Полный текст (1 175 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
شرح العقيدة الطحاوية [٦٥]
لاشك أن مما يجب على المؤمن اعتقاده مما يكون يوم القيامة الصراط والميزان، لورود الآيات والأحاديث الدالة على ذلك، وقد ذكر العلماء تفاصيلها وصفاتها، ومتى تكون، كما ورد ذلك في الأحاديث والآيات.
стр. 842
وجوب الإيمان بتفاصيل اليوم الآخر ومنها المرور على الصراط
من الإيمان باليوم الآخر: الإيمان بما أخبر الله ورسوله مما يكون يوم القيامة من طول الموقف فنؤمن بذلك اليوم ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦] ، أخبر الله بعرض الناس على ربهم، ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفّاً لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الكهف:٤٨] ، وأخبر النبي ﷺ بأنهم (يحشرون حفاة عراة غرلاً، ودل على ذلك قوله: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء:١٠٤] ، ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام:٩٤] .
وأخبر الله تعالى بالحشر في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْداً * وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْداً﴾ [مريم:٨٥-٨٦] ، والحشر: هو الجمع يوم القيامة.
وأخبر النبي ﷺ بتطاير الصحف، وبأنهم: يأخذون صحفهم وكتبهم بأيمانهم أو بشمائلهم من وراء ظهورهم.
وأخبر الله تعالى بالحساب: ﴿كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾ [الإسراء:١٤] ، ويقول ﷺ : (من نوقش الحساب عذب) .
وأخبر النبي ﷺ بالحوض المورود يوم القيامة، ومن يرده، ومن يذاد عنه.
وأخبر النبي ﷺ بالصراط الذي ينصب على متن جهنم، يجتازه الناس على قدر أعمالهم وعلى قدر إيمانهم، سيراً سريعاً أو سيراً بطيئاً.
وأخبر الله تعالى بالميزان ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٢-١٠٣] .
وأخبر الله تعالى وأخبر رسوله ﷺ بهذه التفاصيل، ومن جملتها: كون الرب يبرز لعباده ويسجد له المؤمنون، ولا يستطيع المنافقون السجود كما في قوله تعالى: ﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم:٤٢] ، أخبر الله بأن نور المؤمنين (يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ [التحريم:٨] ، وبأن نور المنافقين ينطفئ إذا بدءوا في السير، ويقولون للمؤمنين: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد:١٣] ، وتفاصيل يوم القيامة كثيرة، وهذه من جملتها.
والإيمان باليوم الآخر يلزم منه أن يؤمن بكل هذه التفاصيل، ما سمي منها وما لم يسمَّ، ما فصل منها وما أجمل، ومن آمن بذلك اليوم آمن بكل ما فيه، والنهاية قول الله تعالى: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى:٧] .
وأخبر الله وأخبر رسوله ﷺ بالأعمال التي تدخل النار، والتي تدخل الجنة.
وأخبر الله وأخبر رسوله ﷺ بمن يخرج من النار بشفاعة الشافعين أو برحمة الله تعالى، ومن لا يخرج منها بل يخلد فيها، فكل هذه من التفاصيل التي وردت عن اليوم الآخر الذي هو يوم القيامة، فمن آمن باليوم الآخر آمن بكل ذلك.
من أركان الإيمان: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، فاليوم الآخر هو: ما بعد الموت وما بعد البعث، وما بعد ذلك إلى ما لا نهاية له، هذا كله اليوم الآخر الذي يؤمن به المؤمنون، ويصدقون بتفاصيله، ولا شك أن من صدق به لا يكون تصديقه مجرد قوله: آمنت بذلك وصدقت به، بل يكون من آثار تصديقه العمل الصالح الذي يستعد به لذلك، فيستعد به حتى يكون نوره كالشمس، يستعد بالعمل الصالح الذي يرجح به ميزانه، يستعد بالعمل الصالح الذي يسير به على الصراط كالبرق، يستعد بالعمل الصالح الذي يؤتى به كتابه بيمنه، ويقول: ﴿هَاؤُمْ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة:١٩] .
وهكذا بقية الأشياء التي تكون في ذلك اليوم، لابد من عمل صالح يسلم به من طريق أهل الجحيم، ويفوز بطريق أهل النعيم.
стр. 843
اختلاف العلماء في معنى قوله تعالى: (وإن منكم إلا واردها)
قال المؤلف رحمنا الله تعالى وإياه: [واختلف المفسرون في المراد بالورود المذكور في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ [مريم:٧١] ، ما هو؟ والأظهر والأقوى: أنه المرور على الصراط، قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً﴾ [مريم:٧٢] ، وفي الصحيح أنه ﷺ قال: (والذي نفسي بيده! لا يلج أحد بايع تحت الشجرة، قالت حفصة فقلت: يا رسول الله! أليس الله يقول: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ [مريم:٧١] ، فقال: ألم تسمعيه قال: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً﴾ [مريم:٧٢] ) ، أشار ﷺ إلى أن ورود النار لا يستلزم دخولها، وأن النجاة من الشر لا يستلزم حصوله، بل يستلزم انعقاد سببه، فمن طلبه أعداؤه ليهلكوه ولم يتمكنوا منه؛ يقال: نجاه الله منهم، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُوداً﴾ [هود:٥٨] ، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحاً﴾ [هود:٦٦] ، وقال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْباً﴾ [هود:٩٤] ، ولم يكن العذاب أصابهم، ولكن أصاب غيرهم، ولولا ما خصهم الله به من أسباب النجاة لأصابهم ما أصاب أولئك، وكذلك حال الواردين النار يمرون فوقها على الصراط، ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً﴾ [مريم:٧٢] ، فقد بين ﷺ في حديث جابر المذكور: (أن الورود هو المرور على الصراط) ، وروى الحافظ أبو نصر الوائلي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال ﷺ : (علم الناس سنتي وإن كرهوا ذلك، وإن أحببت ألا توقف على الصراط طرفة عين حتى تدخل الجنة فلا تحدثن في دين الله حدثاً برأيك) ، أورده القرطبي، وروى أبو بكر أحمد بن سليمان النجاد عن يعلى بن منية عن رسول الله ﷺ قال: (تقول النار للمؤمن يوم القيامة: جُزْ يا مؤمن! فقد أطفأ نورك لهبي) ] .
قول الله تعالى -لما ذكر النار في سورة مريم-: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً﴾ [مريم:٧١] ، ظاهره أن كل الناس واردو النار، كلهم لابد أن يردوا النار، ما هذا الورود؟ ورد في بعض الأحاديث قوله ﷺ : (من فعل كذا لم يدخل النار إلا تحلة القسم) ، والمراد: الورود المذكور في هذه الآية، وقوله: (تحلة القسم) كأن الله أقسم بأنكم لابد أن تردوها، لابد من الورود لها، والأصل أن الورود: هو الإتيان إلى الشيء، ومنه تسمية الإبل التي تأتي إلى الماء وروداً، يقال: وردت الإبل المياه.
يعني: جاءت إليها، وأخبر الله تعالى عن آل فرعون أنهم يردوها في قوله تعالى: ﴿فَأَوْرَدَهُمْ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ [هود:٩٨] ، فظاهر هذا أنه أدخلهم فيها، فهم وردوا إليها وسقطوا فيها، وفي بعض الأحاديث أنه (في يوم القيامة يقال لليهود: ما تعبدون؟ فيقولون: نعبد عزير ابن الله، فيقال: كذبتم لم يتخذ الله من صاحبة ولا ولد، ماذا تريدون؟ فيقولون: يا رب! عطشنا، فيقال: ألا تردون؟ فيساقون إلى النار فيتساقطون فيها، وكذلك يقال للنصارى: ألا تردون؟ فيساقون إلى النار ويتساقطون فيها) ، فالورود في هذه الآيات وفي هذه الأحاديث لا شك أنه الوصول إليها.
إذاً: كيف يكون ورود الأتقياء وورود الأنبياء وورود الصالحين وورود الصحابة الذين لابد أن يردوها: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ [مريم:٧١] ؟ الله يخاطب الصحابة ويخاطب المؤمنين كلهم بأنه لابد أن كلاً منكم واردها، ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً﴾ [مريم:٧١] ، حتماً: يعني: أمراً محتوماً لابد منه، مقضياً، ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً﴾ [مريم:٧٢] ، فأخبر أنه ينجي أهل التقوى، ويبقى أهلها الظالمون جاثين فيها، والأشهر أن هذا الورود هو المرور على الصراط.
وقد تقدم أن الصراط: جسر مزلة، منصوب على متن جهنم، أحد من السيف، وأدق من الشعرة، يمر الناس عليه بأعمالهم، يمرون على هذا الجسر الذي هو أحد من السيف، وأدق من الشعرة، وكيف يمرون عليه؟ يمرون عليه بأعمالهم، هو منصوب على متن جهنم، فإذا مر المؤمن فإنه بنوره وبإيمانه لا يحس بحرارة ولا يحس بلهب، ولذلك تقول له النار: (جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي) ، والنار أخبر الله تعالى بأن لها لهباً، ﴿سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد:٣] ، فلهيبها ينطفئ من نور المؤمن، إذا مر المؤمن انطفأ، ولا يحس بأن تحته ناراً، ثم يمر على هذا الصراط كالبرق، تشاهدون البرق عندما يخطف في السماء من هنا ومن هنا أسرع من طرفة العين، ويمر بعضهم كالريح، الريح المسرعة التي تسوق السحاب، ومنهم من يمر كأجاويد الخيل، الجواد من الخيل: هو السابق، ومنهم من يمر كأجايود الركاب، ومنهم من يعدو عدواً، ومنهم من يمشي مشياً، ومنهم من يزحف زحفاً؛ فسيرهم على قدر أعمالهم.
فإذاً: قوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ [مريم:٧١] المراد: أنكم لابد أن تمروا عليها مروراً على الصراط وإن لم يحس بها المؤمنون، وفي بعض الآثار: (أنهم يقولون بعدما يدخلون الجنة: أليس قد أخبر الله أنا نرد النار، أين النار ما شعرنا بها؟ فيقال لهم: مررتم عليها وهي خامدة) ، يعني: بمرور المؤمنين تخمد فلا يحسون بلهب، ولا يحسون بحرارة أبداً.
وأما المنافقون والعصاة وأهل الكبائر فإنهم يخطفون وهم على الصراط، وقد أخبر النبي ﷺ في الحديث: (إن على جنبتي الصراط كلالي) ، والكلاليب هي جمع الكلوب، وهو الحديدة المحنية الرأس المحددة، هذه الكلاليب مثل شوك السعدان، يعني: كلاليبها كثيرة، إلا أنه لا يقدر قدرها إلا الله، تخطف الناس بأعمالهم، تخطف من أمرت بخطفه، فتخطف الرجل، وتخطف اليد، وتخطف بعد نصف الطريق، وتخطف بعد ثلثه، وتخطف عند آخره، فمن نجا منها نجا، ولو أصابه خدش، ولو أصابه خطف، ولو أصابه حرارة؛إذا نجا منها وجاز الصراط -ولو بعد مائة سنة أو نحوها- (التفت إلى النار وقال: الحمد لله الذي نجاني منكِ، لقد أعطاني الله ما لم يعط أحداً من خلقه) ؛ وذلك لأنه نجا من عذاب النار التي عذابها شديد ومستمر، فرأى أن ذلك سعادة وأي سعادة! ولو أن غيره قد ظفر بالنجاة قبله! في حديث عائشة أن النبي ﷺ قال: (إن المؤمنين يدخلون الجنة ولا تمسهم النار) ، فاستشكلت عائشة الآية: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ [مريم:٧١] ، وقالت: كيف وقد قال الله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ ؟ فظاهرها أن الجميع يريدونها ويدخلونها؟ لكن النبي ﷺ بين لها أن الورود يكون للجميع، ولكن ينجي الله تعالى المؤمنين المتقين، يقول تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [مريم:٧٢] ، كيف ينجيهم؟ هل يدخلونها ثم يرجعون منها؟ لا يلزم أنهم دخلوها، بل كل من تجاوزها يقال: نجا من النار، كل من مر على الصراط حتى انتهى يقال له: لقد أنجاك الله من النار، يعني: سلمك منها، أنقذك من دخولها، فكل من سلم من شر يقال: هذا قد نجا، ولا يلزم أنه قد دخل فيه ثم أخرج، فإن النجاة تستعمل فيمن سلم من العذاب الذي عذب به غيره، ولا يلزم أن يكون العذاب قد أصابه، فقول الله تعالى عن لوط وأهل بيته: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ﴾ [العنكبوت:٣٢] معناه: أنا نخرجه حتى يسلم من العذاب، فلا يدخل العذاب ولا يحس به، وهكذا النجاة من النار.
وأنت دائماً تدعو فتقول: اللهم نجنا من النار! رب نجني من عذاب النار! وكذلك حكى الله عن الذين آمنوا بموسى، قولهم: ﴿رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنْ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [يونس:٨٥-٨٦] ، يعني: سلمنا وأنقذنا، فكل من سلم من العذاب فإنه ناجٍ، فهكذا قوله: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [مريم:٧٢] يعني: أنهم يسلمون من العذاب، ويمرون عليها وقد انطفأ لهبها، فلا يحسون بشيء من لهبها.
стр. 844
اختلاف العلماء في معنى قوله تعالى: (وإن منكم إلا واردها)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [واختلف المفسرون في المراد بالورود المذكور في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ [مريم:٧١] ، ما هو؟ والأظهر والأقوى: أنه المرور على الصراط، قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً﴾ [مريم:٧٢] .
وفي الصحيح أنه ﷺ قال: (والذي نفسي بيده! لا يلج أحد بايع تحت الشجرة، قالت حفصة فقلت: يا رسول الله! أليس الله يقول: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ [مريم:٧١] ، فقال: ألم تسمعيه قال: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً﴾ [مريم:٧٢] ) .
أشار ﷺ إلى أن ورود النار لا يستلزم دخولها، وأن النجاة من الشر لا تستلزم حصوله، بل تستلزم انعقاد سببه، فمن طلبه أعداؤه ليهلكوه ولم يتمكنوا منه؛ يقال: نجاه الله منهم، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُوداً﴾ [هود:٥٨] ، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحاً﴾ [هود:٦٦] ، وقال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْباً﴾ [هود:٩٤] ، ولم يكن العذاب أصابهم، ولكن أصاب غيرهم، ولولا ما خصهم الله به من أسباب النجاة لأصابهم ما أصاب أولئك.
وكذلك حال الواردين النار يمرون فوقها على الصراط، ثُمَّ ينجي الله الَّذِينَ اتَّقَوْا ويذر الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً، فقد بين ﷺ في حديث جابر المذكور: (أن الورود هو المرور على الصراط.
وروى الحافظ أبو نصر الوائلي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال ﷺ : (علم الناس سنتي وإن كرهوا ذلك، وإن أحببت ألا توقف على الصراط طرفة عين حتى تدخل الجنة فلا تحدثن في دين الله حدثاً برأيك) ، أورده القرطبي، وروى أبو بكر أحمد بن سلمان النجاد عن يعلى بن منية عن رسول الله ﷺ قال: (تقول النار للمؤمن يوم القيامة: جُزْ يا مؤمن! فقد أطفأ نورك لهبي) ] .
قول الله تعالى -لما ذكر النار في سورة مريم-: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً﴾ [مريم:٧١] ، ظاهره أن كل الناس واردو النار، فما هذا الورود؟ ورد في بعض الأحاديث قوله ﷺ : (من فعل كذا لم يدخل النار إلا تحلة القسم) ، والمراد الورود المذكور في هذه الآية، وقوله: (تحلة القسم) كأن الله أقسم بأنكم لابد أن تردوها، لابد من الورود لها.
والأصل أن الورود هو الإتيان إلى الشيء، ومنه تسمية إتيان الإبل إلى الماء وروداً، يقال: وردت الإبل المياه.
يعني: جاءت إليها، وأخبر الله تعالى عن آل فرعون أنهم يردونها في قوله تعالى: ﴿فَأَوْرَدَهُمْ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ [هود:٩٨] ، فظاهر هذا أنه أدخلهم فيها، فهم وردوا إليها وسقطوا فيها، وفي بعض الأحاديث أنه (في يوم القيامة يقال لليهود: ما تعبدون؟ فيقولون: نعبد عزيراً ابن الله، فيقال: كذبتم لم يتخذ الله من صاحبة ولا ولد، ماذا تريدون؟ فيقولون: يا رب! عطشنا، فيقال: ألا تردون؟ فيساقون إلى النار فيتساقطون فيها، وكذلك يقال للنصارى: ألا تردون؟ فيساقون إلى النار ويتساقطون فيها) ، فالورود في هذه الآيات وفي هذه الأحاديث لا شك أنه الوصول إليها.
إذاً: كيف يكون ورود الأتقياء وورود الأنبياء وورود الصالحين وورود الصحابة الذين لابد أن يردوها: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ [مريم:٧١] ؟ الله يخاطب الصحابة ويخاطب المؤمنين كلهم بأنه لابد أن كلاً منكم واردها، ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً﴾ [مريم:٧١] ، يعني: أمراً محتوماً لابد منه، ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً﴾ [مريم:٧٢] ، فأخبر أنه ينجي أهل التقوى، ويبقى أهلها الظالمون جاثين فيها، والأشهر أن هذا الورود هو المرور على الصراط.
وقد تقدم أن الصراط: جسر منصوب على متن جهنم، أحد من السيف، وأدق من الشعرة، يمر الناس على هذا الجسر الذي هو أحد من السيف، وأدق من الشعرة، وكيف يمرون عليه؟ يمرون عليه بأعمالهم، فإذا مر المؤمن فإنه بنوره وبإيمانه لا يحس بحرارة ولا يحس بلهب، ولذلك تقول له النار: (جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي) ، والنار أخبر الله تعالى بأن لها لهباً، ﴿سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد:٣] ، فلهيبها ينطفئ من نور المؤمن، ثم يمر على هذا الصراط كالبرق، أي: أسرع من طرفة العين، ويمر بعضهم كالريح المسرعة التي تسوق السحاب، ومنهم من يمر كأجاويد الخيل، الجواد من الخيل: هو السابق، ومنهم من يعدو عدواً، ومنهم من يمشي مشياً، ومنهم من يزحف زحفاً؛ فسيرهم على قدر أعمالهم.
فإذاً: قوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ [مريم:٧١] المراد: أنكم لابد أن تمروا عليها مروراً على الصراط وإن لم يحس بها المؤمنون، وفي بعض الآثار: (أنهم يقولون بعدما يدخلون الجنة: أليس قد أخبر الله أنا نرد النار، أين النار؟ فيقال لهم: مررتم عليها وهي خامدة) ، يعني: بمرور المؤمنين تخمد فلا يحسون بلهب، ولا يحسون بحرارة أبداً.
وأما المنافقون والعصاة وأهل الكبائر فإنهم يخطفون وهم على الصراط، وقد أخبر النبي ﷺ في الحديث: (إن على جنبتي الصراط كلاليب) ، والكلاليب هي جمع كلوب، وهو الحديدة المحنية الرأس المحددة، هذه الكلاليب مثل شوك السعدان، يعني: كلاليبها كثيرة، إلا أنه لا يقدر قدرها إلا الله، تخطف الناس بأعمالهم، فتخطف الرجل، وتخطف اليد، وتخطف بعد نصف الطريق، وتخطف بعد ثلثه، وتخطف عند آخره، فمن نجا منها وجاز الصراط ولو بعد مائة سنة أو نحوها التفت إلى النار وقال: الحمد لله الذي نجاني منكِ، لقد أعطاني الله ما لم يعط أحداً من خلقه؛ وذلك لأنه نجا من عذاب النار التي عذابها شديد ومستمر، فرأى أن ذلك سعادة وأي سعادة! ولو أن غيره قد ظفر بالنجاة قبله! في حديث عائشة أن النبي ﷺ قال: (إن المؤمنين يدخلون الجنة ولا تمسهم النار) ، فاستشكلت عائشة الآية: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ [مريم:٧١] ، وقالت: كيف وقد قال الله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ ؟ فظاهرها أن الجميع يردونها ويدخلونها؟ لكن النبي ﷺ بين لها أن الورود يكون للجميع، ولكن ينجي الله تعالى المؤمنين المتقين، يقول تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [مريم:٧٢] ، كيف ينجيهم؟ هل يدخلونها ثم يرجعون منها؟ لا يلزم أنهم دخلوها، بل كل من تجاوزها يقال: نجا من النار، كل من مر على الصراط حتى انتهى يقال له: لقد أنجاك الله من النار، فكل من سلم من شر يقال: هذا قد نجا، ولا يلزم أنه قد دخل فيه ثم أخرج، فإن النجاة تستعمل فيمن سلم من العذاب الذي عذب به غيره، ولا يلزم أن يكون العذاب قد أصابه، فقول الله تعالى عن لوط وأهل بيته: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ﴾ [العنكبوت:٣٢] معناه: أنا نخرجه حتى يسلم من العذاب، فلا يدخل العذاب ولا يحس به، وهكذا النجاة من النار.
وأنت دائماً تدعو فتقول: اللهم نجنا من النار! رب نجني من عذاب النار! وكذلك حكى الله عن الذين آمنوا بموسى، قولهم: ﴿رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنْ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [يونس:٨٥-٨٦] ، يعني: سلمنا وأنقذنا، فكل من سلم من العذاب فإنه ناجٍ، فهكذا قوله: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [مريم:٧٢] يعني: أنهم يسلمون من العذاب، ويمرون عليها وقد انطفأ لهبها، فلا يحسون بشيء من لهبها.
стр. 845
الإيمان بميزان الأعمال
قال المؤلف ﵀: [قوله: والميزان: أي: ونؤمن بالميزان، قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧] ، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٢-١٠٣] ، قال القرطبي: قال العلماء: إذا انقضى الحساب كان بعده وزن الأعمال؛ لأن الوزن للجزاء فينبغي أن يكون بعد المحاسبة، فإن المحاسبة لتقرير الأعمال، والوزن لإظهار مقاديرها، ليكون الجزاء بحسبها.
قال: وقوله: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ يحتمل أن يكون ثم موازين متعددة توزن فيها الأعمال، ويحتمل أن يكون المراد الموزونات فجمع باعتبار تنوع الأعمال الموزونة، والله أعلم.
والذي دلت عليه السنة أن ميزان الأعمال له كفتان حسيتان مشاهدتان، روى الإمام أحمد من حديث أبي عبد الرحمن الحبلي قال: سمعت عبد الله بن عمرو ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : (إن الله سيخلص رجلاً من أمتي على رءوس الخلائق يوم القيامة، فينشر عليه تسعة وتسعين سجلاً، كل سجل مد البصر، ثم يقول له: أتنكر من هذا شيئاً؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ قال: لا يا رب! فيقول: ألك عذر أو حسنة؟ فيبادر الرجل فيقول: لا يا رب! فيقول: بلى، إن لك عندنا حسنة واحدة، لا ظلم عليك اليوم، فتخرج له بطاقة فيها (أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله) فيقول: أحضروه، فيقول: يا رب! ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقول: إنك لا تُظلم، قال: فتوضع السجلات في كفة، والبطاقة في كفة، قال: فطاشت السجلات، وثقلت البطاقة، ولا يثقل شيء باسم الله الرحمن الرحيم) ، وهكذا رواه الترمذي وابن ماجة وابن أبي الدنيا من حديث الليث، زاد الترمذي: (ولا يثقل مع اسم الله شيء) .
وفي سياق آخر: (توضع الموازين يوم القيامة، فيؤتى بالرجل فيوضع في كفة) الحديث، وفي هذا السياق فائدة جليلة: وهي أن العامل يوزن مع عمله، ويشهد له ما روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (إنه ليؤتى الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة، وقال: اقرءوا إن شئتم: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً﴾ [الكهف:١٠٥] ) ، وروى الإمام أحمد عن ابن مسعود: (أنه كان يجتني سواكاً من الأراك، وكان دقيق الساقين، فجعلت الريح تدفعه فضحك القوم منه، فقال رسول الله ﷺ : ممَ تضحكون؟ قالوا: يا نبي الله! من دقة ساقيه، فقال: والذي نفسي بيده! لهما أثقل في الميزان من أحد) ] نؤمن بما أخبر الله من الميزان في سورة الأعراف بقوله تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ﴾ [الأعراف:٨-٩] ، وكذلك في سورة الأنبياء: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً﴾ [الأنبياء:٤٧] ، وكذلك يقول الله تعالى في سورة المؤمنون: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٢-١٠٣] .
وفي سورة القارعة: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ [القارعة:٦-٩] ، وغير ذلك من الآيات والأحاديث فيها ذكر الميزان، مثل قوله ﷺ : (كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم) وفي صحيح مسلم قوله ﷺ : (الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان) أي: كلمة (الحمد لله) تملأ الميزان، وهذا يدل على أن الكلمات أيضاً توزن، وغير ذلك من الأدلة.
стр. 846
إنكار المعتزلة للميزان
أنكرت المعتزلة الميزان في الآخرة، وقالوا: لا يحتاج إلى الميزان إلا البقالون، والله تعالى ليس بحاجة إلى أن يزن وينصب الميزان، وفسروا الميزان في هذه الآيات بأنه العدل، فقوله: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ﴾ يعني: العدل، ﴿ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ يعني: نجح عندما يعدل بين الناس.
ولا شك أن هذا إنكار لخبر الله ولخبر رسوله، فالله تعالى ينصب الموازين ويظهرها حتى لا يكون هناك ظلم؛ ولأجل ذلك أخبر تعالى أن هذه الموازين يوزن فيها القليل والكثير، ففي هذه الآية في سورة الأنبياء: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا﴾ [الأنبياء:٤٧] فأخبر أنهم لا يظلمون بمثقال خردلة، والخردل: شجر حبه أصغر من حب الدخن.
كذلك يقول تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَه﴾ [الزلزلة:٧-٨] المثقال: بمعنى: الوزن: أي: أنه سبحانه يحضر الأعمال صغيرها وكبيرها، حسنها وسيئها، وتوزن حتى مثاقيل الذر، فهذه الموازين حقيقة، وقد وردت في هذه الآية بالجمع: ﴿ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ [الأعراف:٨] ، ولم يقل: ميزانه، ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧] ، ولم يقل: الميزان، فدل على أن هناك عدداً، وأنها موازين كثيرة، يوزن لهذا ويوزن لهذا.
стр. 847
اختلاف العلماء في الموزون
اختلفوا في الموزون ما هو على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن الذي يوزن هي الأعمال، ولو كانت أعراضاً فيقلبها الله تعالى أجساماً ثم توزن؛ لأن الأعراض ليس لها جرم، مثلاً كلمة (الحمد لله) ليس لها جرم حتى توزن؟! فهي عرض، وكذلك الصلاة، فالصلاة قد أخبر النبي صلى الله عليه سلم بأنها تتجسد (إذا صلى الرجل فأحسن صلاته صعدت إلى السماء ولها نور، وتفتح لها أبواب السماء، وتقول: حفظك الله كما حفظتني، وإذا صلى وأساء صلاته صعدت إلى السماء ولها ظلمة، وتغلق دونها أبواب السماء، فتقول: ضيعك الله كما ضيعتني، وتلف كما يلف الثوب الخَلِق، ويضرب بها وجه صاحبها) .
هل نحن نبصر الصلاة إذا صعدت؟ لا نبصرها فهي عرض، ولكن الله تعالى يقلب الأعمال أجساماً، فصيامك يكون جسماً وجرماً، وصلواتك وقراءتك وأذكارك وأدعيتك يقلبها الله أجساماً كما أن هذه الخشبة جسم، وهذه السارية جسم لها جرم ولها وزن، ولكن الكلام ليس له جرم، ولكن يقلبه الله فيجعله ذا جرم، فلذلك يقول في الحديث: (الحمد لله تملأ الميزان) ، ويقول: (كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان) ، وقوله: (ثقيلتان) يدل على أن كلمة (سبحان الله وبحمده) توزن، يعني: يجعلها الله جرماً، ولا يستعصي ولا يخرج عن قدرة الله شيء، فهو قادر أن يقلب الأعراض أجساماً.
القول الثاني: أن الذي يوزن هو الصحف، وتثقل الصحف وتخف بسبب ما كتب فيها، ودل على ذلك الحديث الذي مر بنا، فإن هذا رجل كتبت عليه الملائكة سيئات كثيرة -تسعة وتسعين سجلاً- والسجل: هو الصحيفة التي يكتب فيها كالسجلات التي عند القضاة تملأ بالقضايا، يقال: سجل في كذا السجل رقم كذا هذه السجلات تطوى طيًّا، ثم إذا نشرت كانت مد البصر، فكان له تسعة وتسعون سجلاً كلها سيئات، فلما وقف على هذه السجلات سأله الله: هل تنكر شيئاً من هذا؟ فلا ينكر، يقول: هل ظلمك الكرام الكاتبون الحفظة، وكتبوا عليك ما لم تقل؟ لا يستطيع أن ينكر، ولا يقول: ظلموني، يقول: هل لك عذر؟ ما له عذر، هل لك حسنة تقابل هذه السجلات وتمحوها، ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤] ؟ فينبهر وينبهت ويقول: لا، ليس لي حسنات.
وكأنه أيس من النجاة، وأيقن بالعذاب؛ لكثرة ما كتب عليه، فإنه رأى هذه السيئات التي دونت عليه ولا يستطيع أن ينكرها، كما أخبر الله عنهم أنهم يقولون: ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً﴾ [الكهف:٤٩] ، ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً﴾ [آل عمران:٣٠] ، فيقول الله: بلى لك عندنا حسنة واحدة، تخرج له هذه البطاقة - والبطاقة: الورقة الصغيرة مثل الكف أو نحوه- مكتوب فيها: (لا إله إلا الله محمد رسول الله) ، ولكن قالها عن صدق، قالها عن عقيدة، قالها عن يقين، وختمت بها أيامه، وختمت بها أعماله، وخرج من الدنيا وهو على هذه الحسنة التي أثرت فيه وفي قلبه، فلما رأى هذه البطاقة استصغرها بالنسبة إلى هذه السيئات الكثيرة، فقال: ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فالله تعالى يقول: إنك لا تظلم، ونصب الميزان الذي له كفتان، وجعلت البطاقة في كفة، وجعلت تلك السجلات في كفة، فعند ذلك طاشت -يعني: خفت- السجلات وثقلت البطاقة، ولا يثقل مع اسم الله شيء، فكان ذلك سبباً في سعادته.
ومعلوم أن كثيراً من الذين يقولونها قد يعذبون وقد تخف موازينهم؛ وذلك لأنهم لم يقولوها عن يقين، ولم تؤثر في عقائدهم، ولم تصدر عن قلب مصدق بها؛ فلأجل ذلك تخف موازينهم، أما هذا فقد قالها عن علم وعن يقين وعن إخلاص وعن معرفة وعن تقبل؛ فأثرت في قلبه، ووقعت موقعاً فثقلت موازينه فسعد، ويصدق عليه أنه من الذين ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية.
القول الثالث: أن العامل نفسه يوزن، فالرجل نفسه يوزن، ويثقل إذا كان قلبه ممتلئاً إيماناً، ويخف إذا كان قليل الإيمان، واستدل على ذلك بهذه الآية الكريمة في آخر سورة الكهف، وهي قول الله تعالى: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً﴾ [الكهف:١٠٥] ، وإن كانت محتملة أن المراد: لا نقيم لهم قدراً، ولكن ظاهرها أنهم يوزنون، ولكن لا يكون لهم وزن ظاهر، ويؤيد هذا الحديث الذي فيه (يجاء بالرجل العظيم السمين -الأكول الشروب- لا يزن عند الله جناح بعوضة) لو وزن كان أخف من جناح البعوضة.
وهذا دليل على أن العامل يوزن، وأنه يثقل إذا كان تقياً كما في قصة ابن مسعود ﵁ حين صعد مرة على شجرة الأراك ليقطع منها سواكاً، ولما صعد رآه بعض الصحابة وعجبوا من دقة ساقية، فجعلوا يضحكون من دقة ساقيه، فقال النبي ﷺ : (لهما في الميزان أثقل من جبل أحد) ، فدل على أن العامل نفسه يوزن؛ فيثقل إذا كان من أهل السعادة، ويخف إذا كان من أهل الشقاوة.
وقد ذكر الشارح أن الوزن بعد الحساب، يبدأ أولاً بالحساب؛ وذلك بأن يقال: حاسب نفسك، هذه صحائفك، هذه حسنة وهذه سيئة قابل بينهما، وبعدما يحاسب ويقر بما له وبما عليه، بعد ذلك توزن هذه الأعمال حتى يعرف مقدارها، وحتى يحقق في أمرها، وإذا وزنت عرف من يستحق أن يكون سعيداً لكون حسناته ثقيلة، ومن يكون بخلاف ذلك؛ لأن الحساب إنما هو لتمييز الحسنات من السيئات، ولكن الميزان يميز الحسنات، فتكون الحسنات كثيرة وخفيفة، وتكون قليلة وثقيلة، كصاحب البطاقة، قد يكون هناك إنسان له أذكار وأوراد وأدعية وقراءات كثيرة، ولكنها خفيفة، وآخر أذكاره قليلة، ولكنها ثقيلة؛ بسبب صدورها عن الإيمان الراسخ المتمكن في القلب.
стр. 848
تجسد الأعمال ووزنها يوم القيامة
قال ﵀: [وقد وردت الأحاديث أيضاً: بوزن الأعمال أنفسها، كما في صحيح مسلم عن أبي مالك الأشعري قال رسول الله ﷺ : (الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان) ، الحديث، وفي الصحيحين -وهو خاتمة البخاري - قوله ﷺ : (كلمتان خفيفتان على اللسان، حبيبتان إلى الرحمن، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم) .
وروى الحافظ أبو بكر البيهقي عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: (يؤتى بابن آدم يوم القيامة فيوقف بين كفتي الميزان، ويوكل به ملك، فإن ثقل ميزانه نادى الملك بصوت يسمع الخلائق: سعد فلان سعادة لا يشقى بعدها أبداً، وإن خف ميزانه نادى الملك بصوت يسمع الخلائق: شقي فلان شقاوة لا يسعد بعدها أبداً) .
فلا يلتفت إلى ملحد معاند يقول: الأعمال أعراض لا تقبل الوزن، وإنما يقبل الوزن الأجسام، فإن الله يقلب الأعراض أجساماً كما تقدم، وكما روى الإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (يؤتى بالموت كبشاً أغبر، فيوقف بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة! فيشرئبون وينظرون، ويقال: يا أهل النار! فيشرئبون وينظرون، ويرون أن قد جاء الفرج، فيذبح، ويقال: خلود لا موت) ، ورواه البخاري بمعناه.
فثبت وزن الأعمال والعامل وصحائف الأعمال، وثبت أن الميزان له كفتان، والله تعالى أعلم بما وراء ذلك من الكيفيات، فعلينا الإيمان بالغيب كما أخبرنا الصادق ﷺ من غير زيادة ولا نقصان، ويا خيبة! من ينفي وضع الموازين القسط ليوم القيامة كما أخبر الشارع لخفاء الحكمة عليه، ويقدح في النصوص بقوله: لا يحتاج إلى الميزان إلا البقال والفوال، وما أحراه بأن يكون من الذين لا يقيم الله لهم يوم القيامة وزناً.
ولو لم يكن من الحكمة في وزن الأعمال إلا ظهور عدله سبحانه لجميع عباده، فلا أحد أحب إليه العذر من الله؛ من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين، فكيف ووراء ذلك من الحكم ما لا اطلاع لنا عليه؟ فتأمل قول الملائكة لما قال الله لهم: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٣٠] ، وقال تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [الإسراء:٨٥] .
وقد تقدم عند ذكر الحوض كلام القرطبي ﵀: أن الحوض قبل الميزان والصراط بعد الميزان، ففي الصحيحين: (أن المؤمنين إذا عبروا الصراط وقفوا على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعض، فإذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة) ، وجعل القرطبي في التذكرة هذه القنطرة صراطاً ثانياً للمؤمنين خاصة، وليس يسقط منه أحد في النار، والله تعالى أعلم] .
تقدم أن من الأقوال: أن الأعمال تجسد، وأنها توزن ولو كانت أعراضاً، فالله تعالى قادر على أن يقلب الأعراض أجساداً كما يشاء، فيقلب التسبيح والتكبير والقراءة أجساداً وأجراماً يكون لها ثقل ويكون لها وزن، وقد دلت على ذلك السنة، فالأحاديث التي تقدمت دالة على أن الأعمال تجسد، وأنها توزن، وأن الله لا يستعصي عليه أن يقلب هذه الأعراض ويجعل لها جرماً يخف ويثقل.
وتقدم أن المعتزلة أنكروا الميزان الذي ينصب يوم القيامة مع وروده في الآيات الصريحة والأحاديث الصحيحة، ومع ذلك يقولون: لا يحتاج إلى الميزان إلا البقال والفوال -تعالى الله عن قولهم-، وأنكروا أن يكون الميزان حقيقياً، فلذلك رد عليهم الشارح، وأنكر قولهم وقال: إنهم حريون أن تخف موازينهم، ولا شك أن في جعل هذه الموازين حكماً عظيمة، ولو لم يكن فيها إلا العدل؛ ولذلك وصفها الله تعالى بالقسط: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾ [الأنبياء:٤٧] ، (أي) : العدل، يعني: الموازين العادلة إذا نصب الميزان وحضر الموزون، يقال: احضر وزن أعمالك، فإذا رجح ميزانه نادى ذلك الملك: سعد فلان سعادة لا يشقى بعدها أبداً، وإذا خف ميزانه نادى ذلك الملك: شقي فلان شقاوة لا يسعد بعدها أبداً، وإذا تساوت الحسنات والسيئات عومل بعد ذلك بما يستحقه، بأن يعذب بقدر سيئاته، ثم يخرج إذا كان من أهل التوحيد أو نحو ذلك مما يشاؤه الله.
стр. 849
الميزان بعد الحساب
سمعنا أن أول شيء الحساب، ثم بعده الميزان، ثم بعده الصراط، ثم بعده القنطرة، ثم دخول الجنة، أما أهل النار من الكفار الذين لا حسنات لهم فلا يحاسبون؛ لأنهم لا حسنات لهم، وإذا كان لهم حسنات فإنهم قد استوفوها في الدنيا.
فأول شيء تعرض الأعمال، ويقال: حاسبوا أنفسكم، ثم بعدما يعرفون الحسنات والسيئات تنصب الموازين، فيعرفون خفة الحسنات أو ثقلها، ونحو ذلك، ثم بعد ذلك ينصب الصراط فيسلكونه -هذا إذا كان لهم حسنات وسيئات- فيخدش من يخدش، ويسلم من يسلم.
ثم بعدما يسلمون ويعبرون الصراط يوقفون على قنطرة بين الجنة والنار، وهذه القنطرة يحاسبون فيها عن مظالم كانت بينهم، فإذا كان عندك مظلمة جوزيت بها، فيؤخذ من حسناتك، وإذا كان لك حق أخذته، فإذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة؛ لأنه لا يدخل الجنة أحد وفي قلبه غل: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ [الأعراف:٤٣] ، فلا يدخلون الجنة إلا بعد التنقية وبعد التصفية، وبعد أن يكونوا متحابين ليس بينهم إحن ولا بغضاء، ونهايتهم دخول الجنة إلى الأبد.
стр. 850
شرح العقيدة الطحاوية [٦٦]
من عقيدة أهل السنة والجماعة الإيمان بأن الجنة والنار مخلوقتان، وأنهما أبديتان لا تفنيان، وخالف في ذلك المعتزلة وغيرهم من الفرق الضالة، وقد بين العلماء أدلة أهل السنة وأجابوا عن شبهات المخالفين.
стр. 851
ثمرة الإيمان بالميزان وغيره مما يكون يوم القيامة
من أركان الإيمان الإيمان باليوم الآخر، وهو البعث بعد الموت، وما يكون في يوم القيامة من الأهوال والحساب والجزاء على الأعمال، والعرض والمناقشة، ونصب الموازين، وتفريق الدواوين، وأخذ الصحف والكتب بالأيمان أو بالشمائل، ونصب الصراط على متن جهنم، والورود على نار جهنم، والوقوف في ذلك اليوم الطويل، والشفاعة التي ثبتت للأنبياء وللرسل ولنبينا ﷺ ، وما بعد ذلك إلى أن يستقر أهل الجنة في دار النعيم، وأهل النار في الجحيم، ويبقى في النار من حكم عليه بالخلود، ويدخل الجنة من حكم له بالخلود، وتفاصيل ذلك مذكورة في كتاب الله ، وفي سنة رسوله ﷺ .
وأهل السنة يؤمنون بذلك على ما جاء في النصوص، ويصدقون بتلك النصوص، ويعتقدون أنها حق وصدق؛ لأنها كلام الله، وكلام أعرف الخلق بالله، وهو الرسول ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، ويحملون ذلك كله على أنه حقيقة لا لبس فيه ولا تأويل، ولا نفي لشيء مما دلت عليه تلك النصوص، ويردون على من أنكر البعث الجسماني كالفلاسفة، وعلى من أنكر النعيم والعذاب في الآخرة كالباطنية، فهم ينكرون عليهم ويعتقدون أن كفرهم أشد من كفر اليهود والنصارى، ولو تسموا بأنهم من أهل الإسلام.
من آمن بتفاصيل يوم القيامة وما يكون في ذلك اليوم؛ فإنه بلا شك يستعد لذلك اللقاء، ويظهر عليه أثره في أعماله، وفي سيرته وفي نهجه، وكلما كان الإنسان أشد يقيناً وأشد إيماناً كان أشد استعداداً وتأهباً، وهكذا كانت حال المؤمنين الصادقين في إيمانهم، فإيمانهم يحملهم على أن يستعدوا للموت، ويستعدوا للجزاء، ويستعدوا للقاء ربهم، ويعملوا العمل الصالح الذي ينجون به، ويكونون به من أهل السعادة ومن أهل الفلاح، حتى لو قيل لأحدهم: إنك تموت في هذا اليوم، لم يكن هناك عمل يزداد به في ذلك اليوم؛ لأنه لم يضيع لحظة من لحظاته في غير طاعة.
علم المؤمن بأن الموت لابد وأن ينزل، وأنه قد يأتي فجأة على غير موعد، وعلم أن بعد الموت حساباً، وعذاباً أو ثواباً، وعلم أن بعد الموت بعثاً ونشوراً وجنة أو ناراً، فصارت كل دقيقة تمر عليه يشغلها في طاعة الله، هكذا كان أولياء الله المتقون.
أما المفرطون الذين يقولون: آمنا، ولكن يقولونه باللسان، وقلوبهم كأنها غير مصدقة؛ فإنهم لا يستعدون، فهؤلاء إيمانهم ضعيف، ألسنتهم تصف، وقلوبهم تعرف، وأعمالهم تخالف، ذلك بأن إيمانهم وتصديقهم لم يكن عن يقين أو كان عن تردد، أو كان يقينهم قد أتاه ما يضعفه من الشهوات، وزينة الدنيا، والركون إليها، ومحبة التوسع في الملذات، وعدم استحضار الموت، وعدم استحضار ما بعد الموت، فكان ذلك حاملاً على كثرة الغفلة، والانهماك في لذة الدنيا، وعدم التفكر في عاقبة هذه الملذات والشهوات، وعدم التفريق بين الحلال منها والحرام، فحصل ما حصل منهم من التفريط، فجاءهم أمر الله بغتة وهم لا يشعرون، فندموا حين لا ينفع الندم، ويقول أحدهم: ﴿يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنْ السَّاخِرِينَ﴾ [الزمر:٥٦] .
فعلينا أن نتفقد أنفسنا ونتفقد إخواننا، فإذا رأينا الذي شغل وقته كله بأعمال الآخرة، قلنا: هذا صادق الإيمان بالآخرة، هذا مؤمن حقاً، هذا ممن استعد للقاء ربه، وإذا رأيناه ضعيف الإيمان، ضعيف الأعمال، قليل الاهتمام، قلنا: هذا قليل الاهتمام، هذا ضعيف الإيمان بالآخرة، ولو كان إيمانه قوياً لما فرط في أيامه، ولما تناسى لقاء ربه، فنثبت الأول ونحثه على الاستعداد والزيادة؛ ونحذر الثاني ونخوفه من أن يفجأه الأجل وهو على هذا التفريط والإهمال، وبذلك نكون جميعاً من المؤمنين بالدار الآخرة.
стр. 852
الإيمان بالجنة والنار
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قوله: (والجنة والنار مخلوقتان، لا تفنيان أبداً ولا تبيدان، فإن الله تعالى خلق الجنة والنار قبل الخلق وخلق لهما أهلاً، فمن شاء منهم إلى الجنة فضلاً منه، ومن شاء منهم إلى النار عدلاً منه، وكل يعمل لما قد فرغ له، وصائر إلى ما خلق له، والخير والشر مقدران على العباد) .
أما قوله: (إن الجنة والنار مخلوقتان) اتفق أهل السنة على أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن، ولم يزل على ذلك أهل السنة، حتى نبغت نابغة من المعتزلة والقدرية فأنكرت، وقالت: بل ينشئهما الله يوم القيامة، وحملهم على ذلك أصلهم الفاسد الذي وضعوا به شريعة لما يفعله الله، وأنه ينبغي أن يفعل كذا ولا ينبغي له أن يفعل كذا، وقاسوه على خلقه في أفعالهم، فهم مشبهة في الأفعال، ودخل التجهم فيهم، وصاروا مع ذلك معطلة، وقالوا: خلق الجنة قبل الجزاء عبث؛ لأنها تصير معطلة مدداً متطاولة، فردوا من النصوص ما خالف هذه الشريعة الباطلة التي وضعوها للرب تعالى، وحرفوا النصوص عن مواضعها، وضللوا وبدعوا من خالف شريعتهم.
فمن نصوص الكتاب قوله تعالى عن الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣] ، وقوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [الحديد:٢١] ، وعن النار قوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٤] ، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً * لِلْطَّاغِينَ مَآباً﴾ [النبأ:٢١-٢٢] ، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ [النجم:١٣-١٥] ، وقد رأى النبي ﷺ سدرة المنتهى، ورأى عندها جنة المأوى كما في الصحيحين من حديث أنس ﵁ في قصة الإسراء، وفي آخره: (ثم انطلق بي جبريل حتى أتى سدرة المنتهى، فغشيها ألوان لا أدري ما هي، قال: ثم دخلت الجنة فإذا فيها جنادب اللؤلؤ، وإذا ترابها المسك) .
وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر ﵄: (أن رسول الله ﷺ قال: إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، يقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة) ، وتقدم حديث البراء بن عازب ﵁، وفيه: (ينادي منادٍ من السماء: أن صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة، وافتحوا له باباً إلى الجنة، قال: فيأتيه من روحها وطيبها) ، وتقدم حديث أنس بمعنى حديث البراء ﵁] .
стр. 853
معنى الجنة
يصدر الناس بعد الموقف يوم القيامة إلى دار الجزاء، وجزاء المحسنين جنات النعيم، وجزاء الكافرين نار الجحيم، والجنة في الأصل هي: البستان الذي يجمع الخضرة والزهور والأنهار والثمار والظلال والأشجار والنضرة والبهجة والسرور؛ فهذا يسمى في الأصل جنة؛ لأنه يجن من بداخله ويستره، ومنه قول الله تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ [القلم:١٧] يعني: أصحاب البستان، ومنه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ﴾ [الكهف:٣٢] أي: بستانين من أعناب، ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا * كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا﴾ [الكهف:٣٢-٣٣] .
فالجنة في الدنيا: هي البساتين التي تبهج وتفرح من دخلها، وسميت دار النعيم بهذا الاسم؛ لأن فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فقد ذكر الله ما في الجنان مثل قوله تعالى: ﴿فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ﴾ [الرحمن:٥٠] ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ﴾ [الرحمن:٥٠] ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن:٦٨] وقوله تعالى: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [محمد:١٥] ، وكما في قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً﴾ [البقرة:٢٥] ، وكما في قوله تعالى: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً﴾ [النساء:٥٧] ، وقوله: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ﴾ [الزخرف:٧١] ، وكذلك قوله تعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة:١٧] .
وغير ذلك من الآيات الدالة دلالة واضحة على أن هذه الجنة مشتملة على ما يجلب السرور والحبور، وأن فيها الجزاء الأوفى، وأن فيها النعيم الذي ما بعده نعيم، وأن أهلها يغتبطون بمقامهم فيها، ويقولون: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر:٣٤] ، وكذلك يقولون: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنْ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [الزمر:٧٤] .
стр. 854
أسماء النار وصفتها
الجحيم هي نار تلظى، نار موقدة، نار حامية، ذكر الله لها عدة أسماء، وذكر أنها ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ [الحجر:٤٤] .
وأخذ العلماء لها سبعة أسماء من الآيات: لظى، والحطمة، وجهنم، والجحيم، وسقر، والسعير، والهاوية؛ وكلها موجودة في القرآن، وكلها دالة على شدة الحرارة.
وقد أخبر الله تعالى بشدة العذاب فيها، وأنهم كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها، وقال: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وَجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً﴾ [الإسراء:٩٧] ، كلما خبت النار وانطفأت زِيد في حرها، وقال: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [البقرة:٢٤] ، وقال: ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ * إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُوصَدَةٌ﴾ [الهمزة:٧-٨] يعني: مطبقة، وغير ذلك من أنواع العذاب الذي ذكره الله.
ولا شك أنه عندما يذكر الله الجنة يشوق إليها، وكأنه يقول: أيها المؤمنون بالجنة المصدقون بها! اطلبوها بالأعمال الصالحة، فهذا نعيمها وهذه صفتها، وأيها المؤمنون بالنار والمصدقون بها! احذروها وابتعدوا عنها، فهذه حرارتها، وهذا عذابها، وأيها المفرطون! وأيها الكافرون! هذا عذابكم أفلا تتبون؟ أفلا تندمون وتبتعدون عن الأعمال السيئة التي تجعلكم من أهل ذلك العذاب؟ وهكذا ذكر الله هذا العذاب وهذا الثواب، وسمى دار الكفار بالنار.
والنار في الأصل هي هذه النار التي نوقدها في الدنيا، والتي ننتفع بها، قال الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ [الواقعة:٧١] يعني: تقدحونها حتى تشتعل وتتقد، ﴿أَأَنْتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ * نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾ [الواقعة:٧٢-٧٣] تذكرة بالنار الأخرى، ﴿وَمَتَاعاً لِلْمُقْوِينَ﴾ [الواقعة:٧٣] ، وقد سمى ذلك العذاب ناراً؛ لأن فيه ناراً تشتعل وتتقد، ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦] .
ولا شك أن الله ذكر الجنة وذكر النار كثيراً في القرآن؛ لأجل أن يرغب الله في دار الثواب، ويحذر من دار العقاب.
стр. 855
اعتقاد أهل السنة أن الجنة والنار موجودتان الآن
من عقيدة أهل السنة أن الجنة والنار موجودتان الآن، وإن كنا لا نعلم جهتها ولا مكانها، فإن علمنا قاصر، ما نحيط إلا بالأرض وبما على الأرض، ولكن الجهات كثيرة لا يعلمها إلا الله، ففي يوم القيامة يجاء بجهنم، قال الله تعالى: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ [الفجر:٢٣] ، وذكر في الحديث: (تجيء الملائكة بجهنم، ولها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها) ، أولئك الملائكة قد يكون أحدهم قادراً على قلع الجبال وجرها بإذن الله، ومع ذلك هذا عددهم، فما مقدارها؟! فإخبار الله تعالى بأنه يجاء بها في يوم القيامة، دليل على أنها موجودة.
وكذلك الجنة موجودة أيضاً، وتبرز يوم القيامة، يقول الله تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتْ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ * وَبُرِّزَتْ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾ [الشعراء:٩٠-٩١] ، فأزلفت؛ معناه: قربت وأظهرت، ولا شك أن هذا دليل على أنها موجودة وأنها تبرز، ويقال: هذه الجنة دار المتقين.
وأظهرت النار لأهلها، ﴿وَبُرِّزَتْ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾ [الشعراء:٩١] ، ولا شك أن إبرازها دليل على أنها موجودة الآن، وكذلك الآيات التي سمعنا، مثل قول الله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣] أي: هيئت فهي معدة لهم، وقال في النار: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٤] ، أي: هيئت لهم، وهذا دليل على أنها موجودة، وأنها قد أعدت لأهلها.
وكذلك قوله في الجنة في سورة النجم: ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ [النجم:١٤-١٥] دليل على أن الجنة فوق السماء السابعة حيث يشاء الله، فهي موجودة الآن، وذكر الله سعتها في قوله: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣] ، فهذه صفتها، ومعنى (أعدت) أي: هيئت لهم.
وتقدمت الأحاديث التي فيها أن الجنة موجودة، وأنه يقال للعبد في قبره: (افتحوا له باباً إلى الجنة، فيأته من روحها وريحانها؛ فيقول: رب! أقم الساعة، ويقال للكافر: افتحوا له باباً إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها؛ فيقول: رب! لا تقم الساعة) ، وهذا دليل أيضاً على أنها موجودة، وأنه يفتح له باب إليها، ويقال: هذا مقعدك من الجنة، هذا مقعدك من النار، وهذه الأدلة واضحة.
стр. 856
إنكار المعتزلة لوجود الجنة والنار قبل يوم القيامة
ذكر المؤلف أن قوماً من المعتزلة أنكروا وجود الجنة والنار الآن، وقالوا: لا حاجة إلى وجودها الآن مادام أنه ليس فيها أحد، فتبقى مغلقة الأبواب، وتحتاج إلى من يسقي شجرها هذه المدة الطويلة قبل أن يأتي إليها أهلها، فجعلوا أفكارهم متحكمة في أمر الله، فقالوا: الجنة والنار غير موجودتين، وزعموا أنها إنما تنشأ يوم القيامة عندما يبعث الله الخلق.
ولكن الصحيح الذي عليه أهل السنة والجماعة أن الجنة موجودة الآن، وقد دخلها النبي ﷺ ، وكذلك النار موجودة، وقد عرضت عليه الجنة والنار في صلاة الكسوف، فلما عرضت الجنة تقدم، ولما عرضت عليه النار تقهقر وتأخر، وكل ذلك دليل على أنه رآها، وأنها موجودة الآن.
ولا يلزم ما يقوله أولئك المعتزلة: من أنها معطلة، وأنه لا حاجة إلى وجودها على أصلهم الفاسد الذي أصلوه: وهو أنهم يتحكمون في أمر الله، ويفرضون على الله ما يريدونه، فيقولون: يجب على الله أن يفعل كذا وألا يفعل كذا فكأنهم هم الذين يوجبون بعقولهم ما يشاءون.
فهذه عقيدة أهل السنة، ولا يضر خلاف من خالفها.
стр. 857
أدلة وجود الجنة والنار
قال ﵀: [وفي صحيح مسلم عن عائشة ﵂ قالت: (خسفت الشمس في حياة رسول ﷺ فذكرت الحديث، وفيه: وقال رسول الله ﷺ : رأيت في مقامي هذا كل شيء وعدتم به حتى لقد رأيتني آخذ قطفاً من الجنة حين رأيتموني أقدم، ولقد رأيت جهنم يحطم بعضها بعضاً حين رأيتموني تأخرت) .
وفي الصحيحين واللفظ للبخاري عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: (انخسفت الشمس على عهد رسول ﷺ ، فذكر الحديث، وفيه: فقالوا: يا رسول الله! رأيناك تناولت شيئاً في مقامك، ثم رأيناك تكعكعت، فقال: إني رأيت الجنة فتناولت عنقوداً، ولو أصبته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا، ورأيت النار فلم أرَ منظراً كاليوم قط أفظع، ورأيت أكثر أهلها النساء، فقالوا: بمَ يا رسول؟ قيل: أيكفرن بالله؟ قال: يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله، ثم رأت منك شيئاً، قالت: ما رأيت خيراً قط) .
وفي صحيح مسلم من حديث أنس: (وايم الذي نفسي بيده! لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلاً وبكيتم كثراً، قالوا: وما رأيت يا رسول الله؟ قال: رأيت الجنة والنار) ، وفي الموطأ والسنن من حديث كعب بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه: (إنما نسمة المؤمن طير يعلق في شجر الجنة حتى يرجعها الله إلى جسده يوم القيامة) ، وهذا صريح في دخول الروح الجنة قبل يوم القيامة.
وفي صحيح مسلم والسنن والمسند -من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لما خلق الله الجنة والنار أرسل جبريل إلى الجنة، فقال: اذهب فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها، فذهب فنظر إليها وإلى ما أعد الله لأهلها فيها، فرجع فقال: وعزتك! لا يسمع بها أحد إلا دخلها، فأمر بالجنة فحفت بالمكاره، فقال: ارجع فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها، قال: فنظر إليها ثم رجع فقال: وعزتك! لقد خشيت ألا يدخلها أحد، قال: ثم أرسله إلى النار، قال: اذهب فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها، قال: فنظر إليها، فإذا هي يركب بعضها بعضاً، ثم رجع فقال: وعزتك! لا يدخلها أحد سمع بها، فأمر بها فحفت بالشهوات، ثم قال: اذهب فانظر إلى ما أعددت لأهلها فيها فذهب فنظر إليها، فرجع فقال: وعزتك! لقد خشيت ألا ينجو منها أحد إلا دخلها) ، ونظائر ذلك في السنة كثيرة] .
هذه الأحاديث صريحة في وجود الجنة وفي وجود النار، وأن النبي ﷺ رآها كما في أحاديث كثيرة، ففي صلاة الكسوف ذكر أنه عرضت عليه الجنة، وأنه تناول منها عنقوداً لو أخذه لأكلوا منه ما بقيت الدنيا؛ وذلك لأن نعيم الجنة لا ينفد، وعرضت عليه النار فتكعكع: يعني: تقهقهر وتأخر، وذكر أنه رأى فيها فلاناً وفلاناً، وسمى من رأى فيها، فرأى فيها عمرو بن لحي، وكان أول من غير دين إبراهيم، ورأى فيها سارق الحاج الذي كان يسرق المتاع بمحجنه، ورأى فيها المرأة التي تعذب بهرة ربطتها حتى ماتت جوعاً.
وفي هذا الحديث يقول: (رأيت أكثر أهلها النساء) ؛ بسبب أنهن يكفرن الإحسان، فإذا أحسن الزوج إلى المرأة -غالباً، وليس دائماً- ثم رأت منه شيئاً يخالف ما تشتهيه أنكرت إحسانه، فيكون ذلك سبباً في عذابها.
وكذلك أخبر النبي ﷺ أن أرواح الشهداء في أجواف طير خضر تعلق في شجر الجنة، أي أن الله جعل أرواحهم في أجواف طير خضر تدخل الجنة، وتأكل من شجرها حتى يردها الله إلى أجسادها، وأخبر الله تعالى: أن أرواحاً من الكفار كآل فرعون تعرض على النار، قال تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً﴾ [غافر:٤٦] ، فدل على أن النار موجودة، وأنهم يعرضون عليها في الصباح وفي المساء.
فكل هذه الأدلة واضحة الدلالة على أن الجنة والنار موجودتان الآن، ولا يلزم ما تقوله المعتزلة من أنها تبقى معطلة سنين طويلة، بل إنها تعتبر تذكرة، وتعتبر ظاهرة لمن أطلعه الله عليها، وقد ذكر ابن عمر: (أنه رأى رؤيا، وهي: أن رجلين أتيا به النار، فإذا هي مطوية كطي البئر، يقول: فرأيت فيها رجالاً أعرفهم، فقيل: لن تراع) .
وكذلك: أخبر النبي ﷺ في حديث سمرة الطويل أنه دخل الجنة في المنام مع رجلين هما ملكان، وأنه رأى فيها كذا وكذا، ولا شك أن هذا كله دليل على أنها موجودة، وأنها مهيأة معدة لأهلها، وأن من مات وصل إليه ألمه إن كان من أهل العذاب، ونعيمه إن كان من أهل الثواب.
стр. 858
الرد على شبهة من ينكر وجود الجنة الآن حتى لا يلزم موت أهلها يوم القيامة
قال المؤلف ﵀: [وأما على قول من قال: إن الجنة الموعود بها هي الجنة التي كان فيها آدم ثم أخرج منها، فالقول بوجودها الآن ظاهر، والخلاف في ذلك معروف.
وأما شبهة من قال: إنها لم تخلق بعد: وهي أنها لو كانت مخلوقة الآن لوجب اضطراراً أن تفنى يوم القيامة، وأن يهلك كل من فيها ويموت؛ لقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨] ، وقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران:١٨٥] ، وقد روى الترمذي في جامعه من حديث ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لقيت إبراهيم ليلة أسري بي، وقال: يا محمد! أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر) ، قال: هذا حديث حسن غريب.
وفيه أيضاً من حديث أبي الزبير عن جابر عن النبي ﷺ أنه قال: (من قال: سبحان الله وبحمده غرست له نخلة في الجنة) قال: هذا حديث حسن صحيح.
قالوا: فلو كانت مخلوقة مفروغاً منها لم تكن قيعاناً، ولم يكن لهذا الغراس معنى، قالوا: وكذا قوله تعالى عن امرأة فرعون إنها قالت: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ﴾ [التحريم:١١] ؟ ف
الجواب
إنكم إن أردتم بقولكم إنها الآن معدومة بمنزلة النفخ في الصور، وقيام الناس من القبور، فهذا باطل، يرده ما تقدم من الأدلة وأمثالها مما لم يذكر، وإن أردتم أنها لم يكمل خلق جميع ما أعد الله فيها لأهلها، وأنها لا يزال الله يحدث فيها شيئاً بعد شيء، وإذا دخلها المؤمنون أحدث الله فيها عند دخولهم أموراً أخر، فهذا حق لا يمكن رده، وأدلتكم هذه إنما تدل على هذا القدر] .
هذه الأحاديث وأشباهها دالة على أن الجنة موجودة، ولكن يحدث الله فيها ما يشاء، ويجدد الله فيها ما يشاء، ففي حديث الإسراء أخبر أنه لقي إبراهيم فقال: (أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر) يعني: أن الجنة موجودة، ولكن كل أحد يغرس له فيها غراس أعماله التي يعملها في الدنيا، فمما يغرس له في الجنة أنه إذا قال: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر؛ غرست له شجرة في الجنة، وإذا كررها فكذلك.
وهكذا أيضاً: يبنى له غرف بأعماله الصالحة، ورد في بعض الأحاديث (أن الملائكة تبني لابن آدم بيوتاً وغرفاً ما دام يعمل الصالحات، ويذكر الله ويشكره، ويأتي بالحسنات، وإذا توقف عن العمل توقفوا عن البناء، فإذا قيل: لماذا توقفتم؟ قالوا: حتى تأتينا النفقة) ، فالباني في الدنيا يحتاج إلى نفقة، والعمال الذين يعملون لك في الدنيا لا يعملون إلا إذا أعطيتهم نفقة، ونفقة الملائكة التي يبنون بها هي ذكر الله، وعبادته، والحسنات، فهم مشتغلون يبنون، والبناء الذي تبنيه في الآخرة هو الذي يبقى؛ ولهذا يقول بعض الشعراء: لا دار للمرء بعد الموت يسكنها إلا التي كان قبل الموت يبنيها فإن بناها بخير طاب مسكنه وإن بناها بشر خاب بانيها النفس ترغب في الدنيا وقد علمت أن الزهادة فيها ترك ما فيها فاغرس أصول التقى ما دمت مجتهداً واعلم بأنك بعد الموت لاقيها فهكذا تكون أعمال الإنسان في الدنيا بمنزلة الغراس في الجنة، كلما عمل حسنة غرس له أو بني له بها بيوت ومنازل في الجنة؛ وهذا يدلنا على أن الجنة موجودة، وأنها تتكامل يوم القيامة بالأعمال الصالحة، كلما توفي مؤمن كان قد بني له بقدر أعماله، وهكذا إلى أن يأذن الله بقيام الساعة.
وفي حديث عبادة الذي في الصحيح: (من شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، وأن الجنة حق، وأن النار حق؛ أدخله الله الجنة على ما كان من العمل) فالجنة أعدها الله لأوليائه، والنار هي دار العذاب، أعدها الله لأعدائه، ولمن كفر به.
وصفات الجنة والنار تؤخذ من الكتاب والسنة، فقد وصفهما الله تعالى، وذكر ما فيهما من العذاب وما فيهما من الثواب، ولا شك أن من آمن بذلك حقاً فإنه يستعد لذلك؛ ولذلك يقول بعض السلف: عجبت للجنة كيف ينام طالبها؟! وعجبت للنار كيف ينام هاربها؟! يعني: أن من تحقق هذه الجنة وما فيها فإنه يطلبها، ولا يهنأ بالمنام ولا بالمقام، وكذلك من آمن بالنار وعذابها وما فيها من الأنكال والأغلال، فإنه يهرب منها، ولا يهنأ بالمنام ولا بالمقام.
الكلام في الجنة والنار يتعلق بالكلام على حقيقتهما، وهذا يؤمن به كل من آمن بالله، ويتعلق بوجودهما الآن، وهذا يؤمن به أهل السنة، ويخالف فيه المبتدعة، ويتعلق ببقائهما واستمرارها، وهذا أيضاً يؤمن به أهل السنة، فيؤمنون بأن الجنة والنار موجودتان الآن مخلوقتان، وأن النبي ﷺ قد رأى الجنة وقد رأى النار رؤيةً حقيقة: إما في المنام، وإما في الإسراء، ويؤمنون بما ذكر الله عنهما، فقد ذكر الله عن الجنة والنار: أن هذه ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣] يعني: هيئت وأزلفت لهم، وأن هذه ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٤] فهي معدة مهيأة لهم، وغير ذلك من الأدلة.
ويدخل في ذلك الرد على من أنكر ذلك كالمعتزلة الذين أنكروا وجود الجنة والنار الآن، وقالوا: إنما يخلقان غداً يوم القيامة، وهذا منهم مصادمة لكتاب الله ولسنة رسوله ﷺ التي فيها الإخبار أن الله هيَّأ الجنة وأعدها لمن آمن به؛ فهي مخلوقة موجودة الآن بما فيها من النعيم، وهيَّأ النار وأعدها؛ فهي موجودة الآن مهيأة بما فيها من العذاب! وقد أخبر النبي ﵊ أن الميت في قبره يفتح له بابان: باب إلى الجنة، وباب إلى النار، فإذا كان مؤمناً يقال: هذا منزلك من الجنة، وهذا منزلك من النار لو كفرت، فيزداد فرحاً حيث يرى العذاب الذي سلم منه، والثواب الذي حظي به، ويفتح للكافر بابان: باب إلى الجنة، ويقال: هذا منزلك لو آمنت بالله، وباب إلى النار ويقال: هذا منزلك ومقيلك، فيزداد حسرة على ما فاته من الثواب، وعلى ما فاته من النعيم، وذلك بلا شك دليل على أنهما موجودتان الآن مهيأتان كما أخبر الله، فيؤمن أهل الإيمان بالله بما أخبر الله، ويؤمنون بهذه الأخبار الواضحة التي تدل على وجود الجنة والنار.
стр. 859
الرد على احتجاج منكري وجود الجنة بآية: (كل شيء هالك إلا وجهه)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأما احتجاجكم بقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨] ، فأتيتم من سوء فهمكم معنى الآية، واحتجاجكم بها على عدم وجود الجنة والنار الآن نظير احتجاج إخوانكم بها على فنائها وخرابها وموت أهلها، فلم توفقوا أنتم ولا إخوانكم لفهم معنى الآية.
وإنما وفق لذلك أئمة الإسلام، فمن كلامهم: أن المراد كل شيء مما كتب الله عليه الفناء والهلاك هالك، والجنة والنار خلقتا للبقاء لا للفناء، وكذلك العرش فإنه سقف الجنة، وقيل المراد: إلا ملكه، وقيل: إلا ما أريد به وجهه، وقيل: إن الله تعالى أنزل: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن:٢٦] ، فقالت الملائكة: هلك أهل الأرض وطمعوا في البقاء، فأخبر تعالى عن أهل السماء والأرض أنهم يموتون، فقال: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨] ؛ لأنه حي لا يموت، فأيقنت الملائكة عند ذلك بالموت، وإنما قالوا ذلك توفيقاً بينها وبين النصوص الدالة على بقاء الجنة وعلى بقاء النار أيضاً على ما يذكر عن قريب إن شاء الله تعالى] الذين يحتجون بهذه الآية هم المبتدعة من المعتزلة ونحوهم، يقولون: لو كانت الجنة موجودة لأتى عليها الفناء، ولأتى عليها الهلاك، وكذلك النار لو كانت موجودة لفنيت كما يفنى غيرها؛ لأن الله يقول: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨] .
و
الجواب
أن الله أخبر بأن الذي خلق للبقاء فإنه باقٍ، وذلك أن الجنة والنار خلقتا للبقاء؛ لأنهما يثاب بهما ويعاقب بهما في الدار الآخرة -أي: بعد الموت وبعد البعث من الموت- فهما مخلوقتان للبقاء، فلا يأتي عليهما الفناء، فيكون قوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨] أي: كل شيء خلقه الله في الدنيا لابد أن يهلك ويفنى إلا وجه الله، أي: إلا الله وحده، أو: إلا ما أريد به وجهه.
كذلك قول الله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن:٢٦] ، الضمير في (عليها) يعود إلى الأرض، أي: كل من على الأرض فانٍ ويبقى وجه ربك، ولكن يقال أيضاً: إن المراد كل من على هذه الحياة فان، ولا مانع من أن يموت أهل السماوات وأهل الأرض من الملائكة ومن المخلوقات التي خلقها الله للفناء، ثم بعد ذلك يبعثون ويعودون كما كانوا؛ وذلك لقوله الله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان:٥٨] ، ويقول في الحديث: (أنت الحي الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون) .
فأخبر بأن الحياة لله وحده، وأن ما سواه فإنه يموت، ولا يلزم أن ذلك يعم المخلوقات كلها -كالجمادات ونحوها- قد ذكر الله أن الجبال تكون هباء، وأن الأرض تبدل بغيرها ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ﴾ [إبراهيم:٤٨] ، وأن السماوات تتفطر، ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ﴾ [المعارج:٨] ، ﴿إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ﴾ [الانفطار:١] ، ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾ [الفرقان:٢٥] ، فذكر أن كل هذه الأشياء تتغير في ذلك اليوم الذي هو يوم القيامة، ولكن لا يكون ذلك عاماً في كل الموجودات.
وعلى كل حال فلا يلزم من ذلك فناء الجنة، إذ هي مما خلقه الله للبقاء.
стр. 860
أبدية الجنة وعدم فنائها والكلام على الاسثناء في آية هود
قال المؤلف: [وقوله: (لا تفنيان أبداً ولا تبيدان) .
هذا قول جمهور الأئمة من السلف والخلف، وقال ببقاء الجنة وفناء النار جماعة منهم السلف والخلف، والقولان مذكوران في كثير من كتب التفسير وغيرها.
وقال بفناء الجنة والنار الجهم بن صفوان إمام المعطلة، وليس له سلف قط لا من الصحابة ولا من التابعين لهم بإحسان، ولا من أئمة المسلمين ولا من أهل السنة، وأنكره عليه عامة أهل السنة، وكفروه به، وصاحوا به وبأتباعه من أقطار الأرض، وهذا قاله بأصله الفاسد الذي اعتقده: وهو امتناع وجود ما لا ينتهي من الحوادث، وهو عمدة أهل الكلام المذموم، التي استدلوا بها على حدوث الأجسام، وحدوث ما لم يخلُ من الحوادث، وجعلوا ذلك عمدتهم في حدوث العالم.
فرأى الجهم أن ما يمنع من حوادث لا أول لها في الماضي يمنعه في المستقبل، فدوام الفعل عنده على الرب في المستقبل ممتنع، كما هو ممتنع عنده عليه في الماضي، وأبو الهذيل العلاف -شيخ المعتزلة- وافقه على هذا الأصل، لكن قال: إن هذا يقتضي فناء الحركات، فقال: بفناء حركات أهل الجنة والنار حتى يصيروا في سكون دائم لا يقدر أحد منهم على حركة.
وقد تقدم الإشارة إلى اختلاف الناس في تسلسل الحوادث بالماضي والمستقبل، وهي مسألة دوام فاعلية الرب تعالى، وهو لم يزل رباً قادراً فعالاً لما يريد، فإنه لم يزل حياً عليماً قديراً، ومن المحال أن يكون الفعل ممتنعاً عليه لذاته، ثم ينقلب فيصير ممكناً لذاته من غير تجدد شيء، وليس للأول حد محدود حتى يصير الفعل ممكناً له عند ذلك الحد، ويكون قبله ممتنعاً عليه، فهذا القول تصوره كافٍ في الجزم بفساده.
فأما أبدية الجنة وأنها لا تفنى ولا تبيد، فهذا مما يعلم بالضرورة أن الرسول ﷺ أخبر به، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتْ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود:١٠٨] ، أي: غير مقطوع، ولا ينافي ذلك قوله (إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ) .
واختلف السلف في هذا الاستثناء، فقيل: معناه إلا مدة مكثهم في النار، وهذا يكون لمن دخل منهم إلى النار ثم أخرج منها لا لكلهم.
وقيل: إلا مدة مقامهم في الموقف.
وقيل: إلا مدة مقامهم في القبور والموقف.
وقيل: هو استثناء استثناه الرب ولا يفعله، كما تقول: والله! لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك، وأنت لا تراه بل تجزم بضربه.
وقيل: (إلا) بمعنى الواو، وهذا على قول بعض النحاة وهو ضعيف، وسيبويه يجعل (إلا) بمعنى: (لكن) فيكون الاستثناء منقطعاً، ورجحه ابن جرير وقال: إن الله تعالى لا خلف لوعده، وقد وصل الاستثناء بقوله: عطاء غير مجذوذ، قالوا: ونظيره أن تقول: أسكنتك داري حولاً إلا ما شئت، أي: سوى ما شئت، أو لكن ما شئت من الزيادة عليه.
وقيل: الاستثناء لإعلامهم بأنهم مع خلودهم في مشيئة الله، لا أنهم يخرجون عن مشيئته، ولا ينافي ذلك عزيمته وجزمه لهم بالخلود، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلاً﴾ [الإسراء:٨٦] ، وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَشَأْ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشورى:٢٤] ، وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ﴾ [يونس:١٦] ، ونظائره كثيرة يخبر عباده سبحانه أن الأمور كلها بمشيئته، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.
وقيل: إن (ما) بمعنى (مَنْ) أي: إلا من شاء الله دخوله النار بذنوبه من السعداء.
وقيل غير ذلك، وعلى كل تقدير فهذا الاستثناء من المتشابه، وقوله: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود:١٠٨] محكم، وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ [ص:٥٤] ، وقوله: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ [الرعد:٣٥] ، وقوله: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر:٤٨] .
وقد أكد الله خلود أهل الجنة بالتأبيد في عدة مواضع من القرآن وأخبر أنهم ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الأُولَى﴾ [الدخان:٥٦] وهذا الاستثناء منقطع، وإذا ضممته إلى الاستثناء في قوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود:١٠٧] ، تبين لك المراد من الآيتين، واستثناء الوقت الذي لم يكونوا فيه في الجنة من مدة الخلود كاستثناء الموتة الأولى من جملة الموت، فهذه موتة تقدمت على حياتهم الأبدية، وذاك مفارقة للجنة تقدمت على خلودهم فيها.
والأدلة من السنة على أبدية الجنة ودوامها كثيرة، كقوله ﷺ : (من يدخل الجنة ينعم ولا يبأس، ويخلد ولا يموت) ، وقوله: (ينادي منادٍ: يا أهل الجنة! إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً، وإن تشبوا فلا تهرموا أبداً، وأن تحيوا فلا تموتوا أبداً) ، وتقدم ذكر ذبح الموت بين الجنة والنار: (ويقال: يا أهل الجنة! خلود فلا موت، ويا أهل النار! خلود فلا موت) ] .
هذا دليل واضح على أبدية الجنة، ودوامها.
أهل السنة يقولون: بأبدية الجنة والنار ودوامهما، وعدم انقطاعهما، وهناك بعض العلماء قالوا: إن عذاب النار ينقطع، وإن نعيم الجنة دائم سرمدي لا ينقطع.
وهناك مبتدعة إمامهم الجهم بن صفوان قالوا بأن الجنة والنار تفنيان، وأول من قال هذا القول: الجهم بن صفوان إمام الجهمية، وهو الذي جمع ثلاث بدع أو أكثر من ثلاث: بدعة التعطيل، بدعة الجبر، بدعة الإرجاء.
ومن عقيدته: أنه يقول بامتناع حوادث لا نهاية لها ولا بداية لها، وهذا على قاعدة له، ولم يسبق إلى هذا القول، أي: ليس له سلف، فليس هناك أحد قبله قال إن الجنة تنقطع وإنها تفنى وإنها تزول، فهو أول من قال بذلك.
وأبو الهذيل العلاف من رءوس المعتزلة، ومن رءوس المتكلمين، وافقه بأن النار تفنى، وكذلك الجنة، ولكن يقول: إن فناءها بمعنى أنها تبقى موجودة، وأهلها كأنهم ليسوا أحياء، أي: تذهب حياتهم وتذهب حركاتهم، ولا شك أن هذا قول بالفناء، يعني: أنهم يموتون ما دام أنه لا حركة فيهم، فلا يبقى أهل الجنة ولا أهل النار.
وهناك قول بأن أهل النار يبقون فيها بلا حركة، أو أن طبائعهم تنقلب طبيعة نارية، بمعنى: أنهم يبقون في النار بدون تألم، فلا يحسون بألمها؛ لأنهم يصبحون ناريين كالجن والشياطين الذين لا تحرقهم النار في الدنيا، وكل هذه أقوال لا دليل عليها.
стр. 861
ذكر بعض الآيات المؤكدة على أبدية الجنة
ورد التأكيد على أبدية الجنة في القرآن في عدة آيات، ففي سورة النساء قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً﴾ [النساء:٥٧] ، فأكد الخلود بالأبدية، وكذلك قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً﴾ [التوبة:١٠٠] ، فأكد الخلود بالأبدية، بمعنى: أنهم مخلدون فيها خلوداً دائماً لا يتحول، فالأبدية بمعنى الدوام.
وكذلك في عدة مواضع من آخرها قول الله تعالى في سورة البينة: ﴿جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة:٨] ، أكد الخلود بالأبدية، فلا شك أن هذا دليل على البقاء، وقد ورد أيضاً: التأكيد بثلاثة أشياء في سورة التوبة، قال تعالى: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً﴾ [التوبة:٢١-٢٢] ، (مقيم) : يعني: دائم، (خالدين) : يعني: دائمين، (أبداً) : يعني: مؤبداً، فأكده بقوله: (مقيم) وبقوله: (خالدين) وبقوله: (أبداً) ، ولا شك أن ذلك دليل على الأبدية والاستمرار.
واستدل الشارح بقول الله تعالى في أهل الجنة في سورة الدخان: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الأُولَى﴾ [الدخان:٥٦] يعني: التي في الدنيا، فمعناه أنهم دائمون لا يموتون، بل مستمر بقاؤهم ولا يتحولون عنها، فلا يذوقون فيها الموت إلا موتتهم التي في الدنيا، فهذا دليل أيضاً على بقائها.
واستدل بقوله ﷺ في وصف أهل الجنة أنه يقال لهم: (إن لكم فيها أن تحيوا فلا تموتوا أبداً، وأن تشبوا فلا تهرموا أبداً، وأن تقيموا فلا تظعنوا أبداً) ، واستدل بالحديث الذي تقدم في ذبح الموت بين الجنة والنار، وأنه يقال لأهل الجنة: (يا أهل الجنة! خلود فلا موت، ويا أهل النار! خلود فلا موت) ، فيزداد أهل الجنة فرحاً، ويزداد أهل النار سوءًا وحزناً؛ وذلك لأن أهل النار يتمنون الخلاص، بل يتمنون أن يقضى عليهم يقولون: ﴿يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف:٧٧] ، فيتمنون أن يموتوا، فيخبر الله بأن ذلك لا يكون، يقول الله تعالى: ﴿لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر:٣٦] ، ويقول في آية أخرى: ﴿لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا﴾ [الأعلى:١٣] ، يتمنى الموت فلا يموت، ولا يحيا حياة طيبة يسعد فيها وينعم، هذه حالتهم، ولا شك أن هذا دليل على البقاء، ودليل على دوامهم وعدم انقطاع نعيم هؤلاء وعذاب هؤلاء.
стр. 862
اعتقاد أهل السنة أبدية الجنة
ثم تكلم المؤلف ﵀ على ما يتعلق بآية هود، وهي قول الله تعالى في أهل الجنة: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتْ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود:١٠٨] ، أكد البقاء بقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتْ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ﴾ أي: ما دامت السماوات والأرض باقية، ومعلوم أن السماوات يعيدها الله كما شاء، وأن الأرض يبدلها كما يقول الله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ﴾ [إبراهيم:٤٨] ، فتبقى السماوات وتبقى الأرض التي تبدل، وليس لها نهاية لبقائها، فما دامت السماوات والأرض باقية فالجنة والنار باقية.
كذلك قوله: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود:١٠٨] ، أي: غير مقطوع ولا مصروم ولا نهاية له، بل هو باقٍ مستمر متواصل، ليس له ما يكدره ولا ما يقطعه، فهذا من الآيات المحكمة التي فيها الإقامة والخلود والأبدية والدوام وعدم الانقطاع، ولا شك أن أهل الجنة لو قيل لهم: إن نعيمكم سينقطع ولو بعد مائة ألف سنة، ولو بعد ألف ألف سنة؛ لتكدرت حياتهم، ولقالوا: لا هناء لنا ما دام أنه سينقطع، فإنه سيأتي ذلك اليوم، ولو كان بعيداً، هذا معلوم.
فمما يكدر نعيم الدنيا على أهلها معرفتهم بأن نعيمها يزول، وأنه يتبدل، فأما نعيم الجنة فإنه لا يزول؛ فلذلك بشرهم ربهم بأنهم باقون فيها وأنهم لا يحولون ولا يزولون.
وأما الاستثناء في آية هود في قوله: ﴿إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود:١٠٧] فقد سمعنا أن العلماء قالوا: هذا الاستثناء من المتشابه، ومنهم من حمله على ما قبل دخولها، يعني: أنه يمر عليهم قبل دخولها زمان وهو وقت حساب، أو وقت الوقوف ليوم القيامة قبل نزول الله لفصل القضاء فيقولون: هذا هو زمان الاستثناء.
وقيل: إنه استثناء، ولكن لا يدل على أنه يقطع عليهم نعيمهم، ومثله الشارح كما إذا قلت: سوف أكرمك إلا أن أشاء، وأنت عازم على إكرامه، وقد ورد ذلك أيضاً في القرآن في قول الله تعالى: ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر:٦٨] ، ونحو ذلك.
وعلى كل حال فهو من المتشابه، والآيات الدالة على بقاء النعيم واستمراره محكمة ليس فيها خفاء، فيؤمن أهل العقيدة السلفية بما تتضمنه تلك الآيات، ويستعدون للقاء، ويطلبون هذا الثواب الذي لا يحول ولا يزول.
стр. 863
اختلاف الناس في أبدية النار ودوامها
قال ﵀: [وأما أبدية النار ودوامها فللناس في ذلك ثمانية أقوال: أحدها: أن من دخلها لا يخرج منها أبد الآباد، وهذا قول الخوارج والمعتزلة.
والثاني: أن أهلها يعذبون فيها، ثم تنقلب طبيعتهم، وتبقى طبيعة نارية، يتلذذون بها لموافقتها لطبعهم، وهذا قول إمام الاتحادية ابن عربي الطائي.
الثالث: أن أهلها يعذبون فيها إلى وقت محدود، ثم يخرجون منها، ويخلفهم فيها قوم آخرون: وهذا القول حكاه اليهود للنبي ﷺ وأكذبهم فيه، وقد أكذبهم الله تعالى، فقال عز من قال: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ * بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٨٠-٨١] .
الرابع: يخرجون منها، وتبقى على حالها ليس فيها أحد.
الخامس: أنها تفنى بنفسها؛ لأنها حادثة، وما ثبت حدوثه استحال بقاؤه، وهذا قول الجهم وشيعته، ولا فرق عنده في ذلك بين الجنة والنار كما تقدم.
السادس: تفنى حركات أهلها ويصيرون جماداً لا يحسون بألم، وهذا قول أبي الهذيل العلاف كما تقدم.
السابع: أن الله يخرج منها من يشاء كما ورد في السنة، ثم يبقيها ما يشاء، ثم يفنيها فإنه جعل لها أمداً تنتهي إليه.
الثامن: أن الله تعالى يخرج منها من يشاء كما ورد في السنة، ويبقي فيها الكفار بقاء لا انقضاء له، كما قال الشيخ ﵀، وما عدا هذين القولين الأخيرين ظاهر البطلان، وهذان القولان لأهل السنة ينظر في دليلهما] .
الآن تكلم على فناء النار ومن يخرج منها، ولا شك أن الأقوال الستة التي سمعنا من أقوال المبتدعة، فمن عقيدة الخوارج والمعتزلة أن من دخل النار لا يخرج منها، وأن العصاة وأصحاب الكبائر لا يخرجون منها، من دخلها فهو فيها مخلد، ويستدلون بمثل قول الله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْ النَّارِ﴾ [البقرة:١٦٧] ، وبقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [السجدة:٢٠] ، ونحو ذلك من الآيات، ولكن هذه الآيات محمولة على الكفار، ولا يراد بها أهل الكبائر، ولا يراد بها المؤمنون الذين هم من أهل التوحيد، فإنه ورد الدليل بأنهم يخرجون بشفاعة الشافعين، أو برحمة أرحم الراحمين، يعذبون بقدر ذنوبهم ثم يخرجون، فهذا القول الذي هو قول الخوارج وقول المعتزلة بتخليد أصحاب الكبائر في النار تخليداً مؤبداً؛ قول يخالف الأدلة الصريحة.
وأما اليهود فقالوا: إن أهل النار الذين يدخلونها من اليهود، يخرجون منها، ثم تخلفهم فيها هذه الأمة، لما قال لهم النبي ﷺ : (كيف تدخلون النار؟ فقالوا: ندخلها أربعين يوماً، ثم نخرج منها وتخلفوننا أنتم، فقال: كذبتم) ، وكذبهم الله تعالى بقوله: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ﴾ [البقرة:٨٠] ، ولا شك أن هذا أيضاً قول باطل؛ وذلك لأنه لا يدخلها إلا أهلها.
ولا شك أيضاً أن قول أبي الهذيل العلاف: أنه تفنى حركاتهم، وأنهم يبقون فيها بلا حركة؛ قول باطل.
وكذلك القول: بأن أهلها يصيرون فيها ناريين، أي: تنقلب طبيعتهم نارية بحيث يتلذذون بها كما يتلذذ أهل الجنة بالجنة، فهذا أيضاً قول لا دليل عليه؛ وذلك لأن الأدلة دلت على أنهم يتألمون وأنهم ينادون ويقولون: ﴿يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف:٧٧] ، ويقولون: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ * قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٧-١٠٨] ، وأخبر بأن: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتْ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود:١٠٦-١٠٧] ، ولا شك أن هذا دليل على أنهم يتألمون ولا ينقطع ألمهم.
بل أخبر تعالى بتجديد العذاب عليهم بقوله: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا﴾ [النساء:٥٦] ، فالنار تحرقهم حتى يصيروا فحماً، ثم بعد ذلك يجدد لحمهم، وينبت لحمهم حتى يتألم مرة بعد مرة، وحتى يزداد ألمهم، ولا شك أن هذا دليل على بطلان قول هؤلاء الذين يقولون: إنها تنقلب طبيعتهم فيكونون ناريين.
وكذلك قول الذين يقولون: إنها تبطل حركاتهم ويصبحون جماداً لا حركة لهم، وغير ذلك من أقوال المعتزلة ونحوهم.
بقي القولان الأخيران: قال بعضهم: إنهم يبقون فيها مدة، ثم بعد ذلك تفنى، وأنهم لو مكثوا فيها ما مكثوا فلابد من نهايتها.
والقول الآخر: إنهم يبقون فيها ولا يفنون، وإنها لا تفنى.
استدل القائلون بفنائها بقول الله تعالى: ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً﴾ [النبأ:٢٣] كأنهم يقولون: الأحقاب معدودة معروفة، فيدل على أن لبثهم فيها محدد، ثم بعد ذلك يفنى ذلك العذاب، وسمعنا الأثر المذكور وهو: أنهم لو لبثوا فيها عدد رمل عالج لكان لهم يوماً يخرجون منها أو يفنون.
والصحيح أن هذه الآية ليس فيها تحديد الأحقاب؛ لأن الله ما حددها، وفسر بعضهم الحقب بأنه مائة عام، قال الله تعالى عن موسى: ﴿لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً﴾ [الكهف:٦٠] ، وإذا كان الحقب مائة عام، فالعام اثنا عشر شهراً، والشهر ثلاثون يوماً، واليوم الواحد كألف سنة مما تعدون، ثم لو قال الله مائة حقب أو ألف حقب أو مائة ألف حقب، لكان للكافر رغبة وأمل ورجاء في أن عذابه سيزول، ولكن ما حددها الله؛ ولأجل ذلك يقول بعض العلماء: ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً﴾ : أي كلما مضى حقب أتى حقب، كلما انقضى حقب ابتدأ حقب إلى غير نهاية، فليس لهذه الأحقاب نهاية، حيث لم تحدد.
فلا دلالة في هذه الآية ولا في الآيات التي فيها الاستثناء في قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتْ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود:١٠٧] ، فإن الاستثناء هنا كالاستثناء في الآية التي في نعيم أهل الجنة، ولا يدل على أن هناك زماناً يخرج هؤلاء من نعيمهم أو هؤلاء من جحيمهم، بل الأصح المعتمد: أن الجنة والنار باقيتان دائمتان، لا تفنيان ولا تبيدان أبد الآبدين، وبذلك يرغب أهل الجنة في الدار التي لا ينقطع نعيمها، ويهربون ويخشون من النار التي لا ينقطع عذابها.
стр. 864
شرح العقيدة الطحاوية [٦٧]
وقع الخلاف في فناء النار وبقائها، وللناس فيها مذاهب متباينة، والحق الذي عليه جمهور أهل السنة بقاؤها، وقد ذكروا أدلة ذلك وردوا على المخالفين.
стр. 865
أدلة من قال بفناء النار
قال المؤلف: [فمن أدلة القول الأول منهما: قوله تعالى: ﴿قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام:١٢٨] ، وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتْ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود:١٠٦-١٠٧] ، ولم يأتِ بعد هذين الاستثناءين ما أتى بعد الاستثناء المذكور لأهل الجنة، وهو قوله: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود:١٠٨] ، وقوله تعالى: ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً﴾ [النبأ:٢٣] .
وهذا القول -أعني: القول بفناء النار دون الجنة- منقول عن عمر وابن مسعود وأبي هريرة وأبي سعيد وغيرهم.
وقد روى عبد بن حميد في تفسيره المشهور بسنده إلى عمر ﵁ أنه قال: لو لبث أهل النار في النار كقدر رمل عالج لكان لهم على ذلك وقت يخرجون فيه، ذكر ذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً﴾ [النبأ:٢٣] .
قالوا: والنار موجب غضبه، والجنة موجب رحمته، وقد قال النبي ﷺ : (لما قضى الله الخلق: كتب كتاباً فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي) ، وفي رواية: (تغلب غضبي) ، رواه البخاري في صحيحه، من حديث أبي هريرة ﵁] .
قالوا: والله سبحانه يخبر عن العذاب أنه ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأنعام:١٥] ، و ﴿أَلِيمٍ﴾ [هود:٢٦] ، و ﴿عَقِيمٍ﴾ [الحج:٥٥] ، ولم يخبر ولا في موضع واحد عن النعيم أنه نعيم يوم.
وقد قال تعالى: ﴿قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف:١٥٦] ، وقال تعالى حكاية عن الملائكة: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً﴾ [غافر:٧] ، فلابد أن تسع رحمته هؤلاء المعذبين، فلو بقوا في العذاب لا إلى غاية لم تسعهم رحمته، وقد ثبت في الصحيح تقدير يوم القيامة بخمسين ألف سنة، والمعذبون فيها متفاوتون في مدة لبثهم في العذاب بحسب جرائمهم.
وليس في حكم أحكم الحاكمين، ورحمة أرحم الراحمين أن يخلق خلقاً يعذبهم أبد الآباد، عذاباً سرمداً لا نهاية له، وأما أنه يخلق خلقاً ينعم عليهم ويحسن إليهم نعيماً سرمداً فمن مقتضى الحكمة، والإحسان مراد لذاته، والانتقام مراد بالعرض.
قالوا: وما ورد من الخلود فيها والتأبيد وعدم الخروج وأن عذابها مقيم وأنه غرام، كله حق مسلم لا نزاع فيه، وذلك يقتضي الخلود في دار العذاب ما دامت باقية، وإنما يخرج منها في حال بقائها أهل التوحيد، ففرق بين من يخرج من الحبس وهو حبس على حاله، وبين من يبطل حبسه بخراب الحبس وانتقاضه.
стр. 866
تضعيف القول بفناء النار
هذا يتعلق بقول من يقول بأن عذاب النار لا يبقى، بل ينقطع، وأن له حداً ونهاية، وهذا قول قاله بعض العلماء عن اجتهاد، وعللوا بهذه التعليلات التي سمعنا، ونحن لا نشك أن الله تعالى رحيم بالعباد، وأن رحمته تغلب غضبه، ولكن نعرف أنه خلق للرحمة أهلاً.
وخلق للعذاب أهلاً، ولا نشك أيضاً: بأنه سبحانه جعل هذا العمل اليسير في الدنيا له ثواب عظيم مضاعف مستمر، وكذلك الكفر اليسير له عذاب دائم مستمر كثير؛ وذلك لمقتضى حكمته، فمثلاً: قول النبي ﷺ : (إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها) يعني: أن بعض الناس قد يولد كافراً ويحيا كافراً أو مبتدعاً، ويمضي عليه عمره وهو على كفره، وقبل موته بيوم أو بساعة أو سويعات يمن الله عليه فيهتدي ويسلم ويموت على الإسلام؛ فتكون تلك الساعة أو ذلك اليوم مكفراً لما مضى من عمره ماحياً لسيئاته وكفره وشركه وذنبه وجميع ما عمله طوال حياته، وكان رجل من الأنصار يقال له: أصيرم بن عبد الأشهل مشركاً مع قومه لم يسلم، ولما حضرت غزوة أحد وحضر القتال؛ هداه الله وأسلم، ولما أسلم دخل المعركة في تلك الساعة، وقاتل مع المسلمين وقتل شهيداً؛ فقال النبي ﷺ : (عمل قليلاً وأجر كثيراً) ، فعمله هذا القليل ثوابه لا ينقطع، ثواب دائم.
وبخلاف حاله رجل يقال له: قُزْمَان كان مع المسلمين، وقاتل قتالاً شديداً، ولكن قبل موته أصابته جراحة فقتل نفسه، وقبل أن يموت ذكر للنبي ﷺ فقال: (إنه من أهل النار) ، حبط عمله الصالح بهذه الفعلة، فنقول: العمل اليسير ساعة أو ساعات يثاب عليه العبد أبد الآباد، وكذلك الكفر اليسير الذي يختم لصاحبه به يعذب عليه أبد الآباد.
إذاً: لا مانع أن نقول: إن الله تعالى قدر هذا العذاب لمن كفر به وخرج عن طاعته، وجعل ذلك مستمراً لمن يستحقه بلا نهاية، كما خلق النعيم والأجر والثواب المستمر الباقي ولم يجعل له نهاية، وجعل ذلك ثواباً لمن عمل هذا العمل إلى غير نهاية، فهذا كله لا يخرج عن حكمة الله، فيعذب عذاباً مستمراً على العمل الكفري، وينعم نعيماً مستمراً على العمل الصالح.
وأما الذين خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً؛ فهؤلاء إما أن يعفو الله عنهم ويمحو عنهم السيئات، وإما أن يعذبهم بقدر سيئاتهم، فيدخلون في النار، ويبقون فيها مدة طويلة أو قصيرة بقدر ذنوبهم، ثم يخرجون منها بعدما يمكثون فيها المدة التي قدر الله، فقد يمكثون ألف سنة أو ألفين أو ألوفاً، وقد لا يمكثون إلا قليلاً ثم يخرجون.
فأما أن النار تخمد وينقطع عذابها فهذا -على القول الصحيح- لا يكون، بل الله تعالى يقول: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً﴾ [النساء:٥٦] ، وقال الله تعالى: ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً﴾ [النبأ:٢٣] ، يقول العلماء: كلما انقضى حقب ابتدأ حقب، إلى غير نهاية، فالقول الصحيح أنها دائمة ومستمرة.
стр. 867
أدلة القائلين ببقاء النار وعدم فنائها
قال المؤلف ﵀: [ومن أدلة القائلين ببقائها وعدم فنائها قوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [المائدة:٣٧] ، وقوله تعالى: ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف:٧٥] ، وقوله تعالى: ﴿فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً﴾ [النبأ:٣٠] ، وقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً﴾ [النساء:٥٧] ، وقوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر:٤٨] ، وقوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْ النَّارِ﴾ [البقرة:١٦٧] ، وقوله تعالى: ﴿لا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف:٤٠] ، وقوله تعالى: ﴿لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر:٣٦] ، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً﴾ [الفرقان:٦٥] ، أي: مقيماً لازماً.
وقد دلت السنة المستفيضة أنه (يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله) ، وأحاديث الشفاعة صريحة في خروج عصاة الموحدين من النار، وهذا حكم مختص بهم، فلو خرج الكفار منها لكانوا بمنزلتهم،ولم يختص الخروج بأهل الإيمان، وبقاء الجنة والنار ليس بذاتهما، بل بإبقاء الله لهما.
وقوله: (وخلق لههما أهلاً) .
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنْ الْجِنِّ وَالإِنسِ﴾ [الأعراف:١٧٩] ، وعن عائشة ﵂ قالت: (دعي رسول ﷺ إلى جنازة صبي من الأنصار؛ فقلت: يا رسول الله! طوبى لهذا عصفور من عصافير الجنة، لم يعمل السوء، ولم يدركه، فقال: أوغير ذلك يا عائشة؟! إن الله خلق للجنة أهلاً خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلاً خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم) ، رواه مسلم وأبو داود والنسائي.
وقال تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ [الإنسان:٢-٣] ، والمراد: الهداية العامة، وأعم منها الهداية المذكورة في قوله تعالى: ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:٥٠]] .
стр. 868
ترجيح القول ببقاء النار وعدم فنائها
ذكر المؤلف ما يتعلق بأبدية النار، وهذه الآيات صريحة أو ظاهرة الدلالة في أن النار باقية لا فناء لها، فقوله: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [المائدة:٣٧] المقيم: هو الذي لا يزول، ولا يتحول، ولا ينقطع، وكذلك التعبير بالخلود والأبدية: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً﴾ [النساء:٥٧] يدل على أن الخلود مستمر، وكذلك الأبدية.
وكذلك قوله: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْ النَّارِ﴾ [البقرة:١٦٧] ، ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنْ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ [المائدة:٣٧] ، ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [الحج:٢٢] هذه الآيات صريحة بأنه ليس لهم خروج، بل بقاؤهم مستمر، وكذلك لما قالوا: ﴿يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف:٧٧] تمنوا أن يقضى عليهم فيموتوا، فقال: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ ، وكذلك قوله: ﴿لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر:٣٦] ، أي: لا يقضي عليهم فيستريحون من هذا العذاب، ولكنهم دائماً ماكثون فيه.
وهذه الأدلة وغيرها واضحة الدلالة في أن الجنة والنار باقيتان دائمتان، وأن نعيم الجنة وعذاب النار مستمر، وهذه عقيدة أهل السنة، ولا شك أن القول بدوامهما هو القول الذي تؤيده الأدلة، وبكل حال هذا من الأمور التي يؤمن بها المسلمون، ويدل إيمانهم بها على أنهم يؤمنون بالغيب وإن لم يروه.
أما أن الله تعالى علم أهل الجنة وأهل النار، فلا شك أنه سبحانه قدر من يعمل للجنة، ومن يعمل للنار قبل أن يخلقهم، بل قبل أن يخلق الخلق، وكتب ذلك في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، ولا شك أن خلقهم ابتدأ منه، وهو بكل شيء عليم، فهو يعلم من هم أهل الجنة ومن هم أهل النار.
وهذه الآية صريحة في أنه خلق هؤلاء للجنة وهؤلاء للنار: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنْ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ [الأعراف:١٧٩] ، إلى آخرها (ذرأنا) : خلقنا لجهنم أهلاً.
وكذلك قوله في الحديث: (إن الله خلق للجنة أهلاً، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلاً، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم) ، بل وهم في صلب آدم، ففي بعض الأحاديث أنه لما أخذ الله الميثاق من بني آدم من ظهر آدم، وهو الميثاق المذكور في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف:١٧٢] ، أن الله مسح ظهر آدم فاستخرج ذريته كالذر، فقال: (خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، وخلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون) ، فلا يتجاوز أحد ما خلق له، ومع ذلك فإنهم مأمورون ما داموا في هذه الحياة بأن يستعدوا وأن يعملوا.
لما قال الصحابة: أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ قال ﷺ : (اعلموا فكل ميسر لما خلق له) ، الله تعالى أمرنا بالعمل مع أنه علم من يعمل ومن لا يعمل، وكذلك أمرنا بالدعوة إليه، وأمرنا بأن نعلم، وأمرنا بأن نبشر وننذر، بل أرسل الرسل مبشرين ومنذرين، مع أنه قد علم من يطيع ومن يعصي، وعلم من هم أهل الجنة ومن هم أهل النار، ولكنه جعل لذلك أسباباً، فجعل رسالة الرسل سبباً من أسباب معرفته والدعوة إليه والإيمان به، وكذلك جعل ورثة الرسل الذي يدعون إليه أيضاً من الأسباب في العمل الصالح، حيث يهدي الله على يديهم وبواسطتهم من جعله الله من أهل الجنة.
стр. 869
أنواع الموجودات
قال المؤلف ﵀: [فالموجودات نوعان: أحدهما: مسخر بطبعه.
والثاني: متحرك بإرادته، فهدى الأول بما سخره له طبيعة، وهدى الثاني هداية إرادية تابعة لشعوره، وعلمه بما ينفعه ويضره.
ثم قسم هذا النوع إلى ثلاثة أنواع: - نوع لا يريد إلا الخير، ولا يتأتى منه إرادة سواه كالملائكة.
- ونوع لا يريد إلا الشر، ولا يتأتى منه إرادة سواه كالشياطين.
- ونوع يتأتى منه إرادة القسمين كالإنسان.
ثم جعله ثلاثة أصناف: - صنف يغلب إيمانه ومعرفته وعقله هواه وشهوته فيلتحق بالملائكة.
- وصنف عكسه فيلتحق بالشياطين.
- وصنف تغلب شهوته البهيمية عقله فيلتحق بالبهائم.
والمقصود: أنه سبحانه أعطى الوجودين العيني والعلمي، فكما أنه لا موجود إلا بإيجاده، فلا هداية إلا بتعليمه، وذلك كله من الأدلة على كمال قدرته وثبوت وحدانيته، وتحقيق ربوبيته .
وقوله: (فمن شاء منهم إلى الجنة فضلاً، ومن شاء منهم إلى النار عدلاً إلخ) : مما يجب أن يعلم أن الله تعالى لا يمنع الثواب إلا من منع سببه وهو العمل الصالح، فإنه ﴿َومَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً﴾ [طه:١١٢] ، وكذلك لا يعاقب أحداً إلا بعد حصول سبب العقاب، فإن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠] .
وهو سبحانه المعطي المانع، لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع، لكن إذا من على الإنسان بالإيمان والعمل الصالح لا يمنعه موجب ذلك أصلاً، بل يعطيه من الثواب والقرب ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وحيث منعه ذلك فلانتفاء سببه وهو العمل الصالح.
ولا ريب أنه يهدي من يشاء ويضل من يشاء، لكن ذلك كله حكمة منه وعدل، فمنعه للأسباب التي هي الأعمال الصالحة من حكمته وعدله، وأما المسببات بعد نزول أسبابها فلا يمنعها بحال، إذا لم تكن أسباباً صالحة، إما لفساد في العمل، وإما لسبب يعارض موجبه ومقتضاه، فيكون ذلك لعدم المقتضى أو لوجود المانع.
وإذا كان منعه وعقوبته من عدم الإيمان والعمل الصالح، وهو لم يعط ذلك ابتداءً حكمة منه وعدلاً، فله الحمد في الحالين، وهو المحمود على كل حال، كل عطاء منه فضل، وكل عقوبة منه عدل، فإنه تعالى حكيم يضع الأشياء في مواضعها التي تصلح لها كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام:١٢٤] ، وكما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام:٥٣] ونحو ذلك، وسيأتي لهذا زيادة بيان إن شاء الله تعالى] .
стр. 870
الملائكة كلهم خير
الكلام الأول يتعلق بخلق الله تعالى لأهل الجنة وأهل النار وتقسيمهم؛ وذلك لأنه سبحانه خلق الجنة وخلق لها أهلاً، وخلق النار وخلق لها أهلاً، وكل موفق وميسر لما خلق له، ولا يتجاوزون ما قدر لهم، ولكنه سبحانه جعل بعض الخلق شراً محضاً، وبعضهم خيراً محضاً، وبعضهم فيه مادتان: مادة خير ومادة شر، فالملائكة كما سمعنا كلهم خير، ليس فيهم نفوس شريرة، بل كلهم يعبدون الله، يقول النبي ﷺ : (أطت السماء وحق لها أن تئط؛ ما فيها موضع أربعة أصابع إلا وفيه ملك قائم أو راكع أو ساجد) ، وأخبر أن هناك ملائكة سجود منذ خلقهم الله إلى أن تقوم الساعة، ثم يوم القيامة يقولون: (سبحانك ما عبدناك حق عبادتك، غير أنا لم نشرك بك شيئاً) .
وقد ذكر من عبادتهم ومن اجتهادهم في الطاعات وأنواع القربات، مع أنهم ليس لهم شهوة تحملهم على المعاصي؛ فلأجل ذلك فكلهم خير، وأخبر الله بأنهم يخدمون أهل الجنة، قال تعالى: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرعد:٢٣-٢٤] ، وقال: ﴿وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [الزمر:٧٥] .
стр. 871
الشياطين كلهم شر
القسم الثاني: الشياطين، لا شك أنهم خلقوا للشر، وأنهم خلقوا للنار، وأنهم مستعدون لدخول النار ومقدمون عليها؛ وذلك لأنهم خلقوا من النار، ولهذا لا يتألمون بالنار في الدنيا.
ومنهم شياطين الجن، فإنهم أيضاً خلقوا من النار كما قال تعالى: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر:٢٧] ، وقال تعالى: ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ [الرحمن:١٥] ، ولكن الشياطين الذين هم إبليس وذريته كلهم شر محض، ليس فيهم خير أصلاً، هؤلاء هم أهل النار، وهم الذين لا خير فيهم.
стр. 872
الإنس والجن فيهم خير وشر
القسم الثالث: الإنسان، وقيل: الثقلان -الجن والإنس- فهؤلاء فيهم خير وفيهم شر، فمنهم من يغلب خيره، أو يكون كله خيراً، وهم الأنبياء وورثة الأنبياء والأتقياء والعباد والزهاد، والمؤمنون صادقو الإيمان؛ فهؤلاء يحميهم الله عن السيئات وعن الكبائر والآثام فلا يقربونها، ويحفظون أوقاتهم كلها بالطاعة، ويتقربون إلى ربهم بأنواع العبادة، فهؤلاء يلحقون بالملائكة.
ومنهم من يكون بضد ذلك، فهم أشرار وكفرة وفجرة وفساق خارجون عن الطاعة، لا يألفون العبادة ولا يحبونها، ويألفون الكفر والفسوق والعصيان، ويتلذذون بالمعصية وينفرون عن الطاعة، فهؤلاء لا شك أنهم يلحقون بالشياطين، ويكونون منهم ومن أتباعهم، ويدخلون في قول الله تعالى لإبليس: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص:٨٥] ، وفي قوله: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ * وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾ [الشعراء:٩٤-٩٥] ، فهذا القسم ملحق بالشياطين.
وأيضاً: هناك قسم ثالث تغلب عليهم الحياة البهيمية، وهم الذين يجعلون عقولهم تبعاً لما يشتهونه، فيسخرون عقولهم للشهوات البهيمية الدنيئة؛ فهؤلاء ملحقون بالبهائم، ولكنهم أقرب إلى من عبد هواه، والله تعالى قد أخبر بأن هناك من يعبد الهوى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية:٢٣] ، وفي الأثر: (ما تحت أديم السماء إله يعبد شر من هوى متبع) ، والذي يعبد هواه هو الذي لا يشتهي شيئاً ولا يهوى شيئاً إلا ركبه.
فانظر أي الأقسام أحسن؛ فاختر أن تكون منهم.
стр. 873
نفوس البشر ثلاثة أقسام
يقول بعض العلماء: إن نفوس البشر ثلاثة أقسام: - نفوس علوية ملكية، وهذه نفوس الأتقياء الأصفياء، عباد الله المخلصين.
- ونفوس بهيمية، بمعنى أنها ليس لها همٌّ إلا هواها وشهواتها، وما تميل إليه بطباعها، فهؤلاء ملحقون بالبهائم، وهم أشبه ما يكونون بمن لا عقول لهم، وهم داخلون في قوله تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ [الأعراف:١٧٩] إلخ الآية.
- ونفوس سبعية: وهم الذين من طبعهم الاعتداء والظلم والتجبر والتكبر والتسلط على الغير، وحب السلطة والسيطرة والتعدي؛ فهؤلاء أشبه ما يكونون بالسباع الضارية المعتدية.
ولا شك أن خير الأقسام الذين نفوسهم ملكية علوية همتهم عالية رفيعة، ليست همتهم دنيئة.
وحكمة الله اقتضت تقسيم الخلق إلى هذه الأقسام الثلاثة: الملائكة، والشياطين، وبني آدم، وجعل الله لبني آدم هذه الأقسام الثلاثة، والله تعالى هو الذي يخلق ما يشاء ويختار.
стр. 874
تقدير الله لأهل الجنة وأهل النار بحكمته وعدله ورحمته
قدر الله تعالى أهل الجنة وأهل النار، فمعلوم أنه سبحانه حكيم في أمره وفي تدبيره، وأنه لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه؛ لم يكن ظالماً لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيراً لهم من أعمالهم، فإنهم ما عملوا ولا آمنوا ولا اتقوا إلا بفضله: ما للعباد عليه حق واجب كلا ولا سعي لديه ضائع إن عذبوا فبعدله أو نعموا فبفضله وهو الكريم الواسع فهو سبحانه خلق الجنة وخلق لها أهلاً وقدر أعمالهم، ويسر لهم السبل والوسائل التي تجعلهم من أهلها، وتلحقهم بالعباد الصالحين، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وكذلك قدر للنار أهلاً؛ وذلك لأن هاتين الدارين -دار الثواب ودار العقاب- قد وعدهما الله تعالى بأهل؛ فقال تعالى مخاطباً الجنة والنار: (ولكل واحدة منكما علي ملؤها) ، فلابد أن يدخلهما الله من يستحقهما، فبفضله ينعم على أهل الجنة، وبعدله يعذب أهل النار، ولا يظلم أحداً: ﴿وَمَا أَنَا بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق:٢٩] ، ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبَادِ﴾ [غافر:٣١] .
стр. 875
شرح العقيدة الطحاوية [٦٨]
اختلف الناس في الاستطاعة على قدر اختلافهم في القدر، ومهما نظر الإنسان بإنصاف فإنه سيجد الحق الذي يصدقه الدليل مع أهل السنة، وأن الصواب قد جانب من خالفهم.
стр. 876
آثار الإيمان باليوم الآخر
من أركان الإيمان: الإيمان باليوم الآخر، والإيمان بالقدر خيره وشره، وهذان الركنان يحتاج كل منهما إلى تفاصيل، وقد مر بنا بعض التفاصيل، والمؤمن الذي يؤمن بالله يؤمن بما أخبر من التفاصيل لهذه الأشياء؛ وذلك لأن من تمام الإيمان بالله الإيمان بما أخبر به مما كان أو هو كائن.
ومن علامات الإيمان باليوم الآخر الاستعداد له، ولا شك أن يوم القيامة عظيم الهول، عظيم الكرب، سماه الله يوم الفزع الأكبر.
وأما تفاصيله فإنها مأخوذة من الأدلة التفصيلية التي اشتملت عليها الآيات والأحاديث، وإذا قرأها أو سمعها المؤمن فبلا شك أنه يظهر عليه أثر تلك الأمور، فيستعد للحساب إذا آمن به، ويستعد لتطاير الصحف إذا آمن بها، ويستعد لورود الحوض إذا آمن به، ويستعد للصراط إذا آمن به، وآخر شيء يؤمن به الجنة أو النار، فيعلم أنهما النهاية، وأن الجنة دار الكرامة لأولياء الله، والنار دار العذاب لأعداء الله، ولكل منهما بنون، ولكل منهما أهل، وقد وعد الله كلاً منهما بملئها، كما في قوله ﷺ : (احتجت الجنة والنار، فقالت الجنة: فيّ ضعفاء الناس وسقطهم، وقالت النار: فيّ الجبارون والمتكبرون، فقال الله للجنة: أنت دار رحمتي أرحم بك من أشاء، وقال للنار: أنت دار عذابي أعذب بك من أشاء، ولكل واحدة منكما علي ملؤها) ، وإذا كان كذلك فإنه يستعد لما ينجيه من النار، ولما يؤهله للجنة.
وأما صفة ما فيهما فقد فصلت في ذلك الأدلة، وألفت فيها المؤلفات، فللإمام ابن القيم ﵀ كتاب مفيد اسمه (حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح) جمع فيه صفة الجنة، وما ورد فيها، وذكر فيه درجاتها وآنيتها وقصورها وأنهارها وأشجارها وثمارها وحورها وفرشها وسررها وجميع ما أخبر الله عنها، وهكذا لتلميذه ابن رجب ﵀ كتاب سماه (التخويف من النار والتعريف بحال دار البوار) تكلم فيه عن النار وعن عذابها وحميمها وزقومها وأغلالها وسعيرها وزمهريرها ودركاتها وحرها وحال أهلها، وما ورد فيهم، فإذا قرأ القارئ هذا الكتاب اشتد خوفه، واشتد فزعه، وإن لم يكن فيه تفصيل للأعمال التي يستحق بها العبد النار، ولكن ذكر فيه صفة عذاب النار، وأما الأعمال فهي مذكورة مبسوطة في الأدلة، تجدون في الآيات والأحاديث التي ذكر فيها أهل النار وأهل الجنة، من فعل كذا دخل الجنة، ومن فعل كذا دخل النار، وهذه مشروحة وموسع الكلام فيها، وإذا عرفها المسلم فإنه بلا شك يهتم بها، فيعرف الأعمال الصالحة التي تصير أهلها من أصحاب الجنة فيعملها، والتي توعد عليها بعذاب النار فيتركها، ويبتعد عنها، وعن أهلها حتى يكون من أهل الوعد، ويسلم من الوعيد.
стр. 877
حقيقة الاستطاعة وأقسامها واختلاف الناس فيها
قال المؤلف ﵀: [وقوله: والاستطاعة التي يجب بها الفعل من نحو التوفيق الذي لا يوصف المخلوق به تكون مع الفعل، وأما الاستطاعة من جهة الصحة والوسع والتمكن وسلامة الآلات فهي قبل الفعل وبها يتعلق الخطاب، وهو كما قال تعالى ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] .
الاستطاعة والطاقة والقدرة والوسع، ألفاظ متقاربة، وتقسيم الاستطاعة إلى قسمين -كما ذكره الشيخ ﵀ هو قول عامة أهل السنة، وهو الوسط، وقالت القدرية والمعتزلة: لا تكون القدرة إلا قبل الفعل، وقابلهم طائفة من أهل السنة فقالوا: لا تكون إلا مع الفعل، والذي قاله عامة أهل السنة: إن للعبد قدرة هي مناط الأمر والنهي، وهذه تكون قبله، ولا يجب أن تكون معه، والقدرة التي يكون بها الفعل لابد أن تكون مع الفعل، لا يجوز أن يوجد الفعل بقدرة معدومة.
وأما القدرة التي من جهة الصحة والوسع والتمكين وسلامة الآلات، فقد تتقدم الأفعال، وهذه القدرة المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران:٩٧] ، فأوجب الحج على المستطيع، فلو لم يستطع إلا من حج لم يكن الحج قد وجب إلا على من حج، ولم يعاقب أحداً على ترك الحج، وهذا خلاف المعلوم بالضرورة من دين الإسلام، وكذا قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا﴾ [التغابن:١٦] ، فأوجب التقوى بحسب الاستطاعة، فلو كان من لم يتقِ الله لم يستطع التقوى لم يكن قد أوجب التقوى إلا على من اتقى ولم يعاقب من لم يتقِ وهذا معلوم الفساد.
وكذا قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً﴾ [المجادلة:٤] ، والمراد منه: استطاعة الأسباب والآلات، وكذا ما حكاه سبحانه من قول المنافقين: ﴿لَوْ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ﴾ [التوبة:٤٢] ، وكذبهم في ذلك القول، ولو كانوا أرادوا الاستطاعة التي هي حقيقة قدرة الفعل، ما كانوا بنفيهم عن أنفسهم كاذبين، وحيث كذبهم فدل أنهم أرادوا بذلك المرض أو فقد المال على ما بين تعالى بقوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى﴾ [التوبة:٩١] ، إلى أن قال: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ﴾ [التوبة:٩٣] .
وكذا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء:٢٥] ، والمراد: استطاعة الآلات والأسباب، ومن ذلك قوله ﷺ لـ عمران بن حصين: (صلِ قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب) ، وإنما نفى استطاعة الفعل معها] .
هذا الكلام يتعلق بركن من أركان الإيمان وهو القدر -والقدر: كما نقل عن الإمام أحمد - هو قدرة الله، والمعنى: أن الله قادر على كل شيء، وأنه يدخل في قدرته أفعال العباد وحركاتهم، وأنه هو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء.
ومن الإيمان بالقدر: الإيمان بأن للإنسان قدرة على أفعاله وإرادة بها أصبح مكلفاً، وأن من فقد تلك القدرة سقط عنه التكليف؛ وذلك لأن هذا شيء محسوس، ظاهر ليس فيه خفاء، فالإنسان الأعمى لا يكلف أن يقرأ في الكتاب، والإنسان الأعرج لا يكلف أن يسعى السعي الشديد في الطواف أو في السعي لعجزه عن ذلك، وقد أسقط الله الجهاد عن المعذورين في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور:٦١] ، ونحو ذلك من الآيات.
стр. 878
استطاعة بمعنى التوفيق
ذكر الشارح: أن الاستطاعة تنقسم إلى قسمين: استطاعة بمعنى التوفيق، وهذه لا يملكها إلا الله، واستطاعة بمعنى مزاولة الفعل، وهذه يوصف بها العبد.
فأما التوفيق والإلهام والهداية فهي إلى الله لا يستطيعها العباد، بل قد نفاها الله تعالى حتى عن نبيه، فقال: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص:٥٦] ، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ﴾ [الزمر:٣٧] ، ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الرعد:٣٣] ، وقال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ [النحل:٣٧] ، أي: من أضله فلا أحد يقدر على هدايته، فهذه الاستطاعة تستدعي توفيق الله وإلهامه وإفهامه، وتستدعي الإقبال بقلبه وقالبه إلى الأعمال.
ولكن بلا شك أن الإنسان أيضاً: له قدرة على بعض الأسباب، فيجعلها الله سبباً لهداية بعض الناس؛ ولأجل ذلك قال النبي ﷺ لـ علي ﵁: (لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم) ، فجعله سبباً للهداية، والله هو الهادي، بمعنى: أنك أنت بينت لذلك الرجل وحذرته وأنذرته وخوفته، ودعوته إلى ما ينفعه، وبينت له النافع، وبينت له الضار، وبينت له عاقبة هذا وعاقبة هذا، فالله قذف في قلبه المعرفة والقبول، وتقبل ما جئت به، فأصبح بذلك قابلاً؛ فمثل هذا بلا شك أنه سبب في الهداية، فأصلها من الله، وأنت منك الأسباب.
كذلك يقول في حديث آخر (من دعا إلى هدى كان له مثل أجور من تبعه) ، سماه هدى، أي: ضد الضلال، فالداعي -بلا شك- متسبب، والله هو الذي جعل السبب مؤثراً ومفيداً.
стр. 879
استطاعة بمعنى القدرة على الفعل
القسم الثاني من الاستطاعة: الاستطاعة التي هي مزاولة الفعل والقدرة عليه، وهذه هي التي لا يكلف الله من لم يقدر عليها، فالعاجز -مثلاً- عن الحج بدنياً لا يستطيعه؛ ولذلك قال تعالى: ﴿مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران:٩٧] ، والفقير الذي لا يجد ما يوصله إلى مكة لا يستطيع، ولو كان يستطيع بدنياً، والذي لا يستطيع بدنياً كالذي لا يثبت على السيارة أو على الطائرة لمرض أو لشلل أو لخوف أو ما أشبه ذلك، يقال عنه أيضاً: لا يستطيع الثبوت على المركوب فهو معذور بذلك، لا يستطيع بماله أو لا يستطيع ببدنه.
ومعلوم أن الله تعالى لا يكلف الإنسان مع عجزه، إنما يكلفه إذا كان قادراً، وكذلك إذا كان فاهماً، ولذلك أسقط الله التكاليف عن الأطفال لكونهم غير قادرين ولا فاهمين، وأسقطها عن فاقدي العقول لنقصهم معنوياً، وكذلك أسقطها عن العاجزين في قوله تعالى في الجهاد: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ﴾ [التوبة:٩١] ، يعني: ليس عليهم حرج في أن يتخلفوا عن الجهاد، مثل هؤلاء لا يستطيعون أن يخوضوا المعارك، وكذلك المرضى لا يستطيعون، وكذلك الذين لا يجدون ما ينفقون، لا يجدون مركوباً أو لا يجدون عدة، فهؤلاء أسقط الله عنهم الجهاد، كما أسقط عن العاجز مالياً الحج بقوله: ﴿مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران:٩٧] ، وفسرت (سبيلاً) : بالزاد والراحلة في بعض الأحاديث والآثار، فدل على أن الاستطاعة: قدرة العبد من حيث المال ومن حيث البدن، فإذا كان ذلك الفعل يستدعي مالاً كالحج والجهاد سقط عنه إذا فقد المال، وإذا كان لا يستدعي مالاً كالقريب من مكة ولكنه يستدعي قوة البدن، وكان هذا الإنسان مريضاً أو عاجزاً بدنياً سقط عنه، والجهاد كذلك يسقط عنه إذا كان عاجزاً بدنياً، وأما إذا كان عاجزاً مالياً، ولكن هناك من تكفل به وجهزه فإنه لا يسقط عنه.
وكذلك العبادات البدنية المحضة إذا كان فيها مشقة فإنها تسقط أو تؤجل، مثل: الصيام في السفر أو في المرض، يقال: لا يستطيع أن يصوم وهو مريض، لا يستطيع أن يصوم وهو مسافر لمشقة السفر، فيؤجل الصيام، وكذلك بقية الأعذار، أما الصلاة فإنها عمل بدني؛ فلأجل ذلك تتوقف أفعالها على القوة والقدرة، فإذا لم يستطع أن يحصل على الماء سقطت عنه الطهارة بالماء، واكتفى بالتيمم، يقال: لا يستطيع الحصول على الماء أو لا يستطيع استعمال الماء لمرض أو حرق أو نحو ذلك، وكذلك فعل الصلاة: إذا لم يستطع أن يصلي وهو قائم صلى وهو جالس، فإن عجز عن الصلاة جالساً صلى على جنب أو مستلقياً كما في بعض الروايات، فمن عجز عن نوع من الاستطاعة البدنية انتقل إلى ما يستطيعه، ويعرف ذلك العرب في كل شيء حتى يقول بعضهم: إذا لم تستطع شيئاً فدعه وجاوزه إلى ما تستطيعُ أراد بذلك الأمور العادية، أي: الأفعال المحسوسة، فمثلاً: الحرف تختلف، فالإنسان الذي معه قوة بدنية يستطيع أن يحمل الأثقال، فهذا يحترف هذه الحرفة، وقد تكون أكثر أجرة، وآخر لا يستطيع ذلك، ولكن يستطيع أن يعمل الأعمال التي ليس فيها حمل ولا أثقال، كحراسة أو ما أشبهها، فالناس يتفاوتون في الاستطاعة.
стр. 880
الاستطاعة تكون قبل الفعل ومع الفعل
معلوم أن الاستطاعة تكون قبل الفعل ومع الفعل، قبل الفعل: يعني قبل مباشرته، نرى إنساناً قوياً فنقول: أنت مكلف بأن تصلي قائماً، ونرى إنساناً غنياً فنقول: أنت مكلف بالحج؛ لأنك تستطيعه مالياً، وهذه الاستطاعة تستمر إلى أن ينتهي من العمل، فتكون قبل الفعل، وفي أثناء الفعل؛ ولأجل هذا لو صلى ركعتين من الظهر وهو قائم ثم عجز جلس، وأتم بقية صلاته جالساً، وكذلك في الحج، لو أنه عمل بعض أعمال الحج وعجز عن بعضها كالرمي -مثلاً- وكَّل فيه، وسقط عنه لعجزه، ويقال في سائر الأفعال: إن الاستطاعة تكون قبل الفعل، ولا يخاطب بها إلا من كان مستطيعاً قبل مزاولة الفعل، وتكون في أثناء الفعل أيضاً.
следующие страницы →