Полный текст (1 175 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
دعاء الأحياء وصدقاتهم تنفع الأموات
تتعرض كتب العقيدة لكل شيء فيه خلاف مع المبتدعة، ولو كان من الفروع، ولو كان المخالف فيه مخالفاً لنص ظاهر، أو كان المخالفون فيه قليلين، ومن ذلك مسألة وصول ثواب الأعمال التي يعملها الأحياء إلى الأموات.
وقد ورد ما يدل على وصول بعض الأعمال، وخصها بعضهم بما تسبب فيه الميت، كقوله ﷺ : (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له) .
فالصدقة الجارية هي: الأوقاف والأحباس التي وقفها في حياته لينتفع بها كبناء المساجد والمدارس، وكذا الصدقات التي هي غلات كوقف ثمار النخيل على الضعفاء، وكوقف غلات البيوت ونحوها على الجهاد، أو على الحج وما أشبه ذلك.
وأما العلم الذي ينتفع به: فهو الكتب التي كتبها وألفها، وكذلك العلوم التي علمها من ينقلها عنه، فإنه ما دام ينتفع بها يأتيه أجر.
وأما الولد الصالح: فيعم الذكر والأنثى من ذريته وذرية ذريته الذين يدعون له.
وأصل الدعاء هو سؤال الله للميت مغفرة ورحمة وجنة وثواباً، وتخفيف حساب ومغفرة ذنب ونحو ذلك.
والأحياء يدعون للأموات، وأول ما يدعون لهم في صلاتهم على الجنازة عندما يقدم الميت بين يدي المصلين، فيدعون له بالمغفرة والرحمة، وبإدخاله الجنة، وبتكفير الخطايا وما أشبه ذلك، ولا شك أنه ينتفع بذلك؛ لأن هذا من السنة.
وأما بقية الأعمال: فاتفقوا على أن من تبرع بصدقة عن ميته وصله أجرها، سواء كانت الصدقة عيناً -يعني: نقوداً- أو طعاماً أو لحماً أو نحو ذلك من الصدقات، وهي داخلة في قوله: (صدقة جارية) ، فهذه الصدقة تعم ما إذا كان الميت هو الذي سبل تلك الصدقة، أو تصدق بها عنه ذريته، يعني: تبرعوا بمال يتصدق بغلته فينتفع هو بتلك الصدقة التي تصدقوا بها وجعلوا أجرها لميتهم، ويعم ذلك الأضاحي إذا أوصى بها، أو ذبحت عنه وجعل أجرها له؛ فإنها من جملة الصدقات.
وأما الصدقات الأخرى: فلا شك أنه يصله أجرها، فإذا تصدق عنه ولده أو قريبه صدقة على فقير، أو على مسكين، أو على ابن سبيل، أو على ذي حاجة من قريب أو بعيد؛ نفعه ذلك، وكذلك إذا أطعم طعاماً أو كسا كسوة أو نحو ذلك، ونوى أجرها لميته؛ نفعه ذلك؛ لأن هذا كله من الصدقات التي إذا تبرع بها ونوى أجرها للميت وصل أجرها بمجرد النية.
ويدخل في ذلك الصدقات التي يتبرع بها غير أقاربه، فلو تصدق عنه أحد وليس من أقاربه، بل لإحسان إليه، أو لمحبة له لأنه نفع الإسلام والمسلمين مثلاً، فأراد أن يتصدق عنه؛ نفعه ذلك.
ولا شك أن أجر الدعاء يصل إلى الأموات، وقد علم النبي ﷺ أمته الصلاة على الميت، وأن يقولوا في الصلاة عليه: (اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله) إلى آخر الدعاء، وكذلك فعل ذلك بنفسه، فدعا بمثل هذا الدعاء الخاص على الجنازة، كقوله: (اللهم اغفر له وارحمه) ، والدعاء العام كقوله: (اللهم اغفر لحينا وميتنا) إلى آخره.
ولولا أنه ينتفع بذلك لما شرع هذا الدعاء له بعد موته.
وكذلك علم النبي ﷺ الصحابة إذا زاروا القبور أن يدعوا بقولهم: (السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم) ، والسلام دعاء، فإذا قال: السلام عليكم، فقد دعا لهم بالسلامة من العذاب والسلامة من الآفات ونحوها.
وكذلك قوله: (نسأل الله لنا ولكم العافية) هذا دعاء لهم بالعافية، وكذلك قوله: (واغفر لنا ولهم) دعاء لهم بالمغفرة، وكل ذلك دليل على أنه يصلهم الدعاء؛ وذلك لأنه سؤال من الله، يسأل العبد ربه أن يرحم هذا الميت وأن يتجاوز عنه، فالله تعالى إذا استجاب هذا الدعاء وصل أجره ووصل أثره إلى ذلك الميت، وانتفع بهذا الدعاء واستفاد منه، فكان للميت أجر، وللحي الداعي أجر، كما إذا دعا للغائب، يقول في الحديث: (إن المسلم إذا دعا لأخيه المسلم فإن ملكاً يقول: آمين؛ ولك بمثل) .
فكذلك الدعاء للميت.
وكذلك بقية الأعمال ولو كانت بدنية فالراجح أنه يصله أجرها، وقد تستثنى من ذلك بعض الأشياء التي يكون العمل فيها غير خالص لله.
стр. 947
لا تعطى الأجرة لمن قصد بحجه المال
وننبه إلى مسألة الحج عن الغير، هل يصل المحجوج عنه الأجر أم لا؟ نقول: يكثر التساهل في إعطاء الإنسان أجرة على أن يحج، فهل يصل الثواب إلى ذلك المحجوج عنه أم لا يصل إليه؟
الجواب
يختلف ذلك باختلاف حالة الحاج الذي أخذ هذا المال ليحج به، فننظر في حالته: إن كان قصده المال فلا حج له، وإن كان قصده الحج فله حج.
وكيف يكون قصده المال؟ إذا كان يريد أن يأخذ هذا المال ليتاجر به، أو ليتملكه وينفقه في أموره الخاصة، لا أنه يريده لينفقه في الحج حتى يتيسر له الحج، فالذي يقصد بأخذه المال الحج، ويقول: أنا عاجز عن الحج، عاجز عن تكلف السفر والنفقة وأجرة الركوب، وأحب أن أحج، وأتمنى أن أقف مع الحجاج، وأن تعمني معهم الرحمة، وأن تنزل علي المغفرة معهم، وأن أكون ممن يباهي الله بهم الملائكة، وأتذلل لله تعالى بإظهار الافتقار، وبإظهار الضعف بين يديه؛ ولكن يعوقني المال، فلا أجد كفاية ذهابي وإيابي، ولا أجد في مالي ما أتمتع به إلى أن أصل إلى تلك المشاعر؛ وذلك لفقري وفاقتي، فأنا آخذ هذا المال وأنفق منه، أو أعطي منه ولدي أو أهلي ما يكفيهم مدة غيبتي، حيث إني أنشغل عنهم بهذا السبب، وقد كنت أكفيهم بكسبي، وأما الآن فقد غبت عنهم، فأنا آخذ هذا المال لأنفق منه عليهم، ولأنفق منه على نفسي، ولأدفع منه أجرة الركوب، ولا أجعل الباقي زيادة، ولا آخذ إلا قدر الكفاية.
فمثل هذا يقبل حجه، ويكون له أجر على حجه، ويكون للمحجوج عنه أجر الحجة التي حجها عنه.
أما إذا كان قادراً على أن يحج بماله، وليس له رغبة في الحج، ولكن ما أراد إلا أن يأخذ هذا المال ليزيد به ماله إن كان له مال، ولم يكن من الذين يشتاقون إلى الحج، ولم يكن من الذين يحبون أن يقفوا في المشاعر، ويتمنون أن يشاركوا في تلك المناسك، لا همة له في ذلك، إنما همته هذا المال الذي بذل له، والذي أخذه، فتراه -مثلاً- يكفيه مدة ذهابه وإيابه ألفان، ولكنه يطلب أكثر، ويقول: فلان يعطي خمسة آلاف، فلان يعطي أربعة آلاف، فلان يدفع ثمانية آلاف أو نحو ذلك؛ فكأنه والحال هذه ما حج إلا لأجل الدنيا ولأجل هذا المال، فيدخل فيمن يريد الدنيا بعمل الآخرة، ويدخل فيمن يعبد الدنيا، ويدخل في قول النبي ﷺ : (تعس عبد الدنيار، تعس عبد الدرهم) أي: أنه عبد لهذا المال؛ حيث إنه عمل عملاً صالحاً يبتغى به وجه الله، ولم يعمله إلا لأجل هذا الكسب وهذا المال، فمثل هذا لو أعطيته ولو عشرة آلاف أو ثمانية آلاف فأجر حجته ناقص؛ لأنه يدخل في الذين ذمهم الله بقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾ [هود:١٥] ، وقوله: ﴿وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشورى:٢٠] .
فيتفطن لمن يدفع أجرة الحج، ويسأل ذلك الحاج: ماذا تريد من هذه الحجة؟ أتريد المال أم تريد الحج؟ إن كنت تريد الحج مشتاقاً إليه ولكنك عاجز؛ فلك أجر، أما إذا كنت لا تريد الحج ولا رغبة لك إلا في المال؛ فلا حج لك ولا أجر لك، ولو أعطيتك مالاً كثيراً فلن يكون هناك أجر لهذه الحجة، فخير لي أن أتصدق على الضعفاء والمساكين فإنه أولى من أن أعطي المال هذا الذي يجعله زيادة في رأس ماله أو نحو ذلك.
ولكن إذا كان هذا الذي يريد أن يحج من الفقراء، ونويت بإعطائه الصدقة عليه؛ لكونه مسكيناً وفقيراً، ونويت بالزيادة أنها بأجرها، وأنها صدقة عليه؛ لكونه من الذين تحل لهم الصدقة؛ فلك أجر على هذه النية، ولو كانت نيته غير الحج، يعني: لو كانت نيته المال لكونه بحاجة إلى المال، فأنت إذا نويت أنها صدقة، وأنه إذا حج فربما ينتفع الميت بحجته، فإذا كان قصده المال وهو من أهل الاستحقاق كان للميت أجر الصدقة، فينتفع الميت، سواء كان أجر صدقة أو أجر حجة، ويقال كذلك في بقية الأعمال.
стр. 948
الجواب على أدلة المانعين من وصول ثواب الأعمال إلى الأموات
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والجواب عما استدلوا به من قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم:٣٩] قد أجاب العلماء بأجوبة: أصحها جوابان: أحدهما: أن الإنسان بسعيه وحسن عشرته اكتسب الأصدقاء، وأولد الأولاد، ونكح الأزواج، وأسدى الخير، وتودد إلى الناس؛ فترحموا عليه ودعوا له، وأهدوا له ثواب الطاعات، فكان ذلك أثر سعيه، بل دخول المسلم مع جملة المسلمين في عقد الإسلام من أعظم الأسباب في وصول نفع كل من المسلمين إلى صاحبه في حياته وبعد مماته، ودعوة المسلمين تحيط من ورائهم.
يوضحه: أن الله تعالى جعل الإيمان سبباً لانتفاع صاحبه بدعاء إخوانه من المؤمنين وسعيهم، فإذا أتى به فقد سعى في السبب الذي يوصل إليه ذلك.
الثاني -وهو أقوى منه-: أن القرآن لم ينف انتفاع الرجل بسعي غيره، وإنما نفى ملكه لغير سعيه، وبين الأمرين من الفرق ما لا يخفى، فأخبر تعالى أنه لا يملك إلا سعيه، وأما سعي غيره فهو ملك لساعيه، فإن شاء أن يبذله لغيره، وإن شاء أن يبقيه لنفسه.
وقوله سبحانه: ﴿أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى * وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى﴾ [النجم:٣٨-٣٩] آيتان محكمتان، مقتضيتان عدل الرب تعالى، فالأولى: تقتضي أنه لا يعاقب أحداً بجرم غيره، ولا يؤاخذه بجريرة غيره، كما يفعله ملوك الدنيا.
والثانية: تقتضي أنه لا يفلح إلا بعمله، لينقطع طمعه من نجاته بعمل آبائه وسلفه ومشايخه، كما عليه أصحاب الطمع الكاذب، وهو سبحانه لم يقل: لا ينتفع إلا بما سعى.
وكذلك قوله تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ [البقرة:١٣٤] ، وقوله: ﴿وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [يس:٥٤] ، على أن سياق هذه الآية يدل على أن المنفي عقوبة العبد بعمل غيره، فإنه تعالى قال: ﴿فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [يس:٥٤] .
وأما استدلالهم بقوله ﷺ : (إذا مات ابن آدم انقطع عمله) فاستدلال ساقط؛ فإنه لم يقل: انقطع انتفاعه، وإنما أخبر عن انقطاع عمله، وأما عمل غيره فهو لعامله، فإن وهبه له وصل إليه ثواب عمل العامل، لا ثواب عمله هو، وهذا كالدين يوفيه الإنسان عن غيره، فتبرأ ذمته، ولكن ليس له ما وفى به الدين.
وأما تفريق من فرق بين العبادات المالية والبدنية فقد شرع النبي ﷺ الصوم عن الميت -كما تقدم- مع أن الصوم لا تجزئ فيه النيابة، وكذلك حديث جابر ﵁، قال: (صليت مع رسول الله ﷺ عيد الأضحى، فلما انصرف أتى بكبش فذبحه، فقال: باسم الله، والله أكبر، اللهم هذا عني وعمن لم يضح من أمتي) ، رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وحديث الكبشين اللذين قال في أحدهما: (اللهم هذا عن أمتي) ، وفي الآخر: (اللهم هذا عن محمد وآل محمد) رواه أحمد.
والقربة في الأضحية: إراقة الدم، وقد جعلها لغيره.
وكذلك عبادة الحج بدنية، وليس المال ركناً فيه، وإنما هو وسيلة، ألا ترى أن المكي يجب عليه الحج إذا قدر على المشي إلى عرفات من غير شرط المال.
وهذا هو الأظهر، أعني: أن الحج غير مركب من مال وبدن، بل بدني محض، كما قد نص عليه جماعة من أصحاب أبي حنيفة المتأخرين.
وانظر إلى فروض الكفايات: كيف قام فيها البعض عن الباقين؟ ولأن هذا إهداء ثواب، وليس من باب النيابة، كما أن الأجير الخاص ليس له أن يستنيب عنه، وله أن يعطي أجرته لمن شاء] .
قد تقدم أن مذهب الجمهور: أن الميت ينتفع بأعمال الحي إذا أهداها إليه، وأن هناك بعض المبتدعة أنكر الانتفاع كلياً، وأن هناك من فرق بين الأعمال البدنية والأعمال المالية والأعمال القولية، فأوصل أجر الأعمال القولية: كالدعاء، والمالية كالصدقات، ومنع وصول الأعمال البدنية: كالحج، والجهاد، والصلاة، والصوم.
وأما الجمهور: فإنهم يجيزون وصول الجميع، وانتفاع الميت بالجميع.
والذين منعوا استدلوا بقول الله تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى * أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى * وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم:٣٦-٣٩] ، فقالوا: معنى قوله (لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى) أي: لا ينفعه إلا سعيه وعمله، فأما سعي غيره وعمله فلا ينتفع به.
هكذا قالوا.
و
الجواب
تقدم أن العلماء أجابوا بجوابين: الأول: أن الإنسان إذا اكتسب بأفعاله وبحسن معاملته الأصدقاء فكأنهم له، فينتفع بدعائهم؛ لأنهم من سعيه وكسبه، وكذلك إذا تزوج، فالزوجة قد اكتسبها، وكذلك إذا ولد له الأولاد، فالأولاد يعتبرون من كسبه ومن سعيه، فأصدقاؤه الذين اكتسبهم في حياته يدعون له، فينتفع بدعائهم، ويتصدقون عنه فينتفع بصدقاتهم، وكذلك يقال في أولاده الذين ولدهم، فهم يدعون له، ويتصدقون عنه مقابل تربيته وتنشئته لهم، ومقابل عمله معهم، ونفقته وحنانه وعطفه عليهم، وكذلك زوجاته وبناته ونحو ذلك، فلما أسدى إليهم معروفاً، وفعل فيهم خيراً، فإن عملهم يكون مقابل ما عمله، فذلك يدخل في سعيه وفي كسبه، ويدخل في قوله: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ .
والجواب الثاني: أن الآية ليس فيها نفي الانتفاع، وإنما فيها نفي الملك، والمعنى: ليس الإنسان يملك إلا سعيه، أما سعي غيره فإنه ملك لذلك الغير، فالغير هو الذي يملك عمله، فنقول: أنت الذي تملك صدقتك، وأنت الذي تملك دعاءك، وأنت الذي تملك مالك، وتملك بدنك، فإذا أهديت لذلك الميت الذي بينك وبينه قرابة، وتبرعت له بعملك أو بدعائك أو بذكرك أو بصدقتك؛ فقد أهديته له، فينتفع به، وليس في الآية إلا نفي الملكية، لا نفي الانتفاع، فلم يقل: ليس ينتفع الإنسان إلا بما سعى، بل قال: (لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى) ، أي: لا يملك إلا سعيه.
هذا هو مقتضى هذه الآية، وبذلك يعرف أن الآية ليس فيها نفي انتفاعه بعمل غيره.
أما قوله: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله) فالمراد: عمله البدني والقولي، يعني: انقطع ذكره بلسانه، انقطعت صلاته ببدنه، انقطع صومه ببدنه، ولكن لا ينفي أن غيره إذا أهدى له شيئاً من الأعمال أنه ينتفع بذلك.
وقد ذكروا أن الأعمال إما أن تكون بدنية محضة كالصلاة والصوم، وحج أهل مكة إلى عرفة على أقدامهم، فهذا يعتبر عملاً بدنياً محضاً.
وهناك عمل مالي محض: كالكفارات، والصدقات، والزكوات -وما أشبهها- فهذا عمل كله مالي.
وهناك أعمال قولية: كالأذكار، والأدعية، والقراءة، والأوراد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وما أشبه ذلك من العمل الذي هو قول باللسان.
وهناك أعمال مركبة من القول والبدن كالصلاة؛ فإن فيها قراءة وذكر، وفيها ركوع وسجود، فهي قولية وبدنية.
وهناك أعمال مركبة من المال والبدن كالحج؛ فإنه مركب من العمل البدني الذي هو الإحرام والطواف والسعي والوقوف والرمي، والمالي: الذي هو نفقته على نفسه، وأجرة ركوبه، وذبح فديته وما أشبه ذلك من النفقات المالية.
وكذا الجهاد؛ فإنه مركب من النفقة ومن العمل البدني، كما في قوله تعالى: ﴿وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال:٧٢] فهذا من العمل البدني المالي.
والأصل أن الجميع سواء في إهدائها للميت، وقد دل على إهداء المالي هذه الأحاديث التي فيها ذكر الأضاحي، وأن النبي ﷺ ضحى بكبشين، أحدهما: عن محمد وآل محمد، والثاني: عمن لم يضح من أمة محمد، وهذا دليل على أنهم ينتفعون بأجر هذه الأضحية التي ذبحها عنهم نبينا ﷺ ، سواء كانوا أحياء أو أمواتاً، وعلى هذا: فما المانع من أن تكون الأضحية للميت من جملة الصدقات التي يصل إليه أجرها، كما يصل إليه أجر الصدقة التي أجراها هو أو أوصى بها؟! فإذا تبرع له قريبه بأضحية أو ببعض أضحية جاز ذلك.
وقد أخذوا من هذا الحديث جواز الاشتراك في الأضحية، حيث جعلها ﷺ عمن لم يضح من أمته ولو كانوا مئات أو ألوفاً، فجعل ذلك مشتركاً بينهم، وكذلك التشريك بين الأحياء، يعني: أنه إذا ذبحها عن أهل بيته وصل لهم أجرها، ولو كانوا كثيرين، فدل على أنهم ينتفعون بعمل غيرهم وبمال غيرهم، هذا بالنسبة إلى الأعمال المالية.
أما بالنسبة إلى البدنية: فقد تقدم قول النبي ﷺ : (من مات وعليه صيام صام عنه وليه) ومعلوم أن الصيام عمل بدني، ليس فيه مال، فالصائم لا يخسر مالاً ولا ينفق مالاً، فهو ليس كالحاج الذي يخسر مالاً، فعمله كله بدني، وهو الإمساك.
وقد يقال: إن المصلي يخسر مالاً إذا استأجر ما يركبه إلى المسجد ويرده، أو إذا اشترى الوضوء كالماء ونحوه، أو احتاج إلى سترة يستر بها عورته في الصلاة، فيكون محتاجاً إلى مال، وهذا بخلاف الصوم، فإذا صح الصوم عن الميت مع كونه بدنياً محضاً صح أن يصوم ويهدي صيامه للميت، أو يقضي الصيام عن الميت إذا كان على الميت صيام ككفارة ونذر وما أشبه ذلك، فبطريق الأولى أن تصح بقية الأعمال البدنية إذا تبرع بها.
ويقال هكذا في الأعمال القولية؛ قياساً على الدعاء، فإذا ذكر الله، وأهدى ثواب هذا الذكر لميت، أو دعا الله للميت وصل إليه هذا الأجر.
فإذا تبرع الحي للميت سواء لقرابة بينهما أو صداقة أو لأنه له عليه منة يريد أن يجازيه عليها فيهدي له ثواب عمله من ذكر أو دعاء أو حج أو أضحية؛ أو ما أشبه ذلك، فلا شك أنه ينتفع بذلك ولو كان عمل غيره.
стр. 949
حكم دفع الأجرة مقابل قراءة القرآن أو تعليمه
стр. 950
المنع من الاستئجار على القراءة للميت
قال ﵀: [وأما استئجار قوم يقرءون القرآن ويهدونه للميت! فهذا لم يفعله أحد من السلف، ولا أمر به أحد من أئمة الدين، ولا رخص فيه.
والاستئجار على نفس التلاوة غير جائز بلا خلاف.
وإنما اختلفوا في جواز الاستئجار على التعليم ونحوه مما فيه منفعة تصل إلى الغير، والثواب لا يصل إلى الميت إلا إذا كان العمل لله، وهذا لم يقع عبادة خالصة، فلا يكون له من ثوابه ما يهدي إلى الموتى، ولهذا لم يقل أحد: إنه يكتري من يصوم ويصلي ويهدي ثواب ذلك إلى الميت؛ لكن إذا أعطى لمن يقرأ القرآن ويعلمه ويتعلمه معونة لأهل القرآن على ذلك، كان هذا من جنس الصدقة عنه، فيجوز.
وفي الاختيار: لو أوصى بأن يعطى شيء من ماله لمن يقرأ القرآن على قبره، فالوصية باطلة؛ لأنه في معنى الأجرة انتهى.
وذكر الزاهدي في الغنية: أنه لو وقف على من يقرأ عند قبره، فالتعيين باطل.
وأما قراءة القرآن وإهداؤها له تطوعاً بغير أجرة، فهذا يصل إليه، كما يصل ثواب الصوم والحج.
فإن قيل: هذا لم يكن معروفاً في السلف، ولا أرشدهم إليه النبي ﷺ ! ف
الجواب
إن كان مورد هذا السؤال معترفاً بوصول ثواب الحج والصيام والدعاء، قيل له: ما الفرق بين ذلك وبين وصول ثواب قراءة القرآن؟ وليس كون السلف لم يفعلوه حجة في عدم الوصول، ومن أين لنا هذا النفي العام؟ فإن قيل: فرسول الله ﷺ أرشدهم إلى الصوم والحج والصدقة دون قراءة القرآن! قيل: هو ﷺ لم يبتدئهم بذلك، بل خرج ذلك منه مخرج الجواب لهم، فهذا سأله عن الحج عن ميته فأذن له فيه، وهذا سأله عن الصوم عنه، فأذن له فيه، ولم يمنعهم مما سوى ذلك، وأي فرق بين وصول ثواب الصوم الذي هو مجرد نية وإمساك وبين وصول ثواب القراءة والذكر؟] .
يقع في بعض البلاد التي يغمرها الجهل، أو تكثر فيها البدع، أنه إذا مات الميت فإنهم يجمعون عشرة من القراء مثلاً في اليوم الأول، واليوم الثاني، واليوم الثالث أو الأسبوع الأول، أو الشهر الأول، ويقولون لهم: اقرءوا القرآن، وأهدوا ثوابه لأبينا أو لأخينا، ولكم بكل جزء تقرءونه كذا وكذا ريالاً، فأولئك القراء ما قرءوا لله، وإنما قرءوا للدراهم، وإذا كانوا قرءوا للدراهم، فهل لهم ثواب؟ من قرأ لأجل تحصيل الدنيا لا ثواب له، فإذا لم يكن له ثواب فما الذي يهدونه إلى الميت؟! لا يصل إلى الميت شيء؛ لأن هذه القراءة قراءة لأجل الدنيا، وليست قراءة لأجل الله، ولا قراءة لأجل الثواب، فلأجل ذلك يقال: هذا من البدع.
ثم هو من إقرار الشرك، حيث إن هذا الذي قرأ للدنيا عمل عملاً أخروياً لأجل أمر دنيوي، فيدخل فيمن أراد الدنيا بعمل الآخرة، فهذا لا يجوز، ولو كان القارئ واحداً، فلو جاءك وقال لك: خذ هذه المائة أو هذه العشرة واقرأ بها ختمة، واجعل ثوابها لوالدي.
فلا تفعل؛ وذلك لأنك تكون قد قرأت القرآن لأجل هذا المال، لا لأجل الله، ولا لأجل الحسنات، فعلى هذا تكون قد عملت عملاً أخروياً لأجل مصلحة دنيوية.
فمثل هذا -أولاً- لم يفعله السلف، ولم ينقل عن الصحابة والتابعين، ولا عن الأئمة الأربعة ونحوهم، وثانياً: فيه هذا المقصد السيئ الذي هو العمل لأجل الدنيا، مع أن العمل من الأعمال الصالحة، فلا يكون للميت أجر على هذا.
стр. 951
حكم التبرع بإهداء ثواب القراءة للميت
وهذا بخلاف ما إذا قرأت ختمة من القرآن، أو جزءاً، أو أجزاءً، وقلت: اللهم اجعل ثوابها لوالدي، أو لوالدتي، أو لأخي، أو لجدي، أو لعمي؛ فلا مانع من وصول الأجر؛ لأنك ما قرأت لأجل الدنيا، إنما قرأت لأجل الآخرة، ثم تبرعت بذلك العمل الأخروي لقريبك المتوفى.
ويدل على ذلك: أنه ﷺ سئل عن الحج عن الميت أو عن العاجز فأقر ذلك، ففي حديث الخثعمية أنها قالت: (إن أبي أدركته فريضة الإسلام شيخاً كبيراً لا يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: حجي عنه) ، فهذا دليل على جواز الحج للأب ونحوه.
وكذلك المرأة التي قالت: (إن أمي ماتت وعليها صيام نذر، أفأصوم عنها؟ قال: أرأيتِ لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ فاقضوا الله، فالله أحق بالوفاء) ، فأمرها بأن تقضي الصوم عن والدتها؛ لأنه حق لله ودين لله، فيقضى كما يقضى الدين المالي للعباد، فدين الله أحق بالوفاء.
كذلك: حديث الرجل الذي جاءه وقال: (إن أمي افتلتت عليها نفسها، وأظنها لو تكلمت تصدقت، أفأتصدق عنها؟ قال: نعم) ، فأقره على أن يجري صدقة عن أمه.
فهذه الأعمال أقرها، ولكنه لم ينف غيرها، بل ظاهره أن ما يشبهها يلحق بها، فيلحق بذلك بقية الأعمال بدنية أو مالية.
стр. 952
حكم أخذ الأجرة على تعليم القرآن
وتقدم أنهم اختلفوا في تعليم القرآن بأجرة، فإذا استأجر من يعلم ولده فلا مانع من ذلك، وذلك لأن هذا أجرة على التلقين، وأجرة على التعب، فالذي يجلس يعلم الأطفال لا شك أنه يبذل جهداً، ويقطع وقتاً، ثم يتعب نفسه في تلقين هذا الولد هذه الآية، وفي تصويب الخطأ وما أشبه ذلك.
فالتعليم يعتبر عملاً؛ ولهذا أقر النبي ﷺ الذين أخذوا الأجرة على الرقية، لما جاءه قوم من الصحابة قرءوا على الملدوغ الذي لدغته عقرب، فسعوا له بكل شيء فلم ينفعه، فرقاه أحد الصحابة، وأخذ جعلاً على ذلك، فقال ﵊: (إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله) ، فأقرهم على ذلك وقال: (اقسموا، واضربوا لي معكم بسهم) تطييباً لنفوسهم.
فيعتبر أخذ الأجرة على تعليم القرآن كسائر أنواع التعليم، وقد ثبت أنه ﷺ جعل تعليم القرآن قائماً مقام المهر في قوله: (زوجتكها بما معك من القرآن، فعلمها عشرين آية) أو نحو ذلك.
وكذلك يقال في تعليم بقية العلوم: يجوز أخذ الأجرة على التعليم؛ لأنه مقابل التلقين وما أشبه ذلك، بخلاف العمل الذي يعمله لله ، والذي يبتغى به وجه الله، ولأجل ذلك تقدم أنه ﷺ نهى عن أخذ الأجرة على الأذان، فقال: (واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً) .
ومنعوا أخذ الأجرة على الأعمال التي يختص صاحبها أن يكون من أهل القربة، وإنما رخصوا فيما يبذل من بيت المال مقابل الالتزام بتلك الأعمال: كالتعليم -مثلاً-، وعمل الحسبة، وعمل الإمامة والخطابة والدعوة وما أشبه ذلك، فلا يدخل ما يبذل لهم من بيت المال في أنهم عملوا عملاً صالحاً يبتغى به وجه الله، ولم يعملوه إلا للدنيا.
وبكل حال: فإهداء الأعمال التي يتبرع بها ينتفع بها الموتى إن شاء الله، إذا تبرع بها صاحبها ولم يكن أخذ عليها أجراً.
стр. 953
شرح العقيدة الطحاوية [٧٧]
من دعا إلى هدى فله مثل أجر من عمل به، وإمام الدعاة إلى الهدى هو سيدنا محمد ﷺ ، ولهذا فإن له مثل أجر كل عامل من أمته يعمل خيراً، وليس بحاجة لأن يهدى له ثواب الأعمال بعد ذلك.
ويتعلق بإهداء الثواب مسألة القراءة عند القبر، وقد اختلف فيها العلماء، والتوفيق بين الأدلة هو القول الوسط.
стр. 954
الجواب عن أدلة المانعين وصول ثواب الأعمال المهداة للميت
من جملة المسائل الفرعية التي تلحق بالعقيدة مسألة إهداء الثواب للأموات، أو انتفاع الأموات بأعمال الأحياء التي يعملونها ويهدونها إلى الأموات، وهذه مسألة فروعية، ولكن لها صلة بالعقيدة، وذلك: أولاً: أن الخلاف فيها مع المبتدعة؛ فلأجل ذلك ألحقت بالأمور العقدية.
وثانياً: أنها من الأمور الغيبية، وذلك أن الأموات في عالم غير عالمنا في برزخ بين الدنيا والآخرة، وانتفاعهم بهذه الأعمال غيب عنا، فلا ندري ولا يظهر لنا وجه الانتفاع جلياً، فلأجل ذلك اعتمدنا فيه على الدليل، والأدلة التي اعتمدنا عليها وإن لم تكن قطعية الثبوت، ولكنها ظنية، فلأجل ذلك جعل هذا الباب في باب العقائد.
وقد تقدم ذكر الخلاف، والجواب عما استدل به المخالف؛ وذلك لأن المخالفين من المبتدعة اعتمدوا على الآية التي في سورة النجم، وهي قول الله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم:٣٩] ، فقالوا: لا ينفع الميت إلا سعيه -أي: عمله- كما لا ينفع الحي إلا سعيه -أي: عمله-.
стр. 955
الجواب عن استدلالهم بقوله تعالى: (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى)
وأجيب: بأن الإنسان اكتسب الأصدقاء واكتسب الأقارب ونحوهم، فاكتسابه هذا يعتبر من سعيه، فإذا تصدقوا عنه، أو دعوا له، أو حجوا عنه، أو استغفروا له -أو نحو ذلك- فإن ذلك من آثار سعيه وكسبه في كثرة الأصدقاء، حيث تودد إليهم بما جعلهم يخلصون له المودة.
وأجيب أيضاً: بأن الآية في ملكية الإنسان، ومعلوم أنه لا يملك إلا عمله أو ماله، وأما عمل غيره فملك لصاحبه، لكن إذا تبرع به اعتبر ملكاً لمن تُبرع له به، ويقاس ذلك على المال، فالمال الذي تكتسبه هو ملكك ولا تملك غيره، ولكن متى تبرع لك صديقك بمال متى أهدى إليك هدية، أو أعطاك عطية، وسمحت بها نفسه، فإنك تملك تلك الهدية، وتدخل في ملكك، وتنتقل من ملكه، فكذلك إذا عمل عملاً صالحاً كحجة وجهاد وصدقة ودعاء ونحو ذلك، وأهداها لفلان الحي أو لفلانٍ الميت وجعل ثوابها له، فإن ذلك بمنزلة ملكه للمال الذي أهدي له.
стр. 956
الجواب عن استدلالهم بحديث: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله)
وأما الحديث الذي استدلوا به، وهو قول النبي ﷺ : (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له) ، فهذا -أيضاً- لا شك أنه ظاهر الدلالة، ولكن ليس المراد أنه لا ينتفع إلا بهذه الثلاثة، بل المراد: أنه لا يجري عليه، ولا يملك إلا هي؛ لكن متى تبرع له غير ولده بدعوة انتفع بها، ومتى تبرع له صديقه بصدقة عنه، أو بحجة عنه، أو بجهاد جاهده وجعل أجره لصديقه أو لقريبه فلان أو ما أشبه ذلك، فما المانع من وصولها إليه؟! بل لا شك أن ذلك يصل إليه، وقد اتفق المسلمون على أنه ينتفع بصلاتهم عليه، فإذا مات وصلوا عليه انتفع بذلك، وينتفع -أيضاً- بدعائهم له، فإذا زاروه في قبره ودعوا له انتفع بذلك، وكذلك إذا مر الإنسان على أهل القبور، وسلم عليهم، ودعا لهم؛ انتفعوا بذلك، فينتفعون من دعوات الأحياء بأشياء كثيرة تنور عليهم قبورهم، وتزداد بها حسناتهم، وتكفر بها خطاياهم، ولولا ذلك لما تصدق أحد عن أبويه، ولا تقرب عنهما بشيء.
وهذا ظاهر والحمد لله، وقد تقدم الخلاف في الانتفاع أو في إهداء الأعمال البدنية كالصلاة والصوم -الذي هو عمل بدني محض- فذكر بعضهم أنه لا ينتفع بذلك.
стр. 957
الجواب عن استدلالهم بحديث: (لا يصلي أحد عن أحد)
واستدل بحديث: (لا يصلي أحد عن أحد، ولا يصوم أحد عن أحد) ؛ ولكن وردت الأدلة في انتفاعه بالصوم في قوله ﵊: (من مات وعليه صيام صام عنه وليه) ، ولما جاءته امرأة وقالت: (إن أمي ماتت، وعليها صيام نذر أو صيام شهر.
قال: أرأيتِ لو كان على أمك دين، أكنت قاضيته؟ اقضوا الله، فالله أحق بالوفاء -أو: فدين الله أحق بالقضاء-) فأمرها بأن تصوم عن أمها، وسواء كان هذا الصوم فرضاً أو نذراً فإنه أقرها على أن تصوم، بل أمرها بذلك، وشبهه بقضاء الدين.
وعلى هذا فمعنى قوله: (لا يصلي أحد عن أحد) ، أي: لا يصلي عنه وهو قادر، يعني: لا يوكل أحد أخاه يصلي عنه، يقول: صلِ عني صلاة الظهر، أو: صلِ عني صلاة العشاء، أو: وكلتك أن تصلي عني صلاة المغرب أو العصر أو نحو ذلك، أو: وكلتك أن تصوم عني هذا اليوم من رمضان أو ما أشبه ذلك وهو قادر، فإن هذا لا يجوز؛ وذلك لأن العبادة وجهت إلى الإنسان القادر، فلا يجوز له أن ينيب غيره ولا يجوز له أن يوكل من يعمل عنه ذلك العمل وهو قادر؛ وذلك لأن الحكمة في هذه العبادة ظهور العبودية على الفاعل، فالصلاة فرضت على المسلمين، ولا يجوز لأحد أن يوكل من يصلي عنه، فإن تذلل المصلي يفوت بالتوكيل، فالمصلي يتذلل ويخشع ويخضع ويتواضع، ويظهر منه الخشوع والذل بين يدي ربه، وهذا لا يحصل له إذا وكل من يصلي عنه، فلا ينتفع بهذه الصلاة، ولا يحصل له بها تذلل ولا خشوع ولا تضرع وتمسكن بين يدي ربه.
وكذلك الصيام شرع لإظهار الامتثال بترك طعامه وشرابه وزوجه لأجل امتثال أمر الله، فإذا وكل من يصوم عنه وأخذ يأكل ويشرب، اعتبر غير متقبل لأمر الله، ولم يجز عنه توكيله، فلأجل ذلك قالوا: لا يوكل في العبادات البدنية التي الحكمة منها إظهار الاستكانة والذل بين يدي الرب.
ويلحق بذلك: حج الفريضة للقادر، فمن كان قادراً على الحج بالبدن وبالمال فإنه يكلف بأن يفعله ولا يوكل فيه، وذلك لأن الحكمة تقتضي الأمرين: تقتضي إنفاقه من ماله في هذا السبيل، وتقتضي عمله ببدنه هذه الأعمال، والأفضل هي الأعمال التي أمر بها، والأصل في شرعية الحج أن يظهر أثره على العامل، فالحاج إذا أحرم وخضع وخشع وتمسكن بلباسه الذي فيه تجرده عن لباسه المعتاد، أليس ذلك من أجل العبادات؟ هل تحصل له تلك المسكنة إذا وكل غيره؟! أليس إذا أخذ يطوف على البيت العتيق يحصل الثواب والتذلل، ويحصل له إخبات بين يدي ربه؟ هل يحصل هذا الإخبات إذا وكل عنه من يحج عنه؟! وهكذا إذا وقف بعرفات وهو خائف راج ذليل متواضع، هل تحصل هذه الحالة إذا وكل من يقف عنه؟!.
إذاً: فالحج في الأصل هو العبادة البدنية.
وقد عرفنا أنه غالباً ما يتكون من المال والبدن، ولكن قد يكون بدنياً محضاً، كالمكي الذي لا يقدر على أن يستأجر سيارة أو دابة يركبها، ولكنه قادر على أن يمشي ببدنه من مكة إلى منى، وإلى مزدلفة، وإلى عرفات، أليس ذلك مكلفاً بأن يحج ولا يسقط عنه الحج؟ أليس حجه بدنياً ليس فيه شيء من المال؟ وهذا يدل على أن الأصل في العبادة هو تحريك هذا البدن، فلأجل ذلك لم يصح أن يوكل فيه، ولكن إذا حج فرضه مع القدرة، ثم تبرع له ولده، أو تبرع له أخوه بأن أدى عنه حجة أخرى، أو طاف تطوعاً وأهدى طوافه له، فلا شك أنه ينتفع بذلك، حتى ولو كان قادراً.
أما إذا عجز عن الحج إما لعيب في بدنه، وإما لقلة في ماله، وإما للصعوبة والمشقة بينه وبين الحرم، فإنه في هذه الحالة معذور، وإذا وكل غيره، أو قام غيره مقامه في هذا العمل وتبرع له متبرع؛ فإن ذلك ينفعه.
فعرف بذلك الفرق بين العبادات البدنية المحضة كالصوم، والصلاة، والحج لمن هو في مكة، فإنها لا تدخلها النيابة إذا كانت فرضاً، وأما إذا كانت تطوعاً وأهدي له ثوابها فلا مانع من أن ينتفع به.
أما بالنسبة للأعمال الأخرى فإنها تدخلها النيابة، فالأذكار يصح أن يذكر الله تعالى وأن يهدي ثوابها لأخيه أو قريبه، وكذلك المرء مأمور أن يدعو لأقاربه، أو للمسلمين عموماً، والصدقات يصح أن يوقعها عن قريبه حياً أو ميتاً بجزء من ماله، وهكذا بقية الأعمال.
وقد مر بنا بعض الأشياء التي فيها خلاف، وعرفنا كيف الجواب عنها.
стр. 958
حكم إهداء ثواب الأعمال إلى رسول الله ﷺ
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإن قيل: ما تقولون في الإهداء إلى رسول الله ﷺ ؟ قيل: من المتأخرين من استحبه، ومنهم من رآه بدعة؛ لأن الصحابة لم يكونوا يفعلونه، ولأن النبي ﷺ له مثل أجر كل من عمل خيراً من أمته، من غير أن ينقص من أجر العامل شيء، لأنه هو الذي دل أمته على كل خير، وأرشدهم إليه.
ومن قال: إن الميت ينتفع بقراءة القرآن عنده، باعتبار سماعه كلام الله، فهذا لم يصح عن أحد من الأئمة المشهورين، ولا شك في سماعه، ولكن انتفاعه بالسماع لا يصح، فإن ثواب الاستماع مشروط بالحياة، فإنه عمل اختياري، وقد انقطع بموته، بل ربما يتضرر ويتألم؛ لكونه لم يمتثل أوامر الله ونواهيه، أو لكونه لم يزدد من الخير.
واختلف العلماء في قراءة القرآن عند القبور على ثلاثة أقوال: هل تكره، أم لا بأس بها، أم لا بأس بها وقت الدفن وتكره بعده؟ فمن قال بكراهتها كـ أبي حنيفة ومالك وأحمد -في رواية- قالوا: لأنه محدَث، لم ترد به السنة، والقراءة تشبه الصلاة، والصلاة عند القبور منهي عنها، فكذلك القراءة.
ومن قال لا باس بها كـ محمد بن الحسن وأحمد -في رواية- استدلوا بما نقل عن ابن عمر ﵁: (أنه أوصى أن يقرأ على قبره وقت الدفن، بفواتح سورة البقرة، وخواتمها) ونقل أيضاً عن بعض المهاجرين قراءة سورة البقرة.
ومن قال لا بأس بها وقت الدفن فقط -وهو رواية عن أحمد - أخذ بما نقل عن ابن عمر وبعض المهاجرين.
وأما بعد ذلك، كالذين يتناوبون القبر للقراءة عنده فهذا مكروه، فإنه لم تأت به السنة، ولم ينقل عن أحد من السلف مثل ذلك أصلاً، وهذا القول لعله أقوى من غيره؛ لما فيه من التوفيق بين الدليلين.
]
стр. 959
أدلة عدم مشروعية إهداء ثواب الأعمال إلى رسول الله ﷺ
أما ما يتعلق بالإهداء إلى رسول الله صلى عليه وسلم، فالشارح ﵀ قد بين الحكم فيه، وذكر أنه لا يشرع أن تعمل عملاً وتقول: أجره لرسول الله ﷺ ، سواء كان قراءة أو صلاة أو ذكراً أو جهاداً أو غير ذلك، واحتج بدليلين: الدليل الأول: أنه لم يفعل في العهد النبوي، ولا في عهد الصحابة، ولم يكن أحد من الصحابة يعمل عملاً ويقول: أجره لرسول الله ﷺ ، ولو كان خيراً لسبقونا إليه؛ وذلك لأنهم أعرف به، وأعرف بما يكون من شريعته، وأيضاً فهم الذين يحبونه ويؤثرونه على أنفسهم، وهم الذين شاهدوه، وصحبوه، وقاتلوا معه، وصلوا خلفه، وتلقوا عنه سنته، ومع ذلك فلم يهدوا إليه ثواب صلاة ولا صوم ولا صدقة ولا غير ذلك، إلا ما نقل عن علي ﵁ أنه كان يضحي لرسول الله ﷺ ، ويذكر أنه أوصاه بذلك، ولكن الحديث فيه ضعف.
وعلى كل حال فهذا دليل واضح، وهو عدم فعل السلف، يعني عدم الإفتاء منهم.
الدليل الثاني: أنه ﷺ ليس بحاجة إلى إهداء هذه الأعمال؛ وذلك لأن الله يكتب له مثل عمل كل عامل من أمته، وقد ثبت أنه ﷺ قال: (من دعا إلى هدى كان له مثل أجور من تبعه، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه مثل أوزار من تبعه، لا ينقص ذلك من أوزارهم شيء) ، وقال: (من دل على خير فله مثل أجر فاعله) ، أليس نبينا ﷺ هو الذي دل على الإسلام؟! وهو الذي دل على الحسنات والصالحات؟ وهو الذي دل على الصلات والصدقات؟ وهو الذي دل على الخيرات كلها، وحذر عن الشرور؟! إذاً: أنت متى صليت صلاة كتب لك أجرها تاماً، وكتب له ﷺ مثل أجر تلك الصلاة، وإذا جاهدت كتب لك أجر جهادك كاملاً وكتب مثله لنبيك ﷺ ؛ لأنك اهتديت بدعوته، وكذلك إذا تصدقت بصدقة، أو ذكرت الله، أو دعوته، أو قرأت كتابه، أو ما أشبه ذلك، كتب أجرك كاملاً وكتب له ﷺ مثله من غير أن ينقص أجرك.
إذاً: فهذا فضل الله عليه، فلا حاجة إلى أن يُهدى له، وأيضاً فأنت أحوج إلى عملك، وذلك لأنه ﵊ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، أما أنت فإنك بحاجة للأسباب التي بها تغفر خطاياك، وتمحى بها سيئاتك، ويرجح بها ميزانك، فكونك تهدي عملك له وهو غني، وتترك نفسك وحاجتك! هذا فيه شيء من الخطأ والغلط، هذا ما يتعلق بالمسألة الأولى.
стр. 960
حكم قراءة القرآن عند القبور
أما المسألة الثانية وهي: القراءة عند القبور: فهذه المسألة فيها ثلاث روايات عن الإمام أحمد: رواية: أنه يجوز وقت الدفن فقط، ورواية: أنه يجوز مطلقاً، ورواية: أنه لا يجوز مطلقاً.
والأرجح: أنه لا يجوز قصد القبور للدعاء والقراءة عندها، كما لا يجوز أن تقصد للصلاة عندها؛ فقد ثبت أن النبي ﷺ نهى أن تتخذ القبور مساجد: (ألا إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد) .
وثبت أنه ﷺ نهى عن الصلاة في المقبرة في أحاديث كثيرة، ولا شك أن العلة في ذلك مخافة الغلو، أو اعتقاد أن الذي يدعو عند القبر، أو يصلي عند القبر، أو يقرأ عند القبر، يعظم أجره، وأن أهل القبور يتسببون في رفع عمله وفي مضاعفة عمله وفي قبوله، ويكون ذلك وسيلة وذريعة إلى الاعتقاد في أصحاب القبور، ومعلوم أن الاعتقاد فيهم أنهم ينفعون، ويشفعون، ويدفعون، ويرفعون الأعمال الصالحة، ونحو ذلك، اعتقاد في مخلوق قد انقطع عمله، فلا يملك شيئاً لنفسه، فكيف يملك نفعاً لغيره، فيكون ذلك من وسائل الشرك.
وهذا هو الواقع، فإن الذين يعظمون القبور، ويصلون عندها، ويطوفون بها، ويعكفون حولها، ويقرءون عندها، كانت نهايتهم أن عبدوا تلك القبور، حيث خيل إليهم أن أصحابها من الأولياء، وكان أول ما عملوه أنهم ترددوا إلى ذلك القبر لمجرد الزيارة، ثم بعد ذلك ظنوا أن الأعمال عنده أفضل منها في غير ذلك المكان، فصاروا يفضلون الصلاة عند القبر على الصلاة في المسجد، ويفضلون القراءة عند القبور على القراءة في المسجد، ويفضلون الدعاء عند القبور على الدعاء في المساجد، ثم اعتقدوا بعد ذلك أن للأموات تأثيراً، وأنهم يرفعون الأعمال أو يضاعفونها! ثم زاد الأمر إلى أن صاروا ينادون الميت ويهتفون باسمه، فيقولون مثلاً: يا عيدروس يا عبد القادر أو يا جيلاني أو يا نقشبندي أو يا تيجاني أو يا زيد أو يا يوسف أو يا تاج أو ما أشبه ذلك من الأسماء التي كانوا في البداية ينتابونها ثم اعتقدوا فيها.
إذاً: فالصواب هو القول الأول، وهو المنع مطلقاً من قصد القبور للقراءة عندها، ولعل الدليل عليه: أولاً: أنه قول الجمهور، فهو قول أبي حنيفة ومالك وأحمد في الرواية المشهورة عنه، وكذا عند أصحابه، ورجحها المحققون كـ ابن تيمية وغيره، فلا تجوز القراءة عند القبور لأي سبب، وبأي نية وبأي معتقد؛ مخافة أن تكون وسيلة إلى دعاء الأموات وإلى الاعتقاد فيهم.
وأما ما نقل عن ابن عمر أنه أمر بأن تقرأ عنده فواتح سورة البقرة وخواتيمها، فقد تكون الرواية عنه غير صحيحة ولا ثابتة، حيث إنها لم تشتهر، ولم يشتهر العمل بها.
وأيضاً: فإنه أراد أن يكون ذلك في حال الدفن وأن يكون ذلك بمنزلة الدعاء، فإن الدعاء للميت مشروع، والدعاء للميت عند قبره مشروع كما كان النبي ﷺ إذا مات الميت ودفنه قام عند قبره وقال: (اسألوا الله لأخيكم التثبيت فإنه الآن يسأل) ، فيكون ذلك من باب الدعاء له؛ وذلك لأن هذه الآيات فيها دعاء، مثل قوله: ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة:٢٨٥] ، وقوله: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِه﴾ [البقرة:٢٨٦] إلى آخرها، فكأنه أراد: أنكم تدعون بها وتقرءونها وتجعلونها دعاءً لي.
فإذاً: لا يكون فيها دلالة على قصد القبر للدعاء عنده، سواء وقت الدفن أو بعد الدفن، وسواء اعتقد أنه ينتفع بتلك القراءة أو أن القارئ ينتفع بها.
والقول بأنه ينتفع بها فيه نظر؛ وذلك لأنه لو كان مباحاً لفعله الصحابة.
وأيضا: فإن القراءة في المساجد وإهداء ثوابها له أكثر أجراً من القراءة عند القبور، فإن المقابر منهي عن الصلاة فيها، والمساجد مأمور بالصلاة فيها، فالدعاء في المساجد أفضل من الدعاء عند القبور، والصلاة في المساجد أفضل من الصلاة عند القبور، وكذلك القراءة في المساجد أفضل منها عند القبور.
فعرف بذلك أن القول الصواب هو قول الجمهور؛ وهو أنه لا يقصد القبر للقراءة عنده، بل إذا أرد أن يهدي للميت قراءة أو ذكراً قرأها عند أهله أو في بيته أو نحو ذلك، فأما أن يقصد القبر ويتحراه فالأصل أن هذا لم يكن مشروعاً فلا يكون جائزاً، والإنسان عليه أن يتبع الدليل، وعليه أن يأخذ بقول جماهير الأمة ويترك الأقوال الشاذة، ولو رويت عن بعض العلماء، والذين رويت عنهم نحسن الظن بهم ونقول: أولاً: هم مجتهدون، وليس كل مجتهد بمصيب.
وثانياً: أنهم ولو كانوا عندهم شيء من الاجتهاد ونحوه فإنهم عرضة للخطأ.
وثالثاً: لم يكن عندهم من الاعتقاد ما عند من بعدهم، بل هم مأمونون أن يقع فيهم هذا الخطأ، والدليل على ذلك: أنهم لم يقع منهم الغلو الذي وقع من المتأخرين، كما حدث في القرن الثامن وما بعده إلى القرن الثاني عشر في هذه البلاد، بل وإلى هذا القرن في كثير من البلاد حيث زاد غلوهم في القبور حتى دعوها من دون الله، فأصبحوا يشركون بالله، ويجعلون تلك القبور آلهة مع الله، وسبب ذلك تساهل علمائهم بقصدهم لتلك القبور فاقتدى بهم السفهاء، واعتقدوا أن صاحب القبر له تأثير، فأصبحت وسيلة من وسائل الشرك، ثم أصبحت شركاً صريحاً.
стр. 961
أهمية الدعاء وإجابة الله للداعي
قال المؤلف: [قوله: (والله تعالى يستجيب الدعوات، ويقضي الحاجات) .
قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُم﴾ [غافر:٦٠] ، وقال تعالى ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:١٨٦] ، والذي عليه أكثر الخلق من المسلمين وسائر أهل الملل وغيرهم أن الدعاء من أقوى الأسباب في جلب المنافع ودفع المضار.
وقد أخبر تعالى عن الكفار أنهم إذا مسهم الضر في البحر دعوا الله مخلصين له الدين، وأن الإنسان إذا مسه الضر دعاه لجنبه أو قاعداً أو قائماً.
وإجابة الله لدعاء العبد، مسلماً كان أو كافراً، وإعطاؤه سؤاله من جنس رزقه لهم، ونصره لهم، وهو مما توجبه الربوبية للعبد مطلقاً، ثم قد يكون ذلك فتنة في حقه ومضرة عليه، إذ كان كفره وفسوقه يقتضي ذلك.
وفي سنن ابن ماجة من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من لم يسأل الله يغضب عليه) ، وقد نظم بعضهم هذا المعنى فقال: الرب يغضب إن تركت سؤاله وبُنيّ آدم حين يُسأل يغضبُ قال ابن عقيل: قد ندب الله تعال إلى الدعاء، وفي ذلك معان: أحدها: الوجود، فإن من ليس بموجود لا يدعى.
الثاني: الغنى، فإن الفقير لا يدعى.
الثالث: السمع، فإن الأصم لا يدعى.
الرابع: الكرم، فإن البخيل لا يدعى.
الخامس: الرحمة، فإن القاسي لا يدعى.
السادس: القدرة، فإن العاجز لا يدعى.
ومن يقول بالطبائع يعلم أن النار لا يقال لها: كفي! ولا النجم يقال له: أصلح مزاجي؛ لأن هذه عندهم مؤثرة طبعاً لا اختياراً، فشرع الدعاء وصلاة الاستسقاء ليبين كذب أهل الطبائع.
] هذا بحث جديد يتعلق بشرعية الدعاء من العبد لربه، وبحكم الدعاء، وبفائدة الدعاء، فذكر أن الله تعالى يجيب من دعاه، ويعطي من سأله، وأنه سبحانه يفرح بدعاء الداعين، وأنه يستجيب دعوتهم.
стр. 962
دعاء المشركين عند الاضطرار
أولاً: ذكر أن المشركين قبل الإسلام كانوا يدعون الله، يقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاه﴾ [الإسراء:٦٧] ذهبت عنكم آلهتكم، وذهبت عنكم معبوداتكم كلها، ونسيتموها، ولم يبق في ذاكرتكم إلا الرب تعالى، فإنكم تعلمون أنه لا يجيب دعوتكم ولا يزيل عنكم الضر في المضائق إلا الله سبحانه، ويكون ذلك إذا ركبوا، يقول الله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت:٦٥] دعوا الله في حالة كونهم على خطر ومقربة من الهلاك.
ويقول تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين﴾ [لقمان:٣٢] ، وأمواج البحر معروفة، وهي التي تدفعها الرياح بحيث ترتفع فوق مستوى البحر متراً أو مترين أو نحو ذلك، وإذا جاءت تلك الأمواج إلى السفن اضطربت السفينة، وكادت أن تغرق، فإذا رأوا تلك الأمواج خافوا الهلاك ورفعوا أيديهم، وقالوا: يا ربنا أنجنا، يا ربنا نجنا من هذا الهلاك، فلا يذكرون إلا الله.
إذاً: الله تعالى يستجيب لهم مع أنهم كفار؛ لأنهم أخلصوا له الدعاء، ولا شك أن المسلمين أولى بأن يدعوا الله في الضر وفي الشدة وفي الرخاء، ولا شك أنه يحب أن يدعوه ويغضب على من لم يدعه.
стр. 963
الله يغضب إن تركت سؤاله
وتقدم الحديث الذي يقول فيه النبي ﷺ : (من لم يسأل الله يغضب عليه) ، ونحن نحب رضاه، ورضاه يتوقف على أن نسأله ونستعينه عند العجز، ونستنصر به عند الخوف، نطلب منه أن يؤمننا وأن يغنينا، وأن يعزنا، وأن يغفر لنا، ونطلب منه كل حاجاتنا، ونرغب عمن سواه من ذكر وأنثى، من صغير وكبير، ونجعل رغبتنا إليه سبحانه.
وتقدم ذلك البيت الذي نظم به ذلك الحديث، وقبله يقول الشاعر: لا تسألن بني آدم حاجة وسل الذي أبوابه لا تحجب الرب يغضب إن تركت سؤاله وبني آدم حين يسأل يغضب يقول بعضهم: لو أنك مشيت مع إنسان، وأخذت كل ساعة تقول له: أعطني حفنة تراب أعطني حفنة تراب، أليس يضجر منك ويمل ويقول: أتعبتني؟! لا شك أنه يكلفه، مع أن التراب موجود، ولكن قد يتكلف أن ينحني ويأخذ التراب، ثم يناولك وأنت -مثلاً- راكب أو نحو ذلك، لو سئلوا تراباً لملوا، فكيف إذا سئلوا شيئاً يملكونه، أو لهم فيه سبب من الأسباب، ولأجل ذلك على الإنسان أن يعلق رجاءه بربه، ويطلب منه حاجاته كلها، ولا يسأل غيره، يقول بعضهم: لا تجلسن بباب من يأبى عليك دخول داره وتقول حاجاتي إليه يعوقها إن لم أداره واتركه واقصد ربها تقضى ورب الدار كاره فإذا قصدت الرب ، وأنت صادق مخلص، قضى حاجتك، سواء كانت متعلقة بإنسان، أو متعلقة فيما بينك وبين الرب.
ذكروا أن إبراهيم بن أدهم ﵀ اشتكى إليه بعض أصحابه جوعاً نزل به؛ لأنهم لا يكتسبون، عند ذلك نظم أبياتاً يقول في أولها: أنا حامد أنا شاكر أنا ذاكر أنا جائع أنا حاسر أنا عاري هي ستة وأنا الضمين بنصفها فكن الضمين بنصفها يا باري لم يتعلق إلا بربه، فكتب هذه الأبيات، ولما اطلع عليها بعض الذين من الله عليهم، أعطاهم ما يسد حاجتهم، فالرب هو الذي يسر لهم هذا الرزق بواسطة هذا الإنسان، ولم يسألوا أي إنسان، وإنما علقوا قلوبهم بربهم.
إذاً فنقول: على الإنسان أن يجتهد في دعائه لله ، وأن يسأل ربه كل حاجاته، ولا يترك حاجة يظن أنه سيحتاج إليها في يوم من الأيام إلا ويسألها ربه، يقول بعض العلماء: سل الله كل شيء حتى ملح طعامك، وذلك لأنك بحاجة إلى أن يمدك ربك بكل شيء، فأنت مأمور أن تفعل السبب، ومع ذلك تعرف أن الله تعالى هو الذي ييسر لك هذه الأشياء ويجعلها مفيدة ومؤثرة.
والأدلة على أهمية الدعاء كثيرة، منها قول الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر:٦٠] ، ورد في الحديث أن النبي ﷺ قال: (الدعاء هو العبادة) ، وقرأ هذه الآية، فجعل الدعاء عبادة، ومثل ذلك أيضاً قول الله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف:٥٥-٥٦] .
стр. 964
أقسام الدعاء
والدعاء ينقسم إلى قسمين: دعاء عبادة، ودعاء مسألة، وكل منهما ملازم للآخر، فالمصلي في صلاته يدعو ربه في كثير من أركان الصلاة وهيئاتها، ففي الفاتحة يقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] ، وهذا دعاء، وفي الركوع والسجود يقول: سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي، وهذا دعاء، وبين السجدتين يقول: رب اغفر لي، ويكرر ذلك، وهذا دعاء.
وكذلك في السجود مأمور بأن يكثر من الدعاء، وكذلك في آخر التشهد مأمور بأن يدعو، فالصلاة فيها دعاء، وكذلك الحج فيه الدعاء في الطواف، وفي السعي، وفي الوقوف بعد الرمي، وما أشبه ذلك، وهذا دليل على أن الله يحب من عباده أن يكثروا من دعائه، وأن لا يملوا من هذا الدعاء، وأنه سبحانه لا بد وأن يجيبهم إذا تمت الشروط.
وتقدم كلام ابن عقيل على هذه الأدلة التي فيها الأمر بالدعاء، فإنه استدل بها على أن الله تعالى موجود، فإن المعدوم لا يدعى، وأنه سبحانه قادر، فإن العاجز لا يمكن أن يطلب منه شيء، وأنه غني، ولو كان فقيراً لم يطلب منه شيء، فكيف يطلب من الفقير شيء وهو لا يجد! واستدل به على أنه كريم؛ وذلك لأن الكريم هو الذي يجود، وهو الذي يهب مما عنده، فالله تعالى هو الكريم، بل هو الذي لا ينقص ما عنده كما يقول النبي ﷺ : (يمين الله ملأى، لا يغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض، فإنه لم يغض ما في يمينه) ، ويقول في الحديث القدسي: (يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، قاموا في صعيد واحد، فسألوني، فأعطيت كل إنسان مسألته، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر) ، والآيات والأحاديث والأدلة على هذا كثيرة.
стр. 965
شرح العقيدة الطحاوية [٧٨]
قد أمر الله عباده بدعائه وجعله عبادة ووعد بالإجابة، وقد خالف في جدوى الدعاء بعض الفلاسفة وغلاة المتصوفة، واحتجوا بالقدر السابق وأنه كثيراً ما يدعو الناس فلا يستجاب لهم، وقد أجاب العلماء عن شبهاتهم وبينوا خطأهم.
стр. 966
مجمل القول في انتفاع الميت بعمل الأحياء
معلوم أن من الأمور الاعتقادية ما يكفر بمخالفته، ومنها ما لا يكفر بمخالفته، وقد تقدم لنا في هذه العقيدة ذكر المسح على الخفين، وهو من الفروع العملية التي لا يكفر المخالف فيها، فقد خالف فيه بعض الصحابة وبعض الأئمة، ولكن استقر قول أهل السنة على القول به، وجاءت مسألة أخرى من الفروع، وهي إهداء الأعمال إلى الأموات أو الأحياء، فهي من المسائل الفرعية، ولا يكفر المخالف فيها وإن ذكرت في العقيدة، وذلك لأنهم: أولاً: قد تمسكوا بقول الله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم:٣٩] .
وثانياً: لهم واجتهاد اجتهدوه، فلأجل ذلك لم يكفروا بمثل ذلك ولكنهم مخطئون.
إنما كان إهداء الأعمال إلى الأحياء أو الأموات من مسائل العقيدة؛ لأن الخلاف فيه مع المخالفين في العقيدة، ومعلوم أن العقيدة هي الأسماء والصفات، والبعث بعد الموت، واليوم الآخر، والإيمان بالملائكة، والرسل، والكتب المتقدمة، ولا شك أن هذه من الأمور الاعتقادية، ولكن تلحق بها أيضاً أمور عملية، وتعطى حكم العقيدة، وإن لم تكن من العقيدة التي يعقد عليها القلب، بمعنى: أنه يؤمن بها وإن لم ير لها دلالات، وقد يكون إدخال إهداء الأعمال إلى الأموات أو الإحياء في العقيدة من باب أنه أمر غيبي، يعني: أننا لا ندري هل يصل إلى الأموات ثواب هذه الأعمال، أو لا يصل إليهم؟! ولكن لما جاءت شواهد ودلائل تدل على أنه ينتفع الميت بعمل الحي إذا أهداه إليه، قال بذلك أهل السنة، فنراهم يصلون على الأموات، لأن الأموات ينتفعون بصلاتهم عليهم، ونراهم يدعون لهم، فيدعو أحدهم لأبويه ولأمواته، كقول نوح ﵇: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ [نوح:٢٨] فقد ذكروا أن والديه كانا مسلمين.
والنهي عن الاستغفار للمشركين ولو كانوا أولي قربى، يدل على أنهم لو كانوا مسلمين لانتفعوا بهذا الاستغفار، وقد ثبت أن النبي ﷺ حضر موت عمه أبي طالب وطلب منه أن ينطق بالشهادة فلم يفعل، وكان آخر كلامه أن قال: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله، وقال النبي ﷺ : (لأستغفرن لك ما لم أنه عنك) فأنزل الله ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى﴾ [التوبة:١١٣] ، ومفهومه: أن لهم أن يستغفروا للمسلمين، وقد ثبت أن النبي ﷺ قال: (استأذنت ربي أن أزور قبر أمي فأذن لي، واستأذنته أن أستغفر لها فمنعني) يعني بعموم هذه الآية: (ولو كانوا أولي قربى) فهذا يفيد: أنهم ينتفعون بالاستغفار إذا كانوا مؤمنين، ولا ينتفعون به إذا كانوا مشركين، ومعلوم أن الاستغفار دعاء، فإنه إذا قال: رب اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين، فقد دعا الله لنفسه ولوالديه وللمؤمنين، وهذا الدعاء يفيد وينفع.
وقد اشتهر الاستدلال بعموم الآيات مثل قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَان﴾ [الحشر:١٠] فنحن نقول: ندعو لإخواننا الذين سبقونا بالإيمان قديماً وحديثاً، فندعو للصحابة وبيننا وبينهم عدة قرون، وللتابعين وللأئمة وللعلماء في كل قرن وفي كل زمان، فإن هذه دعوة آبائنا وأجدادنا ومن خلفنا وإخواننا وأقاربنا وأصحابنا وأصدقائنا من المؤمنين الذين سبقونا بالإيمان، فلا شك أن ذلك ينفعهم.
ورد في بعض الكتب أن إنساناً رأى بعض الأموات في منامه فأخبره ذلك الميت بأنه يأتيهم من دعاء الأحياء أمثال الجبال من الهدايا، التي هي دعاء وصدقات وأعمال ونحو ذلك، تنور عليهم قبورهم وتزداد بها حسناتهم، وتحط بها سيئاتهم.
والأعمال التي تهدى إليهم كثيرة منها الدعاء، ولا شك في انتفاع المدعو به إذا كان الداعي والمدعو له أهلاً لذلك.
ومنها الصدقة: وقد دل عليها الحديث الذي فيه: (إن أمي افتلتت نفسها ولم تتصدق، وأظنها لو تكلمت تصدقت، ألا أتصدق عنها؟ قال: نعم) .
ومنها الحج: وقد ثبت أنه ﷺ أذن للخثعمية أن تحج عن أبيها مع أنه حي ولكنه لا يستطيع الثبوت على الراحلة، وسمع رجلاً يقول: لبيك عن شبرمة، فقال: (أحججت عن نفسك؟ قال: لا، فقال: حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة) فأفاد بأنه ينتفع إذا حج عنه، ولو كان بعيداً في النسب، ما دام أنه حج عنه وأهدى إليه عمل حجته.
وكل ذلك يفيد أن الأموات ينتفعون بإهداء أعمال الحي، وقد تقدم لنا التفصيل في ذلك، وعرفنا القول الصحيح والأدلة عليه.
стр. 967
الرد على من زعم أن الدعاء لا فائدة فيه
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وذهب قوم من المتفلسفة وغالية المتصوفة إلى أن الدعاء لا فائدة فيه! قالوا: لأن المشيئة الإلهية إن اقتضت وجود المطلوب فلا حاجة إلى الدعاء، وإن لم تقتضه فلا فائدة في الدعاء! وقد يخص بعضهم بذلك خواص العارفين! ويجعل الدعاء علة في مقام الخواص! وهذا من غلطات بعض الشيوخ، فكما أنه معلوم الفساد بالاضطرار من دين الإسلام فهو معلوم الفساد بالضرورة العقلية، فإن منفعة الدعاء أمر اتفقت عليه تجارب الأمم، حتى إن الفلاسفة تقول: ضجيج الأصوات في هياكل العبادات، بفنون اللغات، يحلل ما عقدته الأفلاك المؤثرات! وهذا وهم مشركون.
وجواب الشبهة بمنع المقدمتين، فإن قولهم عن المشيئة الإلهية: إما أن تقتضيه أو لا، فثمّ قسم ثالث، وهو: أن تقتضيه بشرط لا تقتضيه مع عدمه، وقد يكون الدعاء من شرطه، كما توجب الثواب مع العمل الصالح ولا توجبه مع عدمه، وكما توجب الشبع والري عند الأكل والشرب، ولا توجبه مع عدمهما، وحصول الولد بالوطء، والزرع بالبذر، فإذا قدر وقوع المدعو به في الدعاء لم يصح أن يقال: لا فائدة في الدعاء، كما لا يقال: لا فائدة في الأكل والشرب والبذر وسائر الأسباب، فقول هؤلاء كما هو مخالف للشرع فهو مخالف للحس والفطرة.
ومما ينبغي أن يعلم ما قاله طائفة من العلماء، وهو أن الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد، ومحو الأسباب أن تكون أسباباً نقص في العقل، والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع، ومعنى التوكل والرجاء يتألف من وجوب التوحيد والعقل والشرع.
وبيان ذلك: أن الالتفات إلى السبب هو اعتماد القلب عليه، ورجاؤه والاستناد إليه، وليس في المخلوق ما يستحق هذا؛ لأنه ليس بمستقل، ولا بد له من شركاء وأضداد، مع هذا كله، فإن لم يسخره مسبب الأسباب لم يسخر.
وقولهم: إن اقتضت المشيئة المطلوب فلا حاجة إلى الدعاء! قلنا: بل قد تكون إليه حاجة، من تحصيل مصلحة أخرى عاجلة وآجله، ودفع مضرة أخرى عاجلة وآجلة، وكذلك قولهم: وإن لم تقتضه فلا فائدة فيه، قلنا: بل فيه فوائد عظيمة من جلب منافع ودفع مضار، كما نبه عليه النبي ﷺ ، بل ما يعجل للعبد من معرفته بربه وإقراره به، وبأنه سميع قريب قدير عليم رحيم، وإقراره بفقره إليه، واضطراره إليه، وما يتبع ذلك من العلوم العلية والأحوال الزكية، التي هي من أعظم المطالب.
فإن قيل: إذا كان عطاء الله معللاً بفعل العبد، كما يعقل من إعطاء المسئول للسائل، كان السائل قد أثر في المسئول حتى أعطاه؟! قلنا: الرب سبحانه هو الذي حرك العبد إلى دعائه، فهذا الخير منه وتمامه عليه، كما قال عمر ﵁: إني لا أحمل هم الإجابة، وإنما أحمل هم الدعاء، ولكن إذا ألهمت الدعاء فإن الإجابة معه، وعلى هذا قوله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة:٥] فأخبر سبحانه أنه يبتدئ بتدبير الأمر، ثم يصعد إليه الأمر الذي دبره، فالله سبحانه هو الذي يقذف في قلب العبد حركة الدعاء، ويجعلها سبباً للخير الذي يعطيه إياه، كما في العمل والثواب، فهو الذي وفق العبد للتوبة، ثم قبلها، وهو الذي وفقه للعمل ثم أثابه، وهو الذي وفقه للدعاء ثم أجابه، فما أثر فيه شيء من المخلوقات، بل هو جعل ما يفعله سبباً لما يفعله، قال مطرف بن عبد الله بن الشخير أحد أئمة التابعين: نظرت في هذا الأمر، فوجدت مبدأه من الله، وتمامه على الله، ووجدت ملاك ذلك الدعاء] .
وهذا يتعلق بالدعاء الذي أمر الله به والذي حث عليه النبي ﷺ ، والذي نهجه علماء الأمة وحثوا عليه ورغبوا فيه، وهو سؤال الله تعالى الحاجات، فعلى العبد أن ينزل حاجاته بربه، وأن يسأله قضاءها، وأن يرغب إليه بأن ييسر كل يسير، وأن يعطيه كل مطلب، وقد تقدمت أدلة تفيد الأمر بالدعاء والحث عليه، مثل قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل:٦٢] من هو الذي يجيبه؟ هو الله.
ولما قال الصحابة: (يا رسول الله أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه أنزل الله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:١٨٦] ) فهذا خبر من ربنا تعالى أنه قريب وأنه يجيب دعوة من دعاه، وكما أمر بذلك في قوله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠] .
وقد حث النبي ﷺ على الدعاء وأخبر بأنه عبادة في قوله: (الدعاء هو العبادة، وقرأ هذه الآية: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ [غافر:٦٠] ) ، وكذلك حث ﵊ على الإكثار من الدعاء، وروي عنه أنه قال: (إن الله يحب الملحين في الدعاء) والإلحاح: هو تكرار الدعاء والإكثار منه.
стр. 968
قد يعطي الله الداعي خيراً مما دعا به فيظن أن دعوته لم تجب
وإذا قيل: إن الكثير قد يدعون ولا يرون أثراً للإجابة فأين معنى: (ادعوني أستجب لكم) ؟ نقول: ورد في بعض الأحاديث: (ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أجاب الله دعوته، أو ادخرها له في الآخرة، أو دفع عنه من الشر مثلها) فلا يخلو من ثلاث حالات: إما أن تجاب دعوته عاجلاً ويرى أثرها، وإما أن يدفع عنه شر بسبب هذه الدعوة، كما يدفع بالأعمال الصالحة، وإما أن يدخرها الله له في الآخرة فيثيبه عليها كما يثيبه على الأعمال الصالحة، أي: كما يثيبه على الصلاة والصدقات والزكوات والصيام والحج والجهاد ونحوها، فكذلك يثيبه على الدعاء.
ومعلوم أيضاً أن الدعاء وإن أجيب الداعي وأعطي سؤله في الدنيا فإن الله بكرمه يثيبه في الآخرة، بمعنى: أنه يدفع عنه السوء، أو يعظم له الأجر، أو يجزل له الثواب، وسبب ذلك: أن الإنسان الذي يعلم أن ربه هو الذي يقضي الحاجات، وهو الذي يفرج الكربات، وهو الذي يجيب الدعوات، وهو الذي يقضي حاجات عباده، ثم ينزل حاجته بربه، لا شك أنه -والحال هذه- قد عبد ربه فإنك إذا رفعت يديك تدعو الله تعالى ولم يتعلق قلبك بأي مخلوق، أليس ذلك دليلاً على أنك أردت أنه الذي يقضي حاجتك، وأنه الذي يملكها وحده، وأنه هو الذي يفرج الكروب، وأنه علام الغيوب؟ لا شك أن هذه عبادة قلبية، أليس يستحق الداعي ثواباً على ذلك؟ إذاً: فالدعاء يثاب عليه في الدنيا بأن يجيب الله دعوته، وفي الآخرة بأن يعطيه جزاءً على عبادته ومعرفته.
стр. 969
الدعاء سبب من الأسباب التي يجب الأخذ بها
وقد تقدم اعتراض بعض الفلاسفة ونحوهم على الدعاء، وقولهم: إن الدعاء لا فائدة فيه، وقولهم: إذا كان هذا القدر قد قدر الله أنه يأتي، فسوف يأتي دعوت أو لم أدع، وإذا لم يقدره الله فلن يأتي ولو دعوت ثم دعوت، إذاً: فلا موجب للدعاء.
هذه شبهتهم.
وبعبارة أخرى إذا قلنا له مثلاً: ادع ربك أن يفرج عنك هذا الكرب، وأن يقضي عنك هذا الدين، وأن يزيل عنك هذا الهم والغم، وأن يوسع عليك في الرزق، وأن يصحك في بدنك، وأن يرزقك ولداً؛ فإنه يقول: إن كان الله قد قدر أنه يرزقني فسوف يرزقني سواء دعوت أم لم أدع، وإذا كان الله لم يكتب لي هذا الرزق فلا فائدة في هذا الدعاء، دعوت أو لم أدع، هكذا يقول أحدهم.
ونقول: هذا ليس بصحيح، وذلك لأننا نقول: إن ربنا سبحانه قد قدر لك هذا الأمر، ولكن جعل له سبباً، وجعل له سبباً وهو الدعاء، فكأنه كتب في الأزل أنك تدعو فترزق، ولو لم تدع لم ترزق، فيكون الدعاء سبباً من أسباب هذا الأمر الذي حصل لك.
ومعلوم أن الأسباب مرتبطة بمسبباتها، وأن الله سبحانه جعل في هذه الدنيا أسباباً وأمر العباد بمباشرتها، وجعل لتلك الأسباب تأثيراً، وإن كان قد قدر ذلك أزلاً، وكتبه في اللوح المحفوظ، وقد ذكر الشارح الأسباب الحسية، والأسباب الحسية لا ينكرها منكر، في ذلك أن الإنسان لو ترك الأكل وهو ينظر إليه ويجده حتى مات اعتبر قاتلاً لنفسه، لأن الله تعالى جعل هذا الأكل سبباً في بقاء الحياة، وقدر أن الإنسان يأكل من هذا الطعام فيعيش، وأمر بذلك في قوله: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف:٣١] وكذلك جعل الشراب سبباً في بقاء الحياة، ولو تركه الإنسان وهو قادر على أن يشرب حتى مات ظمأً لعد قاتلاً لنفسه.
وكذلك الأسباب الأخرى يشاهد أنها مؤثرة في مسبباتها، فالنكاح والوطء سبب في حصول الولد، فالله تعالى أمر بذلك بقوله ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء:٣] ، ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور:٣٢] ، وذلك لأن النكاح سبب في الولد، فلو أن إنساناً قال: لا أتزوج، وإذا كان الله قد قدر لي أولاداً حصلوا وإن أتزوج، وإن لم يقدر لي أولاداً فلا فائدة في الزواج، نقول: ليس كذلك، فالله إذا قدر لك ولداً فإنه قد جعل سببه في النكاح، فعليك أن هذا السبب حتى يحصل ما قدره، وعليك أن تدعو الله فهو الذي يقدر ذلك.
ولو قال إنسان لا حاجة في أن أبذر هذه الأرض، فإن كان الله قدر أنها تنبت ويكون فيها قمح وزرع فذلك سيحصل، سواء زرعتها وسقيتها وحرثتها أو لم أفعل، وإذا قدر أنها لا تنبت فإنه لا يحصل فيها شيء، فلا فائدة في زرعي لها، فهل هذه المقالة صحيحة؟ لا شك بأنها مقالة باطلة؛ وذلك لأن الله تعالى قد أمر بالسبب الذي هو بذر الأرض وزرعها، وهو الذي إذا شاء جعله مثمراً، قال تعالى ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ * أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ [الواقعة:٦٣-٦٤] ، فأثبت لهم حرثاً (تحرثون) ، وأخبر بأنه هو الذي ينبته ولو شاء لم ينبت، ولهذا قال ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ [الواقعة:٦٥] فهذا بيان أن الأسباب لها فائدة ولو كان ذلك مكتوباً أزلاً.
إذاً الدعاء سبب كما أن النكاح سبب، وكما أن البذر سبب والزرع سبب والغرس سبب، وهذا يبين أن هذه الأسباب تؤثر بإذن الله تعالى، فهناك من يعتمد على الأسباب كلها، وقد تقدم أن الاعتماد على الأسباب يعتبر شركاً، يعني أن الاعتقاد بأن السبب هو المؤثر يعتبر شركاً بالله، أي: أنه جعل لغيره تأثيراً ولم يدعه لتقدير الله، فالله تعالى أخبر بأنه هو الذي يخلق الخلق وهو الذي يرزقهم.
стр. 970
الاعتماد على الأسباب كفر وتركها قدح في الشرع والعقل
لو قال إنسان: الإنسان هو الذي يخلق ولده؛ لأنه يصبه في الرحم ثم يتكون ولداً، ولم يجعل الله خالقاً؛ كان هذا كفراً بالله الذي هو مسبب الأسباب، فهذا الحكم الأول، والحكم الثاني: الذين يعرضون عن الأسباب وينفونها ولا يلتفتون إلى الأسباب، لا شك أن هذا محو للأسباب وهو نقص في العقل، إذ لا يليق بالعاقل أن يترك العقل فيقول: إذا قدر الله لي أن أعيش فإني سوف أعيش وإن لم آكل.
كذلك أيضاً طلب الرزق، فمن يقول: سينزل علي من السماء طعامي وشرابي وحاجتي، وإن لم أتحرك، فهذا نقص في العقل، وإعراض عن الأسباب، وهو قدح في الشرع.
فالحاصل أن الاعتماد على الأسباب يعتبر شركاً وقدحاً في التوحيد، ومحوها نقص في العقل، ومحو تأثيرها قدح في الشرع، وعلى كل حال فهذا الدعاء قد أمر الله به وحث عليه ورغب فيه، وأخبر بأنه يحب الذين يدعونه، وقد تقدم قول النبي ﷺ : (من لم يسأل الله يغضب عليه) ، ففيه حث على أن الإنسان يدعو الله حتى يحصل على رضاه، وأن بعض السلف كان يقول: سلوا الله حاجاتكم كلها حتى ملح للطعام، وإن كان ذلك يستدعي أن الإنسان يفعل السبب مع عدم اعتماده عليها، ومن جملتها أن يدعو الله تعالى، والدعاء يحصل بخيري الدنيا والآخرة، فيدعو بأمور الدنيا ويدعو بأمور الآخرة، ويعلم أنها بيد الله، وأنه سبحانه هو الذي يعطي عباده ولا تنفذ خزائنه، مهما أنفق ومهما أعطى، كما قال ﷺ : (يمين الله ملأى لا تغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض، فإنه لم يغض ما في يمنيه) ، وكما في الحديث القدسي يقول: (قال الله تعالى: يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، قاموا في صعيد واحد، فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته، ما نقص ذلك مما عندي، إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر) ، وأشباه ذلك مما ورد في الأحاديث التي فيها الحث على الدعاء والترغيب فيه، وبيان أهميته وفائدته، وبيان أن قول الذين قالوا إنه لا فائدة فيه، قول باطل، بمقدمتين: المقدمة الأولى قولهم: إذا كان الله قدره فسوف يأتي، نقول: نعم قدره ولكن جعل له سبباً، والمقدمة الثانية قولهم: إذا لم يقدر فلا فائدة في الدعاء، كيف يدعو بشيء قد قدر الله أنه لا يحصل، نقول: بل له فائدة، ولو لم يكن فيه إلا تضرع العبد لربه، وإظهاره الافتقار إليه، والرغبة فيما عنده، لكان ذلك كافياً وإن لم تحصل له طلبته.
стр. 971
الواقع يشهد بفائدة الدعاء
والواقع يشهد بفائدة الدعاء، فالنبي ﷺ لما سئل مرة وهو على المنبر أن يدعو الله تعالى بالغيث، رفع يديه وقال: (اللهم أغثنا) مرتين أو ثلاثاً فاستجاب الله دعاءه فنزل المطر في ذلك اليوم، واستمر نزوله أسبوعاً، وفي الجمعة الثانية دعا بقوله: (اللهم حوالينا ولا علينا) ، فانفرجت السماء وصارت كالإكليل استجابة لدعوته، فدل على أنه يؤثر بالدعاء، سيما إذا كان مستجاب الدعوة وهو الذي تتم فيه الصفات التي يكون بها أهلاً لأن تجاب دعوته، فيأتي بشروط إجابة الدعوة، فإن للدعاء شروطاً مذكورة في الكتب المطولة، وقد جمع العلماء ما وصلهم أو ما صح عندهم من الأدعية، ففي صحيح البخاري كتاب اسمه: كتاب الدعوات أورد فيه كثيراً من الأدعية المرفوعة، سواءً كانت تتعلق بأمور الدنيا أو بأمور الآخرة، مثل: سؤال الجنة والنجاة من النار، وسؤال الخير ومحو الشر وأشباه ذلك, والتحفظ مثل: الاستعاذة من الشرور ونحوها.
كذلك في صحيح مسلم كتاب الذكر والدعاء جمع فيه أدعية كثيرة، وأفردت الأدعية أيضاً بكتب من أوسعها كتاب الدعاء للبيهقي مطبوع في ثلاثة مجلدات، وإن كانت فيه مقدمة طويلة وفهارس ,لكن فيه أدعية كثيرة، واهتم بذلك العلماء متقدمهم ومتأخرهم، وكل أفرد ما يسر الله أن يطلع عليه وما عَنّ له من الأدعية، ولا شك أن ذلك دليل على إجابة الدعاء.
стр. 972
بيان السبب في أن الداعي قد لا يعطى شيئاً أو يعطى غير ما سأل
قال المؤلف ﵀: [وهنا سؤال معروف، وهو: أن من الناس من قد يسأل الله فلا يعطى شيئاً، أو يعطى غير ما سأل؟ وقد أجيب عنه بأجوبة، فيها ثلاثة أجوبة محققة: أحدها: أن الآية لم تتضمن عطية السؤال مطلقاً، وإنما تضمنت إجابة الداعي، والداعي أعم من السائل، وإجابة الداعي أعم من إعطاء السائل، ولهذا قال النبي ﷺ : (ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له) .
ففرق بين الداعي والسائل، وبين الإجابة والإعطاء، وهو فرق بين العموم والخصوص، كما أتبع ذلك بالمستغفر وهو نوع من السائل، فذكر العام ثم الخاص ثم الأخص، وإذا علم العباد أنه قريب يجيب دعوة الداعي علموا قربه منهم وتمكنهم من سؤاله، وعلموا علمه ورحمته وقدرته، فدعوه دعاء العبادة في حال، ودعاء المسألة في حال، وجمعوا بينهما في حال، إذ الدعاء اسم يجمع العبادة والاستعانة، وقد فسر قوله ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُم﴾ [غافر:٦٠] بالدعاء الذي هو العبادة، والدعاء الذي هو الطلب، وقوله بعد ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ [غافر:٦٠] يؤكد المعنى الأول.
الجواب الثاني: أن إجابة دعاء السؤال أعم من إعطاء عين السؤال، كما فسره النبي ﷺ فيما رواه مسلم في صحيحه أن النبي ﷺ قال: (ما من رجل يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم، إلا أعطاه بها إحدى ثلاث خصال: إما أن يعجل له دعوته، أو يدخر له من الخير مثلها، أو يصرف عنه من الشر مثلها، قالوا: يا رسول الله إذاً نكثر، قال: الله أكثر) ، وقد أخبر الصادق المصدوق أنه لا بد في الدعوة الخالية من العدوان من عطاء السؤال معجلاً، أو مثله من الخير مؤجلاً، أو يصرف عنه من السوء مثله.
الجواب الثالث: أن الدعاء سبب مقتض لنيل المطلوب، والسبب له شروط وموانع، فإذا حصلت شروطه وانتفت موانعه حصل المطلوب، وإلا فلا يحصل ذلك المطلوب، بل قد يحصل غيره، وهكذا سائر الكلمات الطيبات من الأذكار المأثورة، المعلق عليها جلب منافع أو دفع مضار، فإن الكلمات بمنزلة الآلة في يد الفاعل، تختلف باختلاف قوته وما يعينها، وقد يعارضها مانع من الموانع، ونصوص الوعد والوعيد المتعارضة في الظاهر من هذا الباب، وكثيراً ما تجد أدعية دعا بها قوم فاستجيب لهم، ويكون قد اقترن بالدعاء ضرورة صاحبه وإقباله على الله، أو حسنة تقدمت منه، جعل الله سبحانه إجابة دعوته شكر الحسنة، أو صادف وقت إجابة ونحو ذلك فأجيبت دعوته، فيظن أن السر في ذلك الدعاء، فيأخذه مجرداً عن تلك الأمور التي قارنته من ذلك الداعي.
وهذا كما إذا استعمل رجل دواءً نافعاً في الوقت الذي ينبغي، فانتفع به، فظن آخر أن استعمال هذا الدواء بمجرده كافٍ في حصول المطلوب، وكان غالطاً، وكذا قد يدعو باضطرار عند القبر فيجاب فيظن أن السر للقبر، ولم يدر أن السر للاضطرار وصدق اللجوء إلى الله تعالى، فإذا حصل ذلك في بيت من بيوت الله تعالى كان أفضل وأحب إلى الله تعالى.
فالأدعية والتعوذات والرقى بمنزلة السلاح، والسلاح بضاربه لا بحده فقط، فمتى كان السلاح سلاحاً تاماً، والساعد ساعداً قوياً، والمحل قابلاً، والمانع مفقوداً، حصلت به النكاية في العدو، ومتى تخلف واحد من هذه الثلاثة تخلف التأثير، فإذا كان الدعاء في نفسه غير صالح، أو الداعي لم يجمع بين قلبه ولسانه في الدعاء، أو كان ثم مانع من الإجابة لم يحصل الأثر.
] هذه الأجوبة قد تقدمت الإشارة إلى بعضها، والسؤال هو: أن بعض الناس يدعو ويكرر الدعاء، ومع ذلك لا يستجاب دعاؤه، والله تعالى يقول ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُم﴾ [غافر:٦٠] .
؟! وقد يقال: لماذا لا يستجيب وقد وعد بالإجابة؟ وكذلك قوله: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:١٨٦] ، فكيف لم تحصل الإجابة؟ ومن هذه الأجوبة التي ذكرها الشارح: القول بأن الإجابة أعم من الإعطاء، حيث إن الله: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠] وقال: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ﴾ [البقرة:١٨٦] ، ولم يقل: أعطيه مطلبه، ولا أعطيه ما سأل، فالإجابة يدخل فيها الثواب، ويدخل فيها التلبية لطلبه أو نحو ذلك، أو السماع، أي أنه سمع دعوته سماع قبول وقبل دعوته، فيكون هناك فرق بين إعطائه سؤله وبين إجابة الدعوة، فالله ذكر إجابة الدعوة ولم يذكر إعطاء المسئول، فلا يكون هناك اعتراض على الآية.
وسمعنا الاستشهاد بحديث النزول الذي يقول الله فيه: (من يسألني فأعطيه؟ من يدعوني فأستجيب له؟ من يستغفرني فأغفر له؟) ، ويظهر هنا الفرق بين السؤال والدعاء، ففي السؤال قال: أعطيه، أما في الدعاء فقال: أجيبه، والآية ليس فيها إلا الدعاء: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُم﴾ [غافر:٦٠] ، فإذا أجابه بأن سمع دعاءه أو بأن قبل دعاءه صدق عليه أنه أجابه، فيقال: أنت ممن قبل الله دعاءك وإن لم يعطك سؤلك.
أما الجواب الثاني ففيه: أن الداعي لا يسلم من إحدى ثلاث: الحالة الأولى: أن يعطى سؤله في الدنيا.
الحالة الثانية: أن يدخر له في الآخرة.
الثالثة: أن يصرف عنه من الشر مثله.
فهو رابح بكل حال.
أما الجواب الثالث فهو: أن الدعاء قد يتخلف سبب الإجابة فيه؛ وذلك لأن الإجابة لها أسباب وموانع، فمثلاً: كون الإنسان مؤمناً صحيح الاعتقاد هذا يعتبر سبباً من أسباب الإجابة، وكذلك الإلحاح في الدعاء، واستحضار القلب، واجتماع القلب واللسان على الدعاء، وكذلك الاضطرار، بأن يقع المرء في شدة وضرورة فيلجأ إلى ربه صادقاً في دعائه أن يرزقه وأن يستره وأن ينصره، ومن ذلك أن يستعمل المرء أدعية مأثورة، وكذلك تحري أوقات الإجابة وأماكن الإجابة، فإذا اجتمعت فيه الأسباب أعطي سؤله.
فلو حصل ذلك لرجل فسمع به رجل آخر وقال: فلان أعطي سؤاله لما دعا بقوله مثلاً: اللهم إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له، أو لما قال: اللهم ارزقني رزقاً حسناً ويسر لي اليسرى وجنبني العسرى، وأنا دعوت ولكن لم يستجب لي، فأنا لا أزال في شدة، ولا أزال في جهد.
نقول: تخلف فيك سبب من أسباب الإجابة، فلو اجتمعت الأسباب فيك لاستجيب دعاؤك، ولكن العلة أنه تخلف سبب أو وجد مانع، فمثلاً: قد يكون التقصير في شيء من الأعمال مانعاً من الإجابة، وارتكاب شيء من السيئات والمخالفات يكون مانعاً من الإجابة.
ثم ما مثل به الشارح ﵀ بقوله: قد يوجد مثلاً من إنسان دعاء عند قبر ولكنه دعا وهو مضطر، ودعا وهو صادق الرغبة فظن أن إجابته بسبب ذلك القبر، فسمعه الآخرون فقالوا: هذا القبر تستجاب عنده الدعوة، وهذا القبر يجيب من دعاه، وليس كذلك في الحقيقة، بل الأمر إنما حصل إما مصادفة، وإما بأمر سماوي، وإما بحاجة حصلت له، فالحاصل أن الإنسان عليه أن ينظر ويأتي بالأسباب التي تكون مؤثرة ومفيدة في إجابة الدعاء.
نحمد الله على ما أولى من النعم، ودفع من النقم، نحمد الله على طول الأعمار والتردد في الآثار، نحمد الله على ظهور فضله ونسأله سبحانه الإعانة على ذكره وشكره وحسن عبادته.
стр. 973
شرح العقيدة الطحاوية [٧٩]
قد أثنى الله على نفسه بأنه مالك كل شيء، ووصف نفسه سبحانه بصفات ذاتية وصفات فعلية، وقد أنكر الصفات الفعلية كالغضب والرضا كثير من الأشعرية، وأولوها بالإرادة زعماً منهم أن الله منزه عنها لاتصاف المخلوقين بها، ولعلماء السنة أجوبة عليهم واضحة مستندة إلى الكتاب والسنة.
стр. 974
أهمية الدعاء وإنكار بعض طوائف القدرية له
مما درسناه في مسائل الاعتقاد مسألة الدعاء، وأن ربنا سبحانه أمر أن ندعوه ووعدنا أن يستجيب لنا، قال تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُم﴾ [غافر:٦٠] ، وقال تعالى: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:١٨٦] ، وقال تعالى: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الأعراف:٥٦] ، ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف:٥٥] والآيات في أمر الله عباده بأن يدعوه كثيرة.
وقد عرفنا أن الدعاء هو النداء، وأنا إذا قلنا: اللهم اغفر لنا! اللهم أعطنا سؤلنا! فذلك يستدعي نداءً منا لربنا، والمعنى: يا الله! يا ربنا! وهكذا الأدعية التي في القرآن مثل قوله: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦] التقدير: يا ربنا! لا تؤاخذنا.
وقد ذكرنا أن الدعاء ينقسم إلى قسمين: دعاء عبادة، ودعاء مسألة، وأن كلاً منهما يلزم منه الآخر، فدعاء المسألة يستلزم دعاء العبادة، ودعاء العبادة يتضمن دعاء المسألة، ودعاء العبادة يدخل فيه كل العبادات، فمثلاً: الصلوات دعاء عبادة، والأذكار دعاء عبادة، والقراءة دعاء عبادة، والأوراد دعاء عبادة، والصدقات والصلات والبر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وما أشبه ذلك من الأعمال الخيرية، وهكذا ترك المنكرات دعاء عبادة كلها، ولكن هي في الحقيقة تتضمن دعاء المسألة، وذلك أن العابد ربه ما قصد إلا المسألة، فكأنه يقول: أقصد من صلاتي الثواب أقصد من صدقتي الثواب أقصد من دعائي ومن ذكري ومن قراءتي الحياة الطيبة، أو كأنه يقول: أصلي لك يا ربي! أو أحج لك يا ربي! لتغفر لي ولترزقني ولتصلح أحوالي، إذاً: فهو داع، إلا أنه في حقيقة أمره يقصد الأجر على هذه العبادات.
وقد ذكرنا أن الاشتغال بالدعاء والذكر يقوم مقام السؤال؛ لأنه ورد في الحديث القدسي أن الله يقول: (من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين) ، ولأجل ذلك وردت أدعية في القرآن لفظها لفظ الدعاء ولكنها ذكر وثناء، مثل قول الله تعالى في سورة آل عمران ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران:٢٦-٢٧] هذه الآيات ليس فيها سؤال، إنما فيها مجرد الثناء على الله، ولكن هذا الثناء يستلزم الدعاء.
نقول: هذه هي حقيقة الدعاء، وقد ذكرنا أن المسائل التي تلحق بهذا الكتاب غالباً يكون فيها خلاف مع بعض المبتدعة.
стр. 975
افتقار الخلق إلى الله وحاجتهم إليه
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قوله: (ويملك كل شيء ولا يملكه شيء، ولا غنى عن الله تعالى طرفة عين، ومن استغنى عن الله طرفة عين فقد كفر وصار من أهل الحين.
كلام حق ظاهر لا خفاء فيه، والحين بالفتح الهلاك] .
قوله: (ويملك كل شيء ولا يملكه شيء) كلام ظاهر، بمعنى: أن الله تعالى هو المالك لكل شيء، كما أخبر تعالى بقوله: ﴿لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْد﴾ [التغابن:١] ، وقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك:١] ، ولا شك أن الملك والمالك من أسماء الله، فهو الذي يملك التصرف الكامل، فهو مالك الدنيا ومالك الآخرة، ومالك العباد، ومالك البلاد، ومالك الرقاب، ومذلل الصعاب، هو المالك لكل شيء، ولا يملكه شيء، فهو الخالق وما سواه مخلوقون، والمالك وما سواه مملوكون، فمعنى هذه الجملة: الاعتراف بأن الملك ملكه، وبأن العبيد كلهم وما في أيديهم مملوكون له، وملكهم لما تحت أيديهم وتحت تصرفهم ملك خاص لا يملكون له استقلالاً، وهو أيضاً ملك مؤقت، فإذا قلت مثلاً: هذه الدولة يملكها فلان أو رئيسها فلان، نقول: إن ملكه خاص ومؤقت، وإذا قلت مثلاً: هذه المزرعة ملك فلان أو هذه العمارة ملك فلان، فالمعنى أنه يملكها ملكاً خاصاً وملكاً مؤقتاً، ربما تنتزع منه أو ينتزع منها أو يموت ويتركها، فعرف بذلك أن الملك الحقيقي هو الله ﵎: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك:١] ، ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْء﴾ [يس:٨٣] .
وأما كونه سبحانه لا غنى لأحد عنه طرفة عين فقد تقدم معنى ذلك في الجمل المتقدمة والتي ذكر فيها أن العباد بحاجة إلى ربهم، وأنهم مضطرون إلى سؤاله، وهو سبحانه يحب منهم أن يسألوه ويدعوه، ويرغبهم في أن يسألوه ويستعطوه من فضله مع كونهم بحاجة إلى عطائه وهو غني عنهم، يقول الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر:١٥] ، ويقول تعالى ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُم﴾ [محمد:٣٨] ، فوصف نفسه بأنه الغني والعباد فقراء إليه، ورد في الحديث القدسي الصحيح (يا عبادي! كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي! كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم) .
فإذاً لا أحد يستغني عن الله طرفة عين، والذين يظهرون أنهم يملكون نعم الله هم في الحقيقة فقراء ولو ذللت لهم الدنيا، ولو سخرت لهم الدنيا حتى انخدع كثير منهم، حتى ذكر لي عن بعض الكفرة الذين كانوا بين المسلمين لما قيل لأحدهم: اعبد الله فإن الله هو الذي رزقك، أنكر ذلك والعياذ بالله وقال: إنما رزقتني يميني.
أعوذ بالله من ذلك، يعني: اعتمد على أنه الذي كسب أو لم يكسب، ونسي أن الله حنن عليه أبويه في طفولته، وأنه وكل به من يطعمه ويسقيه ويغذيه في حالة عجزه، حتى اشتد عظمه وقوي هيكله، فنسي فضل الله عليه، واعتقد أنه هو الذي أغنى نفسه، ولو شاء الله لانتقم منهم ولسلبهم ما أعطاهم، فعلى الإنسان أن يعترف أنه فقير إلى الله وأن ربه هو الغني، وأن العباد لا غنى لهم عن ربهم طرفة عين.
стр. 976
صفات الله الفعلية كالغضب والرضا
قال المؤلف: [وقوله: (والله يغضب ويرضى لا كأحد من الورى) قال تعالى ﴿﵃﴾ [المائدة:١١٩] ، ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح:١٨] ، وقال تعالى ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْه﴾ [المائدة:٦٠] ، ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَه﴾ [النساء:٩٣] ، ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّه﴾ [البقرة:٦١] ونظائر ذلك كثيرة.
ومذهب السلف وسائر الأمة إثبات صفة الغضب والرضا والعداوة والولاية والحب والبغض ونحو ذلك من الصفات التي ورد بها الكتاب والسنة، ومنع التأويل الذي يصرفها عن حقائقها اللائقة بالله تعالى، كما يقولون مثل ذلك في السمع والبصر والكلام وسائر الصفات، كما أشار إليها الشيخ فيما تقدم بقوله: (إذا كان تأويل الرؤية وتأويل كل معنى يضاف إلى الربوبية ترك التأويل، ولزوم التسليم، وعليه دين المسلمين) .
وانظر إلى جواب الإمام مالك ﵁ في صفة الاستواء كيف قال: الاستواء معلوم والكيف مجهول.
وروي أيضاً عن أم سلمة ﵂ موقوفاً عليها ومرفوعاً إلى النبي ﷺ ، وكذلك قال الشيخ ﵀ فيما تقدم: (من لم يتوق النفي والتشبيه زل ولم يصب التنزيه) ويأتي في كلامه: (إن الإسلام بين الغلو والتقصير والتشبيه والتعطيل) .
وقول الشيخ ﵀: (لا كأحد من الورى) نفى التشبيه ولا يقال: إن الرضا إرادة الإحسان، والغضب إرادة الانتقام، فإن هذا نفي للصفة، وقد اتفق أهل السنة على أن الله يأمر بما يحب ويرضى، وإن كان لا يريده ولا يشاؤه، وينهى عما يسخطه ويكرهه ويبغضه ويغضب على فعله، وإن كان قد شاءه وأراده، فقد يحب عندهم ويرضى ما لا يريده، ويكره ويسخط ويغضب لما أراده.
ويقال لمن تأول الغضب والرضا بإرادة الإحسان: لم تأولت ذلك؟ فلا بد أن يقول: لأن الغضب غليان دم القلب، والرضا الميل والشهوة، وذلك لا يليق بالله تعالى! فيقال له: غليان دم القلب في الآدمي أمر ينشأ عن صفة الغضب، لا أنه هو الغضب، ويقال له أيضاً: وكذلك الإرادة والمشيئة فينا، فهي ميل الحي إلى الشيء أو إلى ما يلائمه ويناسبه، فإن الحي منا لا يريد إلا ما يجلب له منفعة، أو يدفع عنه مضرة، وهو محتاج إلى ما يريده، ومفتقر إليه، ويزداد بوجوده، وينقص بعدمه، فالمعنى الذي صرفت إليه اللفظ كالمعنى الذي صرفته عنه سواء، فإن جاز هذا جاز ذاك، وإن امتنع هذا امتنع ذاك.
فإن قال: الإرادة التي يوصف الله بها مخالفة للإرادة التي يوصف بها العبد، وإن كان كل منهما حقيقة، قيل له: فقل: إن الغضب والرضا الذي يوصف الله به مخالف لما يوصف به العبد، وإن كان كل منهما حقيقة، فإن كان ما يقوله في الإرادة يمكن أن يقال في هذه الصفات لم يتعين التأويل، بل يجب تركه؛ لأنك تسلم من التناقض، وتسلم أيضاً من تعطيل معنى أسماء الله تعالى وصفاته بلا موجب، فإن صرف القرآن عن ظاهره وحقيقته بغير موجب حرام، ولا يكون الموجب للصرف ما دله عليه عقله، إذ العقول مختلفة، فكل يقول: إن عقله دله على خلاف ما يقوله الآخر.
وهذا الكلام يقال لكل من نفى صفة من صفات الله تعالى لامتناع مسمى ذلك في المخلوق، فإنه لابد أن يثبت شيئاً لله تعالى على خلاف ما يعهده حتى في صفة الوجود، فإن وجود العبد كما يليق به، ووجود الباري تعالى كما يليق به، فوجوده تعالى يستحيل عليه العدم، ووجود المخلوق لا يستحيل عليه العدم، وما سمى به الرب نفسه وسمى به مخلوقاته، مثل الحي والعليم والقدير، أو سمى به بعض صفاته كالغضب والرضا، وسمى به بعض صفات عباده، فنحن نعقل بقلوبنا معاني هذه الأسماء في حق الله تعالى، وأنه حق ثابت موجود، ونعقل أيضاً معاني هذه الأسماء في حق المخلوق، ونعقل أن بين المعنيين قدراً مشتركاً، لكن هذا المعنى لا يوجد في الخارج مشتركاً، إذ المعنى المشترك الكلي لا يوجد مشتركاً إلا في الأذهان، ولا يوجد في الخارج إلا معيناً مختصاً، فيثبت في كل منهما كما يليق به، بل لو قيل: غضب مالك خازن النار وغضب غيره من الملائكة، لم يوجب أن يكون مماثلاً لكيفية غضب الآدميين؛ لأن الملائكة ليسوا من الأخلاط الأربعة، حتى تغلي دماء قلوبهم كما يغلي دم قلب الإنسان عند غضبه، فغضب الله أولى] .
أما الكلام الذي بعده فيتعلق ببعض الصفات ومنها صفة الغضب والرضا والسخط والحب والبغض ونحوها، وهذه تسمى صفات فعلية، لأنه قد تقدم أن الصفات تنقسم إلى قسمين: صفات ذاتية، وصفات فعلية، فالصفات الذاتية هي الملازمة للموصوف؛ كصفة الكلام والحياة وصفة الوجه واليد والسمع والبصر ونحوها، وأما صفة العلو والنزول وصفة الحب والبغض والكراهية والسخط والغضب والرضا فهذه صفات فعل، أي أن الله يفعلها إذا شاء، وقد تكاثرت الأدلة على إثبات صفات الأفعال في القرآن وكذا في السنة، ومع كثرتها فقد أنكرها الكثير من المبتدعة، فأنكرها المعتزلة وإن كانوا قد أنكروا أيضاً الصفات الذاتية، وأنكر الأشعرية هذه الصفات الفعلية.
ولكن أهل السنة لم ينكروها، بل أقروا بها؛ وذلك لأنهم رأوا الأدلة عليها من القرآن والسنة متواترة وواضحة فقول الله تعالى: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [الفتح:٦] ، هل ننكر دلالة هذه الآية على صفة الغضب؟ وكذلك قوله: ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ [النور:٩] ، وكذلك قوله في القاتل: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْه﴾ [النساء:٩٣] ، وكذلك قوله في قوم هود لما أغضبوه: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّه﴾ [البقرة:٦١] ، ونحو ذلك.
وكذلك آيات السخط مثل قوله تعالى: ﴿بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّه﴾ [آل عمران:١٦٢] ، وكذلك وردت آيات الرضا كثيراً في القرآن: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْه﴾ وهكذا أيضاً الأحاديث كحديث الشفاعة إذا جاء أهل الموقف إلى آدم يقولون: (اشفع لنا إلى ربنا، فيقول: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله) ، وهكذا يقول نوح وإبراهيم وباقي أولي العزم من الرسل، فيقرون بأن الله تعالى قد غضب اليوم غضباًَ لم يغضب قبله ولن يغضب بعده مثله، فلا شك أن هذا دليل على أن الأنبياء والرسل يعترفون لربهم بأنه يتصف بصفة الغضب كما يليق به، وعلى هذا فلابد من إثبات هذه الصفة، ولكن إذا أثبتناها فإنا: أولاً: لا نكيفها، ولا نقول كيفية الغضب كذا وكذا في حق الله.
ثانياً: ننزهها عن مشابهة غضب المخلوق، ولهذا يقول الطحاوي ﵀: (لا كأحد من الورى) أي: لا كغضب أحد من الخلق، إذاً غضب الله يليق به، وغضب المخلوق يليق به.
وقد أنكر الأشاعرة هذه الصفة وقالوا: إن الغضب الذي نعرفه هو غليان دم القلب لطلب الانتقام، وهذا الوصف لا يليق بالله، فقال لهم أهل السنة: فبماذا تفسرون الآيات والأحاديث التي فيها إثبات الغضب؟ فقالوا: نفسره في حق الله بأنه إرادة الانتقام، قلنا: كيف صرفتم غضب الله إلى إرادة الله أن ينتقم؟ والأشاعرة إنما صرفوه إلى هذا المعنى لأنهم يعترفون بالإرادة، فيثبتون صفة الإرادة لله، وإذا قلنا لهم: الإرادة هي ميل النفس إلى المراد، قالوا: لا، هذه إرادة المخلوق، قلنا: الغضب الذي هو غليان دم القلب هذا غضب المخلوق أيضاً، فأنتم فررتم من شيء ووقعتم في مثله، فالأولى لكم أن تثبتوا صفة الغضب وتنفوا عنها التشبيه، وتكلون كيفيتها إلى الله تعالى، كما تفعلون ذلك في سائر الصفات؛ وذلك لأن المخلوق قد وصف بكثير من الصفات التي هي من صفات الله، ومع ذلك يوجد فارق بين صفات الخالق وصفات المخلوق، فإذا أثبتنا صفة السمع والبصر كما أثبتها الله تعالى لنفسه ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء:١٣٤] ، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج:٦١] ، ﴿وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ [المجادلة:١] ، وكذلك الإنسان، قال تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنسان:٢] ، ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِر﴾ [مريم:٣٨] .
فالإنسان سميع والله سميع، فهل يلزم التشابه بين سمع الخالق وسمع المخلوق؟ لا يلزم.
فاشترك سمع الله وسمع المخلوق في معنى عام وهو التشبيه العام، أي أنه إذا قيل: أليس السمع هو إدراك الأصوات؟ قلنا: نعم، السمع هو إدراك الأصوات، ولكن سمع الله لا يحجبه شيء، فهو يسمع دبيب النملة على الصخرة الصماء، وسمع الله أيضاً لا تختلف عليه الأصوات، ولا تغلطه كثرة المسائل مع اختلاف اللغات والمسئولات، وسمع المخلوق ليس كذلك، فأنت إذا تكلم عندك اثنان في آن واحد اشتبه عليك ما يقول هذا بما يقول هذا، أما الرب تعالى فإنه لا يشغله سمع عن سمع، فيكون الفرق ظاهراً.
وكذلك يقال في البصر، فالله تعالى موصوف بالبصر والإنسان موصوف بالبصر، والاشتراك إنما هو في المعنى العام وهو أن يقال: أليس معنى البصر إدراك الأشباح التي تتمثل أمام العينين؟ فنقول: نعم، لكن بصر الله ليس كبصر المخلوق، فالله تعالى موصوف بالبصر ولا يحجبه شيء عن أن يبصر مخلوقاته بعيدهم وقريبهم، أما المخلوق فلا يخرق بصره هذا الجدار أو هذا الحجاب، وإذا كان هذا فارقاً فكذلك نقول في الغضب والرضا، وفي السخط والبغض والكراهية والمحبة نقول: إن بين محبة الله ومحبة المخلوق فرقاً، ولا نقول: إن محبة الله هي ميل النفس إلى المحبوب أو الانعطاف نحو الشخص المحبوب أو نحو ذلك.
كذلك مثلاً قد قال النبي ﷺ : (الراحمون يرحمهم الرحمن، فارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء) ، رحمة المخلوق معناها عطفه وحنوّه على الضعيف ورقته عليه حتى ينقذه من شدة أو يفرج عنه هماً أو ينصره من مظلمة أو يؤويه أو نحو ذل
стр. 977
شرح العقيدة الطحاوية [٨٠]
يثبت أهل السنة الصفات الفعلية لله، وينكر ذلك الجهمية والأشاعرة والكلابية، معتمدين على أصل فاسد، وهو أن الله ليس محلاً للحوادث، ولكن الكتاب والسنة على خلاف ما هم عليه، ولا عبرة باللوازم الباطلة.
стр. 978
إنكار طوائف أهل البدع لأسماء الله وصفاته
معلوم أن أشد البدع وأكثرها فشواً وانتشاراً بدعة التعطيل التي هي تعطيل الله عن صفات الكمال؛ وذلك لأن الذين روجوها وأدخلوها كأنهم اكتسبوا الناس بالعقول، وأقنعوا من اتصلوا به أو من دعوه إلى أن أدلتهم العقلية، وأن العقل هو الأصل في النقل، وأنهم ما عرفوا صدق الرسل إلا بالعقل، فلا يمكن أن يصدقوا الرسل فيما يخالف العقل أو فيما لا يقره العقل.
ومعلوم أن المعطلة يقال لهم الجهمية؛ لأن الجهم بن صفوان هو الذي نشر بدعة التعطيل التي أخذها عن الجعد بن درهم، والجعد هو الذي قتله خالد القسري في يوم عيد الأضحى وقال: أيها الناس! ضحوا تقبل الله ضحاياكم فإني مضح بـ الجعد بن درهم، إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً، ولم يكلم موسى تكليماً، ثم نزل فقتله، وفي ذلك يقول ابن القيم في النونية: ولأجل ذا ضحى بجعد خالد الـ قسري يوم ذبائح القربان إذ قال إبراهيم ليس خليله كلا ولا موسى الكليم الداني شكر الضحية كل صاحب سنة لله درك من أخي قربان فكل صاحب سنة شكره على هذه الضحية، فهكذا أسس البدعة الجعد بن درهم ثم تبعه الجهم بن صفوان الذي قتله سلم بن أحوز، ثم انتشرت هذه البدعة، وصارت عقيدة لطائفة تسموا بالمعتزلة أنكروا صفات الله تعالى، بل أنكروا أسماءه وجعلوها أعلاماً لا تدل على صفات، فقالوا: إن الله عليم بلا علم، سميع بلا سمع، بصير بلا بصر، رحيم بلا رحمة، وهكذا وأنكروا أيضاً صفات الأفعال وصفات الذات، فأنكروا علو الله تعالى على خلقه، وأنكروا ما أثبته لنفسه من صفات، حيث أثبت لنفسه الوجه في قوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّك﴾ [الرحمن:٢٧] ، وأثبت لنفسه اليدين في قوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَان﴾ [المائدة:٦٤] ، وأثبت لنفسه العين في قوله: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر:١٤] ، فجاء المعطلة ونفوا ذلك كله.
كذلك نفوا الصفات الفعلية، فنفوا أن الله تعالى يرحم أو يحب أو يغضب أو يرضى، ووافقهم على هذا النفي طائفة متأخرة تسموا بالأشاعرة، انتسبوا إلى أبي الحسن الأشعري، ولكن الأشعري تبرأ منهم ورجع عن طريقتهم، واعتقد معتقد الإمام أحمد ومن كان على طريقته من أهل السنة، لكن هؤلاء الذين تسموا بالأشاعرة اتخذوا طريقة عن الأشعري كان قد رجع عنها.
ومن عقيدتهم أنهم لا يثبتون إلا سبع صفات، وأنهم ينكرون صفات الأفعال، فصفة الغضب يثبتها أهل السنة ويقولون: إن الله يغضب لا كغضب المخلوق، ويرضى لا كرضا المخلوق، ويحب لا كمحبة المخلوق، ويسخط ويكره، كما أخبر عن نفسه في عدد من الآيات، ويبغض من يشاء كما يحب من يشاء، ويرحم من يشاء.
ولا شك أن هذه صفات كمال، ولو كانوا يتوهمون أنها مستحيلة فنحن نقول: نثبت أن الله تعالى يحب من يشاء، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِه﴾ [الصف:٤] ، ونثبت أن الله يرضى، كما قال تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْه﴾ [المائدة:١١٩] ، ونثبت أنه يغضب، كما قال تعالى ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُم﴾ [الفتح:٦] ، ونثبت أن الله يكره، كما قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُم﴾ [التوبة:٤٦] ، وهكذا فهذه كلها تسمى صفات فعلية، ولكن ننزه الله أن تكون هذه الصفات كصفات المخلوقين، بل صفات المخلوق تناسبه وصفات الخالق تناسبه، ولا نفسرها تفسيراً أكثر من إثباتها وأنها حقيقة، فالذين نفوها قالوا: إنها لا يتصف بها إلا المخلوق، وإنه يلزم من إثباتها تشبيه الله بالمخلوق، وإن الغضب هو غليان دم القلب لطلب الانتقام، وأن المحبة هي ميل النفس إلى المحبوب، وأن الرحمة رقة تكون في الراحم، وأن هذا لا يليق أن يكون في الخالق، وما أشبه ذلك، ولكن عمدتهم أن العقل يستبعدها، أي أنه لا يمكن أن يتصف بها الخالق عقلاً، فقدموا العقل على النقل، واعتمدوه دليلاً.
فيقال لهم: ما دمتم قد اعترفتم بأن الرسل صادقون، وبأن عقولكم دلت على صدق الرسل، فعليكم أن تتقبلوا كل ما جاء عنهم، وألا تردوا شيئاً دون شيء؛ لأنكم إذا رددتم بعضاً دون بعض فقد صدقتم بشيء وكذبتم بشيء فيصدق فيكم قوله تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [البقرة:٨٥] ، ويتحقق فيكم الوعيد الذي توعد الله به اليهود.
وبذلك نعرف أننا إذا آمنا بجميع ما جاء في كتاب الله وفي شريعة رسوله فيما يتعلق بالأسماء والصفات، وفيما يتعلق بالبعث والنشور، وفيما يتعلق بالعبادات والمعاملات، وفيما يتعلق بالأحوال الشخصية، وفيما يتعلق بسائر الأحكام، آمنا بالله وبما جاء عن الله وعلى مراد الله، وآمنا برسول الله، وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله، وآمنا بالكتاب كله، ووكلنا ما لا نعرف تأويله إلى عالمه وتوقفنا عن التأويلات التي يتأولها أولئك المحرفون للكلم عن مواضعه، فصرنا بذلك مؤمنين بكتاب الله، متبعين لرسول الله، مصدقين لما جاء به، وهذا هو الإيمان الذي أمر الله به وأمر به رسوله، وهذا هو معتقد أهل السنة.
فإن شاء الله أن أهل السنة الذين يعتقدون هذا سيحشرون مع سلف الأمة وأئمتها.
стр. 979
إنكار الجهمية لأسماء الله وصفاته
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد نفى الجهم وكل من وافقه كل ما وصف الله به نفسه، من كلامه ورضاه وغضبه وحبه وبغضه وأسفه ونحو ذلك، وقالوا: إنما هي أمور مخلوقة منفصلة عنه، ليس هو في نفسه متصفاً بشيء من ذلك.
وعارض هؤلاء من الصفاتية ابن كلاب ومن وافقه، فقالوا: لا يوصف الله بشيء يتعلق بمشيئته وقدرته أصلاً، بل جميع هذه الأمور صفات لازمة لذاته قديمة أزلية، فلا يرضى في وقت دون وقت، ولا يغضب في وقت دون وقت، كما قال في حديث الشفاعة: (إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله) .
وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ : (إن الله تعالى يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة! فيقولون: لبيك ربنا وسعديك والخير في يديك! فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا رب! وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك، فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: يا رب! وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً) فيستدل به على أنه يحل رضوانه في وقت دون وقت، وأنه قد يحل رضوانه ثم يسخط، كما يحل السخط ثم يرضى، لكن هؤلاء أحل عليهم رضواناً لا يتعقبه سخط.
وهم قالوا: لا يتكلم إذا شاء، ولا يضحك إذا شاء، ولا يغضب إذا شاء، ولا يرضى إذا شاء، بل إما أن يجعلوا الرضا والغضب والحب والبغض هو الإرادة، أو يجعلوها صفات أخرى، وعلى التقديرين فلا يتعلق شيء من ذلك لا بمشيئته ولا بقدرته، إذ لو تعلق بذلك لكان محلاً للحوادث، فنفى هؤلاء الصفات الفعلية والذاتية لهذا الأصل، كما نفى أولئك الصفات مطلقاً بقولهم: ليس محلاً للأعراض.
وقد يقال: بل هي أفعال، ولا تسمى حوادث، كما سميت تلك صفات ولم تسمّ أعراضاً، وقد تقدمت الإشارة إلى هذا المعنى، ولكن الشيخ ﵀ لم يجمع الكلا م في الصفات في المختصر في مكان واحد، وكذلك الكلام في القدر ونحو ذلك، ولم يعتن فيه بترتيب.
وأحسن ما يرتب عليه كتاب أصول الدين، ترتيب جواب النبي ﷺ لجبريل ﵇ حين سأله عن الإيمان فقال: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره) الحديث، فيبدأ بالكلام على التوحيد والصفات، وما يتعلق بذلك، ثم بالكلام على الملائكة، ثم وثم إلى آخره] .
يتعلق هذا الكلام بالرد على الذين يثبتون بعض الصفات دون بعض، أو ينفون الصفات كلها، وعرفنا أن الجهمية ينفون الصفات بل ينفون الأسماء، وعلة النفي عندهم أنه ليس محلاً للحوادث، ويقولون: إننا ننزه الله عن الأعراض وعن الأبعاض، وما أشبه ذلك.
ولا شك أن هذا قول بعيد عن الصواب، وذلك لأنا لا نقول بالأعراض، بل نقول: إن الرب بصفاته واحد فلا أعراض هناك ولا أبعاض ولا حوادث ولا غير ذلك.
стр. 980
إنكار الأشاعرة لصفات الله الفعلية
أما الأشاعرة ومثلهم الكلابية فيسمون الصفاتية، والذي سماهم بهذا الاسم المعتزلة، فالمعتزلة والجهمية ينكرون الصفات كلها، فلما أن الأشاعرة والكلابية أثبتوا سبع صفات وهي: العلم والإرادة والقدرة والحياة والسمع والبصر والكلام، سمتهم المعتزلة الصفاتية.
والصفاتية منهم الكلابية أتباع محمد بن سعيد بن كلاب، وكذلك الأشاعرة أتباع أبي الحسن الأشعري، وهؤلاء أنكروا الصفات الفعلية، فأنكروا قول الله تعالى ﴿﵃﴾ [المائدة:١١٩] ، ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِم﴾ [الفتح:٦] ، ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾ [الزخرف:٥٥] ، وقوله ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُم﴾ [غافر:١٠] فأنكروا المقت والأسف والحب والبغض والغضب والرضا والكراهية والسخط والرحمة وما أشبهها، وكان سبب إنكارهم لها -على زعمهم- لأنها حوادث، والله لا تحل به الحوادث، ويعللون بهذا التعليل في كتبهم قديماً وحديثاً.
وكان من آخر علمائهم عالم مصري يقال له: زاهد الكوثري، الذي مات في أواسط القرن الماضي، فهو في تعليقاته على كثير من الكتب، وفي تحقيقاته لها ينكر هذه الصفات، ويرد على من أثبتها بأنهم جعلوا الله محلاً للحوادث، بمعنى أنه حدث عليه الرضا بعد أن لم يكن راضياً، وحدث عليه المحبة بعد أن لم يكن محباً، وحدث عليه السخط بعد أن لم يكن ساخطاً، وحدث عليه المقت بعد أن لم يكن ماقتاً، والكراهية بعد أن لم يكن كارهاً، وهكذا، هذا معنى قولهم: إنه محل للحوادث.
ونحن نقول: ليس كذلك، بل الله تعالى يحب إذا شاء ويبغض إذا شاء وله المشيئة التامة، كما قال تعالى ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّه﴾ [الإنسان:٣٠] ، فجعل له المشيئة والإرادة متى شاء، وكذلك أيضاً أخبر بأنه يكره متى شاء ويغضب متى شاء ويرضى إذا شاء، وأخبر النبي ﷺ بأن الله يغضب في وقت دون وقت، وذلك في حديث الشفاعة الذي يأتي فيه أهل الموقف إلى الأنبياء طلباً للشفاعة فيقولون: (يا آدم! اشفع لنا إلى ربك، فيقول: إن ربي قد غضب اليوم غضباًلم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله) وهكذا يقول نوح وإبراهيم وموسى وعيسى، فأثبتوا أن الله تعالى غضب في ذلك اليوم غضباً شديداً، أي: على أولئك الذين وافوه بالكفر والشرك، ووافوه بالمعاصي والمخالفات، فلابد أن ينتقم منهم وأن يعذبهم وأن ينزلهم دار عذابه التي يستحقونها، فما ورد في هذا الحديث دل على مخالفة قول ابن كلاب ومن معه من أن الغضب لا يكون في وقت دون وقت.
فهؤلاء الصفاتية يقولون: هذه الصفات لا تتغير، فإن كان موصوفاً بالغضب فالغضب صفة له دائمة، وإن كان موصوفاً بالرضا فالرضا صفة له دائمة، وعلى هذا يكون موصوفاً بأنه غاضب وبأنه راض دائماً في آن واحد، وبأنه محب ومبغض في آن واحد، وكاره وراض في آن واحد، فيجمعون بين النقيضين، ويجعلونها صفات ملازمة له، فخالفوا بقولهم الأدلة، والتي فيها ما جاء في قول الله لأهل الجنة: (أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً) ، فدل على أنه رضي عنهم رضاً مستمراً، وأن هذا الرضا هو الذي أحله بهم في دار الكرامة، وهو أكبر نعيم لهم، قال الله تعالى في سورة التوبة ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة:٧٢] أي: أكبر نعيم لهم هو هذا الرضا عنهم، فهذا دليل على أن الله يرضى إذا شاء ويغضب إذا شاء، وكذلك نقول في بقية الصفات.
стр. 981
شرح العقيدة الطحاوية [٨١]
من عقائد أهل السنة محبة أصحاب النبي ﵊، وقد مدحهم الله في كتابه، ومدحهم رسوله ﵊ في سنته، فمحبتهم إيمان، وبغضهم نفاق.
стр. 982
عقيدة أهل السنة في الصحابة
قال الشارح ﵀: [وقوله: (ونحب أصحاب رسول الله ﷺ ، ولا نفرط في حب أحد منهم، ولا نتبرؤ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان) .
يشير الشيخ ﵀ إلى الرد على الروافض والنواصب، وقد أثنى الله تعالى على الصحابة هو ورسوله ﷺ ورضي عنهم، ووعدهم الحسنى كما قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:١٠٠] .
وقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ [الفتح:٢٩] إلى آخر السورة، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح:١٨] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْض﴾ [الأنفال:٧٢] إلى آخر السورة، وقال تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [الحديد:١٠] ، وقال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:٨-١٠] وهذه الآيات تتضمن الثناء على المهاجرين والأنصار، وعلى الذين جاءوا من بعدهم يستغفرون لهم ويسألون الله ألا يجعل في قلوبهم غلاً لهم، وتتضمن أن هؤلاء هم المستحقون للفيء، فمن كان في قلبه غل للذين آمنوا ولم يستغفر لهم لا يستحق في الفيء نصيباً بنص القرآن.
وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف شيء، فسبه خالد، فقال رسول الله ﷺ : لا تسبوا أحداً من أصحابي فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهباً ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه) انفرد مسلم بذكر سب خالد لـ عبد الرحمن دون البخاري، فالنبي ﷺ يقول لـ خالد ونحوه: (لا تسبوا أصحابي) يعني: عبد الرحمن وأمثاله؛ لأن عبد الرحمن ونحوه هم السابقون الأولون، وهم الذين أسلموا من قبل الفتح وقاتلوا، وهم أهل بيعة الرضوان، وهم أفضل وأخص بصحبته ممن أسلم بعد بيعة الرضوان، وهم الذين أسلموا بعد الحديبية وبعد مصالحة النبي ﷺ أهل مكة، ومنهم خالد بن الوليد، وهؤلاء أسبق ممن تأخر إسلامهم إلى فتح مكة، وسموا الطلقاء، منهم أبو سفيان وابناه يزيد ومعاوية] .
هذا ابتداء الكلام في فضل الصحابة ﵃، وسبب الكلام في الصحابة أنه وجد طوائف يطعنون في الصحابة ويضللونهم ويبدعونهم ويرمونهم بالنفاق ويرمونهم بالردة، ويتبرءون منهم بل ويشتمونهم ويلعنونهم قديماً وحديثاً، وهؤلاء الطوائف فرقتان: الروافض والنواصب؛ فالروافض: هم الذين يغلون في علي وذريته من أهل البيت فقط، ويزيدون في حبهم، وأما بقية الصحابة أو أكثرهم فإنهم يكفرونهم، أما النواصب: فهم الذين يضللون علياً وذريته أو من كان قريباً منهم، ويميلون إلى بني أمية أو إلى من والاهم، وسموا نواصب؛ لأنهم نصبوا العداوة لأهل البيت، ولكن الرافضة هم الذين كثروا وظهر تمكنهم فيما هم فيه، فأصبحوا ينتشرون في الأرض وتقوى شوكتهم.
стр. 983
ثناء الله على الصحابة
حب الصحابة ﵃ جميعاً من الإيمان، ثبت أن النبي ﷺ قال للأنصار: (لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق) ومعلوم أن المهاجرين أقدم من الأنصار، وأفضل منهم، والله تعالى يقدم ذكرهم على الأنصار في القرآن، ومع ذلك فالأنصار لهم ميزتهم ولهم فضلهم، ولهم مكانتهم في السبق والفضل، كذلك أيضاً قد أثنى الله تعالى على جميع الصحابة كقوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَه﴾ [الفتح:٢٩] فلم يخص الله بعضهم، بل قال: (والذين معه) أي: كل الذين يجاهدون معه، والذين يجالسونه، والذين يصلون معه، كلهم مدحهم الله بقوله: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩] هذا وصف لهم، وينبغي أن يكون هذا الوصف في أتباعهم، وهو أن تكون أيها المسلم! شديداً على الكفار رحيماً بالمؤمنين (أشداء على الكفار) يعني: تبغضهم وتمقتهم وتحقر شأنهم وتغلظ لهم القول، وتتبرأ من طريقتهم، وتجاهدهم بما تستطيع من أنواع الجهاد، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِم﴾ [التوبة:٧٣] فوصف الله الصحابة بأنهم أشداء على الكفار، وكأنه يمدح الذين كانوا على هذه الطريقة في الشدة على الكفار، ومدحهم بأنهم رحماء بينهم، أي: يرحم بعضهم بعضاً، وما أجله من وصف أن يكون المؤمن رحيماً بإخوانه مشفقاً عليهم، محباً لهم؛ لأنهم مسلمون وهو مسلم.
ووصف الله الصحابة بقوله: ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ﴾ [الفتح:٢٩] سيماهم التي هي علامة على وجوههم من كثرة سجودهم، (ركعاً سجداً) دائماً يشتغلون بالركوع والسجود، وهذا دليل على أن من أخل بهذا الوصف وترك الركوع والسجود والصلاة فإنه مخالف لطريقة الصحابة، ومخالف لطريقة الأمة.
ووصفهم الله بأنهم (يبتغون فضلاً من الله ورضواناً) أي: يطلبون فضله ورضوانه.
ووصفهم في آخر الآية بقوله: ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّار﴾ [الفتح:٢٩] ، نقول لمن أبغضهم: إنهم قد أغاظوك، فأنت داخل في هذه الآية، فكل من أبغضهم قد صار في قلبه غيظ عليهم، وحقد وشنئان وبغضاء شنيعة لهم، لذلك نصفه بأنه داخل في هذه الآية، فمن أغاظه الصحابة فهو كافر، الله تعالى يقول: (ليغيظ بهم الكفار) فالمبغض لهم الذي أغاضه ما من الله به عليهم، من هؤلاء الكفار.
وقد مدح الله تعالى الصحابة بالسبق في قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ﴾ [التوبة:١٠٠] والسابقون يعني: المتقدمون من المهاجرين الذين أسلموا بمكة قبل الهجرة بعشر سنين وبثلاث عشرة سنة، ومن الأنصار الذين أسلموا قبل الهجرة بسنة أو سنتين أو أسلموا بعد الهجرة، ومن الذين اتبعوهم بإحسان يعني: ساروا على نهجهم واتبعوهم إلى يوم القيامة، مدح الله الجميع بقوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْه﴾ [التوبة:١٠٠] ، وهذا فضل كبير أن رضي الله عنهم ورضوا عنه، ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَار﴾ [التوبة:١٠٠] وما أعظمها من كرامة.
كذلك أيضاً مدحهم بالآيات التي في آخر سورة الأنفال فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّه﴾ [الأنفال:٧٢] آمنوا إيماناً ثابتاً راسخاً في قلوبهم، وهاجروا من بلادهم التي هي بلاد كفر إلى بلاد الإسلام، وجاهدوا بالأموال، وجاهدوا بالأنفس، بذلوا كل ما يملكونه من الأموال، وبذلوا أنفسهم في سبيل الله، هؤلاء هم المهاجرون، ﴿وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا﴾ [الأنفال:٧٢] أي: الأنصار الذين آووا إخوانهم ونصروهم ﴿أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْض﴾ [الأنفال:٧٢] ، ثم قال بعد ذلك: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال:٧٤] مدحهم بأنهم المؤمنون حقاً، ثم قال بعد ذلك: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا﴾ [الأنفال:٧٥] أي: المتأخرون الذين آمنوا في آخر الأمر وهاجروا وجاهدوا ﴿فَأُوْلَئِكَ مِنْكُم﴾ [الأنفال:٧٥] وما أعظمها من مزايا لهؤلاء الصحابة، ولكن الرافضة قوم لا يعقلون قوم لا خلاق لهم.
وقال الله تعالى في سورة الحديد: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَل﴾ [الحديد:١٠] يعني: السابقون الذين أنفقوا وقاتلوا -سواءً من المهاجرين أو الأنصار- قبل الفتح، يعني: قبل صلح الحديبية الذي فتح الله به على المؤمنين ﴿أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْد وَقَاتَلُوا﴾ [الحديد:١٠] يعني: بعد الفتح، ولكن يقول الله تعالى ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد:١٠] وعد الله المتقدم منهم والمتأخر بالحسنى، وهو الثواب الكبير والثواب العظيم.
وكذلك لما ذكر الله تقسيم الفيء في سورة الحشر، ذكر أن أول من يستحقه هؤلاء الفقراء من المهاجرين الذين هاجروا بأنفسهم وتركوا ديارهم، وتركوا أموالهم وعشائرهم وأهليهم ونجوا بأنفسهم ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا﴾ [الحشر:٨] لما ضيق عليهم هربوا، ﴿أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ [الحشر:٨] لماذا؟ ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر:٨] ثم قال في الأنصار: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِم﴾ [الحشر:٩] أي: هؤلاء الأنصار يحبون المهاجرين؛ لأنهم إخوانهم ﴿وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾ [الحشر:٩] لو أعطي المهاجرون ما أعطوا من الفيء ومن الغنائم ما غضب أولئك الأنصار، بل يوافقون على ذلك ﴿وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الحشر:٩] أي: يقدم الأنصار إخوانهم من المهاجرين على أنفسهم ﴿وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر:٩] أي: جوع ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:٩] ، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِم﴾ [الحشر:١٠] سواءً كانوا آخر الصحابة الذين أسلموا بعد الفتح، أو الذين جاءوا بعدهم إلى يوم القيامة، هؤلاء منهم بشرط أن يدعو لهم، وأن يقولوا: (ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا) ، ومن كان في قلبه غل وحقد وبغض وشنئان وغضب عليهم، فإنه بريء منهم، ولأجل ذلك استنبط العلماء أن الذين في قلوبهم غل على الصحابة وحقد عليهم ولا يدعون لهم بقولهم: (ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان) ؛ فليسوا من أهل الفيء ولا يستحقون أن يعطوا من بيت المال؛ وذلك لحقدهم على المسلمين وبالأخص الصحابة ﵃.
وقد اشتهر أن هؤلاء الرافضة يبغضون الصحابة ويدعون عليهم ويشتمونهم، ولكن ذلك لا يضر الصحابة بل فيه خير لهم؛ لأنهم قد ختم على أعمالهم وانتهت أعمارهم، وحصلوا على ما حصلوا عليه من الثواب، وتستمر لهم الحسنات من هؤلاء الذين يسبونهم، روي عن بعض السلف أنه قال: ما أرى الناس ابتلوا بسب الصحابة إلا ليجري عليهم عملهم، أي: ليكون عمل الصحابة مستمراً غير منقطع، فيأخذون من حسنات هؤلاء الذين يسبونهم، وكأنهم لما حقدوا عليهم ورأوا أنهم ضلال وكفار عاد الضلال والكفر على هؤلاء والعياذ بالله، ودخلوا في قوله تعالى: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح:٢٩] .
стр. 984
تفاضل الصحابة رضوان الله عليهم
الفضل يعم المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، ولكن بلا شك أن الصحابة ﵃ يتفاوتون كما في قول الله تعالى في سورة الحديد: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ﴾ [الحديد:١٠] يعني: صلح الحديبية ﴿وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد:١٠] فنحن نفضل السابقين الذين أدركوا بيعة الرضوان التي رضي الله بها عنهم، وأنزل فيهم قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِم﴾ [الفتح:١٠] وذلك في صلح الحديبية تحت شجرة، حيث قال لهم النبي ﷺ : (بايعوني) ، وكانوا نحو ألف وأربعمائة وزيادة، وكلهم بايعوه على أن يقاتلوا ولا يفروا حتى ولو ماتوا، وجاء عن بعضهم قوله: إننا بايعناه على الموت، وقيل: بايعوه على ألا يفروا، وكلها متلازمة، يعني: أنا لا نفر، بل نقاتل إلى أن ينصرنا الله أو نقتل دونك، هكذا بايعوه، وصدقوا في ذلك، قال الله تعالى في وصفه لهم: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب:٢٣] صدقوا في النصرة، ووفوا بهذه البيعة، وحصل أن الله رضي عنهم، يقول تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح:١٨] ، ولا شك أن من ﵃ فإنهم يثبتون على هذا الرضا، ولا يمكن أن يسخط الله عليهم وقد علم أنهم أهل للرضا، إذ كيف يرضى عنهم وهو يعلم أنهم سيرتدون أو سيكفرون فيما بعد؟ فالله لم يستثن أحداً من أهل البيعة، ولهذا ثبت أنه ﷺ قال: (لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة) أي: كلهم من أهل الجنة، وسمعنا أنه ﷺ قال للمتأخرين من الصحابة كالذين أسلموا بعد صلح الحديبية أو في سنة ثمان وما بعدها: (لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) المد: ربع الصاع، والنصيف: نصف المد، أي: لو أن أحدكم أنفق نفقة من الذهب مثل هذا الجبل الذي يضرب به المثل في عظمه وضخامته ما بلغ مد أحدهم، سواءً من طعام أو نحوه، فكيف بمن أنفقوا أكثر أموالهم أو كلها في سبيل الله ﵃ وأرضاهم.
стр. 985
تزكية الله لسائر الصحابة
زكى الله تعالى الصحابة بقوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الفتح:٢٩] كل الذين معه، يعني: على الإسلام ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُم﴾ [الفتح:٢٩] إلى آخر الآيات.
وزكاهم بقوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة:١٠٠] .
وزكاهم بقوله: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَة﴾ [التوبة:١١٧] .
وزكاهم بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [الفتح:١٨] .
فعلم الله أن قلوبهم مؤمنة الإيمان الصادق.
وزكاهم بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال:٧٢] والآيات كثيرة كما تقدم، وإذا كان الله تعالى هو الذي زكاهم فلابد أن هذه التزكية لها أثرها، بمعنى: أنهم عدول، وأنه لا يطعن فيهم طاعن، فمن طعن فيهم فقد كذب خبر الله، ولا شك أن من كذب خبر الله تعالى وكذب ما جاء من عند الله يعتبر كافراً، حيث إنه خالف كلام الله، وطعن فيما أخبر الله به، فالله تعالى يعلم ما كان وما يكون، ويعلم بإيمانهم ويطلع على ما في قلوبهم، ولهذا قال: ((فعلم ما في قلوبهم)) علم الله أن قلوبهم مطمئنة بالإيمان، فإذاً: الذين طعنوا فيهم يطعنون في الله تعالى وأنه لم يعلم أنهم سوف يرتدون، وهذا هو معتقد الرافضة، فهم يقولون: إن هذه الفضائل التي ذكروا بها كانت قبل أن يرتدوا، وبطل مفعولها بعد أن ارتدوا، فهم بذلك يكفرون أجلاء الصحابة، وعليه فهم يطعنون فيما أخبر الله به، ولازم قولهم أن الله لم يعلم ما في قلوبهم.
следующие страницы →