← Акыда

Акыда · id 7724

شرح العقيدة الطحاوية - ابن جبرين

ابن جبرين

Полный текст (1 175 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

التكليف بحسب الطاقة والاستطاعة قال المؤلف: [وقوله: (ولم يكلفهم الله تعالى إلا ما يطيقون، ولا يطيقون إلا ما كلفهم. وهو تفسير: لا حول ولا قوة إلا بالله، نقول: لا حيلة لأحد، ولا تحول لأحد، ولا حركة لأحد عن معصية الله، إلا بمعونة الله، ولا قوة لأحد على إقامة طاعة الله والثبات عليها إلا بتوفيق الله تعالى، وكل شيء يجري بمشيئة الله وعلمه وقضائه وقدره. غلبت مشيئته المشيئات كلها، وغلب قضاؤه الحيل كلها، يفعل ما يشاء وهو غير ظالم أبداً: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣] ) . فقوله: (لم يكلفهم الله تعالى إلا ما يطيقون) قال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] ، وقال تعالى: ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [الأنعام:١٥٢] . وعن أبي الحسن الأشعري: أن تكليف ما لا يطاق جائز عقلاً، ثم تردد أصحابه أنه: هل ورد به الشرع أم لا؟! واحتج من قال بوروده بأمر أبي لهب بالإيمان، فإنه تعالى أخبر بأنه لا يؤمن، وأنه سيصلى ناراً ذات لهب، فكان مأموراً بأن يؤمن بأنه لا يؤمن، وهذا تكليف بالجمع بين الضدين وهو محال. والجواب عن هذا بالمنع، ولا نسلم أنه مأمور بأن يؤمن بأنه لا يؤمن، والاستطاعة التي بها يقدر على الإيمان كانت حاصلة، فهو غير عاجز عن تحصيل الإيمان، فما كلف إلا ما يطيقه كما تقدم في تفسير الاستطاعة. ولا يلزم قوله تعالى للملائكة: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاء﴾ [البقرة:٣١] مع عدم علمه بذلك، ولا للمصورين يوم القيامة: (أحيوا ما خلقتم) وأمثال ذلك؛ لأنه ليس بتكليف طلب فعل يثاب فاعله، ويعاقب تاركه، بل هو خطاب تعجيز، وكذا لا يلزم دعاء المؤمنين في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة:٢٨٦] ؛ لأن تحميل ما لا يطاق ليس تكليفاً، بل يجوز أن يحمله جبلاً لا يطيقه فيموت، وقال ابن الأنباري أي: لا تحملنا ما يثقل أداؤه، وإن كنا مطيقين له على تجشم وتحمل مكروه، قال: فخاطب العرب على حسب ما تعقل، فإن الرجل منهم يقول للرجل يبغضه: ما أطيق النظر إليك! وهو مطيق لذلك، لكنه يثقل عليه، ولا يجوز في الحكمة أن يكلفه بحمل جبل بحيث لو فعل يثاب، ولو امتنع يعاقب، كما أخبر سبحانه عن نفسه أنه لا يكلف نفساً إلا وسعها] .

стр. 912

التكليف والأمر الشرعي عند أهل السنة يدين أهل السنة بأن الله أمر القادرين ولم يأمر العاجزين، أمرهم بما هو في وسعهم ولم يأمرهم بما ليس في وسعهم، وإذا قيل: لماذا سميت العبادات تكاليف؟ نقول: سميت بذلك لكون الذي يفعلها يوصف بأنه مكلف، أي: مأمور ومنهي، ومع ذلك فليس في فعلها كلفة ولا مشقة، صحيح أن الكلفة هي الشيء الثقيل، كما في قول بعضهم: يكلفه القوم ما نابهم وإن كان أصغرهم مولدا يعني: يأمرونه بما يدفع عنهم المصائب فيقوم بذلك ولو كان أصغرهم، فدل على أنه يفعل شيئاً في إمكانه وشيئاً في قدرته، فنحن نعتقد أن الله تعالى ما أمر إلا بما هو في الإمكان، ولم يكلف الإنسان إلا بما يستطيعه، فمثلاً: الصيام قد يقال فيه كلفة، سيما في الأيام الطويلة وشدة الحر، ولكن هو في الإمكان وهو في الاستطاعة، غالباً أنهم يقدرون على الإمساك إلى أن يذهب النهار ويدخل الليل، والقدرة على ذلك معتبرة، فإذا كان هناك مشقة فإنهم يضجرون؛ فلأجل ذلك قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [البقرة:١٨٤] يعني: فأفطر ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤] وإذا قلت: إن هناك بلاداً يطول فيها النهار، بحيث يكون مثلاً ثمانية عشرة ساعة أو عشرين ساعة أو نحوها، فإمساكها فيه كلفة وفيه صعوبة، أجاب العلماء: بأنه يمكنهم إذا عجزوا أن يفطروا ويقضوه من أيام أخر إذا قصر النهار؛ لأنه أحياناً يقصر عندهم النهار حتى يكون أربع ساعات أو ست ساعات أو ثمان ساعات أو عشراً أو نحو ذلك. فإذاً ليس في الأمر مشقة. وإذا قلت مثلاً: إن الوضوء فيه صعوبة، فلماذا كلف به؟ نقول: ليس فيه صعوبة، وإن كان الإنسان قد يجد برودة في الماء مثلاً؛ فلأجل ذلك إذا كان مريضاً لا يستطيع أن يتطهر فإنه يعدل إلى التيمم، وإذا كان مسافراً لا يستطيع حمل الماء معه فإنه يعدل إلى التيمم؛ لرفع الحرج. إذاً فليس في الشريعة شيء من الكلفة الشاقة على العباد، بل المشقة تجلب التيسير، فالله سبحانه ما كلف العباد إلا بما يطيقون، ولا يطيقون إلا ما كلفهم به، لا يطيقون الشيء الزائد على ذلك، صحيح أنهم قد يطيقون أكثر، يعني: قد يقول القائلون: الله ما أمر إلا بصوم شهر واحد ونحن نطيق صوم شهرين، أو صوم ستة أشهر، أو نحو ذلك، ف الجواب أن القدرة العامة التي يشترك فيها الناس عموماً: هي صوم هذا الشهر، فأما القدرة الخاصة فالإنسان يفعل الشيء بقدر قدرته، ومعلوم أنه لو فرض شهرين أو ثلاثة أشهر لشق على كثير من الناس، وإن كان آخرون لا يشق عليهم. كذلك مثلاً لو فرض عليهم أن يحملوا الماء في الأسفار الطويلة لشق على كثير، وإن كان آخرون لا يشق عليهم. ويقال هكذا في سائر العبادة، فالعبادة إنما كلف الإنسان منها بما يستطيعه، ولأجل ذلك فالمصلي مأمور بأن يصلي قائماً، ولكن قد يكون مريضاً فيصلي جالساً؛ لأن المشقة تجلب التيسير، وكذلك قد يشق عليه أن يصلي جالساً فينتقل إلى صلاته على جنب، كما ورد ذلك في الأحاديث. فليس في الشريعة كلفة ولا مشقة، بل لم يأمر الله إلا بما هو مقدور للعباد. والأدلة واضحة كما سمعنا فإن قول الله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] ، ﴿لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٣٣] ، ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [الأنعام:١٥٢] (وسعها) بمعنى: أنها لا تكلف إلا بقدر طاقتها وقدرتها وتمكنها، فلا تكلف فوق ذلك مما يشق عليها. لو فرض الله على العباد أن يخرجوا زكاة أموالهم النصف في كل عام، لكان في ذلك شيء من الكلفة، قد يقول قائلهم: أنا جهدت في جمع هذا المال وتعبت فيه، وما حصلته إلا بعرق الجبين، فكيف أعطي هذا الذي ما تعب فيه النصف مثلاً أو الثلث؟! لكن لما علم الله أن هناك من الضعفاء والعجزة والفقراء ونحوهم جعل لهم حقاً في أموال الأغنياء، وجعل ذلك الحق يسيراً لا يكلفهم، يعني: ليس فيه كلفة، وهو ربع العشر، هذا دليل على أن الشريعة إنما أمرت بما يستطاع، لم يأت أمر فيه مشقة على النفوس. معلوم أن هناك نفوساً ضعيفة قد تتثاقل عن الأشياء الخفيفة، وقد لا تصبر عن الشهوات المحرمة، وهذه ليست عبرة، فإذا قلت مثلاً: إن هناك أناساً يستثقلون الصلاة، يستثقلون الإمام إذا قرأ عليهم مثلاً في الركعة الواحدة بورقة أو ورقتين فيقولون: قد شق علينا، وكلفنا، وأتعبنا، وكادت أرجلنا أن تتحطم، وكادت ظهورنا أن تنفصل، وما أشبه ذلك! نقول: هؤلاء ليسوا صادقين، لأنا نشاهدهم أقوياء، نشاهدهم أشداء في أبدانهم، نشاهد أحدهم إذا لعب مثلاً في المباريات، أو إذا سار فيها لم يكسل. إذاً فقولهم هذا كلفة! هذا مشقة! هذه إطالة لا تطاق! نقول: ليسوا كذلك أيضاً. كذلك هناك نفوس ضعيفة يقولون: إن منعنا عن شهواتنا تكليف بما لا يطاق! فمثلاً يقولون: نفوسنا لا تصبر عن أن تفعل هذا الفعل، ومثلاً إذا اشتدت في أحدهم الشهوة قال: لا أصبر عن الزنا، وتكليفي بالعفاف تكليف بما لا يطاق، وكذلك تكليفي مثلاً بالصبر عما أشتهيه وتندفع إليه نفسي تكليف بما لا يطاق، وتكليفي بمنعي مثلاً عن الشراب الروحي -كما يعبرون عن الخمور ونحوها- تكليف بما لا تستطيع النفس أن تصبر عنه، بل تندفع إليه اندفاعاً ولا يقدر على كبحها. سبحان الله! هل هذا تكليف بما لا يطاق، إذا منعنا الله تعالى من الزنا، ومنعنا من المسكرات، هل هو تكليف بما لا يطاق؟! الله تعالى ما حرم علينا شيئاً إلا وجعل له بدلاً يقوم مقامه، فأحل لنا النكاح الذي يقوم مقام الزنا، يقول تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء:٣] ويقول: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء:٣٢] فكيف يقول هذا: إن تكليفي بالتعفف وبالامتناع منه من تكليف ما لا يطاق؟! نقول: هذا كذب، بل الإنسان يقدر أن يقنع نفسه ويمنعها عن المحرمات، وليس عليه مشقة. على كل حال نقول: إن هذه قاعدة مطردة: وهي أن التكاليف الشرعية ليس فيها مشقة، سواء كانت أفعالاً أو سلوكاً، فأشق ما فيها الجهاد، الذي فيه تعرض للقتل، ولكن لما علم المؤمنون بعاقبتهم الحميدة من كونهم يناصرون الإسلام وفي سبيل الله هانت عليهم نفوسهم، لما علموا أيضاً بأن الرب سبحانه يمدهم ويقويهم وينزل عليهم الملائكة لتقاتل معهم ويخذل أعداءهم، كان ذلك دافعاً لهم إلى أن يستميتوا، لما علموا بأنهم إذا قتلوا في سبيل الله فهم أحياء عند ربهم يرزقون، كان ذلك أيضاً دافعاً لهم إلى التفاني في سبيل الله، لما علموا أيضاً أن أعداء الله من الكفار يقاتلونهم على كفرهم وتهون عليهم أنفسهم وهم كفار، كانوا أولى منهم بذلك أن يفدوا دينهم الصحيح، إذا كان هؤلاء يفدون دينهم الباطل فنحن نفدي ديننا الصحيح، ولأجل ذلك قال الله تعالى: ﴿وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنْ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ﴾ [النساء:١٠٤] .

стр. 913

شرح العقيدة الطحاوية [٧٣] القوة والقدرة مستمدة من الله تعالى، وهو خالقها في الإنسان، وقد اختلف الناس في ذلك حتى جعل بعضهم الفعل المتروك غير مقدور عليه، ولكن الأدلة تدل على خلاف قولهم.

стр. 914

القدرة والقوة مستمدة من الله سبحانه أثبت المسلمون عموم قدرة الله تعالى؛ لقوله : ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة:١٢٠] يدخل في ذلك الموجود والمعدوم، يدخل في ذلك الأعراض والجواهر، الأفعال والحركات، والمخلوقات كلها داخلة في عموم قدرة الله، وأن الله قادر عليها ولا يخرج عن قدرته شيء.

стр. 915

معنى قوله: لا حول ولا قوة إلا بالله كذلك مما دل على ذلك الأدعية المأثورة، فمن المأثور قول النبي ﷺ لـ أبي موسى: (ألا أدلك على كنز من كنوز العرش، أو من كنوز الجنة؟! لا حول ولا قوة إلا بالله) . تأمل معنى هذه الجملة: (لا حول) أي: لا تحول لأحد من حال إلى حال إلا بالله. (ولا قوة) أي: لا قدرة لأحد إلا بالله، فإن أقدره الله فهو قادر فاعل، وإن منعه وحال بينه وبين الفعل فليس بقادر وليس بفاعل. هذه الكلمة كثيراً ما يتلفظ بها العباد، وهي: (لا حول ولا قوة إلا بالله) ، فأهل السنة يدينون بمعناها، ويعتقدون أن الحول أي: التحول والانتقال من الفقر إلى الغنى أو من الضعف إلى القوة أو من القوة إلى الضعف أو كذلك من العطاء إلى المنع، ومن المنع إلى العطاء، ومن الهدى إلى الضلال، أو من الضلال إلى الهدى، الانتقال من حال إلى حال هو بقضاء الله وبقوته وبقدرته. والقوة معناها: الاستطاعة، فالإنسان قوته التي يزاول بها الأعمال هي من الله، إذا شاء سلبك هذه القوة فأصبحت عاجزاً مقعداً، وإذا شاء منحك هذه القوة وزادك قوة إلى قوتك، فهو الذي خلق الإنسان من ضعف، ثم جعل من بعد ضعف قوة، ثم جعل من بعد قوة ضعفاً وشيبة. الإنسان مبدؤه أن الله خلقه ضعيفاً ثم أمده بقوة منه، إذا شاء سلب هذه القوة في أوانها وفي عنفوانها، وإذا شاء زادها ومكنها.

стр. 916

معنى قوله: (ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن) كذلك أيضاً من الأدعية المأثورة قول النبي ﷺ في بعض الأذكار: (ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن) ويقول بعضهم: فما شئتَ كان وإن لم أشأ وما شئتُ إن لم تشأ لم يكن ما شاءه الله لا بد أن يحصل ولو كره العباد كلهم، وما لم يشأه فلا يحصل ولا يحدث ولا يقع ولو شاءوه ولو أرادوه ولو حاولوه، فالحول حوله، والقول قوله، والقوة والقدرة منه سبحانه.

стр. 917

ارتباط وتعلق فعل العبد وتركه بقدرة الله سبحانه فالعباد مأمورون، ولكن القوة التي يزاولون بها فعل الأوامر هي من الله، كذلك منهيون والقوة التي يمتنعون بها عن النهي هي أيضاً من الله، هو الذي يمدهم بالقوة التي يمارسون بها الأفعال، ويمدهم بالقوة التي تحميهم من المنهيات، كذلك أيضاً إذا خذل من شاء من عباده، فعل ما فعل من المعاصي والمحرمات، فذلك أيضاً بقضاء الله وبقدره، ولو شاء لمنعهم من ذلك، ولحال بينهم وبينه، ولكن له الحكمة في ذلك، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣] له التصرف في العباد، ولا يكون في الكون إلا ما يريد، لو شاء لهدى الناس أجمعين، ولو شاء لأضلهم، فإذا هداهم فبنعمته وفضله، وإذا أضلهم فبحكمته وعدله. لكن إذا هداك الله وألهمك رشدك وسددك، فعليك أن تشكره على هذه الهداية، وأن تستعين بما أعطاك من القوة على الطاعة، وإذا رأيت من أضلهم الله ورأيت ومن حرمهم الخير، فإنك تحمد ربك على أنه لم يجعلك مثلهم، وتقول: الحمد لله الذي عافانا مما ابتلاهم به وفضلنا على كثير ممن خلق تفضيلاً، فله سبحانه الأمر والنهي وله القدرة التامة، وله التصرف في العباد، هو الذي كلفهم وأمرهم ونهاهم، وهو الذي أعطاهم، ومنع من شاء منهم، وهو الذي يهدي ويضل، ويسعد ويشقي، ويمنع ويعطي، لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه. وإذا من الله على بعض العباد، فإن ذلك فضل منه، فعليهم أن يشكروه على هذا الفضل، وإذا خذل بعضاً من العباد وخلّى بينهم وبين أهوائهم، وسلط عليهم أعداءهم وساموهم سوء العذاب، فذلك حكمة منه وعدل، فما حصل لهؤلاء محض فضل منه وحكمة، ويجب أن يشكروه عليها، وما حصل لهؤلاء من خذلان فهذا من حكمته سبحانه، ويجب عليهم أن يعرفوا السبب، فالسبب من قبل أنفسهم، كما يقول الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٥] ويقول تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء:٧٩] أي: أنه يستحق ذلك بسبب ما جبل عليه، وبسبب الخلق السيئ الذي علم الله أنه لا يناسبه إلا أن يحرمه من الخير وغيره، ويحول بينه وبين الهداية، فهو الحكيم الذي يضع الأشياء في مواضعها اللائقة بها.

стр. 918

سهولة ويسر التكاليف الشرعية وسبب استثقالها عند البعض قوله: (إن الله تعالى كلف العباد بما يطيقون، فلا يطيقون إلا ما كلفهم، ولم يكلفهم إلا ما في قدرتهم وفي وسعهم) ، فهو سبحانه أمر العباد ولكن لم يأمرهم بما هو مستحيل، ولم يأمرهم بما يعجزون عن تطبيقه ولا عن فعله، لم يأمرهم إلا بالشيء الذي هو في وسعهم وفي قدرتهم وفي طاقتهم، ولا يخرج عن إرادتهم. كذلك أيضاً ما كلفهم إلا بما يطيقون، ولا يطيقون إلا ما كلفهم به، فلو كلفهم بما يعجزون عنه لكان لهم حجة أنهم لا يستطيعون ذلك، فعند ذلك يقال: كيف يطيقون الشيء الذي فوق قدرتهم؟! فلذلك قال الله: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] ، ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق:٧] . فإذا علم العباد بذلك ونظروا إلى التكاليف التي أمروا بها وجودها سهلة ويسيرة ليس فيها مشقة، ولو استثقلتها بعض النفوس، فإن تلك النفوس التي تستثقلها إنما أتيت من ضعف في النفس، لا أن ذلك لعجز في الفعل كما هو مشاهد؛ فلأجل ذلك نجد أن الاثنين متفاوتان في العبادة، أحدهما يفرح بطول الصلاة ويطمئن بذلك ويعجبه، ولو كان بدنه نحيفاً ضعيفاً، وآخر يستثقل الصلاة ولو كانت خفيفة مع كونه بديناً قوياً، فإذاً هذا التفاوت من ضعف النفوس، لا أنه تكليف بما يعجز البشر، فالله ما كلفهم إلا بما فيه قدرتهم واستطاعتهم.

стр. 919

الرد على من يجعل الفعل المتروك غير مقدور عليه قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومنهم من يقول: يجوز تكليف الممتنع عادة، دون الممتنع لذاته؛ لأن ذلك لا يتصور وجوده، فلا يعقل الأمر به، بخلاف هذا. ومنهم من يقول: ما لا يطاق للعجز عنه لا يجوز تكليفه، بخلاف ما لا يطاق للاشتغال بضده، فإنه يجوز تكليفه. وهؤلاء موافقون للسلف والأئمة في المعنى، لكن كونهم جعلوا ما يتركه العبد لا يطاق؛ لكونه تاركاً له مشتغلاً بضده، بدعة في الشرع واللغة، فإن مضمونه أن فعل ما لا يفعله العبد لا يطيقه! وهم التزموا هذا، لقولهم: إن الطاقة -التي هي الاستطاعة وهي القدرة- لا تكون إلا مع الفعل، فقالوا: كل من لم يفعل فعلاً فإنه لا يطيقه، وهذا خلاف الكتاب والسنة وإجماع السلف، وخلاف ما عليه عامة العقلاء، كما تقدمت الإشارة إليه عند ذكر الاستطاعة. وأما ما لا يكون إلا مقارناً للفعل، فذلك ليس شرطاً في التكليف، مع أنه في الحقيقة إنما هناك إرادة الفعل. وقد يحتجون بقوله تعالى: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾ [هود:٢٠] ، ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْراً﴾ [الكهف:٦٧] وليس في ذلك إرادة ما سموه استطاعة، وهو ما لا يكون إلا مع الفعل، فإن الله ذم هؤلاء على كونهم لا يستطيعون السمع، ولو أراد بذلك المقارن، لكان جميع الخلق لا يستطيعون السمع قبل السمع، فلم يكن لتخصيص هؤلاء بذلك معنى، ولكن هؤلاء؛ لبغضهم الحق وثقله عليهم، إما حسداً لصاحبه، وإما اتباعاً للهوى، لا يستطيعون السمع. وموسى ﵇ لا يستطيع الصبر، لمخالفة ما يراه لظاهر الشرع، وليس عنده منه علم. وهذه لغة العرب وسائر الأمم، فمن يبغض غيره يقال: إنه لا يستطيع الإحسان إليه، ومن يحبه يقال: إنه لا يستطيع عقوبته؛ لشدة محبته له، لا لعجزه عن عقوبته، فيقال ذلك للمبالغة، كما تقول: لأضربنه حتى يموت، والمراد: الضرب الشديد، وليس هذا عذراً، فلو لم يأمر العباد إلا بما يهوونه؛ لفسدت السماوات والأرض، قال تعالى: ﴿وَلَوْ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتْ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [المؤمنون:٧١]] . لا شك أن هذا الكلام معاتبة ومجادلة لبعض من خالف الحق في هذه المسألة، وأنه لا فائدة فيه، ولا طائل في مجادلتهم؛ لأنها أقوال تخالف المحسوس، وتخالف المعقول؛ وذلك لأن العبد قد أعطي قوة، ولا شك أن تلك القوة كامنة فيه، وأنه بواسطتها يستطيع أفعالاً وإن لم يفعلها، فهؤلاء المبتدعة من جبرية وقدرية ونحوهم عندهم أن الأفعال التي لم تفعل ولو كانت سهلة توصف بأنها غير مقدورة للعبد، فإذا رأوا إنساناً كافراً قالوا: هذا لا يقدر على أن يؤمن، مع أنه يقدر، وإذا رأوا إنساناً ما صلى قالوا: هذا لا يقدر أن يصلي، فكل شيء لم يفعله الإنسان مع قدرته عليه يقولون: إنه لا يقدر عليه، مع أنه في استطاعته، وهذا يخالف الحس ويخالف الظاهر. فمثلاً: أنت لو رأيت إنساناً قوي البنية وقوي البدن تستطيع أن تقول: هذا يستطيع أن يحمل مثلاً كيساً ولو لم يحمله، ولو لم تره قد حمل هذا الكيس من قبل، ويكون ذلك أيضاً فيما سخر الله من الدواب التي تركب عليها، فيقال: إن هذا الجمل يستطيع أن يحمل مائة صاع ولو أنه ما حمل عليه. فإذاً الاستطاعة والحمل ليسا بمحصلين لما فعل، بل بما توافر فيه واستقر فيه من الوصف، فهو يستطيعه ولو لم يباشره.

стр. 920

نفي القدرة والاستطاعة عن فعل الخير أو ترك الشر عند أهل البدع بخلاف هؤلاء المبتدعة فإنهم إذا رأوا إنساناً ما قرأ، قالوا: هذا لا يستطيع أن يقرأ، ليس له أن يقرأ، إذا رأوا إنساناً لم يحترف حرفة كذا وكذا قالوا: هذا لا يستطيع أن يحرث الأرض، ولا أن يغرس الغرس، ولا أن يرعى الإبل أو يحلبها مثلاً، مع أنه يستطيع وبإمكانه فعله، هذا بالنسبة للأفعال المحسوسة. ويقال كذلك أيضاً في التكاليف سواء كانت طاعات أو معاصي، في الطاعات يقولون لمن لم يصم: هذا لا يستطيع الصوم، لو كان يستطيع الصوم لصام، مع أنه قادر وقوي، كذلك يقولون: لا يستطيع أن يطعم الطعام، أو يخرج من الطعام ما يخرج مثله، مع أنه ذو مال وعنده ثروة، لكن لما رأوه لم يخرج قالوا: لو كان يستطيع أن يخرج لأخرج، لو كان يستطيع أن يتصدق لتصدق، كأنهم يقولون: إنه لا يستطيع لكون الله حال بينه وبين الصدقة. الله تعالى أمره بالصدقة الواجبة في الزكاة والكفارة والنفقة على الأهل والولد ونحو ذلك، ومع ذلك بخل بها، فهو قادر، لو لم يكن قادراً لما أمره الله بذلك، ولو لم يكن قادراً على الصوم لما أمره. فالله أمر الناس بالصوم، فمنهم من صام ومنهم من لم يصم، وأمر الناس كلهم بالصلاة، فمنهم من صلى ومنهم من لم يصل، ولا يقال لمن لم يصل: هذا لا يستطيع، نقول: بل هو مستطيع، ولكن حيل بينه وبينها، فهو محروم والعياذ بالله، ويوصف بأنه عاص، ويعاقب على هذا العصيان، كما يعاقب على تلك الأفعال. وفي الأفعال المنهي عنها والمحرمة، يقولون في من زنى مثلاً أو ارتشى أو سكر: لا يستطيع ترك هذا المنكر ولو كان يستطيع تركه لما فعله، نقول: بل يستطيع ولو لم يستطعه لما نهي عنه، فالله تعالى ما نهى إلا من عنده قدرة على الانزجار وعلى ترك الشيء المنهي عنه، فقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ [الإسراء:٣٢] لو كانوا عاجزين عن الترك لما نهاهم، وقوله: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ﴾ [الإسراء:٣٣] لو كانوا عاجزين عن الترك لما نهاهم عنه، وقوله: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ [الإسراء:٣١] لو كانوا لا يستطيعون ترك القتل لما نهوا عنه. فكذلك يقال في الطاعات: لو كانوا عاجزين عن الصلاة لما أمروا بها، لو كانوا عاجزين عن الطهارة لما أمروا بها، فإن الله لا يأمر إلا بما هو مقدور، ولا يأمر بالشيء المستحيل أو الثقيل على النفوس الذي يكون فوق طاقتها. وبذلك نعرف أن هذا القول مخالف للعقل، حتى في عرف الناس، فمثلاً: إذا كان لك ولد نشيط قوي، فقلت له: يا ولدي! اذهب فاشترِ لنا طعاماً. فإذا ذهب واشترى فقد أطاع، وإذ لم يذهب فهل يقال: إنه ليس بمستطيع؟! أو يقال: هو عاص لأبيه؟ لا شك أنه يوصف بالعصيان. ولو كان لك ولد مريض -مثلاً- أو مقعد لا يستطيع أن يذهب، فهل تأمره بأن يذهب إلى السوق ليشتري لك حاجة؟ كيف تأمره وهو مريض مقعد لا يستطيع؟! إذاً: فهذا بيان أن الله ما أمر إلا من هو مستطيع، ولأجل ذلك أسقط الحرج عن غير المستطيع، فلما أمر بالجهاد في سبيل الله أسقطه عن أهل الأعذار، فقال: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة:٩١] يعني: لا حرج عليهم إذا لم يخرجوا في الجهاد، فدل على أنه ما أمر إلا من هو مستطيع وعنده قدرة، وبذلك نعرف أن التكاليف إنما هي على حسب قدرة العباد، فلم يأمرهم الله إلا بما هو في طاقتهم وفي وسعهم.

стр. 921

الفرق بين الكوني والشرعي من القضاء والإرادة ونحو ذلك قال الشارح ﵀: [وقوله: (ولا يطيقون إلا ما كلفهم به) إلى آخر كلامه، أي: ولا يطيقون إلا ما أقدرهم عليه، وهذه الطاقة هي التي من نحو التوفيق، لا التي من جهة الصحة والوسع والتمكن وسلامة الآلات. (ولا حول ولا قوة إلا بالله) دليل على إثبات القدر، وقد فسرها الشيخ بعدها، ولكن في كلام الشيخ إشكال، فإن التكليف لا يستعمل بمعنى الإقدار، وإنما يستعمل بمعنى الأمر والنهي، وهو قد قال: لا يكلفهم إلا ما يطيقون، ولا يطيقون إلا ما كلفهم. وظاهره أنه يرجع إلى معنى واحد، ولا يصح ذلك؛ لأنهم يطيقون فوق ما كلفهم به، لكنه سبحانه يريد بعباده اليسر والتخفيف، كما قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥] ، وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء:٢٨] ، وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨] ، فلو زاد فيما كلفنا به لأطقناه، ولكنه تفضل علينا ورحمنا، وخفف عنا، ولم يجعل علينا في الدين من حرج. ويجاب عن هذا الإشكال بما تقدم: أن المراد الطاقة التي من نحو التوفيق، لا من جهة التمكن وسلامة الآلات، ففي العبارة قلق، فتأمله. وقوله: (وكل شيء يجري بمشيئة الله وعلمه وقضائه وقدره) : يريد بقضائه القضاء الكوني لا الشرعي، فإن القضاء يكون كونياً وشرعياً، وكذلك الإرادة والأمر والإذن والكتاب والحكم والتحريم والكلمات، ونحو ذلك. أما القضاء الكوني: ففي قوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت:١٢] . والقضاء الديني الشرعي: في قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٢٣] . وأما الإرادة الكونية والدينية: فقد تقدم ذكرها عند قول الشيخ: (ولا يكون إلا ما يريد) . وأما الأمر الكوني: ففي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢] ، وكذا قوله: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء:١٦] ، في أحد الأقوال، وهو أقواها. والأمر الشرعي: في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل:٩٠] ، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء:٥٨] . وأما الإذن الكوني: ففي قوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٠٢] . والإذن الشرعي: في قوله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الحشر:٥] . وأما الكتاب الكوني: ففي قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [فاطر:١١] ، وقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٥] . والكتاب الشرعي الديني: في قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة:٤٥] ، وقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة:١٨٣] . وأما الحكم الكوني: ففي قوله تعالى عن ابن يعقوب ﵇: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [يوسف:٨٠] ، وقول الله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء:١١٢] . والحكم الشرعي: في قوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة:١] ، وقال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة:١٠] . وأما التحريم الكوني: ففي قوله تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ﴾ [المائدة:٢٦] ، ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء:٩٥] . والتحريم الشرعي: في قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ﴾ [المائدة:٣] ، وقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء:٢٣] الآية. وأما الكلمات الكونية: ففي قوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [الأعراف:١٣٧] ، وفي قوله ﷺ : (أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر) . والكلمات الشرعية الدينية: في قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة:١٢٤]] .

стр. 922

رحمة الله بالعباد في عدم تكليف ما لا يطاق نحن نعرف أن الله تعالى رحيم بعباده، وأنه ما أمرهم إلا بما يطيقونه، ولو أمرهم بزيادة عليه لأطاقوه، ولكنه تعالى رحمهم، فلم يكلفهم ما فيه مشقة وصعوبة عليهم، فلو فرض في السنة صيام شهرين لقدروا على ذلك، ولكن قد يكون فيه مشقة، ولو فرض عليهم في الطهارة الاغتسال بدل الوضوء لقدروا عليه، ولكن فيه مشقة، ولو فرض عليهم كل يوم عشر صلوات لقدروا على ذلك، ولكن مع صعوبة ومشقة، وكذلك لو فرض عليهم الحج مرتين في العمر أو أكثر لاستطاع كثير منهم ذلك، ولكن مع مشقة، ولو فرض عليهم في الزكاة خمس المال أو نصف الخمس بدلاً من ربع العشر لاستطاعوا ذلك، ولكن يكون عليهم شيء من المشقة، فلأجل ذلك خفف الله عنهم. ولما فرض عليهم -أولاً- أن يثبت العشرة للمائة في الجهاد، وأن تثبت المائة للألف، ولا يفرون منهم، علم أن في ذلك شيئاً من المشقة؛ فخفف عنهم إلى أن لا يفر الواحد من الاثنين، فقد أنزل أولاً قوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا﴾ [الأنفال:٦٥] الواحد يغلب عشرة، ثم بعد ذلك خفف عنهم: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال:٦٦] فالواحد يغلب اثنين بشرط الصبر، (مائة صابرة) ، ﴿وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال:٦٦] ، فأخبر بأنهم يقدرون، ولكن خفف عنهم، يعني إذا كانوا صابرين محتسبين غلبوهم بإذن الله، وقد وقع هذا، فأهل بدر غلبوا المشركين مع أن المشركين أضعافهم -أي: مثلهم ثلاث مرات- ولكن هزموهم بإذن الله. وكذلك حكى الله عن طالوت ومن معه أنهم قالوا: ﴿لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾ [البقرة:٢٤٩] ، فحكى عن الذين يظنون أنهم ملاقو الله قولهم: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٤٩] . والحاصل: أنه كلف العباد، ولكن كلفهم وهم يقدرون على ما كلفهم به، بل على أكثر منه، وإنما أمرهم بما فيه يسر وسهولة دون حرج ومشقة، ولما أمرهم بالطهارة بالماء علم أن فيهم مرضى لا يستطيعون استعمال الماء، وعلم أن فيهم مسافرين لا يستطيعون حمل الماء في الصحراء، فأباح لهم أن يعدلوا إلى التراب ليتطهروا به، ثم قال بعد ذلك: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة:٦] يعني: أنه لو كلفكم وأحرجكم لأمركم بحمل الماء في الأسفار، ولكن أراد ألا يحرجكم، وكما في قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨] ، ولما أمر بالصيام علم أن هناك من يشق عليهم كالمرضى والمسافرين، فأباح لهم الفطر والقضاء، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٥] ، ثم قال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥] ، أي: لا يشق عليكم ولا يأمركم بما فيه كلفة وتعب. فعلم بذلك أن هذه التكاليف التي أمرهم بها هي في وسعهم وفي قدرتهم وطاقتهم هذا بالنسبة إلى الأفعال المأمور بها. ويقال كذلك بالنسبة إلى الأفعال المنهي عنها: الذنوب والمعاصي المنهي عنها يقدرون على تركها، ولو قال من قال: إنه لا يستطيع تركها، فإنه غير صادق في ذلك، وقد أشرنا إلى ذلك فيما مضى.

стр. 923

إيمان أهل السنة بما هو قدري وامتثالهم لما هو شرعي بعد ذلك تكلم الشارح ﵀ على القضاء الشرعي والقدري، يعني: أن الله سبحانه له القضاء والقدر، وله الشرع والأمر، فالمراد بالشرعي: الذي يكلف به ويؤمر به، والمراد بالقدري والكوني: الذي كتبه أزلاً، وقضاه وقدره في عالم الغيب، ولم يخير فيه، بل جعله أمراً أزلياً مقدراً مخلوقاً. فعندنا -مثلاً- الإرادة تكون شرعية وقدرية، والأمر يكون شرعياً وقدرياً، والإذن يكون شرعياً وقدرياً، والحكم يكون شرعياً وقدرياً، والكتابة تكون شرعية وقدرية، والكلمات منها شرعية ومنها وقدرية، وأدلتها تقدمت في كلام الشارح ﵀. والفرق بينهما: أن الأمر الشرعي كُلِفَ العباد به وبامتثاله، فإذا أمرهم أمراً شرعياً فإنهم يمتثلون ذلك الأمر. وأما الأمر القدري: إذا أخبر بأن هذا مقدر عليهم، وهو أزلي، فإنه لا يُطلب منهم فعله؛ لأنه يخبر بأن هذا هو حكمه وهو قدره. ويقال كذلك في التحريم: فإذا قيل: ما الفرق بين التحريم القدري، والتحريم الشرعي؟ ف الجواب أن التحريم القدري: إخبار بأن هذا الشيء لا يكون، وأن الله كتب تحريمه ومنعه بحيث لا يحصل ولا يتصور وجوده، وأما التحريم الشرعي فهو نهي، يعني: نهى الله العباد عن أن يفعلوا هذه الأشياء، وأخبرهم بأنها محرمة عليهم. والتحريم معناه المنع، أي: منعناكم من هذه الأشياء، كقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء:٢٣] إلى آخره، ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة:٣] ، فليس هذا مثل قوله: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ [الأنبياء:٩٥] ، فإن ذلك معناه أن الله قدر أنها لا تعود، وجعل ذلك ممتنعاً أصلاً. فعرفنا بذلك أن هناك فرقاً ظاهراً بين الأوامر الشرعية والقدرية، وبين الإذن الشرعي والقدري، وبين الإرادة الشرعية والقدرية، والحكم الشرعي والقدري، والكتابة الشرعية والقدرية وما أشبه ذلك. فالذي يهمنا أن نؤمن بالقدري، ونعتقد أنه حق وصدق، نقول: هذا قدر الله، وهذه كتابته، وهذا تقديره علينا، لا مفر لنا منه، هذا حكمه الذي حكم به أزلاً على العباد. أما الشرعي فإننا نمتثله ونعمل به، فإن قوله: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا﴾ [المائدة:٤٥] ، ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ﴾ [الأعراف:١٤٥] أمر شرعي، معناه: أنه أمر فيها بأوامر شرعية، من ذلك: أن النفس بالنفس إلخ، بخلاف قوله: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ﴾ [الأنبياء:١٠٥] ، وقوله: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف:١٤٥] وما أشبه ذلك من الأمور الماضية السابقة. والفرق بينهما: أن الشرعي يدين به العباد ويعملون به، والقدري يؤمنون به ويعتقدونه. ولم يعرف أكثر المبتدعة الفرق بينهما؛ فوقعوا في الخطأ والضلال، فإنهم لما لم يفرقوا بين الإرادة الشرعية والإرادة القدرية؛ جعلوا الجميع مراداً لله، وجعلوا إرادة الله للمعاصي رضاً بفعلها، فقالوا: إن الله لو لم يردها لما حصلت، ولو أراد الطاعات لحصلت. نقول: إن هذه إرادة قدرية، فلا تقيسوها بالإرادة الشرعية. تقدم الفرق بين الإرادتين ودليلهما، فإن دليلة الشرعية: قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء:٢٨] ، ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء:٢٧] ، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥] ، هذه شرعية، بخلاف قوله: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ [الأنعام:١٢٥] ، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة:١] ، ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة:٢٥٣] فإن هذه إرادة قدرية دالة على أن قدرة الله تعالى أزلية قديمة، وأن العبد ليس له مفر مما قدره عليه.

стр. 924

شرح العقيدة الطحاوية [٧٤] من رحمة الله بعباده أن يسر لهم سبل النجاة، وجعل أعمالهم سبباً لدخول الجنة والنجاة من النار، ومع هذا فإنه لو عذب أهل سماواته وأرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، وهذه عقيدة أهل السنة، خلافاً للجبرية والقدرية.

стр. 925

رحمة الله وجنته فضل منه سبحانه، وعذابه وناره عدل منه سبحانه يقول النبي ﷺ في خطبة الحاجة: (من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له) . لا شك أن الهداية بيد الله تعالى، وكذا الإضلال، فمن هداه الله فذلك نعمة من الله عليه وفضل وكرم، ومن أضله فلم يظلمه، وليس للعبد حجة على الله، بل لله الحجة البالغة، فإذا شاء هدى وإذا شاء أضل، فمن هداه الله فقد أنعم عليه، فهدايته له فضل منه، ومن أضله الله فإنه عدل منه، فإنه تعالى لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون، وأيضاً هو المنعم المتفضل على خلقه. وقد ورد في بعض الأحاديث: أن الله تعالى لو عذب خلقه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيراً لهم من أعمالهم، فلو رحمهم كلهم لكانت رحمته فضلاً منه، فهو سبحانه قد تنزه عن الظلم، فوي الحديث القدسي: (يا عبادي: إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرماً؛ فلا تظالموا) فهو سبحانه لا يظلم ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩] ، ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦] ، فإذا أهلك العباد أو سلط بعضهم على بعض، أو سلط عليهم عقوبة سماوية، أو عاقبهم بالعذاب بالنار، لم يكن ذلك ظلماً، بل هم يستحقون ذلك، فإنه لا يمكن أن يهلكهم أو يعذبهم إلا بظلم منهم، يقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود:١١٧] ، فلا يهلكهم ظلماً منه لهم، ولا يهلكهم إلا بعدما يقيم عليهم الحجة. وكذلك إذا أنعم عليهم فإنه هو المتفضل، وفي حديث الأوراد يقول ﵊: (لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة، وله الفضل، وله المن، وله الثناء الحسن) ، فالنعمة منه وحده، والفضل على الخلق منه وحده، وكذلك الثناء الحسن، فإذا عرفنا أن ربنا سبحانه هو المتفضل على عباده؛ فنعلم أن نعمه لا تنفك عن العباد: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم:٣٤] ، ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنِ اللَّهِ﴾ [النحل:٥٣] ، فما أصابنا من نعمة فهو محض فضل الله، ومحض منه على عباده، وليس بأعمالنا، ولا باكتسابنا، ولا باستحقاقنا، بل أعمالنا تضعف عن أن نستحق هذا الفضل وهذه النعمة؛ ولكن هو الذي يتفضل على هؤلاء بالنعم وبالخيرات، وبالنصر وبالتمكين، وبالعطاء وبالصحة وبالإعزاز، وبغير ذلك من أنواع النعم، أو يسلط على من يشاء ما يشاء من المصائب والعقوبات، وكل ذلك محض عدله. وعلى هذا: فإن المسلم يعتمد على ربه ، ويأتي بالأسباب التي تكون مؤهلة له أن يكون من أهل الفضل مؤهلة له أن يستحق لأجلها أن يكون أهلاً للامتنان أهلاً للنعمة أهلاً للخير، ويبتعد عن النقم والعقوبات التي تكون سبباً للعذاب، والتي يعذب الله بسببها، فإنه سبحانه قد رتب للنعم أسباباً، وهي الأعمال الصالحة، فجعلها سبباً لتفضله، فلنأتِ بالأسباب التي يرحمنا الله بسببها، وجعل للعقوبات أسباباً وهي المعاصي، فلنبتعد عن العقوبات وعن أسباب العقوبات وهي المعاصي؛ حتى نسلم من العقاب، ونحظى بالثواب.

стр. 926

تنزيه الله لنفسه عن الظلم قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: (يفعل ما يشاء، وهو غير ظالم أبداً) : الذي دل عليه القرآن من تنزيه الله نفسه عن ظلم العباد، يقتضي قولاً وسطاً بين قولي القدرية والجبرية، فليس ما كان من بني آدم ظلماً وقبيحاً يكون منه ظلماً وقبيحاً، كما تقوله القدرية والمعتزلة ونحوهم؛ فإن ذلك تمثيل لله بخلقه وقياس له عليهم، وهو الرب الغني القادر، وهم العباد الفقراء المقهورون. وليس الظلم عبارة عن الممتنع الذي لا يدخل تحت القدرة، كما يقوله من يقوله من المتكلمين وغيرهم، يقولون: إنه يمتنع أن يكون في الممكن المقدور ظلم، بل كل ما كان ممكناً فهو منه لو فعله عدل، إذ الظلم لا يكون إلا من مأمور من غيره منهي، والله ليس كذلك. فإن قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا﴾ [طه:١١٢] ، وقوله تعالى: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق:٢٩] ، وقوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ [الزخرف:٧٦] ، وقوله تعالى: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩] ، وقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [غافر:١٧] يدل على نقيض هذا القول. ومنه قوله الذي رواه عنه رسوله: (يا عبادي: إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرماً؛ فلا تظالموا) فهذا دل على شيئين: أحدهما: أنه حرم على نفسه الظلم، والممتنع لا يوصف بذلك. الثاني: أنه أخبر أنه حرمه على نفسه، كما أخبر أنه كتب على نفسه الرحمة. وهذا يبطل احتجاجهم بأن الظلم لا يكون إلا من مأمور منهي، والله ليس كذلك. فيقال لهم: هو سبحانه كتب على نفسه الرحمة، وحرم على نفسه الظلم، وإنما كتب على نفسه وحرم على نفسه ما هو قادر عليه، لا ما هو ممتنع عليه. وأيضاً: فإن قوله: ﴿فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا﴾ [طه:١١٢] قد فسره السلف بأن الظلم: أن توضع عليه سيئات غيره. والهضم: أن ينقص من حسناته، كما قال تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤]] .

стр. 927

ضلال أهل الكلام في طريقة تنزيههم لله عن الظلم هذا توضيح لما حكاه عن المعتزلة الذين يقولون: إن الظلم الذي نزه الله نفسه عنه هو الشيء الذي لا يمكن ولا يقدر عليه؛ وذلك لأن من معتقد هؤلاء المتكلمين من المعتزلة: أن العبد هو الذي يهدي نفسه، أو يضل نفسه، وأن الله لا يقدر على أن يهدي هذا أو يضل هذا، فيجعلون الله تعالى عاجزاً، وكذلك يوجبون على الله أن يثيبت المطيع، فيجعلونه حقاً عليه، وتعالى الله عن قولهم، فإنه تعالى ليس عليه حق لعباده: ما للعباد عليه حق واجب كلا ولا سعي لديه ضائع إن عذبوا فبعدله أو نعموا فبفضله وهو الكريم الواسع فهم يجوبون على الله أن يثيب هذا، ويحرمون عليه أن يعاقب هذا، ويجعلون هذا مستحقاً بعمله، وهذا مستحقاً بعمله، ولا يجعلون لله تصرفاً، ولا يجعلون له منة، ولا يجعلون له فضلاً على عباده ورحمة. لا شك أن هذا تصرف في أفعال الخالق سبحانه، فلأجل ذلك رد عليهم الشارح، وبين أن الظلم الذي نفاه الله تعالى عن نفسه ليس بممتنع ولا بمستحيل، بل هو مقدور، ولكن الله تعالى لا يفعله؛ لكونه غير مستحسن، بل هو أمر مستهجن ومستقبح، فلأجل ذلك نزه الله نفسه في هذه الآيات، فقال تعالى: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩] ، هذا دليل على أنه قادر على أن يظلم، ولكنه منزه عن ذلك، وكذلك قوله: ﴿فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا﴾ [طه:١١٢] ، (لا يخاف ظلماً) أي: بأن يُحمّل سيئات لم يعملها، (ولا هضماً) أي: نقصاً لحسنات قد عملها، بل الله تعالى حكم عدل، فلا يمكن أن يظلم هذا فينقصه، أو يظلمه فيزيد في سيئاته، بل له الفضل عليه، فيضاعف له الحسنات، ويمحو عنه السيئات، ومن أوبقته سيئاته فهو الموبق، ولا يهلك على الله إلا هالك.

стр. 928

الرد على أهل الكلام في طريقة تنزيه الله عن الظلم قال ﵀: [وأيضاً فإن الإنسان لا يخاف الممتنع الذي لا يدخل تحت القدرة حتى يؤمن من ذلك، وإنما يؤمن مما يمكن، فلما آمنه من الظلم بقوله: (فلا يخاف) علم أنه ممكن مقدور عليه. وكذا قوله: ﴿لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ [ق:٢٨] إلى قوله: ﴿وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق:٢٩] ، لم يعنِ بها نفي ما لا يقدر عليه ولا يمكن منه، وإنما نفى ما هو مقدور عليه ممكن، وهو أن يجزوا بغير أعمالهم. فعلى قول هؤلاء ليس الله منزهاً عن شيء من الأفعال أصلاً، ولا مقدساً عن أن يفعله، بل كل ممكن فإنه لا ينزه عن فعله، بل فعله حسن، ولا حقيقة للفعل السوء، بل ذلك ممتنع، والممتنع لا حقيقة له! والقرآن يدل على نقيض هذا القول، في مواضع نزَّه الله نفسه فيها عن فعل ما لا يصلح له ولا ينبغي له، فعُلم أنه منزه مقدس عن فعل السوء والفعل المعيب المذموم، كما أنه منزه مقدس عن وصف السوء والوصف المعيب المذموم، وذلك كقوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون:١١٥] ، فإنه نزه نفسه عن خلق الخلق عبثاً، وأنكر على من حسب ذلك، وهذا فعل، وقوله تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ [القلم:٣٥] ، وقوله تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص:٢٨] إنكار منه على من جوز أن يسوي الله بين هذا وهذا. وكذا قوله: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية:٢١] إنكار على من حسب أنه يفعل هذا، وإخبار أن هذا حكم سيء قبيح، وهو مما ينزه الرب عنه] . كل هذا رد على كلام هؤلاء المبتدعة، فإن من عقيدتهم أن الظلم الذي نزه الله نفسه عنه مستحيل، فلا يمكن أن يحصل، وعلى موجب كلامهم يقال: إذاً هم آمنون، لأن المستحيل ممتنع الوقوع، فإذاً لا داعي لأن يؤمنهم من الظلم. ويقال أيضاً: إذا كانوا آمنين من الظلم فكيف يؤمنهم منه بقوله: ﴿وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق:٢٩] ، ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ [غافر:٣١] ، ويقول: ﴿فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا﴾ [طه:١١٢] ؟! فهذا يدل على أنه ممكن، ولو كان شيئاً مستحيلاً لما خافوا منه، ولما أمنهم، فدل على أنه ما نزه نفسه إلا عن شيء مقدور له، ولكنه تعالى نزه عنه نفسه؛ لأنه لا يليق؛ ولأنه وصف للظلمة الذين يفعلون ما لا يستحسن، فيقصرون ويقتلون ظلماً، ويحبسون وينتهبون، فيقال: هؤلاء ملوك ظلمة، وهؤلاء أمراء ظلمة؛ لأنهم يبطشون في الناس بغير حق؛ فلذلك نزه الله نفسه عن مثل هذه الأفعال.

стр. 929

انقلاب الموازين عند الجبرية أما عقيدة الجبرية: فهم الذين يجعلون لله الفعل لما يريد، فيقولون: يجوز لله أن يهلك المتقين، ويجوز له أن يعذب المؤمنين، ويجوز عندهم أن يثيب الكفار، وأن يرفع درجاتهم، يجعلهم في أعلى عليين وهم كفار فجار خارجون عن الطاعة، ويجوز أن يعذب الأتقياء المؤمنين الذين ما عصوه طرفة عين، وأن يجعلهم في أسفل سافلين! هذا قول المجبرة، ويقولون: إنهم ليس لهم اختيار، وليس لهم أفعال، بل الفعل فعله، والقول قوله، ويستدلون بمثل قوله تعالى: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣] ، وعلى قولهم تكون الخليقة ليس فيها عدل. نقول: إن الله تعالى أعدل من أن يضيع خلقه، ومن الأدلة على نقيض قولهم: أولاً: الأدلة على أنه تعالى ما خلق الخلق عبثاً، كقول تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة:٣٦] أي: مهملاً لا يؤمر ولا ينهى، وهذا حسبان باطل! وقوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون:١١٥] ، أي: قد حسبتم ذلك، ولكنكم أخطأتم في هذا الحسبان، فما كان ربكم ليهملكم ولا ليترككم مهملين عبثاً. وكقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص:٢٧] دل على أن من اعتقد أنه خلقهم بغير حكمة، وإنما خلقهم هملاً وسدى، أنه من الكافرين الضالين. ومرت بنا الأدلة التي تنفي التسوية بين أهل الخير وأهل الشر، مثل قوله تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص:٢٨] أي: لا نجعلهم سواء، بل تأبى حكمة الله أن يجعل المتقين كالفجار، وتأبى أن يجعل المؤمنين كالمفسدين في الأرض، بل لابد أن يميز بينهم. وكذلك قوله تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ [القلم:٣٥] ؟ لا يجوز، وهذا خلاف حكمة الله، أن يسوي بين المسلم وبين المجرم، فالمسلم له الثواب، والمجرم يستحق العقاب. ومثله قول الله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية:٢١] ، هل حسبوا ذلك؟ فهذا حسبان باطل! كيف يعتقدون ويحسبون أن نجعلهم -وهم قد اجترحوا السيئات- أن نجعلهم مثل أهل الحسنات؟! ومثل أهل الأعمال الصالحة؟! لقد أخطئوا في هذا الحسبان. هذا كله من مقتضى قول الأشاعرة أو المجبرة الذين يجعلون لله التسوية، ويقولون: يجوز أن يسوي بين الفاجر وبين المؤمن، فلذلك رد عليهم بهذه الآيات، وأصرحها آية سورة (ص) ، وهو قوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ * أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص:٢٧-٢٨] أي: لا نجعلهم، بل لابد أن نميز هؤلاء، فالله تعالى خلق هؤلاء وميزهم، وهؤلاء وحكم عليهم بالشقاء وهؤلاء يستحقون النصر والتمكين في الدنيا وهؤلاء يستحقون الخذلان والعذاب في الدنيا، وفي الآخرة فريق في الجنة وفريق في السعير.

стр. 930

الكلام على حديث: (لو عذب الله أهل سماواته لعذبهم وهو غير ظالم لهم) قال المؤلف ﵀: [وروى أبو داود، والحاكم في المستدرك من حديث ابن عباس، وعبادة بن الصامت، وزيد بن ثابت، عن النبي ﷺ : (لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه، لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته خيراً لهم من أعمالهم) . وهذا الحديث مما يحتج به الجبرية، وأما القدرية فلا يتأتى على أصولهم الفاسدة! ولهذا قابلوه إما بالتكذيب أو بالتأويل! وأسعد الناس به أهل السنة، الذين قابلوه بالتصديق، وعلموا من عظمة الله وجلاله قدْر نعم الله على خلقه، وعدم قيام الخلق بحقوق نعمه عليهم، إما عجزاً، وإما جهلاً، وإما تفريطاً وإضاعة، وإما تقصيراً في المقدور من الشكر، ولو من بعض الوجوه، فإن حقه على أهل السماوات والأرض أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر، وتكون قوة الحب والإنابة، والتوكل والخشية، والمراقبة والخوف والرجاء: جميعها متوجهة إليه ومتعلقة به، بحيث يكون القلب عاكفاً على محبته وتأليهه، بل على إفراده بذلك، واللسان محبوساً على ذكره، والجوارح وقفاً على طاعته. ولا ريب أن هذا مقدور في الجملة، ولكن النفوس تشح به، وهي في الشح على مراتب لا يحصيها إلا الله تعالى، وأكثر المطيعين تشح به نفسه من وجه، وإن أتى به من وجه آخر. فأين الذي لا تقع منه إرادة تزاحم مراد الله وما يحبه منه؟! ومن ذا الذي لم يصدر منه خلاف ما خلق له، ولو في وقت من الأوقات؟! فلو وضع الرب سبحانه عدله على أهل سماواته وأرضه لعذبهم بعدله، ولم يكن ظالماً لهم. وغاية ما يقدر توبة العبد من ذلك واعترافه، وقبول التوبة محض فضله وإحسانه، وإلا فلو عذب عبده على جنايته لم يكن ظالماً، ولو قدر أنه تاب منها، لكن أوجب على نفسه - بمقتضى فضله ورحمته - أنه لا يعذب من تاب، وكتب على نفسه الرحمة، فلا يسع الخلائق إلا رحمته وعفوه، ولا يبلغ عمل أحد منهم أن ينجو به من النار أو يدخل الجنة، كما قال أطوع الناس لربه، وأفضلهم عملاً، وأشدهم تعظيماً لربه وإجلالاً ﷺ : (لن ينجي أحداً منكم عمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: ولا أنا؛ إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل) ، وسأله الصديق دعاء يدعو به في صلاته، فقال: (قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم) ، فإذا كان هذا حال الصديق -الذي هو أفضل الناس بعد الأنبياء والمرسلين- فما الظن بسواه؟ بل إنما صار صديقاً بتوفيته هذا المقام حقه، الذي يتضمن معرفة ربه وحقه وعظمته، وما ينبغي له، وما يستحقه على عبده، ومعرفة تقصيره. فسحقاً وبعداً لمن زعم أن المخلوق يستغني عن مغفرة ربه، ولا يكون به حاجة إليها! وليس وراء هذا الجهل بالله وحقه غاية! فإن لم يتسع فهمك لهذا؛ فانزل إلى وطأة النِّعم، وما عليها من الحقوق، ووازن بين شكرها وكفرها، فحينئذ تعلم أنه سبحانه لو عذب أهل سماواته وأرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم] . هذا الكلام دائر حول هذا الحديث. وهذا الحديث أنكرته المعتزلة، واحتجت به الجبرية، ولكنه حجة لأهل الحق وهم أهل السنة، صحيح أن الله تعالى لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم؛ وذلك لأن ما عملوه من الأعمال فهو بفضله، فهو الذي هداهم، وهو الذي أعطاهم، وهو الذي خولهم، وهو الذي سخر لهم، إذاً: فإذا عذبهم فإنه لابد أن يعذبهم على شيء من التقصير، حتى ولو كانوا مؤمنين ومتقين؛ لأن هذا الإيمان وهذا التقى محض عطاء الله ومحض فضله.

стр. 931

لن يدخل أحد الجنة بعمله قد ذكرنا أنه ورد في بعض الأحاديث: أنه يجاء برجل قد عمل أعمالاً صالحة أمثال الجبال، فيقول الله: أدخلوه الجنة برحمتي. فيقول: يا رب! بل بعملي، فعند ذلك يقول الله: حاسبوه. فيقول لنعمة البصر: خذي حقك. فلا تكاد أن تترك من حسناته شيئاً، وتبقى نعمة السمع، ونعمة النطق، ونعمة العقل، ونعمة القوة، ونعمة الشهوة، ونعمة الهداية، ونعمة الإلهام، ونعمة الرزق ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم:٣٤] فعند ذلك يقول: أدخلوه العذاب، فيقول: بل -يا رب! - برحمتك. فلذلك يقول النبي ﷺ : (لن يدخل أحد الجنة بعمله) ، أعمالنا لا تدخلنا الجنة حتى يرحمنا الله معها، فيدخل الجنة برحمته من يشاء، يقول الله تعالى: ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الإنسان:٣١] . وإذا كان العباد مهما عملوا فإنهم بحاجة إلى رحمة الله؛ عُلم أنهم دائماً يسألون ربهم أن يعمهم بواسع رحمته، وهو سبحانه أرحم بهم من آبائهم وأمهاتهم.

стр. 932

كتب الله على نفسه الرحمة قد أخبر النبي ﷺ أن رحمة الله تعالى واسعة، يرحم بها عباده فقال ﷺ : (خلق الله الرحمة مائة جزء، كل جزء طباق ما بين السماء والأرض، فأنزل منها جزءاً واحداً في الأرض، فمن ذلك الجزء تتراحم المخلوقات، وتتراحم الدواب، حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه، فإذا كان يوم القيامة ضم هذه الرحمة إلى تلك الأجزاء فرحم بها عباده) ، فهذا معنى كونه كتب على نفسه الرحمة. وقال في الكتاب الذي كتبه: (فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي، إن رحمتي تغلب غضبي) ، ولأجل ذلك كان من أسمائه الحسنى: الرحمن الرحيم، وأخبر بأنه يرحم من عباده الرحماء، وقال: (الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء) ، وقال: (من لا يَرحم لا يُرحم) وكل ذلك دليل على أنه تعالى يجود على من يشاء ويرحمهم، ولكن أعمالهم مهما كانت، ومهما كثرت، فهي تقل عن أن يستحقوا بها وحدها الجنة. ولأجل ذلك لما نزل قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران:١٠٢] استثقلوا هذه الآية وقالوا: إنا لا نستطيعها، حتى أنزل الله بياناً لها قوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦] ، ومع ذلك فسر عبد الله بن مسعود قول الله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران:١٠٢] فقال: تقوى الله حق تقاته: أن يطاع فلا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر.

стр. 933

شكر النعمة واحتقار العمل فالإنسان مخلوق لعبادة الله، مأمور بأن يشغل كل أعماله، وكل أفكاره، وكل جوارحه، بعبادة الله، فنظره يجعله كله عبادة، فلا ينظر إلا نظر اعتبار، ولا ينظر إلا نظر رحمة، ولا ينظر إلا فيما ينفعه، فإذا نظر فيما يضره، أو نظر إلى ما لا يحل له، فقد عصى الله بهذا النظر، وكذلك سمعه الذي جعله الله واسطة يسمع به الأصوات، هو نعمة من الله، مأمور بألا يستعمله إلا في الشيء الذي ينفعه مأمور بأن يستمع به الوعظ والعلم والخير والإرشادات والتوجيهات والكلمات النافعة، ولا يستمع به ما يضره، فلا يستمع للهو ولا للعب، ولا يستمع النياح ولا القهقهة، ولا الشيء الباطل، ولا يستمع إلى غيبة أو نميمة أو نحوها، إن استمع إلى ذلك فقد كفر هذه النعمة وما شكرها. وهكذا نعمة النطق، هذا اللسان الذي أنطقه الله، وجعله معبراً عن حاجته، لابد أنه يستعمله في الشيء الذي ينفعه، فإذا صانه وحفظه ولم يتكلم إلا بخير، وجعله مستعملاً في الذكر وفي الشكر وفي الاعتبار، وفي الأمر بالخير والدلالة عليه، وفي النهي عن الشر والتحذير عنه، وكذلك في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي الشيء الذي ينفع من ذكر الله وما والاه، والإصلاح بين الناس ونحو ذلك، على حد قول الله تعالى: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء:١١٤] ، فإذا فعل ذلك اعتبر شاكراً لهذه النعمة، وإذا تكلم فيما لا يعنيه، أو تكلم بما لا يجوز له اعتبر كافراً لهذه النعمة. وهكذا يقال في التفكير، العقل الذي مَنَّ الله به على الإنسان، واستعمله فيما ينفعه، ففكر في آيات الله، وفكر في مخلوقاته، وتدبر آياته، وتدبر ما بين يديه وما خلفه، وتدبر أول الأمر وآخره وما أشبه ذلك؛ اعتبر شاكراً لذلك، ولكن إذا صرف شيئاً من ذلك فيما يضره، فقد كفر هذه النعمة، وذلك كما إذا جاء تفكيره وتعقله في أموره الدنيئة، أو في الكيد للإسلام والمسلمين، أو بتدبير الشئون الدنيوية ونسي الأمور الدينية أو ما أشبه ذلك؛ اعتبر كافراً بنعمة العقل. وهكذا يقال في نعمة الجوارح، فاليدان يستعملهما ويبطش بهما في الشيء الذي يقربه إلى الله، والرجلان يسير بهما في الشيء الذي ينفعه، والمأكل والمشرب لا يدخله إلا الشيء الذي يفيده وينفعه. ومعلوم أن الناس في هذا لابد أن يقعوا في أخطاء. إذاً: فكيف مع ذلك يزكون أنفسهم؟! ويدعون أنهم من المقربين؟! وأن حقاً على الله أن يعطيهم؛ وأنه إذا لم يعطهم اعتبر ظالماً لهم؛ وأنه إذا عاقبهم وسلط عليهم الفقر والفاقة ونحو ذلك فهو ظلم منه لهم وما أشبه ذلك؟! نقول: لا شك أن هذا سوء ظن بالله تعالى، وأنه حسن ظن بأنفسهم، والإنسان عليه أن يرجع إلى نفسه بأن يلومها غاية اللوم، وأن ينسب التقصير إليها، وأن يحاسبها أشد المحاسبة، فبذلك يكتبه الله تعالى من أهل الرحمة، ومن أهل الثواب. أما إذا لم يحاسب نفسه، بل اعتقد أنه من المحسنين، وأنه من المتقين، وأنه قد فعل وفعل، وأخذ يمدح نفسه، وأخذ يرفع من شأنه، ويفضل عمله على عمل غيره؛ فإن في هذا ما يسبب بطلان عمله ورده عليه. وإذا كان نبينا ﷺ يعترف بأنه لا يدخل الجنة إلا إذا ﵀ بقوله: (ولا أنا؛ إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل) ، وكذلك من الملائكة من هم سجود من حين خلقوا إلى يوم القيامة، وإذا كان يوم القيامة يقولون: يا ربنا! سبحانك ما عبدناك حق عبادتك. فكيف بنا نحن الذين قد أضعنا الكثير من حياتنا؟! والذين قد اتبعنا كثيراً من الأهواء، وقد أطعنا النفوس، ومع ذلك نزكي أنفسنا! والله تعالى يقول: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم:٣٢] ؟! فعلى المسلم أن يعتقد أن الله سبحانه هو أرحم بعباده، فيأتي بأسباب الرحمة، ويعتقد بأنه إذا لم تعمه رحمة الله فإنه خاسر، وأنه جعل للرحمة أهلاً، فقال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف:١٥٦] إلى آخر الآيات، ذكر أهلها، هؤلاء هم أهل الرحمة، فليس كل من تمناها تحصل له، إذاً فليس أحد ينجيه عمله إلا برحمة الله، ورحمة الله لها أهل، وأسباب الرحمة سهلة ويسيرة على من يسرها الله عليه.

стр. 934

شرح العقيدة الطحاوية [٧٥] لم يزل المسلمون يدعون لموتاهم ويتصدقون عنهم، ويعملون أعمال البر المختلفة يقصدون بها وصول الثواب إليهم، وهم في ذلك مستندون إلى الأدلة الصحيحة الصريحة من الكتاب والسنة.

стр. 935

عظيم فضل الله علينا يوجب علينا شكره أحمد الله سبحانه على ما أولانا من النعم ودفع من النقم، نسأله سبحانه أن يوزعنا شكر نعمه التي أنعمها علينا وعلى والدينا، وأن يعاملنا بفضله، ولا يعاملنا بعدله، فإنه سبحانه هو المنعم بكل أنواع الإنعام، فهو الذي أعاننا على ذكره وشكره، وهو الذي هدانا لطاعته ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف:٤٣] . فالهداية فضل منه ونعمة، وكذلك الإعطاء والمنة والإلهام كل ذلك محض فضله على عباده؛ حتى عباداتهم هي إلهام منه وتوفيق، فهو الذي أعانهم ووفقهم وسددهم وقواهم، وجعلهم مطيعين له، ولو شاء لأضلهم جميعاً، ولو شاء لهداهم جميعاً، وله المشيئة النافذة، وله الحكمة البالغة، ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣] ونعمه على عباده لا تحصى، وأياديه عليهم لا تستقصى، فإذا مسهم بالسرور فهو محض فضله، وإذا مسهم بضر فهو ابتلاء منه وامتحان، وفي الصبر على ذلك أجر عظيم، ولذلك يقول بعضهم في بيان الشكر: إذا كان شكري نعمة الله نعمة علي له في مثلها يجب الشكر فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله وإن طالت الأيام واتسع العمر إذا مس بالسراء عم سرورها وإن مس بالضراء يعقبها الأجر فالعبد إذا قال: الحمد لله، فهذه نعمة ألهمه الله وأعانه عليها، فهذه النعمة التي هي الإلهام تحتاج إلى نعمة أخرى يشكرها بها، فإذا قال: أشكر الله، أو: الشكر لله، فهذه نعمة أخرى تستدعي أن يشكر الله عليها، فإذا قال: رب! لك الحمد، فهذه نعمة أخرى تستدعي أن يشكرها، وكذلك إذا ذكر الله وكبره وسبحه واستغفره، كل ذلك نعم منه، وكل نعمة فلها حق أن تشكر ولا تكفر، ولأجل ذلك كانت له النعمة على عباده، وله الفضل عليهم، كما مر بنا أنه لو عذب أهل سماواته لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيراً لهم من أعمالهم؛ وذلك لأنه لا يظلم أحداً، فلا يعذبهم إلا على تقصير منهم في شكر ربهم، ولو حاسبهم على أعمالهم ولو كانت أمثال الجبال، لم تقاوم أصغر نعمة عليهم، سواء كانت نعمة حسية كأسماعهم وعقولهم وألسنتهم وقواتهم، أو نعماً معنوية: كهدايتهم وتعليمهم وفطرتهم الحسنة ونحو ذلك، فإنه لو حاسبهم على هذا العطاء لعذبهم، ولذلك يقول النبي ﷺ في قول الله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق:٨] : (إن ذلك حساب العرض) ، أن تعرض عليهم أعمالهم دون أن يناقشوا فيها؛ ولذلك يقول: (إن من نوقش الحساب عُذِّب) ، أي: من ناقشه الله الحساب على دقيق النعم وجليلها، وعلى دقيق الأعمال وجليلها، وصغيرها وكبيرها، فإنها وإن كانت حسناته أمثال الجبال لا تقوم أمام أصغر نعم الله عليه، فإذاً لابد إذا حاسبهم حساباً شديداً عسيراً أن يعذبهم. ومر بنا قول النبي ﷺ : (لن يدخل أحدكم الجنة بعمله. قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: ولا أنا؛ إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل) ، هذا وهو سيد الخلق وسيد العاملين، الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، والذي كان يقوم الليل حتى تفطرت قدماه، ويقول: (أفلا أكون عبداً شكوراً) ، ومع ذلك أخبر أنه بحاجة إلى رحمة الله! إذاً: فنحن أولى بأن نحتقر أعمالنا، نحن أولى بأن نظهر فقرنا وفاقتنا، نحن أولى بأن نصغر أنفسنا، نحن أولى بأن نظهر الضعف نظهر الفقر نظهر الفاقة نظهر العجز نظهر الذل الذي نحتاج معه إلى التقوية، والذنوب التي نحتاج معها إلى المغفرة، والتقصير الذي نحتاج معه إلى العفو، فإذا لم يتلاف عباده بعفوه فإنهم هالكون، ولذلك لا ينبغي لنا أن نزكي أنفسنا، ونمدحها بكثرة أعمالنا، ونقول: نحن أكثر عملاً، نحن أكثر حسنات من هذا وهذا، نحن الذين عملوا وعملوا، فإن هذه التزكية قد تكون سبباً لحبوط العمل وبطلان ثوابه، ولأجل ذلك يقول الله تعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النجم:٣٢] أي: لا تمدحوها وتفتخروا بأعمالكم، بل الله يزكي من يشاء، فهو الذي يمدح من يشاء أو من يستحق المدح، وعلى هذا فليحتقر المسلم عمله حتى يحصل له مضاعفة الله له، وليطلب من ربه المغفرة، وليدخل عليه من باب الذل والافتقار، وربنا سبحانه عند المنكسرة قلوبهم من أجله.

стр. 936

مسألة: انتفاع الأموات بسعي الأحياء قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قوله: (وفي دعاء الأحياء وصدقاتهم منفعة للأموات) . اتفق أهل السنة أن الأموات ينتفعون من سعي الأحياء بأمرين: أحدهما: ما تسبب إليه الميت في حياته. والثاني: دعاء المسلمين واستغفارهم له. والصدقة والحج على نزاع فيما يصل إليه من ثواب الحج، فعن محمد بن الحسن: أنه إنما يصل إلى الميت ثواب النفقة، والحج للحاج، وعند عامة العلماء: ثواب الحج للمحجوج عنه، وهو الصحيح. واختلف في العبادات البدنية: كالصوم والصلاة وقراءة القرآن والذكر: فذهب أبو حنيفة وأحمد وجمهور السلف إلى وصولها. والمشهور من مذهب الشافعي ومالك عدم وصولها. وذهب بعض أهل البدع من أهل الكلام إلى عدم وصول شيء البتة، لا الدعاء ولا غيره. وقولهم مردود بالكتاب والسنة، لكنهم استدلوا بالمتشابه من قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم:٣٩] ، وقوله: ﴿وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [يس:٥٤] ، وقوله: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة:٢٨٦] . وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو ولد صالح يدعو له، أو علم ينتفع به) ، فأخبر أنه إنما ينتفع بما كان تسبب فيه في الحياة، وما لم يكن تسبب فيه في الحياة فهو منقطع عنه. واستدل المقتصرون على وصول العبادات التي لا تدخلها النيابة بحال، كالإسلام والصلاة والصوم وقراءة القرآن، وأنه يختص ثوابها بفاعله لا يتعداه، كما أنه في الحياة لا يفعله أحد عن أحد، ولا ينوب فيه عن فاعله غيره- بما روى النسائي بسنده، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ ، أنه قال: (لا يصلي أحد عن أحد، ولا يصوم أحد عن أحد، ولكن يطعم عنه مكان كل يوم مداً من حنطة) ] . هذا موضوع آخر، بعدما انتهى الكلام على ما يتعلق بالقضاء والقدر وما أشبهه، أتى الطحاوي ﵀ بهذه العبارة رداً على بعض المبتدعة، في مسألة: هل ينتفع الأموات بشيء من أعمال الأحياء أم لا؟ صحيح أن الأموات قد طويت صحف أعمالهم، وقد ختم عليها، فلا يستطيعون زيادة في الحسنات، ولا نقصاً من السيئات؛ وذلك لأنهم أنهوا حياتهم، ودخلوا في عالم البرزخ الذي هو أول منازل الآخرة، فكأنه ختم على أعمالهم، ولكن الأحياء قد يهدون إليهم بعض الأعمال.

стр. 937

انتفاع الأموات بدعاء الأحياء وبما تسببوا به من أعمال هذه الأعمال التي يهديها إليهم الأحياء إما أن تكون أعمالاً بدنية، أو أعمالاً قولية، أو أعمالاً مالية، فالأعمال البدنية: كالصلاة، والصوم، والطواف وما أشبهها، والأعمال المالية: كالصدقات، والنفقات، والأضاحي وما أشبهها، والأعمال القولية: كالدعاء، والذكر، والاستغفار وما أشبهها. ولا شك أنهم ينتفعون بدعاء الأحياء لهم، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ [الحشر:١٠] ، نحن ندعو بهذا للذين سبقونا بالإيمان ولو لم نعرفهم، ولو كان بيننا وبينهم مائة سنة أو مئات أو ألوف السنين، فدل ذلك على أنه مشروع، وأنه ينفعهم، وسيأتينا أنهم ينتفعون بالصلاة عليهم، فالصلاة على الميت هي أول شيء يزود به الميت، ولو لم يكن له أجر ونفع فيها لم تشرع، إذاً هذا من الذي ينتفعون به، وهو الدعاء لهم. كذلك الأعمال التي كانوا سبباً فيها، يبقى لهم أجرها، فإذا تصدق أحدهم بصدقة، واستمرت تلك الصدقة، فإن الأجر مستمر، وذلك مثل: الأحباس والأوقاف التي ينتفع بها، فهذه يصل أجرهم إليهم، وهكذا البيوت التي ينتفع بها كالمساجد، فإذا بنى مسجداً فإنه يأتيه أجره ولو بعد موته بمائة سنة أو أكثر، ما دام يصلى في هذا المسجد، وهكذا إذا بنى مدرسة لتحفيظ القرآن، أو لطلب العلم النافع؛ فإن ذلك -أيضاً- يجري عليه أجره، وهو معنى قوله: (صدقة جارية) . وكذلك غلات الأوقاف، فإذا جعل غلة هذا الوقف في صدقات أو في جهاد -يعني: في أسلحة للمجاهدين ونحوهم- كان ذلك من النفقة النافعة التي يأتي إليه أجرها بعد موته، وكذلك إذا كان قد ورث علماً ينتفع به، إذا ألف كتباً كتبها، وجعل فيها علوماً نافعة، فإنه ما دام يُقرأ فيها، ويدعى لمن ألفها وكتبها، فلا شك أن ذلك مما يستمر أجره عليها. وهكذا إذا نشر علماً: فكتب أو طبع مصاحف ونشرها، أو كتب علم طبعها وأنفق عليها ونشرها، وصارن ينتفع بها وتقرأ، ويدعى لمن نشرها، لا شك أن ذلك من النفقات المالية التي يستمر أجرها له بعد موته. وكذلك كل إنسان كان متسبباً في عمل من الأعمال النافعة، ذكروا من ذلك الأحباس التي في الطرق ينتفع بها، كالمياه التي يشرب منها أبناء السبيل ونحوهم، وحفر الآبار التي ينتفع بها المارة ونحوهم، وإجراء الأنهار، وإصلاح الطرق التي يمر بها المسلمون وينتفعون بها، وإضاءتها -مثلاً- إذا احتاجت إلى إضاءة وتنوير، وجعل المرافق فيها كالمياه وما ينتفع به كل ذلك من الأعمال الخيرية التي إذا فعلها احتساباً كان له أجر. وهكذا إذا جعل غلته في تجهيز الأموات، وحفر القبور، وتحنيط الميت وتغسيله، وقيمة الأكفان وما أشبهها، فإن ذلك من الأعمال الصالحة، فيستمر له أجر ذلك ولو بعد موته بعشرات السنين؛ وذلك لأن هذا مما أنفق فيه.

стр. 938

معنى حديث: (لا يصومن أحد عن أحد) أما الأعمال البدنية فقد اختلف فيها، وقد تقدم الحديث الذي قال فيه: (لا يصومن أحد عن أحد، ولا يصلي أحد عن أحد) ، ولكن ذلك محمول على الأحياء، فالأحياء القادرون لا يجوز لأحدهم أن ينوب عن أحد، فلا تقل لولدك: صل عني الظهر أو العصر، أو نحو ذلك؛ لأن هذه العبادة تتعلق ببدنك، فلا ينوب فيها عنك أحد، وكذلك لو أحرمت بنفسك فلا تقل لولدك أو لعبدك: طف عني طواف الإفاضة، أو قف عني بعرفة أو نحو ذلك، فإن هذا عمل بدني لا يقوم فيه أحد عن أحد، وكذلك إذا كنت قادراً فلا تقل -مثلاً-: صم عني هذا اليوم من رمضان، أو صم عني هذا الشهر لأنه لا يجوز التوكيل في مثل هذه الأعمال؛ لأنها متعلقة بالبدن؛ ولأن الحكمة فيها أن يخضع ذلك العامل ببدنه، وأن يشعر بذله واستضعافه بين يدي ربه، فإذا كان المتذلل غيره لم يتأثر بذلك. فإذاً: الحكمة في شرعية الصلاة أن يخضع المصلي ويخشع ويتواضع، ولا يحصل له أجر إذا تواضع غيره، بل ذلك التواضع يحصل للمتواضع، ولا يحصل له. ولو قال: أهديت صلاتي لك، لم يجز؛ وذلك لأنه لابد أن يكون عمله من نفسه، وكذلك الحكمة من الصيام حصول ألم الجوع والجهد والظمأ، والصبر على ذلك، أما إذا كان يأكل ويشرب ويتمتع، والذي صام غيره، لم تحصل المصلحة التي هي تأثره بهذا الصيام، فيكون أجر الصيام لمن صامه لا له، وإن كان في ذلك استثناء كما سيأتي.

стр. 939

الدليل على انتفاع الميت بغير ما تسبب فيه قال ﵀: [والدليل على انتفاع الميت بغير ما تسبب فيه: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس الصحيح. أما الكتاب: فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ [الحشر:١٠] ، فأثنى عليهم باستغفارهم للمؤمنين قبلهم، فدل على انتفاعهم باستغفار الأحياء. وقد دل على انتفاع الميت بالدعاء إجماع الأمة على الدعاء له في صلاة الجنازة، والأدعية التي وردت بها السنة في صلاة الجنازة مستفيضة، وكذا الدعاء له بعد الدفن، ففي سنن أبي داود، من حديث عثمان بن عفان ﵁، قال: كان النبي ﷺ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه فقال: (استغفروا لأخيكم، واسألوا له التثبيت، فإنه الآن يسأل) . وكذلك الدعاء لهم عند زيارة قبورهم، كما في صحيح مسلم، من حديث بريدة بن الحصيب، قال: كان رسول الله ﷺ يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقولوا: (السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية) وفي صحيح مسلم -أيضاً- عن عائشة ﵂: (سألت النبي ﷺ : كيف أقول إذا استغفرت لأهل القبور؟ قال: قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون) . وأما وصول ثواب الصدقة: ففي الصحيحين عن عائشة ﵂: (أن رجلاً أتى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله! إن أمي افتلتت نفسها، ولم توصِ، وأظنها لو تكلمت تصدقت، أفلها أجر إن تصدقت عنها؟ قال: نعم) . وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن عباس ﵄: (أن سعد بن عبادة توفيت أمه وهو غائب عنها، فأتى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله! إن أمي توفيت وأنا غائب عنها، فهل ينفعها إن تصدقت عنها؟ قال: نعم. قال: فإني أشهدك أن حائطي المخراف صدقة عنها) وأمثال ذلك كثيرة في السنة. وأما وصول ثواب الصوم: ففي الصحيحين عن عائشة ﵂، أن رسول الله ﷺ قال: (من مات وعليه صيام صام عنه وليه) وله نظائر في الصحيح، ولكن أبو حنيفة ﵀ قال بالإطعام عن الميت دون الصيام عنه، لحديث ابن عباس المتقدم، والكلام على ذلك معروف في كتب الفروع. وأما وصول ثواب الحج: ففي صحيح البخاري عن ابن عباس ﵄: (أن امرأة من جهينة جاءت الى النبي ﷺ ، فقالت: إن أمي نذرت أن تحج فماتت قبل أن تحج، أفأحج عنها؟ قال: نعم، حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين، أكنت قاضيته؟ قالت: نعم. قال: فاقضوا الذي لله، فإن الله أحق بالوفاء) ونظائره أيضاً كثيرة. وأجمع المسلمون على أن قضاء الدين يسقطه من ذمة الميت، ولو كان من أجنبي، ومن غير تركته، فقد دل على ذلك حديث أبي قتادة، حيث ضمن الدينارين عن الميت، فلما قضاهما قال النبي ﷺ : (الآن بردت عليه جلدته) ، وكل ذلك جار على قواعد الشرع، وهو محض القياس، فإن الثواب حق العامل، فإذا وهبه لأخيه المسلم لم يُمنع من ذلك، كما لم يُمنع من هبة ماله في حياته، وإبرائه له منه بعد وفاته. وقد نبه الشارع بوصول ثواب الصوم على وصول ثواب القراءة ونحوها من العبادات البدنية، يوضحه: أن الصوم كف النفس عن المفطرات بالنية، وقد نص الشارع على وصول ثوابه إلى الميت، فكيف بالقراءة التي هي عمل ونية؟] . هذه أدلة لمن قال بأنه ينتفع الميت بأعمال الحي التي يهديها له، وانتفاعه بالأقوال كالذكر إذا أهدي له، وكذلك الاستغفار له والدعاء وما أشبه ذلك، دليله الأحاديث التي تحث على الاستغفار للأموات والدعاء لهم؛ وذلك لأن دعوة المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، وقد ورد أنه إذا دعوت لأخيك الغائب يقول الملك: آمين، ولك بمثل، وسواء كان ذلك الذي دعوت له حياً أو ميتاً. وكذلك أخبر الله تعالى بأن الملائكة تستغفر للمؤمنين، فدل على أنهم ينتفعون بأعمال غيرهم؛ وذلك لأن هذا العمل الذي يهدى إليهم يعتبر تبرعاً من ذلك العامل.

стр. 940

مناقشة المانعين في معنى آية: (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى) استدل المانعون من المبتدعة، بقول الله تعالى في سورة النجم: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم:٣٩] ، وكثيراً ما يستدل بهذه الآية بعض المتأخرين، الذين يمنعون من الإهداء إلى الأموات، ويمنعون الأضحية عنهم، ويمنعون القراءة لهم أو نحو ذلك. ولا شك أن الآية إنما فيها الملكية، أي: لا يملك الإنسان إلا سعيه، أما سعي غيره فلا يقدر عليه، فلا يقدر الميت أن يأخذ من أعمال أولاده، ولا يقدر أن يأخذ من أعمال زوجاته، ولو كانوا يحبونه. ولعل هذا في الدار الآخرة، فقد ورد في تفسير قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٤-٣٧] أنه يلقى الرجل ولده فيقول: يا بني! أنا خير أب لك، أنا الذي أعطيتك، أنا الذي نفعتك وربيتك. فيقول: صدقت ونعم الأب! فيقول: إني بحاجة إلى حسنة أو حسنات ليثقل بها ميزاني، فيقول الابن: وأنا بحاجة إلى ما أنت بحاجة إليه، نفسي نفسي! ويأتي إلى زوجته، فيذكرها صحبته، فيسألها حسنة أو حسنات، فتمتنع وتقول: أريدها لنفسي، أخشى أن يخف ميزاني وهكذا، ففي الدار الآخرة لا ينتفع أحد إلا بعمله، وأما في الدنيا فلا مانع من أن يهدي الحي للميت، ومن أن يعطيه، ومن أن يتصدق عنه ويدعو له، لا مانع من ذلك؛ حيث إنه تبرع بذلك.

стр. 941

الصلاة على الجنازة دليل على انتفاع الميت بعمل الحي وتقدمت الأدلة في الدعاء للميت، فمنها: الدعاء في الصلاة عليه، ففي سنن أبي داود بسند صحيح، أن النبي ﷺ قال: (إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء) أي: ادعوا له وأنتم صادقون بالدعوات الجامعة. وفي صحيح مسلم وغيره حديث عوف بن مالك: (أنه ﷺ صلى على ميت، يقول عوف: فحفظت من دعائه قوله: اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله داراً خيراً من داره، وأهلاً خيراً من أهله. يقول عوف: حتى تمنيت أن أكون أنا ذلك الميت؛ لدعاء النبي ﷺ له) ، وهذا تعليم منه لأمته أن يدعوا بمثل هذه الدعوة وإن لم تكن معينة مخصصة، بل يدعون بها وبما يماثلها، ولو كان ذلك لا ينفع الميت لم تشرع هذه الصلاة التي هي صلاة الجنازة. وكذلك بعد الموت وبعد الدفن، فقد جاء أنه ﷺ كان يأمر أصحابه أن يسألوا له التثبيت، ويقول: (إنه الآن يسأل) ، فيقولون: اللهم ثبته بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، أو اللهم ثبته عند اللقاء، وما أشبه ذلك، فدل على أنه ينتفع بذلك.

стр. 942

دعاء زيارة المقابر دليل على انتفاع الميت بعمل الحي كذلك ما ورد من الدعاء للأموات عند زيارة المقابر، وأنه ﷺ كان يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يسلموا عليهم والسلام دعاء، يقولون: (السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم) ، فهذا دعاء لهم بالمغفرة، ودعاء لهم بالعافية، فدل على أنهم ينتفعون بذلك، وأنهم محتاجون إليه. ولا شك أنه يأتيهم من دعوات الأحياء حسنات كثيرة ينتفعون بها، وتزداد بها حسناتهم، والقصص في ذلك كثيرة مشهورة، أشار إليها كثير من العلماء، ومن أراد الاطلاع والتوسع فليقرأ كتاب الروح لـ ابن القيم ﵀، فإنه استوفى ما يتعلق بهذه المسائل، ولعل الشارح لخص هذا منه، وكذلك لتلميذه ابن رجب كتابه الذي سماه: أهوال القبور في أحوال أهلها إلى النشور.

стр. 943

الكلام على انتفاع الميت بأعمال الحي البدنية وأيضاً ما تقدم فيما يتعلق بالأعمال البدنية التي يعملها الحي عن الميت كالصيام، وفيه خلاف، فذهب الإمام أحمد -في المشهور عنه- إلى أنه لا يصوم عنه إلا النذر، فلا يصوم عنه أيام رمضان؛ وذلك لأن في الحديث (أن امرأة قالت: يا رسول الله! إن أمي ماتت وعليها صوم نذر، أفأصوم عنها؟ قال: نعم -ثم شبه ذلك بالدين- وقال: لو كان على أمك دين فقضيته، أيجزئ ذلك؟) فشبه الصوم الذي عليها بالدين، ولما ذكر في الحديث صوم النذر خصه أحمد بالنذر، ومنع صيام الفرض، واستدل بالحديث الذي تقدم، وهو قوله: (لا يصلي أحد عن أحد، ولا يصوم أحد عن أحد) . وقد عرفنا أن هذا الحديث محمول على الأحياء، بمعنى: لا يصوم حي عن حي، ولا يصلي حي عن حي، فأما الأموات فقد صح لنا هذا الحديث، وصح لنا -أيضاً- حديث عائشة وفيه: (من مات وعليه صيام صام عنه وليه) ، ولم يخص ذلك بنذر ولا بفرض، فدل على أنه من المشروع أن يصام عنه القضاء ونحو ذلك، وإذا أطعموا عنه أجزأ ذلك، سواء كان الصوم الذي عليه فرضاً أو نذراً. وأما النفل عنه: أن تصوم يوماً نفلاً، وتقول: اللهم اجعل ثوابه لوالدي أو لوالدتي أو نحو ذلك، فهذا محل خلاف أيضاً، ولعل القياس يدل على جوازه، وذلك أنه إذا سقط عنه الفرض بتطوعك عنه، فمعنى ذلك وصول الأجر إليه، وأيضاً: أنت مأجور على صيام التطوع، فإذا أهديت أجرك لقريبك تطوعاً واختياراً، فما المانع أن يكون أجره له؟! هذا بالنسبة إلى الصيام. وكذلك يقال في الصلاة: إذا أهدى صلاة له، وإن لم يكن ذلك مشهوراً.

стр. 944

وصول الصدقة والحج وانتفاع الميت بها وأما الصدقات فلا شك في وصولها، فإن كانت من الميت فهي الأحباس التي يوصي بها، وإن كانت تبرعاً من الحي فلا شك في أنه يصله أجرها، فإذا تصدقت عنه صدقة خاصة كالصدقة في وقت الأضحية التي تسمى الأضحية، وكذلك الصدقة في رمضان بطعام أو بلحم أو بكسوة على مستحق، أو بنقود ينتفع بها، وجعلت أجرها لأخيك أو لأبيك، فإنه ينتفع بذلك ويصل إليه الأجره، وكذلك كل الأعمال المالية. أما العمل الذي يتكون من المال والعمل كالحج؛ فإنه يتركب من أمرين: عمل بدني، وعمل مالي، فالبدني هو ركوب هذا الحاج، وتعبه في سفره، وإحرامه وطوافه ووقوفه ورميه وما أشبه ذلك، أما العمل المالي فهو نفقاته: ومنها أجرة الركوب، وكذلك نفقته في ذهابه وإيابه، وكذلك ذبيحته التي يذبحها كفدية هذه أعمال مالية. فإن كان هذا المال من الميت أو من تركته فإن أعمال هذا العامل تكون لذلك الميت، حيث إن هذا المال هو الذي وصل بسببه إلى تلك المشاعر، فكأنه كان عاجزاً عن أن يصل إلى مكة لقلة المال، فلما أخذ هذا المال قوي، فدفع منه الأجرة، ودفع منه النفقة، ودفع منه الأضحية وما أشبه ذلك، فكان ذلك متسبباً عن هذا المال، فكان أجره لصاحب المال، فلأجل ذلك يقولون: تصح الاستنابة في الحج، والأجر للمحجوج عنه الذي دفع المال، والناس على هذا. ونقول تعليقاً على هذا: إن الذي يحج بدلاً عن غيره بمال يأخذه لا يجوز له ذلك إلا إذا كان عاجزاً عن الحج بماله، كالفقير الذي لا يستطيع الوصول إلى مكة لفقره، فيأخذ هذا المال لينفق منه حتى يصل إلى المشاعر ويؤدي تلك المناسك، فهذا هو الذي يؤجر على حجه، ويكون الأجر الأصلي لصاحب المال.

стр. 945

شرح العقيدة الطحاوية [٧٦] يختلف العلماء في جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن كما يختلفون في جواز إهداء ثواب قراءة القرآن للميت، لكنهم لا يختلفون في المنع من أخذ الأجرة على القراءة للميت، وذلك ما سيعرفه القارئ في هذه المادة.

стр. 946

دعاء الأحياء وصدقاتهم تنفع الأموات تتعرض كتب العقيدة لكل شيء فيه خلاف مع المبتدعة، ولو كان من الفروع، ولو كان المخالف فيه مخالفاً لنص ظاهر، أو كان المخالفون فيه قليلين، ومن ذلك مسألة وصول ثواب الأعمال التي يعملها الأحياء إلى الأموات. وقد ورد ما يدل على وصول بعض الأعمال، وخصها بعضهم بما تسبب فيه الميت، كقوله ﷺ : (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له) . فالصدقة الجارية هي: الأوقاف والأحباس التي وقفها في حياته لينتفع بها كبناء المساجد والمدارس، وكذا الصدقات التي هي غلات كوقف ثمار النخيل على الضعفاء، وكوقف غلات البيوت ونحوها على الجهاد، أو على الحج وما أشبه ذلك. وأما العلم الذي ينتفع به: فهو الكتب التي كتبها وألفها، وكذلك العلوم التي علمها من ينقلها عنه، فإنه ما دام ينتفع بها يأتيه أجر. وأما الولد الصالح: فيعم الذكر والأنثى من ذريته وذرية ذريته الذين يدعون له. وأصل الدعاء هو سؤال الله للميت مغفرة ورحمة وجنة وثواباً، وتخفيف حساب ومغفرة ذنب ونحو ذلك. والأحياء يدعون للأموات، وأول ما يدعون لهم في صلاتهم على الجنازة عندما يقدم الميت بين يدي المصلين، فيدعون له بالمغفرة والرحمة، وبإدخاله الجنة، وبتكفير الخطايا وما أشبه ذلك، ولا شك أنه ينتفع بذلك؛ لأن هذا من السنة. وأما بقية الأعمال: فاتفقوا على أن من تبرع بصدقة عن ميته وصله أجرها، سواء كانت الصدقة عيناً -يعني: نقوداً- أو طعاماً أو لحماً أو نحو ذلك من الصدقات، وهي داخلة في قوله: (صدقة جارية) ، فهذه الصدقة تعم ما إذا كان الميت هو الذي سبل تلك الصدقة، أو تصدق بها عنه ذريته، يعني: تبرعوا بمال يتصدق بغلته فينتفع هو بتلك الصدقة التي تصدقوا بها وجعلوا أجرها لميتهم، ويعم ذلك الأضاحي إذا أوصى بها، أو ذبحت عنه وجعل أجرها له؛ فإنها من جملة الصدقات. وأما الصدقات الأخرى: فلا شك أنه يصله أجرها، فإذا تصدق عنه ولده أو قريبه صدقة على فقير، أو على مسكين، أو على ابن سبيل، أو على ذي حاجة من قريب أو بعيد؛ نفعه ذلك، وكذلك إذا أطعم طعاماً أو كسا كسوة أو نحو ذلك، ونوى أجرها لميته؛ نفعه ذلك؛ لأن هذا كله من الصدقات التي إذا تبرع بها ونوى أجرها للميت وصل أجرها بمجرد النية. ويدخل في ذلك الصدقات التي يتبرع بها غير أقاربه، فلو تصدق عنه أحد وليس من أقاربه، بل لإحسان إليه، أو لمحبة له لأنه نفع الإسلام والمسلمين مثلاً، فأراد أن يتصدق عنه؛ نفعه ذلك. ولا شك أن أجر الدعاء يصل إلى الأموات، وقد علم النبي ﷺ أمته الصلاة على الميت، وأن يقولوا في الصلاة عليه: (اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله) إلى آخر الدعاء، وكذلك فعل ذلك بنفسه، فدعا بمثل هذا الدعاء الخاص على الجنازة، كقوله: (اللهم اغفر له وارحمه) ، والدعاء العام كقوله: (اللهم اغفر لحينا وميتنا) إلى آخره. ولولا أنه ينتفع بذلك لما شرع هذا الدعاء له بعد موته. وكذلك علم النبي ﷺ الصحابة إذا زاروا القبور أن يدعوا بقولهم: (السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم) ، والسلام دعاء، فإذا قال: السلام عليكم، فقد دعا لهم بالسلامة من العذاب والسلامة من الآفات ونحوها. وكذلك قوله: (نسأل الله لنا ولكم العافية) هذا دعاء لهم بالعافية، وكذلك قوله: (واغفر لنا ولهم) دعاء لهم بالمغفرة، وكل ذلك دليل على أنه يصلهم الدعاء؛ وذلك لأنه سؤال من الله، يسأل العبد ربه أن يرحم هذا الميت وأن يتجاوز عنه، فالله تعالى إذا استجاب هذا الدعاء وصل أجره ووصل أثره إلى ذلك الميت، وانتفع بهذا الدعاء واستفاد منه، فكان للميت أجر، وللحي الداعي أجر، كما إذا دعا للغائب، يقول في الحديث: (إن المسلم إذا دعا لأخيه المسلم فإن ملكاً يقول: آمين؛ ولك بمثل) . فكذلك الدعاء للميت. وكذلك بقية الأعمال ولو كانت بدنية فالراجح أنه يصله أجرها، وقد تستثنى من ذلك بعض الأشياء التي يكون العمل فيها غير خالص لله.

стр. 947

لا تعطى الأجرة لمن قصد بحجه المال وننبه إلى مسألة الحج عن الغير، هل يصل المحجوج عنه الأجر أم لا؟ نقول: يكثر التساهل في إعطاء الإنسان أجرة على أن يحج، فهل يصل الثواب إلى ذلك المحجوج عنه أم لا يصل إليه؟ الجواب يختلف ذلك باختلاف حالة الحاج الذي أخذ هذا المال ليحج به، فننظر في حالته: إن كان قصده المال فلا حج له، وإن كان قصده الحج فله حج. وكيف يكون قصده المال؟ إذا كان يريد أن يأخذ هذا المال ليتاجر به، أو ليتملكه وينفقه في أموره الخاصة، لا أنه يريده لينفقه في الحج حتى يتيسر له الحج، فالذي يقصد بأخذه المال الحج، ويقول: أنا عاجز عن الحج، عاجز عن تكلف السفر والنفقة وأجرة الركوب، وأحب أن أحج، وأتمنى أن أقف مع الحجاج، وأن تعمني معهم الرحمة، وأن تنزل علي المغفرة معهم، وأن أكون ممن يباهي الله بهم الملائكة، وأتذلل لله تعالى بإظهار الافتقار، وبإظهار الضعف بين يديه؛ ولكن يعوقني المال، فلا أجد كفاية ذهابي وإيابي، ولا أجد في مالي ما أتمتع به إلى أن أصل إلى تلك المشاعر؛ وذلك لفقري وفاقتي، فأنا آخذ هذا المال وأنفق منه، أو أعطي منه ولدي أو أهلي ما يكفيهم مدة غيبتي، حيث إني أنشغل عنهم بهذا السبب، وقد كنت أكفيهم بكسبي، وأما الآن فقد غبت عنهم، فأنا آخذ هذا المال لأنفق منه عليهم، ولأنفق منه على نفسي، ولأدفع منه أجرة الركوب، ولا أجعل الباقي زيادة، ولا آخذ إلا قدر الكفاية. فمثل هذا يقبل حجه، ويكون له أجر على حجه، ويكون للمحجوج عنه أجر الحجة التي حجها عنه. أما إذا كان قادراً على أن يحج بماله، وليس له رغبة في الحج، ولكن ما أراد إلا أن يأخذ هذا المال ليزيد به ماله إن كان له مال، ولم يكن من الذين يشتاقون إلى الحج، ولم يكن من الذين يحبون أن يقفوا في المشاعر، ويتمنون أن يشاركوا في تلك المناسك، لا همة له في ذلك، إنما همته هذا المال الذي بذل له، والذي أخذه، فتراه -مثلاً- يكفيه مدة ذهابه وإيابه ألفان، ولكنه يطلب أكثر، ويقول: فلان يعطي خمسة آلاف، فلان يعطي أربعة آلاف، فلان يدفع ثمانية آلاف أو نحو ذلك؛ فكأنه والحال هذه ما حج إلا لأجل الدنيا ولأجل هذا المال، فيدخل فيمن يريد الدنيا بعمل الآخرة، ويدخل فيمن يعبد الدنيا، ويدخل في قول النبي ﷺ : (تعس عبد الدنيار، تعس عبد الدرهم) أي: أنه عبد لهذا المال؛ حيث إنه عمل عملاً صالحاً يبتغى به وجه الله، ولم يعمله إلا لأجل هذا الكسب وهذا المال، فمثل هذا لو أعطيته ولو عشرة آلاف أو ثمانية آلاف فأجر حجته ناقص؛ لأنه يدخل في الذين ذمهم الله بقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾ [هود:١٥] ، وقوله: ﴿وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشورى:٢٠] . فيتفطن لمن يدفع أجرة الحج، ويسأل ذلك الحاج: ماذا تريد من هذه الحجة؟ أتريد المال أم تريد الحج؟ إن كنت تريد الحج مشتاقاً إليه ولكنك عاجز؛ فلك أجر، أما إذا كنت لا تريد الحج ولا رغبة لك إلا في المال؛ فلا حج لك ولا أجر لك، ولو أعطيتك مالاً كثيراً فلن يكون هناك أجر لهذه الحجة، فخير لي أن أتصدق على الضعفاء والمساكين فإنه أولى من أن أعطي المال هذا الذي يجعله زيادة في رأس ماله أو نحو ذلك. ولكن إذا كان هذا الذي يريد أن يحج من الفقراء، ونويت بإعطائه الصدقة عليه؛ لكونه مسكيناً وفقيراً، ونويت بالزيادة أنها بأجرها، وأنها صدقة عليه؛ لكونه من الذين تحل لهم الصدقة؛ فلك أجر على هذه النية، ولو كانت نيته غير الحج، يعني: لو كانت نيته المال لكونه بحاجة إلى المال، فأنت إذا نويت أنها صدقة، وأنه إذا حج فربما ينتفع الميت بحجته، فإذا كان قصده المال وهو من أهل الاستحقاق كان للميت أجر الصدقة، فينتفع الميت، سواء كان أجر صدقة أو أجر حجة، ويقال كذلك في بقية الأعمال.

стр. 948

الجواب على أدلة المانعين من وصول ثواب الأعمال إلى الأموات قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والجواب عما استدلوا به من قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم:٣٩] قد أجاب العلماء بأجوبة: أصحها جوابان: أحدهما: أن الإنسان بسعيه وحسن عشرته اكتسب الأصدقاء، وأولد الأولاد، ونكح الأزواج، وأسدى الخير، وتودد إلى الناس؛ فترحموا عليه ودعوا له، وأهدوا له ثواب الطاعات، فكان ذلك أثر سعيه، بل دخول المسلم مع جملة المسلمين في عقد الإسلام من أعظم الأسباب في وصول نفع كل من المسلمين إلى صاحبه في حياته وبعد مماته، ودعوة المسلمين تحيط من ورائهم. يوضحه: أن الله تعالى جعل الإيمان سبباً لانتفاع صاحبه بدعاء إخوانه من المؤمنين وسعيهم، فإذا أتى به فقد سعى في السبب الذي يوصل إليه ذلك. الثاني -وهو أقوى منه-: أن القرآن لم ينف انتفاع الرجل بسعي غيره، وإنما نفى ملكه لغير سعيه، وبين الأمرين من الفرق ما لا يخفى، فأخبر تعالى أنه لا يملك إلا سعيه، وأما سعي غيره فهو ملك لساعيه، فإن شاء أن يبذله لغيره، وإن شاء أن يبقيه لنفسه. وقوله سبحانه: ﴿أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى * وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى﴾ [النجم:٣٨-٣٩] آيتان محكمتان، مقتضيتان عدل الرب تعالى، فالأولى: تقتضي أنه لا يعاقب أحداً بجرم غيره، ولا يؤاخذه بجريرة غيره، كما يفعله ملوك الدنيا. والثانية: تقتضي أنه لا يفلح إلا بعمله، لينقطع طمعه من نجاته بعمل آبائه وسلفه ومشايخه، كما عليه أصحاب الطمع الكاذب، وهو سبحانه لم يقل: لا ينتفع إلا بما سعى. وكذلك قوله تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ [البقرة:١٣٤] ، وقوله: ﴿وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [يس:٥٤] ، على أن سياق هذه الآية يدل على أن المنفي عقوبة العبد بعمل غيره، فإنه تعالى قال: ﴿فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [يس:٥٤] . وأما استدلالهم بقوله ﷺ : (إذا مات ابن آدم انقطع عمله) فاستدلال ساقط؛ فإنه لم يقل: انقطع انتفاعه، وإنما أخبر عن انقطاع عمله، وأما عمل غيره فهو لعامله، فإن وهبه له وصل إليه ثواب عمل العامل، لا ثواب عمله هو، وهذا كالدين يوفيه الإنسان عن غيره، فتبرأ ذمته، ولكن ليس له ما وفى به الدين. وأما تفريق من فرق بين العبادات المالية والبدنية فقد شرع النبي ﷺ الصوم عن الميت -كما تقدم- مع أن الصوم لا تجزئ فيه النيابة، وكذلك حديث جابر ﵁، قال: (صليت مع رسول الله ﷺ عيد الأضحى، فلما انصرف أتى بكبش فذبحه، فقال: باسم الله، والله أكبر، اللهم هذا عني وعمن لم يضح من أمتي) ، رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وحديث الكبشين اللذين قال في أحدهما: (اللهم هذا عن أمتي) ، وفي الآخر: (اللهم هذا عن محمد وآل محمد) رواه أحمد. والقربة في الأضحية: إراقة الدم، وقد جعلها لغيره. وكذلك عبادة الحج بدنية، وليس المال ركناً فيه، وإنما هو وسيلة، ألا ترى أن المكي يجب عليه الحج إذا قدر على المشي إلى عرفات من غير شرط المال. وهذا هو الأظهر، أعني: أن الحج غير مركب من مال وبدن، بل بدني محض، كما قد نص عليه جماعة من أصحاب أبي حنيفة المتأخرين. وانظر إلى فروض الكفايات: كيف قام فيها البعض عن الباقين؟ ولأن هذا إهداء ثواب، وليس من باب النيابة، كما أن الأجير الخاص ليس له أن يستنيب عنه، وله أن يعطي أجرته لمن شاء] . قد تقدم أن مذهب الجمهور: أن الميت ينتفع بأعمال الحي إذا أهداها إليه، وأن هناك بعض المبتدعة أنكر الانتفاع كلياً، وأن هناك من فرق بين الأعمال البدنية والأعمال المالية والأعمال القولية، فأوصل أجر الأعمال القولية: كالدعاء، والمالية كالصدقات، ومنع وصول الأعمال البدنية: كالحج، والجهاد، والصلاة، والصوم. وأما الجمهور: فإنهم يجيزون وصول الجميع، وانتفاع الميت بالجميع. والذين منعوا استدلوا بقول الله تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى * أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى * وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم:٣٦-٣٩] ، فقالوا: معنى قوله (لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى) أي: لا ينفعه إلا سعيه وعمله، فأما سعي غيره وعمله فلا ينتفع به. هكذا قالوا. و الجواب تقدم أن العلماء أجابوا بجوابين: الأول: أن الإنسان إذا اكتسب بأفعاله وبحسن معاملته الأصدقاء فكأنهم له، فينتفع بدعائهم؛ لأنهم من سعيه وكسبه، وكذلك إذا تزوج، فالزوجة قد اكتسبها، وكذلك إذا ولد له الأولاد، فالأولاد يعتبرون من كسبه ومن سعيه، فأصدقاؤه الذين اكتسبهم في حياته يدعون له، فينتفع بدعائهم، ويتصدقون عنه فينتفع بصدقاتهم، وكذلك يقال في أولاده الذين ولدهم، فهم يدعون له، ويتصدقون عنه مقابل تربيته وتنشئته لهم، ومقابل عمله معهم، ونفقته وحنانه وعطفه عليهم، وكذلك زوجاته وبناته ونحو ذلك، فلما أسدى إليهم معروفاً، وفعل فيهم خيراً، فإن عملهم يكون مقابل ما عمله، فذلك يدخل في سعيه وفي كسبه، ويدخل في قوله: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ . والجواب الثاني: أن الآية ليس فيها نفي الانتفاع، وإنما فيها نفي الملك، والمعنى: ليس الإنسان يملك إلا سعيه، أما سعي غيره فإنه ملك لذلك الغير، فالغير هو الذي يملك عمله، فنقول: أنت الذي تملك صدقتك، وأنت الذي تملك دعاءك، وأنت الذي تملك مالك، وتملك بدنك، فإذا أهديت لذلك الميت الذي بينك وبينه قرابة، وتبرعت له بعملك أو بدعائك أو بذكرك أو بصدقتك؛ فقد أهديته له، فينتفع به، وليس في الآية إلا نفي الملكية، لا نفي الانتفاع، فلم يقل: ليس ينتفع الإنسان إلا بما سعى، بل قال: (لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى) ، أي: لا يملك إلا سعيه. هذا هو مقتضى هذه الآية، وبذلك يعرف أن الآية ليس فيها نفي انتفاعه بعمل غيره. أما قوله: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله) فالمراد: عمله البدني والقولي، يعني: انقطع ذكره بلسانه، انقطعت صلاته ببدنه، انقطع صومه ببدنه، ولكن لا ينفي أن غيره إذا أهدى له شيئاً من الأعمال أنه ينتفع بذلك. وقد ذكروا أن الأعمال إما أن تكون بدنية محضة كالصلاة والصوم، وحج أهل مكة إلى عرفة على أقدامهم، فهذا يعتبر عملاً بدنياً محضاً. وهناك عمل مالي محض: كالكفارات، والصدقات، والزكوات -وما أشبهها- فهذا عمل كله مالي. وهناك أعمال قولية: كالأذكار، والأدعية، والقراءة، والأوراد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وما أشبه ذلك من العمل الذي هو قول باللسان. وهناك أعمال مركبة من القول والبدن كالصلاة؛ فإن فيها قراءة وذكر، وفيها ركوع وسجود، فهي قولية وبدنية. وهناك أعمال مركبة من المال والبدن كالحج؛ فإنه مركب من العمل البدني الذي هو الإحرام والطواف والسعي والوقوف والرمي، والمالي: الذي هو نفقته على نفسه، وأجرة ركوبه، وذبح فديته وما أشبه ذلك من النفقات المالية. وكذا الجهاد؛ فإنه مركب من النفقة ومن العمل البدني، كما في قوله تعالى: ﴿وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال:٧٢] فهذا من العمل البدني المالي. والأصل أن الجميع سواء في إهدائها للميت، وقد دل على إهداء المالي هذه الأحاديث التي فيها ذكر الأضاحي، وأن النبي ﷺ ضحى بكبشين، أحدهما: عن محمد وآل محمد، والثاني: عمن لم يضح من أمة محمد، وهذا دليل على أنهم ينتفعون بأجر هذه الأضحية التي ذبحها عنهم نبينا ﷺ ، سواء كانوا أحياء أو أمواتاً، وعلى هذا: فما المانع من أن تكون الأضحية للميت من جملة الصدقات التي يصل إليه أجرها، كما يصل إليه أجر الصدقة التي أجراها هو أو أوصى بها؟! فإذا تبرع له قريبه بأضحية أو ببعض أضحية جاز ذلك. وقد أخذوا من هذا الحديث جواز الاشتراك في الأضحية، حيث جعلها ﷺ عمن لم يضح من أمته ولو كانوا مئات أو ألوفاً، فجعل ذلك مشتركاً بينهم، وكذلك التشريك بين الأحياء، يعني: أنه إذا ذبحها عن أهل بيته وصل لهم أجرها، ولو كانوا كثيرين، فدل على أنهم ينتفعون بعمل غيرهم وبمال غيرهم، هذا بالنسبة إلى الأعمال المالية. أما بالنسبة إلى البدنية: فقد تقدم قول النبي ﷺ : (من مات وعليه صيام صام عنه وليه) ومعلوم أن الصيام عمل بدني، ليس فيه مال، فالصائم لا يخسر مالاً ولا ينفق مالاً، فهو ليس كالحاج الذي يخسر مالاً، فعمله كله بدني، وهو الإمساك. وقد يقال: إن المصلي يخسر مالاً إذا استأجر ما يركبه إلى المسجد ويرده، أو إذا اشترى الوضوء كالماء ونحوه، أو احتاج إلى سترة يستر بها عورته في الصلاة، فيكون محتاجاً إلى مال، وهذا بخلاف الصوم، فإذا صح الصوم عن الميت مع كونه بدنياً محضاً صح أن يصوم ويهدي صيامه للميت، أو يقضي الصيام عن الميت إذا كان على الميت صيام ككفارة ونذر وما أشبه ذلك، فبطريق الأولى أن تصح بقية الأعمال البدنية إذا تبرع بها. ويقال هكذا في الأعمال القولية؛ قياساً على الدعاء، فإذا ذكر الله، وأهدى ثواب هذا الذكر لميت، أو دعا الله للميت وصل إليه هذا الأجر. فإذا تبرع الحي للميت سواء لقرابة بينهما أو صداقة أو لأنه له عليه منة يريد أن يجازيه عليها فيهدي له ثواب عمله من ذكر أو دعاء أو حج أو أضحية؛ أو ما أشبه ذلك، فلا شك أنه ينتفع بذلك ولو كان عمل غيره.

стр. 949

حكم دفع الأجرة مقابل قراءة القرآن أو تعليمه

стр. 950

المنع من الاستئجار على القراءة للميت قال ﵀: [وأما استئجار قوم يقرءون القرآن ويهدونه للميت! فهذا لم يفعله أحد من السلف، ولا أمر به أحد من أئمة الدين، ولا رخص فيه. والاستئجار على نفس التلاوة غير جائز بلا خلاف. وإنما اختلفوا في جواز الاستئجار على التعليم ونحوه مما فيه منفعة تصل إلى الغير، والثواب لا يصل إلى الميت إلا إذا كان العمل لله، وهذا لم يقع عبادة خالصة، فلا يكون له من ثوابه ما يهدي إلى الموتى، ولهذا لم يقل أحد: إنه يكتري من يصوم ويصلي ويهدي ثواب ذلك إلى الميت؛ لكن إذا أعطى لمن يقرأ القرآن ويعلمه ويتعلمه معونة لأهل القرآن على ذلك، كان هذا من جنس الصدقة عنه، فيجوز. وفي الاختيار: لو أوصى بأن يعطى شيء من ماله لمن يقرأ القرآن على قبره، فالوصية باطلة؛ لأنه في معنى الأجرة انتهى. وذكر الزاهدي في الغنية: أنه لو وقف على من يقرأ عند قبره، فالتعيين باطل. وأما قراءة القرآن وإهداؤها له تطوعاً بغير أجرة، فهذا يصل إليه، كما يصل ثواب الصوم والحج. فإن قيل: هذا لم يكن معروفاً في السلف، ولا أرشدهم إليه النبي ﷺ ! ف الجواب إن كان مورد هذا السؤال معترفاً بوصول ثواب الحج والصيام والدعاء، قيل له: ما الفرق بين ذلك وبين وصول ثواب قراءة القرآن؟ وليس كون السلف لم يفعلوه حجة في عدم الوصول، ومن أين لنا هذا النفي العام؟ فإن قيل: فرسول الله ﷺ أرشدهم إلى الصوم والحج والصدقة دون قراءة القرآن! قيل: هو ﷺ لم يبتدئهم بذلك، بل خرج ذلك منه مخرج الجواب لهم، فهذا سأله عن الحج عن ميته فأذن له فيه، وهذا سأله عن الصوم عنه، فأذن له فيه، ولم يمنعهم مما سوى ذلك، وأي فرق بين وصول ثواب الصوم الذي هو مجرد نية وإمساك وبين وصول ثواب القراءة والذكر؟] . يقع في بعض البلاد التي يغمرها الجهل، أو تكثر فيها البدع، أنه إذا مات الميت فإنهم يجمعون عشرة من القراء مثلاً في اليوم الأول، واليوم الثاني، واليوم الثالث أو الأسبوع الأول، أو الشهر الأول، ويقولون لهم: اقرءوا القرآن، وأهدوا ثوابه لأبينا أو لأخينا، ولكم بكل جزء تقرءونه كذا وكذا ريالاً، فأولئك القراء ما قرءوا لله، وإنما قرءوا للدراهم، وإذا كانوا قرءوا للدراهم، فهل لهم ثواب؟ من قرأ لأجل تحصيل الدنيا لا ثواب له، فإذا لم يكن له ثواب فما الذي يهدونه إلى الميت؟! لا يصل إلى الميت شيء؛ لأن هذه القراءة قراءة لأجل الدنيا، وليست قراءة لأجل الله، ولا قراءة لأجل الثواب، فلأجل ذلك يقال: هذا من البدع. ثم هو من إقرار الشرك، حيث إن هذا الذي قرأ للدنيا عمل عملاً أخروياً لأجل أمر دنيوي، فيدخل فيمن أراد الدنيا بعمل الآخرة، فهذا لا يجوز، ولو كان القارئ واحداً، فلو جاءك وقال لك: خذ هذه المائة أو هذه العشرة واقرأ بها ختمة، واجعل ثوابها لوالدي. فلا تفعل؛ وذلك لأنك تكون قد قرأت القرآن لأجل هذا المال، لا لأجل الله، ولا لأجل الحسنات، فعلى هذا تكون قد عملت عملاً أخروياً لأجل مصلحة دنيوية. فمثل هذا -أولاً- لم يفعله السلف، ولم ينقل عن الصحابة والتابعين، ولا عن الأئمة الأربعة ونحوهم، وثانياً: فيه هذا المقصد السيئ الذي هو العمل لأجل الدنيا، مع أن العمل من الأعمال الصالحة، فلا يكون للميت أجر على هذا.
следующие страницы →