Полный текст (1 175 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
آثار الإيمان باليوم الآخر
من أركان الإيمان: الإيمان باليوم الآخر، والإيمان بالقدر خيره وشره، وهذان الركنان يحتاج كل منهما إلى تفاصيل، وقد مر بنا بعض التفاصيل، والمؤمن الذي يؤمن بالله يؤمن بما أخبر من التفاصيل لهذه الأشياء؛ وذلك لأن من تمام الإيمان بالله الإيمان بما أخبر به مما كان أو هو كائن.
ومن علامات الإيمان باليوم الآخر الاستعداد له، ولا شك أن يوم القيامة عظيم الهول، عظيم الكرب، سماه الله يوم الفزع الأكبر.
وأما تفاصيله فإنها مأخوذة من الأدلة التفصيلية التي اشتملت عليها الآيات والأحاديث، وإذا قرأها أو سمعها المؤمن فبلا شك أنه يظهر عليه أثر تلك الأمور، فيستعد للحساب إذا آمن به، ويستعد لتطاير الصحف إذا آمن بها، ويستعد لورود الحوض إذا آمن به، ويستعد للصراط إذا آمن به، وآخر شيء يؤمن به الجنة أو النار، فيعلم أنهما النهاية، وأن الجنة دار الكرامة لأولياء الله، والنار دار العذاب لأعداء الله، ولكل منهما بنون، ولكل منهما أهل، وقد وعد الله كلاً منهما بملئها، كما في قوله ﷺ : (احتجت الجنة والنار، فقالت الجنة: فيّ ضعفاء الناس وسقطهم، وقالت النار: فيّ الجبارون والمتكبرون، فقال الله للجنة: أنت دار رحمتي أرحم بك من أشاء، وقال للنار: أنت دار عذابي أعذب بك من أشاء، ولكل واحدة منكما علي ملؤها) ، وإذا كان كذلك فإنه يستعد لما ينجيه من النار، ولما يؤهله للجنة.
وأما صفة ما فيهما فقد فصلت في ذلك الأدلة، وألفت فيها المؤلفات، فللإمام ابن القيم ﵀ كتاب مفيد اسمه (حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح) جمع فيه صفة الجنة، وما ورد فيها، وذكر فيه درجاتها وآنيتها وقصورها وأنهارها وأشجارها وثمارها وحورها وفرشها وسررها وجميع ما أخبر الله عنها، وهكذا لتلميذه ابن رجب ﵀ كتاب سماه (التخويف من النار والتعريف بحال دار البوار) تكلم فيه عن النار وعن عذابها وحميمها وزقومها وأغلالها وسعيرها وزمهريرها ودركاتها وحرها وحال أهلها، وما ورد فيهم، فإذا قرأ القارئ هذا الكتاب اشتد خوفه، واشتد فزعه، وإن لم يكن فيه تفصيل للأعمال التي يستحق بها العبد النار، ولكن ذكر فيه صفة عذاب النار، وأما الأعمال فهي مذكورة مبسوطة في الأدلة، تجدون في الآيات والأحاديث التي ذكر فيها أهل النار وأهل الجنة، من فعل كذا دخل الجنة، ومن فعل كذا دخل النار، وهذه مشروحة وموسع الكلام فيها، وإذا عرفها المسلم فإنه بلا شك يهتم بها، فيعرف الأعمال الصالحة التي تصير أهلها من أصحاب الجنة فيعملها، والتي توعد عليها بعذاب النار فيتركها، ويبتعد عنها، وعن أهلها حتى يكون من أهل الوعد، ويسلم من الوعيد.
стр. 877
حقيقة الاستطاعة وأقسامها واختلاف الناس فيها
قال المؤلف ﵀: [وقوله: والاستطاعة التي يجب بها الفعل من نحو التوفيق الذي لا يوصف المخلوق به تكون مع الفعل، وأما الاستطاعة من جهة الصحة والوسع والتمكن وسلامة الآلات فهي قبل الفعل وبها يتعلق الخطاب، وهو كما قال تعالى ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] .
الاستطاعة والطاقة والقدرة والوسع، ألفاظ متقاربة، وتقسيم الاستطاعة إلى قسمين -كما ذكره الشيخ ﵀ هو قول عامة أهل السنة، وهو الوسط، وقالت القدرية والمعتزلة: لا تكون القدرة إلا قبل الفعل، وقابلهم طائفة من أهل السنة فقالوا: لا تكون إلا مع الفعل، والذي قاله عامة أهل السنة: إن للعبد قدرة هي مناط الأمر والنهي، وهذه تكون قبله، ولا يجب أن تكون معه، والقدرة التي يكون بها الفعل لابد أن تكون مع الفعل، لا يجوز أن يوجد الفعل بقدرة معدومة.
وأما القدرة التي من جهة الصحة والوسع والتمكين وسلامة الآلات، فقد تتقدم الأفعال، وهذه القدرة المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران:٩٧] ، فأوجب الحج على المستطيع، فلو لم يستطع إلا من حج لم يكن الحج قد وجب إلا على من حج، ولم يعاقب أحداً على ترك الحج، وهذا خلاف المعلوم بالضرورة من دين الإسلام، وكذا قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا﴾ [التغابن:١٦] ، فأوجب التقوى بحسب الاستطاعة، فلو كان من لم يتقِ الله لم يستطع التقوى لم يكن قد أوجب التقوى إلا على من اتقى ولم يعاقب من لم يتقِ وهذا معلوم الفساد.
وكذا قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً﴾ [المجادلة:٤] ، والمراد منه: استطاعة الأسباب والآلات، وكذا ما حكاه سبحانه من قول المنافقين: ﴿لَوْ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ﴾ [التوبة:٤٢] ، وكذبهم في ذلك القول، ولو كانوا أرادوا الاستطاعة التي هي حقيقة قدرة الفعل، ما كانوا بنفيهم عن أنفسهم كاذبين، وحيث كذبهم فدل أنهم أرادوا بذلك المرض أو فقد المال على ما بين تعالى بقوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى﴾ [التوبة:٩١] ، إلى أن قال: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ﴾ [التوبة:٩٣] .
وكذا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء:٢٥] ، والمراد: استطاعة الآلات والأسباب، ومن ذلك قوله ﷺ لـ عمران بن حصين: (صلِ قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب) ، وإنما نفى استطاعة الفعل معها] .
هذا الكلام يتعلق بركن من أركان الإيمان وهو القدر -والقدر: كما نقل عن الإمام أحمد - هو قدرة الله، والمعنى: أن الله قادر على كل شيء، وأنه يدخل في قدرته أفعال العباد وحركاتهم، وأنه هو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء.
ومن الإيمان بالقدر: الإيمان بأن للإنسان قدرة على أفعاله وإرادة بها أصبح مكلفاً، وأن من فقد تلك القدرة سقط عنه التكليف؛ وذلك لأن هذا شيء محسوس، ظاهر ليس فيه خفاء، فالإنسان الأعمى لا يكلف أن يقرأ في الكتاب، والإنسان الأعرج لا يكلف أن يسعى السعي الشديد في الطواف أو في السعي لعجزه عن ذلك، وقد أسقط الله الجهاد عن المعذورين في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور:٦١] ، ونحو ذلك من الآيات.
стр. 878
استطاعة بمعنى التوفيق
ذكر الشارح: أن الاستطاعة تنقسم إلى قسمين: استطاعة بمعنى التوفيق، وهذه لا يملكها إلا الله، واستطاعة بمعنى مزاولة الفعل، وهذه يوصف بها العبد.
فأما التوفيق والإلهام والهداية فهي إلى الله لا يستطيعها العباد، بل قد نفاها الله تعالى حتى عن نبيه، فقال: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص:٥٦] ، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ﴾ [الزمر:٣٧] ، ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الرعد:٣٣] ، وقال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ [النحل:٣٧] ، أي: من أضله فلا أحد يقدر على هدايته، فهذه الاستطاعة تستدعي توفيق الله وإلهامه وإفهامه، وتستدعي الإقبال بقلبه وقالبه إلى الأعمال.
ولكن بلا شك أن الإنسان أيضاً: له قدرة على بعض الأسباب، فيجعلها الله سبباً لهداية بعض الناس؛ ولأجل ذلك قال النبي ﷺ لـ علي ﵁: (لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم) ، فجعله سبباً للهداية، والله هو الهادي، بمعنى: أنك أنت بينت لذلك الرجل وحذرته وأنذرته وخوفته، ودعوته إلى ما ينفعه، وبينت له النافع، وبينت له الضار، وبينت له عاقبة هذا وعاقبة هذا، فالله قذف في قلبه المعرفة والقبول، وتقبل ما جئت به، فأصبح بذلك قابلاً؛ فمثل هذا بلا شك أنه سبب في الهداية، فأصلها من الله، وأنت منك الأسباب.
كذلك يقول في حديث آخر (من دعا إلى هدى كان له مثل أجور من تبعه) ، سماه هدى، أي: ضد الضلال، فالداعي -بلا شك- متسبب، والله هو الذي جعل السبب مؤثراً ومفيداً.
стр. 879
استطاعة بمعنى القدرة على الفعل
القسم الثاني من الاستطاعة: الاستطاعة التي هي مزاولة الفعل والقدرة عليه، وهذه هي التي لا يكلف الله من لم يقدر عليها، فالعاجز -مثلاً- عن الحج بدنياً لا يستطيعه؛ ولذلك قال تعالى: ﴿مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران:٩٧] ، والفقير الذي لا يجد ما يوصله إلى مكة لا يستطيع، ولو كان يستطيع بدنياً، والذي لا يستطيع بدنياً كالذي لا يثبت على السيارة أو على الطائرة لمرض أو لشلل أو لخوف أو ما أشبه ذلك، يقال عنه أيضاً: لا يستطيع الثبوت على المركوب فهو معذور بذلك، لا يستطيع بماله أو لا يستطيع ببدنه.
ومعلوم أن الله تعالى لا يكلف الإنسان مع عجزه، إنما يكلفه إذا كان قادراً، وكذلك إذا كان فاهماً، ولذلك أسقط الله التكاليف عن الأطفال لكونهم غير قادرين ولا فاهمين، وأسقطها عن فاقدي العقول لنقصهم معنوياً، وكذلك أسقطها عن العاجزين في قوله تعالى في الجهاد: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ﴾ [التوبة:٩١] ، يعني: ليس عليهم حرج في أن يتخلفوا عن الجهاد، مثل هؤلاء لا يستطيعون أن يخوضوا المعارك، وكذلك المرضى لا يستطيعون، وكذلك الذين لا يجدون ما ينفقون، لا يجدون مركوباً أو لا يجدون عدة، فهؤلاء أسقط الله عنهم الجهاد، كما أسقط عن العاجز مالياً الحج بقوله: ﴿مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران:٩٧] ، وفسرت (سبيلاً) : بالزاد والراحلة في بعض الأحاديث والآثار، فدل على أن الاستطاعة: قدرة العبد من حيث المال ومن حيث البدن، فإذا كان ذلك الفعل يستدعي مالاً كالحج والجهاد سقط عنه إذا فقد المال، وإذا كان لا يستدعي مالاً كالقريب من مكة ولكنه يستدعي قوة البدن، وكان هذا الإنسان مريضاً أو عاجزاً بدنياً سقط عنه، والجهاد كذلك يسقط عنه إذا كان عاجزاً بدنياً، وأما إذا كان عاجزاً مالياً، ولكن هناك من تكفل به وجهزه فإنه لا يسقط عنه.
وكذلك العبادات البدنية المحضة إذا كان فيها مشقة فإنها تسقط أو تؤجل، مثل: الصيام في السفر أو في المرض، يقال: لا يستطيع أن يصوم وهو مريض، لا يستطيع أن يصوم وهو مسافر لمشقة السفر، فيؤجل الصيام، وكذلك بقية الأعذار، أما الصلاة فإنها عمل بدني؛ فلأجل ذلك تتوقف أفعالها على القوة والقدرة، فإذا لم يستطع أن يحصل على الماء سقطت عنه الطهارة بالماء، واكتفى بالتيمم، يقال: لا يستطيع الحصول على الماء أو لا يستطيع استعمال الماء لمرض أو حرق أو نحو ذلك، وكذلك فعل الصلاة: إذا لم يستطع أن يصلي وهو قائم صلى وهو جالس، فإن عجز عن الصلاة جالساً صلى على جنب أو مستلقياً كما في بعض الروايات، فمن عجز عن نوع من الاستطاعة البدنية انتقل إلى ما يستطيعه، ويعرف ذلك العرب في كل شيء حتى يقول بعضهم: إذا لم تستطع شيئاً فدعه وجاوزه إلى ما تستطيعُ أراد بذلك الأمور العادية، أي: الأفعال المحسوسة، فمثلاً: الحرف تختلف، فالإنسان الذي معه قوة بدنية يستطيع أن يحمل الأثقال، فهذا يحترف هذه الحرفة، وقد تكون أكثر أجرة، وآخر لا يستطيع ذلك، ولكن يستطيع أن يعمل الأعمال التي ليس فيها حمل ولا أثقال، كحراسة أو ما أشبهها، فالناس يتفاوتون في الاستطاعة.
стр. 880
الاستطاعة تكون قبل الفعل ومع الفعل
معلوم أن الاستطاعة تكون قبل الفعل ومع الفعل، قبل الفعل: يعني قبل مباشرته، نرى إنساناً قوياً فنقول: أنت مكلف بأن تصلي قائماً، ونرى إنساناً غنياً فنقول: أنت مكلف بالحج؛ لأنك تستطيعه مالياً، وهذه الاستطاعة تستمر إلى أن ينتهي من العمل، فتكون قبل الفعل، وفي أثناء الفعل؛ ولأجل هذا لو صلى ركعتين من الظهر وهو قائم ثم عجز جلس، وأتم بقية صلاته جالساً، وكذلك في الحج، لو أنه عمل بعض أعمال الحج وعجز عن بعضها كالرمي -مثلاً- وكَّل فيه، وسقط عنه لعجزه، ويقال في سائر الأفعال: إن الاستطاعة تكون قبل الفعل، ولا يخاطب بها إلا من كان مستطيعاً قبل مزاولة الفعل، وتكون في أثناء الفعل أيضاً.
стр. 881
بطلان القول بأن الاستطاعة لا تكون إلا مع الفعل
قول من قال: الاستطاعة لا تكون إلا مع الفعل: قول باطل؛ وذلك لأنه لو كان كذلك لم يكن الإنسان مكلفاً حتى يفعل، فلا يكون على القادر توبيخ، إذا كان الإنسان قادراً على الحج ولكنه تركه، وقال: أنا غير مكلف حتى أقدر، قلنا له: أنت مكلف من الآن؛ لأنك موصوف بالقدرة بدنياً ومالياً، فيلزمك أن تباشر الفعل، وهكذا الإنسان الصحيح البدن الذي يسمع النداء للصلاة ولا عذر له، ويستطيع أن يأتي إلى المساجد فيؤدي الصلاة فيها، فهل يقال له: أنت لا تستطيع حتى تباشر الفعل؟ أنت غير مكلف إلى أن تبدأ في الفعل؟ لو قيل ذلك لسقطت كثير من العبادات، لو قيل مثلاً: أنت لست بمكلف ما دمت في بيتك حتى تبدأ في مباشرة الفعل؛ لاعتذر الكثير، وقالوا: لا نكون قادرين إلا إذا باشرنا، فهذا قول لا يقوله عاقل.
ولو كان كذلك لاعتذر كثير من الناس عن العمل، فلو قيل له في النكاح: يقول النبي ﷺ : (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم) ، فلا يقول: أنا لا أستطيع، ما معنى الاستطاعة هنا؟ هل يقال: أنت لا تستطيع حتى تدخل بالزوجة؟ إذا رأيناه يملك المال وعنده الأهلية، قلنا: أنت مستطيع أن تتزوج، فلو قال مثلاً: ما دمت لم أتزوج، فأنا لي رخصة في أن أترك الزواج، قلنا: هذا خلاف العقل.
وقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء:٢٥] رخصة في أن يتزوج الأمة المملوكة إذا لم يستطع طول الحرة، فهل هذه الرخصة لا تكون إلا لمن عجز بعد الفعل؟ نقول: ليس كذلك، بل إذا رأيناه ذا مال يقدر على مهر الحرة، منعناه أن يتزوج الأمة، وقلنا: لا تحل لك، قد يقول: ما دمت لم أتزوج فأنا غير مستطيع، نقول: أنت الآن مستطيع، الطول هو المال، والمال موجود عندك، وهكذا يقال في أنواع الاستطاعة.
стр. 882
بطلان مذهب الجهمية في الاستطاعة
الجهمية قالوا: إن العبد ليس له حركة، وحركاته ليست اختيارية، بل اضطرارية، ويُسمون المجبرة، فهؤلاء سلبوا العبد قدرته، وسلبوه اختياره، وجعلوا حركات يديه أو ركوعه أو سجوده أو جنايته أو سكره أو نحو ذلك اضطراراً إجباراً ليس له أي اختيار، وقالوا: إنما هو بمنزلة أغصان الشجرة التي تحركها الرياح، وبمنزلة حركة المرتعش الذي ترتعش يداه ولا يقدر على إمساكها، هكذا جعلوا حركاته! فجعلوا طاعاته ومعاصيه خارجة عن استطاعته، وليس له أي اختيار، وأبطلوا بذلك الأوامر والنواهي، وأبطلوا بذلك الشريعة كلها، ومع ذلك فإنهم متناقضون، وقد مر بنا كثير من تناقضهم؛ وذلك لأنك لو ضربت أحدهم، واحتججت بالقدر؛ ما عذرك في ضربك، ولا تركك تضربه، فكذلك أيضاً نقول: لا تحتج بالقدر على فعل المعاصي وترك الطاعات، بل عليك أن تزاول الفعل بقدر استطاعتك التي منحك الله، فالله أعطى الإنسان استطاعة بها يزاول الأفعال، ولولا تلك الاستطاعة لما حصل تكليف بهذه العبادات وبهذه الأفعال، ولو نفيت لبطلت الشريعة.
стр. 883
بطلان مذهب المعتزلة في الاستطاعة
الجهمية يجعلون أفعال العباد الصادرة منهم ليس لهم فيها أي اختيار، بل هم مضطرون إليها، وأما المعتزلة فمذهبهم أن العبد هو الذي يخلق فعله، وليس لله قدرة على أفعال العبد، فجعلوا العبد مستقلاً بفعله، ونفوا قدرة الله عليه، ونفوا الأدلة التي تدل على ذلك، فقالوا: إن الله لا يقدر أن يهدي ولا أن يضل، بل العبد هو الذي يهدي نفسه أو يضل نفسه، وجعلوا للعباد الاختيار لا لله تعالى، وأبطلوا قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص:٦٨] ، وأبطلوا عموم قول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:٢٨٤] ، وقالوا: لا يقدر إلا على ما يشاء، لا على كل شيء، وهكذا قالوا في كل ما هذا سبيله.
فنقول: لا شك أن هذا قول باطل لا يمكن أن يصدر من عاقل؛ وذلك لأنا نؤمن بقدرة الله، ونؤمن بعمومها، ولا ينافي ذلك أنه أعطى العباد قدرة يزاولون بها أعمالهم أصبحوا بها مكلفين، يثابون على الخير، ويعاقبون على الشر، ولكن تلك القدرة مغلوبة بقدرة الله، فقدرة الله غالبة على قدرتهم، وإرادته غالبة على إرادتهم.
стр. 884
أدلة ثبوت الاستطاعة
قال ﵀: [وأما دليل ثبوت الاستطاعة التي هي حقيقة القدرة، فقد ذكروا فيها قوله تعالى: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ [هود:٢٠] والمراد: نفي حقيقة القدرة لا نفي الأسباب والآلات؛ لأنها كانت ثابتة، وسيأتي لذلك زيادة بيان عند قوله: (ولا يطيقون إلا ما كلفهم) -إن شاء الله تعالى- وكذا قول صاحب موسى: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْراً﴾ [الكهف:٦٧] ، وقوله: ﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْراً﴾ [الكهف:٧٢] ، والمراد منه: حقيقة قدرة الصبر لا أسباب الصبر وآلاته، فإن تلك كانت ثابتة له، ألا ترى أنه عاتبه على ذلك؟ ولا يلام من عدم آلات الفعل وأسبابه على عدم الفعل، وإنما يلام من امتنع منه الفعل لتضييعه قدرة الفعل؛ لاشتغاله بغير ما أمر به، أو شغله إياها بضد ما أمر به، ومن قال: إن القدرة لا تكون إلا حين الفعل يقولون: إن القدرة لا تصلح للضدين، فإن القدرة المقارنة للفعل لا تصلح إلا لذلك الفعل، وهي مستلزمة له لا توجد بدونه] .
معلوم أن الإنسان معه قدرة عامة، ولكن قد يغلب تلك القدرة والاستطاعة ما يفوتها عليه، ففي قصة موسى والخضر أن الخضر: ﴿قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْراً * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً﴾ [الكهف:٦٧-٦٨] ، ولكن موسى: ﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِراً﴾ [الكهف:٦٩] ، ومع ذلك لم يستطع الصبر؛ لأنه رأى ما أنكره، ففي المرة الأولى لما خرق السفينة لم يستطع أن يصبر؛ لأنه رأى شيئاً عجباً فلم يستطع أن يصبر، ثم أخبره الخضر بأنه أراد عيبها حتى لا تؤخذ منهم، ولما رآه قتل غلاماً بغير ذنب لم يصبر أن ينكر عليه، ولكن لم يعلم عاقبة هذا الغلام، وأنه طبع كافراً، فلم يستطع الصبر مع كونه قادراً أن يمسك نفسه، ولما بنى الخضر الجدار في تلك القرية التي لم يضيفهما أهلها استنكر ذلك، كيف أنهم لم يضيفونا! ومع ذلك تقيم جدارهم؟ فلم يستطع أن يصبر، وهو قادر على ذلك.
إذاً: قوله: ((لَنْ تَسْتَطِيعَ)) ليس المراد لا تستطيع بدنياً، ولا تستطيع عقلاً، بل هو يقدر، لكنك إذا رأيت شيئاً تستنكره وتستقبحه؛ فالعادة أنك تندفع، ولو كنت لا تدري ما عاقبته، هذا معنى الاستطاعة في هذا الباب، وبلا شك أن هذه الاستطاعة مقدورة، ولو لم تكن مقدروة لما قال موسى: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِراً﴾ [الكهف:٦٩] ، فأفاد بأنه قادر وأن عنده استطاعة.
والاستطاعة تكون مالية، مثل استطاعة الذي يريد الحج ونحوه، أو تجب عليه نفقة أقاربه، وتكون بدنية كاستطاعة صوم الكفارات ونحوها، قال تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [المجادلة:٤] ، في كفارة الظهار، وفي كفارة القتل، يعني من لم يستطع العتق، وهو استطاعة مالية، والصيام استطاعة بدنية محضة، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً﴾ [المجادلة:٤] يعني: من لم يستطع صوم الشهرين الذي هي استطاعة بدنية لعذر من الأعذار.
فيقال في القدرة: الله تعالى قدرته عامة، وجعل للعباد قدرة على مزاولة أعمالهم، وأما الآية التي بدأ بها الشارح هنا، وهي قوله: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ [هود:٢٠] ، فمعلوم أنهم لهم أسماع ولهم أبصار، ولكن كانوا ينفرون من هذا الشيء فلا يستطيعون أن ينصتوا ويستمعوا له، وكذلك لا يستطيعون مقابلته، وفي إمكانهم أن يجلسوا ويستمعوا، ولكن الدوافع تدفعهم، قد ذكر الله مثل ذلك عن المشركين في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ [فصلت:٥] ، ومعلوم أن هذا ليس بظاهر، فقلوبهم كقلوب غيرهم، ولكن كأنهم يقولون: كلامك لا يدخل في قلوبنا ولا يدخل في أسماعنا، ولو سمعناه لم نتأمله ولم نتعقله ولا ننظر إليه نظر الاعتبار، فهل يقال: إنهم عاجزون عن الاستماع؟ ليسوا عاجزين، فكذلك قوله: (مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ) ، هم قادرون على السمع، ولكن ينفرون منه، وهذه النفرة من الحق بسبب وسوسة الشيطان.
فالآن -مثلاً- كثير من أهل البدع لا يستطيعون أن يستمعوا النصائح التي تخالف بدعهم، إما أنهم لا ينصتون لها، وإما أنهم إذا حضروها أخذوا يتكلمون، كما في قول المشركين: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت:٢٦] ، وإما أن يهربوا ويخرجوا ويبتعدوا، كما حكى الله عن نوح أنه قال: ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً﴾ [نوح:٧] ، كأنهم يقولون: إذا سمعناه نخشى أن يدخل في قلوبنا شيء فيعلق بها، وهكذا يقوله كثير من المبتدعة الآن، كما يحكي لنا بعض الإخوة الذين ذهبوا إلى نجران وألقى محاضرة تتعلق بالسنة وعقيدة أهل السنة، وكان الغالب على أهل المسجد أنهم من المكارمة الذين هم الإسماعيلية، فلما جلسوا يستمعون جاء مشايخهم وأخذوا يقيمونهم واحداً واحداً واحداً مخافة أن يقع في أسماعهم أو يصل إلى قلوبهم شيء يغير معتقداتهم، فهم -ولو كان الكلام حقاً- لا يقبلونه، ليس معهم قدرة ولا استطاعة على أن يقولوا: نستمع وننظر: إن كان حقاً فإنا نقبله، وإلا لم يضرنا سماعه، بل يبتعدون عنه.
وهكذا أخبرنا بعض الإخوة الذين جلسوا مدة قصيرة يدرسون في المرحلة المتوسطة في القطيف، أنه اتفق مع طلابه وهم كلهم شيعة على أن يتجادل معهم بالقرآن وبصحيح السنة، ولما عزموا على المجالسة، وهم يعتقدون أنهم سيغلبونه، جلسوا معه مرة أو مرتين، وكأن آباءهم أحسوا بشيء من التغير في معتقدهم، فما كان منهم إلا أن رحلوه، وقالوا: ابتعد عن بلادنا، ولا تعد تدرس في بلادنا ولا تدرس أولادنا! لماذا؟ هل كانوا لا يستطيعون أن يسمعوا منه، مع أنه إنما كان يبين معاني الآيات والأحاديث ونحوها؟ نقول: هم يستطيعون أن يسمعوا، قال الله: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ معلوم أنهم لهم قدرة على ذلك، ولكن هناك ما يدفعهم، ويحول بينهم وبين هذا الاستماع، فالاستطاعة أصلاً موجودة، ولكن هناك ما يدفعها عن أن تكون مؤثرة أو تصل إلى أصلها.
стр. 885
الرد على القدرية
قال ﵀: [وما قالته القدرية بناء على أصلهم الفاسد، وهو إقدار الله للمؤمن والكافر والبر والفاجر سواء فلا يقولون: إن الله خص المؤمن المطيع بإعانة حصل بها الإيمان، بل هذا بنفسه رجح الطاعة، وهذا بنفسه رجح المعصية، كالوالد الذي أعطى كل واحد من بنيه سيفاً، فهذا جاهد به في سبيل الله، وهذا قطع به الطريق.
وهذا القول فاسد باتفاق أهل السنة والجماعة المثبتين للقدر، فإنهم متفقون على أن لله على عبده المطيع نعمة دينية خصه بها دون الكافر، وأنه أعانه على الطاعة إعانة لم يعن بها الكافر، كما قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمْ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمْ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمْ الرَّاشِدُونَ﴾ [الحجرات:٧] ، فالقدرية يقولون: هذا التحبيب والتزيين عام في كل الخلق، وهو بمعنى: البيان وإظهار دلائل الحق، والآية تقتضي أن هذا خاص بالمؤمن؛ ولهذا قال: (أولئك هم الراشدون) والكفار ليسوا راشدين، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام:١٢٥] ، وأمثال هذه الآية في القرآن كثير، يبين سبحانه أنه هدى هذا وأضل هذا، قال تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُرْشِداً﴾ [الكهف:١٧] ، وسيأتي لهذه المسألة زيادة بيان إن شاء الله تعالى] .
رد الشارح على القول الذي حكاه عن المعتزلة؛ لأنه حكى في أول الكلام ثلاثة أقوال: القول الأول: قول الجبرية الذين يقولون إن العبد مجبور، وليس له اختيار، وأنه بمنزلة الشجرة التي تحركها الرياح، فهو مدفوع إلى الزنا، وهو مدفوع إلى الربا، وهو مدفوع إلى السكر، وهو مدفوع إلى الصلاة، وليس له أي اختيار!! والقول الثاني: قول المعتزلة: وهو أن العبد هو الذي يخلق فعله ويزاوله، وليس لله أية قدرة على فعله!! والقول الثالث: قول أهل السنة: وهو أن للعبد قدرة واختياراً، ولكنها مغلوبة بقدرة الله وباختياره، فهو الذي يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، وهدايته للمؤمنين تعتبر فضلاً منه وكرماً، وإضلاله للكافرين يعتبر عدلاً منه بدون ظلم، قال الله: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦] ، وكذلك امتن على هؤلاء، وعلم أنهم أهل للفضل وأهل للنعمة وأهل للهداية؛ فهداهم وسددهم.
أما الجبرية فعندهم أنه ليس له أي اختيار، بل هو بمنزلة المرتعش، والمعتزلة عندهم ليس لله أية قدرة، بل العبد هو الذي يضل نفسه، وهو الذي يهدي نفسه، ونفوا مدلول الآيات: ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ * وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ﴾ [الزمر:٣٦-٣٧] .
وقد عرفنا الرد عليهم بمثل هذه الآيات: ﴿فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً﴾ [الأنعام:١٢٥] ، هذا أنعم عليه، وهذا خذله، وإنعامه على هذا يعتبر فضلاً، ويعتبر خذلانه لهذا عدلاً: ما للعباد عليه حق واجب كلا ولا سعي لديه ضائع إن عذبوا فبعدله أو نعموا فبفضله وهو الكريم الواسع
стр. 886
شرح العقيدة الطحاوية [٦٩]
لا يزال المنحرفون في القدر يجادلون عن انحرافهم، ولو وقفوا مع أنفسهم وأخضعوها لنصوص الكتاب والسنة لعلموا حكمه وسلموا لأمره.
стр. 887
مراتب الإيمان بالقدر
الإيمان بالقدر من أركان الإيمان، وقد روي عن الإمام أحمد ﵀ أنه قال: القدر قدرة الله، وهذه كلمة لها أهميتها، بمعنى: أن من آمن بقدرة الله، وأن الله على كل شيء قدير، صدق بالقدر خيره وشره.
ويدخل في القدر تقدير الأشياء قبل وقوعها، ويدخل فيه كتابتها قبل أن تخلق وتوجد، ويدخل فيه إرادة كل ما يحدث ومشيئته العامة، ويدخل فيه خلقها وإيجادها وتكوينها، وأنها لا تكون إلا بإرادة الله وبخلقه وبتقديره وتكوينه، وهذه تسمى مراتب القدر، وهي أربع: الأولى: العلم.
الثانية: الكتابة.
الثالثة: الإرادة.
الرابعة: الخلق.
فيؤمن العباد بهذه المراتب الأربع، ومن كذب بشيء منها نقص إيمانه بالقدر، وقد أنكر العلم الأزلي السابق طوائف من الغلاة، وهم الذين يقول فيهم الإمام الشافعي ﵀: ناظروهم بالعلم؛ فإن أقروا به خصموا، وإن جحدوه كفروا.
أي: سلوهم: أتقرون بأن الله تعالى موصوف بالعلم؟ وبأنه بكل شيء علم؟ فإذا اعترفوا بذلك خصموا، ويقال لهم: ما الفرق بين علم الماضي وعلم المستقبل؛ فكله داخل في العلم، وفي أن الله بكل شيء عليم، فإذا علم ما قد مضى فلا يخفى عليه ما هو آتٍ.
وأما الخلق والتكوين فإنه يدخل في الإيمان بقدرة الله، فإذا كنا نؤمن بأن الله على كل شيء قدير، فلابد أن يدخل في هذه القدرة كل ما في الكون، لا يخرج عن قدرة الله شيء من الوجود ومن الحركات التي تكون في هذا الكون، بل كلها كائنة بقدرة الله، وبمشيئته وبخلقه وتكوينه، فلا يكون في الوجود ما لا يريد، ونعتقد أن ربنا سبحانه أعطى الإنسان قدرة على مزاولة أعماله، فللعباد قدرة على أفعالهم، ولهم إرادة، وقدرة الله غالبة على قدرتهم، وإرادته غالبة على إرادتهم، فإذا أراد الله شيئاً فلابد أن يكون، وهذا معنى قول شيخ الإسلام في شعر له: فما شئت كان وإن لم أشأ وما شئتُ إن لم تشأ لم يكن وهذا أيضاً معنى الحديث الذي فيه: (ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن) .
стр. 888
إثبات قدرة العباد على أفعالهم
للعباد قدرة تناسبهم، وبهذه القدرة أصبحوا مكلفين، وبها أصبحوا مأمورين ومنهيين، ولو سلبت عنهم هذه القدرة لسقطت عنهم التكاليف؛ ولهذا تسقط التكاليف عن العاجز، وينفى عنه الحرج، فلا يكلف إلا ما يطيق، فمن فقد العقل لم يكن إلى إفهامه من سبيل، فلا يكلف، ومن فقد البصر لم يكلف بالغزو وبالقتال، وكذا العاجزون ونحوهم.
يقول تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ﴾ [التوبة:٩١] يعني: إذا تخلفوا عن الجهاد؛ لأنهم لا يستطيعونه، فدل على أن غيرهم عليهم حرج؛ لأن معهم استطاعة، وإن كانت تلك الاستطاعة مخلوقة لله، وداخلة تحت قدرته.
وبكل حال، فالاستطاعة التي منحها الله الإنسان هي التي في إمكانه أن يزاول بها الأعمال، مع أنها داخلة في خلق الله تعالى، والله سبحانه لا يكلفهم إلا ما في قدرتهم واستطاعتهم، ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] ، فلهذا أسقط الحج عن غير المستطيع، بل جعل فرضه على من استطاع إليه سبيلاً، وكذلك أسقط ما يعجز عنه الإنسان أو يشق عليه، فرخص للمسافر في أن يفطر؛ لأن عليه مشقة، وكذلك المريض له أن يفطر ويقضي؛ لما في الصيام عليه من الصعوبة، وهكذا في سائر العبادات التي يعجز عنها العبد، فالقدرة والاستطاعة التي أعطاها الله الإنسان هي ما منحه الله وما أودعه فيه، وما قواه به، وإن كان ذلك كله داخلاً في عموم قدرة الله سبحانه.
قد مر بنا أن الاستطاعة التي نفيت هي ما لا يدخل في مقدور الإنسان، كما نفي في قول الله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق:٧] ، أي: لا يكلفها بغير ما أعطاها، ﴿لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٣٣] .
стр. 889
الرد على من نفى القدرة على الفعل أثناء فعله
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأيضاً: فقول القائل: يرجح بلا مرجح، إن كان لقوله: يرجح معنى زائد عن الفعل، فذاك هو السبب المرجح، وإن لم يكن له معنى زائد، كان حال الفاعل قبل وجود الفعل كحاله عند الفعل، ثم الفعل حصل في إحدى الحالتين دون الأخرى بلا مرجح، وهذا مكابرة للعقل.
فلما كان أصل قول القدرية: إن فاعل الطاعات وتاركها كليهما في الإعانة والإقدار سواء، امتنع على أصلهم أن يكون مع الفعل قدرة تخصه؛ لأن القدرة التي تخص الفعل لا تكون للتارك، وإنما تكون للفاعل، ولا تكون القدرة إلا من الله تعالى، وهم لما رءوا أن القدرة لابد أن تكون قبل الفعل، قالوا: لا تكون مع الفعل؛ لأن القدرة هي التي يكون بها الفعل والترك، وحال وجود الفعل يمتنع الترك؛ فلهذا قالوا: القدرة لا تكون إلا قبل الفعل.
وهذا باطل قطعاً، فإن وجود الأمر مع عدم بعض شروطه الوجودية ممتنع، بل لابد أن يكون جميع ما يتوقف عليه الفعل من الأمور الوجودية موجوداً عند الفعل، فنقيض قولهم حق: وهو أن الفعل لابد أن يكون معه قدرة، لكن صار أهل الإثبات هنا حزبين، حزب قالوا: لا تكون القدرة إلا معه، ظناً منهم أن القدرة نوع واحد لا يصلح للضدين، وظناً من بعضهم: أن القدرة عرض فلا تبقى زمانين، فيمتنع وجودها قبل الفعل.
والصواب: أن القدرة نوعان كما تقدم: نوع مصحح للفعل يمكن معه الفعل والترك، وهذه هي التي يتعلق بها الأمر والنهي، وهذه تحصل للمطيع والعاصي، وتكون قبل الفعل، وهذه تبقى إلى حين الفعل، إما بنفسها عند من يقول ببقاء الأعراض، وإما بتجدد أمثالها عند من يقول: إن الأعراض لا تبقى زمانين، وهذه قد تصلح للضدين، وأمر الله مشروط بهذه الطاقة، فلا يكلف الله من ليس معهم هذه الطاقة، وضد هذه العجز كما تقدم] .
الشارح يناقش بعض المبتدعة الذين يقولون: إن القدرة على الفعل تسبق فعله، وتسبق مزاولته، ولا تصحبه حالة وجوده، فيقولون -مثلاً-: إن الإنسان الذي عنده مال، وتمت قوته وقدرته على الإتيان بالحج، إذا تمت أصبح مكلفاً، ولا تكون القدرة حالة مزاولته للعمل، وحالة سفره، وحالة إحرامه وطوافه وسعيه ووقوفه ورميه ونحو ذلك، يقولون: لا تشترط القدرة ولا القوة في هذه الحالات، وما ذاك إلا أنها شرطت في أول الأمر، وزالت الحاجة إليها بعد ذلك، فلا حاجة إلى وجودها وبقائها حالة مزاولة الفعل.
ويقولون كذلك أيضاً في سائر العبادات كصلاة الجماعة -مثلاً-: إذا أمن على نفسه، وكان معه قدرة وقوة، وكان صحيح البدن ليس فيه مرض، وليس بخائف، وجب عليه أن يصلي مع الجماعة، فإذا ابتدأ في الصلاة -مثلاً- أو دخل المسجد أو أقيمت الصلاة فلو زالت القدرة لم تضر، ولا تشترط القدرة ولا وجودها حالة مزاولة الصلاة، هذا تقرير قولهم.
ولا شك أن القدرة والقوة على الفعل لابد من وجودها قبل الفعل وفي حالة وجود الفعل، فإن الإنسان مثلاً مأمور بأن يصلي قائماً، فلو صلى ركعتين من الظهر -مثلاً- قائماً، ثم عجز، رخص له أن يجلس ويتم جالساً، فدل على أن القدرة مشترطة حالة الفعل من أوله إلى آخره، ولو أن إنساناً تجهز للحج، ولما قطع نصف الطريق -مثلاً- عجز وقلت نفقته أو حصل له خوف أو مرض أو نحو ذلك؛ لجاز له أن يرجع ويؤجل الحج؛ لأن القدرة لم تبقَ معه، بل حدث ما يضادها، وهكذا بقية الأعمال.
لكن قد يستثنى منها بعض الأعمال، فإذا تم الحول على المال ووجبت فيه الزكاة؛ تعلقت بذمة المالك، فلو تلف المال بقيت الزكاة في الذمة؛ وذلك لأنه فرط حيث أخر إخراجها، وهناك من يقول: إنها تسقط عنه، بمعنى أنه لو حصد زرعه وجمعه، وقبل أن يخرج زكاته احترق كله، أو حملته الرياح وفرقته، فالصحيح أنه لا يلزمه زكاة؛ وذلك لأنها وجبت مواساة، ومن أين يواسي ما دام أن المال الذي وجبت فيه قد تلف؟! وهكذا مثلاً: لو تم حول نصاب الماشية السائمة، ولما تم الحول ماتت كلها -مثلاً- أو لم يبقَ منها إلا أقل من النصاب، سقطت الزكاة عنها، لأنه أصبح من غير أهل الزكاة.
وكذلك الإنسان إذا صام نصف النهار، حيث أصبح وهو قادر وعنده القوة وعنده الاستطاعة على إتمام صيام ذلك اليوم، ولكن في أثناء النهار أصابه مانع شديد منعه من الإتمام، جاز له أن يفطر، ويقضي ذلك اليوم؛ لأنه أصبح من غير أهل الاستطاعة.
فتبين بهذا أن الاستطاعة التي أمرنا الله بها في قوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦] أن المراد بها الاستطاعة التي قبل الفعل والتي مع الفعل، فقبل الفعل يكون نشيطاً قوياً قادراً على أن يكمل الفعل، ومع الفعل يحصل منه أنه قادر على إتمامه من أوله إلى آخره، فإذا لم يكمله فهو معذور، فهذا توضيح قول أهل السنة، ولا يلتفت إلى قول هؤلاء الذين يقولون: إن القدرة تشترط قبل الفعل ولا حاجة إلى اشتراطها ولا إلى لزومها حالة مزاولة الفعل، وما ذاك إلا أنهم متناقضون.
стр. 890
لا يكلف الله العباد إلا ما في وسعهم
قال ﵀: [وأيضاً: فالاستطاعة المشروطة في الشرع أخص من الاستطاعة التي يمتنع الفعل مع عدمها، فإن الاستطاعة الشرعية قد تكون ما يتصور الفعل مع عدمها، وإن لم يعجز عنه، فالشارع ييسر على عباده ويريد بهم اليسر ولا يريد بهم العسر: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨] ، والمريض قد يستطيع القيام مع زيادة المرض وتأخر برئه، فهذا في الشرع غير مستطيع؛ لأجل حصول الضرر عليه, وإن كان قد يسمى مستطيعاً، فالشارع لا ينظر في الاستطاعة الشرعية إلى مجرد إمكان الفعل، بل ينظر إلى لوازم ذلك، فإذا كان الفعل ممكناً مع المفسدة الراجحة، لم تكن هذه استطاعة شرعية، كالذي يقدر على الحج مع ضرر يلحقه في بدنه أو ماله، أو يصلي قائماً مع زيادة مرضه، أو يصوم الشهرين مع انقطاعه عن معيشته ونحو ذلك، فإذا كان الشارع قد اعتبر في المكنة عدم المفسدة الراجحة، فكيف يكلف مع العجز؟ ولكن هذه الاستطاعة مع بقائها إلى حين الفعل لا تكفي في وجود الفعل، ولو كانت كافية لكان التارك كالفاعل، بل لابد من إحداث إعانة أخرى تقارن مثل جعل الفاعل مريداً فإن الفعل لا يتم إلا بقدرة وإرادة، والاستطاعة المقارنة يدخل فيها الإرادة الجازمة، بخلاف المشروطة في التكليف، فإنه لا يشترط فيها الإرادة.
فالله تعالى يأمر بالفعل من لا يريده، لكن لا يأمر به من لو أراده لعجز عنه، وهكذا أمر الناس بعضهم لبعض، فالإنسان يأمر عبده بما لا يريده العبد، لكن لا يأمره بما يعجز عنه العبد، وإذا اجتمعت الإرادة الجازمة والقوة التامة، لزم وجود الفعل، وعلى هذا ينبني تكليف ما لا يطاق، فإن من قال: القدرة لا تكون إلا مع الفعل يقول: كل كافر وفاسق قد كلف ما لا يطيق.
وما لا يطاق يفسر بشيئين: بما لا يطاق للعجز عنه، فهذا لم يكلفه الله أحداً، ويفسر بما لا يطاق للاشتغال بضده، وهذا هو الذي وقع فيه التكليف، كما في أمر العباد بعضهم بعضاً، فإنهم يفرقون بين هذا وهذا، فلا يأمر السيد عبده الأعمى بنقط المصاحف، ويأمره إذا كان قاعداً أن يقوم، ويعلم الفرق بين الأمرين بالضرورة] .
هذه تعتبر أمثلة لما تقدم من أن الله تعالى لا يكلف العباد إلا ما في وسعهم وما في إرادتهم وما تصل إليه قدرتهم، وما لا مشقة عليهم فيه، وإن كانوا قد يستطيعون فعل بعض الأشياء التي أسقطت عنهم، لكن مع مشقة تلحقهم، فالمشقة تجلب التيسير، وقد نفى الله الحرج في هذه الشريعة، قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨] ، ولما ذكر أنه يجوز لهم استعمال التراب عند فقد الماء أو عند الخوف من استعماله لمرض ونحوه، قال تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة:٦] ، ولما أباح لهم الفطر في رمضان للسفر وللمرض، قال بعد ذلك: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥] ، فإن المسافر الذي يشق عليه الصيام، ولكنه يستطيعه، وإذا صام انقطع عن العمل، وانقطع عن خدمة نفسه، واحتاج إلى أن يخدمه رفقته، واحتاج إلى أن يظلل عليه، ويرش بالماء لشدة جهده، فهذا قد يقول: إني أطيق، فنقول: ما فاتك أشد وأعظم، حيث إنك أعوزت غيرك إلى أن يخدموك، وإلى أن يقوموا عليك، وأبطلت مصالح نفسك، واحتجت إلى من يخدمك، ولو كنت تستطيع أن تكمل يومك.
وكذلك المريض، لو قال: أنا أستطيع أن أصوم مع المرض، ولكن المرض يزداد مع هذا الصيام ويشتد، وتكلف صاحبه الصيام، نقول: إنه قد كلف نفسه، وله رخصة وإن كان يستطيع الصيام، ولو قال الفقير: أنا أستدين وأحج وأصبر على الديون التي أتحملها في ذمتي، نقول: إنك قد كلفت نفسك ما فيه مشقة؛ لأنك لست على يقين بأنك تقدر على وفاء هذه الديون التي تتحملها، أو أنك -مثلاً- في سفرك قد تضيع أهلك، وقد تعوزهم إلى أن يتكففوا الناس؛ لأنك أنت الذي تتكسب لهم، وتنفق عليهم من كسبك، فإذا سافرت عنهم أدى ذلك إلى أنهم يحتاجون، ويسألون الناس، (كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يعول) ، فيسقط عنك الحج في هذه الحالة إذا لم تجد ما ينفقه أهلك على أنفسهم حتى ترجع.
وهكذا أيضاً: المصلي الذي أبيح له أن يصلي جالساً، لو قال: باستطاعتي أن أصلي قائماً، وكان القيام يزيد في المرض، ويؤخر البرء والشفاء، فنقول: لست بمكلف، وأنت غير مستطيع، والذي يعجزه القيام يجزئه الجلوس، ويكون أجره كأجر القائم سواء؛ لقول النبي ﷺ : (صلِّ قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب) ، ولو كانت الاستطاعة قد تحصل، ولكن مع نوع من المشقة، وبكل حال فالمشقة التي نفاها الله تعالى هي التي فيها صعوبة على العباد، وهي من جملة ما لم يكلفوا به: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] ، فإذا كان على العباد شيء من الضيق ومن الحرج ومن الشدة، فإن ذلك يجلب لهم الرخصة في أمورهم عامة، وفي هذا الأمر خاصة.
стр. 891
أفعال العباد مخلوقة لله تعالى
قال المؤلف ﵀: [قوله: (وأفعال العباد خلق الله وكسب من العباد) : اختلف الناس في أفعال العباد الاختيارية: فزعمت الجبرية ورئيسهم الجهم بن صفوان الترمذي: أن التدبير في أفعال الخلق كلها لله تعالى، وهي كلها اضطرارية كحركات المرتعش، والعروق النابضة، وحركات الأشجار، وإضافتها إلى الخلق مجاز، وهي على حسب ما يضاف الشيء إلى محله دون ما يضاف إلى محصله.
وقابلتهم المعتزلة، فقالوا: إن جميع الأفعال الاختيارية من جميع الحيوانات بخلقها لا تعلق لها بخلق الله تعالى، واختلفوا فيما بينهم أن الله تعالى يقدر على أفعال العباد أم لا.
وقال أهل الحق: أفعال العباد بها صاروا مطيعين وعصاة، وهي مخلوقة لله تعالى، والحق منفرد بخلق المخلوقات لا خالق لها سواه.
فالجبرية غلوا في إثبات القدر فنفوا صنع العبد أصلاً، كما غلت المشبهة في إثبات الصفات، فشبهوا، والقدرية -نفاة القدر- جعلوا العباد خالقين مع الله تعالى؛ ولهذا كانوا مجوس هذه الأمة، بل أردأ من المجوس، من حيث إن المجوس أثبتت خالقَينِ وهم أثبتوا خالقِينَ، وهدى الله المؤمنين أهل السنة والجماعة لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
فكل دليل صحيح يقيمه الجبري فإنما يدل على أن الله خالق كل شيء، وأنه على كل شيء قدير، وأن أفعال العباد من جملة مخلوقاته، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ولا يدل على أن العبد ليس بفاعل في الحقيقة، ولا مريد ولا مختار، وأن حركاته الاختيارية بمنزلة حركة المرتعش، وهبوب الرياح، وحركات الأشجار.
وكل دليل صحيح يقيمه القدري، فإنما يدل على أن العبد فاعل لفعله حقيقة، وأنه مريد له مختار له حقيقة، وأن إضافته ونسبته إليه إضافة حق، ولا يدل على أنه غير مقدور لله تعالى، وأنه واقع بغير مشيئته وقدرته.
فإذا ضممت ما مع كل طائفة منهما من الحق إلى حق الأخرى؛ فإنما يدل ذلك على ما دل عليه القرآن، وسائر كتب الله المنزلة من عموم قدرة الله ومشيئته لجميع ما في الكون من الأعيان والأفعال، وأن العباد فاعلون لأفعالهم حقيقة، وأنهم يستوجبون عليها المدح والذم، وهذا هو الواقع في نفس الأمر، فإن أدلة الحق لا تتعارض، والحق يصدق بعضه بعضاً ويضيق هذا المختصر عن ذكر أدلة الفريقين، ولكنها تتكافأ وتتساقط، ويستفاد من دليل كل فريق بطلان قول الآخرين، ولكن أذكر شيئاً مما استدل به كل من الفريقين، ثم أبين أنه لا يدل على ما استدل عليه من الباطل] .
تكلم الشارح هنا على أفعال العباد، ذكر الطحاوي أن أفعال العباد خلق الله وكسب العباد، لكن الجبرية لم يثبتوا للعباد فعلاً، وإنما أثبتوا لهم كسباً، يعني: أنهم هم الذين زاولوها، وهم الذين عملوها، وإليهم تنسب، فالعبد يوصف بأنه الذي صلى وأنه الذي صام، ولا يقال: خلق الله فيك الصوم ولا خلق الله فيك الصلاة، ولا خلق الله فيك القتل، أو الشرك أو الزنا أو أكل الحرام، بل يقال: أنت المصلي والصائم وأنت الصادق أو الكاذب، وأنت المؤمن أو الكافر، وأنت البر أو الفاجر، وأنت العامل للصالحات أو العامل للسيئات، أنت المحسن أو أنت المسيء، أنت الذي صبرت أو جزعت، أنت الذي تشجعت أو جبنت، يوصف العبد بهذه الأفعال، ولو كانت خلق الله، فالله تعالى خالق كل شيء، وهو الذي أرادها، وهو الذي أوجدها، ولو شاء لما آمن أحد، ولو شاء لما كفر أحد، ولكنه تعالى أعطى العبد قدرة يزاول بها هذه الأعمال فيصبح من أهل الأعمال وتنسب إليه، هذا هو الذي تكلم عليه الطحاوي، والأشاعرة لا يثبتون للعبد فعلاً، وقولهم قريب من قول الجبرية إلا أنهم يثبتون للعبد كسباً، ثم يضعفون ذلك الكسب، ولا يجعلون له تأثيراً، فأصبح الكسب الذي أثبتوه ليس له حقيقة، وفي هذا يقول بعضهم: مما يقال ولا حقيقة تحته معلومة تدنو من الأفهام الكسب عند الأشعري والحال عند البهشمي وطفرة النظام يعني: أن هذه الثلاثة لا حقيقة لها أصلاً، الكسب عند الأشعري لا حقيقة له، وقد يثبت الكسب ومع ذلك ينفي قدرة العبد، والحال عند البهشمي معناه: أنه لا يثبت للحال حقيقة، وطفرة النظام الذي هو أحد المعتزلة، فإنه اعتقدها وذهب إليها ولا حقيقة لها.
стр. 892
مذاهب الناس في الأفعال
الشارح ﵀ ذكر أن للناس في الأفعال ثلاثة مذاهب: مذهب باطل وهو مذهب الجبرية، ويقابله مذهب باطل أيضاً، وهو مذهب نفاة قدرة الله.
ومذهب حق، وهو إثبات قدرة الله وإثبات قدرة العبد التي تناسبه.
فالأول الذي قال أهله إن العبد ليس له قدرة أصلاً، هو قول الجبرية الذين يقولون إن العبد مجبور على أفعاله، وليس له أي اختيار، بل أفعاله وحركاته بمنزلة حركات المرتعش الذي ترتعش يده ولا يقدر على إمساكه، أو بمنزلة العروق النابضة التي تتحرك ولا يقدر على إمساكها، أو حركاته بمنزلة حركات الأشجار التي تحركها الرياح، وهؤلاء الجبرية رئيسهم الجهم بن صفوان؛ فهو أول من قال إن العباد ليس لهم قدرة، وليس لهم اختيار، بل هم مجبورون على الفعل.
وهؤلاء يقولون: إن الله إذا عذب الخلق فإنه ظالم لهم؛ لأنه الذي خلق فيهم المعصية، وقالوا: كيف يخلق فيهم الذنب كالشرك والقتل والزنا والحرام وما أشبه ذلك ثم يعاقبهم على ذلك؟! فيعتبرون هذا ظلماً من الله تعالى، مع أن الله قد نفى الظلم بقوله: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦] .
حتى قال قائلهم -كما ذكره ابن القيم في بعض كتبه-: ألقاه في البحر مكتوفاً وقال له إياك إياك أن تبتل بالماء يقولون: مثل العاصي الذي يجبر على المعصية مثل إنسان ألقي في البحر وقد أوثقت يداه وقيل له: لا يبلك الماء! وهو لا يستطيع الحركة، ومع ذلك ألقي في البحر.
ويقولا ابن القيم في ميميته: وعند مراد الله تفنى كميت وعند مراد النفس تسدي وتلحم وعند خلاف الحق تحتج بالقدر ظهيراً على الرحمن للجبر تزعم يقول: إن هؤلاء متناقضون، فإنه إذا كان المراد للنفس فإن أحدهم يسدي ويلحم ويأتي الأمور من طولها وعرضها، ولا يتوقف جهده على الشيء المراد، بل يبذل كل ما في وسعه، وأما إذا قيل له إن الله أمرك بكذا ونهاك عن كذا، فإنه يتقاعس ويتكاسل، وإذا وقع منه الذنب قال هذا مكتوب عليّ، وهذا ليس لي فيه اختيار، فيحتج بالقدر، ويحتج بالقضاء، ويزعم أنه مجبور على ذلك، وهذا هو فعل الجبرية الذين يزعمون أن العبد مجبور على فعله.
وتقدم واحد منهم إلى شيخ الإسلام ابن تيمية وهو في مجلس وحوله تلامذته، فألقى عليه أبياتاً يقول في أولها: أيا علماء الدين ذمي دينكم تحير دلوه بأوضح حجة ويقول فيها: دعاني وسد الباب دوني فهل إلى دخولي سبيل بينوا لي حجتي يقول: إنما مثلي كمثل إنسان دعاني، ثم سد الباب وأقفله دوني، وضربني وقال: لماذا لا تدخل؟ وكيف أدخل وقد أوصد الباب؟ فرد عليه شيخ الإسلام بأبيات مشهورة مكتوبة مطبوعة، وقد شرحها الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀، في أولها قوله: سؤالك يا هذا سؤال معاند مخاصم رب العرش باري البرية وتدعى خصوم الله يوم معادهم إلى النار طراً معشر القدرية سواء نفوه أو سعوا ليخاصموا به الله أو ماروا به للشريعة واستمر في ذكر ما يتناقضون فيه وذكر أنهم يتناقضون؛ وذلك أن أحدهم إذا لامه لائم على فعل فإنه يحتج بالقدر، ولكن لا يحتج بالقدر إذا كانت المصلحة له، فهو إذا كانت المصلحة له في طلب معيشة وفي طلب رزق، فإنه يبذل قصارى جهده، فيقال له: لماذا لا تجلس في بيتك وتترك التكسب؟ ولماذا لا تترك الأكل؟ ولماذا لا تقول: إن كان الله أراد لي حياة فإني سأحيا وإن لم آكل؟ ولماذا تلبس الثياب في الصيف لتتقي الحر، وفي الشتاء لتتقي البرد؟ ولماذا تتزوج تطلب الولد؟ ولماذا تطلب الثمر؟ وهكذا، فأنت تفعل هذه الأفعال وطلب المعيشة فكذلك نقول: لماذا لا تعمل أعمالاً صالحة تؤهلك لدخول الجنة؟! ولماذا لا تترك الأعمال التي تؤهل لدخول النار؟ إذاً: فأنت معك قدرة ومعك استطاعة على مزاولة الأعمال.
ذكروا أن سارقاً أُتي به إلى عمر ﵁، فقال: هذا شيء قدره الله، فقال عمر ﵁: (سرقت بقدر الله، ونقطع يدك بقدر الله) .
ولما توجه عمر إلى الشام ذكر له أن الشام قد وقع فيها الطاعون، فعزم على أن يرجع بمن معه إلى المدينة، فقال له أبو عبيدة: (أفراراً من قدر الله؟ فقال: نعم، نفر من قدر الله إلى قدر الله) أي: الله تعالى قدر لنا أن نرجع، فهو كتب علينا هذا، ولم يكتب علينا أننا نقدم على هذا الوباء.
واستدل أيضاً بقول النبي ﷺ : (فر من المجذوم فرارك من الأسد) .
وبكل حال هذه أقوال هؤلاء الطائفة، ولهم حجج طويلة اختصرها الشارح.
أما الطائفة الثانية الذين هم المعتزلة فبلا شك أن قولهم أشد بطلاناً، ولعله يأتي ما يبينه عندما يتكلم المؤلف على أدلتهم، والله أعلم.
стр. 893
شرح العقيدة الطحاوية [٧٠]
القدر مرجعه إلى الله تعالى، وقد خالف الحق فيه طرفان: طرف عطل الرب عن خلق الأفعال، وطرف جعل العبد مجبراً ليس له قدرة ولا اختيار، وذلك كله لا يصلح للمسلم اعتقاده.
стр. 894
وجوب الإيمان بالقدر
مذهب أهل السنة هو الإيمان بالقدر، وقد ذكرنا قول الإمام أحمد: (القدر قدرة الله) وأراد بذلك الرد على القدرية الذين ينكرون قدرة الله على كل شيء، ويخرجون كل الأفعال عن خلق الله تعالى، وقد أشبهوا بذلك المجوس.
فالمجوس يجعلون للكون خالقين، والقدرية يجعلون مع الله من يخلق، وقد تقدم أنهم يقولون: إن القرآن مخلوق، واستدلوا بقول الله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد:١٦] فأدخلوا صفة الله التي هي كلامه في هذه الآية، وتناقضوا فأخرجوا أفعالهم عن عمومها، فجعلوا أفعالهم من خلقهم وليست من خلق الله، فلم يعملوا بعموم الآية: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد:١٦] .
ولا شك أن أفعال العباد أولى ما يدخل في عموم الآية، لأنها من خلق الله تعالى، وأن نسبتها إلى العباد نسبة فعل ومباشرة، ولهذا يقال: إن الله خالق كل شيء بما في ذلك حركات العباد وأفعالهم، ومع ذلك فالله تعالى هو الذي مكنهم، وأعطاهم قوة وقدرة، فهم يزاولون الأعمال بقدرتهم وبقوتهم، والله خالقهم وخالق قدرتهم وإرادتهم، فقدرة الله غالبة على قدرتهم، وإرادته غالبة على إرادتهم، وبذلك أصبحت أفعالهم من خلق الله تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦] وأفعالهم هم الذين باشروها، فتنسب إليهم مباشرة، وتنسب إلى الله خلقاً وإيجاداً، وبما أعطاهم الله من القوة والقدرة يثابون ويعاقبون.
ولأجل ذلك نقول: إن العباد فاعلون حقيقة، والله خالقهم وخالق أفعالهم، وأن العبد هو المؤمن والكافر، والبر والفاجر، والمصلي والصائم، وأن للعباد قدرة على أفعالهم، ولهم إرادة، ولكن هذه القدرة والإرادة مسبوقة بقدرة الخالق تعالى وبإرادته، هذا هو قول أهل السنة.
стр. 895
المذاهب المخالفة لعقيدة أهل السنة في باب القدر
وقد عرفنا القولين الذين هما طرفان في هذه المسألة: الطرف الأول: هو قول المجبرة الذين سلبوا العباد قدرتهم واختيارهم، وجعلوهم مجبورين، ليس لهم أي قدرة أو إرادة، وليس لهم همة ولا عمل ولا أثر في الأعمال، وجعلوا حركاتهم بمنزلة حركات الأشجار التي تحركها الرياح! وأبطلوا حكمة الله تعالى؛ فإذا سئلوا: لماذا أرسل الله الرسل؟ ولماذا يُعذب الله الكفار؟ ولماذا خص الله المؤمنين بأنهم أهل الثواب؟ لم يكن لهم من جواب إلا أن ذلك محض المشيئة، ومحض الاختيار، ومحض الإرادة، وليس لأحد فيه تصرف، وأكثر ما يرددون قول الله تعالى: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣] ويقولون: إنه قدر ذلك عليهم وخلقه فيهم، ويعذبهم على فعله فيهم، ولكن لا يُسئل عن ذلك!! وأما الطرف الثاني: فهم المعتزلة الذين أرادوا تنزيه الرب تعالى عن أن يعذبهم على أمر خلقه فيهم كما يقولون، فجعلوا أنفسهم هي التي تباشر وتخلق الفعل، ولم يجعلوا لله أي قدرة, بل كثير منهم يقولون: إن الله لا يقدر على أن يهدي من يشاء، ولا أن يضل من يشاء، بل العباد يهدون أنفسهم أو يضلونها! فهؤلاء طرف هالك بعيد عن الصواب.
وهدى الله تعالى أهل السنة فآمنوا بعموم قدرة الله، وآمنوا بأن له قدرة عامة غالبة على أفعال العباد، وآمنوا بأنه خلق أفعال العباد، وكتبوا في ذلك المؤلفات، كما كتب البخاري في ذلك رسالته المشهورة: (خلق أفعال العباد) .
وبينوا أن قدرة العبد هي التي تناسبه، والتي بها يثاب ويعاقب، وأنها مع ذلك مغلوبة بقدرة الله تعالى، وبذلك يستحق العبد الثواب أو العقاب على ما يزاوله من الأعمال التي تنسب إليه؛ لأنه هو الذي باشرها.
ومع ذلك لا يخرج عن إرادة الله تعالى، والهداية بيد الله؛ فهو الذي هدى هؤلاء وأضل هؤلاء، فأضل هؤلاء حكمة وعدلاً، وهدى هؤلاء رحمة وفضلاً، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
стр. 896
الرد على المخالفين في باب القدر
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فمما استدلت به الجبرية قوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧] فنفى الله عن نبيه الرمي، وأثبته لنفسه سبحانه، فدل على أنه لا صنع للعبد.
قالوا: والجزاء غير مرتب على الأعمال، بدليل قوله ﷺ : (لن يدخل أحد الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل) .
ومما استدل به القدرية قوله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون:١٤] ، قالوا: الجزاء مرتب على الأعمال ترتيب العوض كما قال تعالى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف:٧١-٧٢] ونحو ذلك.
فأما ما استدلت به الجبرية من قوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧] فهو دليل عليهم؛ لأنه تعالى أثبت لرسوله ﷺ رمياً، بقوله: (إِذْ رَمَيْتَ) ، فعلم أن المثبت غير المنفي، وذلك أن الرمي له ابتداء وانتهاء، فابتداؤه الحذف، وانتهاؤه الإصابة، وكل منهما يسمى رمياً، فالمعنى حينئذٍ -والله تعالى أعلم-: وما أصبت إذ حذفت ولكن الله أصاب، وإلا فطرد قولهم: وما صليت إذ صليت ولكن الله صلى! وما صمت إذ صمت! وما زنيت إذ زنيت! وما سرقت إذ سرقت! وفساد هذا ظاهر.
وأما ترتيب الجزاء على الأعمال فقد ضلت فيه الجبرية والقدرية، وهدى الله أهل السنة، وله الحمد والمنة، فإن الباء التي في النفي غير الباء التي في الإثبات، فالمنفي في قوله ﷺ : (لن يدخل أحد الجنة بعمله) باء العوض، وهو أن يكون العمل كالثمن لدخول الرجل إلى الجنة، كما زعمت المعتزلة أن العامل يستحق دخول الجنة على ربه بعمله، بل ذلك برحمة الله وفضله.
والباء التي في قوله تعالى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأحقاف:١٤] ونحوها باء السبب، أي: بسبب عملكم؛ والله تعالى هو خالق الأسباب والمسببات، فرجع الكل إلى محض فضل الله ورحمته.
وأما استدلال المعتزلة بقوله: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون:١٤] فمعنى الآية: أحسن المصورين المقدرين، و (الخلق) يذكر ويراد به التقدير، وهو المراد هنا؛ بدليل قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد:١٦] أي: الله خالق كل شيء مخلوق، فدخلت أفعال العباد في عموم (كل) .
وأما أفسد قولهم في إدخال كلام الله تعالى في عموم (كل) الذي هو صفة من صفاته! يستحيل عليه أن يكون مخلوقاً، وأخرجوا أفعالهم التي هي مخلوقة من عموم (كل) !! وهل يدخل في عموم (كل) إلا ما هو مخلوق؟! فذاته المقدسة وصفاته غير داخلة في هذا العموم، ودخلت سائر المخلوقات في عمومها.
وكذا قوله تعالى ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦] ولا نقول: أن (ما) مصدرية، أي: خلقكم وعملكم، إذ سياق الآية يأباه، لأن إبراهيم ﵇ إنما أنكر عليهم عبادة المنحوت، لا النحت، والآية تدل على أن المنحوت مخلوق لله تعالى، وهو ما صار منحوتاً إلا بفعلهم، فيكون ما هو من آثار فعلهم مخلوقاً لله تعالى، ولو لم يكن النحت مخلوقاً لله تعالى لم يكن المنحوت مخلوقاً له، بل الخشب أو الحجر لا غير.
وذكر أبو الحسين البصري إمام المتأخرين المعتزلة: أن العلم بأن العبد يحدث فعله ضروري.
وذكر الرازي: أن افتقار الفعل المحدث الممكن إلى مرجح يجب وجوبه عنده ويمتنع عند عدمه ضروري.
وكلاهما صادق فيما ذكره من العلم الضروري، ثم ادعاء كل منهما أن هذا العلم الضروري يبطل ما ادعاه الآخر من الضرورة غير مسلم، بل كلاهما صادق فيما ادعاه من العلم الضروري، وإنما وقع غلطه في إنكاره ما مع الآخر من الحق، فإنه لا منافاة بين كون العبد محدثاً لفعله وكون هذا الإحداث وجب وجوده بمشيئة الله، كما قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس:٧-٨] فقوله: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس:٨] إثبات للقدر بقوله: (فَأَلْهَمَهَا) ، وإثبات لفعل العبد بإضافة الفجور والتقوى إلى نفسه؛ ليعلم أنها هي الفاجرة والمتقية.
وقوله بعد ذلك: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس:٩-١٠] إثبات أيضاً لفعل العبد، ونظائر ذلك كثيرة] .
стр. 897
الرد على الجبرية
هذه مناقشة لأدلة الفريقين المتطرفين، وهمنا هنا أن نعرف الجواب.
وأما شرح أدلتهم والتوسع فيها، وكيفية استدلالهم، وتوجيهها، فلا حاجة لنا إلى التوسع فيه.
وقد عرفنا أن كلا القولين -قول الجبرية وقول المعتزلة- في طرفي نقيض، وكلاهما لا يزال لهما بقية يقولون بمثل هذه الأقوال، ولا تزال أيضاً مؤلفاتهم يعنى بها وتنشر وتحقق، وينفق عليها الأموال، مع أنها سبب في ضلال كثير من الناس.
ويدعون أنهم بذلك يقوون حجتهم ومعتقدهم الذي اعتقدوه، ويستدلون بأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧] وقالوا: هذا دليل على أن الفعل ليس للإنسان، وإنما هو لله؛ لأن الله هو الذي رمى.
وقد أجاب الشارح بأن التقدير: وما أصبت الهدف ولكن الله هو الذي وفق لإصابته، فأنت الذي رميت والله هو الذي وفق للإصابة.
ونحن نعرف القصة التي حصلت في غزوة بدر، والقصة التي حصلت أيضاً في غزوة حنين؛ وذلك أنه لما تواجه المشركون مع المسلمين أخذ النبي ﷺ قبضة من حصباء ورمى بها في وجوه القوم، معلوم أن رميته لو كانت بمجرد قوته لم تذهب مثلاً إلا نحو عشرين متراً أو ثلاثين، ولكن هذه الرمية وصلت إلى جميعهم أو أكثرهم؛ بحيث إنها دخلت في أعينهم، ودخلت في أفواههم وأنوفهم، وأعمت عليهم الطرق، مع أنها كانت حصيات قليلة في يده رمى بها وقال: (شاهت الوجوه) ، فالله تعالى هو الذي أوصلها، وهو الذي وفق لإصابتها، فمادام أن الله أثبت الرمي بقوله: (إِذْ رَمَيْتَ) أي: حركت يدك بتلك الحجارة وقذفتها، فهذا دليل على أن الفعل أصله من الإنسان، والله تعالى هو الذي يسدده ويوصله، وهو الذي يدفع ويحرك همة العبد إلى أن يفعل ذلك الفعل.
وكثيراً ما يكون المسلمون قلة، وإذا وجهوا سهامهم إلى المشركين أصابتهم ولو كانوا بعيدين؛ لأن الله يسدد سهامهم فتصيب العدو، وأما سهام أعدائهم فإنها تخطئهم وتذهب يميناً أو يساراً ولا تصيبهم؛ لأن الله تعالى يصرفها.
إذاً: من الغزاة الرمي، ومن الله التسديد والإصابة.
وهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧] ، وهذه الآية من أدلة الجبرية التي استدلوا بها.
ومن أدلتهم في أن العمل ليس سبباً في دخول الجنة، قول النبي ﷺ : (لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل) قالوا: هذا دليل على أن الأعمال ليس لها أثر، وأن الأعمال ليست هي التي تسبب دخول الجنة؛ وعلى هذا فالأعمال ليست من الإنسان، والإنسان ليس له أي عمل، وليس له عندهم حركة، بل هو مدفوع إلى هذه الحركة ومغلوب على أمره، ولا يقدر أن يحرك باختياره أي حركة، فلا يحرك إصبعاً ولا رأساً ولا لساناً ولا يداً ولا قدماً، بل هو متصرَف فيه، وتحركه إرادة الله كما تتحرك الشجرة بدون اختيارها.
و
الجواب
أن هذا الحديث أراد به النبي ﷺ أن أعمالنا وإن كثرت لا تعادل نعم الله، فنعم الله علينا كثيرة، ولو عملنا ما عملنا فإنها قليلة بالنسبة إلى ما ينعم الله به علينا، فأعمالنا لو كثرت لم تكن سبباً وحيداً في دخول الجنة، كما ورد في الحديث: (أنه يؤتى برجل قد عمل أعمالاً صالحة أمثال الجبال، فيقول الله تعالى: أدخلوه الجنة برحمتي، فيقول: يا ربي، بل بعملي-أليس هذه الأعمال التي عملتها تحصل لي الجنة والثواب؟ - فيقول الله: حاسبوا عبدي على نعمي، يقول الله لنعمة البصر: خذي حقك -يعني: من أعماله- ولنعمة السمع: خذي حقك، ولنعمة النطق، ولنعمة العقل، ولنعمة البطش، ولنعمة القوة، ولنعمة الرزق، ولنعمة العمل، ولنعمة الصحة، وتبقى نعم كثيرة كنعمة الهداية ونعمة التوفيق ونعمة الإعانة- فيقول: أدخلوا عبدي النار، فعند ذلك يقول: بل يا ربي! برحمتك) .
فعُرف بذلك أن العمل لا يستقل بشأن دخول الجنة إلا إذا رحم الله العباد.
وإذا قيل: قد وردت أدلة في ترتب الجزاء على الأعمال وهي التي استدلت بها المعتزلة، وجعلوا عمله سبباً وحيداً في دخول الجنة، واستدلوا بقوله: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٣٢] ، وقوله: ﴿بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة:٢٤] ونحو ذلك.
فنقول: صحيح أن العمل سبب؛ ولكن رحمة الله مع ذلك السبب؛ فيدخل الجنة بسبب عمله، ولكن ذلك برحمة الله تعالى فهو أرحم الراحمين.
وكما جاء في الحديث الذي فيه: (إن الله خلق الرحمة مائة جزء، كل جزء طباق ما بين السماء والأرض، أنزل منها جزءاً واحداً في الأرض، وبذلك الجزء تتراحم الخليقة بينهم، حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه، فإذا كان يوم القيامة ضمه الله إلى تلك الأجزاء فيرحم بها عباده يوم القيامة) ، وقد أخبر النبي ﷺ عن واسع رحمة الله لما رأى امرأة تضم ولدها إلى صدرها وترضعه بعد أن وجدته، فقال: (أترون هذه قاذفة ولدها في النار؟ قالوا: لا، والله! وهي تقدر على تخليصه، فقال: لله أرحم بعباده من هذه بولدها) .
فإذاً: رحمة الله للعباد أوسع لهم، كما ورد في الحديث: (لو عذب الله أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيراً لهم من أعمالهم) .
فعرفنا بذلك ضعف ما استدل به هؤلاء وهؤلاء.
стр. 898
الرد على المعتزلة
وأما استدلال المعتزلة بقول الله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون:١٤] ، ومثلها قوله تعالى: ﴿وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [المؤمنون:٧٢] فيقولون: هذا دليل على أن الخالقين كثير، وليس الخالق هو الله وحده، لكن الله أحسنهم! فجعلوا العباد خالقين ورازقين مع الله.
و
الجواب
أن هذا ليس بصحيح، بل الله هو الخالق وحده، كما قال : ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر:٦٢] ، فالخلق خلقه، والأمر أمره، والآية وردت في سياق التكوين، ووردت في سياق الإيجاد، فيقال: إن الإنسان ليس هو الذي يخلق نفسه، وإن كان له سبب في وجود الولد بالنكاح والوطء والمباشرة، فينسب إليه أنه هو الذي تسبب في خلق وتكوين هذا الولد، ولكن الله هو الذي أنشأه، قال الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ * أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ [الواقعة:٥٨-٥٩] ، فهذا المني الذي ينصب في الرحم ليس الإنسان هو الذي يكونه، بل قدرة الله، فالله هو الذي قدر أنه يكون نطفة ثم يكون علقة ثم مضغة ثم ينشئه الله خلقاً آخر إلى أن يخرج بشراً سوياً.
فإذاً: الولد من الإنسان سببه النكاح والوطء ونحوه، ومن الله تعالى الخلق والتكوين والتطوير إلى أن يخرج سوياً، فهذا معنى قوله: ﴿أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون:١٤] ، وقد يُراد بالخالقين الذين يكونون بعض المخلوقات في الدنيا، أو يبدعون بعض الأشياء وإن كانوا مخطئين في ذلك، كما ورد في الحديث القدسي: (يقول الله تعالى: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي؟ فليخلقوا ذرة، أو يخلقوا برة، أو ليخلقوا شعيرة) ، بمعنى: أنهم جعلوا أنفسهم خالقين، وهم المصورون الذين يضاهون بخلق الله، فأثبت لهم إرادة في أنهم يضاهون خلق الله، ويخلقون كخلقه، ولكن لا يستطيعون أن يضاهوا وأن يشابهوا خلق الله تعالى، فالخلق الأصل هو من الله، وهو الذي خلق الأرواح، ولا يستطيعون أن يخلقوها، وهو الذي يحيي الأموات، ولا يستطيعون أن يحيوها، وهو الذي ينفخ فيه الروح، ولا يستطيعون ذلك، كما في الحديث: (من صور صورة كُلِّف أن ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ) .
إذاً: عرفنا أن المعتزلة استدلوا بقوله تعالى: ﴿أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون:١٤] على أن الخالقين كثير.
والجواب: أن الخلق هو التكوين من الله تعالى، وأما الإنسان فمنه السبب، أو أنه يراد به المضاهاة.
واستدل المعتزلة بترتيب الجزاء على الأعمال، بقوله تعالى: (جزاء بما كنتم تعملون) وبقوله: ﴿بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة:٢٤] .
والجواب: أن الأعمال سبب، وليست مستقلة، وإنها هي من جملة الأسباب التي يثاب عليها العباد ويعاقبون.
واستدلت الجبرية بآيتين: الآية الأولى قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد:١٦] وقوله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦] ونحوها، في إثبات أن الإنسان ليست له أية حسبة، وليس له أي عمل، وكذلك استدلوا بقوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧] .
وقد عرفنا كيف نرد عليهم.
واستدلوا بأن الأعمال ليست سبباً في دخول الجنة أو النجاة من النار أو دخول النار بالآية التي ذكرنا، وبالحديث، وهو قوله ﷺ : (لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله) ، وعرفنا بذلك أن أدلتهم لا تفيدهم شيئاً، وأن ترتيب الجزاء على الأعمال من ترتيب الأسباب على المسببات.
стр. 899
كيف يخلق الله الذنب ويعاقب عليه
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهذه شبهة أخرى من شبه القوم التي فرقتهم، بل مزقتهم كل ممزق، وهي أنهم قالوا: كيف يستقيم الحكم على قولكم بأن الله يعذب المكلفين على ذنوبهم وهو خلقها فيهم؟ فأين العدل في تعذيبهم على ما هو خالقه وفاعله فيهم؟ وهذا السؤال لم يزل مطروقاً في العالم على ألسنة الناس، وكل منهم يتكلم في جوابه بحسب علمه ومعرفته، وعنه تفرقت بهم الطرق: فطائفة أخرجت أفعالهم عن قدرة الله تعالى، وطائفة أنكرت الحكم والتعليل، وسدت باب السؤال.
وطائفة أثبتت كسباً لا يُعقل! جعلت الثواب والعقاب عليه.
وطائفة التزمت لأجله وقوع مقدور بين قادرين، ومفعول بين فاعلين! وطائفة التزمت الجبر، وأن الله يعذبهم على ما لا يقدرون عليه! وهذا السؤال هو الذي أوجب هذا التفرق والاختلاف.
والجواب الصحيح عنه أنه أن يقال: إن ما يبتلى به العبد من الذنوب الوجودية، وإن كانت خلقاً لله تعالى، فهي عقوبة له على ذنوب قبلها، فالذنب يكسب الذنب، ومن عقاب السيئة السيئة بعدها؛ فالذنوب كالأمراض التي يورث بعضها بعضاًَ.
ويبقى أن يقال: فالكلام في الذنب الأول الجالب لما بعده من الذنوب؟ يقال: هو عقوبة أيضاً على عدم فعل ما خلق له وفطر عليه؛ فإن الله سبحانه خلقه لعبادته وحده لا شريك له، وفطره على محبته وتأليهه والإنابة إليه، كما قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم:٣٠] .
فلما لم يفعل ما خلق له وفطر عليه من محبة الله وعبوديته والإنابة إليه عوقب على ذلك بأن زين له الشيطان ما يفعله من الشرك والمعاصي، فإنه صادف قلباً خالياً قابلاً للخير والشر، ولو كان فيه الخير الذي يمنع ضده لم يتمكن منه الشر، كما قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف:٢٤] ، وقال إبليس: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص:٨٢-٨٣] ، وقال الله : ﴿هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ * إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر:٤١-٤٢] .
والإخلاص: خلوص القلب من تأليه ما سوى الله تعالى وإرادته ومحبته، فخلص لله؛ فلم يتمكن منه الشيطان.
وأما إذا صادفه فارغاً من ذلك تمكن منه بحسب فراغه، فيكون جعله مذنباً مسيئاً في هذه الحال عقوبة له على عدم هذا الإخلاص، وهي محض العدل] .
في هذا السؤال الذي يردده المعتزلة أو يردده الجبرية وهو قولهم: إذا كان الله خلق فينا المعاصي فكيف يعذبنا؟ وإذا كان الله لم يهدنا بل أضلنا فكيف يعذبنا؟ وهذا السؤال قد يكثر الذين يرددونه، وإذا نصحت أحدهم، يقول: الله ما هدانا، وإذا لم يهدنا الله فأنت لا تهدينا! وكثيراً ما يقول: الله هو الذي أضلنا أو كتب علينا ذلك، فإذا عذبنا فقد ظلمنا! أو نحو ذلك من العبارات الشنيعة البشعة.
ولا شك أنا لسنا بحاجة إلى مناقشة تلك الأقوال السيئة، قد عرفنا مما ذكر الشارح أن من أقوالهم الباطلة قول من لم يجعل للعبد أي فعل ولا اختيار.
وقول من جعل العبد مستقلاً.
وقول من أثبت له كسباً، ولكن لا حقيقة لذلك الكسب.
وقول من جعل الفعل صادراً عن فاعلين، والقدرة صادرة عن قادرين، يعني: جعلوا الفعل مكوناً من قدرتين.
ونحن نقول: لا شك أن الإنسان أعطاه الله هذه القوة، وهذه الهمة، وهذه المباشرة، وهذه القدرة يزاول بها الأعمال، وتنسب إليه، ويثاب بسببها أو يعاقب، مع أنه قادر على أن يضله، وقادر على أن يعجزه، فهو الذي أمده وقواه، فلأجل ذلك تنسب الأفعال إلى الإنسان مباشرة، وتنسب إلى الله تعالى خلقاً وتكويناً وتقديراً، فيقال: هي خلق الله؛ من حيث إنه قدرها، وقوى العباد عليها، وهي أعمال العباد، من حيث إنهم باشروها، وفعلوها بأبدانهم، فنسبت إليهم، ونسبت إلى الله تعالى، ولا منافاة بين النسبتين.
ثم ذكر أن الله تعالى يعاقب العباد في الدنيا، ويعاقبهم أيضاً في الآخرة على السيئات، فيقول الشارح: إن هذه العقوبة على الذنوب، وإن الأصل أنه عاقبهم على هذه الذنوب بذنوب أخرى، فلما أذنبوا كان من عقوبتهم بأن أذنبوا ذنباً آخر ثم ذنباً ثالثاً، ثم ذنباً رابعاً وهكذا، واستمرت فيهم السيئات وتمادوا فيها، فيكون بسبب الوقوع في هذا الذنب أن الله خلى بين العبد وبين نفسه، وخلى بينه وبين هواه، وسلط عليه أعداءه من شياطين الإنس والجن، فلما تمكنوا منه صرفوه عن الهدى، وإن كان ذلك بتقدير الله، ولما صرفوه واستحوذت عليه الشياطين كانت أعماله سيئات؛ عقوبة له على سيئة اقترفها سابقاً.
وقد نقل الشارح هنا أن من عقوبة السيئة السيئة بعدها، ومن ثواب الحسنة الحسنة بعدها، فإذا عمل العبد حسنة قالت الحسنة بعدها: اعملني، وإذا أتى سيئة قالت السيئة بعدها: اعملني، فيتتابع المسيئون في السيئات، والمحسنون في الحسنات.
وإذا قالوا: إن السيئة الأولى عقوبة، فعلى أي شيء؟ ومادام أنه وقعت منه هذه السيئة فكيف سلطت عليه؟ وكيف خلقت فيه؟ وكيف فعلها ولم يسبقها سيئة؟ أجاب الشارح: بأنها عقوبة على ترك الإخلاص، وعقوبة على ترك الأعمال الصالحة التي أمر، وكلف بها، وما ذاك إلا أننا خلقنا لعبادة الله، فإذا انشغلنا عن هذه العبادة فذلك إما في لهو وبطالة، وإما في غفلة، وإما في إقبال على شهوات تفوت عليك الخير، فهذه الغفلة وهذه الشهوات وهذه الإضاعة للأوقات تعتبر ذنباً، فيستحق من فعله أن يقع منه ذنب آخر، عقوبة على ذلك الذنب الذي هو الترك.
فالله تعالى خلق العباد لأجل أن يعبدوه وحده، وأن يشكروه، وأن يعرفوا حقه عليهم، فلما خلقهم للعبادة أمرهم بالإخلاص في قوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة:٥] ، فإذا تركوا هذه العبادة في وقت من الأوقات عد ذلك ذنباً وقع منهم، وإن لم يكن سيئة، ولكنه ترك لعمل صالح، فاستحقوا بهذا الترك أن يتسلط عليهم الأهواء والأعداء فيوقعونهم في الذنوب، وتتابع عليهم السيئات، وتتابع منهم.
فهذا تعليل علل به العلماء في عقوبة السيئة.
يعني قالوا: كيف يعاقب الله على السيئة وهو الذي خلقها؟ فأجاب: بأنه ولو كان هو الذي قدرها لكن لما كان العبد هو الذي باشرها عوقب عليها.
والعقاب الذي في الدنيا معروف أنه قد يكون عقاباً حسياً، وقد يكون عقاباً معنوياً.
فالعقاب الحسي هو مثل ما ذكره الله بقوله: ما أنزل الله على المعذبين: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾ [العنكبوت:٤٠] .
وأما العقوبات المعنوية على الذنوب فهي: تسليط الأعداء عليهم، وكذلك تسليط الأهواء عليهم، وحرمانهم من الطاعة، فإذا رأيت المكب على المعاصي فاعلم أنه معاقب، وأن حرمانه من طاعة الله عقوبة، وإذا رأيت المنهمك في الشهوات الذي فوت الأوقات فاعلم أنها عقوبة له، وإذا قال: أنا ما أذنبت ولا كفرت ولا عصيت! فكيف يعاقبني بأن يوقعني في هذه المصائب وهذه الذنوب؟ فنقول له: أولاً: إنك أذنبت بغفلتك؛ حيث أضعت وقتاً ثميناً في الغفلة.
ثانياً: لتركك العمل، وكان الواجب عليك أن تشغل وقتك بأعمال صالحة وبحسنات، فلما لم تفعل كنت مذنباً، وكان عقوبة هذا الذنب أن توالت عليك الذنوب، وقد ذكر النبي ﷺ أن الذنوب تؤثر في القلوب وتعميها وتصدها عن الهدى، كما في قوله ﵊: (إذا أذنب العبد ذنباً نكت في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب ونزع صقل قلبه، فإن عاد عادت، حتى يعلوه السواد، وذلك الران: ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين:١٤] ) فإذا غلبه هذا السواد الذي هو بسبب المعاصي عند ذلك تثقل عليه الطاعات، وتخف عليه المحرمات.
هذا تلخيص ما ذكره الشارح من أن عقوبة السيئة السيئة بعدها، والله أعلم.
стр. 900
شرح العقيدة الطحاوية [٧١]
الله تعالى خالق كل شيء، ومن ذلك خلقه لأفعال العباد خيرها وشرها، ولكن الشر لا ينسب إلى الله تعالى، وقد خالف في ذلك القدرية، ورد عليهم العلماء بما يبطل شبهاتهم.
стр. 901
مجمل ذكر المذاهب الموافقة والمخالفة في باب القدر
من أركان الإيمان: الإيمان بالقدر، ويدخل في القدر الإيمان بعموم قدرة الله تعالى، وأنه على كل شيء قدير.
ويدخل في قدرة الله تعالى أنه قادر على أن يعذب من يشاء، وقادر على أن يرحم من يشاء، وقادر على أن ينتقم من الظلمة ويهلكهم في أسرع وقت، وقادر على أن يرحم عباده، وأن يبسط لهم الرزق، وقادر على أن يعمم فضله على القاصي والداني، وقادر على أن يحرم هذا ويهلكه، وقادر على أن يغير هذا الكون، وأن يبدل هذه المخلوقات؛ إذ لا يعجزه شيء، ولا يخرج عن قدرته شيء.
كذلك أيضاً لا يكون في الوجود شيء إلا بإرادته وبعد قدرته وبعد أن يشاء ذلك ويقدره، فلا يكون فسوق ولا طاعة ولا معصية ولا هداية ولا ضلال ولا كفر ولا إيمان ولا طاعة ولا عصيان إلا بعد أن يشاء الله ذلك، كما قال : ﴿لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً﴾ [الرعد:٣١] ، وقال: ﴿إِنْ يَشَأْ يُسْكِنْ الرِّيحَ﴾ [الشورى:٣٣] ، وقال: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنْ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء:٤] ولكن اقتضت حكمته أن يضل أناساً بعدله، فضلوا سواء السبيل، ومنَّ على آخرين بفضله، فاهتدوا إلى سواء الطريق، وأولئك داخلون تحت قدرته، وهؤلاء كذلك؛ لأن الجميع عبيده وتحت تصرفه، يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، ويعطي ويمنع، ويصل ويقطع، ويخفض ويرفع، لا معز لمن أذل، ولا مذل لمن أعز، ولا خافض لمن رفع، ولا رافع لمن خفض، بيده الأمر، وبيده الخير، وهو على كل شيء قدير.
ولا شك أيضاً أنه يدخل في ذلك حركات العباد وأفعالهم؛ فهو الذي أعطاهم القوة، وهو الذي بعث هممهم، ولو شاء لما عصوه ولما أطاعوه؛ إذ كل ذلك بمشيئته وقدرته، فإن أطاعوه فبفضله؛ فهو الذي منَّ عليهم حتى أطاعوه، وإن عصوه فبعدله إذ فهو الذي خذلهم حتى عصوه.
وذكر المؤلف أن في هذا خلافاً بين ثلاث طوائف: الطائفة الأولى: هم الجبرية الذين غلوا في نفي قدرة العبد، وجعلوا حركته كحركة الأشجار، ولم يجعلوا له أي اختيار، واستدلوا بقول الله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧] وقالوا: العبد ليس له أي فعل.
ورد عليهم: بأن الله تعالى أثبت الرمي لنبيه، فدل على أن منه الرمي وعلى الله الإصابة.
والطائفة الثانية: هم القدرية الذين أنكروا قدرة الله على أفعال العباد، وجعلوا العباد هم الذين يخلقون أفعالهم، وليس لله قدرة على هداية هذا، ولا إضلال هذا، ولا خذلان هذا، ولا توفيق هذا، فجعلوا العبد أقدر من الله، وجعلوا قدرته تفوق قدرة الخالق! تعالى الله عن قولهم، فجعلوا مع الخالق من يخلق، وهؤلاء يقال لهم: مجوس هذه الأمة.
الطائفة الثالثة: أهل السنة الذين توسطوا، فجعلوا للعبد قدرة وإرادة، ولكنها مسبوقة بقدرة الله وإرادته، ومغلوبة بها، فإذا أراد الله هداية عبد وفقه وأطلق جوارحه واختار الفعل الطيب، فأصبح مطيعاً مؤمناً.
فتنسب إلى العبد الطاعات والمعاصي؛ لأن له اختياراً؛ ولأن له فعلاً؛ ولأن له قدرة زاول بها الأعمال، وتنسب إلى الله لأنه هو الذي أقدره عليها، وهو الذي رزقه القوة، ورزقه التوفيق، وأقبل بقلبه.
وكذلك المعصية تنسب إلى الله؛ لأنه هو الذي قدرها ولو شاء لما حصلت، وتنسب إلى العبد لأنه هو الذي باشرها وفعلها.
فجميع الحركات من الله تعالى إيجاداً وتكويناً، ومن العبد فعلاً ومباشرة، فعلى هذا لا يكون هناك من يشترك في خلق الفعل وإيجاده، بل الله هو الذي مكن العبد حتى فعله، وأظهره، والعبد هو الذي باشره، فتنسب إليه المباشرة، فلا يكون هناك اختلاف، ولا يكون هناك إجبار ولا إنكار لقدرة الله تعالى، هذا هو القول الوسط.
стр. 902
حكم إضافة الشر إلى الله ، وذكر المخالفين في ذلك
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإن قلت: فذلك العدم من خلقه فيه؟ قيل: هذا سؤال فاسد؛ فإن العدم كاسمه لا يفتقر إلى تعلق التكوين والإحداث به، فإن عدم الفعل ليس أمراً وجودياً حتى يضاف إلى الفاعل، بل هو شر محض، والشر ليس إلى الله سبحانه، كما قال النبي ﷺ في حديث الاستفتاح: (لبيك وسعديك، والخير كله في يديك، والشر ليس إليك) وكذا في حديث الشفاعة يوم القيامة حين يقول له الله: (يا محمد! فيقول: لبيك وسعديك والخير بيديك والشر ليس إليك) وقد أخبر الله تعالى أن تسليط الشيطان إنما هو: ﴿عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل:١٠٠] .
فلما تولوه دون الله وأشركوا به معه عوقبوا على ذلك بتسليطه عليهم، وكانت هذه الولاية والإشراك عقوبة خلو القلب وفراغه من الإخلاص، فإلهام البر والتقوى ثمرة هذا الإخلاص ونتيجته، وإلهام الفجور عقوبة على خلوه من الإخلاص.
فإن قلت: إن كان هذا الترك أمراً وجودياً عاد السؤال جذعاً، وإن كان أمراً عدمياً فكيف يعاقب على العدم المحض؟ قيل: ليس هنا ترك هو كف النفس ومنعها عمّا تريده وتحبه، فهذا قد يقال: إنه أمر وجودي، وإنما هنا عدم وخلو من أسباب الخير، وهذا العدم هو محض خلوها مما هو أنفع شيء لها، والعقوبة على الأمر العدمي هي بفعل السيئات، لا بالعقوبات التي تناله بعد إقامة الحجة عليه بالرسل، فلله فيه عقوبتان: إحداهما: جعله مذنباً خاطئاً، وهذه عقوبة عدم إخلاصه وإنابته وإقباله على الله، وهذه العقوبة قد لا يحس بألمها ومضرتها؛ لموافقتها شهوته وإرادته، وهي في الحقيقة من أعظم العقوبات.
الثانية: العقوبات المؤلمة بعد فعله للسيئات، وقد قرن الله تعالى بين هاتين العقوبتين في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٤٤] فهذه العقوبة الأولى، ثم قال: ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام:٤٤] فهذه العقوبة الثانية.
فإن قيل: فهل كان يمكنهم أن يأتوا بالإخلاص والإنابة والمحبة له وحده من غير أن يخلق ذلك في قلوبهم ويجعلهم مخلصين له منيبين إليه محبين له؟ أم ذلك محض جعله في قلوبهم وإلقائه فيها؟ قيل: لا، بل هو محض منته وفضله، وهو من أعظم الخير الذي هو بيده، والخير كله في يده، ولا يقدر أحد أن يأخذ من الخير إلا ما أعطاه، ولا يتقي من الشر إلا ما وقاه.
فإن قيل: فإذا لم يخلق ذلك في قلوبهم ولم يوفقوا له ولا سبيل لهم إليه بأنفسهم عاد السؤال، وكان منعهم منه ظلماً، ولزمكم القول بأن العدل هو تصرف المالك في ملكه بما يشاء، ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣] .
قيل: لا يكون سبحانه بمنعهم من ذلك ظالماً، وإنما يكون المانع ظالماً إذا منع غيره حقاً لذلك الغير عليه، وهذا هو الذي حرمه الرب على نفسه، وأوجب على نفسه خلافه.
وأما إذا منع غيره ما ليس بحق له -بل هو محض فضله ومنَّته عليه- لم يكن ظالماً بمنعه، فمنع الحق ظلم، ومنع الفضل والإحسان عدل، وهو سبحانه العدل في منعه، كما هو المحسن المنان بعطاءه.
فإن قيل: فإذا كان العطاء والتوفيق إحساناً ورحمة فهلا كان العمل له والغلبة، كما أن رحمته تغلب غضبه؟ قيل: المقصود في هذا المقام بيان أن هذه العقوبة المترتبة على هذا المنع، والمنع المستلزم للعقوبة ليس بظلم، بل هو محض العدل] .
هذه مناقشات لاعتراض المعتزلة الذين ينكرون قدرة الله على أفعال العباد، ويوردون هذه الشبهات ليلبسوا بها على غيرهم.
والشر لا يضاف إلى الله تعالى على أنه شر، بل كل أفعال الله تعالى خير، ولو كان عقوبات، ولو كان إهلاكاً أو انتقاماً؛ فلا يقال: إنه شر، ولا يقال: إنه ضرر، بل هو خير بالنسبة إليه .
وإذا تتبعنا الأدلة وجدنا أن الله تعالى لا يضيف الشر إلى نفسه، ولكنه يذكره على صيغة المبني للمجهول، كما في قول الله تعالى حكاية عن مؤمني الجن أنهم قالوا: ﴿وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً﴾ [الجن:١٠] فالشر قالوا: ((أريد بمن)) ولم يقولوا: أراده الله؛ وذلك لأن الشر المحض لا ينسب إلى الله، وأما الخير فأفصحوا بأنه من الله فقالوا: ﴿أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً﴾ [الجن:١٠] .
فدل على أن كل ما يصدر من الله فهو خير، فالصواعق التي تنزل والأمراض التي تحدث بتقدير الله والجدب والقحط الذي يصيب الكثير من البلاد لا يقال إنه شر، بل هو خير بالنسبة إلى الله؛ وذلك لأنه قدره لعاقبة حسنة، قدره لينبه عباده على عزته وقدرته، ولينبههم على خطئهم وذنبهم، وأنه غير ظالم لهم، فلو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لم يكن ظالماً لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته أعظم من طاعاتهم، ومما يستحقونه.
إذا: ً كل ما يحدث فهو بتقدير الله، ولكن لا ينسب الشر إلى الله.
وكما ذكر في التلبية المنقولة عن النبي ﷺ أنه كان يقول: (لبيك وسعديك، والخير كله في يديك، والشر ليس إليك) فجعل الخير كله من الله وبيده، والشر ليس إلى الله، ولذا قال: (الشر ليس إليك) ، أي: لا ينسب إلى الله، ولو كان هو الذي قدره وشاءه ولكن لا نسميه شراً بالنسبة إلى إحداث الله له، بل هو خير؛ حيث إنه ما أراد إلا الخير، وما أراد بعباده إلا أن ينبههم، فإن كانوا عصاة سلط عليهم قحطاً أو مرضاً فذلك خير؛ لأنه ينبههم حتى ينتبهوا لمعصيتهم، ويعلموا أن ما أصابهم فهو عقوبة لهم؛ فينتبهوا ويتوبوا.
وإن كانوا مطيعين علموا أن ذلك ابتلاء وامتحان وتنبيه لهم؛ ليكون ذلك زيادة في حسناتهم، جميع ما يحدث ويقدره الله في الكون فهو خير إذا صدر من الله تعالى.
ومعلوم أيضاً أنه سبحانه هو الذي يكون الكائنات ويقدرها، وأنه يعاقب العباد بما يستحقون، وقد يعفو عنهم، وتكون عقوباته على نوعين: عقوبة ظاهرها أنها نعمة، وهي محنة وامتحان واختبار.
وعقوبة يظهر فيها أنها عذاب وألم، والكل قد يُسمى عقوبة، ولا يكون ذلك إلا إذا خالفوا ما كلفهم به، فإذا وجه الله إليهم الأوامر وبين لهم، ولكنهم خالفوا وارتكبوا المعاصي عاقبهم بعقوبتين، كما في قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٤٤] هذه نعمة ولكنها محنة؛ والمعنى: أنا فتحنا عليهم الأرزاق ويسرنا لهم الأسباب، وقويناهم، وأعطيناهم الأموال والأولاد، والأمن والرخاء، وكثرة النعم، وكثرة الخيرات، فازدهرت لهم الدنيا، وضحكت لهم حياتهم، وأعجبوا بما أصابوا وانخدعوا واغتروا، وظنوا أن ذلك كرامة، وظنوا أن ذلك منحة، وقالوا: هذا بسبب أعمالنا، وهذا ما نستحقه، وهذا كرامة لنا! فعند ذلك يطغون ويبغون، ويتكبرون ويتجبرون، ويكفرون بنعم الله، ويستعينون بها على ارتكاب المحرمات والمعاصي، وكل ذلك بتقدير من الله تعالى، ولو شاء الله لهداهم، ولكنه خلى بينهم وبين أنفسهم وأهوائهم، فاختاروا الضلال، فحقت عليهم هذه الكلمة، فعند ذلك تنزل عليهم العقوبة الثانية: ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام:٤٤] فأخذهم الله على حين غرة وغفلة.
стр. 903
الحكمة في عدم إيمان جميع الخلق
ولذا أجاب الشارح على الذين قالوا: لماذا خلق الله فيهم عدم الإيمان؟ بأنه ليس العدم شيئاً.
وكذلك قولهم: لماذا لم يساو بينهم فيهديهم كلهم، ويعطيهم العقول التي تهديهم إلى الخير؟ فأجاب: بأنه سبحانه له الحكمة؛ حيث إنه خلق دارين: داراً للنعيم، وداراً للجحيم، دار ثواب، ودار عقاب.
ولو سوّى بينهم في الاختيار والهداية لتعطلت إحدى الدارين، فمن حكمته أن جعل أهواءهم تختلف، فمنهم من اختار الهدى، ومنهم من اختار الضلالة، فمنهم من حقت عليه كلمة العذاب، ومنهم من اختار أسباب الثواب.
ولا يقال إنه ظلم هؤلاء حيث لم يوفقهم، بل يقال: إنه خلى بينهم وبين أنفسهم، وإنه لم ير هؤلاء أهلاً لنعمته، ولا أهلاً لرحمته، ولا أهلاً لحكمته، بل رأى أن فيهم من الطبع ومن الميل إلى الهوى ما لا يكونون معه أهلاً للفضل.
وأنت تشاهد -مثلاً- أبناء رجل واحد أو أهل بيت واحد، أي: أن تربيتهم تربية واحدة، ويتعلمون في مدرسة واحدة، ويربيهم أب واحد وأم واحدة، وكذلك يقرءون مناهج واحدة، ومع ذلك إذا كبروا فإنهم يتفاوتون، فمنهم من يميل إلى الخير ويؤثره ويحبه؛ بحيث إنه يعمل الصالحات ويتقبلها، ومنهم من هو ضد ذلك، بحيث يميل إلى الشر، ويميل إلى البطالة وإلى المعصية والضلالة.
فتقول: لماذا حصل هذا التفاوت؟ أليست تربيتهم واحدة وتعليمهم وتثقيفهم سواء؟ يقال: بلى، ولكن هؤلاء كتب الله لهم السعادة، وهؤلاء كتب عليهم الشقاوة هؤلاء خذلهم، وهؤلاء هداهم ووفقهم، والجميع لم يظلمهم، كما قال تعالى: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [الكهف:٤٩] فكونه لم يوفق هؤلاء إنما هو بسبب أنه لم يرهم أهلاً لذلك، بل علم أن طبعهم وميلهم وعقولهم منتكسة ليست أهلاً لأن تستحق الهدى، فخلى بينهم وبين أنفسهم، فانخذلوا، وخرجوا عن الطواعية والاستقامة، بخلاف أولئك.
مع أننا نؤمن بأن هناك أسباباً جعلها الله مؤثرة في هذه الدنيا، والسبب الوحيد في هداية الإنسان هو توفيق الله له، وإعطاؤه قابلية للحق، وميلاً إليه، وأن يقذف الله في قلبه محبة للدين ولأهله، هذا هو السبب الأصل، ثم هناك أيضاً أسباب أخرى.
ولا شك أن تنشئة الوالدين جعلها الله سبباً: إما سبباً للخير أو سبباً للشر، فإذا كان الوالد محباً للخير فربى أولاده على العلم، وعلى الدين، وعلى الصلاة، وعلى التقوى، وعلمهم كل شيء ينفعهم، كان ذلك سبباً في الهداية والاستقامة، وإن كان قد يتخلف في بعضهم.
وكذلك إذا أراد الله بعبده الخير ووفقه بجليس صالح، وأصدقاء صالحين يهدونه ويدلونه، ويأخذون بيده إلى سبيل النجاة، ويبينون له الخير، ويحثونه على فعله، كان ذلك أيضاً من الأسباب للهداية والاستقامة.
فبكل حال نحن لا ننكر أن يكون هناك أسباب لها تأثير، لكن ذلك كله تقدير العزيز العليم؛ حيث جعل قلب العبد يميل إلى هذا، أو يميل إلى هذا.
مع أن تلك الأسباب قد تفعل مع الشخص الآخر، ولكن لا تزيده إلا عتواً ونفوراً، فأنت -مثلاً- قد تدعو إنساناً وتبذل له الأسباب فتعطيه نصائح، وترشده، وتخوفه، وتهدي إليه كتباً ونشرات وأشرطة مفيدة، فيسمعها ويهتدي ويتقبل بعد أن كان جاهلاً، أو بعد أن كان تائهاً ضالاً، أو بعد أن كان عاصياً عاتياً.
وتأتي إلى أخيه أو زميله وتعمل معه ذلك العمل فتأتي وتنصحه وتحذره وتخوفه، ولكن لا يتقبل، بل لا يزيده ذلك إلا عتواً ونفوراً، بل يزيده ذلك احتقاراً لمن يدعوه إلى الخير، وتنقصاً لأهل الخير، وازدراءً وتصغيراً لشأن الدعاة إلى الله، ويرى نفسه أفضل منهم.
فأنت أديت ما عليك إلا أن هذا منّ الله عليه وأقبل بقلبه، وهذا خذله وخلى بينه وبين نفسه وسلط عليه أعداءه، فاحتوشوه وتمكنوا من قيادته حيث يشاءون، فلم تنفع فيه الحيل، ولو شاء ربك لهدى الناس جميعاً.
قال المؤلف ﵀: [وهذا سؤال عن الحكمة التي أوجبت تقديم العدل على الفضل في بعض المحالّ؟ وهلا سوى بين العباد في الفضل؟ وهذا السؤال حاصله: لم َتفضّلَ على هذا ولم يتفضلْ على الآخر؟ وقد تولى الله سبحانه الجواب عنه بقوله: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد:٢١] ، وقوله: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد:٢٩] .
ولما سأله اليهود والنصارى عن تخصيص هذه الأمة بأجرين وإعطائهم هم أجراً أجراً، قال: هل ظلمتكم من حقكم شيئاً؟ قالوا: لا، قال: فذلك فضلي أوتيه من أشاء.
وليس في الحكمة إطلاع كل فرد من أفراد الناس على كمال حكمته في عطائه ومنعه، بل إذا كشف الله عن بصيرة العبد حتى أبصر طرفاً يسيراً من حكمته في خلقه وأمره وثوابه وعقابه وتخصيصه وحرمانه، وتأمل أحوال محالّ ذلك، استدل بما علمه على ما لم يعلمه.
ولما استشكل أعداؤه المشركون هذا التخصيص قالوا: ﴿أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾ [الأنعام:٥٣] قال تعالى مجيباً لهم: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام:٥٣] ، فتأمل هذا الجواب! ترَ في ضمنه أنه سبحانه أعلم بالمحل الذي يصلح لغرس شجرة النعمة، فتثمر بالشكر، من المحل الذي لا يصلح لغرسها، فلو غرست فيه لم تثمر، فكان غرسها هناك ضائعاً لا يليق بالحكمة، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام:١٢٤]] .
فهذا المعنى قد ذكرنا ما يدل عليه، وقد عرفنا أن الرب هو الحكيم، الذي يضع الأشياء في مواضعها اللائقة بها، وأنه من حكمته قسم خلقه إلى سعيد وشقي، وعلم من هو أهل للتقوى فوفقه، ومن هو أهل للشقاء فخذله: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [الكهف:٤٩] .
فله الحكمة في أمره ونهيه، وله الحكمة في خلقه وتدبيره، وكذلك له الحكمة في هدايته وإضلاله، وفي توفيقه وخذلانه، يهدي من يشاء فضلاً، ويضل من يشاء عدلاً.
وفضله سبحانه على عباده كلهم، ففضله على الناس كلهم حيث خلقهم في أحسن تقويم، وحيث رزقهم وحيث أنعم عليهم، وأعطاهم ما يعيشون به: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود:٦] فهذا هو الفضل العام الذي عممه على جميع الخلق.
стр. 904
الفضل الخاص حقيقته ومعناه
وأما الفضل الخاص فهو الهداية والتوفيق والمنة على العبد، يختص برحمته من يشاء ولا يعاتب على تخصيصه، فلا يقال: لماذا خصّ هذا بالهداية دون هذا؟ كما لا يقال: لماذا أغنى هؤلاء وأفقر هؤلاء؟ ولا يقال: لماذا أصح هذا وأمرض هذا؟! ولا يجوز الاعتراض على تصرف الله تعالى، فلا يقال: فلان لا يستحق أن يبتلى! ولا يستحق أن يمرض! ولا يستحق أن يستقيم! بل الأمر بيد الخالق سبحانه، فله الحكمة أن هدى هؤلاء وأضل الآخرين، وأنعم على هؤلاء وخذل غيرهم، وأصح هذا وأمرض هذا، وأعطى هذا ومنع هذا.
الآيات التي ذكر الشارح ظاهرة الدلالة في أن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء من خلقه.
الفضل: هو العطاء والنعمة، وهو بيد الله سبحانه يؤتيه من يشاء ويمنعه من يشاء.
وليس الفضل خاصاً بالمال، ولا بالشهوات، ولا بالنعم، ولا بالخيرات، ولا بالمال والبنين، بل الفضل في الأصل هو الهداية والإلهام والتوفيق للعبادة، وللإيمان الصادق، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد:٢١] فلا يعترض على الله في أن خص بالفضل قوماً دون قوم.
ولما قال المكذبون لرسلهم: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ * قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [إبراهيم:١٠-١١] لا شك أن هدايته لهم منة عليهم، والله عزوجل له المن وله الفضل، كما دعا بذلك النبي ﷺ بعد الصلاة: (لا إله إلا الله له النعمة وله الفضل وله المن وله الثناء الحسن) .
فالفضل يعني: العطاء والهداية والتوفيق، والمن يعني: امتنان الله على خلقه، يمتن عليهم بما يشاء، بمعنى: أن له المنة عليهم بالإعطاء والتفضل.
فإذاً الله سبحانه يعطي هؤلاء دون هؤلاء ولا يقال: إنه ظلم هذا دون هذا! فمثلاً: قد يعظم أجر هذا ويضاعف له الحسنات أكثر من غيره، لماذا؟ الله أعلم، لا شك أنه رآه أهلاً.
نتذكر قول الله تعالى لنساء النبي ﷺ : ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا * وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ [الأحزاب:٣٠-٣١] فتخصيصهن أن لهن الأجر مرتين زيادة على غيرهن، ذلك فضل الله، لكن بالمقابل إذا أتت إحداهن بذنب فإنها تعاقب ويضاعف عليها العذاب ضعفين؛ وذلك لأنها ذات منزلة وذات فضيلة، فلا يليق بها أن تفعل الذنب الذي تلام عليه.
فإذاً تخصيص بعض عباده في مضاعفة الثواب فضل منه ومنة، مع أنا نعرف أن جميع الخلق كلهم سواسية بالنسبة إلى الله سبحانه، ليس بينه وبين خلقه حسب ولا نسب، ولا يعطي هؤلاء لكونهم ذوي شرف وذوي فضيلة، ولا يمنع هؤلاء لكونهم ذوي منزلة ساقطة أو نسب دنيء أو نحو ذلك.
فرب شخص يكون من أشراف الناس، ومن مشاهيرهم، ومن أفاضلهم، ومن ذوي النسب الرفيع، ومع ذلك يكون بعيداً عن الخير، بعيداً عن الهداية.
وآخر يكون من ذوي النسب الساقط الذي لا يؤبه له، ولكن يكون ذا فضل ومنزلة ورفعة وشرف؛ وذلك بالتقوى، ولذلك يقول بعضهم: ألا إنما التقوى هي العز والكرم وحبك للدنيا هو الذل والسقم وليس على عبد تقي نقيصة إذا حقق التقوى وإن حاك أو حجم ويقول آخر أيضاً: لقد رفع الإسلام سلمان فارس وقد وضع الشرك الشقي أبا لهب فـ أبو لهب من أشراف قريش وضعه الشرك، وسلمان من فارس ليس من العرب، ومع ذلك رفعه الإسلام.
وهذا لا شك أنه محض عطاء من الله وفضل، وقد ذكرنا أن لذلك أسباباً، وأن من أسباب الهداية: كون العبد يرغب إلى ربه، ويسأله، ويرفع إليه أكف الضراعة، ويتملقه، ويدعوه بأوقات الإجابة، يسأله هداية قلبه وهداية روحه وهداية فطرته، يسأله الإقبال بقلبه إلى ربه، فالدعاء من أفضل الأسباب، إذا رأيت في قلبك شيئاً من القسوة، ورأيت في قلبك إعراضاً عن الخير وكراهية، سألت ربك أن يلينه حتى يتقبل الموعظة وأن يقبل على فعل الخير.
وإذا رأيت من نفسك تثاقلاً عن الطاعة، سألت ربك ورغبت إليه أن يهديك وأن يعينك على الطاعة، فذلك سبب، والله تعالى جعل لأحكامه وجعل لقضاياه وما قدره أسباباً مشاهدة فهذا منها.
ومن الأسباب: كثرة العبادات، وكثرة الطاعات، فالعبد إذا أكثر من الحسنات وأكثر من القربات كانت سبباً في محبته للخيرات، وفي بغضه للسيئات: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤] إن الحسنة تجر إلى أختها، والسيئة تجر إلى مثلها، فهذه بلا شك أسباب.
كما أن للشقاوة أسباباً وللضلالة أسباباً، بعد خذلان الله وبعد تخليته بينه وبين نفسه، فلا شك أن كثرة المعاصي تقسي القلوب، ولا شك أن الإعراض عن العبادات والإعراض عن الأذكار تقسيها وتصدها عن الخير، وتثقل عليها الطاعات.
فلا شك أن للهداية أسباباً وللضلالة أسباباً، والجميع كله داخل تحت إرادة الله تعالى، وتحت مشيئته وتقديره، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.
стр. 905
شرح العقيدة الطحاوية [٧٢]
فعل العبد هو خلق الله وكسب العبد، ولكن القدرية غلوا في النفي، والجبرية بالغوا في الإثبات حتى جعلوا فعل العبد من قبيل الإجبار، وكلتا الطائفتين في طرفي نقيض، وقد هدى الله أهل السنة إلى الحق.
стр. 906
مقدمة في فعل العبد وقدرته وأنها من الله
نحمد الله على ما أولى من النعم، ودفع من النقم، نحمد الله على أن من علينا بفضله ومنّ علينا بعطائه ومد في آجالنا، وبلغنا آمالنا، ونحمده على أن هدانا للإسلام، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، ونحمده سبحانه أن من علينا بالفطرة الحسنة، وبالشريعة الإسلامية، وبالعقيدة السنية، وبالطريقة المحمدية، وبالهداية إلى الصراط المستقيم، الذي من سلكه فاز ونجا، ومن حاد عنه تردى وهلك، نحمد الله أن جعلنا من أهل السنة، وأن حمانا وحفظنا من البدع والمنكرات والمحدثات التي تخالف السنة وتنافي الشريعة الدينية.
لا شك أنها نعمة عظيمة، لا شك أنها من أكبر النعم، حيث وفقنا الله تعالى أن كنا من أهل السنة، أن عرفنا طريق النجاة، سبل السلام، الطريق السوي، الصراط المستقيم، وحرم ذلك خلقاً كثيراً، هناك الكثير من الدول ومن القبائل ومن الأمم لا يعرفون الإسلام، ولا يدينون به، بل يرونه عائقاً قاطعاً لهم عن السير في هذه الحياة التي هي غاية مطلبهم، والتي هي نهاية مقصدهم.
وهناك فئام من الناس يدينون بعقائد ضالة يدعون أنها أهدى سبيلاً، وأقوم طريقاً، وأنهم على سبيل النجاة، وأنهم تفوقوا على المسلمين، ودانوا بطريقة وبسنة وشريعة أهدى من الشريعة الدينية.
وهناك فئام ودول وقبائل وخلق كثير ينتسبون إلى الإسلام، ولكن ما معهم من الإسلام إلا مجرد الاسم؛ لأن عقائدهم تخالف العقيدة الإسلامية، وكذلك أعمالهم تخالف ما يدعو إليه الإسلام، فهم على شفا جرف هار، فهؤلاء حريٌ أن يموتوا وهم على تلك البدع وتلك المعاصي والمنكرات، فيكونون من أهل العذاب والعياذ بالله.
وهناك فئام وأمم كثيرة يتسمون بأنهم مسلمون، ولكن معهم محدثات ومنكرات وبدع يصور لهم الشيطان ويملي لهم، ويزين لهم أنهم على الحق والهدى، وأنهم أهدى سبيلاً من أهل السنة والجماعة، ويفتخرون بتلك الأسماء التي ينتحلونها وينتمون إلى قادتهم وأئمتهم، وهم يعتقدون أنهم على حق، ولكنهم على باطل، ولم يقبلوا هدى الله، ولم يقبلوا الدليل، ولم ينيبوا إلى الشريعة، بل زين لهم أن تلك النحل وتلك البدع هي التي من تمسك بها فهو على السنة، فجعل السنة بدعة والبدعة سنة، والحق باطلاً والباطل حقاً.
وهذا بلا شك من انتكاس البصائر، ومن عمى القلوب والعياذ بالله.
وهناك الكثير ممن يدينون بالسنة وينتسبون إلى أهل السنة والجماعة، ولكن زين لهم الشيطان بعض الذنوب، فوقعوا في المعاصي، ووقعوا في المخالفات وإن لم تكن مكفرات ولا بدعيات، ولكنها في الحقيقة ذنوب عظيمة، أصروا واستمروا عليها، واستحلوها وأتوا بها جهاراً وإسراراً، فقضوا أعمارهم وهم على تلك المعاصي وعلى ارتكاب تلك الكبائر، ولا شك أنهم إذا لم يتوبوا ولم يتب الله عليهم، استحقوا من العذاب بقدر ذنوبهم وسيئاتهم، وأنهم على خطر عظيم.
وهناك أيضاً آخرون لم يخالفونا في المعتقد، ولم يرتكبوا كبائر الذنوب، ولكنهم استمروا على الصغائر، فاحتقروها وتهاونوا بها، واستمروا عليها طوال حياتهم، والاستمرار على الصغيرة والإصرار عليها يصيرها كبيرة.
لا شك أن هذه الأقسام كلها موجودة، ولكن أشدها الذين ليسوا على دين ولا شريعة، بل لا يعترفون بالله رباً، ولا بالشريعة الإسلامية أو غيرها ديناً.
فإذاً ما دام أن الله قد نجانا من هذه الأخطار كلها، وهدانا إلى الحق، فليكن ذلك حافزاً على أن نتعلم الطريقة السنية، نتعلم السنة النبوية، حتى إذا عرفناها تمسكنا بها حق التمسك، وحتى نرد على كل من يخالفنا سواء كانت المخالفة في الأصول أو الفروع، وهذا هو -والحمد لله- ما نقوم به، وما نتلقاه في الخطب وفي الإذاعات وفي القراءات وفي الحلقات العلمية، وفي المحاضرات وفي الدروس اليومية والأسبوعية، كل ذلك إن شاء الله من الأسباب التي يفتح الله بها على عباده وينجيهم.
وكذلك ما يمر علينا في هذا الكتاب الذي نقرؤه على عقيدة أهل السنة الذين ألفوها واجتهدوا في تأليفها، ونصحوا بها الأمة حتى يبينوا لهم ما هم عليه وما يفعلونه وما يحذرونه.
وقد وصلنا إلى مباحث القضاء والقدر، ومباحث الأمر والنهي، والتكاليف، وقدرة العباد على أفعالهم، أو ما أشبه ذلك.
وهي لا شك من المسائل الصعبة، من المسائل العسيرة التي تحتاج إلى تعقل، والتي خالف فيها الخلق الكثير، والتي ولدوا فيها شبهاً، وولدوا فيها تشكيكات تبرر لهم بزعمهم ما هم عليه من القول بالجبر، أو من القول بإنكار القدرة الإلهية، ولكن قيض الله لهم أهل السنة فبينوا لهم ما هم فيه من الحيرة، وأجابوا عما ولدوه من الشبه، وبينوا الجواب الصحيح لمن انحرف عن السنة والجماعة.
وإذا تأمل القارئ هذه الشبهات التي يولدونها، وعرف جوابها الصحيح من أهل السنة قنع بأن الله هو الذي أمر العباد ونهاهم، وقنع بأنه ما أمرهم إلا وهم قادرون على تنفيذ ما أمر به.
وقنع بأنهم لا يقدرون إلا على ما أقدرهم الله عليه، وأنه تعالى أعطاهم ومكنهم وقواهم وجعل لهم استطاعة يزاولون بها الأعمال من طاعات ومعاص، كما يتسببون بها في تحصيل أسباب الرزق، وكل ذلك لا يخرج عن قدرة الخالق.
فله القدرة وله الاستطاعة الغالبة لكل قدرة، ولكنه سبحانه لما أعطاهم هذه القدرة نسبت إليهم، وأصبحوا هم المزاولين للأعمال، فهم الذين يصلون ويصومون ويزكون ويتصدقون، وهم الذين يؤمنون ويسلمون ويحسنون ويقبلون ويتعبدون، ويثابون عليها، كما أنهم الذين يسرقون ويزنون ويسكرون ويرابون ويرشون ويعصون ويفعلون المحرمات ويعاقبون عليها.
وإن كان الله تعالى هو الذي قدر ذلك كله في هذا الكون، وهو الذي مكن لهؤلاء وأعطاهم هذه القدرة التي زاولوا بها الطاعات، أو زاولوا بها المعاصي: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام:١٤٩] .
стр. 907
حقيقة فعل العبد لفعله مع كونه مخلوقاً لله سبحانه
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإن قيل: إذا حكمتم باستحالة الإيجاد من العبد، فإذاً لا فعل للعبد أصلاً، قيل: العبد فاعل لفعله حقيقة، وله قدرة حقيقة، قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [البقرة:١٩٧] وقال تعالى: ﴿فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [هود:٣٦] وأمثال ذلك.
وإذا ثبت كون العبد فاعلاً، فأفعاله نوعان: نوع يكون منه من غير اقتران قدرته وإرادته، فيكون صفة له ولا يكون فعلاً، كحركات المرتعش.
ونوع يكون منه مقارناً لإيجاد قدرته واختياره، فيوصف بكونه صفة وفعلاً وكسباً للعبد، كالحركات الاختيارية.
والله تعالى هو الذي جعل العبد فاعلاً مختاراً، وهو الذي يقدر على ذلك وحده لا شريك له، ولهذا أنكر السلف الجبر، فإن الجبر لا يكون إلا من عاجز، فلا يكون إلا مع الإكراه، يقال: للأب ولاية إجبار البكر الصغيرة على النكاح، وليس له إجبار الثيب البالغ، أي: ليس له أن يزوجها مكرهة.
والله تعالى لا يوصف بالإجبار بهذا الاعتبار؛ لأنه سبحانه خالق الإرادة والمراد، قادر أن يجعله مختاراً، بخلاف غيره.
ولهذا جاء في ألفاظ الشارع: (الجبل) دون (الجبر) كما قال ﷺ لـ أشج عبد القيس: (إن فيك خلتين يحبهما الله: الحلم، والأناة.
قال: أخلقين تخلقت بهما أم خلقين جبلت عليهما؟ قال: بل خلقين جبلت عليهما، فقال: الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله ورسوله) .
والله تعالى إنما يعذب عبده على فعله الاختياري، والفرق بين العقاب على الفعل الاختياري وغير الاختياري مستقر في الفطر والعقول.
وإذا قيل: خلق الفعل مع العقوبة عليه ظلم، كان بمنزلة أن يقال: خلق أكل السم، ثم حصول الموت به ظلم، فكما أن هذا سبب للموت، فهذا سبب للعقوبة، ولا ظلم فيهما.
فالحاصل أن فعل العبد فعل له حقيقة، ولكنه مخلوق لله تعالى، ومفعول لله تعالى، ليس هو نفس فعل الله، ففرق بين الفعل والمفعول، والخلق والمخلوق.
وإلى هذا المعنى أشار الشيخ رحمه الله تعالى بقوله: (وأفعال العباد خلق الله، وكسب من العباد) ، أثبت للعباد فعلاً وكسباً، وأضاف الخلق إلى الله تعالى، والكسب: هو الفعل الذي يعود على فاعله منه نفع أو ضرر، كما قال تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة:٢٨٦]] .
стр. 908
نسبة الأفعال بأنواعها للعبد وقدرته عليها
وهذا الكلام قد تكرر وقد اتضح معناه والحمد لله، وهو معرفة أن الله أثبت للعباد أفعالاً، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:٢٩] وأثبت أيضاً جزاءهم على تلك الأفعال، فيقول مثلاً: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧] ، نسب الفعل إليهم، فهم الذين يفعلون، وهم الذين يعملون، وهم المؤمنون والمسلمون والمحسنون، كما أنهم إذا خالفوا وصفوا بأنهم الفاسقون، والكافرون، والخاسرون، والظالمون، فتنسب المعاصي إليهم، وتنسب الطاعات إليهم، لماذا؟ لأنهم هم الذين زاولوها؛ لأنهم الذين باشروا فعلها ظاهراً.
فأنت تشاهد المصلي فتقول: هذا يصلي، هذا يركع ويسجد، ولا تقول: هذا مجبور على الصلاة، ولا تقول: هذا مجبور على النفقة، بل تقول: هذا ينفق أو يتصدق باختياره، فالصدقة منه تنسب إليه ويطيع ويمتثل أمر الله له في الآيات كما في قوله: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق:٧] وفي قوله: ﴿أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة:٢٥٤] .
كما ينسب إليه فعل العبادات في قوله: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾ [البقرة:٢١] أليس ذلك دليلاً على أنهم قادرون؟! أيأمر الله العجزة؟! لا يمكن أن يأمر من لا يقدر؛ فإنه لا يكلف نفساً إلا وسعها.
والناس بعقولهم يعرفون الفرق بين العاجز والقادر، فلا يقال مثلاً للمقعد احمل هذا الكيس إلى البيت الفلاني؛ لأنه مقعد لا يستطيع أن يقوم فضلاً عن أن يحمل، ولا يقال مثلاً للأعمى: اكتب هذه الرسالة؛ لأنه معذور لا يستطيع، وليس في إمكانه أن يكتبها كغيره، كما لا يقال مثلاً لكل عاجز: افعل هذا الفعل وهو ليس من أهله.
إذاً فالله تعالى عندما قال: ﴿وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ [التوبة:١٠٥] لا شك أنه أمرمهم لكونهم قادرين على أن يعملوا، ولأجل ذلك يثابون على أعمالهم وعلى تنافسهم وعلى مسابقاتهم، وتنسب إليهم خلافاً للمجبرة؛ لأنهم باشروها، ويوصفون بها، الله تعالى يقول مثلاً: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون:١-٢] ، ويقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ [المؤمنون:٥٧] ، ويقول مثلاً: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى:٣٧] .
أليس ذلك نسبة للأفعال إليهم؟ هذه صفات أمر الله بها، ومدح أهلها، وجعلها مقدورة للمخاطبين.
وعلى هذا فالعباد أعطاهم الله تعالى هذه القوة وهذه القدرة.
стр. 909
دخول قدرة العبد تحت مشيئة الله وقدرته
نحن نعتقد أنه لو شاء الله لما فعلوا، لولا مشيئة الله وإعطاؤهم هذه القوة وهذا التمكن لما حصلت منهم هذه القوة، ولذلك يقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ [الرعد:٣٣] ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ﴾ [الزمر:٣٧] .
فأخبر بأنه هو الذي هداهم ووفقهم وأعانهم، وهو الذي أمرهم ونهاهم، وهو الذي خلقهم وقواهم، وهو الذي مكن لهم وأعطاهم، وهو الذي سخر لهم وهداهم، كما أنه الذي يعاقب ويثيب، ويعطي ويمنع، ويهدي ويضل، ولكن لا يأمرهم إلا بما في إمكانهم فعله.
ولذلك يقول الله: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] ، ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق:٧] ، ويقول: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨] يعني: أنه ما أمرهم إلا بما يستطيعونه وبما يقدرون عليه، ولو كان الأمر كما يقوله المجبرة، لكان أمرهم بما لا يقدرون عليه، وذلك بلا شك من تكليف ما لا يطاق.
стр. 910
عقيدة الجبرية في أفعال العبد بأنواعها والرد عليهم
فالمجبرة يقولون: العبد مجبور على فعله، ليس له أية فعل، ولا ينسب إليه بل حركته كحركة المرتعش.
بعض الناس مثلاً عند الكبر يكون غير قادر على إمساك يده، فترى يده تضطرب وتتحرك بدون اختياره، إلا أن يرفعها ويخفضها، لكن إذا وقف ومدها رأيتها ترتعد، هذا هو الارتعاش.
فالمجبرة يزعمون أن العباد كلهم ليس لهم أدنى قدرة ولا أدنى حركة، وإنما حركاتهم وركوعهم وسجودهم وكسبهم وعطاؤهم ومنعهم، وصلاتهم وصومهم، وحجهم وعمرتهم، وطوافهم وسعيهم، وجهادهم ونفقاتهم، كلها ليست اختيارية بل قهرية! وكذلك المعاصي يعتبرونها قهرية، فهم يعذرون من زنى، ومن سرق، ومن قتل، ومن شرب الخمر، ومن نهب، ومن سلب؛ لأنهم في زعمهم ليس لهم فعل، بل هم مجبورون على هذا الفعل! لا شك أن قولهم هذا تبطل به الأحكام، وتعطل الشرائع، ولا حاجة إلى إرسال الرسل، مادام المطيع مجبوراً على الطاعة، والعاصي مجبوراً على المعصية، إذاً فلماذا أمر الله ونهى؟! لا شك أن هذا تجرؤ على الله جل وعلا، ثم هو أيضاً مخالفة للعقول والبداهة، الإنسان بفطرته يعرف أن عنده قدرة على المزاولة، إذا رأيت مثلاً إنساناً نشيطاً، ومع ذلك رأيته جالساً ليس له عمل، وليس له حرفة، مع أنه مفكر وعارف وقادر وقوي البنية وقوي التركيز وقوي الأعضاء ومع ذلك لا يعمل، ألست تلومه على هذه البطالة؟ وتقول له: إن الله يبغض الفارغ البطال، لماذا هذه البطالة؟ لماذا هذا الكسل؟ أتريد أن يأتيك رزقك ويدخل عليك بيتك؟ أتريد أن ينزل عليك الطعام والشراب من السماء؟ فأنت تلومه؛ لأنه مستحق لأن يلام؛ وذلك لأن الله سبحانه كما أمر بالطاعات، أمر بالكسب وأباحه في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك:١٥] وفي قوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ﴾ [الجاثية:١٣] .
فمادام كذلك فإنه سبحانه أمرنا بأن نبتغي الرزق، وأن نتطلبه، وكل عاقل يتطلب ذلك بفطرته، فإذا تمكن وقويت بنيته، وكملت أعضاؤه وكمل نموه، ما بقي عليه إلا أن يتكسب كما يتكسب آباؤه وأعمامه وأجداده، ويطلب ما يطلبون، ويعف نفسه ويغني نفسه.
فإذا كان ذلك جبلة وطبيعة، فكذلك في القوة الإيمانية والأوامر الشرعية يقال: إن الله أمرك بأن تطلب النجاة، وأن تعمل الأعمال التي تكون سبباً في سعادتك عاجلاً وآجلاً.
نقول بعد ذلك: لا شك أن الإنسان قد جبل على بعض الصفات، ويسمى ذلك جبلة ولا يسمى إجباراً، كما سمعنا من الشارح أنه فرق الجبر والجبل، فقال: لا يقال: هذا مجبور على فعله، بل يقال: مجبول على هذه الأخلاق، الجبلة: هي الطبيعة والخلقة، يقال: طبيعة فلان وجبلته الصدق، طبيعته الحلم، طبيعته اللين، أو طبيعته الكرم، السخاء، الاهتداء، النصيحة، وكذلك يقال: هذا جبل على البخل، وعلى الشح، وجبل على الجبن وعلى الخوف، وجبل على الكذب وعلى الخيانة وعلى الغش، وما أشبهها، يعني: أنها صفات جبلية مغروسة في نفسه، وأن نفسه الشريرة تميل إليها، أو نفسه الخيرة تميل إلى الصفات الخيرية.
أما الجبر الذي تقول به الجبرية فإنه الإكراه والإلزام على الفعل بدون اختيار، وبدون قدرة، فيقال مثلاً: الأمير أجبر فلاناً على القتل، أو فلاناً على السكر، يعني: أكرهه وألزمه به، وفلانة أجبرت على الزنا، يعني: أجبرها هذا وفعل بها، وهكذا، ففرق بين هذا وبين هذا.
فالصفات الجبلية أخلاق وليس فيها إكراه، بل يفعلها باختياره سواء كانت طاعات أو معاصي، وأما الجبر فالله منزه عن أن يجبر أحداً أو يكره أحداً، بل قال: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة:٢٥٦] وإنما هي بالاختيارات وبالجبلات وما أشبهها.
стр. 911
التكليف بحسب الطاقة والاستطاعة
قال المؤلف: [وقوله: (ولم يكلفهم الله تعالى إلا ما يطيقون، ولا يطيقون إلا ما كلفهم.
وهو تفسير: لا حول ولا قوة إلا بالله، نقول: لا حيلة لأحد، ولا تحول لأحد، ولا حركة لأحد عن معصية الله، إلا بمعونة الله، ولا قوة لأحد على إقامة طاعة الله والثبات عليها إلا بتوفيق الله تعالى، وكل شيء يجري بمشيئة الله وعلمه وقضائه وقدره.
غلبت مشيئته المشيئات كلها، وغلب قضاؤه الحيل كلها، يفعل ما يشاء وهو غير ظالم أبداً: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣] ) .
فقوله: (لم يكلفهم الله تعالى إلا ما يطيقون) قال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] ، وقال تعالى: ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [الأنعام:١٥٢] .
وعن أبي الحسن الأشعري: أن تكليف ما لا يطاق جائز عقلاً، ثم تردد أصحابه أنه: هل ورد به الشرع أم لا؟! واحتج من قال بوروده بأمر أبي لهب بالإيمان، فإنه تعالى أخبر بأنه لا يؤمن، وأنه سيصلى ناراً ذات لهب، فكان مأموراً بأن يؤمن بأنه لا يؤمن، وهذا تكليف بالجمع بين الضدين وهو محال.
والجواب عن هذا بالمنع، ولا نسلم أنه مأمور بأن يؤمن بأنه لا يؤمن، والاستطاعة التي بها يقدر على الإيمان كانت حاصلة، فهو غير عاجز عن تحصيل الإيمان، فما كلف إلا ما يطيقه كما تقدم في تفسير الاستطاعة.
ولا يلزم قوله تعالى للملائكة: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاء﴾ [البقرة:٣١] مع عدم علمه بذلك، ولا للمصورين يوم القيامة: (أحيوا ما خلقتم) وأمثال ذلك؛ لأنه ليس بتكليف طلب فعل يثاب فاعله، ويعاقب تاركه، بل هو خطاب تعجيز، وكذا لا يلزم دعاء المؤمنين في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة:٢٨٦] ؛ لأن تحميل ما لا يطاق ليس تكليفاً، بل يجوز أن يحمله جبلاً لا يطيقه فيموت، وقال ابن الأنباري أي: لا تحملنا ما يثقل أداؤه، وإن كنا مطيقين له على تجشم وتحمل مكروه، قال: فخاطب العرب على حسب ما تعقل، فإن الرجل منهم يقول للرجل يبغضه: ما أطيق النظر إليك! وهو مطيق لذلك، لكنه يثقل عليه، ولا يجوز في الحكمة أن يكلفه بحمل جبل بحيث لو فعل يثاب، ولو امتنع يعاقب، كما أخبر سبحانه عن نفسه أنه لا يكلف نفساً إلا وسعها] .
стр. 912
التكليف والأمر الشرعي عند أهل السنة
يدين أهل السنة بأن الله أمر القادرين ولم يأمر العاجزين، أمرهم بما هو في وسعهم ولم يأمرهم بما ليس في وسعهم، وإذا قيل: لماذا سميت العبادات تكاليف؟ نقول: سميت بذلك لكون الذي يفعلها يوصف بأنه مكلف، أي: مأمور ومنهي، ومع ذلك فليس في فعلها كلفة ولا مشقة، صحيح أن الكلفة هي الشيء الثقيل، كما في قول بعضهم: يكلفه القوم ما نابهم وإن كان أصغرهم مولدا يعني: يأمرونه بما يدفع عنهم المصائب فيقوم بذلك ولو كان أصغرهم، فدل على أنه يفعل شيئاً في إمكانه وشيئاً في قدرته، فنحن نعتقد أن الله تعالى ما أمر إلا بما هو في الإمكان، ولم يكلف الإنسان إلا بما يستطيعه، فمثلاً: الصيام قد يقال فيه كلفة، سيما في الأيام الطويلة وشدة الحر، ولكن هو في الإمكان وهو في الاستطاعة، غالباً أنهم يقدرون على الإمساك إلى أن يذهب النهار ويدخل الليل، والقدرة على ذلك معتبرة، فإذا كان هناك مشقة فإنهم يضجرون؛ فلأجل ذلك قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [البقرة:١٨٤] يعني: فأفطر ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤] وإذا قلت: إن هناك بلاداً يطول فيها النهار، بحيث يكون مثلاً ثمانية عشرة ساعة أو عشرين ساعة أو نحوها، فإمساكها فيه كلفة وفيه صعوبة، أجاب العلماء: بأنه يمكنهم إذا عجزوا أن يفطروا ويقضوه من أيام أخر إذا قصر النهار؛ لأنه أحياناً يقصر عندهم النهار حتى يكون أربع ساعات أو ست ساعات أو ثمان ساعات أو عشراً أو نحو ذلك.
فإذاً ليس في الأمر مشقة.
وإذا قلت مثلاً: إن الوضوء فيه صعوبة، فلماذا كلف به؟ نقول: ليس فيه صعوبة، وإن كان الإنسان قد يجد برودة في الماء مثلاً؛ فلأجل ذلك إذا كان مريضاً لا يستطيع أن يتطهر فإنه يعدل إلى التيمم، وإذا كان مسافراً لا يستطيع حمل الماء معه فإنه يعدل إلى التيمم؛ لرفع الحرج.
إذاً فليس في الشريعة شيء من الكلفة الشاقة على العباد، بل المشقة تجلب التيسير، فالله سبحانه ما كلف العباد إلا بما يطيقون، ولا يطيقون إلا ما كلفهم به، لا يطيقون الشيء الزائد على ذلك، صحيح أنهم قد يطيقون أكثر، يعني: قد يقول القائلون: الله ما أمر إلا بصوم شهر واحد ونحن نطيق صوم شهرين، أو صوم ستة أشهر، أو نحو ذلك، ف
الجواب
أن القدرة العامة التي يشترك فيها الناس عموماً: هي صوم هذا الشهر، فأما القدرة الخاصة فالإنسان يفعل الشيء بقدر قدرته، ومعلوم أنه لو فرض شهرين أو ثلاثة أشهر لشق على كثير من الناس، وإن كان آخرون لا يشق عليهم.
كذلك مثلاً لو فرض عليهم أن يحملوا الماء في الأسفار الطويلة لشق على كثير، وإن كان آخرون لا يشق عليهم.
ويقال هكذا في سائر العبادة، فالعبادة إنما كلف الإنسان منها بما يستطيعه، ولأجل ذلك فالمصلي مأمور بأن يصلي قائماً، ولكن قد يكون مريضاً فيصلي جالساً؛ لأن المشقة تجلب التيسير، وكذلك قد يشق عليه أن يصلي جالساً فينتقل إلى صلاته على جنب، كما ورد ذلك في الأحاديث.
فليس في الشريعة كلفة ولا مشقة، بل لم يأمر الله إلا بما هو مقدور للعباد.
والأدلة واضحة كما سمعنا فإن قول الله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] ، ﴿لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٣٣] ، ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [الأنعام:١٥٢] (وسعها) بمعنى: أنها لا تكلف إلا بقدر طاقتها وقدرتها وتمكنها، فلا تكلف فوق ذلك مما يشق عليها.
لو فرض الله على العباد أن يخرجوا زكاة أموالهم النصف في كل عام، لكان في ذلك شيء من الكلفة، قد يقول قائلهم: أنا جهدت في جمع هذا المال وتعبت فيه، وما حصلته إلا بعرق الجبين، فكيف أعطي هذا الذي ما تعب فيه النصف مثلاً أو الثلث؟! لكن لما علم الله أن هناك من الضعفاء والعجزة والفقراء ونحوهم جعل لهم حقاً في أموال الأغنياء، وجعل ذلك الحق يسيراً لا يكلفهم، يعني: ليس فيه كلفة، وهو ربع العشر، هذا دليل على أن الشريعة إنما أمرت بما يستطاع، لم يأت أمر فيه مشقة على النفوس.
معلوم أن هناك نفوساً ضعيفة قد تتثاقل عن الأشياء الخفيفة، وقد لا تصبر عن الشهوات المحرمة، وهذه ليست عبرة، فإذا قلت مثلاً: إن هناك أناساً يستثقلون الصلاة، يستثقلون الإمام إذا قرأ عليهم مثلاً في الركعة الواحدة بورقة أو ورقتين فيقولون: قد شق علينا، وكلفنا، وأتعبنا، وكادت أرجلنا أن تتحطم، وكادت ظهورنا أن تنفصل، وما أشبه ذلك! نقول: هؤلاء ليسوا صادقين، لأنا نشاهدهم أقوياء، نشاهدهم أشداء في أبدانهم، نشاهد أحدهم إذا لعب مثلاً في المباريات، أو إذا سار فيها لم يكسل.
إذاً فقولهم هذا كلفة! هذا مشقة! هذه إطالة لا تطاق! نقول: ليسوا كذلك أيضاً.
كذلك هناك نفوس ضعيفة يقولون: إن منعنا عن شهواتنا تكليف بما لا يطاق! فمثلاً يقولون: نفوسنا لا تصبر عن أن تفعل هذا الفعل، ومثلاً إذا اشتدت في أحدهم الشهوة قال: لا أصبر عن الزنا، وتكليفي بالعفاف تكليف بما لا يطاق، وكذلك تكليفي مثلاً بالصبر عما أشتهيه وتندفع إليه نفسي تكليف بما لا يطاق، وتكليفي بمنعي مثلاً عن الشراب الروحي -كما يعبرون عن الخمور ونحوها- تكليف بما لا تستطيع النفس أن تصبر عنه، بل تندفع إليه اندفاعاً ولا يقدر على كبحها.
سبحان الله! هل هذا تكليف بما لا يطاق، إذا منعنا الله تعالى من الزنا، ومنعنا من المسكرات، هل هو تكليف بما لا يطاق؟! الله تعالى ما حرم علينا شيئاً إلا وجعل له بدلاً يقوم مقامه، فأحل لنا النكاح الذي يقوم مقام الزنا، يقول تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء:٣] ويقول: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء:٣٢] فكيف يقول هذا: إن تكليفي بالتعفف وبالامتناع منه من تكليف ما لا يطاق؟! نقول: هذا كذب، بل الإنسان يقدر أن يقنع نفسه ويمنعها عن المحرمات، وليس عليه مشقة.
على كل حال نقول: إن هذه قاعدة مطردة: وهي أن التكاليف الشرعية ليس فيها مشقة، سواء كانت أفعالاً أو سلوكاً، فأشق ما فيها الجهاد، الذي فيه تعرض للقتل، ولكن لما علم المؤمنون بعاقبتهم الحميدة من كونهم يناصرون الإسلام وفي سبيل الله هانت عليهم نفوسهم، لما علموا أيضاً بأن الرب سبحانه يمدهم ويقويهم وينزل عليهم الملائكة لتقاتل معهم ويخذل أعداءهم، كان ذلك دافعاً لهم إلى أن يستميتوا، لما علموا بأنهم إذا قتلوا في سبيل الله فهم أحياء عند ربهم يرزقون، كان ذلك أيضاً دافعاً لهم إلى التفاني في سبيل الله، لما علموا أيضاً أن أعداء الله من الكفار يقاتلونهم على كفرهم وتهون عليهم أنفسهم وهم كفار، كانوا أولى منهم بذلك أن يفدوا دينهم الصحيح، إذا كان هؤلاء يفدون دينهم الباطل فنحن نفدي ديننا الصحيح، ولأجل ذلك قال الله تعالى: ﴿وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنْ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ﴾ [النساء:١٠٤] .
стр. 913
شرح العقيدة الطحاوية [٧٣]
القوة والقدرة مستمدة من الله تعالى، وهو خالقها في الإنسان، وقد اختلف الناس في ذلك حتى جعل بعضهم الفعل المتروك غير مقدور عليه، ولكن الأدلة تدل على خلاف قولهم.
стр. 914
القدرة والقوة مستمدة من الله سبحانه
أثبت المسلمون عموم قدرة الله تعالى؛ لقوله : ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة:١٢٠] يدخل في ذلك الموجود والمعدوم، يدخل في ذلك الأعراض والجواهر، الأفعال والحركات، والمخلوقات كلها داخلة في عموم قدرة الله، وأن الله قادر عليها ولا يخرج عن قدرته شيء.
стр. 915
معنى قوله: لا حول ولا قوة إلا بالله
كذلك مما دل على ذلك الأدعية المأثورة، فمن المأثور قول النبي ﷺ لـ أبي موسى: (ألا أدلك على كنز من كنوز العرش، أو من كنوز الجنة؟! لا حول ولا قوة إلا بالله) .
تأمل معنى هذه الجملة: (لا حول) أي: لا تحول لأحد من حال إلى حال إلا بالله.
(ولا قوة) أي: لا قدرة لأحد إلا بالله، فإن أقدره الله فهو قادر فاعل، وإن منعه وحال بينه وبين الفعل فليس بقادر وليس بفاعل.
هذه الكلمة كثيراً ما يتلفظ بها العباد، وهي: (لا حول ولا قوة إلا بالله) ، فأهل السنة يدينون بمعناها، ويعتقدون أن الحول أي: التحول والانتقال من الفقر إلى الغنى أو من الضعف إلى القوة أو من القوة إلى الضعف أو كذلك من العطاء إلى المنع، ومن المنع إلى العطاء، ومن الهدى إلى الضلال، أو من الضلال إلى الهدى، الانتقال من حال إلى حال هو بقضاء الله وبقوته وبقدرته.
والقوة معناها: الاستطاعة، فالإنسان قوته التي يزاول بها الأعمال هي من الله، إذا شاء سلبك هذه القوة فأصبحت عاجزاً مقعداً، وإذا شاء منحك هذه القوة وزادك قوة إلى قوتك، فهو الذي خلق الإنسان من ضعف، ثم جعل من بعد ضعف قوة، ثم جعل من بعد قوة ضعفاً وشيبة.
الإنسان مبدؤه أن الله خلقه ضعيفاً ثم أمده بقوة منه، إذا شاء سلب هذه القوة في أوانها وفي عنفوانها، وإذا شاء زادها ومكنها.
следующие страницы →