Полный текст (1 175 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
معنى الجواهر المفردة
السؤال
ما معنى الجواهر المفردة؟ وهل يجوز التسمية بمد الله وجار الله، وغرم الله، وأشباهها؟
الجواب
الجواهر المفردة كلمة يستعملها المتكلمون، ونحن لا حاجة بنا إلى هذه الاصطلاحات، لكنهم يقسمون الموجودات إلى قسمين: جواهر وأعراض، فالجوهر ما له جرم يمكن إدراكه، ويمكن رؤيته، ويمكن لمسه، فيسمونه جوهراً، والأعراض ما ليس له جرم، بل هو عرض، فمثلاً: الكلام الذي يتكلم به الإنسان ليس له جرم، ما يمكن أن تقبض على كلام متكلم إذا خرج من فمه، فيسمونه عرضاً، الصلاة إذا صلاها الإنسان صعدت إلى السماء، فالصلاة عرض ليس لها جرم تشاهدونه، فيقولون: هذه أعراض، وهذه جواهر، فكل شيء له جرم حتى مثل حبة الرمل يسمونه جوهراً، ويقولون: إن جميع الموجودات التي لها جرم مركبة من الجواهر المفردة، يمكن أن ترجع إلى جواهر صغيرة لا يدركها البشر، وكل شيء من الموجودات من الحديد والأخشاب والفرش والحيوانات والجبال والصخور ونحوها جواهر مركبة، فتكلموا في هذا وأطالوا الكلام، ولا حاجة بنا إلى أن نناقشهم، وذلك من فضول الكلام.
أما الأسماء التي ذكرها فهي أسماء اصطلاحية، فاسم: (جار الله) يستعمل بمعنى المجاور الذي يجاور في مكان مقرب إلى الله، وقد سمي به قديماً الزمخشري صاحب التفسير؛ لأنه جاء إلى مكة، وأطال الإقامة في المسجد الحرام، فكان مجاوراً، فسمي جار الله، ويسمى به في الناس، بمعنى أنه مجاور لله، أي: متعبد له أو نحو ذلك تفاؤلاً، فلا بأس بذلك.
أما بقية الأسماء فينظر إلى معانيها، فاسم (غرم الله) يستثقل؛ وذلك لأن فيه أن الله تعالى غرم لهذا الإنسان عن ولد مات له أو نحو ذلك، فالأقرب أنه ينهى عنه؛ لأن الغرم أصله التحمل، مثل تحمل الدين ونحوه؛ ولهذا استعاذ النبي ﷺ من المأثم والمغرم، وقال: (إن الرجل إذا غرم حدث فكذب، ووعد فأخلف) ، وبقية الأسماء التي تضاف إلى الله ينظر في معانيها، مثل: وصل الله، أو رجاء الله، أو فرج الله، أو رزق الله، فهذه لا بأس بمعانيها، والأولى التعبيد باسماء الله كعبد الله، وعبد الرحمن، وعبد العزيز وما أشبهها.
стр. 807
هل (الشارع) من أسماء الله
السؤال
نعلم أنه لا يجوز أن يسمى الله إلا بما سمى به نفسه، أو سماه به رسوله ﷺ ، ومع هذا نسمع كثيراً من الناس يقولون: قال الشارع الحكيم، فهل لفظ الشارع من أسماء الله ، أم أنها عبارة درجت على أنه هو الذي شرع الأحكام، ومثلها الصانع وغيرها؟
الجواب
هذه كلمة مشتهرة، ولكن لا يقصد بها أنها من الأسماء الحسنى، وإنما يقصدون بها الصفة، يعني: أنه هو الذي شرع الأحكام وبينها، وكذلك كلمة (الصانع) أيضاً مشتهرة في تعبيرات المتكلمين أولاً، مثل قولهم: جحود الصانع، وجود الصانع، وقد استعملها أيضاً بعض الأئمة كـ ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ [البقرة:٢٢] قال: الاستدلال على وجود الصانع وما أشبه ذلك، وبكل حال فيقصد بها معنى: أنه الذي أوجد الخلق، وقد ذكرها الله تعالى في قوله: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل:٨٨] يعني: إيجاده واختراعه وإبداعه.
стр. 808
سبب رد بعض الأحاديث الصحيحة
السؤال
فضيلة الشيخ! قلتم: إن النقل الصريح لا يعارض العقل الصريح والسليم من الزيغ والانحراف، لكننا نجد من علماء المسلمين والمثقفين والدعاة من يردون بعض الأحاديث الصحيحة؛ لعدم موافقتها لعقولهم، فكيف نفسر ذلك؟
الجواب
قد ذكرنا أن تلك العقول عقول ناقصة، عقول مضطربة، وأن الواجب على الإنسان أن يتهم عقله، ولا يرد الأحاديث إذا لم توافق مزاجه، بل يتهم فهمه بالخطأ ونحوه، وقد أنكر بعض المتأخرين بعض الأحاديث التي خالفت الواقع في هذه الأزمنة أو قبلها، ولكن لا عبرة بردهم، وكذلك غيرهم من المتقدمين، فردوا مثلاً أحاديث في صحيح البخاري كحديث عائشة (أن النبي ﷺ سحر حتى كان يخيل أنه يفعل الشيء وما يفعله) إلخ، فقالوا: إن هذا يخالف العصمة، وأنه وأنه وأجاب العلماء عن ذلك وبينوا أنه لم يقع في أمر الشرع.
والسحر له حقيقة، وأنكرت المعتزلة ونحوهم حقيقة السحر، وردوا الأحاديث التي في ذلك، مع وجودها وصراحتها، ومع مشاهدة الناس أن الساحر قد يؤثر، وأخبر الله تعالى بذلك.
كذلك في هذه الأزمنة أيضاً قرأت لبعضهم إنكاراً لبعض الأحاديث، كقوله ﷺ : (لولا بني إسرائيل لم يخنز اللحم) أي: لم ينتن، يعني: أنهم لما أعطاهم الله تعالى السلوى صاروا يدخرون لغد ولبعد غد، فصار اللحم ينتن، نقول: وما المانع من ذلك؟ وإن كانت طبيعة اللحم أنه إذا تأخر يتغير، لكن قد يجعل الله له ما يكافحه وما يزيل عنه ذلك النتن.
وكذلك أحاديث عذاب القبر أنكرها بعضهم، وقالوا: إننا نكشف عن الميت بعد مدة فنجده كما وضعناه، ولا نجد أثراً لعذاب القبر ولا لنعيمه ولا لغير ذلك.
فيقال لهم: إن عالم الأرواح غير عالم الأجساد، وإن العذاب في القبر على الروح ولا على الجسد، الجسد تأكله الأرض، ويكون تراباً.
والحاصل أننا لا نلتفت إلى هؤلاء الذين يطعنون في الأحاديث لمجرد عرضها على العقل.
فالأولون من معتزلة ونحوهم ما كانوا يردون إلا الأحاديث التي تتعلق بالصفات، أما أحادث البعث والنشور فإنهم يقرونها، ويوافقون عليها، وأما هؤلاء العصريون فينكرون الأحاديث الحسية كالأحاديث التي تخالف فطرهم مثلاً، أو تخالف ما تجدد لهم من المصنوعات ونحوها، وما علموا أن قدرة الله غالبة على كل شيء.
стр. 809
معنى الهرولة والتردد الواردين في حديث: (وما ترددت في شيء مثل ترددي في قبض روح عبدي
السؤال
ما معنى الهرولة والتردد الواردان في حديث: (وما ترددت في شيء مثل ترددي في قبض روح عبدي) ؟
الجواب
الصحيح أن الهرولة هنا بمعنى قرب الرب تعالى إلى عبده بثوابه، فالقرب معنوي، العبد لا يتجاوز مكانه، وإنما تقرباته بالأعمال، فقرب الرب إليه، وهرولته -يعني: إسراعه- إنما هو بالأعمال، بكثرة الثواب، فلا يقال: إن الهرولة صفة من صفات الله في هذا الحديث، إنما ذكرها على وجه المبالغة في كثرة الثواب، قال: (من تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً) ، العبد ما يتقرب شبراً، يعني: هو مكانه، ولكن تقرب بالأعمال، (من تقرب إلي ذراعاً) ، العبد لا يتزحزح عن مكانه، ولكن تقرب بالأعمال (من أتاني يمشي) ، العبد لا يتجاوز مكانه بهذا المشي، المراد بالمشي هنا مواصلة الأعمال الصالحة، يعني: كثرة الأعمال الصالحة، وعبر عن ذلك بالمشي.
إذاً: هذا الحديث إنما فيه المماثلة، فقرب العبد بالأعمال، وقرب الرب بالثواب، وكذلك المشي والهرولة.
أما التردد فليس معناه التوقف في الشيء، وعدم الجزم به ونحو ذلك، لكن لما كان العبد يكره الموت، فإن الله تعالى يكره ما يسوءه، فالتردد هو الكراهية، يعني: كراهية الله تعالى لما يسوء العبد، وليس هو بمعنى التوقف في الشيء وعدم الجزم بفعله، ولأجل ذلك قال في تمام الحديث: (ولا بد له منه) .
стр. 810
قول الشاعر: نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه
السؤال
يقول الشاعر في رثاء النبي ﷺ أبياتاً منها: نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه فيه العطاء وفيه الجود والكرم فما رأي فضيلتكم في هذا البيت جزاكم الله خيراً؟
الجواب
هذا البيت نقل عن أعرابي فيما نقله العتبي، وذكره ابن كثير عند تفسير الآية التي في سورة النساء، وهي قول الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً﴾ [النساء:٦٤] وبالبحث عن هذه الحكاية لم يوجد لها سند صحيح، ولو ذكرها ابن كثير وأقرها، ولو ذكرها غيره، فهي حكاية باطلة لا أصل لها، ولا يجوز اتخاذها حجة في دعاء الرسول ﷺ بعد موته، والبيت معناه صحيح، يعني: أنه ﷺ خير من دفنت بالقاع أعظمه، وأن قبره فيه العفاف وفيه الكرم، فالمعنى صحيح، ولكن القصة التي فيها أنه جاء قاصداً للنبي ﷺ وقرأ هذه الآية: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً﴾ [النساء:٦٤] وأنشد الأبيات، وطلب من الرسول المغفرة، وبعد ذلك يقول العتبي: نمت، فرأيت الرسول ﷺ فقال: أدرك الأعرابي، وأخبره أن الله قد غفر له.
فهذه حكاية باطلة، وأما البيت فمعناه صحيح.
стр. 811
هل الولاية رتبة فوق الإيمان
السؤال
هل الولاية رتبة فوق رتبة الإيمان؟
الجواب
الولاية هي من آثار الإيمان، من كان مؤمناً فإنه ولي، والله تعالى هو مولى عباده المؤمنين، ﴿اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد:١١] فهو مولى المؤمنين ووليهم ﴿إِنَّ وَلِيِّي اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ [الأعراف:١٩٦] ، فمن كان مؤمناً فإنه من أولياء الله، فهما متلازمان.
стр. 812
حال الوليد بن عقبة
السؤال
يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات:٦] هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة، فهل يجوز أن يقال: إنه فاسق مطلقاً أم نقول: إنه فاسق بهذا الفعل أم لا نصفه بهذا الوصف في كلا الموضعين، وذلك لأنه صحابي ﵁؟
الجواب
لا ينكر هذا حتى ولو كان من الصحابة، وقد جلده علي ﵁ في شرب الخمر بأمر أمير المؤمنين عثمان، جلده أربعين جلدة، وكذلك أيضاً صلى في ولاية عثمان بالناس وهو سكران، فالحاصل أنه لا يستنكر إذا وصف في هذه الآية بأنه فاسق، ولكن فسقه لا يخرجه من الإيمان، ولا يدخله في الكفر، إنما هو فسق عملي.
стр. 813
معنى حديث: (من صلى الصبح فهو في ذمة الله)
السؤال
ما معنى: في ذمة الله في الحديث الذي قال عنه النبي ﷺ : (من صلى الصبح فهو في ذمة الله حتى يمسي) ؟
الجواب
الذمة العهد، ذمة الله تعالى بمعنى: عهده، أي: أن الله تعالى يتولاه ويحفظه فلا يجوز لأحد أن يعتدي عليه، ولا أن يمد يده إليه لكونه في ذمة الله، يعني: في جوار الله تعالى وفي حمايته وفي عصمته، وبكل حال نقول: إن مثل هذه الصفات وهذه الأحاديث تؤخذ على ظاهرها، ولكن لا يكون الإنسان متساهلاً في الطاعات ومعتمداً على بعضها، فيقول: ما دام صليت الصبح فأنا في ذمة الله، فسوف أفعل وأفعل من المعاصي ونحوه، لا يعتمد على ذلك، فإن الصلاة ما لم يكن لها تأثير عليه لم تكن صلاة صحيحة مفيدة.
стр. 814
معنى قول الشارح: والمراد بالحسنة هنا النعمة إلى آخر كلامه
السؤال
نرجو من فضيلتكم التوضيح لقول الشارح رحمه الله تعالى: (والمراد بالحسنة هنا النعمة، وبالسيئة البلية في أصح الأقوال.
إلى أن قال الشارح: ولكن لا منافاة بين أن تكون سيئة العمل وسيئة الجزاء من نفسه، مع أن الجميع مقدر، فإن المعصية الثانية قد تكون عقوبة الأولى، فتكون من سيئات الجزاء، مع أنها من سيئات العمل، والحسنة الثانية قد تكون من ثواب الأولى) ؟
الجواب
قد ذكرنا أن الحسنة هي النعم، والسيئة هي البلايا، وأن الجميع من الله خلقاً وتكويناً، ولكن قد تكون أيضاً ابتلاء وامتحاناً، فتكون النعم ابتلاء، وتكون السيئات ابتلاء، وقد تكون الحسنة بسبب من العبد وهو الأعمال الصالحة، والسيئة بسبب من العبد وهي الأعمال السيئة، وقد تكون الحسنة ثواباً لحسنة قبلها، والسيئة عقوبة لسيئة قبلها، ورد في بعض الآثار أن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها، وإن من عقوبة السيئة السيئة بعدها.
وبكل حال فقد فصلنا في الحسنات والسيئات، وذكرنا أن الله تعالى يبتلي بالخير ويبتلي بالشر، وله الحكمة فيما يبتلي به، وكلام الشارح ظاهر لا خفاء فيه.
стр. 815
توجيه تمني أسامة للإسلام بعد قتله لمن نطق بالشهادة
السؤال
ورد أن أسامة ﵁ لما قتل الذي قال: لا إله إلا الله، وأنكر عليه النبي ﷺ ؛ تمنى أن يكون أسلم ذلك اليوم، فما هو توجيه ذلك التمني؟ هل أنه أراد إسلاما ًبلا ذنب أم أن سببه هذا التوبيخ من النبي ﷺ ؟
الجواب
لا شك أنه خاف لما قال له النبي ﷺ : (كيف تفعل بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟ أقتلته بعد ما قال: لا إله إلا الله؟!) وكرر عليه، فخاف أن يكون قد حبط عمله، وقال: لو كنت أسلمت الآن ولم أسلم قبل ذلك لكان ذلك أولى لي، حتى أستقبل عملاً جديداً، فهو يخشى أن يكون قد حبط عمله بقتله الرجل، وتمنى أنه ما أسلم إلا بعده.
وعلى كل حال فإنه ﵁ قتله متأولاً؛ وذلك لأنه ظن أنه لم يقلها عن يقين، فلذلك أقدم على قتله، وبين العلماء الحكم فقالوا: الكفار الذين يمتنعون من لا إله إلا الله، إذا قوتلوا فنطق واحد منهم يكف عنه حتى يختبر بعد ذلك هل قالها عن يقين؟ وهل يعمل بها أم لا؟ أما الذين يقولونها ويقاتلون لأجل أمر آخر كالذين يقاتلون لإنكارهم الرسالة، أو لإنكارهم البعث، أو لطعنهم في القرآن مثلاً، أو لإنكارهم العبادات كالصلوات ونحوها؛ فهؤلاء لو قالوها ما ردت عنهم؛ لأنهم يقولونها قبل القتال، إنما قوتلوا لشيء آخر.
стр. 816
شرح العقيدة الطحاوية [٦٣]
إن من حكمة الله وعدله أنه لابد أن يبعث الأجساد بعد موتها، لينتصف للمظلومين، ويجاري المحسنين، وقد اهتم أهل السنة بجمع أدلة البعث من القرآن والسنة وغيرها، وذلك تبعاً لاهتمام الشرع بذلك.
стр. 817
الإيمان بالبعث
قال المؤلف ﵀: [قوله: (ونؤمن بالبعث وجزاء الأعمال يوم القيامة، والعرض والحساب، وقراءة الكتاب والثواب والعقاب، والصراط والميزان) الإيمان بالمعاد مما دل عليه الكتاب والسنة والعقل والفطرة السليمة، فأخبر الله سبحانه عنه في كتابه العزيز، وأقام الدليل عليه، ورد على منكريه في غالب سور القرآن.
وذلك أن الأنبياء ﵈ كلهم متفقون على الإيمان بالآخرة، فإن الإقرار بالرب عام في بني آدم، وهو فطري، كلهم يقر بالرب إلا من عاند كفرعون، بخلاف الإيمان باليوم الآخر، فإن منكريه كثيرون، ومحمد ﷺ لما كان خاتم الأنبياء، وكان قد بعث هو والساعة كهاتين، وكان هو الحاشر المقفي؛ بيّن تفصيل الآخرة بياناً لا يوجد في شيء من كتب الأنبياء؛ ولهذا ظن طائفة من المتفلسفة ونحوهم أنه لم يفصح بمعاد الأبدان إلا محمد ﷺ ، وجعلوا هذه حجة لهم في أنه من باب التخييل والخطاب الجمهوري.
والقرآن بين معاد النفس عند الموت، ومعاد البدن عند القيامة الكبرى في غير موضع، وهؤلاء ينكرون القيامة الكبرى، وينكرون معاد الأبدان، ويقول من يقول منهم: إنه لم يخبر به إلا محمد ﷺ على طريق التخييل، وهذا كذب، فإن القيامة الكبرى هي معروفة عند الأنبياء من آدم إلى نوح إلى إبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم ﵈.
وقد أخبر الله بها من حين أن أهبط آدم، فقال تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ * قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾ [الأعراف:٢٤-٢٥] ، ولما قال إبليس اللعين: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنْ الْمُنْظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ [الحجر:٣٦-٣٨] .
وأما نوح ﵇ فقال: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنْ الأَرْضِ نَبَاتاً * ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً﴾ [نوح:١٧-١٨] .
وقال إبراهيم ﵇: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء:٨٢] إلى آخر القصة، وقال: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم:٤١] ، وقال ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة:٢٦٠] .
وأما موسى ﵇ فقال الله تعالى لما ناجاه: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى * فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى﴾ [طه:١٥-١٦] بل مؤمن آل فرعون كان يعلم المعاد، وإنما آمن بموسى قال تعالى حكاية عنه: ﴿وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنْ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [غافر:٣٢-٣٣] إلى قوله تعالى: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ [غافر:٣٩] إلى قوله: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦] .
وقال موسى: ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف:١٥٦] ، وقد أخبر الله في قصة البقرة: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:٧٣]] .
هذا الكلام وما بعده يتعلق بالبعث بعد الموت، الذي هو بعث الأجساد وحشرها، ونشرها، وإعادة الأرواح إلى الأجساد، وجمع الأجساد بعد أن بليت وبعد أن صارت تراباً، وبعد أن تمزقت وتفرقت، فيبعثها الله، ويعيد إليها الحياة، وتتصل بها أرواحها اتصالاً أبدياً محكماً ليس بعده انفصال، ليس كاتصالها بها في الدنيا الذي يعتريه شيء من الانفصالات، هذا هو البعث بعد الموت، فمتى يكون؟ يكون يوم القيامة عندما ينفخ في الصور، وقيل: إن الصور هو قرن واسع كبير، فيه ثقوب بعدد أرواح بني آدم، ينفخ فيه إسرافيل فتخرج كل روح من ثقب وتصل إلى جسدها، وقبل النفخ في الصور ينزل الله مطراً فتنبت منه أجسادهم، والله قادر على أن ينبتها بدون مطر وغيره، كما في هذه الآية: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنْ الأَرْضِ﴾ [نوح:١٧] (أنبتكم) يعني: أخرجكم إلى هذا الوجود.
стр. 818
اهتمام القرآن والسنة بالإيمان بالبعث أكثر من غيره
الإيمان باليوم الآخر والبعث: هو ركن أساسي من أركان الإيمان، وقد يكون هو الركن المؤكد عليه دائماً؛ ولأجل هذا كثيراً ما يقتصر عليه مع الإيمان بالله في كثير من الأحاديث كقوله ﷺ : (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت، من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذِ جاره) ، (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث) .
لم يذكر مع الإيمان بالله إلا الإيمان باليوم الآخر؛ وذلك لأن اليوم الآخر وقع فيه الخلاف بين الرسل وأممهم، وأنكره المشركون وبالغوا في إنكاره، واعتقدوا أن الأجساد بعد موتها تضمحل ولا تعود، وأنه ليس هناك حياة، وأن هذه الدنيا باقية وليس لها فناء؛ ولهذا حكى الله عنهم أنهم يقولون: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ﴾ [الجاثية:٢٤] أي: الزمان، ومعنى قولهم: نموت ونحيا أي: يموت قوم ويحيا آخرون، وهو معنى قولهم: أرحام تدفع، وأرض تبلع، هذه عقيدة أولئك المشركين، وهي أيضاً عقيدة الدهريين.
فالإيمان بالله واليوم الآخر آكد أركان الإيمان، فهو آكد من الإيمان بالكتب، ومن الإيمان بالرسل، ومن الإيمان بالملائكة ونحو ذلك؛ لأن الخلاف في الإيمان بها قليل بخلاف الإيمان باليوم الآخر فإن المنكرين له كثير، ولما كان الأمر كذلك، جاءت الأدلة الكثيرة عليه، فلا تحصى الآيات التي تؤكد البعث بعد الموت، وستأتينا آيات مشروحة موضحة لما حكى الله، ولما رد الله به على المشركين الذين أنكروا البعث بعد الموت، وكيف أنه احتج عليهم بحجج عظيمة، فإذا آمن العباد باليوم الآخر وبما بعده فإنهم يستعدون لذلك اليوم بالأعمال الصالحة التي يكونون بها سعداء، وإذا لم يؤمنوا به فإنهم لا يهتمون إلا بهذه الحياة، حيث إنهم ليس في نظرهم حياة أخرى بعد هذه الحياة.
فعرفنا بذلك أن الإيمان باليوم الآخر من آكد أركان الإيمان، وهو يعم -كما تقدم- البرزخ والحشر، ولكن أكثر ما يركز على الحشر الذي هو حياة الأجساد وحشرها وحسابها وجمع الناس في الدار الآخرة وما أشبه ذلك وما بعده، وهكذا إلى أن يحصل الجزاء على الأعمال، وإدخال أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار.
هذا هو الذي اتفقت عليه دعوة الرسل، وهذه الآيات التي سمعنا لا شك أنها تدل على أن الرسل مجمعون على أن اليوم الآخر لابد منه وأنه سيأتي، كما في قول نوح ﵇: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنْ الأَرْضِ نَبَاتاً * ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً﴾ [نوح:١٧-١٨] ، ينبههم على أنهم سيخرجون منها، مثل قوله تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه:٥٥] .
وكذلك بقية الرسل ذكروا البعث لأتباعهم، وكانوا يحثونهم على الإيمان بالله وعلى الإيمان بالبعث بعد الموت وعلى الاستعداد له، وكذلك غير الأنبياء كما سمعنا من مؤمن آل فرعون الذي قال: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ﴾ [غافر:٣٢] ، وهو يوم القيامة، وقوله: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [غافر:٤٠] ، فكل ذلك دليلٌ على أن أتباع الأنبياء أيضاً صرحوا بأنهم يؤمنون باليوم الآخر.
من الإيمان بالله الإيمان باليوم الآخر؛ لأنه خبر الله، فالله هو الذي أخبر باليوم الآخر، وبما يكون في اليوم الآخر، فمن آمن بالله آمن بأخبار الله.
واليوم الآخر يشمل البعث وما بعده، بل يشمل الموت وما بعده، ولكن أكثر ما يذكرون البعث بعد الموت، وما بعده من الجزاء والحساب والثواب والحوض والميزان وجزاء الأعمال ومحاسبة الله تعالى للعباد، وما يكون في عرصات القيامة من طول الوقوف ومن طلب الشفاعة، ومن الأهوال وطول ذلك اليوم الذي يجعل الولدان شيباً، فيؤمن أهل السنة بذلك على التفصيل الذي ذكره الله تعالى، ومن آثار إيمانهم الاستعداد ليوم المعاد، فإن الذي يؤمن بالشيء ويصدق به تظهر عليه آثاره، فيستعد له، ويتهيأ لذلك اليوم، ويعرف أنه لا نجاة له إلا بالأعمال الصالحة التي كلف بها.
стр. 819
إنكار الفلاسفة للبعث الجسماني
ذكر الشارح أن القرآن فيه الأدلة الكثيرة على الإيمان بالبعث، وضرب الأمثلة على ذلك، ولعل السبب في ذلك كثرة المنكرين له من المشركين الذي يستبعدون إعادة الموتى من القبور بعد التفرق وذهاب الأشلاء وصيرورة الأجسام تراباً، ويقولون: ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ [ق:٣] ، يستبعدون ذلك، ويطلبون شططاً فيقولون: ﴿ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجاثية:٢٥] .
ولما كان هذا تكذيبهم؛ فإن الله -سبحانه- ضرب لهم الأمثلة، وذكر الأدلة، وبين لهم كمال القدرة؛ ولأجل ذلك يقول العلماء: إنه لم يشتمل كتاب من الكتب السابقة على تقرير البعث وذكر أدلته مثلما اشتمل كتاب الله المنزل على محمد ﷺ ، ففيه التصريح به تصريحاً بليغاً لا يحتمل أو يتطرق إليه تأويل أو حمل على محمل بعيد، لكثرة الأدلة وقوتها وصراحتها، وكثرة ضرب الأمثلة عليها.
ومع هذا فإن كثيراً من الذين تسموا مسلمين ينكرون هذا البعث -البعث الجثماني أو البعث الجسماني- ويقال لهؤلاء: الفلاسفة الإلهيون، وهم الذين ينكرون أولاً بدأ الخلق، ويقولون: إن هذا الإنسان لم يزل قديماً، وليس له أول، فينكرون أن يكون أبو البشر آدم، وينكرون أن يكون بدء خلقه من طين، وينكرون أن يكون هناك وقت للإنسان لم يكن فيه شيئاً مذكوراً.
ثانياً: ينكرون نهاية الدنيا، ويقولون: الدنيا ليس لها آخر، وهذه الحياة تستمر أبداً إلى غير نهاية، ويعبرون عن هذا بقولهم: أرحام تدفع، وأرض تبلع، وينكرون عودة الأجساد وجمعها بعد تفرقها، ويجعلون الجزاء على الأرواح، ويدعون أن هذه الأرواح هي التي أهبطت من السماء واتصلت بالجسد، ثم بعد ذلك خرجت منه إلى حيث كانت، ويقول رئيسهم ابن سينا -وهو من أكابر الفلاسفة- في مطلع قصيدته العينية: هبطت إليك من المحل الأرفعِ ورقاءُ ذات تقلب وتفجع وصلت على كرهٍ فلما واصلت ألفت مرافقة الخراب البلقعِ يصف الروح بأنها هبطت إليك من المكان الأرفع، ثم اتصلت بجسدك، ثم ألفته، إلى أن صارت كجزء منه، ثم بعد ذلك تنفصل وتعود كما كانت، فهؤلاء ما آمنوا بالله حق الإيمان؛ لأن الإيمان بالله يستدعي الإيمان بخبره، ومن خبره حشر الأجساد وبعثها وجمعها بعدما تتفرق، وهذا لم يؤمن به هؤلاء.
стр. 820
إيراد الأدلة القرآنية المتنوعة على البعث
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد أخبر الله أنه أرسل الرسل مبشرين ومنذرين في آيات من القرآن، وأخبر عن أهل النار أنهم إذا قال لهم خزنتها: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر:٧١] ، وهذا اعتراف من أصناف الكفار الداخلين جهنم أن الرسل أنذرتهم لقاء يومهم هذا، فجميع الرسل أنذروا بما أنذر به خاتمهم من عقوبات المذنبين في الدنيا والآخرة، فعامة سور القرآن التي فيها ذكر الوعد والوعيد يذكر فيها الدنيا والآخرة.
وأمر نبيه أن يقسم به على المعاد، فقال: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ [سبأ:٣] ، وقال تعالى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [يونس:٥٣] ، وقال تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن:٧] .
وأخبر عن اقترابها فقال: ﴿اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر:١] ، وقال: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء:١] ، ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ * لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ﴾ [المعارج:١-٢] ، إلى أن قال: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً * وَنَرَاهُ قَرِيباً﴾ [المعارج:٦-٧] .
وذم المكذبين بالمعاد فقال: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [يونس:٤٥] ، ﴿أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ [الشورى:١٨] ، ﴿بَلْ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمِونَ﴾ [النمل:٦٦] ، ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً﴾ [النحل:٣٨] ، إلى أن قال: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ﴾ [النحل:٣٩] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [غافر:٥٩] ، وقال تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وَجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً * ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً * أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلاَّ كُفُوراً﴾ [الإسراء:٩٧-٩٩] ، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً * قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً * أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلْ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً * يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [الإسراء:٤٩-٥٢] .
فتأمل ما أجيبوا به عن كل سؤال سؤال على التفصيل، فإنهم قالوا: أولاً: ﴿أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً﴾ [الإسراء:٤٩] ، فيقال لهم في جواب هذا
السؤال
إن كنتم تزعمون أنه لا خالق لكم ولا رب، فهلا كنتم خلقاً لا يفنيه الموت كالحجارة والحديد، وما هو أكبر في صدوركم من ذلك، فإن قلتم: كنا خلقاً على هذه الصفة التي لا تقبل البقاء، فما الذي يحول بين خالقكم ومنشئكم، وبين إعادتكم خلقاً جديداً؟ وللحجة تقدير آخر: وهو لو كنتم من حجارة أو حديد أو خلق أكبر منهما فإنه قادر على أن يفنيكم، ويحيل ذواتكم وينقلها من حال إلى حال، ومن يقدر على التصرف في هذه الأجسام مع شدتها وصلابتها بالإفناء والإحالة، فما الذي يعجزه فيما دونها؟ ثم أخبر أنهم يسألون سؤالاً بقولهم: من يعيدنا إذا استحالت جسومنا وفنيت؟ فأجابهم بقوله: ﴿قُلْ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الإسراء:٥١] ، فلما أخذتهم الحجة، ولزمهم حكمها، انتقلوا إلى سؤال آخر يتعللون به تعلل المنقطع، وهو قولهم: متى هو؟ فأجيبوا بقوله: ﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً﴾ [الإسراء:٥١]] .
قد ذكرنا أن القرآن اشتمل على الأدلة الكثيرة في تقرير البعث والنشور، وفيه ذكر عظم قدرة القادر، وأنه لا يعجزه شيء، وأن الرسل أولهم وآخرهم كلهم بلغوا هذا البيان، الذي هو الخبر عن اليوم الآخر والبعث والجزاء في الدار الآخرة، وذكروا ما يكون بعد الموت، فقد اتفقت دعوة الرسل كلهم على ذلك.
стр. 821
حكمة الله وعدله يقتضيان البعث
الحكمة تقتضي البعث، فإن هذه دار عمل، والآخرة دار جزاء، فالناس في هذه الدنيا يعملون، وفي الآخرة يلقون جزاء أعمالهم؛ ولأجل ذلك صار اهتمام العقلاء في هذه الدار بعمارة ما بعد الموت، وهو الدار الآخرة التي سيفدون إليها، وقد انتبهوا إلى أنهم مأمورون بالعمارة وبالبناء، ولكن البناء الذي يبقى ليس البناء الذي يفنى، فإن بناء الدنيا يفنى ويفنى ساكنوه، وتفنى الدار ويموت صاحبها، وأما العمارة في الآخرة فإنها هي الباقية، يقول بعضهم: لا دار للمرء بعد الموت يسكنها إلا التي كان قبل الموت يبنيها فإن بناها بخير طاب مسكنه وإن بناها بشر خاب بانيها النفس ترغب في الدنيا وقد علمت أن السعادة فيها ترك ما فيها فاغرس أصول الهدى ما دمت مجتهداً واعلم بأنك بعد الموت لاقيها فإذا آمن العبد بأنه مأمور بأن يعمل للآخرة أكثر من العمل للدنيا أفلح، والآخرة هي دار الجزاء، والمؤمنون يعملون لآخرتهم، بمعنى أنهم يقدمون ما تعمر به مساكنهم في الجنة، روي في بعض الآثار: (أن الملائكة يبنون قصوراً لبني آدم، فإذا توقف الإنسان عن العمل توقفوا عن البناء وقالوا: نتوقف حتى تأتينا النفقة) .
معلوم: أن الذي يبني في الدنيا يتوقف العمال عن البناء حتى يعطيهم أجرتهم ونفقتهم، فكذلك في الآخرة لا تبنى المباني الأخروية من الغرف التي فوقها غرف إلا بالأعمال الصالحة.
стр. 822
إقامة الله الحجة على الكفار المنكرين للبعث يوم القيامة
الرسل كلهم أخبروا باليوم الآخر، واعترفت الأمم التي تدخل النار بأن رسلهم قد بلغوهم، واعترفوا بأنهم لم يصدقوا لنقص في عقولهم، قال الله تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ [الملك:٨] يعني: ينذركم بالعذاب وينذركم بالنار، ﴿قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا﴾ [الملك:٩] واعترفوا بأن تكذيبهم هو الذي أوقعهم في العذاب حتى قالوا: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك:١٠] .
وسمعنا الآية التي في سورة الزمر، وهي قوله تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر:٧١] ، وكذلك في سورة الأنعام أن الرسل تقول لهم: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الأنعام:١٣٠] ، يقول الله لهم هذه المقالة، فيقولون: بلى، يعترفون بأنهم قد جاءهم الرسل الذين أنذروهم لقاء يومهم هذا، ومع ذلك لم يتقبلوا، بل كذبوا الرسل، واستبعدوا أن يكون هناك بعث بعد الموت، واعتقدوا أن ليس هناك إلا هذه الدنيا، وأنهم إنما خلقوا ليأكلوا ويشربوا ويمتعوا أجسامهم، وبعد أن يخرجوا من الدنيا لا يعودون مرة أخرى، هذه عقيدة أوبقتهم وأهلكتهم وأنستهم ما خلقوا له.
ومن الأدلة على البعث أن الله تعالى أمر نبيه ﷺ أن يقسم بربه على اليوم الآخر في قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس:٥٣] الضمير (هو) يعود إلى البعث وما بعد الموت من الجزاء على الأعمال، (أحق هو؟) أي: أحق صحيح وثابت ما أخبرتنا به من البعث والجزاء، (قل: إي وربي) أمره أن يحلف بالله ربه الذي هو رب المخلوقات وخالقها ومدبرها.
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي﴾ [سبأ:٣] ، (بلى وربي) هذا حلف أيضاً، (لتأتينكم) : أي: لابد أن تأتيكم الساعة.
وكذلك قوله: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي﴾ [التغابن:٧] ، هذا أيضاً قسم ثالث: (بلى وربي لتبعثن) أي: لابد من البعث.
وكذلك قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ﴾ [الذاريات:٢٣] ونحو ذلك من الآيات الكثيرة التي يقسم فيها بأنه لابد أن يبعثوا.
أما المشركون: فإنهم ينكرون هذا، بل يحلفون عليه، يقول الله تعالى في سورة النحل: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ [النحل:٣٨] ، والله تعالى يقيم عليهم الحجج بعد جزمهم هذا، فيخبرهم أنه هو الذي بدأ خلقهم فلابد أن يعيده، وهو الذي خلق هذه المخلوقات التي هذه عظمتها، فلابد أن يعيد الإنسان الذي هو أحقر وأصغر وأذل من هذه المخلوقات العظيمة، يقول الله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر:٥٧] ، السماوات والأرض بما فيها الله تعالى هو الذي خلقها، والإنسان بلا شك أنه من أفضل من خلقه الله، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ [الإسراء:٧٠] فالله خلق الإنسان، وأعطاه السمع والبصر والفؤاد، وخصه بالعقل والمعرفة، وعند ذلك كلفه، وأمره بأن يتعبد لربه ويطيع، وأمره بأن يستعد للقاء الله، وأخبره أنه لابد من لقاء ربه، وأن اللقاء حتم لابد منه، فمن حقق ذلك الإيمان وذلك الرجاء استعد له، قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً﴾ [الكهف:١١٠] (لقاء ربه) يعني: مقابلة ربه، أي: من كان موقناً بأنه لابد أن يلقى الله تعالى فليستعد بالعمل الصالح الخالي من الشرك.
стр. 823
حقيقة الدنيا الزائلة
أخبر الله تعالى بأن هذه الدنيا وما عليها حقيرة هينة، لا تستحق أن يهتم لها الإنسان هذا الاهتمام فقال تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ﴾ [الحديد:٢٠] ، أي: هذه أكثر ما يشتغل به أهلها، ثم ضرب لها مثلاً في انقضائها، كمثل غيث أعجب الكفار نباته، فالغيث إذا نزل فإن الكافرين بالله هم الذين تعجبهم زهرة الدنيا، وهم الذين تعجبهم زينتها وما عليها؛ لأن رغبتهم في الدنيا، وليس لهم رغبة في الآخرة، ومن العلماء من يقول: الكفار هم الزراع، ولكن الأولى أنهم الكفار بالله، فهم الذين يعجبهم نباته، وبعد مدة ماذا يكون هذا النبات؟ لا شك أنه ييبس ويصير حطاماً وتذروه الرياح، فهكذا هذه الدنيا تثمر لأهلها وتخضر وتقبل عليهم، ثم بعد ذلك تدبر عنهم ولا تقبل، ويذوقون الضر كما ذاقوا الخير، وتنزع عنهم أو ينزعون عنها، ولسان حالها يقول كما أنشد بعضهم: هي الدنيا تقول بملئ فيها حذار حذار من بطشي وفتكي فلا يغرركم طول ابتسامي فقولي مضحك والفعل مبكي فهذه حالة هذه الدنيا، إذا فكر العباد بما عليها علموا أنها متاع فقنعوا منها باليسير، وشمروا للدار الآخرة، ونصبوا الأقدام، وهجروا التواني والتكاسل الذي يعوقهم عن السير في الآخرة، وهجروا الفتور الذي يبطل هممهم، وأنصبوا أبدانهم وأجسامهم في طاعة الله تعالى، وعلموا أن الدنيا فانية وقنعوا منها باليسير، وجعلوا رغبتهم في الآخرة، ووثقوا بقول الله تعالى: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر:٣٠] ، هذه حالة المصدقين.
وأما حال المكذبين فقد سمعنا ما ذكر الله تعالى عنهم في الآيات التي في سورة الإسراء، وهي قول الله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَسْحُوراً * انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء:٤٧-٤٨] ، ثم يقول تعالى: ﴿وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً * قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً * أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلْ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الإسراء:٤٩-٥١] ، فهذه حجة عليهم: أن الذي يعيدكم هو الذي فطركم أول مرة، ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ﴾ أي: متى هذا البعث؟ ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً﴾ [الإسراء:٥١] ، ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [الإسراء:٥٢] .
إذا دعاهم وأخرجهم تذكروا هيئتهم الأولى، وقالوا: كم لبثتم؟ يظنون أنهم ما لبثوا في الدنيا إلا أياماً قليلة، يوماً أو بعض يوم، كما في آية أخرى، يقول تعالى عنهم: ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْراً﴾ [طه:١٠٣] ، وأمثلهم وأعقلهم يقول: ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً﴾ [طه:١٠٤] ، يتقالُّون الزمن الذي لبثوه ومكثوه في الدنيا، وما ذاك إلا أنهم لما كانوا في سرور، مضت عليهم الأيام قصيرة، وبلا شك أنهم سيلقون بعد ذلك السرور جزاء ينسيهم ما كانوا فيه من قبل، فإنهم يعذبون في الآخرة أو يثابون في الآخرة، ورد في بعض الأحاديث: (يجاء بأشد الناس عذاباً في الدنيا من أهل الجنة فيغمس في الجنة، فيقال له: يا ابن آدم! هل رأيت سوءاً قط؟ هل مرت بك شدة قط؟ فيقول: لا يا رب! ما رأيت سوءاً قط، وما مرت بي شدة قط، ويجاء بأنعم الناس في الدنيا من أهل النار فيغمس في النار غمسة، فيقال له: يا ابن آدم! هل رأيت خيراً قط؟ هل مرت بك نعمة قط؟ فيقول: لا يا رب! ما رأيت خيراً وما مرت بي نعمة) ، نسي النعمة التي كانت في الدنيا؛ وذلك لأن لحظة واحدة في النار تنسيه ما كان فيه من النعيم في الدنيا، ويضرب بعضهم مثل هذا فيقول: مسرة أحقاب تلقيت بعدها مساءة يوم إنها شبه أنصابِ فكيف بأن تلقى مسرة ساعة وراء تقضيها مساءة أحقابِ لو أن إنساناً نُعِّمَ في الدنيا عشرات السنين، في ألذ وأنعم ما يكون من الحياة والبهجة، ثم بعد ذلك ناله عذاب ساعة واحدة؛ نسي ذلك النعيم، ونسي تلك البهجة، ونسي ذلك السرور، فكيف ونعيم الدنيا بأسرها قليل! ونعيمك الذي تناله أنت في عمرك أقل من القليل؟ كيف إذا تعقب هذا النعيم العذاب المستمر الذي لا انقضاء له ولا انقطاع وهو عذاب الآخرة، عذاب النار وبئس القرار، فإنه هو الذي لا انقضاء له أبداً، فهذا يبين لك أن الدنيا قليل متاعها، وأن حظ الإنسان منها أقل من القليل.
стр. 824
قرب قيام الساعة
وذكر أيضاً الآيات التي فيها ما يدل على قرب قيام الساعة، وقد يقول قائل: قد مضى مئات السنين بعد نزول هذه الآيات، مضى أربعة عشر قرناً وبعض قرن، فكيف يقال: إنها قريب؟ الله تعالى ذكر أنها قريب في قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنْ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً﴾ [الأحزاب:٦٣] ، ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنْ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً﴾ [الأعراف:١٨٧] ، يعني: استعدوا لها فإنها تأتي على حين غفلة وبغتة، فلابد أن تأتي، فلما كنتم مؤمنين بها وأنها تأتي فكونوا على أهبة في كل لحظة، وفي كل وقت، ترقبوا أن تأتي الساعة في ذلك اليوم أو في تلك الليلة.
يقول الله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنْ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا * فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا * إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا﴾ [النازعات:٤٢-٤٤] ، يعني: علمها، ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا * كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النازعات:٤٥-٤٦] ، وفي آية أخرى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ﴾ [الأحقاف:٣٥] ، لم يلبثوا في الدنيا إلا ساعة من نهار، فالآيات التي ذكر الله فيها أنها قريبة: ﴿اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ﴾ [القمر:١] ، ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ [الأنبياء:١] ، ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل:١] ، تدل على أنها قريبة، وقد أخبر النبي ﷺ بأنها قريبة وأن الناس عليهم أن ينتظروها، بقوله: (إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة) ، (إذا وسد الأمر لغير أهله فانتظر الساعة) ، فإذا رأينا أماراتها وأشراطها، فإننا ننتظر أن تأتي الساعة بغتة ليأتي أمر الله.
وأولها: أن ينفخ في الصور نفخة الفزع ونفخة الصعق: وهي نفخة واحدة، ثم بعدها تموت الأجساد وتفنى، ثم ينفخ فيه نفخة أخرى هي نفخة البعث والقيام من القبور، فيبعث الناس ويجتمعون في دار الجزاء، وليس دون ذلك إلا أيام قليلة.
فالمسلم يكون متأهباً لذلك، حتى إذا جاءه أمر الله يكون على أهبة، وقد أعد للساعة عدتها، وقد عمل عملاً صالحاً يكون سبباً في نجاته، كما كان كثير من السلف ﵏ يهتمون بالآخرة، حتى لو قيل لأحدهم: إنك تموت هذا اليوم، لم يستطع أن يزيد في عمله، يعني: قد بلغ أقصى ما يمكنه من العمل ومن الاجتهاد في الأعمال الصالحة، بحيث إنه يترقب الموت في كل حالة، ويمتثل قول النبي ﷺ : (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل) ، وقول ابن عمر ﵁: (إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء) يعني: ترقب الموت بينك وبين الصباح أو بينك وبين المساء، مخافة أن يأتيك أمر الله، ومن مات فقد قامت قيامته.
стр. 825
قوله تعالى: (وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم)
قال ﵀: [ومن هذا قوله: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس:٧٨] ، إلى آخر السورة، فلو رام أعلم البشر وأفصحهم وأقدرهم على البيان أن يأتي بأحسن من هذه الحجة أو بمثلها في ألفاظ تشابهه هذه الألفاظ في الإيجاز ووضع الأدلة وصحة البرهان؛ لما قدر، فإنه -سبحانه- افتتح هذه الحجة بسؤال أورده ملحد اقتضى جواباً، فكان في قوله: (ونسي خلقه) ما وفّى بالجواب، وأقام الحجة وأزال الشبهة، لوما أراد سبحانه من تأكيد الحجة وزيادة تقريرها، فقال: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس:٧٩] ، فاحتج بالإبداء على الإعادة، وبالنشأة الأولى على النشأة الآخرة، إذ كل عاقل يعلم -علماً ضرورياً- أن من قدر على هذه قدر على هذه، وأنه لو كان عاجزاً عن الثانية لكان عن الأولى أعجز وأعجز، ولما كان الخلق يستلزم قدرة الخالق على مخلوقه وعلمه بتفاصيل خلقه، أتبع ذلك بقوله: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس:٧٩] ، فهو عليم بتفاصيل الخلق الأول وجزئياته ومواده وصورته، فكذلك الثاني، فإذا كان تام العلم كامل القدرة، كيف يتعذر عليه أن يحيي العظام وهي رميم؟ ثم أكد الأمر بحجة قاهرة وبرهان ظاهر يتضمن جواباً عن سؤال آخر يقول: العظام صارت رميماً، وعادت طبيعتها باردة يابسة، والحياة لابد أن تكون مادتها وحاملها طبيعته حارة رطبة، بما يدل على أمر البعث، ففيه الدليل والجواب معاً فقال: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنْ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ [يس:٨٠] ، فأخبر سبحانه بإخراج هذا العنصر الذي هو في غاية الحرارة واليبوسة من الشجر الأخضر الممتلئ بالرطوبة والبرودة، الذي يخرج الشيء من ضده وتنقاد له مواد المخلوقات وعناصرها، ولا تستعصي عليه، هو الذي يفعل ما أنكره الملحد ودفعه من إحياء العظام وهي رميم.
ثم أكد هذا بأخذ الدلالة من الشيء الأجل الأعظم على الأيسر الأصغر، فإن كل عاقل يعلم أن من قدر على العظيم الجليل فهو على ما دونه بكثير أقدر وأقدر، فمن قدر على حمل قنطار فهو على حمل أوقية أشد اقتداراً، فقال: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [يس:٨١] ، فأخبر أن الذي أبدع السماوات والأرض على جلالتها وعظم شأنها وكبر أجسامها، وسعتها وعظيم خلقها أقدر على أن يحيي عظاماً قد صارت رميماً، فيردها إلى حالتها الأولى، كما قال في موضع آخر: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر:٥٧] ، وقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [الأحقاف:٣٣] .
ثم أكد سبحانه ذلك وبينه ببيان آخر: وهو أنه ليس فعله بمنزلة غيره الذي يفعل بالآلات والكلفة والتعب والمشقة ولا يمكنه الاستقلال بالفعل، بل لابد معه من آلة ومعين، بل يكفي في خلقه لما يريد أن يخلقه ويكونه نفس إرادته، وقوله للمكون: كن؛ فإذا هو كائن، كما شاء وأراده، ثم ختم هذه الحجة بإخباره أن ملكوت كل شيء بيده فيتصرف فيه بفعل وقوله (وإليه ترجعون) ومن هذا قوله سبحانه: ﴿أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة:٣٦-٤٠] ، فاحتج سبحانه على أنه لا يتركه مهملاً عن الأمر والنهي والثواب والعقاب، وأن حكمته وقدرته تأبى ذلك أشد الإباء، كما قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون:١١٥] ، إلى آخر السورة.
فإن من نقله من النطفة إلى العلقة، ثم إلى المضغة، ثم شق سمعه وبصره، وركب فيه الحواس والقوى والعظام والمنافع والأعصاب والرباطات التي هي أسره، وأحكمه، وأحكم خلقه غاية الإحكام، وأخرجه على هذا الشكل والصورة التي هي أتم الصور وأحسن الأشكال، كيف يعجز عن إعادته وإنشائه مرة ثانية؟ أم كيف تقتضي حكمته وعنايته به أن يتركه سدى؟ فلا يليق ذلك بحكمته، ولا تعجز عنه قدرته، فانظر إلى هذا الاحتجاج العجيب من قول وجيز، الذي لا يكون أوجز منه.
] .
هذه الآيات في آخر سورة يس احتج الله بها على بعض المشركين، روي أن الوليد بن المغيرة أو العاص بن وائل جاء ومعه عظم ميت قد بلي، وجعل يفته، وقال: أتزعم -يا محمد- أن ربك قادر على أن يعيد هذا حياً بعد أن صار فتاتاً وتراباً؟ فقال: (نعم، يميتك الله، ثم يحييك، ثم يحشرك إلى جهنم، ونزل فيه هذه الآيات، وهي قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [يس:٧٧] ) ، فهذه هي الحجة الأولى، يذكره الله بأنه خلق من نطفة، والنطفة: ماء قذر لو ترك لحظة لفسد، فالله هو الذي أوجد الإنسان وخلقه من هذه النطفة، ثم طوره إلى أن أخرجه إنساناً سوياً، وجعله بشراً متكامل الخلق، فإذا هو يخاصم ربه ويجادله.
ثم قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس:٧٨] ، وهذا المثل كونه أتى بالعظم يفته، ونسي مبدأ خلقه، نسي أن الله هو الذي أوجده من تلك النطفة إلى أن صار رجلاً، ونسي قول الله تعالى له ولغيره: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ * فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ [المرسلات:٢٠-٢١] ، نسي مبدأ خلقه فقال: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ ، والآيات التي بعدها في تقرير البعث وفي الرد عليه: الحجة الأولى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس:٧٩] ، فإن الذي ابتدأ الخلق قادر على أن يعيده، وليس بدأ الخلق أهون من إعادته، هذه حجة قاطعة لكل خصومة؛ وذلك لأن الله هو الذي ابتدأ خلق الإنسان وأحياه في هذه الدنيا، وكذلك سائر المخلوقات، فقدر الله أنها تتوالد، وأنها تنشأ، وأنها توجد على هذه الحياة شيئاً فشيئاً، فالذي أوجده وخلقه وكونه وقدر ما يقدر عليه لا شك أنه قادر على أن يعيده كما كان، فيقول تعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس:٧٩] .
الحجة الثانية: قوله: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس:٧٩] ، يعني: أنه عالم بكل شيء فلا يخفى عليه شيء، فهو عالم بعدد المخلوقات، وعدد الرمل والتراب، وأبصر كل شيء فلم يحجب بصره حجاب، وسمع جهر القول وخفي الخطاب، لا يخفى عليه شيء من أمور عباده، علم عددهم قبل أن يخلقهم، وعلم آجالهم، وعلم أعمارهم، وعلم أعمالهم، وعلم أوقاتهم التي يولدون فيها، فهو بكل خلق عليم، فإذا كان عليماً فلا يليق به أن يهمل خلقه.
الحجة الثالثة: قول الله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنْ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَاراً﴾ [يس:٨٠] ، يقولون: هناك شجر اسمه المرخ، وشجر اسمه العفار، يعرفه أهل البوادي، إذا أرادوا أن يقدحوا ناراً قطعوا عودين أخضرين، وحزوا في أحدهما حزاً، ثم إنهم يحركونه تحريكاً جيداً فتنقدح منه النار، ثم يجعلون تلك الشررات التي تنقدح منه في خرقة، ثم بعد ذلك ينفخونها، ثم يوقدونها ناراً، وكان يغني عن الكبريت الذي نستعمله وغيره، وهو معروف عند العرب قديماً وعند البوادي إلى حد قريب، يقولون: في كل شجر نار، والله تعالى هو الذي يخرج النار من هذا العود الأخضر، النار طبيعتها حارة، وطبيعة هذا العود أنه رطب، وأنه مائي أخضر، ومع ذلك تنقدح منه هذه النار التي فيها هذه الحرارة، أليس ذلك دليلاً على أن الذي أوجد هذه الحرارة في هذا قادر على أن يعيد إلى الإنسان حياته، ولو كان تراباً؟ يعيده ويجمع أشلاءه ولو كانت متفرقة، ولو كانت رماداً أو تراباً، لا يستعصي عليه أن يعيد إليه حرارته الغريزية وحياته وطبيعته، كما لم يستعصِ عليه أن يخرج النار من ذلك الشجر الأخضر الذي توقدون منه.
الحجة الرابعة: قول الله تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ﴾ [يس:٨١] ؛ وذلك لأن خلق هذه السماوات مع ارتفاعها وما فيها من الأفلاك وما فيها من النجوم السائرة والثابتة، وما فيها من الشمس والقمر وهذه الأجرام العلوية، وكذلك هذه الأرض وما فيها من الشعاب والجبال والمهاد؛ أعظم من خلق الإنسان، فإن المخلوق العظيم يدل على عظمة خالقه.
إذاً: القادر على أن يخلق مثل هذه الأشياء قادر على أن يعيد الإنسان -مع صغره ومع حقارته- كما كان.
يقول الشارح كما سمعنا: من قدر على أن يحمل قنطاراً، لم يصعب عليه أن يحمل أوقية، القنطار: هو ملء مسك الثور من الذهب أو نحوه -ملء جلد الثور-، والأوقية ملء اليد، فالذي يقدر على أن يخلق هذه المخلوقات العلوية الكبيرة لا يستعص عليه أن يوجد الإنسان.
الحجة الخامس: قوله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢] فالله ليس كالذي يحتاج إلى حرفة وإلى صنعة وإلى عمل وإلى مواد يجمعها، الصانع إذا أراد أن يصنع مثل هذه الطاولة، لابد أن يأتي بأعواد ولابد أن يأتي بمنشار، ولابد أن يقيس، ولابد أن يسويها بآلة إلى أن تستوي، وكذلك من يصنع مثل هذا الزجاج لابد أن يأتي بالمواد التي يصنع منها، إلى أن يكون منها ما يصنع، أما الرب تعالى فإنه لا حاجة به إلى م
стр. 826
تفصيل الشريعة لما يكون بعد البعث
البعث وما بعده من الجزاء والحساب والثواب والعقاب والحوض والميزان والعرض وما أشبه ذلك، كل ذلك داخل في الإيمان باليوم الآخر، والشريعة الإسلامية قد فصلت ذلك، وفي القرآن والسنة من ذلك ما لم يكن مفصلاً في الكتب قبله، والإيمان باليوم الآخر قد توافقت عليه شرائع الأنبياء، وكتبهم المنزلة عليهم متفقة على الإيمان بأن هناك بعثاً بعد الموت وجزاءً على الأعمال خيرها وشرها.
وكذلك هناك حساب عسير أو حساب يسير كما أخبر الله.
وهناك وقوف في الموقف الذي هو موقف الناس: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦] ، وتضمنت الشريعة إثبات البعث الذي هو بعث الأجساد وإعادتها بعد أن كانت تراباً ورميماً، وذلك يسير على الله تعالى.
стр. 827
الحجج العقلية على البعث
وردت الأدلة الكثيرة في القرآن في تقرير هذا البعث، ومرت بنا آيات توضح ذلك، وأن الله تعالى يحتج على البعث بحجج عقلية معقولة مشاهدة، وقد احتج على المنكرين بما يلي: ١- بإحياء الأرض بعد موتها، يقول الله تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ وَيُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الروم:١٩] ، لما ذكر أنه يحيي الأرض بعد موتها أخبر بأنهم كذلك يخرجون من الأرض، ويقول تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ يعني: أرضاً ميتة ﴿كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى﴾ [الأعراف:٥٧] يعني: كما تحيا هذه الأرض الهامدة اليابسة التي ليس فيها عود أخضر، وليس فيها ورقة خضراء، ينزل عليها المطر فيغمرها، فتصبح بعد ذلك خضراء تهتز، فيها من أنواع النباتات المختلفة الطعوم والألوان والروائح والطبائع والأضراب، ولا شك أن ذلك آية ومعجزة بينة على إخراج الموتى وإعادتهم بعد أن يكونوا تراباً.
٢- ويحتج أيضاً: ببدء الخلق، فيقول تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم:٢٧] ، أي: أنه كما بدأ خلق الإنسان وأحياه بعد أن كان عدماً، فكذلك يعيده بعد أن يكون تراباً، فالذي أخرج الإنسان بعد أن كان ماءً مهيناً، وبعد أن كان نطفة قذرة؛ أخرجه بشراً سوياً حياً متحركاً عاقلاً متكلماً فاهماً، له حركاته وله حواسه؛ لا شك أنه قادر على أن يعيده بعد أن يكون تراباً، ولو تفرقت أشلاؤه، ولو أكلته الدود أو أكله التراب أو رمي في البحر أو صار رماداً؛ لا يعجز الله أن يعيده كما كان، فهذا من حجة الله على خلقه.
٣- كذلك يحتج تعالى بمخلوقاته العلوية والسفلية التي هي أعظم من خلقه، فيقول تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر:٥٧] ، ويقول تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ﴾ [يس:٨١] ، ويقول تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [الأحقاف:٣٣] ، ونحو ذلك من الأدلة.
٤- ويخبر سبحانه بأنه لا يحتاج في خلقه ولا في تصرفه إلى حركة ولا إلى عمل ولا إلى معين ومساعد، وإنما يأمر أمراً لا يرد: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢] ، فالذي تذل له المخلوقات وتطيعه كلها ولا تستعصي عليه، وإذا أمرها انقادت لأمره؛ لا يستعصي عليه أن يعيد خلق الإنسان كما كان.
فهذه من الأدلة التي سمعنا إيضاحها ودلالتها على إعادة الخلق، ولا شك أن الإنسان العاقل الذي يسمع هذه الأدلة يقنع غاية القناعة، ويصدق بذلك غاية التصديق، ويستسلم لذلك، ولا يبقى في قلبه شك ولا ريب، ولكن لا يكتفي بأن يقول: أنا مؤمن وأنا مصدق وأنا موقن بذلك كله، وأنا لا أشك ولا أتردد، ولكن يطلب منه العمل الذي يلقاه ذلك اليوم، فإن ذلك اليوم لابد أن يكون له عمل، لابد أن يعمل العمل الذي ينجو به في ذلك اليوم، فإذا علم الإنسان أن ذلك اليوم يوم عسير، ويوم طويل كألف سنة مما تعدون، أو كخمسين ألف سنة، وأنه لا يخف إلا على أهل الإيمان، وعلم أن فيه حساباً، وأن الحساب يكون عسيراً إلا على أهل الإيمان وأهل الأعمال الصالحة إذ إن الله يحاسبهم حساباً يسيراً، وعلم أن فيه وزناً للأعمال، وأنها تخف وتثقل، وأن الذي تثقل موازينه هم أهل السعادة وهم أهل الأعمال الصالحة، وأن الله تعالى سريع الحساب، يحاسبهم في طرفة عين، ولا يشغله شأن عن شأن، وعلم أيضاً: أن فيه تتطاير الصحف، فآخذ كتابه بيمينه، وآخذ كتابه بشماله أو من وراء ظهره؛ لا شك أنه يستعد لمثل هذه الأشياء، فيعلم أنها لا تحصل إلا بعمل، فيسأل عن العمل، ويتقرب بذلك العمل.
стр. 828
شرح العقيدة الطحاوية [٦٤]
من اعتقاد أهل السنة والجماعة الإيمان باليوم الآخر، وما ذكر فيه من المواقف كالعرض الأكبر والحشر والميزان والصراط وغير ذلك، ومن أنكر ذلك من الفلاسفة وغيرهم فالأدلة العقلية والنقلية ترد عليهم.
стр. 829
ذكر مواقف القيامة
قد عرفنا أن من أركان الإيمان: الإيمان باليوم الآخر -وهو يوم القيامة-، وسمي باليوم الآخر؛ لأنه ليس بعده يوم، وتلك الدار تسمى الدار الآخرة، فاليوم الأول هو الدنيا، وهي تعتبر كأنها يوم، ثم اليوم الآخر هو ما يكون بعد البعث، فعندنا يومان: الدنيا يوم، والآخرة يوم، والدنيا سميت بذلك لأنها دنية أو دانية، والآخرة سميت بذلك لأنها متأخرة عن هذه الدنيا، أو لأنها آخر ما يمر به الإنسان، وليس بعدها يوم، بل هي مستمرة دائماً وأبداً، وأول ما يكون في اليوم الآخر هو البعث، الذي هو إعادة الناس وإحياؤهم بعد تفرق أشلائهم وأجزائهم، وبعد صيرورتهم تراباً ورفاتاً، هذا أول ما يكون في ذلك اليوم.
стр. 830
الحشر
بعد العبث يكون الحشر، يعني: سوقهم إلى الموقف، وقد أخبر الله تعالى بأنهم يحشرون على هذه الأرض، والمجرمون يحشرون: ﴿زُرْقاً * يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْراً﴾ [طه:١٠٢-١٠٣] ، يقول بعضهم لبعض: ما لبثتم في الدنيا إلا عشرة أيام، ويقول (أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً) ، فأول شيء بعد البعث أنهم يحشرون، يعني: يساقون إلى الموقف.
стр. 831
الموقف
الموقف هو موضع خصصه الله على وجه الأرض، وقد أخبر الله بأن الأرض تبدل، ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ﴾ [إبراهيم:٤٨] ، وأخبر بأنها تمد مداً، ﴿وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ * وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ [الانشقاق:٣-٥] ، أي: تمد كما يمد الأديم العكاظي، وكذلك يزال ما عليها من البنيان، وتزال الجبال التي عليها، ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ﴾ [القارعة:٥] ، تتفتت أولاً وتصير كالرمل كما في قوله تعالى في قوله: ﴿كَثِيباً مَهِيلاً﴾ [المزمل:١٤] ، ثم بعد ذلك تكون كالهباء الذي يسير، ﴿تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [النمل:٨٨] أي: كأنها السحاب الذي هو هباء -غيم- وبعد ذلك يزال ما عليها، يقول الله تعالى: ﴿لا تَرَى فِيهَا عِوَجاً وَلا أَمْتاً﴾ [طه:١٠٧] أي: مستوية ليس فيها منخفض ولا مرتفع، تزال الأشجار، وتزال الجبال، وتزال الأبنية، وتزال الكثب والمرتفعات ونحو ذلك، ويقوم الناس عليها: أولهم وآخرهم، يجمعون كلهم، يقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة:٤٩-٥٠] ، فأخبر أن أولهم وآخرهم كلهم مجموعون مجتمعون في ذلك اليوم الذي هو يوم الجمع ويوم العرض.
والعرض يكون على الله تعالى، ولكن بعد أن تطول المدة في ذلك الموقف، وبعدما يلحقهم التعب والعناء، فيستشفعون إلى الله تعالى بالأنبياء، ويشفع محمد ﷺ لينزل الله تعالى لفصل القضاء، ثم بعد ذلك العرض، وهو عرض الناس، يقول الله تعالى: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفّاً﴾ [الكهف:٤٨] أي: صفوفاً: صفاً بعد صف؛ ليحاسبهم، وقد أخبر تعالى أنه يحاسبهم، وكذلك أخبر النبي ﷺ أن الناس يحاسبهم الله ويناقشهم، ويذكرهم بكذا وكذا، (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه، ليس بينه وبينه ترجمان) ، وأخبر الله تعالى أنه سريع الحساب، لا يشغله شأن عن شأن.
стр. 832
أهوال يوم القيامة
من الأهوال التي تكون في يوم القيامة: نصب الميزان، وتطاير الصحف، فإن الناس يأتيهم الهول عندما تنصب الموازين، حتى يعلم: هل يخف ميزانه أم يثقل؟! وعندما تتطاير الصحف، حتى يعلم: هل يأخذ كتابه بيمينه، أم يأخذه بشماله؟! فإذا ثقلت موازينه نودي: سعد فلان سعادة لا يشقى بعدها أبداً، وإذا أوتي كتابه بيمينه كذلك يفوز فوزاً عظيماً، ويقرأ كتابه ويعرضه على من يعرفه، ويقول: ﴿هَاؤُمْ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة:١٩] ، وكل ذلك مفصل في القرآن بعبارات واضحة لا يعتريها شيء من الشك والريب، ولكن الفلاسفة الذين ينكرون هذه الأشياء حقيقة يتسلطون على تأويلها وصرفها عن ظاهرها؛ حتى تسلم لهم عقيدتهم، كما تسلط إخوانهم من المعتزلة على نصوص الصفات فتأولوها، ففتحوا للناس باب التأويل.
وهذه الأمور التي وردت في القرآن لا يتم إيمان العبد إلا بتحققها، وتيقنها، ومعرفة أنها صحيحة ثابتة، ولا يعلم ذلك إلا بالاستعداد لها والتأهب؛ لأن من آمن باليوم الآخر استعد لذلك اليوم، وتأهب له، وعمل العمل الصالح الذي يكون سبباً في نجاته وسبباً في فوزه، أما من يصدق به بلسانه ولكنه لا يستعد له؛ فإن هذا يقول ما لا يفعل، ولا ينفعه قوله بلسانه مادام أنه لا يطبق ما يقوله، كما يقول بعضهم واصفاً هؤلاء المفرطين: ألسنة تصف، وقلوب تعرف، وأعمال تخالف.
стр. 833
أدلة القرآن على اليوم الآخر
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قوله: (والعرض والحساب وقراءة الكتاب والثواب والعقاب) .
قال الله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتْ الْوَاقِعَةُ * وَانشَقَّتْ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ * وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ * يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٥-١٨] إلى آخر السورة.
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ * فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً * وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً * وَيَصْلَى سَعِيراً * إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً * إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ * بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً﴾ [الانشقاق:٦-١٥] .
وقال تعالى: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفّاً لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الكهف:٤٨] ، وقال تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [الكهف:٤٩] ، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم:٤٨] إلى آخر السورة.
وقال تعالى: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ﴾ [غافر:١٥] ، إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [غافر:١٧] ، وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٨١] .
وروى البخاري ﵀ في صحيحه عن عائشة أن النبي ﷺ قال: (ليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا هلك، فقلت: يا رسول الله! أليس قد قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً﴾ [الانشقاق:٧-٨] ؟! فقال رسول الله ﷺ : إنما ذلكِ العرض، وليس أحد يناقش الحساب يوم القيامة إلا عذب) ، يعني: أنه لو ناقش في حسابه لعبيده لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولكنه تعالى يعفو ويصفح، وسيأتي لذلك زيادة بيان إن شاء الله تعالى] .
أورد المؤلف هذه الآيات، والقرآن مشتمل -بإيضاح- على ذكر الدار الآخرة، وما يكون فيها.
стр. 834
النفخ في الصور
أول ما يكون يقوم القيامة النفخ في الصور، وقد ذكر في القرآن في عدة مواضع، فذكر الله نفختين أو ثلاث نفخات، نفخة ذكر بعدها الفزع في سورة النمل: ﴿وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [النمل:٨٧] ، وسميت في سورة الزمر بنفخة الصعق: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر:٦٨] ، يقول بعض العلماء: إنها نفختان: نفخة الفزع، ونفخة الصعق، وقال بعضهم: بل نفخة واحدة، يفزعون في أولها ثم يصعقون في آخرها، وقال بعضهم: إن الفزع صعق، أي: موت، أي: أن أوله فزع ثم موت.
أما النفخة الثانية فهي نفخة البعث، وهي مذكورة في قوله: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر:٦٨] ، وهي النفخة التي يبعثون بعدها، ورد في الحديث: (ما بين النفختين أربعون) ، وتوقف الراوي لا يدري هل هي أربعون يوماً، أو أربعون شهراً، أو أربعون سنة؟! وجزم بعضهم أنها أربعون سنة، أي: بين نفخ الصعق وبين نفخة القيام لرب العالمين.
وبعد النفخة الثانية تسوقهم الملائكة إلى الموقف، وهذا يسمى الحشر كما في قوله تعالى: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً﴾ [الكهف:٤٧] ، وبعد ذلك العرض كما في قوله: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفّاً﴾ [الكهف:٤٨] أي: صفوفاً، وبعده الوقوف: وهو القيام الطويل.
وإذا تأملنا النصوص وجدنا ما يؤيد هذه الأشياء في آيات متتابعة متكررة، فقوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [الحاقة:١٣] ، هي نفخة البعث أو نفخة الصعق، ﴿وَحُمِلَتْ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ [الحاقة:١٤] أي: جعلت الأرض والجبال شيئاً واحداً، حتى تكون مستوية صالحة لأن يوقف عليها، ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتْ الْوَاقِعَةُ﴾ [الحاقة:١٥] أي: حصلت الواقعة التي هي يوم القيامة.
стр. 835
أسماء يوم القيامة
الله تعالى سمى يوم القيامة بأسماء عدة، كما في قوله: ﴿إِذَا وَقَعَتْ الْوَاقِعَةُ﴾ [الواقعة:١] ، وفي قوله: ﴿الْحَاقَّةُ﴾ [الحاقة:١] ، وفي قوله: ﴿الْقَارِعَةُ﴾ [القارعة:١] ، وسماه بيوم القيامة ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [القيامة:١] ، وسماه بالطامة والصاخة، في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتْ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى﴾ [النازعات:٣٤] ، ﴿فَإِذَا جَاءَتْ الصَّاخَّةُ﴾ [عبس:٣٣] ، وكل اسم له معنى، فمعنى كونها (طامة) أنها تطم ما قبلها، وتنسي ما قبلها، والطم -في الأصل- هو التغطية، ومنه قولهم: طم البئر إذا غطاها، أي: أنها طامة مذهلة، أو عامة لكل الخلق.
وأما تسميتها بالصاخة فإنه لأجل ثقلها على الناس، والصخ أصله الضرب بقوة، أو الثقل أو نحو ذلك.
стр. 836
الخوف من يوم القيامة والحكمة من تكرار ذكره في القرآن
هذه الآيات تخوف بما اشتملت عليه، وذلك أن يوم القيامة الذي ذكر في قوله: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٨١] ، ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً﴾ [البقرة:٤٨] ؛ لا شك أن هذا اليوم هو يوم الجزاء، هو يوم الحساب، ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦] .
والآيات التي ذكرت فيها ووضحت متقاربة المعنى، وإن اختلفت الألفاظ؛ وذلك لأن الله تعالى يذكره في كل موطن بما يناسبه، والقصد من تكرار ذكر يوم القيامة تحققه، حتى لا يقال: إنه خيال، أو إنه تقريبي أو ما أشبه ذلك.
وحتى لا تتسلط عليه التأويلات التي يسلكها النفاة من الفلاسفة ونحوهم، فإذا جمعت الآيات بصراحتها يعجزون عن أن يصرفوها.
فلذلك آمن أهل السنة وآمن المسلمون بالبعث بعد الموت، وقالوا: ليس في العقول ما ينكره، والقدرة الإلهية عامة له ولغيره، والعقل يقتضيه لأجل الجزاء على الأعمال، ولأجل الانتقام من الظالم، وأخذ الحق للمظلوم، ولأجل إثابة المطيع، وعقوبة العاصي، وذلك لأننا نشاهد في الدنيا ظلمة يموتون وهم مصرون على الظلم، منهم من قتل، ومنهم من قطع طرفاً ظلماً، ومنهم من انتهب مالاً: سرقة، أو اختلاساً، أو غصباً أو غير ذلك، ومنهم من انتهك عرضاً؛ ومع ذلك يموتون والحق عندهم، ولاشك أن الله تعالى أعدل من أن يذهب صاحب المظلمة دون أن ينتقم منه؛ فلابد أن يكون هناك يوم آخر ينصف الله فيه المظلوم، وينتقم من الظالم، ويجازيه بما يستحقه، فيكون ذلك هو اليوم الآخر الذي هو يوم القيامة.
كذلك أيضاً: نشاهد أن هناك من يجد في العمل، ويجتهد في الأعمال الصالحة، ويتقرب بالحسنات، ولا يأتيه جزاء في الدنيا إلا ما يجده من لذة الطاعة ونحوها؛ فلابد أن الله لا يضيع عمله، كما في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً﴾ [الكهف:٣٠] ، فإذاً: لا يضيع أجره ما دام أنه لم يتمتع من أجره بشيءٍ في الدنيا، فأجره يوفى إليه في الدار الآخرة، ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر:١٠] .
كما أننا نشاهد الكفرة والفجرة الذين تمتعوا في الدنيا بشهوات وملذات، وهم يظهرون الكفر والفسوق والسخرية بالرسل، ويكذبونهم ويسخرون من الحق، ويفعلون المعاصي ويتركون الطاعات، ومع ذلك يموت أحدهم وهو على إصراره، لم تنله عقوبة في الدنيا.
إذاً: لابد أن تكون هناك دار أخرى يعاملهم الله فيها بما يستحقونه، أو يعاملهم فيها بعدله إذا لم يعفُ عن المحسن منهم، فهذه الأمور العقلية تضطر المؤمن إلى أن يؤمن بالبعث بعد الموت، وأن يتحقق وقوعه.
стр. 837
حديث: (إن الناس يصعقون يوم القيامة)
قال المؤلف: [وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق فإذا موسى آخذ بقائمة العرش، فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة يوم الطور) ، وهذا صعق في موقف القيامة، إذا جاء الله لفصل القضاء، وأشرقت الأرض بنوره، فحينئذٍ يصعق الخلائق كلهم.
فإن قيل: كيف تصنعون بقوله في الحديث: (إن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من تنشق عنه الأرض فأجد موسى باطشاً بقائمة العرش) ؟ قيل: لا ريب أن هذا اللفظ قد ورد هكذا، ومنه نشأ الإشكال، ولكنه دخل فيه على الراوي حديث في حديث، فركب بين اللفظين فجاء هذان الحديثان هكذا: أحدهما: (إن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من يفيق) ، كما تقدم، والثاني: (أنا أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة) ، فدخل على الراوي وهذا الحديث في الآخر، وممن نبه على هذا أبو الحجاج المزي، وبعده الشيخ شمس الدين بن القيم، وشيخنا الشيخ عماد الدين بن كثير رحمهم الله تعالى.
وكذلك اشتبه على بعض الرواة فقال: (فلا أدري أفاق قبلي أم كان ممن استثنى الله ، والمحفوظ الذي تواطأت عليه الروايات الصحيحة هو الأول، وعليه المعنى الصحيح، فإن الصعق يوم القيامة من تجلي الله لعباده إذا جاء لفصل القضاء، فموسى ﵇ إن كان لم يصعق معهم فيكون قد جوزي بصعقة يوم تجلى ربه للجبل فجعله دكاً، فجعلت صعقة هذا التجلي عوضاً عن صعقة الخلائق لتجلي الرب يوم القيامة، فتأمل هذا المعنى العظيم ولا تهمله.
وروى الإمام أحمد والترمذي وأبو بكر عن ابن أبي الدنيا عن الحسن قال: سمعت أبا موسى الأشعري يقول: قال رسول الله ﷺ : (يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات، فعرضتان: جدال ومعاذير، وعرضة: تطاير الصحف، فمن أعطي كتابه بيمينه، وحوسب حساباً يسيراً دخل الجنة، ومن أوتي كتابه بشماله دخل النار) ، وقد روى ابن أبي الدنيا عن ابن المبارك أنه أنشد في ذلك شعراً: وطارت الصحف في الأيدي منشرة فيها السرائر والأخبار تطلع فكيف سهوك والأنباء واقعة عما قليل ولا تدري بما تقع أفي الجنان وفوز لا انقطاع له أم الجحيم فلا تبقي ولا تدعُ تهوي بساكنها طوراً وترفعهم إذا رجوا مخرجاً من غمها قمعوا طال البكاء فلم يرحم تضرعهم فيها ولا رقة تغني ولا جزعُ لينفع العلم قبل الموت عالمه قد سال قوم بها الرجعى فما رجعوا] .
تحقيقاً لما ذكرنا من الحشر والبعث بعد الموت أخبر النبي ﷺ بأنه أول من تنشق عنه الأرض، فدل على أنهم يجمع خلقهم ويكمل وهم في جوف الأرض، إما في نفس القبور، وإما بطن الأرض، ثم بعد ذلك تنشق الأرض عنهم فتخرج الأرواح والأجساد على وجه الأرض، فيقومون من قبورهم كما في قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنْ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ﴾ [يس:٥١] الأجداث: هي القبور، ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس:٥٢] ، كأنهم شعروا بأنهم قبل بعثهم كانوا نياماً قد رقدوا فيقال: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس:٥٢] .
والأنبياء لهم مزية، ونبينا ﷺ أفضلهم، فهو أول من تنشق عنه الأرض، ثم بعد ذلك بقية الأنبياء، وأرواحهم في الملأ الأعلى، وكذا أرواح الشهداء قد رفعت، وأما أجسادهم فإنها في الأرض، بعد ذلك يبعثهم الله؛ لأنه أخبر بأن الأرض هي مرد كل إنسان في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس:٢١] ، وفي قوله: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه:٥٥] ، وهذا يعم الأنبياء وغيرهم، وبعدما يجتمعون في ذلك المجمع، وذلك الموضع الذي يجمع فيه أولهم وآخرهم، ولا يحصي عددهم إلا الله تعالى، ويطول وقوفهم، وقد أخبر في هذا الحديث أنهم يصعقون، وهذه صعقة جديدة، إما أنهم يسمعون صوتاً مزعجاً عندما تتشقق السماء بالغمام لتنزل الملائكة، فيكون من آثار تشققها أصوات مزعجة يصعق الناس فيها -يعني: يغشون- وتطول هذه الغشية، ويكون نبينا ﷺ أول من يفيق، ولكن يجد موسى قد أفاق قبله، وفي ذلك مزية لموسى ﵇، يقول ﵊: (لا أدري هل أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور؟) ، صعقة الطور: هي المذكورة في سورة الأعراف في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف:١٤٣] ، فهذا صعق في الدنيا، يعني: كأنه جوزي بهذا الصعق.
وبكل حال فهذا الصعق يكون في الموقف، وفي الموقف أيضاً -بلا شك- أهوال عظيمة منها: العرض على الله تعالى، ومنها نصب الموازين ومنها تطاير الصحف، ومنها نشر كتب الأعمال التي هي دواوين الأعمال، كل ينشر له ديوان فيه أعماله، يقول الله تعالى: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُوراً * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾ [الإسراء:١٣-١٤] ، ويقرؤه من يقرأ ومن لا يقرأ، كما أخبر الله عنهم أنهم يقولون: ﴿يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً﴾ [الكهف:٤٩] ، فهذه -بلا شك- حقائق يقينية دل عليها القرآن، ودل على أنه يحضر للإنسان كل شيء عمله من الخير والشر، فيسره أن يجد الحسنات مضاعفة موفرة، وأما إذا وجد السيئات فيستاء لذلك ويحزن، يقول الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداًً﴾ [آل عمران:٣٠] ، ما عملت من خير تجده محضراً، وما عملت من شر -يعني: من سيئات- تتمنى أنه يبعد عنها، وأنها لم تره؛ وذلك لأن السيئات -بلا شك- تسوء صاحبها، ويخاف من الجزاء عليها.
وبكل حال: هذه حقائق يجب الإيمان بها، ويجب أيضاً الاستعداد لها، والتأهب لما بعدها.
стр. 838
الإيمان بالصراط
قال ﵀: [قوله: (والصراط) : أي: ونؤمن بالصراط، وهو جسر على جهنم إذا انتهى الناس بعد مفارقتهم مكان الموقف في الظلمة التي دون الصراط، كما قالت عائشة ﵂: إن رسول الله ﷺ سئل: (أين الناس ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ﴾ [إبراهيم:٤٨] ؟ فقال: هم في الظلمة دون الجسر) .
وفي هذا الموضع يفترق المنافقون عن المؤمنين، ويتخلفون عنهم، ويسبقهم المؤمنون، ويحال بينهم بسور يمنعهم من الوصول إليهم، وروى البيهقي بسنده عن مسروق عن عبد الله قال: (يجمع الله الناس يوم القيامة إلى أن قال: فيعطون نورهم على قدر أعمالهم قال: فمنهم من يعطى نوره مثل الجبل بين يديه، ومنهم من يعطى نوره فوق ذلك، ومنهم من يعطى نوره مثل النخلة بيمينه، ومنهم من يعطى دون ذلك بيمينه، حتى يكون آخر ذلك من يعطى نوره على إبهام قدمه يضيء مرة ويطفأ مرة، فإذا أضاء قدم قدمه، وإذا طفئ قام، قال: فيمر ويمرون على الصراط، والصراط كحد السيف دحض مزلة، فيقال لهم: امضوا على قدر نوركم، فمنهم من يمر كانقضاض الكوكب، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كالطرف، ومنهم من يمر كشد الرحل ويرمل رملاً، فيمرون على قدر أعمالهم حتى يمر الذي نوره على إبهام قدمه، تجر يد وتعلق يد، وتجر رجل وتعلق رجل، وتصيب جوانبهم نار، قال: فيخلصون فإذا خلصوا قالوا: الحمد لله الذي نجانا منكِ بعد أن أراناكِ، لقد أعطانا الله ما لم يعطِ أحداً) الحديث] .
هذا من الأهوال التي ذكرت في يوم القيامة، ذكر الله تعالى أن الأرض تبدل، فسئل النبي ﷺ : (أين النار يوم تبدل الأرض غير الأرض؟ فقال: في الظلمة دون الجسر) ، وفي حديث ابن عباس: (إنهم على الصراط) ، وقد تكاثرت الأدلة في أنهم يعبرون على الصراط، والصراط في الأصل: هو الطريق الذي يسار عليه، قال تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] ، ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام:١٥٣] ، وهو صراط معنوي، وفي الآخرة صراط حسي يعبر الناس عليه، ويسيرون عليه، وهذا الصراط منصوب على متن جهنم يمر الناس عليه على قدر أعمالهم.
стр. 839
تميز المؤمنين عن المنافقين عند المرور على الصراط
قد أخبر الله تعالى أنه يتميز المؤمنون من المنافقين في قول الله تعالى: ﴿نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمْ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد:١٢-١٣] ، إذا أعطوا نوراً وفرقت عليهم الأنوار انطفأ نور المنافقين، وسار المؤمنون بنورهم، فإذا ساروا تأخر المنافقون في تلك الظلمة، وعند ذلك يمنعون ويحجزون، ويقولون: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ﴾ يعني: نأخذ قبساً نستضيء به من نوركم، فيقال: ﴿ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً﴾ [الحديد:١٣] ، ارجعوا إلى المكان الذي قسمت فيه الأنوار فيرجعون، فإذا رجعوا ضرب بينهم بسور: حاجز منيع له باب لا يدخل إلا من ذلك الباب ﴿بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد:١٣] ، فهذا الوقت الذي يتميز فيه المنافقون من المؤمنين.
وقد ورد أيضاً: (يقال: لتتبع كل أمة ما كانت تعبد، فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس، ومن كان يعبد القمر القمر، ومن كان يعبد الطواغيت الطواغيت، وتمثل لكل فئة طاغوتها الذي كانت تعبده، فيمثل للنصارى تمثال على هيئة ما يعبدونه، ويقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد المسيح ابن الله، يقال: كذبتم ما اتخذ الله من ولد ولا صاحبة، ما تريدون؟ فيقولون: عطشنا يا رب! فيقال: ألا تردون؟ فيساقون إلى جهنم فيتساقطون فيها، وكذلك يقال لليهود، فيتساقطون فيها، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها، فإذا بقيت هذه الأمة أتاهم ربهم، فيقول: ماذا تنتظرون؟ فيقولون: ننتظر ربنا، فيقول: أنا ربكم، فإذا تجلى لهم سجدوا، فإذا سجدوا تمكن المؤمنون من السجود، ولم يتمكن المنافقون، كلما أراد المنافق أن يسجد خر لقفاه، وذلك قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ [القلم:٤٢-٤٣] ) أي: قد كانوا يدعون في الدنيا إلى الصلاة وهم سالمون فلا يسجدون، فكذلك إذا دعوا إلى السجود يوم القيامة وأرادوا أن يسجدوا لم يحصل لهم ولم يستطيعوا السجود، وهنالك تقسم عليهم الأنوار ويتميز المؤمنون عن المنافقين، وينادون المؤمنين: ألم نكن معكم؟ فيقولون: ﴿بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ﴾ [الحديد:١٤] ، وهذا واضح في كلام الله.
وفي الأحاديث عن النبي ﷺ عن الجسر الذي ينصب يوم القيامة على متن جهنم ويعبرونه، يقول العلماء: إن هذا هو المرور أو الورود، فالله تعالى أخبر أن كلاً يرد على النار فقال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً﴾ [مريم:٧١-٧٢] ، فمرورهم على هذا الصراط هو ورودهم المذكور: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ ، فأما المؤمنون المتقون فإن الله تعالى ينجيهم، ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [مريم:٧٢] ، ولا تضرهم، بل كلما مروا على لهب منها طفئ اللهب، ويروى: (أن النار تقول: جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي، فإذا عبروا يتساءلون: ألم يعدنا ربنا أننا نرد النار؟ فيقال: إنكم قد وردتموها وهي هامدة خامد) ، هذا هو مرورهم على هذا الصراط.
стр. 840
وصف الصراط وصفة المرور عليه
ورد في وصف هذا الصراط أنه دحض مزلة تزل عنه الأقدام إلا من ثبته الله، وأنه أدق من الشعرة، وأحد من السيف الأبتر، وأن الناس يمرون عليه على قدر أعمالهم أو على قدر النور الذي أعطاهم الله، فمنهم من يكون نوره الذي أعطيه مثل الجبل، ولكن لا يضيء إلا له، ومنهم من يكون نوره أقل من ذلك، وبعضهم يعطى نوراً على رأس إبهام قدمه يضيء مرة ويطفأ مرة، إذا أضاء قدّم رجله وإذا طفئ وقف، يقول النبي ﷺ في وصف مرورهم على الصراط: (منهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كأجاويد الخيل والركاب، ومنهم من يعدو عدواً، ومنهم من يمشي مشياً، ومنهم من يزحف زحفاً، وعلى جنبتي الصراط كلاليب مثل شوك السعدان تخطف من أمرت بخطفه، فناج مسلم، ومخدوش، ومكردس في النار) ، هذه الكلاليب التي مثل شوك السعدان تخطف العصاة إذا مروا على هذا الصراط من أهل كبائر الذنوب ونحوهم، فإذا اختطفته وسقط وتكردس في النار عذب فيها بقدر عمله، أما الذين يعبرون على هذا الصراط إلى أن يتجاوزوه فأولئك هم الذين يحمدون العاقبة حتى ولو كان أحدهم يزحف زحفاً، ولكن في نهايته يرى أنه سلم، وأنه نجا فيحمد العاقبة، (ويقول إذا التفت إلى النار: الحمد الذي أنجاني منكِ، لقد أعطاني الله ما لم يعطه أحداً من العالمين) ، فاغتبط حيث نجا من عذاب النار التي عذابها شديد، وحرها شديد.
المؤمن يتذكر مثل هذه الأهوال فيستعد لها، ويذكر بها إخوانه الغافلين ليستعدوا لها، وليعلموا أنها حق ويقين، وأنه ليس بينك وبين هذا إلا خروج هذه الروح من هذا الجسد، ثم بعد ذلك تلاقي أول الحساب.
стр. 841
شرح العقيدة الطحاوية [٦٥]
لاشك أن مما يجب على المؤمن اعتقاده مما يكون يوم القيامة الصراط والميزان، لورود الآيات والأحاديث الدالة على ذلك، وقد ذكر العلماء تفاصيلها وصفاتها، ومتى تكون، كما ورد ذلك في الأحاديث والآيات.
стр. 842
وجوب الإيمان بتفاصيل اليوم الآخر ومنها المرور على الصراط
من الإيمان باليوم الآخر: الإيمان بما أخبر الله ورسوله مما يكون يوم القيامة من طول الموقف فنؤمن بذلك اليوم ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦] ، أخبر الله بعرض الناس على ربهم، ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفّاً لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الكهف:٤٨] ، وأخبر النبي ﷺ بأنهم (يحشرون حفاة عراة غرلاً، ودل على ذلك قوله: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء:١٠٤] ، ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام:٩٤] .
وأخبر الله تعالى بالحشر في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْداً * وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْداً﴾ [مريم:٨٥-٨٦] ، والحشر: هو الجمع يوم القيامة.
وأخبر النبي ﷺ بتطاير الصحف، وبأنهم: يأخذون صحفهم وكتبهم بأيمانهم أو بشمائلهم من وراء ظهورهم.
وأخبر الله تعالى بالحساب: ﴿كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾ [الإسراء:١٤] ، ويقول ﷺ : (من نوقش الحساب عذب) .
وأخبر النبي ﷺ بالحوض المورود يوم القيامة، ومن يرده، ومن يذاد عنه.
وأخبر النبي ﷺ بالصراط الذي ينصب على متن جهنم، يجتازه الناس على قدر أعمالهم وعلى قدر إيمانهم، سيراً سريعاً أو سيراً بطيئاً.
وأخبر الله تعالى بالميزان ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٢-١٠٣] .
وأخبر الله تعالى وأخبر رسوله ﷺ بهذه التفاصيل، ومن جملتها: كون الرب يبرز لعباده ويسجد له المؤمنون، ولا يستطيع المنافقون السجود كما في قوله تعالى: ﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم:٤٢] ، أخبر الله بأن نور المؤمنين (يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ [التحريم:٨] ، وبأن نور المنافقين ينطفئ إذا بدءوا في السير، ويقولون للمؤمنين: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد:١٣] ، وتفاصيل يوم القيامة كثيرة، وهذه من جملتها.
والإيمان باليوم الآخر يلزم منه أن يؤمن بكل هذه التفاصيل، ما سمي منها وما لم يسمَّ، ما فصل منها وما أجمل، ومن آمن بذلك اليوم آمن بكل ما فيه، والنهاية قول الله تعالى: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى:٧] .
وأخبر الله وأخبر رسوله ﷺ بالأعمال التي تدخل النار، والتي تدخل الجنة.
وأخبر الله وأخبر رسوله ﷺ بمن يخرج من النار بشفاعة الشافعين أو برحمة الله تعالى، ومن لا يخرج منها بل يخلد فيها، فكل هذه من التفاصيل التي وردت عن اليوم الآخر الذي هو يوم القيامة، فمن آمن باليوم الآخر آمن بكل ذلك.
من أركان الإيمان: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، فاليوم الآخر هو: ما بعد الموت وما بعد البعث، وما بعد ذلك إلى ما لا نهاية له، هذا كله اليوم الآخر الذي يؤمن به المؤمنون، ويصدقون بتفاصيله، ولا شك أن من صدق به لا يكون تصديقه مجرد قوله: آمنت بذلك وصدقت به، بل يكون من آثار تصديقه العمل الصالح الذي يستعد به لذلك، فيستعد به حتى يكون نوره كالشمس، يستعد بالعمل الصالح الذي يرجح به ميزانه، يستعد بالعمل الصالح الذي يسير به على الصراط كالبرق، يستعد بالعمل الصالح الذي يؤتى به كتابه بيمنه، ويقول: ﴿هَاؤُمْ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة:١٩] .
وهكذا بقية الأشياء التي تكون في ذلك اليوم، لابد من عمل صالح يسلم به من طريق أهل الجحيم، ويفوز بطريق أهل النعيم.
стр. 843
اختلاف العلماء في معنى قوله تعالى: (وإن منكم إلا واردها)
قال المؤلف رحمنا الله تعالى وإياه: [واختلف المفسرون في المراد بالورود المذكور في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ [مريم:٧١] ، ما هو؟ والأظهر والأقوى: أنه المرور على الصراط، قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً﴾ [مريم:٧٢] ، وفي الصحيح أنه ﷺ قال: (والذي نفسي بيده! لا يلج أحد بايع تحت الشجرة، قالت حفصة فقلت: يا رسول الله! أليس الله يقول: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ [مريم:٧١] ، فقال: ألم تسمعيه قال: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً﴾ [مريم:٧٢] ) ، أشار ﷺ إلى أن ورود النار لا يستلزم دخولها، وأن النجاة من الشر لا يستلزم حصوله، بل يستلزم انعقاد سببه، فمن طلبه أعداؤه ليهلكوه ولم يتمكنوا منه؛ يقال: نجاه الله منهم، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُوداً﴾ [هود:٥٨] ، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحاً﴾ [هود:٦٦] ، وقال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْباً﴾ [هود:٩٤] ، ولم يكن العذاب أصابهم، ولكن أصاب غيرهم، ولولا ما خصهم الله به من أسباب النجاة لأصابهم ما أصاب أولئك، وكذلك حال الواردين النار يمرون فوقها على الصراط، ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً﴾ [مريم:٧٢] ، فقد بين ﷺ في حديث جابر المذكور: (أن الورود هو المرور على الصراط) ، وروى الحافظ أبو نصر الوائلي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال ﷺ : (علم الناس سنتي وإن كرهوا ذلك، وإن أحببت ألا توقف على الصراط طرفة عين حتى تدخل الجنة فلا تحدثن في دين الله حدثاً برأيك) ، أورده القرطبي، وروى أبو بكر أحمد بن سليمان النجاد عن يعلى بن منية عن رسول الله ﷺ قال: (تقول النار للمؤمن يوم القيامة: جُزْ يا مؤمن! فقد أطفأ نورك لهبي) ] .
قول الله تعالى -لما ذكر النار في سورة مريم-: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً﴾ [مريم:٧١] ، ظاهره أن كل الناس واردو النار، كلهم لابد أن يردوا النار، ما هذا الورود؟ ورد في بعض الأحاديث قوله ﷺ : (من فعل كذا لم يدخل النار إلا تحلة القسم) ، والمراد: الورود المذكور في هذه الآية، وقوله: (تحلة القسم) كأن الله أقسم بأنكم لابد أن تردوها، لابد من الورود لها، والأصل أن الورود: هو الإتيان إلى الشيء، ومنه تسمية الإبل التي تأتي إلى الماء وروداً، يقال: وردت الإبل المياه.
يعني: جاءت إليها، وأخبر الله تعالى عن آل فرعون أنهم يردوها في قوله تعالى: ﴿فَأَوْرَدَهُمْ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ [هود:٩٨] ، فظاهر هذا أنه أدخلهم فيها، فهم وردوا إليها وسقطوا فيها، وفي بعض الأحاديث أنه (في يوم القيامة يقال لليهود: ما تعبدون؟ فيقولون: نعبد عزير ابن الله، فيقال: كذبتم لم يتخذ الله من صاحبة ولا ولد، ماذا تريدون؟ فيقولون: يا رب! عطشنا، فيقال: ألا تردون؟ فيساقون إلى النار فيتساقطون فيها، وكذلك يقال للنصارى: ألا تردون؟ فيساقون إلى النار ويتساقطون فيها) ، فالورود في هذه الآيات وفي هذه الأحاديث لا شك أنه الوصول إليها.
إذاً: كيف يكون ورود الأتقياء وورود الأنبياء وورود الصالحين وورود الصحابة الذين لابد أن يردوها: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ [مريم:٧١] ؟ الله يخاطب الصحابة ويخاطب المؤمنين كلهم بأنه لابد أن كلاً منكم واردها، ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً﴾ [مريم:٧١] ، حتماً: يعني: أمراً محتوماً لابد منه، مقضياً، ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً﴾ [مريم:٧٢] ، فأخبر أنه ينجي أهل التقوى، ويبقى أهلها الظالمون جاثين فيها، والأشهر أن هذا الورود هو المرور على الصراط.
وقد تقدم أن الصراط: جسر مزلة، منصوب على متن جهنم، أحد من السيف، وأدق من الشعرة، يمر الناس عليه بأعمالهم، يمرون على هذا الجسر الذي هو أحد من السيف، وأدق من الشعرة، وكيف يمرون عليه؟ يمرون عليه بأعمالهم، هو منصوب على متن جهنم، فإذا مر المؤمن فإنه بنوره وبإيمانه لا يحس بحرارة ولا يحس بلهب، ولذلك تقول له النار: (جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي) ، والنار أخبر الله تعالى بأن لها لهباً، ﴿سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد:٣] ، فلهيبها ينطفئ من نور المؤمن، إذا مر المؤمن انطفأ، ولا يحس بأن تحته ناراً، ثم يمر على هذا الصراط كالبرق، تشاهدون البرق عندما يخطف في السماء من هنا ومن هنا أسرع من طرفة العين، ويمر بعضهم كالريح، الريح المسرعة التي تسوق السحاب، ومنهم من يمر كأجاويد الخيل، الجواد من الخيل: هو السابق، ومنهم من يمر كأجايود الركاب، ومنهم من يعدو عدواً، ومنهم من يمشي مشياً، ومنهم من يزحف زحفاً؛ فسيرهم على قدر أعمالهم.
فإذاً: قوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ [مريم:٧١] المراد: أنكم لابد أن تمروا عليها مروراً على الصراط وإن لم يحس بها المؤمنون، وفي بعض الآثار: (أنهم يقولون بعدما يدخلون الجنة: أليس قد أخبر الله أنا نرد النار، أين النار ما شعرنا بها؟ فيقال لهم: مررتم عليها وهي خامدة) ، يعني: بمرور المؤمنين تخمد فلا يحسون بلهب، ولا يحسون بحرارة أبداً.
وأما المنافقون والعصاة وأهل الكبائر فإنهم يخطفون وهم على الصراط، وقد أخبر النبي ﷺ في الحديث: (إن على جنبتي الصراط كلالي) ، والكلاليب هي جمع الكلوب، وهو الحديدة المحنية الرأس المحددة، هذه الكلاليب مثل شوك السعدان، يعني: كلاليبها كثيرة، إلا أنه لا يقدر قدرها إلا الله، تخطف الناس بأعمالهم، تخطف من أمرت بخطفه، فتخطف الرجل، وتخطف اليد، وتخطف بعد نصف الطريق، وتخطف بعد ثلثه، وتخطف عند آخره، فمن نجا منها نجا، ولو أصابه خدش، ولو أصابه خطف، ولو أصابه حرارة؛إذا نجا منها وجاز الصراط -ولو بعد مائة سنة أو نحوها- (التفت إلى النار وقال: الحمد لله الذي نجاني منكِ، لقد أعطاني الله ما لم يعط أحداً من خلقه) ؛ وذلك لأنه نجا من عذاب النار التي عذابها شديد ومستمر، فرأى أن ذلك سعادة وأي سعادة! ولو أن غيره قد ظفر بالنجاة قبله! في حديث عائشة أن النبي ﷺ قال: (إن المؤمنين يدخلون الجنة ولا تمسهم النار) ، فاستشكلت عائشة الآية: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ [مريم:٧١] ، وقالت: كيف وقد قال الله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ ؟ فظاهرها أن الجميع يريدونها ويدخلونها؟ لكن النبي ﷺ بين لها أن الورود يكون للجميع، ولكن ينجي الله تعالى المؤمنين المتقين، يقول تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [مريم:٧٢] ، كيف ينجيهم؟ هل يدخلونها ثم يرجعون منها؟ لا يلزم أنهم دخلوها، بل كل من تجاوزها يقال: نجا من النار، كل من مر على الصراط حتى انتهى يقال له: لقد أنجاك الله من النار، يعني: سلمك منها، أنقذك من دخولها، فكل من سلم من شر يقال: هذا قد نجا، ولا يلزم أنه قد دخل فيه ثم أخرج، فإن النجاة تستعمل فيمن سلم من العذاب الذي عذب به غيره، ولا يلزم أن يكون العذاب قد أصابه، فقول الله تعالى عن لوط وأهل بيته: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ﴾ [العنكبوت:٣٢] معناه: أنا نخرجه حتى يسلم من العذاب، فلا يدخل العذاب ولا يحس به، وهكذا النجاة من النار.
وأنت دائماً تدعو فتقول: اللهم نجنا من النار! رب نجني من عذاب النار! وكذلك حكى الله عن الذين آمنوا بموسى، قولهم: ﴿رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنْ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [يونس:٨٥-٨٦] ، يعني: سلمنا وأنقذنا، فكل من سلم من العذاب فإنه ناجٍ، فهكذا قوله: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [مريم:٧٢] يعني: أنهم يسلمون من العذاب، ويمرون عليها وقد انطفأ لهبها، فلا يحسون بشيء من لهبها.
стр. 844
اختلاف العلماء في معنى قوله تعالى: (وإن منكم إلا واردها)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [واختلف المفسرون في المراد بالورود المذكور في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ [مريم:٧١] ، ما هو؟ والأظهر والأقوى: أنه المرور على الصراط، قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً﴾ [مريم:٧٢] .
وفي الصحيح أنه ﷺ قال: (والذي نفسي بيده! لا يلج أحد بايع تحت الشجرة، قالت حفصة فقلت: يا رسول الله! أليس الله يقول: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ [مريم:٧١] ، فقال: ألم تسمعيه قال: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً﴾ [مريم:٧٢] ) .
أشار ﷺ إلى أن ورود النار لا يستلزم دخولها، وأن النجاة من الشر لا تستلزم حصوله، بل تستلزم انعقاد سببه، فمن طلبه أعداؤه ليهلكوه ولم يتمكنوا منه؛ يقال: نجاه الله منهم، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُوداً﴾ [هود:٥٨] ، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحاً﴾ [هود:٦٦] ، وقال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْباً﴾ [هود:٩٤] ، ولم يكن العذاب أصابهم، ولكن أصاب غيرهم، ولولا ما خصهم الله به من أسباب النجاة لأصابهم ما أصاب أولئك.
وكذلك حال الواردين النار يمرون فوقها على الصراط، ثُمَّ ينجي الله الَّذِينَ اتَّقَوْا ويذر الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً، فقد بين ﷺ في حديث جابر المذكور: (أن الورود هو المرور على الصراط.
وروى الحافظ أبو نصر الوائلي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال ﷺ : (علم الناس سنتي وإن كرهوا ذلك، وإن أحببت ألا توقف على الصراط طرفة عين حتى تدخل الجنة فلا تحدثن في دين الله حدثاً برأيك) ، أورده القرطبي، وروى أبو بكر أحمد بن سلمان النجاد عن يعلى بن منية عن رسول الله ﷺ قال: (تقول النار للمؤمن يوم القيامة: جُزْ يا مؤمن! فقد أطفأ نورك لهبي) ] .
قول الله تعالى -لما ذكر النار في سورة مريم-: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً﴾ [مريم:٧١] ، ظاهره أن كل الناس واردو النار، فما هذا الورود؟ ورد في بعض الأحاديث قوله ﷺ : (من فعل كذا لم يدخل النار إلا تحلة القسم) ، والمراد الورود المذكور في هذه الآية، وقوله: (تحلة القسم) كأن الله أقسم بأنكم لابد أن تردوها، لابد من الورود لها.
والأصل أن الورود هو الإتيان إلى الشيء، ومنه تسمية إتيان الإبل إلى الماء وروداً، يقال: وردت الإبل المياه.
يعني: جاءت إليها، وأخبر الله تعالى عن آل فرعون أنهم يردونها في قوله تعالى: ﴿فَأَوْرَدَهُمْ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ [هود:٩٨] ، فظاهر هذا أنه أدخلهم فيها، فهم وردوا إليها وسقطوا فيها، وفي بعض الأحاديث أنه (في يوم القيامة يقال لليهود: ما تعبدون؟ فيقولون: نعبد عزيراً ابن الله، فيقال: كذبتم لم يتخذ الله من صاحبة ولا ولد، ماذا تريدون؟ فيقولون: يا رب! عطشنا، فيقال: ألا تردون؟ فيساقون إلى النار فيتساقطون فيها، وكذلك يقال للنصارى: ألا تردون؟ فيساقون إلى النار ويتساقطون فيها) ، فالورود في هذه الآيات وفي هذه الأحاديث لا شك أنه الوصول إليها.
إذاً: كيف يكون ورود الأتقياء وورود الأنبياء وورود الصالحين وورود الصحابة الذين لابد أن يردوها: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ [مريم:٧١] ؟ الله يخاطب الصحابة ويخاطب المؤمنين كلهم بأنه لابد أن كلاً منكم واردها، ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً﴾ [مريم:٧١] ، يعني: أمراً محتوماً لابد منه، ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً﴾ [مريم:٧٢] ، فأخبر أنه ينجي أهل التقوى، ويبقى أهلها الظالمون جاثين فيها، والأشهر أن هذا الورود هو المرور على الصراط.
وقد تقدم أن الصراط: جسر منصوب على متن جهنم، أحد من السيف، وأدق من الشعرة، يمر الناس على هذا الجسر الذي هو أحد من السيف، وأدق من الشعرة، وكيف يمرون عليه؟ يمرون عليه بأعمالهم، فإذا مر المؤمن فإنه بنوره وبإيمانه لا يحس بحرارة ولا يحس بلهب، ولذلك تقول له النار: (جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي) ، والنار أخبر الله تعالى بأن لها لهباً، ﴿سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد:٣] ، فلهيبها ينطفئ من نور المؤمن، ثم يمر على هذا الصراط كالبرق، أي: أسرع من طرفة العين، ويمر بعضهم كالريح المسرعة التي تسوق السحاب، ومنهم من يمر كأجاويد الخيل، الجواد من الخيل: هو السابق، ومنهم من يعدو عدواً، ومنهم من يمشي مشياً، ومنهم من يزحف زحفاً؛ فسيرهم على قدر أعمالهم.
فإذاً: قوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ [مريم:٧١] المراد: أنكم لابد أن تمروا عليها مروراً على الصراط وإن لم يحس بها المؤمنون، وفي بعض الآثار: (أنهم يقولون بعدما يدخلون الجنة: أليس قد أخبر الله أنا نرد النار، أين النار؟ فيقال لهم: مررتم عليها وهي خامدة) ، يعني: بمرور المؤمنين تخمد فلا يحسون بلهب، ولا يحسون بحرارة أبداً.
وأما المنافقون والعصاة وأهل الكبائر فإنهم يخطفون وهم على الصراط، وقد أخبر النبي ﷺ في الحديث: (إن على جنبتي الصراط كلاليب) ، والكلاليب هي جمع كلوب، وهو الحديدة المحنية الرأس المحددة، هذه الكلاليب مثل شوك السعدان، يعني: كلاليبها كثيرة، إلا أنه لا يقدر قدرها إلا الله، تخطف الناس بأعمالهم، فتخطف الرجل، وتخطف اليد، وتخطف بعد نصف الطريق، وتخطف بعد ثلثه، وتخطف عند آخره، فمن نجا منها وجاز الصراط ولو بعد مائة سنة أو نحوها التفت إلى النار وقال: الحمد لله الذي نجاني منكِ، لقد أعطاني الله ما لم يعط أحداً من خلقه؛ وذلك لأنه نجا من عذاب النار التي عذابها شديد ومستمر، فرأى أن ذلك سعادة وأي سعادة! ولو أن غيره قد ظفر بالنجاة قبله! في حديث عائشة أن النبي ﷺ قال: (إن المؤمنين يدخلون الجنة ولا تمسهم النار) ، فاستشكلت عائشة الآية: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ [مريم:٧١] ، وقالت: كيف وقد قال الله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ ؟ فظاهرها أن الجميع يردونها ويدخلونها؟ لكن النبي ﷺ بين لها أن الورود يكون للجميع، ولكن ينجي الله تعالى المؤمنين المتقين، يقول تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [مريم:٧٢] ، كيف ينجيهم؟ هل يدخلونها ثم يرجعون منها؟ لا يلزم أنهم دخلوها، بل كل من تجاوزها يقال: نجا من النار، كل من مر على الصراط حتى انتهى يقال له: لقد أنجاك الله من النار، فكل من سلم من شر يقال: هذا قد نجا، ولا يلزم أنه قد دخل فيه ثم أخرج، فإن النجاة تستعمل فيمن سلم من العذاب الذي عذب به غيره، ولا يلزم أن يكون العذاب قد أصابه، فقول الله تعالى عن لوط وأهل بيته: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ﴾ [العنكبوت:٣٢] معناه: أنا نخرجه حتى يسلم من العذاب، فلا يدخل العذاب ولا يحس به، وهكذا النجاة من النار.
وأنت دائماً تدعو فتقول: اللهم نجنا من النار! رب نجني من عذاب النار! وكذلك حكى الله عن الذين آمنوا بموسى، قولهم: ﴿رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنْ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [يونس:٨٥-٨٦] ، يعني: سلمنا وأنقذنا، فكل من سلم من العذاب فإنه ناجٍ، فهكذا قوله: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [مريم:٧٢] يعني: أنهم يسلمون من العذاب، ويمرون عليها وقد انطفأ لهبها، فلا يحسون بشيء من لهبها.
стр. 845
الإيمان بميزان الأعمال
قال المؤلف ﵀: [قوله: والميزان: أي: ونؤمن بالميزان، قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧] ، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٢-١٠٣] ، قال القرطبي: قال العلماء: إذا انقضى الحساب كان بعده وزن الأعمال؛ لأن الوزن للجزاء فينبغي أن يكون بعد المحاسبة، فإن المحاسبة لتقرير الأعمال، والوزن لإظهار مقاديرها، ليكون الجزاء بحسبها.
قال: وقوله: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ يحتمل أن يكون ثم موازين متعددة توزن فيها الأعمال، ويحتمل أن يكون المراد الموزونات فجمع باعتبار تنوع الأعمال الموزونة، والله أعلم.
والذي دلت عليه السنة أن ميزان الأعمال له كفتان حسيتان مشاهدتان، روى الإمام أحمد من حديث أبي عبد الرحمن الحبلي قال: سمعت عبد الله بن عمرو ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : (إن الله سيخلص رجلاً من أمتي على رءوس الخلائق يوم القيامة، فينشر عليه تسعة وتسعين سجلاً، كل سجل مد البصر، ثم يقول له: أتنكر من هذا شيئاً؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ قال: لا يا رب! فيقول: ألك عذر أو حسنة؟ فيبادر الرجل فيقول: لا يا رب! فيقول: بلى، إن لك عندنا حسنة واحدة، لا ظلم عليك اليوم، فتخرج له بطاقة فيها (أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله) فيقول: أحضروه، فيقول: يا رب! ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقول: إنك لا تُظلم، قال: فتوضع السجلات في كفة، والبطاقة في كفة، قال: فطاشت السجلات، وثقلت البطاقة، ولا يثقل شيء باسم الله الرحمن الرحيم) ، وهكذا رواه الترمذي وابن ماجة وابن أبي الدنيا من حديث الليث، زاد الترمذي: (ولا يثقل مع اسم الله شيء) .
وفي سياق آخر: (توضع الموازين يوم القيامة، فيؤتى بالرجل فيوضع في كفة) الحديث، وفي هذا السياق فائدة جليلة: وهي أن العامل يوزن مع عمله، ويشهد له ما روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (إنه ليؤتى الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة، وقال: اقرءوا إن شئتم: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً﴾ [الكهف:١٠٥] ) ، وروى الإمام أحمد عن ابن مسعود: (أنه كان يجتني سواكاً من الأراك، وكان دقيق الساقين، فجعلت الريح تدفعه فضحك القوم منه، فقال رسول الله ﷺ : ممَ تضحكون؟ قالوا: يا نبي الله! من دقة ساقيه، فقال: والذي نفسي بيده! لهما أثقل في الميزان من أحد) ] نؤمن بما أخبر الله من الميزان في سورة الأعراف بقوله تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ﴾ [الأعراف:٨-٩] ، وكذلك في سورة الأنبياء: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً﴾ [الأنبياء:٤٧] ، وكذلك يقول الله تعالى في سورة المؤمنون: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٢-١٠٣] .
وفي سورة القارعة: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ [القارعة:٦-٩] ، وغير ذلك من الآيات والأحاديث فيها ذكر الميزان، مثل قوله ﷺ : (كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم) وفي صحيح مسلم قوله ﷺ : (الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان) أي: كلمة (الحمد لله) تملأ الميزان، وهذا يدل على أن الكلمات أيضاً توزن، وغير ذلك من الأدلة.
следующие страницы →