Полный текст (1 175 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
شرح حديث البراء الطويل في عذاب القبر
وردت أحاديث كثيرة تدل على إثبات عذاب القبر، وذكر الشارح بعضها كما سمعنا، وذكر ابن كثير في التفسير عند قوله تعالى في سورة إبراهيم: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧] أنها نزلت في عذاب القبر، وقد أورد عندها أحاديث كثيرة طويلة وقصيرة فيها ذكر ما يعرض على الميت في قبره وما يناله من العذاب، ومنها هذا الحديث الطويل الذي سمعناه، فنتأمل في هذا الحديث، ونأخذ منه عبرة.
يشترك المؤمن والكافر في أن ملك الموت يجلس عند رأس كل واحد منهما، إلا أنه يقول للمؤمن: اخرجي أيتها الروح الطيبة، كانت في الجسد الطيب، اخرجي إلى روح وريحان، ورب غير غضبان، ويقول للكافر: اخرجي أيتها الروح الخبيثة كانت في الجسد الخبيث، اخرجي إلى سخط من الله وغضب.
أما روح المؤمن فإنه يسلها كما تسل الشعرة من العجين، أو تسيل روحه كما تسيل القطرة من فم السقاء، وأما روح الكافر فتتفرق في جسده فينتزعها بقوة كما ينتزع السفود من الصوف المبلول، والسفود هو الذي له أطراف من حديد محددة، إذا أدخل في الصوف المبلول لا يخرج إلا بعد ما يتقطع الصوف، وبعدما يتقطع ما علق به، وأنت إذا أردت أن تخرج شوكة من وسط صوف أو قطن ما تخرج إلا بعد أن يتقطع الذي حولها، فروح الكافر تتفرق في جسده، وينتزعها الملك بقوة فتتقطع العروق، وتتقطع الشرايين، فلا تخرج إلا بقوة، وهذا دليل على أن هذا أول عذاب.
وبعدما تخرج الروح تأخذها الملائكة، فملائكة المؤمن كأن وجوههم الشمس، وملائكة الكافر سود الوجوه، ومع ملائكة المؤمن أكفان من الجنة، وحنوط من الجنة، والحنوط هي الأطياب التي يطيب بها الميت، فالميت يطيب بدنه بأنواع من الطيب، وروحه كذلك تطيبها الملائكة بحنوط من الجنة، وياسمين من الجنة، وأكفان من الجنة، وأما الكافر فإن روحه تجعل في تلك المسوح، وهو الخشن من ثياب الصوف الذي في غاية الخشونة، هذا الفرق بينهما.
بعدما يُصعد بها يخرج من المؤمن كأطيب ريح مسك وجدت على وجه الأرض، ويخرج من الكافر كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض، مع أنها روح، ولكن هذه لها رائحة طيبة، وهذه لها رائحة خبيثة.
وكذلك المؤمن يسمونه بأحسن أسمائه في الدنيا، والكافر بأقبح أسمائه في الدنيا، والمؤمن يستفتح له فتفتح له أبواب السماء، ويشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء الثانية، وهكذا حتى تصل روحه إلى السماء السابعة، فعند ذلك يقول الله: اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وأعيدوه إلى الأرض، فإني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى، فتصعد روحه وتصل إلى السماء السابعة، ويكتب كتابه في عليين كما في قوله تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين:١٨] مشتق من العلو.
وأما الكافر فيقول: اكتبوا كتابه في سجين، قال تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ [المطففين:٧] سجين قيل: إنه مشتق من السجن، يعني: كأن أرواحهم مسجونة في أسفل الأرض السابعة، فيكون هذا مستقر أرواحهم، ومحل كتابهم، وروح الكافر لا تفتح لها السماء، ﴿لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف:٤٠] الجمل هو زوج الناقة، وسم الخياط هو ثقب الإبرة، فالإبرة التي يخاط بها لها ثقب يدخل فيه السلك الذي يخاط به، فكيف يتصور أن الجمل يدخل من ثقب الإبرة التي يخاط بها؟ والمعنى: أنهم لا يدخلون الجنة حتماً؛ لأنه لا يتصور دخول الجمل في سم الخياط.
كذلك روح الكافر تطرح من السماء طرحاً إلى الأرض، واستدل عليه بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنْ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج:٣١] في مكان بعيد، فتطرح روحه طرحاً.
وكل منهما تعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان يقال لهما: منكر ونكير كما سمعنا، ويسألانه عن ثلاث مسائل: عن ربه ونبيه ودينه، فيثبت الله المؤمن وينطقه بالصواب، ولو كان أمياً، ولو كان لا يقرأ، ولكن عقيدته التي مات عليها يبقى عليه أثرها، فينطقه الله بأن يقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد ﷺ ، أما الكافر فكما سمعنا ولو كان قارئاً، ولو كان عالماً، ولو كان فاهماً، يزيغه الله ويضله، فلا يدري بالجواب، فيقول: هاه هاه! لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته، وفي بعض الروايات: (يضرب بمرزبة من حديد) ، والمرزبة هي حديدة كبيرة لها رأس كبير، يضرب بها، يقول في بعض الروايات: (لو ضرب بها جبل لكان تراباً) ، وماذا يتحمل هذا الإنسان الذي يضرب بهذه المرزبة؟! ولكن لأن الله ما أراد إفناءه لم يفن، فيتألم بذلك وإن كنا لا نشعر بذلك، ولا تدركه أفهامنا.
ثم إذا سئل المؤمن وأجاب بالجواب الصحيح يقول الله: صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة، وافتحوا له باباً إلى الجنة، فيأتيه من روحها وريحانها، وينظر إلى منزله من الجنة، وفي بعض الروايات: (يفتح له بابان: باب إلى النار ويقال: هذا المنزل الذي أعاذك الله منه، وباب إلى الجنة ويقال: هذا منزلك الذي أبدلك الله به -فينظر إليهما ويراهما جميعاً، ويتمنى أن تقوم الساعة- فيقول: رب أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي، فيفسح له في قبره مد بصره) ، ويكون القبر عليه روضة من رياض الجنة، وإن كنا لا ندرك ذلك.
وأما الكافر والعياذ بالله فيقول الله: كذب عبدي، فأفرشوه من النار، وافتحوا له باباً إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه، فيكون عليه حفرة من حفر النار، وإن كنا لا ندرك ذلك؛ لأنه في عالم ونحن في عالم.
стр. 772
الرد على من ينكر عذاب القبر
وردت الأدلة التي تثبت عذاب القبر مثل قوله ﷺ : (إذا وضع الرجل في قبره، وتولى عنه أصحابه، وإنه ليسمع قرع نعالهم، أتاه ملكان فيجلسانه) ، إلى آخر الأحاديث التي سمعنا.
فإذا قال قائل: أين العذاب ونحن قد نحفر القبر بعد يومين أو بعد أيام ونجده كما هو لم يتغير؟ ويقول بعضهم: إنا نضع على صدره الزئبق الذي هو خفيف الحركة، ومع ذلك نجده على حاله لم يتغير عن موضعه، فكيف يكون العذاب مع هذا؟ ف
الجواب
أنكم في عالم وهم في عالم، والعالم الذي هم فيه هو عالم الأرواح، ولا شك أن الروح هي التي يكون عليها الحساب، وعليها العذاب، وهي التي تتألم وتتنعم، ونحن لا نشعر بذلك، ولا تدركه أفهامنا، والذي في الدنيا لا يشعر بما يكون بعد الموت؛ فلأجل ذلك يقول في الحديث: (إنه يصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعها الإنسان لصعق) لو أسمعنا الله ما يكون من أهل القبور لما استقر الناس في الدنيا، ولما تهنوا بمأكل ولا بمشرب، ولما عمرت هذه الدنيا بأهلها؛ لأنهم إذا كانوا يسمعون عذاب هؤلاء وصياحهم وعويلهم، ويعلمون أنهم سيصيرون إلى مثل ذلك، تنكدت عليهم الحياة، وتكدر عليهم صفوها، وتكدرت عليهم معيشتها؛ فلأجل ذلك لما أراد الله عمارة هذه الدنيا حجب عنهم الأمور الأخروية، التي أولها ما بعد الموت، حجبها عنهم فلا يسمعون شيئا ًمما فيها، ولا يعلمون حقيقته، ولكن قد يطلع الله أفرادا ًعلى شيء من ذلك، ومن أراد أمثلة لذلك فيرجع إلى الكتب التي ذكرنا، مثل كتب ابن أبي الدنيا فله رسائل في ذلك، وكتاب أهوال القبور لـ ابن رجب، وكتاب الروح، فقد ذكروا عن أناس أنهم أطلعوا على بعض الأمور الأخروية، ومنها ما هو أحلام ومرائي، ومنها ما هو رأي عين، وفي بعض الحكايات أن بعضهم رؤي في المنام وعلى وجهه سفعة من سواد، فقيل له: ما هذا السواد في وجهك؟ فقال: دفن عندنا بشر المريسي فزفرت جهنم زفرة، فنال جميع أهل القبور منها هذه السفعة من السواد! ومعلوم أن المقبورين قد يكون أحدهما سعيداً والآخر شقياً، ويدفنان في قبر واحد، ويكون هذا قبره روضة من رياض الجنة، وهذا حفرة من حفر النار، وهما ملتصقان، ولا يتألم هذا بعذاب هذا، ولا يتنعم هذا بنعيم هذا، والله قادر على كل شيء؛ لأنه يقدر على إيصال كلٍ ما يستحقه، ولا يستبعد في قدرة الله أمثال هذه الأمور.
وأما الحكايات الدنيوية فذكروا منها أشياء كثيرة، ذكروا أن فلاناً لما دفنوه، وسووا عليه لبنه، سقطت قلنسوة واحد منهم، فخفض رأسه ليأخذها، فرأى القبر قد مد وقد وسع في نظر عينه، ولم يره غيره! وهذه بشرى.
وكذلك يحكى عن كثير من الذين يشهد لهم بالخير أنه يخرج من قبورهم رائحة المسك، وأنه يشم منهم قبل أن يدفنوا روائح طيبة على الأبدان، فكيف بالأرواح؟! ولا شك أن الله سبحانه أخبر على لسان رسله بهذه الأمور، وأظهر منها علامات لتكون شاهداً ودليلاً للأمة على مثل هذه الأمور التي لم يروها.
стр. 773
إطلاع الله نبيه على عذاب بعض أهل القبور
أطلع الله نبيه على ما لم يطلع عليه غيره، ففي بعض الأحاديث أنه كان ﷺ راكباً على حمار فأقبل على خمسة قبور، فحادت الأتان التي كان راكبها، فنزل وسأل: (لمن هذه القبور؟) فأخبر بأنهم من المشركين، فأخبر بأن الأتان -التي هي أنثى الحمر- لما سمعت عذابهم أو أحست بما هم فيه من العذاب حادت، فأطلعه الله على ذلك، ولم يطلع عليه غيره، ولا يلزم أن يكون ذلك مطرداً، يعني: ليس كل من ركب حمار ومر على قبر أن ينتبه له ذلك الحمار أو نحوه، والدواب قد يكون لها سماع وانتباه لشيء لا نسمع به، ولكن قد لا يظهر عليها أثر ذلك السماع، فقد أخبر النبي ﷺ بأن الدواب في صباح كل يوم جمعة تصيخ قرب الصباح إلى طلوع الشمس تخشى أن يكون ذلك هو يوم القيامة، يقول في الحديث في فضل يوم الجمعة: (وما من دابة إلا وهي مصيخة يوم الجمعة حتى تطلع الشمس مخافة أن تقوم الساعة) ، ونحن لا نشعر بهذه الإصاخة التي فيها، ولا هذا الوجل، ولا هذا الخوف، وكذلك أيضاً لا نشعر بما يحصل لها من الخوف أو من السماع المفزع أو نحو ذلك، وأما الرسل فالله تعالى يطلعهم على بعض الأمور الغيبية، ومن ذلك أن الله أطلع نبيه على هذين القبرين اللذين يعذبان، وما يعذبان في كبير، وقد مر الحديث، وفيه: (أما أحدهما فكان لا يستبرئ من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة، فدعا بجريدة فشقها نصفين، وغرز في كل قبر واحدة وقال: لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا) ، وهذا من خصائص الرسول ﵊، فالله تعالى هو الذي يطلعه على ما يشاء، ولا يجوز لغيره أن يغرز جريدة أو عصاً رطبة على أي قبر، ولا يمكن أن يقاس على الجريدة التي غرسها النبي ﷺ غيرها.
وقد ذكر عن بعض العلماء أنهم استحبوا أن يغرس على كل قبر جريدة، وكلما يبست نزعوها وغرسوا أخرى، وهذا لم يفعله النبي ﷺ مع كل أحد، ولم يفعله الصحابة، ولا نقل عن الأئمة، فلا يجوز، ولا يكون له وجه من الدلالة، ولكن علينا أن نعمل الأعمال الصالحة التي تنجي من عذاب القبر، وعلينا أن ننصح المسلمين ألا يعملوا عملاً يدخلهم في العذاب، أو يؤهلهم إلى العذاب، ونحثهم على الأعمال الصالحة التي يستحقون بها نعيم البرزخ، وينجيهم الله بها من عذاب النار، وعذاب القبر.
стр. 774
الدعاء للميت بالنجاة من عذاب القبر
يستحب في الصلاة على الجنازة أن يدعى للميت بالنجاة من عذاب القبر، يقال في آخر الدعاء له، بعدما يدعى له بالمغفرة، وأن تكفر عنه خطاياه: اللهم افسح له في قبره، ونور له فيه.
وهذا مما يرجى إجابته، فيفسح له في قبره، ويقال أيضاً: اللهم أنجه من عذاب القبر وعذاب النار.
هكذا يستحب أن يدعى للميت، ويدعى كذلك لكل المسلمين أن ينجيهم الله من عذاب القبر، ومن فتنة القبر، ومن فتنة ما بعد الموت.
وإجماع المسلمين على الدعاء بذلك، حتى أوجبه بعضهم في آخر الصلاة، دليل على أنهم يوقنون بذلك، ويدل على وجوده قوله ﷺ : (إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع: من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال) ، فجعل من جملتها عذاب القبر، فدل على أنه عقيدة راسخة عند المسلمين، وهي أن القبر فيه عذاب، ولو لم يقبر الميت، قد يقال: إن هناك أمماً لا يدفنون أمواتهم، بل يحرقونهم كما هو معروف، وهناك من يموت في صحراء ولا يدفن، بل تأكله الطيور، وتتقطعه السباع، ولا يبقى له جثة تدفن أبداً! فنقول: يأتيه عذابه أو نعيمه ولو كان رماداً، ولو كان تراباً، فقدرة الله تأتي على كل شيء، يعذب أو ينعم أياً كانت حياته وحالته، لكن الأصل شرعية الدفن للأموات، فالإسلام شرع التدافن، يقول الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس:٢١] أي: فشرع أن يقبر، ويقول النبي ﷺ : (لولا ألا تدافنوا لسألت الله أن يسمعكم من عذاب القبر ما أسمع) كأنه يقول: إنهم لو سمعوا ما يسمعه من المعذبين في القبر لخشي أنهم لا يتدافنون، فيقولون: لا حاجة إلى الدفن، لا ندفنه إذا كان يعذب في قبره، لكن شرع الله التدافن، وقدر أن يصل العذاب أو النعيم إلى كل أحد سواء دفن أو لم يدفن.
стр. 775
شرح العقيدة الطحاوية [٦١]
اختلف العلماء في مستقر الأرواح بعد الموت، والراجح أنها تتفاوت في مستقرها بعد الموت تفاوتاً كبيراً بحسب منازلها، وقد دل على هذا نصوص كثيرة من الكتاب والسنة.
стр. 776
الأرواح
من الإيمان بالله الإيمان بما أخبر الله، وبما أخبرت به رسل الله، فالإيمان بالرسل داخل في الإيمان بالله، والإيمان باليوم الآخر داخل في الإيمان بالله؛ لأنه خبر الله، الله هو الذي أرسل الرسل، فمن آمن بالله آمن برسله، والله أخبر باليوم الآخر فمن آمن بالله آمن بخبره، واليوم الآخر يراد به ما بعد الموت، كلما يكون بعد الموت فهو من اليوم الآخر؛ ولذلك يقولون: من مات فقد قامت قيامته، فأول الآخرة وأول مراحلها خروج الروح، وبعدها يبدأ الإنسان في الجزاء، قبل خروج الروح هو في العمل، وبعدها يدخل في الجزاء، ويلقى جزاءه من حين تخرج الروح حيث يلقى مقدمات الجزاء على الأعمال إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.
وقد عرفنا ما يحصل لروح المؤمن ولروح الكافر عند خروجها، وإن كنا لا نراها، وكذلك ما يحصل من عذاب القبر ونعيمه، ومن سؤال منكر ونكير، فذلك كله داخل في الإيمان باليوم الآخر، وإذا آمن العبد بما بعد الموت فإن من آثار الإيمان الاستعداد، وهو أن يعمل لما بعد الموت كما في الحديث: (الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت) والكيس: هو الحازم الفطن، الذي دان نفسه يعني: حاسبها وعمل لما بعد الموت، فإن ما قبل الموت قد ضمنه الله لمن عمل عملاً صالحاً، بل لكل الخلق، وإنما الذي لم يضمن هو ما بعد الموت، فليجتهد العبد حتى إذا قامت قيامته وجد جزاءه أحوج ما يكون إليه.
стр. 777
مستقر الأرواح بعد الموت
قال الشارح رحمنا الله تعالى وإياه: [وقد اختلف في مستقر الأرواح ما بين الموت إلى قيام الساعة، فقيل: أرواح المؤمنين في الجنة، وأرواح الكافرين في النار، وقيل: إن أرواح المؤمنين بفناء الجنة على بابها يأتيهم من روحها ونعيمها ورزقها، وقيل: على أفنية قبورهم، وقال مالك: بلغني أن الروح مرسلة تذهب حيث شاءت، وقالت طائفة: بل أرواح المؤمنين عند الله ، ولم يزيدوا على ذلك، وقيل: إن أرواح المؤمنين بالجابية بدمشق، وأرواح الكافرين ببرهوت بئر بحضرموت، وقال كعب: أرواح المؤمنين في عليين في السماء السابعة، وأرواح الكفار في سجين في الأرض السابعة تحت خد إبليس، وقيل: أرواح المؤمنين ببئر زمزم، وأرواح الكافرين ببئر برهوت، وقيل: أرواح المؤمنين عن يمين آدم، وأرواح الكفار عن شماله، وقال ابن حزم وغيره: مستقرها حيث كانت قبل خلق أجسادها، وقال أبو عمر بن عبد البر: أرواح الشهداء في الجنة، وأرواح عامة المؤمنين على أفنية قبورهم، وعن ابن شهاب أنه قال: بلغني أن أرواح الشهداء كطير خضر معلقة بالعرش تغدو وتروح إلى رياض الجنة، تأتي ربها كل يوم تسلم عليه، وقالت فرقة: مستقرها العدم المحض، وهذا قول من يقول: إن النفس عرض من أعراض البدن كحياته وإدراكه، وقولهم مخالف للكتاب والسنة.
وقالت فرقة: مستقرها بعد الموت أبدان أخر تناسب أخلاقها وصفاتها التي اكتسبتها في حال حياتها، فتصير كل روح إلى بدن حيوان يشاكل تلك الروح، وهذا قول التناسخية منكري المعاد، وهو قول خارج عن أهل الإسلام كلهم، ويضيق هذا المختصر عن بسط أدلة هذه الأقوال والكلام عليها، ويتلخص من أدلتها أن الأرواح في البرزخ متفاوتة أعظم تفاوت، فمنها أرواح في أعلى عليين في الملأ الأعلى، وهي أرواح الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وهم متفاوتون في منازلهم، ومنها أرواح في حواصل طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت، وهي أرواح بعض الشهداء لا كلهم، بل من الشهداء من تحبس روحه عن دخول الجنة لدين عليه، كما في المسند عن محمد بن عبد الله بن جحش أن رجلاً جاء إلى النبي فقال: (يا رسول الله! ما لي إن قتلت في سبيل الله؟ قال: الجنة، فلما ولى قال: إلا الدين، سارني به جبرائيل آنفاً) .
ومن الأرواح من يكون محبوساً على باب الجنة، كما في الحديث الذي قال فيه رسول الله ﷺ : (رأيت صاحبكم محبوساً على باب الجنة) ، ومنهم من يكون محبوساً في قبره، ومنهم من يكون في الأرض، ومنها أرواح تكون في تنور الزناة والزواني، وأرواح في نهر الدم تسبح فيه وتلقم الحجارة، كل ذلك تشهد له السنة، والله أعلم] .
الأرواح باقية بعد الموت، والفناء يكون على الأجساد، فإذا عرفنا أن الأرواح باقية فأين تكون هذه الأرواح؟ سمعنا هذه الأقوال الكثيرة في مستقر الأرواح، وهذه الأقوال الغالب أنها مبنية على الظن، وقد يكون بعضها له دليل، ولكن يظهر أن الأرواح تتفاوت بحسب الأعمال، والله تعالى قد ذكر بعض هذه الأقوال أو أشار إليها، وكذلك الأحاديث، فقد ثبت في الحديث الصحيح: (أرواح الشهداء في جوف طير خضر تعلق من شجر الجنة) ، ومعناه: أن أرواحهم تكون في الجنة، وثبت في القرآن أن أرواح آل فرعون تعرض على النار: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً﴾ [غافر:٤٦] وعلى هذا فأرواح آل فرعون في النار تعرض عليها غدواً وعشياً.
وورد في القرآن قول الله تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ [المطففين:٧] و ﴿إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين:١٨] وسجين فسر بأنه في الأرض السابعة، وعليون فوق السماء السابعة، ومعنى أن كتابهم في عليين أي: كتاب أعمالهم وقيل: وأرواحهم كذلك، وقد مر بنا في حديث البراء الطويل أن الله يقول: (اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وردوه إلى الأرض، فإني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم) ، ويقول في الكافر: (اكتبوا كتاب عبدي في سجين، وأعيدوه إلى الأرض، فإني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم) ، وذكر فيه أن روح الكافر تطرح طرحاً، وقرأ قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنْ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج:٣١] فدل على أنه يطرح من السماء، ويتألم بذلك الطرح.
стр. 778
الروح لا تدركها الأبصار في الدنيا
الروح بعد خروجها من الجسد ليست مرئية، لا يراها البشر، ولا تدركها الأبصار كما لا يرون الشياطين ولا يرون الجن، فكذلك لا يرون أرواح الموتى عند خروجها، فأما مستقرها فلم يرد نص صريح في أنها تستقر في مكان كذا وكذا، فالذين قالوا: إنها تنعدم العدم المحض فهؤلاء ينكرون عذاب القبر، وينكرون نعيمه، وينكرون تألم الروح، وينكرون إعادتها في الجسد؛ لأنها إذا عدمت كما عدم البدن ما بقي لها حياة، ولا بقي لها تألم ولا عذاب، ولا صار القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار كما تقدم، فهذا قول باطل، وهو قول من يقول: إنها تنعدم.
وكذلك القول الذي هو أبشع منه -وهو قول الفلاسفة- أنها تكون في أجساد تلائمها، فروح الكافر إذا مات جعلت في كافر آخر، وروح المؤمن إذا مات جعلت في مؤمن آخر جديد، إذا مات هذا وولد هذا أخذت روح هذا ونفخت في هذا، ويسمى هؤلاء أهل التناسخ أو التناسخيين؛ وذلك لأنهم يقولون: نسخت روح هذا وجعلت في هذا.
وينكرون أيضاً بعث الأجساد، وهذه عقيدة الفلاسفة، يقولون: الأجساد لا تعود، وكذلك ينكرون بدء الخلق، ويقولون: الخلق ليس له مبدأ.
وينكرون أيضاً فناء الدنيا، ويقولون: هذه الدنيا مستمرة وليس لها نهاية، بل تستمر هكذا إلى غير نهاية، وينكرون الحشر والجزاء في الآخرة ويوم القيامة والنفخ في الصور وما أشبه ذلك، هؤلاء هم التناسخيون والفلاسفة.
أما الذين يقولون: هذه في الجنة وهذه في النار، أو يقولون: إن أرواح المؤمنين على أبواب الجنة، وأرواح الكافرين على أبواب النار، أو يقولون مثلاً: إن أرواح المؤمنين على أفنية قبورهم، وكذلك أرواح الكافرين، أو يقولون: إنها في داخل القبور، أو يقولون مثلاً: إن أرواح المؤمنين في بئر زمزم، وإن أرواح الكافرين في بئر برهوت، وهي بئر منتنة كما يذكر بعضهم، وهي في بلاد حضرموت؛ كل هذه أقوال ظنية ليس لها دليل قطعي، ونحن تحققنا أن الأرواح تخرج من الأبدان، وأن أرواح المؤمنين منعمة، وأرواح الكافرين معذبة، وأما مقرها فلا علم لنا به.
стр. 779
كيفية تعارف الأرواح
إذا خرجت الأرواح وهي باقية، فكيف مع ذلك تتعارف؟ ورد في الحديث: (الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف) ، فهي أرواح ومع ذلك يلقى بعضها بعضاً، فكيف يعرف هؤلاء أن هذه روح فلان؟ لابد أنهم يعرفون الروح بميزة تتميز بها، حتى ولو كانت روحاً، والأجساد فيها علامة ظاهرة يتميز بها الناس، في صورته في طوله في قصره في شعره في وجهه في بياضه في سواده، والروح لابد أن لها هناك ميزة يعرفونه بها ويميزونه، فالصحيح أنها باقية، وأنها تتعارف، وتتآلف، وأنهم يلقى بعضهم بعضاً، جاء في بعض الأحاديث: (إذا مات الميت وخرجت روحه تلقاه الأموات الذين سبقوه، وقالوا: ما فعل فلان؟ فإذا قال: إنه قد جاءكم، يعني: قد مات، قالوا: ذهب به إلى أمه الهاوية، فبئست الأم وبئست المربية) ، إذا كان مات ولم يأتهم عرفوا أنه بعد موته شقي، وأنه ذهب به إلى دار غير دارهم، فدل على أن أرواح المؤمنين تجتمع، ويأتي بعضهم بعضاً، ويعرف بعضهم بعضاً، ويتفقد بعضهم بعضاً، ويفرحون بمن مات وجاءهم، وصار معهم في أرواح المؤمنين، ويحزنون إذا مات أحد ولم يأتهم، ويعرفون أنه ذهب به إلى غير موضعهم ومحلهم، وهو الهاوية التي هي دار العذاب، فكل ذلك دليل على أنهم يتلاقون، وأما مقرهم فالله أعلم هل هو في السماء أم في الأرض أم على أفنية القبور أو في الجنة أو في النار أو في بئر برهوت أو في بئر زمزم أو أي مكان؟ كل ذلك ليس عليه دليل يقيني، والذي تحقق بقاؤهم وتلاقيهم.
стр. 780
أرواح الشهداء
قال الشارح ﵀: [وأما الحياة التي اختص بها الشهيد وامتاز بها عن غيره في قوله تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩] ، وقوله تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة:١٥٤] ، فهي أن الله تعالى جعل أرواحهم في أجواف طير خضر كما في حديث عبد الله بن عباس ﵄ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : (لما أصيب إخوانكم -يعني: يوم أحد- جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب مدللة في ظل العرش) ، الحديث رواه الإمام أحمد وأبو داود، وبمعناه في حديث ابن مسعود رواه مسلم.
فإنهم لما بذلوا أبدانهم لله حتى أتلفها أعداؤه فيه، أعاضهم منها في البرزخ أبداناً خيراً منها، تكون فيها إلى يوم القيامة، ويكون تنعمها بواسطة تلك الأبدان أكمل من تنعم الأرواح المجردة عنها؛ ولهذا كانت نسمة المؤمن في صورة طير أو كطير، ونسمة الشهيد في جوف طير، وتأمل لفظ الحديثين: ففي الموطأ أن كعب بن مالك كان يحدث أن رسول الله قال: (إن نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه) ، فقوله: (نسمة المؤمن) تعم الشهيد وغيره، ثم خص الشهيد بأن قال: (هي في جوف طير خضر) ، ومعلوم أنها إذا كانت في جوف طير صدق عليها أنها طير فتدخل في عموم الحديث الآخر بهذا الاعتبار، فنصيبهم من النعيم في البرزخ أكمل من نصيب غيرهم من الأموات على فرشهم، وإن كان الميت على فراشه أعلى درجة من كثير منهم، فله نعيم يختص به لا يشاركه فيه من هو دونه، والله أعلم.
وحرم الله على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء كما روي في السنن، وأما الشهداء فقد شوهد منهم -بعد مدد من دفنه- كما هو لم يتغير، فيحتمل بقاؤه كذلك في تربته إلى يوم محشره، ويحتمل أنه يبلى مع طول المدة والله أعلم، وكأنه -والله أعلم- كلما كانت الشهادة أكمل، والشهيد أفضل، كان بقاء جسده أطول] .
البحث الذي تقدم هو على الأرواح عموماً، وهذا الكلام على أرواح الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله، فقد أخبر الله بحياتهم فقال تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٦٩-١٧١] ، وكونهم أحياء هي حياة برزخية، ومعلوم أنهم أموات، أي: أن أرواحهم قد خرجت من أبدانهم، ومعلوم أن أبدانهم بقيت لا إحساس فيها ولا حياة فيها كحياة أهل الدنيا، ومعلوم أنهم ليسوا كحياتهم قبل أن يموتوا أو يقتلوا، فلا يحتاجون إلى أكل، ولا شرب، ولا تخل، ولا تنقل، فهي حياة برزخية، وقد فارقوا الدنيا، وقسمت أموالهم على الورثة، وحلت نساؤهم لغيرهم.
فحياتهم -كما ذكر الله- عند ربهم، فهم أحياء عند ربهم، وهذه العندية تفيد مزية، وتفيد فضيلة، فهم عند ربهم يرزقون، ولو كانوا في الجنة فهم عند ربهم، ولو كانوا في قبورهم فأرواحهم عند ربهم، وأخبر بأنهم يرزقون، والرزق قد يكون حسياً، وقد يكون معنوياً، فإذا كان حسياً فمعناه أنهم يحتاجون إلى ما يحتاج إليه أهل الدنيا من الأكل والشرب، ولكن معلوم أن ذلك ليس للأجساد، وإنما هو للأرواح، ففي هذه الأحاديث أن أرواحهم نقلت إلى أجساد طير خضر تعلق في شجر الجنة، وتأوي إلى قناديل معلقة في الجنة، ومعلوم أن الطير تشاهد بالعين؛ ولهذا وصفها بأنها خضر، فكأن روح الشهيد أدخلت في هذا الطير، فأصبح حياً يطير ويتقلب ويدخل الجنة، ويعلق في شجرها يعني: يأكل، ويأوي إلى قناديل، والقناديل هي السرج التي فيها أنوار معلقة في الجنة، فهذه هي أرواحهم، وذكر الله أنهم يستبشرون بأصحابهم الذين يأتونهم، كلما جاءهم شهيد فرحوا به، يستبشرون بمن جاءهم من الأحياء، ويستبشرون أيضاً بنعمة الله التي أنعم عليهم.
لا شك أن الشهداء لهم هذه المزية، وهي أن أرواحهم باقية، وأنها في أجساد، وأنها تتنعم، أما أرواح غيرهم فلم يذكر أنها في أجساد، بل تكون بدون جسد، أرواحهم كأرواح الشياطين وأرواح الجن ليس لها أجساد تقوم بها.
كذلك أيضاً معلوم أن أبدانهم تدفن في الأرض، وقد يكون بعضها لا يستطاع دفنه، فإن كثيراً من الوقائع التي وقعت بين المسلمين والمشركين يقتل فيها مثلاً خمسون ألفاً، أو مائة ألف، ويصعب أن يدفنوا، فيبقون على الأرض، إما أن تطول مدتهم وهم باقون على الأرض وإما ألا تطول مدتهم، وبلا شك أنهم يفنون بالعيان، تأكلهم الأرض وتأكلهم الطيور، وما أشبه ذلك، أما الذين يدفنون فقد ورد ما يدل على أنهم يبقون مدة، فذكر جابر ﵁ أن أباه لما قتل في أحد دفن هو ورجل آخر في قبر واحد، يقول: فلم تطب نفسي أن أتركه ومعه غيره، فحفرت قبراً مستقلاً، وذلك بعد ستة أشهر أو نحوها، يقول: فاستخرجته فإذا هو كما هو، لم يتغير بعد ستة أشهر إلا شعرات في قفاه قد أكلتها الأرض، تغير الشعر فقط، أما بدنه فإنه متصلب وباقٍ لم تأكله الأرض، هذا والد جابر بن عبد الله.
وذكر لنا قبل سنوات، أن بعض الإخوان ذكروا أنهم حفروا في بعض الأماكن فعثروا على جثة أحد الإخوان الذين قتلوا في سنة سبع وثلاثين في الوقعة التي تسمى تربة وإذا هو لم تأكله الأرض.
أي: بعد أكثر من خمسين أو ستين سنة لم تأكله الأرض، ولا يزال بدنه باقياً.
وذكر لنا أيضاً عن القتلى الذين قتلوا في أفغانستان أن كثيراً منهم نبشوا بعد أيام، ووجدوا لم تأكلهم الأرض، ويذكرون أنهم يجدون القتلى من الشيوعيين ورائحتهم نتنة، بعد اليوم الثاني لا يستطيع أحد أن يقربهم، والقتلى من المسلمين الشهداء يدفنون بعد خمسة أيام ولا يحس برائحتهم، بل يكون منهم رائحة المسك، فهذا دليل على هذه الحياة، وأن الحياة يصل أثرها إلى البدن: ﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩] ؛ ولأجل ذلك قال الله: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة:١٥٤] ، فحياتهم ولو كانت حياة برزخية، ولو كانت حياة على الأرواح، لكن يصل أثرها إلى الأجساد، ولو أنها فنيت بعد مدة، ولو تمزقت وصارت أشلاء، لكن لابد أن أثر هذه الحياة ونعيمها ينال البدن كما ينال الروح، وهذه من كرامة الله لأوليائه الذين بذلوا أنفسهم في سبيل الله، لما رخصت عندهم هذه الحياة، وآثروا الحياة الآخرة على الحياة الدنيا، وقدموا رضا الله تعالى على شهوات نفوسهم؛ عجل لهم الثواب عاجلاً، فيرى أثره في الدنيا، يراه أهل الدنيا، ولعل في ذلك ما يحمل أهل الدنيا على المنافسة، وعلى بذل المهج في سبيل الله، وعلى بذل كل شيء فيه إعزاز دين الله ونصره، فهذا معنى الحياة التي وصف الله بها الشهداء من عباده، وقد سماهم شهداء في قوله تعالى: ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ [آل عمران:١٤٠] ، والشهداء هم الذين يقتلون في سبيل الله، سموا بذلك، قيل: لأنهم يشاهدون الآخرة كرأي العين، وقيل: لأنهم شهداء على الأمة كقوله تعالى: ﴿وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [الحج:٧٨] هذا بالنسبة لأرواح الشهداء.
стр. 781
أرواح الأنبياء
الأنبياء أعلى مقاماً من الشهداء؛ وذلك لأن الله ميزهم بميزة، وخصهم بكرامة، وهي اختصاصهم بالنبوة، وبالوحي، وبالرسالة، وبالفضيلة التي فضلهم بها على غيرهم، ومعلوم أنهم يموتون كما قال تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠] ، وإذا كانوا يموتون ولابد بمعنى أنهم يخرجون من هذه الدنيا إلى الآخرة، فإن لهم حياة أكمل من حياة الشهداء، ولكنها حياة برزخية أكمل من حياة الشهداء، فأجسادهم لا تبلى، بل تبقى في القبور ولا تأكلها الأرض، ففي الحديث الصحيح أنه ﷺ قال: (إن من خير أيامكم يوم الجمعة، فأكثروا من الصلاة علي فيه، فإن صلاتكم معروضة علي، قالوا: يا رسول الله! كيف تعرض عليك وقد أرمت -أي: بليت-؟ فقال: إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء) ، فأجساد الأنبياء لا تأكلها الأرض ولا تبلى، ولو أنهم دفنوا في الأرض، ولو لم تعرف أماكنهم.
ومن العلماء من يقول: إنهم يرفعون؛ ولذلك رأى النبي ﷺ الأنبياء في السماء، فرأى آدم في السماء الدنيا، ورأى يحيى وعيسى في السماء الثانية، ورأى يوسف في السماء الثالثة، ورأى إدريس في السماء الرابعة، ورأى هارون في السماء الخامسة، وموسى في السادسة، وإبراهيم في السابعة، ولكن الصحيح أن الذي رآه أرواحهم، وأنها مثلت في أجساد حتى رأوه وعرفوه وسلموا عليه، وقالوا: مرحباً بالنبي الصالح والأخ الصالح، أما أجسادهم فيمكن أنها رفعت، ويمكن أنها دفنت في الأرض، وهو المتبادر.
وبكل حال فلا شك أنهم أكمل من الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله، وبلا شك أن بعض الشهداء قد يكون عليه شيء من الذنوب التي لا تكفرها الشهادة، كما في الحديث أن رجلاً قال: (يا رسول الله! هل تكفر الشهادة ما علي من الذنوب؟ قال: نعم، ثم قال: إلا الدين، أسره إلي جبريل) ، أو قال: (أرأيت إن قتلت في سبيل الله هل يغفر لي؟ قال: نعم، ثم قال: كيف قلت؟ قال: أرأيت إن قتلت في سبيل الله أيغفر الله لي؟ فقال: نعم إلا الدين) ، فهذا دليل على أن الذي عنده شيء من حقوق الآدميين لا تغفر له، بل لابد فيها من المحاقة والمقاصة في الآخرة، فإذا لم يوف له أولياؤه في الدنيا فإنها تؤخذ من أعماله في الآخرة، وأما خطاياه التي بينه وبين ربه فإن القتل في سبيل الله يمحوها كلها، ولا يبقى عليه ذنب.
стр. 782
شرح العقيدة الطحاوية [٦٢]
стр. 783
حقيقة الخلاف بين أبي حنيفة وأهل السنة في مسمى الإيمان
السؤال
نرجو من فضيلتكم زيادة الإيضاح: كيف يكون الخلاف بين أبي حنيفة والأئمة الباقين من أهل السنة خلافاً معنوياً وليس خلافاً صورياً كما قال الشارح ﵀، مع أن الجميع متفقون على أن فاقد الإيمان كافر، وفاقد العمل فاسق؟
الجواب
هذه المسألة سيشرحها ويوضحها الشارح فيما بعد، ويذكر الأدلة التي يستدل بها الحنفية، والراجح أن النزاع معنوي لا لفظي، ويوضح أنه ليس بلفظي أن الذين يقولون: إن الأعمال ليست من الإيمان؛ يتوسعون في فعل الذنوب، ويسهلون المعاصي، ويكثر فيهم اقتراف السيئات، ويقولون: ما دامت ليست من الإيمان، وما دام أن الإيمان كامل بدون هذه الحسنات، وبدون هذه القربات، فما لنا ولها؟ فلا حاجة إلى أن نتنفل، ولا حاجة إلى أن نتصدق، ولا حاجة إلى أن نتوقى المآثم والمحرمات؛ لأنها لا تنقص الإيمان، فيكثر التساهل منهم في مثل هذا، وهذا ناتج عن هذا القول، وهو القول بأن الأعمال ليست من مسمى الإيمان.
أما إذا جعلناها من مسمى الإيمان فإننا نقول: إنها كلها يكون لها تأثير في الإيمان، فإذا صلى ركعتين نافلة زاد إيمانه، وإذا تصدق بصدقة ولو قليلة زاد إيمانه وانضم إليه هذا العمل، وإذا تكلم بكلمة خير زاد إيمانه، وإذا أمر بمعروف أو نهى عن منكر زاد إيمانه، وإذا خطا خطوات لله تعالى في عمل صالح زاد بذلك إيمانه، وما أشبه ذلك.
كما أنه ينقص إيمانه إذا فعل ضد ذلك، إذا نطق بكلام سيء نقص إيمانه، وإذا مشى إلى ملاهي أو مآثم نقص إيمانه، وإذا أنفق في سبيل الشيطان نفقة سيئة كان ذلك نقصاً في إيمانه، وهكذا.
فهذا هو التفاوت بين من يقول: إن الأعمال ليست من الإيمان، ولا حرج عليه إذا عصى وإذا أذنب، وإيمانه كامل، وهذه المعاصي لا يكون لها تأثير في الإيمان، ولا يكون لها تأثير في نقصه، ولا غير ذلك، فالإيمان موجود، والإيمان كامل، والأعمال زائدة عليه، وإن كان الناس يتفاوتون في الثواب والعقاب؛ فيفتح للناس باب التساهل في ترك الطاعات، وفي فعل شيء من المآثم، هذا هو النتيجة، أما إذا قلنا: إن الأعمال من مسمى الإيمان، وإنها داخلة فيه؛ فإن الإنسان يحرص على ما يكمل إيمانه، ويبتعد عما ينقص إيمانه.
стр. 784
التعامل مع من يقول: الإيمان في القلب، ويترك العمل
السؤال
إنا نرى في زماننا هذا، وبين معارفنا مذهب جهم بن صفوان، حيث إذا أمرنا أحداً بالمعروف، ونهيناه عن المنكر الذي هو واقع فيه قال لك: إن الإيمان بالقلب، أو قال: المهم أن تكون النية صالحة، فكيف نتعامل مع هؤلاء جزاكم الله خيراً؟
الجواب
عن الحسن البصري ﵀ أنه قال: ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال.
فجعل الذي في القلب يظهر على الأعمال، فنحن نقول لهذا: أثبت لنا أنك مؤمن، هل تريد أن نشق عن قلبك حتى نرى أنه أبيض أو أسود؟ نحن إنما نعاملك بالظاهر، فظاهرك أنك فاسق، وظاهرك أنك عاصي، وظاهرك أنك طريد شريد، ونحن نبغضك على ما يظهر منك، ونحن نمقتك وإن كان قلبك ما كان، فنحن ما نعاملك إلا بما يظهر لنا، ولا يصح أن نحسن الظن بكل أحد يقول: أنا مؤمن؛ فإن الناس لا يوثق بأقوالهم.
وبكل حال هؤلاء الذين يتمادون في العصيان، ويتركون العبادات والطاعات، ويدعون أن إيمانهم كامل، وأن الإيمان يكفي فيه المعرفة في القلب الذي هو مذهب جهم؛ فسقة سيما إذا تظاهروا بالعصيان، فلا نصدقهم، بل نعاقبهم بالعقوبة التي تردعهم وتردع أمثالهم.
стр. 785
متى يغلب الرجاء على الخوف أو العكس ؟
السؤال
هل يكون رجاء الإنسان حال المصائب أغلب من خوفه دائماً أم أن ذلك مخصوص بالمرض الذي يتيقن أنه سيموت بعده؟
الجواب
في حالة المرض يغلب جانب الرجاء سواء رجي زوال ذلك المرض أو لم يرج، يعني: يحسن الظن بربه، ويقبل على ربه وهو واثق بأن الله تعالى واسع الرحمة وكثير العطاء، وأنه عفو يحب العفو، ويحب المغفرة، وأنه أهل التقوى وأهل المغفرة، فكل من أصيب بمصيبة أو مرض أو نحو ذلك؛ عليه أن يحسن الظن بربه، ويرجو رحمة ربه، ومع ذلك يكون خائفاً وجلاً لا يزول الخوف عن قلبه، يكون خائفاً ويكون راجياً، ولكن يغلب الرجاء؛ لأنه في هذه الحال قد لا يحسن بعض الأعمال، ويأتي من الأعمال ما يفسدها، فيلعج بالدعاء، ويكثر من الذكر، وينوي النية الصادقة أنه إذا شفي أكثر من الحسنات والقربات، وما أشبه ذلك، ويثاب على هذه النية.
стр. 786
حكم من يستهزئ بمن استقام على الدين
السؤال
ما حكم من يستهزئ بمن التزم بدين الله، ويصفه بالنفاق؟ وهل يجب مقاطعته وهجره بعد دعوته إلى الدين؟
الجواب
الاستهزاء قد يصل إلى الكفر، فإذا استهزأ بإنسان لأجل دينه فإن هذا الاستهزاء يوقعه -والعياذ بالله- في الخروج من الملة، فيقع في الكفر الصريح، وما ذاك إلا لأنه تنقص الدين، وما تنقص هذا الشخص، وهذا إذا تنقصه لأجل الدين، مثل أن يقول له بعد أن أقام الصلاة: هل نفعتك صلاتك؟ أو إذا أمرته بإعفاء اللحية قال: ماذا أفادتكم هذه اللحى؟ ماذا فعلت لكم؟ أنتم منافقون، ما وفرتم هذه اللحى إلا نفاقاً أو إرهاباً أو لشيء تبطنونه أو ما أشبه ذلك، فلاشك أنه تنقص هذه الشعائر الإسلامية، وهكذا بقية الأعمال، مثلاً استهزأ بالزهاد أو استهزأ بالعباد، أو بالمصلين، أو بالصائمين، أو ما أشبه ذلك؛ لأجل عباداتهم، فلا شك أن هذا ردة؛ لأنه تنقص أهل الشرع لأجل الشرع، فكأنه تنقص الشرع، ومن تنقص الشريعة فقد ارتد عن الدين والعياذ بالله.
أما إذا كان تنقصه لذلك الشخص بعينه؛ لأنه يتهمه بشيء، مثلاً يقول: فلان وإن تطوع فإني لا أثق بتطوعه ولا بمظهره، يتهم ذلك، ويظهر منه أو على فلتات لسانه أنه لا يتهم من كان مثل ذلك، ما اتهم المصلين كلهم، ولا استهزأ بأهل اللحى كلهم، ولا بأهل اللباس القصير كلهم، إنما استهزأ بإنسان معين، فهذا قد لا يصل إلى هذا الحد، لكن اتهامه ذنب عليه أن يتوب منه.
стр. 787
حكم الصدقة عن الميت
السؤال
بعض الناس إذا تصدق بصدقة قال: بركة نازلة، وهدية واصلة، من روحي إلى روح النبي محمد، وإلى روح أمواتنا أجمعين، فما الجائز في مثل هذا وفقكم الله؟
الجواب
لا حاجة إلى هذه المقالة، ويكفيه النية، والأولى أنه يجعلها لنفسه أو يتصدق بها عن أمواته، أو عن أموات المسلمين، وأما قوله: إلى روح النبي ﷺ فلا أرى ذلك؛ وذلك لأن النبي ﷺ له مثل أعمال أمته، وإن لم يهدوا له مثلها، ولم يكن السلف يهدوا إلى النبي ﷺ من الأعمال شيئاً؛ لأنه هو الذي أرشد الأمة ودلهم، فله مثل أعمالهم (من دعا إلى هدى كان مثل أجور من اتبعه) ، أما المسلمون فلا بأس أن تتصدق عنهم، أو تدعو لهم، سواء كانوا أقارب أو أباعد لا بأس بذلك، أما هذه المقالة فلا، لكن لو قلت مثلاً: اللهم اجعل ثوابها لي ولأمواتي أو للمسلمين فلا بأس بذلك.
стр. 788
دعاء: اللهم استرني بسترك الجميل الذي سترت به نفسك
السؤال
ورد هذا الدعاء على ألسنة بعض الناس، وهو: اللهم استرني بسترك الجميل الذي سترت به نفسك فلا عين تراك، هل هذا صحيح يدعى به، أفيدونا أثابكم الله؟
الجواب
ما ورد هذا الدعاء، قوله: الذي سترت به نفسك فلا يراك أحد.
هذا خاص بالله، وهو أنه لا يرى في الدنيا، وأنه دون الأنوار كما في قول النبي ﷺ : (حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه) ، فلا ينبغي أن يشرك الرب في هذا النور أحد أو في هذا الستر، فله أن يدعو أن يستر الله عورته، وأن يؤمن روعته، كما ورد ذلك في حديث: (اللهم استر عوراتي، وآمن روعاتي) ، فأما سترك الجميل الذي سترت به نفسك فلا يراك أحد.
فلم يرد مثل هذا.
стр. 789
كثرة عمل السابقين من المؤمنين
السؤال
ذكرتم أن السابقين من المؤمنين كانت أعمالهم أقل من أعمال الذين أسلموا بعد الهجرة، مع أن الله قد مدح السابقين في الإيمان، وقدمهم على من أسلم بعد ذلك، فكيف نوفق بين هذا وبين معتقد أهل السنة أن أكثر المؤمنين عملاً أكملهم وأقواهم إيماناً جزاكم الله خيراً؟
الجواب
الذين أسلموا في أول الأمر هم أكثر أعمالاً، حيث إنهم عملوا مثلاً ثلاثاً وعشرين سنة، يعني: منذ أن أسلموا إلى الوفاة، والذين أسلموا أخيراً ما عملوا قبل الوفاة إلا سنتين، فأيهما أكثر؟ لا شك أن الذين عملوا مدة طويلة أكثر، فهذا وجه من أوجه تفضيل السابقين الأولين.
ووجه ثاني: أن الأولين السابقين الذين أسلموا قبل الشرائع أسلموا في حالة قلة وذلة، وتحملوا المشاق والتعب، وهم الذين أوذوا في الله، وضربوا وحبسوا، وألقوا في الشمس، وألقيت عليهم الحجارة، وأوذوا بالجوع وبالجهد، وتحملوا ذلك، وهذا لا شك أنه زيادة في أعمالهم.
وهم الذين هاجروا في الله وتركوا أموالهم وأولادهم وبلادهم، وعشائرهم وأقوامهم، وتحملوا مشاق الهجرة، وسافروا مثلاً إلى الحبشة، ولا شك أن ذلك أشق عملاً، وكل ما كان العمل شاقاً كان الأجر أكبر، فهذا وجه تفضيلهم.
وأيضاً: هم الذين أسلموا من أول وهلة، أسلموا لأول دعوة، وذلك دليل على قبول قلوبهم، وقبول نفوسهم للإيمان، حيث لم يتلعثموا ولم يترددوا في قبول الإسلام، فدل على صفاء قلوبهم ونقائها مما يكدرها.
وبكل حال فلا شك أن السابقين الذين سبقوا بالإيمان أقوى إيماناً، ولكن المتأخرون الذين أسلموا في سنة ثمان لما أسلموا كانت الأعمال قد كملت، فكان الصيام موجوداً، وكان الحج موجوداً قد فرض، وكان الجهاد قد فرض، وكان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد شرع، وكان القرآن قد نزل كله إلا القليل، فهم كلفوا بأن يعملوا به دفعة واحدة، بخلاف الأولين فإنهم إنما كلفوا بالموجود منه، ما أنزل قبل الهجرة إلا القرآن المكي، وما فرضت الصلاة مثلاً إلا قبل الهجرة، وكذلك التوحيد ونحوه، وما حرمت الخمر في ذلك الوقت ونحو ذلك، فبكل حال هؤلاء عملوا بما أمروا به، فلهم أجر كامل، وهؤلاء عملوا بما أمروا به -أي: بعدما أسلموا في آخر الأمر- فلهم أجرهم.
стр. 790
مرتكب الكبيرة فاسق ناقص الإيمان
السؤال
هل صاحب الكبيرة ناقص الإيمان؟
الجواب
مذهب أهل السنة أن العاصي الذي يرتكب كبيرة يسمى فاسقاً، ويسمونه مؤمناً بإيمانه وفاسقاً بكبيرته، ويقولون: إن الإيمان في حقه موجود ولكنه شبه مفقود، حيث لا ترى عليه أثره، ويحملون على ذلك قول النبي ﷺ : (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) يعني: أنه ناقص الإيمان، أو أن الإيمان ينزع عنه في حالة الزنا مثلاً أو السرقة أو شرب الخمر، ثم لا يعود إليه كاملاً، بل يعود إليه وقد اختل ونقص، وبكل حال فأهل السنة يعتقدون أن معه أصل الإيمان الذي هو يقينه وتصديقه بأنه مسلم وبأنه من أهل الشريعة ومن أهل القبلة، ولكن لضعف إيمانه وقع في هذه المعاصي.
стр. 791
شعب الإيمان
السؤال
هل يستطيع المسلم أن يستكمل الإيمان مطلقاً، حيث وشعبه قد حصرت في قوله ﷺ : (الإيمان بضع وسبعون شعبة) ، الحديث؟
الجواب
قد اختلف العلماء في تلك الشعب لما عدوها، وكأنهم بسبب هذا الاختلاف لم يتفقوا على تحديد؛ فلأجل ذلك قال بعضهم: إن الحصر في سبعين أو ببضع وستين ليس مقصوداً به العدد، بل المراد به الكثرة، فإنه ﷺ كثيرا ًما يذكر السبعة والسبعين والسبعمائة للكثرة لا للحصر؛ وذلك لأن كثيراً من العلماء أخذوا يبوبون الأبواب التي تدخل في الإيمان ووجدوها أكثر من السبعين، وقد تصل إلى المائة والمئات، فدل على أن هذه تعتبر أصول، ومن العلماء من قال: إن البضع والسبعين يراد بها الجوامع، فمثلاً: إماطة الأذى عن الطريق شعبة من الإيمان، ولكن ليس خاصاً بإماطة الحجر أو القذاة أو القذر، بل يدخل في ذلك إزالة كل مرض وإيصال كل نفع، وله أمثلة كثيرة، فدل ذلك على أن خصال الخير كثيرة، وأن الإنسان قل أن يحيط بها.
وبكل حال يوصف بأنه كامل الإيمان إذا عمل بكل أنواع الشريعة، وعمل بدقيقها وجليلها، ولم يقترف ما ينقصها، ولا ما يخل بها.
стр. 792
مذهب الكرامية
السؤال
هل البخاري يكفر الكرامية والكلابية والأشاعرة؟
الجواب
هذا الخلاف ما حدث إلا بعده، ابن كرام ما حدث إلى بعد البخاري، وكذلك ابن كلاب والأشاعرة ونحوهم، ففي زمن البخاري لم يكن هناك من يخالف في مثل هذا إلا الجهمية، والجهمية لم يعتبرهم من أهل السنة، إنما عرَّف أهل السنة بأنهم أهل القبلة، وكأنه لم يعتبر الجهمية من المسلمين؛ وذلك لقوة مخالفتهم للأصول، حيث اجتمع فيهم شر الخصال، وأبعدها، وأفضعها، فإنهم أشركوا بجحد الصفات، وغلو بالإرجاء، وغلوا بالجبر، وغلطوا في مسمى الإيمان بزعمهم أنه المعرفة، فاجتمعت فيهم خصال الشر كله، فلم يعتبر خلافهم، وأما من سواهم فلم يوجد إلا بعده.
والحنفية في زمانه يعترفون بالإقرار، ويجعلون الإيمان هو الإقرار باللسان والاعتقاد بالجنان، والماتريدية يوافقونهم على الإقرار، وإن كانوا يخرجون القول من الإيمان، والكرامية يجعلونه الإقرار باللسان فقط، ومحمد بن كرام كان في آخر القرن الثالث، وتوفي البخاري في وسط القرن الثالث في سنة ست وخمسين ومائتين، قبل أن يشتهر ابن كرام أو قبل أن يقول بهذا القول.
стр. 793
أسباب تقوية الإيمان
السؤال
إذا كان الإنسان ضعيف الإيمان، فنرجو من فضيلتكم أن ترشدنا إلى بعض الكتب المبسطة التي تقوي الإيمان في القلب؟
الجواب
عليكم بكتاب الله فإن فيه الأدلة الواضحة التي أقام الله بها الحجج والبراهين، وقد كنا نتعرض في الدرس لأمثلة من ذلك، ولا شك أن كتاب الله تعالى أوضح كتاب أقام الأدلة على الإيمان وما يقوي الإيمان، فمثلاً في سورة البقرة أول أمر أمر الله به هو العبادة، وأقام عليه ستة أدلة في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ [البقرة:٢١] هذا دليل، ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة:٢١] دليل ثاني ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ فِرَاشاً﴾ [البقرة:٢٢] دليل ثالث، ﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ [البقرة:٢٢] دليل رابع، ﴿وَأَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [البقرة:٢٢] دليل خامس، ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ﴾ [البقرة:٢٢] دليل سادس، ففي هذه الآية ستة أدلة، وتأملوا أيضاً شرحها في تفسير ابن كثير، فقد ذكر عليها كثيراً من الإيضاحات.
وذكرنا في درس مضى أن المشركين لما نزل قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [البقرة:١٦٣] قالوا: ما الدليل؟ فنزلت الآية التي بعدها وفيها بضعة أدلة وهي قوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [البقرة:١٦٤] ففيها عدة دلالات، وهذه أدلة واضحة.
وتجد كثيراً من السور متوالية وفيها عدد من الأدلة، فمثلاً في سورة المرسلات: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ الأَرْضَ كِفَاتاً﴾ [المرسلات:٢٥] إلخ، وفي التي بعدها: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ الأَرْضَ مِهَاداً * وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً﴾ [النبأ:٦-٧] إلخ، وفي التي بعدها: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ السَّمَاءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا﴾ [النازعات:٢٧-٢٨] إلخ، وفي التي بعدها قوله: ﴿فَلْيَنْظُرْ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً * ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقّاً﴾ [عبس:٢٤-٢٦] إلخ، آيات وبراهين واضحة، وهي كثيرة مثل قوله في سورة الروم: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ﴾ [الروم:٢٣] ، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الروم:٢٣] ، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ﴾ [الروم:٢٣] ، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ﴾ [الروم:٤٦] ، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ﴾ [الروم:٢٥] إلخ، فهذه آيات فيها: براهين ودلالات، فتأملوا شرحها فإن فيها ما يقنع كل شاك أو كل متحير.
والعلماء بينوا أدلة واضحة على ذلك، وتجد كلاماً جيداً لـ ابن القيم في كتابه: مفتاح دار السعادة، أحيل من في قلبه شيء من الضعف أن يقرأ ما ذكره، حيث توسع ﵀ في ذكر الأدلة، بقوله في فصول: تأمل كذا، ثم تأمل كذا، فيما يتعلق بخلق الإنسان، وفيما يتعلق بخلق الحيوان، وفيما يتعلق بالأفلاك، وفيما يتعلق بالمخلوقات علويها وسفليها، آيات عجيبة تدل على ما وهبه الله تعالى من الفطنة، وتدل على عجائب خلق الله تعالى.
وله أيضاً كلام على خلق الإنسان، الإنسان أقرب شيء إليه هو نفسه، عندما أتى على تفسير قول الله تعالى: ﴿وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢٠-٢١] في سورة الذاريات في كتابه الذي سماه: أقسام القرآن، وهو مطبوع مشتهر، فتكلم على الآيات التي في الأرض، وبين عجائب ما فيها، ثم تكلم على الآيات التي في الإنسان، من خلق الإنسان وعجيب تركيبه، ذكر في ذلك نحو ثلث الكتاب، مع أنه تكلم فيه على آيات كثيرة، وذكر فيه تفاصيل الإنسان وكأنه وافق الذين يشرِّحون الآن، وأهل التشريح الآن يتعجبون من تركيب هذا العرق، ومن تركيب هذه العين، وما فيها، وهو ما أدرك ذلك بعينه ولكن رزقه الله فهماً، فتكلم على هذه التفاصيل بكلام عجيب، فهذا مثال.
والمتأخرون الآن قد ذكروا أدلة في بعض الكتب التي تؤلف للمناهج في العقائد، فيتكلمون على هذا ليقطعوا بذلك دابر الذين يشكون في التوحيد أو في وجود الخالق أو نحو ذلك، ويقيمون على ذلك أدلة، وهي كتب مناهج طبعت في بعض المدارس، فلو قرءوها لوجدوا فيها أدلة وبراهين، مع أنها تدرس في داخل المملكة وفي خارجها.
وكذلك أيضاً كثير من المؤلفين في هذا العهد أطلعهم الله تعالى على ما أطلعهم عليه من الدراسات الفلكية ونحوها، وألفوا في ذلك كتباً وفيها مقنع، أطباء تخصصهم إما في طب الإنسان أو الحيوان، وكذلك الدكاترة الذين تخصصوا في الأفلاك أو نحوها ألفوا كتباً كثيرة، فالمتأخرون والمتقدمون كتبوا في هذا ما فيه مقنع وفيه كفاية.
стр. 794
حكم الصلاة خلف الأشعري
السؤال
ما حكم الصلاة خلف رجل يقول: أنا أشعري المعتقد، وقد بين له مذهب أهل السنة واعترف بخطأ ما هو عليه، لكنه لم يرجع عن معتقده، مع العلم أنه لا يوجد في البلد من هو أحسن منه؟
الجواب
لا بأس أن يصلى خلفه ولو كان على هذا المعتقد، وقد خف معتقدهم في هذه الأزمنة إلا فيما يتعلق ببعض الصفات، وبكل حال إذا لم يكن في البلد أحسن منه فيصلى خلفه لعموم الأدلة في تقديم من هو أقرأ، ومن هو أفقه، ومعلوم أن المبتدعة الأولين كان فيهم أئمة وخطباء وقضاة، تولوا القضاء وتولوا الإمامة مدة، وصلى خلفهم كثير من العلماء من أهل السنة، مع أنهم ينتحلون مذهب الأشعرية، في زمن شيخ الإسلام ابن تيمية كان أكثر أهل دمشق أشاعرة، ولا شك أنه كان يصلي خلفهم كثيراً، وكذلك مصر كان أكثرهم أشاعرة، بل جلهم إلا الأفراد، ومع ذلك كان يصلي خلفهم للعذر.
стр. 795
حكم الصلاة والصوم عن الميت الذي كان متهاوناً بهما
السؤال
امرأة توفي لها ابن يبلغ من العمر ثمان وعشرين عاماً، وكان يتهاون في الصلاة والصوم، فهل يصح لي وأنا أمه أن أصوم عنه وأصلي؟ وإن كان لا يصلي ولا يصوم بالكلية فهل أقضي عنه ذلك؟
الجواب
إذا كان يقر بالإسلام، ويفعل شعائر الإسلام الظاهرة، فقد يكون تهاونه من باب التساهل، ومن باب التسويف والتأجيل، يعني: في نظره أنه سوف يتوب فيما بعد، فيجوز عند بعض العلماء الاستغفار له، والحج عنه، والصدقة عنه، والدعاء له وما أشبه ذلك.
وذهب بعض العلماء إلى أنه لا ينفعه ذلك، ما دام أنه كان لا يؤدي الصلاة طوال حياته ولا الصيام، ففي هذه الحال لا ينفعه ذلك.
ولكن إذا كان كما ذكرت أنه مجرد تهاون لا أنه ترك مستمر دائم فلعله ينفعه أن تدعو له، وأن تتصدق عنه، وأن تحج أو تعتمر عنه، أما الصلاة والصوم فهما عمل بدني، فلا حاجة لأن تصلي عنه وتصوم عنه، بل تكتفي بالدعاء له والاستغفار والترحم عليه، وما أشبه ذلك، والله تعالى يرحم من يشاء.
стр. 796
حكم قضاء الصلوات الفائتة قبل التوبة
السؤال
لقد هداني الله بعد أن تمت لي ثلاثون عاماً، ولم أكن قبلها أصلي ولا أصوم، فهل يلزمني القضاء؟
الجواب
لا يلزم، ولكن عليك أن تكثر من النوافل في بقية حياتك، فالذي مضى لا يلزم قضاؤه؛ وذلك للمشقة، يشق عليك أن تقضي صلاة خمس عشرة سنة، وكذلك صيامها، ولكن عليك أن تكثر من نوافل العبادة، فتصلي بالليل تهجداً، وتصلي في الضحى ما تيسر، وتحافظ على النوافل والرواتب، وتصلي مثلاً قبل الظهر أربعاً، وبعدها أربعاً، وقبل العصر أربعاً، وقبل المغرب ركعتين، وبعدها ركعتين أو أربع، وقبل العشاء ركعتين أو أربع وبعدها ركعتين أو أربع، وكذلك أيضاً تصلي ذوات الأسباب، وتكثر من نوافل العبادات كالحج والذكر وقراءة القرآن والاستغفار والدعاء والابتهال إلى الله تعالى، وغيرها من الأعمال الصالحة، وتحمي نفسك عن المحرمات والآثام، وبذلك إن شاء الله يمحو الله عنك ما سلف من التفريط والإهمال.
стр. 797
الرد على من يطعن في تاريخ المسلمين
السؤال
هذا سائل إما أن يكون جاهلاً بأحكام الإسلام أو إنسان طمع في الدنيا وزهد في الجنة، وتذرع بالإسلام ظاهراً، ويصدق عليه النفاق، يقول: لو استعرضنا تاريخ المسلمين منذ عهد الخلفاء الراشدين نجد أنه يغلب عليه الظلم والفساد والطغيان، بل إن الخلفاء الراشدين ماتوا قتلاً، ومعنى ذلك أن الإسلام لم يصلح التابعين له، وكذلك انتشار الإسلام في العصور الحديثة تجد أن حال المسلمين كحال سابقيهم في العصور السابقة، أسوأ دول العالم، حتى إن عمر بن عبد العزيز الذي غلب عليه العدل في خلافته قتل، ما هو الخلل؟ هل هو في المنهج أم في الإنسان؟ وقال كذلك في سؤال آخر: المتأمل لتاريخ المسلمين يجد أنه عصر فتن وقتل وحروب من بعد الخلفاء الراشدين إلى عصرنا الحاضر، والواقع يشهد بذلك.
والسؤال: هل هناك خطأ في منهج الإسلام فيكون الخلل في الفقه الإسلامي أم الخطأ في فهم علماء الشريعة للإسلام! فنرجو من فضيلتكم الرد عليه بارك الله فيكم؟
الجواب
نقول: الخطأ في فهمك أيها السائل، فهمك بعيد عن الواقع؛ وذلك لأنك -والله أعلم- لم تقرأ التاريخ كما هو، ولم تتتبع أحوال الإسلام ولا أحوال المسلمين، ويظهر أنك انخدعت بدعايات المضللين، أوأنك قرأت في كتب أعداء الدين، أو أنك نشأت في بلاد يظهر فيها عداء الإسلام، وإظهار الضغائن أو إضمارها للإسلام والمسلمين، ولو نشأت بين مسلمين وعرفت أخبار المسلمين، وكذلك تتبعت أحكام المسلمين، وعرفت أهدافها، وكذلك قرأت تاريخ السابقين الأولين؛ لما خطر ذلك بقلبك، ولما وجهت بهذا السؤال الذي يدل على حيرة في نفسك، أو يدل على ضغينة وحقد وبغض للإسلام والمسلمين والعياذ بالله.
نعود فنقول: كلنا -غالباً- قرأنا أو سمعنا تاريخ الخلفاء الراشدين، وكذلك تاريخ الصحابة وسيرهم وأحوالهم، فهل هذا السائل قرأ سيرهم كما ينبغي؟ أليس فيها الفتوحات؟ متى حصلت هذه الانتشارات للإسلام؟! امتد الإسلام في عهدهم، وحصلت الانتصارات التي ليس لها مثيل في عهد الخلفاء الراشدين، وامتدت الفتوحات والظفر للإسلام والمسلمين، أين هذا السائل عن تتبع تلك الوقائع وتلك الغزوات التي أيد الله بها الإسلام وقوى بها المسلمين؟! هذا لا يظهر أنه قرأه ولا خطر بباله.
كذلك أيضاً لا شك أنه لو قرأ سيرة الخلفاء وزهدهم وورعهم وتقشفهم واهتمامهم بالدين، واهتماهم بالعبادة، واهتمامهم بأمر الأمة، وحرصهم على رعايتها، وعلى مصالحها؛ لما خطرت بقلبه هذه الخطرات السيئة، وكذلك لم يقرأ تراجم علماء الأمة من صدر هذه الأمة من التابعين وتابع تابعيهم، الذين فيهم علماء حملوا العلم، وذبوا عنه كل ما هو دخيل عليه، هذا السائل لم يقرأ تراجمهم، ولم يعلم فيهم من النفع، وما لهم من المقامات النافعة، والأماكن التي نصروا فيها الإسلام، ونشروا فيها العلم، ونشروا فيها الدين، وكذلك قيامهم بالعبادات، وزهدهم وورعهم، وتقشفهم مما يدل على رغبتهم في الآخرة، وعدم ميلهم إلى الدنيا، ولا إلى حظوظها؛ كل هذا لم يلتفت إليه السائل.
أما كونه ادعى أنههم ماتوا قتلاً فليس في ذلك نقص عليهم، ولا شك أنهم قتلوا وذلك كرامة لهم، أما أبو بكر فمات على فراشه، وقد قيل: إنه سقي سماً، ولا يستنكر أن يكون بعض أهل الحقد وأهل النفاق دس إليه السم، وتلك كرامة له حتى يموت شهيداً، وهكذا عمر قتله أبو لؤلؤة المجوسي، ثم قتل عثمان، بسبب خلافات بين الأمة، حصل أن بعضاً من الأعراب وجدوا على عثمان بعض الوجد، فثاروا عليه وقتلوه، ثم حصلت الفتنة بين أهل الشام وأهل العراق، تقاتلوا فيها لأجل الانتصار لـ عثمان أو لأجل تثبيت الملك وتثبيت الولاية، وتلك دماء صان الله عنها أيدينا فنصون عنها ألسنتنا.
ثم بعد ذلك استتب الأمن، وانتشر الإسلام، وتمادت الفتوحات في ذلك الزمان، واستمر المسلمون يفتحون البلاد شرقاً وغرباً، فكيف يقال بعد ذلك: إن المتأمل للتاريخ يرى فيه ما ذكره هذا السائل؟! وعلى كل حال: نبرأ إلى الله من هذا الاعتقاد، ونسأله ألا يجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا، وأن يغفر لنا خطايانا.
стр. 798
أسباب الإحسان
السؤال
ما هي الأسباب التي تعين على بلوغ درجة الإحسان؟
الجواب
مرتبة الإحسان أعلى المراتب، والأسباب التي تعين عليها هي تقوية الإيمان بالأدلة، وذلك بأن يؤمن بالأدلة التي تقوي إيمانه بالله، وبملائكته، وبالبعث بعد الموت، وبالآخرة وبما فيها، وبالثواب والعقاب، وبعظمة ربه وجلاله وكبريائه، وما أشبه ذلك، فإذا قوي الإيمان بذلك، فإنه والحال هذه يبقى قلبه مستنيراً، فإذا دخل في عبادة فكأنه ينظر إلى ربه، وإذا خلا بنفسه استحضر أن ربه ينظر إليه، فيبقى في كل حالة لا يغفل عن ربه في وقت من الأوقات.
стр. 799
معنى: لا إسلام لمن لا إيمان له
السؤال
إذا كان الإسلام والإيمان كمثل الشهادتين من شهد بإحداهما لزمته الأخرى، ومن أسلم لا يقبل منه إلا إذا أتى بالإيمان، فلا إيمان لمن لا إسلام له، ولا إسلام لمن لا إيمان له، ولكن قال تعالى: ﴿قَالَتْ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤] فهنا أثبت الله سبحانه للأعراب الإسلام مع أنه سبحانه نفى عنهم الإيمان، فكيف نقول: إنه لا إسلام لمن لا إيمان له؟
الجواب
صحيح أن الله نفى عنهم الإيمان بقوله: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلْ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤] ، ولكن معلوم أنهم كانوا مبتدئين، ولابد أنهم سوف يتلقون تعاليم الإسلام والإيمان شيئاً فشيئاً، وسوف يسمعون الآيات والأدلة شيئاً فشيئاً إلى أن يقوى الإيمان في قلوبهم، وإلى أن يعرفوا ظواهر الأدلة، فعند ذلك يوصفون بالإيمان كما وصفوا بالإسلام، فهم في مبدأ أمرهم قالوا: آمنا، وهم إنما أسلموا ظاهراً، ولم يقم عندهم من الأدلة ما تقر به قلوبهم وتطمئن به إلى صحة ما جاء به الرسول، ولكن لا يزالون يتلقون الأدلة شيئاً فشيئاً إلى أن يصلوا إلى مرتبة الإيمان.
ومعلوم أن هناك من دخل في الإسلام عن اطمئنان، وكانوا مطمئنين به وموقنين به، فهؤلاء من حين دخلوا وهم مصدقون ومسلمون ومؤمنون، وهناك من دخل فيه ظاهراً، ولكنه أراد أن ينظر في عاقبته، فيكون مفكراً وناظراً، فهؤلاء مسلمون، ولعله يقوى الإيمان في قلوبهم، وهناك من دخل في الإسلام ظاهراً ولم يكن في قلوبهم محل للإيمان وهم المنافقون.
стр. 800
متى يسمى الشخص مؤمناً ؟
السؤال
هل هناك درجة ومنزلة ممكن أن يعرف بها الشخص نفسه بأنه مؤمن؟ ومتى يتم إطلاق الإيمان على المسلم حتى يميز بينهما؟
الجواب
كان كثير من المرجئة يلزمون من دخل في الإسلام والإيمان أن يجزم بذلك في نفسه، وينكرون على من استثنى في إسلامه بقوله: أنا مؤمن إن شاء الله، ويسمونهم: شُكاكاً، إذا قال أحد: أنا مؤمن إن شاء الله قالوا: أنت شاك، أنت تشك في إيمانك، ولكن للإسلام والإيمان علامات، فأنت مثلاً إذا رأيت قلبك مطمئناً بالإيمان، ورأيته منشرحاً إلى هذه الأكان، وصدقت بما أخبر الله به عن الدار الآخرة، وأيقنت بأنه لابد من بعث وحساب وجزاء على الأعمال، وآمنت بالغيب إيماناً يقينياً، آمنت بالملائكة ولم ترهم، وبالرسل ولم ترهم، وآمنت بأن هذه الكتب المنزلة من السماء هي كلام الله حقيقة، وإن لم يكن لك إسناد متصل إلى الملك الذي نزل بها، وإن لم تر الملك الذي نزل بها، وآمنت مثلاً بأن الله على كل شيء قدير، وأن قدرته تدخل فيها أعمال العباد ونحوه؛ آمنت بهذه الأركان كلها وصدقت بها، فلماذا لا تقول: أنا مؤمن؟ واستثناؤك حينئذٍ لأجل العاقبة؛ لأنك لا تدري هل تبقى على هذا الوصف أم يعتريك ما يعتريك؛ فلذلك تقول: أنا مؤمن إن شاء الله، وتجزم بأنك مؤمن، وتطمئن نفسك بالإيمان، وتبصر نفسك بأنك مستحق لما يستحقه أهل الإيمان الذين وصفوا بتلك الصفات التي ذكروا بها باسم الإيمان، فعند ذلك لا مانع من أن تقول: أنا مؤمن إن شاء الله.
стр. 801
متى يعتبر الولاء للكفار مخرجاً عن الملة ؟
السؤال
متى يعتبر الولاء للكفار مخرجاً عن الملة؟ وهل مساعدة الكفار بالأموال إذا كانت هذه الأموال ضد المسلمين مخرجه عن الملة؟
الجواب
لا شك أن موالاة الكفار من دون المؤمنين مخرجة من الملة ملحقة بهم؛ لأنها تدل على محبة الكفار، فمن والى أعداء الله فقد عادى أولياء الله ولابد، ومن أحب الكفار لزم أن يكون مبغضاً لأهل الإيمان، إذا أحببت الكفار فأنت مبغض لأهل الإيمان ولابد، ولا شك أن من أحب الكفار قربهم وأدناهم ورفع مقامهم، ولا شك أيضاً أن من أحبهم أعطاهم وفضلهم على غيرهم، وزاد في عطائهم، وحرم أولياء الله، وحقر وصغر من شأنهم وأبعدهم، مما يدل على أنه يحب أعداء الله ويبغض أولياء الله، فإذا كان كذلك فهذا لا شك أنه كفر.
أما إذا كنت مثلاً تعطيه لأجل كف شره، فلا مانع من ذلك، ولا يكون هذا ولاءً؛ لأن الله تعالى قد فرض للمؤلفة قلوبهم حقاً من الزكاة، وقد ذكر العلماء أن من المؤلفة قلوبهم الكفار الذين يخاف من شرهم، فإذا خيف من شر هذا الطاغية المعتدي أن يضر الإسلام جاز أن يعطى من الزكاة تأليفاً، والصحيح أن حق المؤلفة قلوبهم باق كما ذكر الله، لكن إذا قوي الإسلام وقوي أهله ولم يخف من الأعداء، ولا من كيدهم؛ سقط حق المؤلفة قلوبهم.
وعلى كل حال نقول: الولاء والبراء واجب على المسلم، وأما تأليف الكفار عند الخوف من شرهم، وعند قوة بطشهم، والخوف أن يفتكوا بالمسلمين، أو ينضموا إلى الأعداء ويصيرون في جانبهم ويقوونهم أو يخاف أن يؤذوا من عندهم من المؤمنين أو ما أشبه ذلك؛ فلا مانع من مداراتهم ومهاداتهم، ولا يكون ذلك دليلاً على محبتهم، إنما يكون ذلك لكف شرهم.
стр. 802
حكم الاستثناء في الأعمال
السؤال
ما هو مذهب أهل السنة والجماعة في الاستثناء بالمشيئة؟ وهل يستثنى بالأعمال مثلاً يقول: سوف أترك الدخان إن شاء الله، أو ما أشبه ذلك؟
الجواب
مذهب أهل السنة أنه يجوز الاستثناء في الأعمال ويكون على وجه التبرك، قد سمعنا أنه ﷺ استثنى في الأمور المحققة كقوله في زيارة المقابر: (السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون) ، ومعلوم أن الإنسان لابد لاحق بالموتى، لابد أنه سوف يموت، ومع ذلك استثنى، والموت محقق، ومع ذلك يقول: (وإنا إن شاء الله بكم لاحقون) .
كذلك أيضاً ورد الاستثناء في الموت على الشهادة، ففي وصية بعض السلف: (إني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، عليها أحيا، وعليها أموت، وعليها أبعث إن شاء الله) فالاستثناء هذا قيل: إنه عائد عليها كلها، مع أنها محققة، وأن البعث محقق، وقيل: إنه يعود على البعث عليها.
وبكل حال يجوز الاستثناء للتبرك في الأمور التي يعزم الإنسان على فعلها مستقبلاً، فيقول: سوف أصلي إن شاء الله، وسوف أصوم غداً إن شاء الله، ويقول مثلاً: أنا مؤمن إن شاء الله، وأنا مسلم إن شاء الله، ويقصد بذلك التبرك، ولا يقصد بذلك التوقف ولا الشك ولا التردد، هذا في بعض الأعمال.
وأما في بعض التروك فإنه يستثني ولو كان عازماً وجازماً؛ لأن هذا غيب وأمره إلى الله، فإذا عزم مثلاً على أن يترك المحرمات فله أن يستثني، إذا كان مبتلئ مثلاً بالدخان يقول: سوف أترك الدخان إن شاء الله، ولو كان جازماً؛ لأن الترك أمره في المستقبل، وكذلك المعاصي التي يفعلها يعزم على أنه سيتركها، فيقول مثلاً: سأعفي لحيتي إن شاء الله، أو سوف أقصر من ثوبي المسبل إن شاء الله، وهو عازم على ذلك، أو مثلاً سوف أتوب من الربا إن شاء الله، أو من الرياء إذا شاء الله، أو إن شاء الله، يقول ذلك على وجه التبرك، وعلى وجه الرجاء أن ربه يعينه إذ وكل الأمر إليه، فهذا لا بأس به، أما إذا كان على وجه الشك أو على وجه التردد فلا يفعله، بل يجزم بترك المحرمات ولا يتردد في تركها.
стр. 803
معنى: (كل ميسر لما خلق له)
السؤال
نرجو توضيح حديث النبي ﷺ : (كل ميسر لما خلق له) ؟
الجواب
هذا حديث صحيح قاله ﷺ لما قال له الصحابة: (أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ فقال: اعملوا، فكل ميسر لما خلق له، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل:٥-١٠] ) ، فجعل الله كلاً ميسراً لما خلق له، فإذا خلق الله العبد للسعادة يسره لعمل أهل السعادة حتى يموت على ذلك العمل ويكتب سعيداً، وإذا خلق الله العبد للشقاوة خذله ويسر له أسباب الشقاوة حتى يموت عليها، وذلك عدل من الله، وليس فيه ظلم لأحد، ليس هو ظالم لهذا حيث خذله، وليس هو تارك لشيء من حق الإنسان، بل الله تعالى هو المالك للإنسان، وهو الذي يتصرف في الناس كيف يشاء، فمن شاء هداه ومن شاء أضله، وهدايته لهذا تكون بفضله، وإضلاله لهذا عدل منه.
فعلى كل حال (كل ميسر لما خلق له) ، يعني: أنه تتيسر له أو تتوافر له الأسباب التي تؤدي به إلى ذلك الشيء، فإن كان من أهل الشقاوة سلط الله عليه -لحكمة- من يضله، ومن يصده عن القرآن، ويصده عن الحق، ومن كان من أهل السعادة ومن أهل الإيمان، وعلم الله أنه من أهل الخير، يسر الله له من يهديه، ومن يدعوه إلى التوبة النصوح.
стр. 804
صفات المحسنين
السؤال
ما هي صفات المحسنين الذين ذكروا في حديث جبريل ﵇؟
الجواب
صفاتهم ما جاء في قوله: (الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) ، فمن أراد التوسع فليقرأ شرح هذا الحديث في كتاب ابن رجب (جامع العلوم والحكم) ، وأورد له أمثله، وشرحه حافظ الحكمي في المجلد الثاني من معارج القبول، وأورد له أمثله، ومعلوم أنه في هذا الحديث قسم الناس إلى قسمين: من يعبد الله كأنه ينظر إلى ربه، ومن يعبد الله وهو يستحضر أن ربه يراه، وتسمى الحالة الأولى: عين المشاهدة، وتسمى الحالة الثانية: عين المراقبة، فعين المشاهدة أن يمثل أنه أمام ربه، كأنه ينظر إلى ربه، واقف بين يديه، وفي هذه الحالة إذا كان يصلي أو إذا كان يذكر الله أو إذا كان يدعوه ماذا تكون حالته؟ لا شك أنه يحضر قلبه، ويحضر قالبه، وتسكن أعضاؤه، ويخشع ويخضع وينيب، ويخبت إلى الله تعالى، ويكثر من ذكره، وهكذا عين المراقبة، وهو الذي يستحضر أن ربه يراه، أما حال الكثير من الناس إذا صلى أحدهم غفل في صلاته ولم يدر ما يقول، ولم يستحضر ما هو فيه، فإنه لم تتحقق له عين المشاهدة ولا عين المراقبة.
стр. 805
سبب تحريف المبتدعة للآيات والأحاديث
السؤال
لماذا تسلط المبتدعة على تحريف آيات وأحاديث الصفات؟
الجواب
المبتدعة مثل المعتزلة تركزت في نفوسهم أو في فطرهم أو في عقولهم عقيدة سيئة، وهي: عدم الإقرار بصفات الله، وادّعوا أنها تنافي العقول، فلما ارتكزت تلك العقيدة في قلوبهم، وجاءتهم الأدلة التي تخالف ما في فطرهم وما في عقولهم الفاسدة؛ لم يجدوا بداً من أن يؤولوها ويحرفوها ويسلطوا عليها أنواع التحريف، والسبب الوحيد في ذلك هو أنها خالفت معتقدهم، ومعتقدهم مبني على شبهات تلقوها من كتب المتكلمين، ومن كتب اليونان والمشركين.
стр. 806
معنى الجواهر المفردة
السؤال
ما معنى الجواهر المفردة؟ وهل يجوز التسمية بمد الله وجار الله، وغرم الله، وأشباهها؟
الجواب
الجواهر المفردة كلمة يستعملها المتكلمون، ونحن لا حاجة بنا إلى هذه الاصطلاحات، لكنهم يقسمون الموجودات إلى قسمين: جواهر وأعراض، فالجوهر ما له جرم يمكن إدراكه، ويمكن رؤيته، ويمكن لمسه، فيسمونه جوهراً، والأعراض ما ليس له جرم، بل هو عرض، فمثلاً: الكلام الذي يتكلم به الإنسان ليس له جرم، ما يمكن أن تقبض على كلام متكلم إذا خرج من فمه، فيسمونه عرضاً، الصلاة إذا صلاها الإنسان صعدت إلى السماء، فالصلاة عرض ليس لها جرم تشاهدونه، فيقولون: هذه أعراض، وهذه جواهر، فكل شيء له جرم حتى مثل حبة الرمل يسمونه جوهراً، ويقولون: إن جميع الموجودات التي لها جرم مركبة من الجواهر المفردة، يمكن أن ترجع إلى جواهر صغيرة لا يدركها البشر، وكل شيء من الموجودات من الحديد والأخشاب والفرش والحيوانات والجبال والصخور ونحوها جواهر مركبة، فتكلموا في هذا وأطالوا الكلام، ولا حاجة بنا إلى أن نناقشهم، وذلك من فضول الكلام.
أما الأسماء التي ذكرها فهي أسماء اصطلاحية، فاسم: (جار الله) يستعمل بمعنى المجاور الذي يجاور في مكان مقرب إلى الله، وقد سمي به قديماً الزمخشري صاحب التفسير؛ لأنه جاء إلى مكة، وأطال الإقامة في المسجد الحرام، فكان مجاوراً، فسمي جار الله، ويسمى به في الناس، بمعنى أنه مجاور لله، أي: متعبد له أو نحو ذلك تفاؤلاً، فلا بأس بذلك.
أما بقية الأسماء فينظر إلى معانيها، فاسم (غرم الله) يستثقل؛ وذلك لأن فيه أن الله تعالى غرم لهذا الإنسان عن ولد مات له أو نحو ذلك، فالأقرب أنه ينهى عنه؛ لأن الغرم أصله التحمل، مثل تحمل الدين ونحوه؛ ولهذا استعاذ النبي ﷺ من المأثم والمغرم، وقال: (إن الرجل إذا غرم حدث فكذب، ووعد فأخلف) ، وبقية الأسماء التي تضاف إلى الله ينظر في معانيها، مثل: وصل الله، أو رجاء الله، أو فرج الله، أو رزق الله، فهذه لا بأس بمعانيها، والأولى التعبيد باسماء الله كعبد الله، وعبد الرحمن، وعبد العزيز وما أشبهها.
стр. 807
هل (الشارع) من أسماء الله
السؤال
نعلم أنه لا يجوز أن يسمى الله إلا بما سمى به نفسه، أو سماه به رسوله ﷺ ، ومع هذا نسمع كثيراً من الناس يقولون: قال الشارع الحكيم، فهل لفظ الشارع من أسماء الله ، أم أنها عبارة درجت على أنه هو الذي شرع الأحكام، ومثلها الصانع وغيرها؟
الجواب
هذه كلمة مشتهرة، ولكن لا يقصد بها أنها من الأسماء الحسنى، وإنما يقصدون بها الصفة، يعني: أنه هو الذي شرع الأحكام وبينها، وكذلك كلمة (الصانع) أيضاً مشتهرة في تعبيرات المتكلمين أولاً، مثل قولهم: جحود الصانع، وجود الصانع، وقد استعملها أيضاً بعض الأئمة كـ ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ [البقرة:٢٢] قال: الاستدلال على وجود الصانع وما أشبه ذلك، وبكل حال فيقصد بها معنى: أنه الذي أوجد الخلق، وقد ذكرها الله تعالى في قوله: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل:٨٨] يعني: إيجاده واختراعه وإبداعه.
стр. 808
سبب رد بعض الأحاديث الصحيحة
السؤال
فضيلة الشيخ! قلتم: إن النقل الصريح لا يعارض العقل الصريح والسليم من الزيغ والانحراف، لكننا نجد من علماء المسلمين والمثقفين والدعاة من يردون بعض الأحاديث الصحيحة؛ لعدم موافقتها لعقولهم، فكيف نفسر ذلك؟
الجواب
قد ذكرنا أن تلك العقول عقول ناقصة، عقول مضطربة، وأن الواجب على الإنسان أن يتهم عقله، ولا يرد الأحاديث إذا لم توافق مزاجه، بل يتهم فهمه بالخطأ ونحوه، وقد أنكر بعض المتأخرين بعض الأحاديث التي خالفت الواقع في هذه الأزمنة أو قبلها، ولكن لا عبرة بردهم، وكذلك غيرهم من المتقدمين، فردوا مثلاً أحاديث في صحيح البخاري كحديث عائشة (أن النبي ﷺ سحر حتى كان يخيل أنه يفعل الشيء وما يفعله) إلخ، فقالوا: إن هذا يخالف العصمة، وأنه وأنه وأجاب العلماء عن ذلك وبينوا أنه لم يقع في أمر الشرع.
والسحر له حقيقة، وأنكرت المعتزلة ونحوهم حقيقة السحر، وردوا الأحاديث التي في ذلك، مع وجودها وصراحتها، ومع مشاهدة الناس أن الساحر قد يؤثر، وأخبر الله تعالى بذلك.
كذلك في هذه الأزمنة أيضاً قرأت لبعضهم إنكاراً لبعض الأحاديث، كقوله ﷺ : (لولا بني إسرائيل لم يخنز اللحم) أي: لم ينتن، يعني: أنهم لما أعطاهم الله تعالى السلوى صاروا يدخرون لغد ولبعد غد، فصار اللحم ينتن، نقول: وما المانع من ذلك؟ وإن كانت طبيعة اللحم أنه إذا تأخر يتغير، لكن قد يجعل الله له ما يكافحه وما يزيل عنه ذلك النتن.
وكذلك أحاديث عذاب القبر أنكرها بعضهم، وقالوا: إننا نكشف عن الميت بعد مدة فنجده كما وضعناه، ولا نجد أثراً لعذاب القبر ولا لنعيمه ولا لغير ذلك.
فيقال لهم: إن عالم الأرواح غير عالم الأجساد، وإن العذاب في القبر على الروح ولا على الجسد، الجسد تأكله الأرض، ويكون تراباً.
والحاصل أننا لا نلتفت إلى هؤلاء الذين يطعنون في الأحاديث لمجرد عرضها على العقل.
فالأولون من معتزلة ونحوهم ما كانوا يردون إلا الأحاديث التي تتعلق بالصفات، أما أحادث البعث والنشور فإنهم يقرونها، ويوافقون عليها، وأما هؤلاء العصريون فينكرون الأحاديث الحسية كالأحاديث التي تخالف فطرهم مثلاً، أو تخالف ما تجدد لهم من المصنوعات ونحوها، وما علموا أن قدرة الله غالبة على كل شيء.
стр. 809
معنى الهرولة والتردد الواردين في حديث: (وما ترددت في شيء مثل ترددي في قبض روح عبدي
السؤال
ما معنى الهرولة والتردد الواردان في حديث: (وما ترددت في شيء مثل ترددي في قبض روح عبدي) ؟
الجواب
الصحيح أن الهرولة هنا بمعنى قرب الرب تعالى إلى عبده بثوابه، فالقرب معنوي، العبد لا يتجاوز مكانه، وإنما تقرباته بالأعمال، فقرب الرب إليه، وهرولته -يعني: إسراعه- إنما هو بالأعمال، بكثرة الثواب، فلا يقال: إن الهرولة صفة من صفات الله في هذا الحديث، إنما ذكرها على وجه المبالغة في كثرة الثواب، قال: (من تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً) ، العبد ما يتقرب شبراً، يعني: هو مكانه، ولكن تقرب بالأعمال، (من تقرب إلي ذراعاً) ، العبد لا يتزحزح عن مكانه، ولكن تقرب بالأعمال (من أتاني يمشي) ، العبد لا يتجاوز مكانه بهذا المشي، المراد بالمشي هنا مواصلة الأعمال الصالحة، يعني: كثرة الأعمال الصالحة، وعبر عن ذلك بالمشي.
إذاً: هذا الحديث إنما فيه المماثلة، فقرب العبد بالأعمال، وقرب الرب بالثواب، وكذلك المشي والهرولة.
أما التردد فليس معناه التوقف في الشيء، وعدم الجزم به ونحو ذلك، لكن لما كان العبد يكره الموت، فإن الله تعالى يكره ما يسوءه، فالتردد هو الكراهية، يعني: كراهية الله تعالى لما يسوء العبد، وليس هو بمعنى التوقف في الشيء وعدم الجزم بفعله، ولأجل ذلك قال في تمام الحديث: (ولا بد له منه) .
стр. 810
قول الشاعر: نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه
السؤال
يقول الشاعر في رثاء النبي ﷺ أبياتاً منها: نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه فيه العطاء وفيه الجود والكرم فما رأي فضيلتكم في هذا البيت جزاكم الله خيراً؟
الجواب
هذا البيت نقل عن أعرابي فيما نقله العتبي، وذكره ابن كثير عند تفسير الآية التي في سورة النساء، وهي قول الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً﴾ [النساء:٦٤] وبالبحث عن هذه الحكاية لم يوجد لها سند صحيح، ولو ذكرها ابن كثير وأقرها، ولو ذكرها غيره، فهي حكاية باطلة لا أصل لها، ولا يجوز اتخاذها حجة في دعاء الرسول ﷺ بعد موته، والبيت معناه صحيح، يعني: أنه ﷺ خير من دفنت بالقاع أعظمه، وأن قبره فيه العفاف وفيه الكرم، فالمعنى صحيح، ولكن القصة التي فيها أنه جاء قاصداً للنبي ﷺ وقرأ هذه الآية: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً﴾ [النساء:٦٤] وأنشد الأبيات، وطلب من الرسول المغفرة، وبعد ذلك يقول العتبي: نمت، فرأيت الرسول ﷺ فقال: أدرك الأعرابي، وأخبره أن الله قد غفر له.
فهذه حكاية باطلة، وأما البيت فمعناه صحيح.
следующие страницы →