخشى أن يكون ذلك هو يوم القيامة، يقول في الحديث في فضل يوم الجمعة: (وما من دابة إلا وهي مصيخة يوم الجمعة حتى تطلع الشمس مخافة أن تقوم الساعة) ، ونحن لا نشعر بهذه الإصاخة التي فيها، ولا هذا الوجل، ولا هذا الخوف، وكذلك أيضاً لا نشعر بما يحصل لها من الخوف أو من السماع المفزع أو نحو ذلك، وأما الرسل فالله تعالى يطلعهم على بعض الأمور الغيبية، ومن ذلك أن الله أطلع نبيه على هذين القبرين اللذين يعذبان، وما يعذبان في كبير، وقد مر الحديث، وفيه: (أما أحدهما فكان لا يستبرئ من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة، فدعا بجريدة فشقها نصفين، وغرز في كل قبر واحدة وقال: لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا) ، وهذا من خصائص الرسول ﵊، فالله تعالى هو الذي يطلعه على ما يشاء، ولا يجوز لغيره أن يغرز جريدة أو عصاً رطبة على أي قبر، ولا يمكن أن يقاس على الجريدة التي غرسها النبي ﷺ غيرها.
وقد ذكر عن بعض العلماء أنهم استحبوا أن يغرس على كل قبر جريدة، وكلما يبست نزعوها وغرسوا أخرى، وهذا لم يفعله النبي ﷺ مع كل أحد، ولم يفعله الصحابة، ولا نقل عن الأئمة، فلا يجوز، ولا يكون له وجه من الدلالة، ولكن علينا أن نعمل الأعمال الصالحة التي تنجي من عذاب القبر، وعلينا أن ننصح المسلمين ألا يعملوا عملاً يدخلهم في العذاب، أو يؤهلهم إلى العذاب، ونحثهم على الأعمال الصالحة التي يستحقون بها نعيم البرزخ، وينجيهم الله بها من عذاب النار، وعذاب القبر.
стр. 774
الدعاء للميت بالنجاة من عذاب القبر
يستحب في الصلاة على الجنازة أن يدعى للميت بالنجاة من عذاب القبر، يقال في آخر الدعاء له، بعدما يدعى له بالمغفرة، وأن تكفر عنه خطاياه: اللهم افسح له في قبره، ونور له فيه.
وهذا مما يرجى إجابته، فيفسح له في قبره، ويقال أيضاً: اللهم أنجه من عذاب القبر وعذاب النار.
هكذا يستحب أن يدعى للميت، ويدعى كذلك لكل المسلمين أن ينجيهم الله من عذاب القبر، ومن فتنة القبر، ومن فتنة ما بعد الموت.
وإجماع المسلمين على الدعاء بذلك، حتى أوجبه بعضهم في آخر الصلاة، دليل على أنهم يوقنون بذلك، ويدل على وجوده قوله ﷺ : (إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع: من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال) ، فجعل من جملتها عذاب القبر، فدل على أنه عقيدة راسخة عند المسلمين، وهي أن القبر فيه عذاب، ولو لم يقبر الميت، قد يقال: إن هناك أمماً لا يدفنون أمواتهم، بل يحرقونهم كما هو معروف، وهناك من يموت في صحراء ولا يدفن، بل تأكله الطيور، وتتقطعه السباع، ولا يبقى له جثة تدفن أبداً! فنقول: يأتيه عذابه أو نعيمه ولو كان رماداً، ولو كان تراباً، فقدرة الله تأتي على كل شيء، يعذب أو ينعم أياً كانت حياته وحالته، لكن الأصل شرعية الدفن للأموات، فالإسلام شرع التدافن، يقول الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس:٢١] أي: فشرع أن يقبر، ويقول النبي ﷺ : (لولا ألا تدافنوا لسألت الله أن يسمعكم من عذاب القبر ما أسمع) كأنه يقول: إنهم لو سمعوا ما يسمعه من المعذبين في القبر لخشي أنهم لا يتدافنون، فيقولون: لا حاجة إلى الدفن، لا ندفنه إذا كان يعذب في قبره، لكن شرع الله التدافن، وقدر أن يصل العذاب أو النعيم إلى كل أحد سواء دفن أو لم يدفن.
стр. 775
شرح العقيدة الطحاوية [٦١]
اختلف العلماء في مستقر الأرواح بعد الموت، والراجح أنها تتفاوت في مستقرها بعد الموت تفاوتاً كبيراً بحسب منازلها، وقد دل على هذا نصوص كثيرة من الكتاب والسنة.
следующие страницы →