← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 7725

شرح أخصر المختصرات لابن جبرين

ابن جبرين

Полный текст (2 153 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

لا ضمان على مستئجر إلا بتعدٍ أو تفريط قال المصنف ﵀: (ولا ضمان على مستئجر إلا بتعد أو تفريط، والقول قوله في نفيهما) : العين المستأجرة أمانة عند المستئجر، فإذا تلفت فإنه لا يضمنها، فإذا استأجر ثوباً ليلبسه فتلف فلا يضمنه، أو حذاءً ليلبسه، أو قدراً ليطبخ فيه، أو مسحاةً ليحفر بها، أو سكيناً ليقطع بها، أو فأساً ليقطع بها شجراً، أو موساً ليحلق به، فكل هذا أمانةٌ في يديه، فإذا تلف فلا ضمان عليه إلا بتعدٍ أو تفريط. والتعدي هو: الاستعمال، والتفريط هو: الإهمال، فإذا استعمل -مثلاً- السكين في غير ما استعملت له، فأخذ يقطع بها خشباً أو يقطع بها حجارة فإنه يضمن، وكذلك الفأس إذا استأجره ليقطع به الشجر، ولكنه أخذ يقطع به حجارة، فتكسر فإنه يضمن؛ لأن هذا تعدٍ، وكذلك الإهمال: إذا أهمل الفأس أو المسحاة -مثلاً- في الطريق؛ فسرقت، فإنه يضمن. (والقول قوله في نفيهما) فيحلف أنني ما فرطت وأنني لم أتعدَ. وهنا نهاية باب الإجارة، والفصل الذي بعده، يقال له: باب السبق أو السباق.

стр. 1017

باب المسابقة لماذا جعلت المسابقة مع المعاملات؟ بعض العلماء يجعلها مع الجهاد؛ لأنها تدرب على الجهاد، ولكن لما كان بعضها فيه عوض؛ جعلت هاهنا ليعلم متى يحل العوض ومتى لا يحل. والسَبْقُ: هو المسابقة، والسَبَقُ: هو العوض أي: الجائزة التي تدفع للسابق، وتسمى: سَبَقْاً، والمسابقة: تجوز على الأقدام، فيتسابق اثنان على قدميهما ليعلم من هو السابق منهما.

стр. 1018

مشروعية المسابقة ورد في حديثٍ عن عائشة ﵂ قالت: (سابقت رسول الله ﷺ فسبقته، فلما ركبني اللحم سابقته فسبقني، فقال: هذه بتلك) ، وكان ذلك في غزوة من الغزوات، وفي ليلة من الليالي، وكانوا منفردين في مكان بعيد عن الجيش، فأخذ يتدرب، وهذا يدل على حسن العشرة مع الزوجة، وأنه جاراها هذه المجاراة بالمسابقة على الأقدام في العدو. وكذلك أيضاً: المصارعة؛ فكون أحدهما يجاهد نفسه أن يصرع الآخر فيه أيضاً: تدرب على النشاط والقوة، وفي بعض الأحاديث: أنه ﵊ صارع رجلاً يقال له: ركانة، فالمصارعة فيها اختبار القوة والنشاط، كما أن المسابقة فيها التدرب على سرعة الجري على الأقدام. وكذلك أيضاً: المسابقة على السفن البحرية، فقد تكون إحداهما أقوى جرياً من الأخرى، فيتجارى اثنتان، وينظر أيهما أسبق، وكانت السفن قديماً تجري بالرياح، وإذا سكنت الرياح سكنت في البحر كما قال تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُسْكِنْ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ﴾ [الشورى:٣٣] ، وأما في هذه الأزمنة فالمراكب البحرية فيها مكائن تدفعها فتندفع بها في لجة البحر، وقد يكون بعضها أقوى من بعض، وأسرع سيراً، فيجوز السباق على السفن والمراكب البحرية والمزاريق، والمزراق زورق يكون في البحر، وهو مركب صغير، يركب فيه أربعة أو خمسة، ثم يجعلون له مثل الخرقة تدفعها الريح، فالزورق من المراكب البحرية. وكذلك أيضاً: السباق على الحيوانات: فيصح السباق على الإبل والخيل والبغال والحمر، وهي جميعها تركب ويتسابق عليها، والحكمة من ذلك تدريبها على سرعة السير. ولا يجوز السباق بعوض إلا في ثلاثة: الإبل والخيل والسهام، وفي حديث ابن عمر: (أن النبي ﷺ سابق بين الخيل المضمرة والخيل التي لم تضمر، وكان ابن عمر فيمن سابق) ، فقد كانوا يضمرون الخيل. يعني: يطعمونها طعاماً كاملاً نحو ثلاثة أشهر أو أربعة أشهر حتى تسمن وتقوى، ثم يقطعون العلف عنها ثلاثة أيام حتى يخف ما في بطنها، ثم يطعمونها شيئاً يدفع عنها الجوع، فتصير خفيفةً وقويةً، وإذا انطلقت فقد تجري نحو اثني عشر ميلاً، والميل: قريب كيلوين إلا ربع، والخيل التي لم تضمر لا تجري إلا نحو ثلاثة كيلو أو أقل ثم تقف. والحاصل: أنه سابق بين الخيل، فدل على صحة السباق، والحكمة من ذلك: تدريبها على السير؛ وذلك لأنه يقاتل عليها، فإذا كانت قد تدربت فإن صاحبها الذي ركبها يجريها حتى تصل إلى ما يريد أن تجري فيه حتى تلحق الأعداء، وحتى تدرك الأعداء الهاربين، ففي ذلك تدريب لها. وكذلك الإبل يسابق عليها، ويجوز العوض لمن سبق، فمن سبق على بعيره فله هذا العوض الذي هو مائة أو ألف أو جوهرة أو كذا وكذا. وكذلك السهام، فالسهام هي الرمي، ومعلوم أن تعلم الرمي سنة، وقد ثبت أنه ﷺ قال: (ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان رامياً) ، فيسن تعلم الرمي، وفسر النبي ﷺ قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال:٦٠] فقال: (ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي) . يعني: من جملة القوة تعلم الرمي، وكان الرمي قديماً بالسهام، والسهم ينحت من عود سَلَم، أو سَمُر، ويجعلون له رأساً محدداً، ثم يجعل في القوس، ويرمى به فيذهب نحو مائتي ذراع أو ثلاثمائة على الأكثر، ويرمي الرمية فينفذ فيها، فيتدرب على الرمي، ومثله أيضاً: الأسلحة الجديدة.

стр. 1019

شروط المسابقة ذكروا في المسابقة شروطاً: الشرط الأول: تعيين المركوبين، بأن يقول: يكون السباق على هذه الفرس وهذه الفرس، فرسك الفلانية وفرسي الفلانية. الشرط الثاني: اتحادهما؛ وذلك لأن الخيل تنقسم إلى أقسام: الخيل العربية: وهو الذي أبوه وأمه من الخيل العربية، وما يسمى (بالبراذين) وهو الذي أحد أبويه ليس بعربي، فلابد أن يكونا عربيين أو من غيرهما، فلابد من اتحادهما. الشرط الثالث: تحديد المسافة: أن يكون بدء السباق من هذا المكان، ونهايته إلى ذلك المكان. الشرط الرابع: العلم بالعوض: أن يعين العوض: وهو أن يقول: من سبق فله -مثلاً- مائة أو ألف الشرط الخامس: لابد أن يكون العوض مباحاً، فلا يقول: من سبق فله زق خمر -مثلاً- أو شيء مغصوب أو نحو ذلك الشرط السادس: ألا يكون شبيهاً بالقمار، والقمار هو الميسر، وهو أن يكون هناك شبه لعب، ويكون من قمر أخاه أخذ منه مالاً بغير حق، فاللعب بالبلوت وبالأوراق أو ما أشبه ذلك العوض الذي يؤخذ عليه حرام ملحق بالميسر. الشرط السابع: تعيين الرماة: الرمي يكون من فلان وفلان، ولابد من تعيين الأقواس التي يرمى بها، أو السلاح الذي يرمى به -السلاح الجديد-، فكل ذلك مما يشترط في المسابقة.

стр. 1020

الأسئلة

стр. 1021

حكم أخذ العوض في المسابقات واللعب السؤال هذا سائل يقول: ما حكم: لو اتفق فريقان أو قسمان: بأن من فاز في هذه اللعبة أو في هذه المسابقة فإنه يأخذ من المهزوم مبلغاً من المال يحدده الجميع؟ الجواب الأصل أنه لا يصح العوض إلا في المسابقة على الخيل أو الإبل أو الرمي، لكن رخص بعض المشايخ في المسابقات الهادفة مثل في العلوم الشرعية، فيقال مثلاً: من أجاب على هذه الأسئلة فله كذا، أو من كتب في هذه المسألة -مثلاً- ورقتين أو ثلاث ورقات فله كذا، ويكون في ذلك حث للكتَّاب على البحث في الكتب، وعلى القراءة، ومعرفة المراجع، وما أشبه ذلك، ففي ذلك فائدة، وإذا كان العوض إما من متبرع وإما من بيت المال فلا مانع، وأما إذا كان العوض من أحدهما فإن أكثر العلماء ألحقوه بالقمار.

стр. 1022

ما يعرف به حذق الطبيب السؤال ما هو ضابط معرفة حذق الطبيب، وقد كثر الأطباء في المستشفيات، وبعض الأطباء يفتك ببعض أعضاء المرضى، فهل في ذلك ضابط، حفظكم الله؟ الجواب يعرف من الشهرة، وفي هذه الأزمنة يعرف من المؤهل، وبالخدمة، وأن معه شهادات على أنه قد درس هذا الطب في مدرسة كذا وكذا، لمدة عشر سنين أو سبع أو نحو ذلك، وكذلك أيضاً: أنه قد عمل في المستشفيات مدة كذا وكذا، وأنه معروف بالحذق، ويعرف ذلك بالتجربة.

стр. 1023

الاشتراط على المدرس ألا يدرس دروساً خاصة السؤال بالنسبة للمدارس الأهلية، بعضهم يشترط في العقد: ألا يعطي المدرس دروساً خصوصية للطلاب من المدارس أو غيرها، فهل هذا الشرط صحيح، ولو خالف المدرس في ذلك، فهل يعتبر المال الذي يحصل عليه من الدروس الخصوصية حرام أم لا؟ الجواب نعم يعتبر شرطاً صحيحاً، والسبب في ذلك نظر الوزارة إلى أن كثيراً من المدرسين -وبالأخص المتعاقدين- لا يخلصون في التدريس في الفصول، ولا ينصحون للطلاب، فيبقى الطالب ملتبسة عليه بعض المسائل، ولا يعرف كيف يعرفها، فيحتاج إلى أن يستأجر هذا المدرس ليعلمه في بيته دروساً خصوصية، فيكتسب المدرس من الطلاب في الدروس الخصوصية زيادة على مرتبه من المدرسة، فيحصل من ذلك خلل وتقصير من المدرسين، فمنعت -والحال هذه- الوزارة أن يتولى أحد المدرسين الدروس الخصوصية. ومثل ذلك أيضاً: الأطباء، فقد منع الطبيب الذي يعمل في المستشفيات الحكومية أن يفتح له عيادة خاصة، لماذا؟ مخافة ألا ينصح للمراجعين؛ ليحملهم على مراجعته في عيادته، فيكتسب من هنا ومن هنا، فمن خالف -والحال هذه- فإنه يتعبر مخطئاً، وما أخذه حرام.

стр. 1024

المتسبب المباشر ضامن السؤال السائق أجير خاص؛ فهل يضمن لو صدم بالسيارة؟ وهل يغرم السيارة الثانية، أم على كفيله ذلك؛ لأن كثيراً من الناس يخصم قيمة ما فسد من السيارتين من راتب السائق؟ الجواب لا شك أنه إذا كان متسبباً فإنه يضمن، فإذا كان غير حاذق في القيادة، أو تهور أو خاطر أو عمل ما يسمى (مجاكرة) أو (تفحيط) مما يسبب الاصطدام أو الانقلاب، فإنه -والحال هذه- يضمن، وإذا كان الخطأ مشتركاً فإنه يقسم بين السائقين.

стр. 1025

حكم اشتراط عدم الضمان في حال التلف السؤال بعض مغاسل الثياب تشترط ألا تضمن الثوب في حال تلفه أو فقده إلا نصف قيمته أو نحوها، فهل يصح هذا الشرط؟ الجواب هذا شرط يخالف الشرع، نقول: إذا أفسد الثوب غسال أو خياط بعمله فإنه يضمنه، وأما إذا سرق من دكانه فإنه لا يضمنه، ولكن لا أجرة له.

стр. 1026

حكم احتباس شيء من الأجرة مقابل الإخلال في العمل السؤال أحسن الله إليكم، يقول: لو أني استأجرت عاملاً لكي ينظف منزلي -مثلاً-، على أن يتقن النظافة، ولكنه لم يتقن النظافة، فهل يجوز لي أن أمسك شيئاً من الأجرة مقابل عدم إتقانه أو لا أعطيه الأجرة أصلاً؛ لأنه لم يلتزم بالشرط؟ الجواب لا شك أن العمل يوصف قبل البدء فيه، فيبين له أن عملك كذا وكذا، ومن النظافة تغسيل كذا أو حمل كذا أو تنزيل كذا وكذا، فإذا كان بينهما شروط ولم يوفِ بها فلا أجرة له حتى يوفي ذلك العمل.

стр. 1027

الإيجار تملك للمدة المعينة السؤال أحسن الله إليكم، يقول: استأجرت منزلاً لمدة سنة، ثم أردت الخروج من المنزل بعد ستة أشهر، فأردت أن أؤجر المنزل في الستة الأشهر الباقية، فهل يحق لصاحب المنزل أن يمنعني مع العلم أنه لم يكن هناك اتفاق مسبق على هذا الأمر؟ الجواب ليس له أن يمنعك، وعليك أن تعطيه أجرة بقية السنة، وتملك المنزل بقية سنتك، سواء أجرته أو أغلقته أو سكنته أو أسكنت فيه أحد أهلك.

стр. 1028

قياس السيارات على الإبل والخيل السؤال هل يقاس على الإبل والخيل السيارات كما قيست الأسلحة الجديدة على السهام؟ الجواب الظاهر أنها لا تقاس، وسبب ذلك أنها ليس عادة مما يتدرب عليها في القتال، وقد يكون في الإسراع بها شيء من المخاطرة يؤدي إلى حوادث، فنرى أنها ليست مثل الإبل والخيل.

стр. 1029

حكم مسابقات الحيوانات السؤال ما حكم السباقات التي تجرى بين الحيوانات: كصراع الديكة وسباق الحمام؟ الجواب هذه لا تجوز، ولا يجوز أن يؤخذ فيها عوض، وقد ورد أيضاً النهي عن اللعب بالحمام في بعض الأحاديث، وهو (أن الرسول ﵊ رأى رجلاً يتبع حمامة، فقال: شيطان يتبع شيطانة) ، فلا يجوز اللعب بها، ولا أخذ العوض على لعبها، وكذا ما أشبه ذلك.

стр. 1030

حكم لعب البلوت بغير عوض السؤال إذا كان لعب الورق والبلوت ليس على عوض، ولا يكون فيه تضييع للواجبات أو وقوع في محرمات، فما حكمه، مع العلم أن هذا يقع كثيراً، وجزاكم الله خيراً؟ الجواب ننصح بترك ذلك؛ لأنه من اللهو، وهو داخل في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان:٦] ، ولا شك أن لهو الحديث: كل شيء يشغل عن الخير، ولا شك أن هذا اللعب بالبلوت وما أشبهه يشغل عن قراءة القرآن وعن تحفظه، وعن تعلم العلم النافع، وعن ذكر الله تعالى، أو عن الاشتغال بالتجارة النافعة أو الأعمال المفيدة، أو عن التدرب على الأعمال المفيدة من تعلم صنعة مفيدة أو ما أشبه ذلك. فنرى أن الانشغال بمثل هذا من لهو الحديث؛ فلا يجوز ولو كان اللاعبون يحافظون على الصلاة ولا تفوتهم، وإذا كان عندهم فراغ، فنقول: اشغلوا فراغكم بالعلم النافع والعمل الصالح.

стр. 1031

مخالفة الشرط تفسخ عقد الإجارة السؤال أجرت منزلاً، واشترطت عليه ألا يضع دشاً في البيت، فوافق على الشرط، وبعد مدة أخل بالشرط، فهل لي فسخ العقد، وهل له أن يطالبني بما دفع من النقود؟ الجواب نعم، لك فسخ العقد؛ لأن المسلمين على شروطهم، وأما ما مضى من المدة فإنك تستحقه، وترد عليه بقية أجرة المدة التي لم يسكن فيها.

стр. 1032

حكم حبس شيء من راتب العامل لتذكرة سفره السؤال ما حكم قبض شيء من راتب العامل بقدر التذكرة؛ لأن بعض العمال بعد أن يأتي من بلده للعمل، قد يعمل ستة أشهر -مثلاً- ثم يرفض العمل، ويقول: أريد أن أسافر، ولا يوجد عنده قيمة التذكرة؛ لأنه أرسل جميع مرتباته إلى أهله في الخارج، فما الحكم لو أمسكت عليه قيمة التذكرة حتى إذا رفض العمل اشتريت له تذكرة من مرتبه ليسافر؟ الجواب لا بأس بذلك إذا كان هذا شيئاً معروفاً عندهم، فيحسب عليه قيمة التذكرة، ويحفظها ويقول: عندي لك كذا وكذا -ألف، ألفان، ثلاثة آلاف- تكفي لتذكرتك، فإذا طلبت الرجوع قبل أن تنتهي مدتك اشتريت تذكرة بها، وإن أتممت المدة أعطيتك أجرتك وتذكرتك علينا.

стр. 1033

الأجير العام والأجير الخاص السؤال هل يجتمع وقت الأجير الخاص والأجير المشترك في محل واحد، بأن يكون في محل خياطة -مثلاً- فيعتبر الخياط أجيراً خاصاً لصاحب المحل، وعاماً لسائر الناس؟ الجواب يعتبر الأجير الذي يعمل لك في المحل أجيراً خاصاً، وتعتبر أنت أجيراً عاماً؛ فإن الناس يأتون إليك وأنت صاحب المتجر، أو صاحب الدكان -مثلاً- الخياط، فأنت أجير مشترك، وعاملك الذي يعمل لك كل شهر بألف -مثلاً-أجير خاص لك.

стр. 1034

شرح أخصر المختصرات [٤٢] حث الدين الإسلامي على العارية، وتوعد مانعها من غير حاجة؛ لأن فيها توسعة على المسلمين، والإعارة لها أحكام وشروط ومسائل ذكرها العلماء في كتب الفقه، وكما أباح الله العارية وحث عليها فقد حرم الغصب وعدّه من الكبائر، وتوعد صاحبه بالعذاب الشديد، ولهذا الباب مسائل وأحكام بينها العلماء في كتب الفقه.

стр. 1035

أحكام العارية قال المصنف رحمه الله تعالى: [فصل: والعارية سنةٌ. وكل ما ينتفع به مع بقاء عينه نفعًا مباحًا تصح إعارته إلا البُضْعَ وعبدًا مسلمًا لكافرٍ، وصيدًا ونحوه لمحرمٍ، وأمةً، وأمرد لغير مأمونٍ. وتضمن مطلقًا بمثل مثلي، وقيمة غيره يوم تلفٍ، لا إن تلفت باستعمالٍ بمعروفٍ كخُمل منشفةٍ، ولا إن كانت وقفًا ككتب علمٍ، إلا بتفريطٍ، وعليه مؤنة ردها، وإن أركب منقطعًا لله لم يضمن. فصلٌ: والغصب كبيرةٌ، فمن غصب كلبًا يقتنى، أو خمر ذمي محترمةً ردهما، لا جلد ميتةٍ، وإتلاف الثلاثة هدرٌ، وإن استولى على حر مسلمٍ لم يضمنه، بل ثياب صغيرٍ وحليه، وإن استعمله كرهًا أو حبسه فعليه أجرته كقن. ويلزمه رد مغصوبٍ بزيادته، وإن نقص لغير تغير سعرٍ فعليه أرشه، وإن بنى أو غرس لزمه قلعٌ وأرش نقصٍ وتسوية أرضٍ، والأجرة، ولو غصب ما اتجر، أو صاد، أو حصد به فمهما حصل بذلك فلمالكه، وإن خلطه بما لا يتميز، أو صبغ الثوب فهما شريكان بقدر ملكيهما، وإن نقصت القيمة ضمن. فصل: ومن اشترى أرضاً فغرس، أو بنى، ثم استحقت، وقلع ذلك، رجع على بائع بما غرمه، وإن أطعمه لعالم بغصبه؛ ضمن آكل. ويضمن مثليٌ بمثله، وغيره بقيمته، وحرم تصرف غاصب بمغصوب، ولا يصح عقد، ولا عبادة، والقول في تالف وقدره وصفته قوله، وفي رده وعيب فيه قول ربه. ومن بيده غصب أو غيره وجهل ربه؛ فله الصدقة به عنه بنية ضمان، ويسقط إثم غصب، ومن أتلف -ولو سهواًً- محترماً؛ ضمنه. وإن ربط دابةً بطريق ضيق؛ ضمن ما أتلفته مطلقاً، وإن كانت بيد راكب، أو قائد، أو سائق؛ ضمن جناية مقدمها، ووطئها برجله] .

стр. 1036

العارية سنة العارية: اشتقاقها من العري؛ لأنها عارية عن العوض والأجرة والثمن. وتعريفها: أنها إباحة عين لمن ينتفع بها ويردها. قوله: (العارية سنة) أي: إعارتها سنة؛ وذلك لأن فيها توسعة على المسلمين، حيث إن الإنسان تبدو حاجته في أمر، ثم لا حاجة به إليه دائماً، وإنما يحتاجها يوماً أو شهراً أو نحو ذلك، ثم يستغني عن تلك العين، فشرع أن يعيره من هو واجد لتلك العين حتى يقضي شغله وحاجته بها، ثم يردها.

стр. 1037

ما يصح إعارته يقول: (وكل ما ينتفع به مع بقاء عينه نفعاً مباحاً تصح إعارته، إلا البضع، وعبداً مسلماً لكافر، وصيداً ونحوه لمحرم، وأمة وأمرد لغير مأمون) ، والبقية تصح إعارته إذا كان نفعه مباحاً، فيحتاج الإنسان -مثلاً- إلى مطالعة في كتاب، وليس محتاجاً له دائماً فيستعيره من مكتبة أو من صديق له يقرأ فيه، ثم يرده، ولمن أعاره أجر، وكذلك يحتاج -مثلاً- لثوب أو لمشلح يتجمل به -مثلاً- في ليلة زفاف أو نحوه، وليس بحاجة إليه دائماً فتعيره ليتجمل به في تلك الليلة، ثم يرده. يحتاج إلى قدر يطبخ فيه يوماً أو شهراً أو أسبوعاً إذا كان -مثلاً- مسافراً أو في قرية ليس له فيها أهل، فيستعير منك قدراًَ يطبخ فيه أو إناء يشرب به، أو سراجاً يستضيء به أو صحناً يأكل فيه فتعيره؛ فالإعارة في هذه الحال سنة وله أجر، وفي منعها إثم إذا كان مستغنياً عنها، وقد فسر قول الله تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون:٧] ، أن المراد: منع العارية مع الاستغناء عنها. إذا احتاج إنسان إلى دلوك ليجتذب به ماء من البئر، أو إلى قربتك ليجتلب بها ماءً لبيته، أو إلى قدر ليطبخ فيه، فتسن إعارته ويكره منعه مخافة الإثم؛ ولأنه لا يحتاج دائماً إلى هذه السلع، وإلا فمن حاجته غير عارضة فالعادة أنه يشتريها ويتملكها؛ وكذلك إذا احتاج إلى مسحاة ليحفر بها، أو زنبيل ليستعمله في الحفر -مثلاً- أو منجل ليقطع به حشيشاً أو نحوه، أو فأس ليقطع بها حطباً، وما أشبه ذلك، فإعارته فيها فضل وفيها أجر، وكذلك كل ما فيه منفعة، مع حاجة المحتاج إليه.

стр. 1038

شروط العارية ويشترط أن تكون المنفعة مباحة، فإذا كانت المنفعة محرمة فلا يجوز إعارته؛ لأنه إذا أعاره صار شريكاً له، فلا يجوز أن تعيره طبلاً ليغني به ولا عوداً ولا شطرنج، وكذلك آلات الغناء، وأشرطة الغناء الماجن، وأفلام الفيديو التي فيها صور محرمة، فإذا طلب أن تعيره فأعرته فإنك تكون آثماً حيث إنك تساعده على هذا المنكر. وهكذا إذا عرفت أنه يستعير منك لأجل معصية كما إذا استعار منك سيفاً ليقتل به مسلماً أو ليظلم به، أو رصاص بندقية ليصيد بها وهو محرم، أو ليرمي بها مسلماً بريئاً، أو استعار قدراً ليصنع فيه خمراً وأنت تعرف ذلك منه؛ أو استعار شطرنج للعب، وكذلك لو استعار موسىً ليحلق به لحيته، أو ليحلق به اللحى، فإن هذا لا يجوز؛ لأنه مساعدة له على المنكر، والله تعالى يقول: ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢] . وهكذا فالمحرم اقتناؤه تحرم إعارته، فكتب الضلال محرم اقتناؤها ومحرم إعارتها؛ لأنه يضل بها غيره، والمجلات الخليعة محرم اقتناؤها، ومحرم إعارتها؛ لأنها تضل خلقاً كثيراً. تفطن لقوله هاهنا: (ينتفع به مع بقاء عينه نفعاً مباحاً) يعني: تطبخ في القدر، والقدر لا يتغير أو تشرب بالكأس، أو تجلس على الكنب أو تفرش الزلية أو تلبس الثوب يوماً أو نحوه، أو تأكل في القدر أو تستضيء بالسراج، فعينه باقية وفيه منفعة، وهذه المنفعة مباحة. وقوله: (مع بقاء عينه) يخرج ما لا ينتفع به إلا بإتلاف عينه كالشمعة، فإنها تفنى بالاستعمال، وكالكيس من الطعام فإنه لا يعار؛ لأنه يفنى بالاستعمال، وإنما يسمى قرضاً، فإذا أقرضته طعاماً ليأكله فإنه يرد بدله كما تقدم في باب القرض. ثم استثنوا البضع، فلا يجوز أن تعير جاريتك المملوكة لمن يطؤها؛ لأن الوطء لا يباح إلا بملك يمين أو بنكاح صحيح، وهذا ليس بموجود؛ لأنها ملك غيره، أما إعارة على الخدمة. يعني: إذا كان عندك خادمة أعرتها لتخدمهم، ثم يردونها فلا بأس بذلك، وكذلك العبد إذا أعرته لمن يستخدمه فلا مانع من ذلك كأن يكون عندهم لقيادة سيارة أو تغسيل سيارة أو سقاية حديقة أو إصلاح قهوة، أو تنظيف أوانٍ، أو تغسيل ثياب ونحوه. ويستثنى إذا كان كافراً، فلا يجوز أن تعيره عبداً مسلماً، لأنه يهينه ولأنه يستغله وهو كافر، ولأن الكافر لا ولاية له على المسلم، قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ [النساء:١٤١] ، أي: سيطرة وقوة وتسلطاً، فليس للكافر سلطة على المسلم، ولهذا إذا أسلم العبد وهو عند كافر، كلف الكافر بإعتاقه أو ببيعه أو بهبته. أي: بإخراجه من ملكه حتى لا يبقى ذليلاً عند كافر. قوله: (وصيداً ونحوه للمحرم) لا يجوز أن تعيره؛ وذلك لأن الصيد محرم على المحرم، قال تعالى ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة:٩٥] ، وقال: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً﴾ [المائدة:٩٦] ، فلذلك لا يجوز، وهكذا لا يجوز أن تعيره شيئاً يبطل إحرامه، فلا تعيره قميصاً ليلبسه وأنت تعرف أنه محرم، وكذلك إذا طلب منك موسىً ليحلق به وأنت تعرف أنه محرم، فلا تعره هذا الموسى؛ لأنه محرم عليه الحلق، وكذلك مقراضاً يقلم به أظفاره وهو محرم. يقول: (وأمة وأمرد لغير مأمون) أي: لا يجوز إعارة الأمة لإنسان غير مأمون عليها، لا يؤمن أن يطأها، وكذلك الأمرد -يعني: الشاب- إذا كان شاباً مملوكاً وهو جميل، يخشى أن يفعل به فاحشة اللواط فلا يجوز أن يعار، وأما إذا كان مأموناً. يعني: يقصد بذلك استخدامه فلا مانع.

стр. 1039

ضمان العارية وقوله: (وتضمن مطلقاً) أي: العارية مضمونة إذا تلفت، ودليل ذلك: حديث صفوان بن أمية لما عزم النبي ﷺ على غزو هوازن في حنين وطلب منه عارية دروع ثلاثين درعاً، فقال -قبل أن يسلم-: أغصباً يا محمد؟! فقال: (بل عارية مضمونة) ، أي: نستعيرها ليلبسها المقاتلون، وتضمن إذا تلفت، ونردها إذا بقيت، فاستعار منه ثلاثين درعاً. وهذا دليل على جواز الإستعارة من غير المسلم إذا كان لحاجة. ولا شك أن الذي يعيرها للمجاهدين يكون له أجر، فالمجاهد إذا استعار منك سيفاً يقاتل به الكفار أو رمحاً أو قوساً أو درعاً أو مجناً يلبسه على رأسه أو حذاءً؛ فإن المعير يكون شريكاً له في الأجر، وكذلك أيضاً الأسلحة الجديدة يصح إعارتها للمجاهدين، ويكون شريكاً له في الأجر، كالدبابات والسيارات والقاذفات والبنادق والرشاشات وما أشبهها، ويكون للمستعير أجر القتال بها، وللمعير أجر في ذلك. قوله: (وإذا تلفت فإنه يضمنها بمثل مثليٍّ، وقيمة غيره يوم تلف) : فالمثلي هو الذي يوجد له مثل، فيقال: هذا الكأس له أمثاله، فإذا استعاره فانكسر، أعطاه كأساً مثله؛ لأنه موجود فيضمن بمثله، أو استعار كتاباً فاحترق، وتوجد كتب مثله، فإنه يشتري له كتاباً ويعطيه إياه، وهذا القدر وهذا الصحن، لها أمثال فيضمن المثلي بمثله. وأما غير المثلي: فهو الذي تختلف أجناسه، فمثلاً: الجلود كالقربة والسقاء والمزادة، فهذه تختلف عادة، وقل أن يوجد مثلها، أو أن يجد قربة مساوية لهذه أو مزادة أو ظرفاً مساوياً لهذا الظرف، وكذلك الأشياء التي كانت تصنع باليد كقدور النحاس والأباريق القديمة، فهذه يقل أن يوجد مثلها مساوياً فإنها تضمن بقيمتها، أي: تقوَّم يوم التلف، فيقال: كم تساوي تلك القربة؟ كم يساوي ذلك القدر الذي سلم إلى يد فلان؟ كم يساوي ذلك القميص الذي لا يوجد له نظير في هذه الأزمنة؟ فإذا كان يساوي عشرة يوم التلف، فأعطه العشرة. قوله: (لا إن تلف باستعمال بمعروف كخمول منشفة) ، إذا تلف باستعمال فإنه لا يضمن، فإذا أذن لك أن تلبس الثوب، ثم إن الثوب تخرق من آثار اللبس العادي من غير تعد فلا يضمن. وكذلك المنشفة، فالمنشفة التي تنشف بها الأيدي بعد الغسل أو بعد الوضوء، فإذا ذهب خملها من آثار المسح فلا تضمن. والخمل: أهدابها التي فيها، فإذا ذهبت الخمل، فإنها لا تضمن؛ لأنه استعمال مأذون فيه، وقد أذن لك أن تتمسح بها مدة شهر أو نحوه، وكذلك لو اسود القدر من الطبخ فيه، فلا يضمن، وهكذا لو تثلم وجه المسحاة من آثار الحفر، أو تشقق الزنبيل من آثار الحمل فيه. فالحاصل: أنه إذا تلف باستعمال بمعروف فلا ضمان، وأما إذا استعملها استعمالاً غير معروف فإنه يضمن. كيف يكون الاستعمال غير معروف؟ إذا استعملها استعمالاً زائداً عما هي عليه، لو أنه أخذ يضرب بالفأس حجارة -مثلاً- ويكسرها به فتثلمت الفأس وتكسرت، أو أخذالمسحاة يحفر بها أرضاً حجرية وكان من آثار ذلك أن تكسر وجهها، فإنه يضمن والحال هذه؛ لأن هذا ليس هو المعروف، والمعروف: أنه يقطع بالفأس الخشب، ويحفر بالمسحاة ونحوها الأرض السهلة. وكذلك المنجل الذي يسمى المحش، يقطع به الحشيش فإذا قطع به الحجارة فتثلم فإنه يعتبر قد تعدى فيضمن. يقول: (ولا إن كانت وقفاً ككتب علم) أي: فهذه لا تضمن؛ لأنه مأذون في استعمالها، يوجد كتب في المكتبات مكتوب عليها: (وقف) يستعيرها الإنسان ليقرأ فيها، فلو قدر أنها تلفت عنده فإنها لا تضمن؛ وذلك لأنه مأذون في استعمالها فتلفها عنده كتلفها في المكتبة إذا استعملت، لكن لا يجوز أن يستعملها استعمالاً غير مأذون به، كأن يستعملها غير رافق بها، فيلقيها على الأرض أو يرمي بها رمياً سيئاً أو يعرضها للشمس أو للأطفال، ففي هذه الحال يضمن. قوله: (وعليه مئونة ردها) : إذا كانت تحتاج إلى مئونة فإنها على المستعير، فلو احتاج إلى حمّال، كما لو استعار مكيفاً ثقيلاً فرده على المستعير فأجرة الذي يحمله من بيت المعير إلى بيت المستعير، ثم من بيت المستعير إلى بيت المعير، على المستعير، وهي مئونة ردها، وكذا كل شيء له مئونة إذا كان ثقيلاً، كما لو استعار فرشاً ثقيلاً ليفرشه في حفل أو نحوه، أو استعار خياماً ليستظل بها في مناسبة ونحوها، ثم انتهى منها فأجرة الرد على المستعير؛ لأنه أخذها لمنفعته. قوله: (وإن أركب منقطعاً لله لم يضمن) : صورة ذلك: إذا رأيت إنساناً منقطعاً في برية وتصدقت عليه وأركبته بعيراً أو فرساً أو حماراً أو بغلاً أو وثقت به وأركبته في سيارة، وسلمت مفاتيحها له، ثم إنها خربت أو تلفت الدابة، وهو لم يفرط فإنه لا يضمن؛ وذلك لأنك محسن وتطلب الأجر، فليس لك أن تكدر أجرك وتبطله بتغريمه، فإنك محسن إليه.

стр. 1040

باب الغصب

стр. 1041

تعريف الغصب الغصب: هو الاستيلاء على حق غيره قهراً بغير حق. وكلمة الاستيلاء أوسع من الأخذ، إذ عرفه بعضهم بأنه: أخذ مال الغير ظلماً، فنقول: قد يكون هناك غصب من غير أخذ كما لو أخرجه من بيته ظلماً واستولى على بيته أو على مزرعته أو على أرضه، من غير أن يقبضها، فإن هذا يسمى غصباً، وهكذا إذا طرده من ماشيته -إبله أو خيله أو بقره- فإنه يكون قد استولى عليها فيعتبر مغتصباً، ويصح الغصب لكل شيء يمكن ملكه. قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً﴾ [الكهف:٧٩] ، أي: يغتصبها من أهلها فيتسلمها ويطرد أهلها، وهذا يدل على أن الغصب هو الأخذ أو الاستيلاء على مال الغير أو حق الغير.

стр. 1042

حكم الغصب الغصب والنهب كبيرة من الكبائر، وقد ورد أنه ﷺ قال: (ولا ينتهب نهبةً يرفع الناس إليها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن) . يعني: ينتهبها من صاحبها والناس ينظرون. يعني: شبه غصب، وفي الحديث الصحيح: (من اغتصب شبراً من الأرض بغير حق طوقه من سبع أرضين) .

стр. 1043

حكم غصب الكلب المقتنى وخمر الذمي وجلد الميتة ثم إنه يقول: (من غصب كلباً يقتنى، أو خمر ذمي محترمة ردهما لا جلد ميتة) ؛ وذلك لأن الكلب المقتنى صاحبه أحق بمنفعته؛ لأن الله تعالى أضافه إلى أهله، لقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمْ اللَّهُ﴾ [المائدة:٤] ، فهذا الكلب الذي دربته وعلمته فتعلم وأصبح يصيد الصيد، فأنت أملك به، فإذا جاء إنسان واغتصبه قهراً بغير حق فنقول له: رده إلى صاحبه فهو أولى به، وأنت تعتبر غاصباً. والخمر محرمة، وهي في أيدي اليهود محترمة، فلا يجوز أن تدخل بيوتهم وتشقق الظروف التي فيها الخمر. واحترامها معناه: إقرارهم عليها، فإن من دينهم شرب الخمر، فيقرون إلا أنهم لا يظهرون بيعها في بلاد الإسلام، ولا يظهرون شربها ولا يخرجون وهم سكارى، ولكن نعرف أنهم يصنعونها في بيوتهم ويجتمعون فيشربونها، فلو دخل إنسان واغتصب زق خمر، ثم ذهب به، أمر بأن يرده؛ لأن هذا من الاعتداء على المعاهدين، والمعاهدون لهم احترام، وقد ورد في ذلك الوعيد: (من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة) ، المعاهدون وأهل الذمة لهم ذمة، ولهم عهد، فيرد الكلب، ويرد الخمر المحترمة، أما غير المحترمة فلا يردها. وغير المحترمة: هي التي أظهرها صاحبها في الأسواق، فإنهم إذا أظهروها فلا حرمة لها، بل تتلف. قوله: (لا جلد ميتة) قد عرف الخلاف في جلد الميتة هل يطهر بالدباغ أم لا، والراجح عندنا أنه يطهر، وإذا طهر فإنه يستعمل في اليابسات وفي الرطب وفي المائعات، وإذا كان كذلك؛ فالصحيح أنه مملوك، وأن الانتفاع به مباح، وأنه عين مالية تباع وتستبدل، فعلى هذا إذا كان مدبوغاً فإنه يرده، وكذلك إذا كان يصلح أن يدبغ. قوله: (وإتلاف الثلاثة هدر) أي: الكلب والخمر والجلد، يعني: لا ضمان في إتلافها. وقد عرفنا أن الراجح في الجلد أنه مضمون، أما إذا مات الكلب أو اهراق الخمر، فلا ضمان؛ لأنه لا قيمة لها.

стр. 1044

حكم غصب الآدمي يقول: (وإن استولى على حر مسلم لم يضمنه، بل ثياب صغير وحليه) ، وذلك لأن الحر لا قيمة له ولا ثمن له، فلو استولى غصباً على إنسان حر، فحبسه عنده أو أوقفه عنده، وقدر أنه مرض ومات فلا دية عليه ولا ضمان بخلاف العبد، فإنه إذا استولى على العبد فمات عنده، فإنه يضمن ثمنه، وإذا استعمل هذا الحر كرهاً، فأكرهه على أن يبني عنده أو يحفر عنده أو استعمله في نسيج أو في حجامة أو في هندسة أو في سقي حرث أو في رعي إبل، واستعمله في عمل وأكرهه حتى اشتغل ذلك العمل، فعليه أجرته؛ وذلك لأن أجرته ومنافعه متقومة، والإنسان عادة لا يعمل عند غيره إلا بأجرة، فإذا استعمله كرهاً فعليه أجرته، وهكذا إذا حبسه، وأضاع عليه منفعته، فعليه أجرته، يقول: أنت حبستني شهراً أو أسبوعاً لو لم تكن حبستني لكنت أتكسب وأحترف وأحصل على مصلحة، والآن ضيعت علي هذا الزمان، فيطالبه بأجرته. أما إذا كان صغيراً فإنه يضمن ثيابه وحليه، إذا اغتصب طفلا ًثم بليت ثيابه، فعليه ضمان ثيابه، وإن اغتصب جارية عليها حلي وأمسكها عنده -وهي حرة- وضاع حليها الذي عليها؛ فإنه يضمن ذلك الحلي. أما إذا كان قناً مملوكاً فإنه يضمنه، فإن مات القن عنده ضمنه بقيمته، وإن حبسه فعليه أجرته، وإن استعمله كرهاً فعليه أجرته؛ وذلك لأن القن متقوم، كما لو غصب شاة فماتت فإنه يضمنها لأنها متقومة، ولو ماتت بمرض، وكذلك بقية الدواب، صغيرة أو كبيرة، فلو غصب دجاجة وماتت في يده ضمنها بقيمتها، أو غصب بعيراً كجمل أو ناقة، ثم ماتت عنده إما بتفريط كأن أهملها أو أجاعها أو حمل عليها، أو ماتت عنده مرضاً، فإنه يضمن الجميع؛ وذلك لأنها متقومة.

стр. 1045

وجوب رد المغصوب بزيادته قوله: (ويلزمه رد المغصوب بزيادته، وإن نقص بغير تغير سعر فعليه أرشه) : ورد فيه حديث: (لا يحل لأحدكم أن يأخذ مال أخيه، ومن أخذ عصا أخيه فليردها) ، إن أخذ العصا بغير حق فإنه يردها. فإن زاد فإنه يرده بزيادته متصلة أو منفصلة، والزيادة المتصلة كما إذا غصب شاة هزيلة وسمنت عنده، فإنه يردها ولو كانت تساوي مثل الثمن الأول مرتين. وكذلك إذا غصب بستاناً ليس فيه حمل، ثم حمل الشجر فإنه يرده بحمله الموجود. وكذلك لو غصب شاةً أو بقرة فحملت عنده فإنه يردها بحملها؛ لأنه عين مال المغصوب منه، فيرده ولو غرم عليه أضعافه. ولو قال مثلاً: أنا أنفقت على هذه البقرة، أنا استجلبت لها فحلاً حتى طرقها، أنا حفظتها مدة ورعيتها وأعطيت الراعي أجرته، فيقال: أنت ظالم: (ليس لعرق ظالم حق) ، فعليك ردها بزيادتها ولا تستحق شيئاً. وكذلك لو غيّرها عما كانت عليه، كما لو غصب قطناً فنسجه ثوباً؛ فإنه يرده منسوجاً، وقد يقال: إنه يستحق أجرة النسيج. وكذلك لو غصب خشباً ونجره أبواباً فإن عليه رده؛ وذلك لأنه عين مال المغصوب منه، أو غصب بيضاً فأصبح فراخاً فإنه يردها، ولو قال: أنا ما غصبت إلا بيضاً فأرد بدله، فيقال: هذا عين مال المغصوب؛ ويلزمك أن ترده، ولو أنفقت عليه ما أنفقت. وإذا غصب تبراً -يعني: ذهباً في ترابه- ثم صفّاه فأصبح صافياً مسبوكاً فإنه يرده، ولا أجرة له، وكذلك لو صاغه حلياً فإنه يرده، ولا حق له في أجرة؛ لأنه تصرف في ملك غيره. وإذا غصب قطعة قماش، خاطها ثياباً فإنه يردها، ولو غرم عليها أضعاف ثمنها، وما ذاك إلا أنه تصرف في شيء لا يملكه، وليس له حق في هذا التصرف، بل هو تصرف فضولي فلا يستحق عليه شيئاً. وهكذا لو باعها يلزمه استرجاعها، وإذا باع الشاة المغصوبة أو السيارة المغصوبة فالبيع باطل؛ لأنه تصرف في ملك الغير. وهكذا لو جعلها صداقاً لامرأة تزوجها، فإنه يردها، ويعطي المرأة صداقاً بدل هذه الأشياء التي أصدقها. وهكذا لو وهبها لإنسان لزم استرجاعها؛ فلو مات الغاصب فعلى الورثة أن يردوا الأعيان التي يعرفون أنها غصب إلى مالكها إذا كان معروفاً؛ وذلك لأنها ملك ذلك الرجل المعروف عندهم، فلا يحل لهم أن يستمتعوا بها وهم يعرفون أنها ظلم.

стр. 1046

وجوب رد المغصوب مع ضمان النقص قوله: (وإذا نقص المغصوب فعليه ضمانه وعليه أرشه) : فلو هزلت الشاة أو العبد فإن عليه ضمان ذلك النقص، فلو كانت قيمتها لما اغتصبها ثلاثمائة والآن صارت قيمتها مائة بسبب الهزال، فإنه يضمن النقص، أو كبرت الشاة حيث كانت مسنةً فبقيت عنده حتى كبرت ونقص ثمنها، فإنه يضمن نقصها، وتقدر قيمتها يوم أخذها ويوم ردها ويضمن الفرق بينهما. أما إذا كان النقص بسبب تغير السعر فلا ضمان، فلو اغتصب سيارة في وقت ارتفاع السعر، وكانت قيمتها عندما اغتصبها ثمانين ألفاً، ثم إنها بقيت عنده ولم يستعملها وردها، ولما ردها كانت لا تساوي إلا ستين ألفاً، فعليه ضمان نقصها إذا كان النقص بسبب قدم ما يسمى بالموديل، أما إذا كان بسبب رخص الأسعار فلا يضمن، مثاله: اغتصب أرضاً وقيمتها ذلك الوقت مائة ألف وبعد سنة أو نصف سنة رخصت الأراضي فصارت لا تساوي إلا خمسين ألفاً. فالحاصل: أنه لا يضمن النقص إذا كان بسبب تغير السعر، وإذا زاد السعر ردها بزيادة السعر، فلو غصبها وقيمتها عشرون ألفاً ولما ردها ارتفع السعر وكانت تساوي أربعين ألفاً فإنه يردها ولا يطالب بشيء. وإذا كانت فيها منفعة أضاعها، فإن صاحبها يطالب بمنفعتها تلك المدة، فإذا قال: عطلت علي داري مدة شهر أو مدة سنة وتركتها مقفلة وكنت سأستغلها وأسكنها أو أؤجرها، فعليه أجرتها تلك المدة التي أضاعها على صاحبها. يقول: (وإن بنى أو غرس لزمه قلعٌ وأرش نقصٍ، وتسوية أرضٍ والأجرة) : أي: لزمه أربعة أشياء، ودليل ذلك قوله ﷺ : (ليس لعرق ظالم حق) ، وهذا عرق ظالم غصب الأرض، ولما غصبها بنى فيها بنايات، وغرس فيها أشجاراً بغير حق، ولما استرجعها صاحبها طالبه، فيقال له: عليك أن تقلع هذه المباني التي بنيتها بغير إذن، ولو كان بناؤها مائة ألف، والهدم قد يكلفه مائة ألف أخرى فيلزمه هدم البناء وقلع الأشجار التي غرسها في هذه الأرض. ويلزمه أيضاً أرش نقصها، يقال: لما اغتصبها كانت أرضاً مستوية وكان فيها طعمها، وكان فيها طينها، ولكنه نقصها لما أنه غرس فيها، فهذا الغراس امتص طعم الطين الذي فيها، وامتص طعم الأسمدة التي فيها، ونقصت قيمتها، فإذا كانت قيمتها قبل أن تغصب مائة ألف والآن قيمتها خمسون ألفاً، فعليك نصف القيمة. وأيضاً: تسويتها، فعندما يقلع الأشجار وتكون فيها حفر، فيمسحها حتى يسويها كما كانت. وعليه أيضاً أجرتها، إذا بقيت عنده سنة أو عشر سنين فإنه يطالبه بأجرتها تلك المدة. إذاً: يلزمه أربعة أشياء: القلع، وأرش النقص، وتسوية الأرض، والأجرة. فلو قال صاحبها: أنا أقنع بهذا الشجر الذي غرسته فيها، وأرى أن قلعه إفساد، وأنه كلفة وأن بقاءه فيه مصلحة؛ لأنه قد أثمر أو قارب أن يثمر، واتفقا على إبقائه، ولما أبقاه طالب الغاصب وقال: أعطني مقابل تعبي فأنا قد اشتريت هذه الجذوع، ثم اشتريت المضخة وحفرت لها في هذا المكان وجلبت الغراسين فغرست، وهكذا أيضاً عملت عليها إلى أن قربت من الثمر؛ فلهما أن يتفقا على إبقاء هذه الشجر، وهذه المباني التي بناها فيها ويقدر له قيمته، ولكن يطالبه بأجرتها عن السنة التي مضت.

стр. 1047

ربح وزيادة المغصوب لمالكه قوله: (ولو غصب ما اتجر أو صاد أو حصد؛ فمهما حصل بذلك فلمالكه) : يعني: لو أنه اغتصب ألف ريال، ثم اتجر بها سنتين أو ثلاث سنين فزادت هذه الألف وأصبحت عشرين ألفاً، فإن الربح كله مع رأس المال للمغصوب منه؛ لأنه ربح ماله، والغاصب تصرف فيه تصرف فضولي فلا يستحق شيئاً. وكذلك إذا اغتصب رصاصاً وبندقية، ثم صاد بها صيداً فإن الصيد أيضاً لصاحب البندق؛ وذلك لأنه حصل بعين ماله، والغاصب معتدٍ. أما لو غصب فأساً، ثم قطع بها حطباً، أو غصب منجلاً وحصد به حشيشاً أو زرعاً، فالصحيح في هذه الحال أن الحشيش للغاصب، وكذلك الحطب، ولكن عليه أجرة الفأس، وعليه أجرة المنجل، كما إذا غصب سكيناً وذبح بها شاة فالشاة للغاصب؛ لأنها من غنمه، وعليه أجرة تلك السكين التي ذبح بها. فالحاصل: أنه إذا كان من نماء عين المغصوب فإنه له، وأما إذا لم يكن عين ماله، وإنما هو شيء حصل به، فإنه للغاصب؛ وذلك لأن الحشيش من المباح، والغاصب -مثلاً- خرج إلى البر وقطع هذا الحشيش -الذي هو من المباح- وجمعه وحمله على بعيره أو على سيارته، فهو ملكه، وإن كان ذلك المنجل ملك غيره، إنما نقول: عليه أجرته. وإذا استأجره إنسان ليحصد معه زرعاً والمنجل الذي معه ليس له بل مغصوب، فالأجرة على صاحب الزرع، فيقول: لك في كل يوم خمسون ريالاً، وأجرة المنجل في اليوم خمسة أو أربعة؛ لأن المحش قيمته رخيصة، فالصحيح أنه يكون ملكاً للغاصب عليه أجرة المنجل ونحوها.

стр. 1048

حكم المغصوب إذا خلط بما لا يميزه قوله: (وإن خلطه بما لا يتميز أو صبغ الثوب فهما شريكان بقدر ملكيهما) : ومثال الذي لا يتميز: لو غصب حنطة، ثم طحنها وخلطها بدقيق غيرها فهذا لا يتميز، وكذلك لو غصب الحنطة أو الأرز، وصبه في أحواض مملوءة من الحنطة أو من الأرز، وغصب دقيقاً فخلطه بدقيق غيره، أو غصب دقيق حنطة وخلطه بدقيق شعير فأصبح لا يتميز؛ فهما شريكان، يقول: دقيقك أو حنطتك في هذا الكيس الذي فيه غيره: كم الذي لك يا هذا؟ وكم الذي لك يا هذا؟ فإذا قال هذا: لي خمسة، وهذا خمسة عشر، فهو بينهما أثلاثاً بقدر ملكيهما، ولو صبغ الثوب أو اغتصب قطناً وصبغه، فهما شريكان، هذا منه الصبغ وهذا منه القطن، ومعلوم أيضاً أنه لا يمكن إزالة الصبغ؛ لأنه ينصبغ به، فيكونان شريكين، هذا بقدر ثمن الثوب وهذا بقدر ثمن الصبغ. وكذلك لو نسجه، فهذا عليه أجرة النسيج، لكن في هذه الحال يقولون: إنه تصرف في ملك غيره، فيرده كما كان، وقد ذكروا أنه إذا نجر الخشبة أو صار الحب زرعاً، أنه يرده وأرش نقصه، أو غصب نوىً وأصبح شجراً أو ما أشبه ذلك, فيرد بدله إذا لم يمكن رده. قوله: (وإن نقصت القيمة ضمن) مثاله: إذا كان قطناً نظيفاً قيمته غالية، ولما صبغه نقصت القيمة، فعليه رده وعليه ضمان النقص، وكذا لو غصب دهناً وخلطه بزيت ونقصت قيمته وأصبح لا يتميز، ففي هذه الحال أيضاً يرده، ويرد النقص، أو يكونان شريكين بقدر ملكيهما.

стр. 1049

ضمان الغصب

стр. 1050

يرجع المشتري على الغاصب في غرامة غرسه وبنائه في الأرض المغصوبة قوله: (ومن اشترى أرضاً فغرس أو بنى، ثم استحقت وقلع ذلك، رجع على بائع بما غرمه) . صورة ذلك: إذا اشتريت أرضاً ودفعت الثمن، ثم غرست فيها غرساً، أو بنيت فيها بناءً، ثم جاء صاحبها، وقال: الأرض مغصوبة مني، والذي غصبها هو الذي باعك، فلا حق لك ولا حق له، فانتزعها، ولما انتزعها كلفك أن تقلع غرسك، وكلفك أن تهدم بناءك؛ وذلك لأنه ثبت ملكه للأرض واستحقها؛ ففي هذه الحال يرجع صاحب الغرس أو البناء على من باعه بما غرمه، أي: بما تكلف به، فيقول للبائع: أنت كلفتني، وأنت خدعتني، وما علمت أنك مغتصب أو منتهب، فالأرض قد أخذت مني، وقد هدم بنائي، وقلع غرسي فعلى الغاصب الذي باعه أن يغرم تكلفته، ولو كانت مئات الألوف؛ لأنه غره.

стр. 1051

ضمان الآكل عالماً بالغصب قوله: (وإن أطعمه لعالم بغصبه ضمن آكل) : صورة ذلك: إذا غصب كيساً من بر أو نحوه، ولما غصبه أعطاك ذلك الكيس وأنت تعلم أنه مغصوب، وأنه ملك فلان أخذ بغير رضاه، فالضمان على الآكل الغاصب، وعليه الإثم، لكن المغصوب منه يطالب الغاصب؛ لأنه هو الذي اعتدى وأخذ الكيس، ثم إن الغاصب يرجع على الآكل، ويمكن أن المغصوب منه يطالب الآكل. وإذا وجدت العين عند الآكل انتزعها المالك منه سواء كان أخذها بهبة أو بيع أو ما أشبه ذلك. مثلاً: الغاصب غصب شاة وأهداها لزيد أو باعها على زيد، وزيد يعلم أنها مغصوبة، فجاء صاحبها ينتزعها من زيد، فإن ذبحها زيد فعليه قيمتها، وإن ولدت عند زيد، فولدها ملك لصاحبها، ويردها هي وولدها، فإن كان قد بذل فيها ثمناً رجع بالثمن على الغاصب؛ ولا شك أنه إذا علم بأنها مغصوبة حرم عليه أن يقبلها، إذ كيف يقبلها وهي ملك فلان، فلا يجوز له أن يقبلها لا بيعاً ولا هبةً ولا صداقاً ولا خلعاً ولا عطيةً ولا إرثاً، بل هي ملك فلان الذي لم تطب نفسه، وأخذت منه غصباً.

стр. 1052

كيفية ضمان المغصوب المثلي والقيمي إذا تلف المغصوب وطالب به صاحبه، فإنه يضمن، وكيف يضمن؟ يضمن إذا كان مثلياً بمثله، وإذا كان غير مثلي بقيمته. المثلي: هو المكيل والموزون وما أشبه ذلك من المقدرات، فإذا غصب سمناً ثم طالب به صاحبه، فيرد عليه سمناً ولو كان قد أتلفه واستهلكه، وإذا غصب براً أو أرزاً فإنه يشتري له بدله، إذا كان قد أكله. وكذلك إذا غصب قماشاً يرد عليه مثله؛ لأنه موجود، ولو غصب زيتاً أو عسلاً رد عليه مثله؛ لأنه موجود. أما غير المثلي فيرد الضامن قيمته يوم أتلفه أو يوم طالب به صاحبه. وغير المثلي هو المصنوعات التي تدخلها اليد الصناعية كالسكاكين والخناجر والقدور والقرب والأسقية والأحذية، فقد كانت قديماً تصنع باليد، وتتفاوت، فتكون هذه القربة أكبر من هذه -مثلاً- وهذا الجلد أحسن من هذا، وهذا الحذاء أفضل من هذا، ولا تتساوى عادة، فلذلك تضمن بقيمتها. وكذلك أيضاً بهيمة الأنعام، فإذا غصب شاة فالغنم أيضاً تتفاوت ويصعب أن يوجد لها مماثل سواء في سمنها وفي كبرها وفي لونها وسنها، فلذلك كان عليه قيمتها. وعرفنا أن الغالب في هذه الأزمنة أن المصنوعات تتقارب، فالأحذية تتقارب، وكذلك الثياب التي تخاط بالماكنة تتقارب، والكتب التي تطبع طبعة واحدة متقاربة، والقدور والصحون والأباريق والأقلام والسكاكين والملاعق الغالب أنه لا تفاوت بينها، حيث إنها تصنع بماكنة فلا يقع تفاوت بينها، فيضمن القدر بمثله من أي نوع، ويضمن السكين بمثلها، ويضمن البساط بمثله والثوب بمثله، والخيمة بمثلها، لتقاربها وعدم التفاوت بينها.

стр. 1053

حكم تصرف الغاصب بالمغصوب

стр. 1054

بطلان تصرف الغاصب وعقده على المغصوب قوله: (وحرم تصرف غاصب بمغصوب) : وذلك لأنه حرام إمساكه، فإذا حرم عليه إمساكه، حرم عليه التصرف فيه. قال: (ولا يصح العقد) : فلو غصب ثوباً وباعه فالبيع باطل، ولو غصب أرضاً وسبلها بطل الوقف، ولو غصب جارية وزوجها بطل الزواج، ولو غصب أمتعة أو أطعمة وأكياساً ونحوها وتصدق بها؛ بطلت الصدقة ولصاحبها أن يستردها إذا كانت موجودة. فتصرف الغاصب بالبيع، وبالهبة وبالوقف، وبالعتق -لو غصب وأعتق- وبالصداق -لو غصب شيئاً وجعله صداقاً لامرأة تزوجها- ونحوها؛ باطل فلا يصح العقد.

стр. 1055

حكم استخدام المغصوب في عبادة قوله: (ولا عبادة) ذكر في الحاشية بعض الأمثلة على العبادة وأنها لا تصح، فإذا بنى في الأرض المغصوبة مسجداً فإنه لا يصح، ولصاحبها أن يهدم المسجد، وإن تراضوا على أن يعطوه ثمن الأرض ويبقى المسجد فهو أفضل، وكذلك لو غصب جملاً وحج عليه، أو سيارة وحج عليها أو جاهد عليها لم يصح جهاده، أو غصب ماءً وتوضأ به لم يصح وضوءه ولا اغتساله به، وكذلك بقية العبادات، ولو أخرج المغصوب كفارة عن نذر أو عن يمين فلا يجزئه ولا يقبل منه، وهذا هو القول المشهور. والإمام أحمد ﵀ يرى أنه لا يصح الحج بمال مغصوب، أو بمال حرام، وأن عليه أن يحج حجة أخرى، وفي ذلك يقول بعض الشعراء: إذا حججت بمال أصله سُحتٌ فما حججتَ ولكن حجت العير لا يقبل الله إلا كل صالحة ما كل من حج بيتَ الله مبرورُ وذهب الأئمة الثلاثة إلى أنه يأثم، ولكن الحج صحيح، بحيث لا يؤمر أن يعيده؛ لأنه أدى الحج ومناسكه ببدنه، وإنما المال وسيلة، ولعل هذا هو الأقرب، وأنه يصح الحج ويسقط الفرض، ولكنه يأثم. ومثله: إذا غصب ماءً فتوضأ به، أو اغتسل به من جنابة: فهل يرتفع الحدث؟ الإمام أحمد يرى أنه لا يرتفع؛ وذلك لأنه معصية، فكيف يجمع بين طاعة ومعصية؟! والصحيح هو القول الثاني في المذهب، وهو أنه يصح، وهو قول أكثر العلماء وأن الحدث يرتفع، ولكن يأثم بالغصب؛ لأنه يأثم بالغصب حتى لو أراقه، فلو أراق الماء الذي غصبه أثم، وكذلك لو شربه أو باعه أثم، فالعبادة لا تعلق لها بذلك.
следующие страницы →