← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 7725

شرح أخصر المختصرات لابن جبرين

ابن جبرين

Полный текст (2 153 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

شرح أخصر المختصرات [٤٠] الإجارة أنواع، ولها شروط، وفيها أحكام كثيرة ومسائل عديدة، وهي من العقود اللازمة، وحاجة الناس إليها ماسّة، وقد اهتم أهل العلم بباب الإجارة اهتماماً كثيراً، فينبغي العلم بأحكامها والعمل بها في عقود الإجارة بأنواعها.

стр. 982

الإجارة قال المصنف رحمه الله تعالى: [فصل: وتصح الإجارة بثلاثة شروط: معرفة منفعة، وإباحتها، ومعرفة أجرة إلا أجيرًا وظئرًا بطعامهما وكسوتهما. وإن دخل حمامًا، أو سفينةً، أو أعطى ثوبه خياطًا ونحوه صح وله أجرة مثل. وهي ضربان: إجارة عين: وشرط معرفتها، وقدرة على تسليمها، وعقد في غير ظئر على نفعها دون أجزائها، واشتمالها على النفع، وكونها لمؤجر، أو مأذوناً له فيها. وإجارة العين قسمان: إلى أمد معلوم يغلب على الظن بقاؤها فيه. الثاني: لعمل معلوم، كإجارة دابة لركوب أو حمل إلى موضع معين. الضرب الثاني: عقد على منفعة في الذمة في شيء معين أو موصوف، فيشترط تقديرها بعمل أو مدة كبناء دار وخياطة، وشرط معرفة ذلك وضبطه، وكون أجير فيها آدمياً جائز التصرف، وكون عمل لا يختص فاعله أن يكون من أهل القربة] .

стр. 983

تعريف الإجارة يعرفون الإجارة: بأنها عقد على منفعة مباحة من عين معينة أو موصوفة في الذمة أو عمل مباح بعوض مباح، والعقد: لا يكون إلا بين اثنين، عاقد: وهو المالك، وكذلك: العاقد الثاني: وهو المستأجر، والمعقود عليه: وهو المنفعة. ويعرفون الإجارة: بأنها بيع المنافع، والحاجة داعية إليها؛ وذلك لأنه ليس كل أحد يستطيع أن يحصل ما يحتاجه من الأعيان للاستعمال، فيحتاج إلى أن يستأجر، ويقال أيضاً: إن حاجته لا تدوم، بل تنقضي في يوم أو في سنة أو نحو ذلك؛ فلذلك يحتاج إلى أن يستأجر العين لينتفع بها، ويدفع أجرتها، ثم يردها إلى مالكها، والمالك يكون عنده أعيان هو مستغنٍ عن استعمالها بخاصة نفسه، فيؤجرها لمن ينتفع بها ويدفع أجرةً، وترد إلى المالك بعد استيفاء المنافع التي فيها.

стр. 984

شروط الإجارة ذكر المؤلف أنه يشترط لها ثلاثة شروط: الأول: معرفة المنفعة. الثاني: إباحة المنفعة. الثالث: معرفة الأجرة. وهذه شروط لابد منها في صحة الإجارة، فأولاً: معرفة المنفعة: فمعروف أن هناك أشياء منفعتها ظاهرة، فالدار مثلاً: يستأجرها ليسكن فيها مدة محددة، وقد يستأجرها ليجعلها مخزناً لتجارته أو نحو ذلك، فإذا استأجرها لهذا الغرض، فإنه يستوفي هذه المنفعة، فإن استأجرها للسكنى فلا يجوز له أن يجعلها مستودعاً للدواب -للبقر، وللغنم، وللحُمُر وللخيل-؛ وذلك لأنها تفسدها بحوافرها مثلاً، وتلوثها بالروائح -الروث ونحوه-، ولا يستأجرها للسكنى ويجعلها مثلاً: مصنعاً من المصانع التي يكثر فيها الدَّقُّ بالسندان أو بالحجارة الثقيلة التي تزلزل الحيطان وتتصدع منها وما أشبه ذلك. وإذا استأجرها للسكنى فيسكن فيها من تتحمله، فإذا كانت تتحمل مثلاً: عشرة، فلا يسكن فيها عشرين أو ثلاثين؛ لأنهم بدخولهم وخروجهم وصعودهم ونزولهم قد يؤثرون على بنائها، وقد يؤثرون على أرضيتها وفرشها وحيطانها وما أشبه ذلك، فلا يسكنها إلا ما تتحمل. وكذلك أيضاً: إذا استأجر الدار ونحوها، فلا يسكنها من يتضرر الجيران منهم. فالحاصل: أن سكنى الدار منفعةٌ مباحة، وسكنى المخزن منفعةٌ مباحة، يخزن فيه تجارته، وكذلك: سكنى الدكاكين لإيداع البضائع فيها، وفتحها للاتجار فيها وما أشبه ذلك. وكذلك استئجار الخيمة للاستظلال بها، والسجاد والفرش تستأجر من أجل أن تفرش فرشاً عادياً، ويجلس عليها جلوساً عادياً، ولا يجوز مثلاً: أن تفرش في الشمس التي تفسدها، ولا أن تتعرض للإحراق وما أشبه ذلك. واستئجار السرر والكراسي هو للجلوس عليها والنوم عليها وما أشبه ذلك. واستئجار القدر أو الإبريق للطبخ فيه، وإذا استأجره ليجعله زينةً فإنه ليس من المرافق، فيتجمل بها مثلاً. واستئجار الثوب ليلبسه، وكذلك: ما يلبس كالنعل ونحوه. ولابد أن تكون الأجرة معروفة، كسكنى دار وحمل إلى موضع معين، فإذا استأجر السيارة فلابد أن يحدد ما يحمله، أن يحمل عليها كذا وكذا -كيلو أو طن- وأن يحدد المسافة، فيقول: السير عليها من كذا إلى كذا، مثلاً: من الرياض إلى مكة أو ما أشبه ذلك. وكذلك أيضاً: الخدمة: فإذا استأجر خادماً فلابد أن يحدد نوع الخدمة، فلا يكلفه أن يحمل الأشياء الثقيلة، وهو استأجره مثلاً: لإصلاح طعام، أو لإصلاح فرش، أو إصلاح القهوة، أو قيادة سيارة أو تنظيفها وتغسيلها، أو سقي حديقة، أو إخراج قمامة من المنزل، يعني: خدمةٌ يقدر عليها ذلك المستخدم، فلا يكلفه ما لا يطيق، فإذا كانت خدمته متواصلة كالذي يعمل في دكان أو الذي يعمل في بستان أو الذي يرعى دواب؛ فلا يكلفه أكثر مما يطيق، فيكلفه ما يستطيع، كأن يخدم عشر ساعات أو اثنتي عشرة ساعة إذا لم يكن العمل شاقاً، ويريحه بقية الوقت. وكذلك: إذا استأجر معلماً، فالتعليم يكون بقدره، كأن يعلم الأولاد -مثلاً- كل يوم عشر ساعات أو نحوها، وقد تكون المنفعة على شيء معين، كأن يقول: كلما حفظوا جزءاً فلك أجرة كذا وكذا، وكلما حفظوا باباً من العلم، أو تعلموا كتاباً فأجرتك كذا وكذا. والحاصل أنه لابد من معرفة المنفعة التي تستغل من تلك العين، وفي كل عين منفعة، فاستئجار الكتاب ليس للزينة، وإنما للقراءة فيه، وكذا المصاحف، واستئجار السكين ليس للزينة وإنما ليقطع بها مثلاً، واستئجار الساعة ليستخدمها لمعرفة الوقت عند حاجته إليها، واستئجار السيارة للحمل عليها، لا ليتجمل بها، واستئجار السراج ليوقده في الليل مثلاً إذا كان محتاجاً إليه، وكذلك: استئجار مكيف ليتبرد به، فكل شيء منفعته محددة ومعروفة.

стр. 985

الأشياء التي لا تصح الإجارة فيها ثم ذكر المصنف الشرط الثاني: وهو إباحتها، وذكر في التعليق الأشياء التي لا تباح إجارتها يقول: فلا تصح الإجارة على الزنا والزمر والغناء، ولا على التياتو -يعني: الضرب بالأدوات التي فيها ملاهي من الأوتار وما أشبهها- ولا على النياحة، ولا على إيجار الدار أو الحانوت لبيع الخمر أو القمار، سواء شرط ذلك في العقد أم لا؛ لأن هذه محرمةٌ شرعاً، ولا يجوز أن يستأجر الأمةَ ليزني بها، وهي مملوكة لغيره، فيقول: أجرني هذه الأمة مدةَ شهر أستمتع بها أو يقول للمرأة: أجريني نفسكِ لفعل الزنا، هذا حرام، وأجرتها حرام، وقد حرمها النبي ﷺ بقوله: (مهر البغي خبيث أو سحت) ومهرُ البغي: هو ما يبذل للبغي الزانية مقابل تمكينها من الزنا بها، فهذه المنفعة محرمة. وكذلك الزمر -يعني: المزامير التي ينفخ فيها ويكون لها صوت-، وكذلك استئجار الطبول ليتلذذ بها؛ فإنها أيضاً: ملحقةٌ بالمزامير التي هي محرمة، واستئجار المغني أو المغنية يعتبر أيضاً: منفعةً محرمة. وكانوا قديماً يعلِّمون الأمةَ الغناء، فإذا تعلمت الغناء وصارت مطربةً ومغنيةً ارتفع ثمنها، وزيد فيها عند البيع إذا قيل: إنها مغنية، فكان العلماء يحرمون هذه الزيادة، ويقولون لبائعها: لا تبعها على أنها مغنية، بعها على أنها ساذجة جاهلة لا تعرف شيئاً، فإذا بعتها بألف، وزيد ثمنها لأجل غناها؛ فإن تلك الزيادة محرمةٌ عليك، فإذا كان هذا في بيعها، فكذلك في إجارتها، فالذين يؤجرون أنفسهم للطرب والغناء والتلحين والفن وما أشبه ذلك؛ هذه الأجرةُ حرام، واستئجار المغنين والمطربين ونحوهم حرامٌ، وما يدفعُ لهم حرام، وسماع أصواتهم حرام، فالغناء حرام بجميع أنواعه، سواءً بواسطة أشرطة الكاسيت، أو أشرطة الفيديو التي فيها شيء من الغناء والطرب، ويحرم تأجيرها، كما أنه حرامٌ بيعها. وكذلك: أدوات اللهو واللعب التي تستعمل للطرب، مثل: الطبول التي تضرب في الأفراح ونحوها، ويستثنى ما رخص فيه، وهو الدف لقوله ﵇: (أعلنوا النكاح، واضربوا عليه بالدف) ، وهو: الذي ختمت جهةٌ منه، ولم تختم الثانية، أما الطبل فإنه مختومٌ من الجهتين، وإذا ضرب سمع له طنينٌ مطرب، فلذلك: لا يجوز بيع الطبول وما أشبهها، ولا تجوز إجارتها. وكذلك: استئجار النائحة، فهناك نساءٌ يعرفن النياحة، فيتعلمن الندب والنياحة والصياح وتعداد محاسن الميت، كقولهم: وا محمداه! وا إبراهيماه! وا مطعماه! وا كاسياه! وا أخواه! وا ولداه! ففعلهن هذا يسبب الحزن والبكاء والصراخ، فأجرتهن واستئجارهن محرم. وكذلك استئجار الدار أو الحانوت لبيع الخمور؛ وذلك لأنه حرم ثمنه، فتحرم أجرته، والذين يؤجرونهم لا شك أنهم شركاء لهم في الإثم، ويدخلون في قوله تعالى: ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢] ، وهكذا تأجيره على من يحلق اللحى، فإن ذلك محرمٌ، أما إذا كان يحلق الرأس مثلاً فلا بأس؛ لأن حلق الرأس من المباحات. وكذلك الخياطون، إذا كان الخياط يخيط للنساء الملابس الضيقة فإنه يدخل في الوعيد، فإذا استأجر دكانه الخياط، فعليه أن يشترط عليه ألا يخيط الثياب الضيقة ولا الشفافة ولا القصيرة التي يتبين منها شيءٌ من أعضاء المرأة، وكذلك أيضاً: الثياب الزائدة بالنسبة للرجال التي فيها إسبال إلى تحت الكعبين فهذه أجرتها محرمة، فإذا استأجر منه الخياط اشترط عليه ألا يعمل مثل هذه الأعمال. وهكذا أيضاً: إذا استأجره للبيع، فيشترط عليه ألا يبيع أجهزة الأغاني كالأشرطة المحرمة، وكذلك أدواتها المحرمة كالطبول وما أشبهها. وهكذا الذين يستأجرونها للعب المحرم، فهناك من يعمل ما يسمى بالاستراحات، ثم يؤجرونها على أناس وفيها الخمور أو الدخان والشيش وما أشبهها، ويلعبون فيها طوال ليلهم بما يسمى بالزنجفة أو البلوت يعني: الأوراق التي هي لهو، فيلعبون فيها إلى آخر الليل، ويتركون الصلوات: مغرباً وعشاءً وفجراً، فنرى أن هؤلاء قد أعانوهم على الإثم والعدوان، فليتنبهوا لمثل ذلك، فلابد أن تكون العين مباحة، والمنفعة مباحة، ولا يشترط أن تكون العين التي فيها المنفعة نفسها مباحة، إنما اشترطوا إباحة المنفعة، فمثلاً: الحمار لا يؤكل، ولكن يؤجر للحمل عليه، أو ليركب وما أشبه ذلك. وأما إذا كانت العين مباحة المنفعة كركوب الخيل والحمر والأواني، فإنه يصح التأجير لها، والعين التي لا تباح منفعتها، ولا يباح ثمنها كالكلب لا يصح تأجيره. وتقدم أنه لا يصح أن يباع -مثلاً- العصير لمن يعمله خمراً، وهكذا أيضاً: لا يؤجر عليه -إذا كان يعمل خمراً- قدوراً أو أدوات وقود كآلات الطبخ، والوقود الذي هو (البوتجاز) لا يجوز تأجيره على من يستعين به على عمل محرم.

стр. 986

معرفة الأجرة الشرط الثالث: معرفة الأجرة، أي: تسمية الأجرة؛ وذلك لأنها أحد العوضين، المستأجر يستوفي المنفعة، والمؤجر يستحق الأجرة، فلابد من تسمية الأجرة؛ مخافة أن يكون هناك اختلاف ونزاع يؤدي إلى الضرر؛ لذلك: لابد من تسمية الأجرة. كثيراً ما تركب سيارات الأجرة، ثم يقع اختلاف إذا لم تُسمِ الأجرة، فيطلب منك -مثلاً- ثلاثين، وتقول: لا تستحق إلا عشرين أو عشرةً، المسافة قليلة، والزمن قليل. وهكذا أيضاً: قد يحسّن الإنسان الظن إذا استأجر فرشاً كقطع الزلِ، ولا يحدد أجرة، ثم عند المحاسبة يطلبون منه أكثر، ويقولون: كنا نؤجرها بكذا وكذا، كنا نؤجر الأباريق بكذا، ونؤجر القدور بكذا، فيطلبون منه أكثر؛ لذلك يقال: إن تسمية الأجرة في العقد أولى حتى ينقطع النزاع، وحتى لا يحصل الاختلاف. ويصح في الأجير والظئر بطعامهما وكسوتهما، والأجير: الخادم، فقد يكون هناك بعض الفقراء يعجز أحدهم عن تحصيل لقمة العيش، يعجز أن يجد ما يقوت به نفسه أو يستر به عورته، فيقول: أنا أقنع أن أخدمك بمجرد إطعامي وكسوتي، فيصح استئجار الخادم بطعامه وكسوته، وقد يقال: إن هذا يختلف! فيقال: الاختلاف قليل، فبعض الخدام لا يشبع إلا بثلاثة أرغفة، وبعضهم يكفيه رغيفٌ واحد في كل وجبة، فمثل هذا يتسامح فيه، والعادة أن التفاوت بسبب كثرة العمل، فإذا كان يشتغل شغلاً متواصلاً كثيراً؛ فلا يستنكر منه إذا أكل رغيفين أو ثلاثة أرغفة، أو أكل كثيراً، وإذا كان عمله يسيراً -يعمل وهو جالس، أو يجلس أكثر الوقت- فالغالب أنه لا يأكل كثيراً. والحاصل: أن هذا يتسامح فيه ولو وقع فيه اختلاف. وكذلك أيضاً: الكسوة، قد يكون لكثرة مزاولته الأعمال يحتاج إلى كسوة كل شهرين، وبعضهم قد تكفيه كسوة نصف سنة أو سنةً كاملة؛ لذلك يتسامح في ذلك، فيستأجر الخادم بطعامه وكسوته. وكذلك الظئر: وعرفها في الحاشية بأنها: المرضعة، فإذا استؤجرت على طعامها وكسوتها؛ صح الإيجار، فكثيراً ما تكون المرأة عاجزةً عن إرضاع ولدها، فتستأجر له ظئراً -أي: مرضعةً-، فهذه المرضعة قد تكون فقيرة يعجزها تحصيل القوت، فتقنع بالطعام والكسوة، فتقول: أنا أرضع لكم ولدكم، ولو كان الرضاع يختلف، فالكبير يرضع منها كثيراً، والصغير أقل، ولو كان أيضاً: الطعام يختلف، قد تكون إحدى المرضعات تأكل كثيراً، وبعضهن تشبع بقليل، وهذا أيضاً مما يتسامح فيه. يقول: (وإن دخل حماماً، أو سفينةً، أو أعطى ثوبه خياطاً أو نحوه؛ صح وله أجرة المثل) لأن هؤلاء عادةً تعرف الأجرة عندهم، والحمامات: هي أماكن تؤجر للاستحمام، وهي توجد في البلاد الباردة، مثل الشام ومصر والعراق، وهي بيوت تحت الأرض فيها حمامات -يعني: مستحمات-، وفيها ماءٌ ساخن، يدخلها الإنسان ويغسل بدنه بذلك الماء الحميم، والأجرة معروفة عندهم، فلا حاجة إلى أن تفرض الأجرة على كل من دخل، وإذا كانت أجرته مثلاً خمسة قد يكتبونها على البوابة، فيكتبون: أجرة الاستحمام خمسة أو عشرة أو عشرين، فلا حاجة إلى إيقاف كل واحد. وكذلك: إذا ركب سفينةً معتادة التردد من قطر إلى قطر، ومن بلد إلى بلد، تحمل الركاب؛ فهذه أيضاً: قد تكون معروفة الأجرة؛ لأنها تتردد دائماً، فلا حاجةَ إلى أن كل من ركب تفرض عليه الأجرة. ويلحق بها السيارات والطائرات والباخرات والقطارات، فإنها وسائل نقل حديثة، والمسافة محددة، فمسافة القطار من الرياض إلى الأحساء أو إلى الدمام معروفة، وكل راكب محددة قيمة إركابه، بأنها بكذا وكذا، وكذلك سيارات النقل من الرياض إلى مكة أو إلى جدة أو الطائف معروفة الأجرة عندهم، فلا حاجة إلى أن كل راكب يشارطهم بأجرة كذا وكذا، بخلاف البلاد التي ليست مأهولةً دائماً، فإذا استأجر -مثلاً- من الرياض إلى برية معروفة، وقد يكون الطريق إليها غير مسفلت، فلابد أن يسمي الأجرة، سواءً أجر ركاباً يركبون كل راكب بكذا، أو أجر سيارته لمن يحمل عليها. وهكذا الثياب، فالأصل أن الخياطين معروفة أجرة الخياطة عندهم، فيقولون: الثوب التام أجرته بكذا، وثوب الطفل أجرته بكذا، والسراويل أجرته بكذا، والقلنسوة أجرتها بكذا -يعني: أجرة الخياطة- وكذلك البنطلون أو الجبة أو ما أشبه ذلك، كل شيء خياطته محددة عندهم، فمثل هؤلاء لا حاجة إلى أن يتعاقد عند كل واحد. وألحق بالخياط الدلال الذي يدل على السلع، يدلك على من تستأجر منه، أو يدلك على من تبتاع منه، أو تخطب منه خطبة نكاح، هؤلاء يسمون دلالين، وكذا الحمالين الذين يحملون على ظهورهم، وأجرتهم على الكيس كذا وكذا من الدكان إلى السيارة، وما أشبهها، وكذلك الحلاقين: والحلاق غالباً يكتب أجرة الحلاقة بكذا وكذا، حلق الرأس بكذا، وقصه بالماكنة بكذا، وكذلك الصباغ الذين يصبغون الأواني أو يصبغون الثياب، وكذا المطرِّز الذي يصلح القلنسوة فيدقها، ويصلح النقوشات، فهؤلاء يلحقون بالخياط.

стр. 987

أنواع الإجارة ذكر المؤلف أن الإجارة ضربان: أولاً: إجارة العين، والثاني: عقدٌ على منفعة في الذمة، فإجارة العين: هي أن يتعاقد على استيفاء المنفعة من هذه العين التي هي معينة أو موصوفةٌ في الذمة، فإذا كان فيها منفعة فإنها تصلح إجارتها، ويشترط لهذا الإجارة شروط: الشرط الأول: معرفة العين، وإن كانت غير معينة فلابد أن توصف وصفاً دقيقاً، فإذا استأجر منه داراً فلابد أن يراها، ويكفي أن توصف له وصفاً كاملاً، يقال مثلاً: سعتها كذا وكذا متراً مربعاً، وارتفاع سقفها كذا، وفيها من الغرف كذا، وفيها من المستحمات كذا وكذا، وتوصف الصهاريج ونحوها، وفيها من المجالس كذا، ومن السطوح كذا، ويذكر نوع بنائها، ونوع بلاطها، وما فيها من المرافق والمكيفات وما أشبه ذلك، فإذا وصفت وصفاً دقيقاً صح عقد الإجارة عليها وإن لم يرها. كذلك: إذا استأجر دابةً للركوب فلابد أن توصف له، فيوصف له الفرس أنه قويٌ، وأنه سمين، وأنه ثابتٌ، وأنه مذلل، أو توصف له الناقة أو الجمل، وكذلك المراكب الجديدة، فتوصف له السيارة التي يريد أن يستأجرها يومياً أو إلى مكان معين أنها تتحمل كذا، وأنها من نوع كذا وكذا. وهكذا: إذا استأجر ثوباً ولم يره صح أن يوصف له بأنه ثوب من صوف أو من قطن طوله كذا، جديد أو مستعمل، وإذا استأجر كتاباً ليقرأ فيه، أو قدراً ليطبخ فيه، أو كأساً ليشرب فيه أو ما أشبه ذلك؛ فلابد أن يعرفه معاينة أو يوصف له وصفاً دقيقاً. الشرط الثاني: القدرة على التسليم، فلا يصح أن يؤجره جملاً شارداً ولا عبداً آبقاً؛ لأنه لا يقدر على تسليمه، إلا إذا كان بالإمكان القدرة عليه، فإذا قدر على أن يدركه بالسيارة ويقبض عليه بأن كان في محيط؛ فلا بأس بذلك. الشرط الثالث: العقد على نفعها دون أجزائها إلا في الظئر، فقد عرفنا أن العقد فيها هو على شيء من أجزائها وهو لبنها، ويلحق بها أيضاً: ذوات اللبن، فيصح أن تستأجر شاةً لتحلبها، مع أن المنفعة جزءٌ من أجزائها، وكذا البقرة أو الناقة تستأجرها لأجل أن تشرب لبنها، وتكون الأجرة عليك؛ وذلك لأن التفاوت فيه يسير، فأما بقية الأدوات فإن الأجرة تكون على النفع لا على الأجزاء؛ وذلك لأن الأجزاء تهلك بالاستعمال، فمثلاً: لا يقول: أجرني هذا الكيس -كيس بر مثلاً- لآكل منه ثم أرده، فإن هذا لا يسمى انتفاعاً بالعين، بل استهلاكاً لها، وكل شيء يهلك بالاستعمال لا يستأجر، فلا يستأجر -مثلاً- التفاح لأجل أن يؤكل أو نحوه، ولا الطيب والعود لأجل أن يتطيب به؛ لأنه يتلف بالاستعمال، وأجاز بعضهم استئجاره للشم إذا كانت له رائحةٌ عطرة يقول مثلاً: رائحته عطرة، أجرنيه يوماً أتلذذ بشمه، ثم أرده عليك بأجرة كذا وكذا، فمثل هذا منفعة، ولكن ليست مقصودةً عادة؛ وذلك لأن الأصل أنه يتلف، وهكذا الشمعة معلومٌ أنه إذا أوقد فيها فإنها تتلف، فهل يجوز استئجارها لأجل أن يوقدها؟ لا يجوز؛ وذلك لأنها تتلف بالاستعمال، ويجوز استئجار السراج، ويكون الوقود على المستأجر يجعل فيه وقوداً مثل (القاز) أو ما أشبه ذلك، ويستأجر المكيف ليتبرد به، ثم يرده، أو يستأجر الأنوار الكهربائية ليستنير بها يوماً -مثلاً- ثم يردها، فهذه منفعتها مباحة، أو يستأجر -مثلاً- المكبر أو يستأجر المسجل ليسجل فيه، ثم يرده، كل هذه منافعها مباحة، والأجرة على المنفعة لا على الأجزاء، وإذا كان يخلولق، جاز ذلك، فمعلوم أن الثوب يخلولق إذا لبس، ولكن صاحبه يأخذ أجرة منفعة الثوب في اللباس، ومنفعة الحذاء -مثلاً- بالانتعال، ومنفعة الفرش بالجلوس عليها، فالإجارة تكون على نفعها لا على أجزائها. الشرط الرابع: أن تكون العين فيها منفعة مقصودة، فإذا كانت لا تشتمل على منفعة ولا فائدة فيها فلا تؤجر، فمثلاً: سيارةٌ خربة لا تصلح أن يركب فيها، ولا أن يقودها قائد، فهذه لا منفعة فيها، وكذلك: جمل هزيل، لا يمكن أن ينتفع به في حمل، ولا في ركوب؛ على أي شيء يستعمل؟! ليس هو محلوبٌ ولا مركوب! فلا فائدة في تأجيره، وكذلك مثلاً: إذا استأجر أرضاً سبخة ليزرعها! ما يمكن، ليس فيها منفعة ولا تزرع؛ لأن الأرض السبخة لا تنبت نباتاً كقوله في الحديث: (إنما هي قيعان لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأً) . فالحاصل أنه لابد أن تكون فيها منفعة، فالدار فيها منفعة للسكنى، والدابةُ التي تركب فيها منفعة، والثوب فيه منفعة، والقدور فيها منفعة، والخيمة فيها منفعة، فأما الذي لا منفعة فيه فلا تصح إجارته. الشرط الخامس: كونها ملكاً للمؤجر أو مأذوناً له فيها، أي: لابد أن يكون مالكاً لتلك العين أو مرخصاً له في تأجيرها، فلا يؤجر كتاب غيره، ولا قدر غيره، ولا بيت غيره، ولا سيارة غيره، حتى ولو رأى في ذلك مصلحة، لو رأى إنساناً محتاجاً للسيارة، وسوف يدفع أجرةً رفيعة كثيرة، ورأى أن جاره عنده سيارة واقفة، وأنه ليس بحاجة لها هذا اليوم أو هذه الأيام، فهل يقول: أتجرأ على جاري -ولو كان غائباً- وآخذ مفاتيح سيارته، وأؤجرها بأجرة رفيعة، لمصلحة جاري؟ ليس له ذلك؛ وذلك لأنه غير مأذون له، إلا إذا كان هناك إذن عام، بأن قال له جاره: متى رأيت مصلحةً مناسبةً فلا مانع من أن تتجرأ على ما يختص بنا، ولك الحرية في ذلك، فلابد أن يكون مالكاً للعين أو موكلاً مأذوناً له فيها.

стр. 988

أقسام إجارة العين ذكر المؤلف أن إجارة العين قسمان: الأول: إجارةٌ إلى أمد معلوم يغلب على الظن بقاؤها فيه، الثاني: لعمل معلوم، والغالب أن الذي إلى أمد تكون في بعض الأعيان التي تستغل غلتها ومنفعتها، ويجوز أن تكون المدة طويلة، ولكن يفضل ألا تطول طولاً يختلف به السعر، فقد رأينا أناساً أجروا دكاكين لمدة عشرين سنة، أجر هذا الدكان مدة عشرين سنة، وكل سنة -مثلاً- بعشرة آلاف، ثم في هذه المدة ارتفع السعر أو انخفض، فصار جيرانه يؤجرون -مثلاً- بخمسين ألفاً، وهو بعشرة آلاف مدة عشرين سنة! فيتأسف ويقول: هذا من الغبن، كوني أجرته عشرين سنة فارتفع السعر، وكذلك أيضاً: العكس، فكثير من الناس استأجروا أماكن لمدة عشرين سنة أو ثلاثين سنة، وربما مائة سنة، ثم نزل السعر أو ارتفع، فصار الناس يؤجرونها بعشرة، وهو محسوبٌ عليه بعشرين أو بثلاثين، فيندم، فالأولى ألا تكون المدةُ طويلة، وذكروا أن أوقافاً في بعض البلاد أجرت لمائة سنة، وكل سنة بعشرين صاع من البر أو من التمر، وبعدما طالت المدة صارت مثلها تؤجر بعشرين ألفاً، وبثلاثين ألفاً، وهو لا يزال يستغلها بهذا الشيء الزهيد، وكانوا ما يؤملون ارتفاع الأسعار في كثير من المدن؛ فيكره أن تؤجر مدةً طويلةً يحتمل فيها تغير السعر بزيادة فيغبن المؤجر أو بنقص فيغبن المستأجر. القسم الثاني: تأجير الإنسان -مثلاً- لعمل معلوم، كأن يستأجره لبناء حائط أو لحفر بئر أو لسقي نخل أو شجر، فلابد أن يكون العمل معلوماً، فتكون الخياطة -مثلاً- معلومة، نوعها كذا وكذا، أو معتاداً، ويكون البناء من كذا وكذا، من اللبن أو من البلوك أو ما أشبه ذلك، ومثل أيضاً: إجارة دابة لركوب إلى موضع معين أو لحمل إلى موضع معين، ومثلها أيضاً: السيارة، وفي هذه الحال لا تحدد المدة، والغالب أنها تخضع لعمل صاحبها الذي هو قائد السيارة أو سائق البعير، فأحياناً يستأجر السيارة من الرياض إلى القصيم ليحمل عليها متاعه أو أهله أو نحو ذلك، فيبقى في الطريق يومين، يسير بتؤدة، وأحياناً يقطعها في ثلاث ساعات. فالحاصل أن هذا عمل معلوم، استأجرتك تحمل هذه البضاعة من الرياض إلى القصيم بمائة أو ألف سواءً وصلت في يوم أو وصلت في خمسة أيام أو في عشرة، هذا عمل معلوم، مثل: حمل لمتاع أو ركوب على دابة أو على سيارة أو ما أشبهها إلى موضع معين.

стр. 989

الإجارة على منفعة في الذمة انتهينا من الضرب الأول: وهو إجارة العين، والضرب الثاني: العقد على منفعة في الذمة في شيء معين أو موصوف، منفعة في الذمة: مثل خياطة الثوب، وبناء الجدار، وحفر البئر، وحرث الأرض وزرعها، وتلقيح الأشجار، وتلقيح النخل وجدادها، وصرامها، وحصاد هذا الزرع، ولقط هذا الثمر، كل هذا منفعة في الذمة، يعني: تستأجره على أن يعمل لك هذا العمل بأجرة معينة، تقول: استأجرتك أن تحصد هذه البقعة من الزرع -سواء حصدها في يوم أو في عشرة أيام أو في ساعة- بمائة أو بألف، هذه منفعة في الذمة يبذلها لك، أو تبني هذا الجدار الذي طوله كذا وسمكه كذا وعرضه كذا، بأجرة معينة، وإذا خشيت أنه يتلاعب في ذلك فلك أن تحدد له مدة، فتقول: في ظرف خمسة أيام أو شهر أو سنة، وإذا لم تفعل ذلك فإنك متساهل، ونضرب عليك غرامة عن تأخيرك ونحو ذلك كما تفعل ذلك الشركات التي تتقبل بناء الدور أو المساجد أو المدارس أو المشاريع الكبيرة، أو تتقبل إصلاح الطرق وصيانتها وتنويرها أو ما أشبه ذلك، وكل هذه منفعةٌ معلومة في الذمة يأتي بها ذلك المستأجر، ولابد أن تكون في شيء معين، أو موصوف، مثال الشيء المعين أن تقول: الطبخ في هذا القدر أو في قدر كذا وكذا، فهذه منفعةٌ معينةٌ من هذه العين، وكذلك أيضاً: العمل، إذا استأجرت الطحان لطحن هذا الكيس، هذه منفعة في الذمة، يطحنه بكذا، والغسال يغسل ثوبك بكذا، والقصار يقصره بكذا وكذا، والدباغ يدبغ لك هذا الجلد بكذا وكذا، والحلاق يحلق رأسك بكذا وكذا، هذه تسمى عقوداً على منفعة في الذمة في شيء معين أو موصوف، الشيء المعين: منفعة في هذه السيارة وهو الحمل عليها، والموصوف: منفعةٌ في خيمة كذا وكذا غير معينة، لا يقول: الخيمة الفلانية، أو يقول: تبني هذه الدار في المكان الفلاني كذا وكذا لأسكنها، إذا كان موصوفاً. ويشترط تقديرها بعمل أو مدة، تقديرها بعمل: كالخياط يقدر عمله بالخياطة، وكذلك يقدر للمدة، فيقال مثلاً: لمدة شهر تبني داراً أو نحو ذلك، ويشترط معرفة ذلك وضبطه، معرفة الخياطة ونوعها، معرفة البناء ومقداره وارتفاعه وما أشبه ذلك. وذكر أنه يشترط معرفة المنفعة وضبطها، يعني: نوع الخياطة وجنسها وصفتها، وارتفاع الجدار ونوع المادة التي يبني بها. كذلك يشترط كون الأجير آدمياً جائز التصرف، والأجير في العادة يكون من الآدميين، لكن قد يستعين بالبهائم ونحوها، فالحفر -مثلاً- ما يكون إلا بالآدمي الذي ينزل في البئر ويحفرها، لكن إخراج التراب قد يحتاج إلى آلة، أو يحتاج إلى دابة يعلق فيها الدلو فيخرج التراب، ولكن الأصل أن الذي تعاقد معه آدمي. وكذلك أيضاً: البناء، الأصل أنه يتولاه الآدميون، ولكن قد يستعملون الرافعة التي ترفع اللبن إلى السطح أو إلى المكان الرفيع أو الحيطان، وقد يستعملون الآلة التي تصب الصبة فوق السطوح، فهذه وإن لم تكن آدمياً ولكن الذي يستعملها آدمي.

стр. 990

الإجارة على القرب وشرط أيضاً: كون عمل يختص صاحبه أن يكون من أهل القربة، فإذا كان العمل من القربة لم يجز التأجير عليه؛ وذلك لأن القرب يتقرب بها إلى الله تعالى، وقد ثبت أنه ﷺ قال لرجل: (واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً) ، فلا يجوز أن يستأجر أحداً على عمل من الأعمال الصالحة، فلا يستأجره على أن يصلي، فيقول: أستأجرك على أن تصلي هذه الصلاة، ولك أجرةٌ على الصلاة، أو لك أجرة على الصيام مثلاً، أو لك أجرةٌ على الأذان، أو على الإمامة، أو على الخطابة، أو على تعلم القرآن ونحو ذلك، فمثل هذه أعمال يبتغى بها وجه الله، ومن عملها للدنيا فسد أجره، ولا يجوز أن يكون العمل الذي يبتغى به وجه الله وتعالى يراد به الدنيا. وذكرنا أنه يصح أن يستأجر من يحج عنه أو يعتمر عنه، ولكن ذلك الأجير لا يعمل العمل لأجل الأجرة، وإنما يأخذ المال لأجل العمل، فيحج لأجل الحج لا لأجل النقود التي تبذل له، حتى لا يبطل عمله، ويكون ممن عمل عملاً دينياً لأجل مصلحة دنيوية، وهكذا بقية القربات.

стр. 991

الأسئلة

стр. 992

استئجار الشعراء في الزواج السؤال أحسن الله إليكم وهذا سائل يقول: ما حكم استئجار الشعراء في ليلة الزواج؟ الجواب إذا كان الشعر مباحاً جاز ذلك، ولكن يكره لهم أن يأخذوا الأجرة، روي أنه ﷺ أباح الغناء المباح، وقال: (هلا أرسلتم من يقول: أتيناكم أتيناكم فحيونا نحييكم) يعني: أن مثل هذا من جملة ما يباح في ليالي الزواج ونحوه، فأما ما يفعل في كثير من الزواجات مما يسمونه (المراد) الذي فيه هجاءٌ، وفيه سبٌ، وفيه عيبٌ، وفيه أيضاً: سهرٌ طويل، وفيه تغنجٌ وتمايلٌ، ومديح فيه مبالغة، وذمٌ فيه مبالغة، فلا يجوز ذلك.

стр. 993

وضع الدشوش في الاستراحات السؤال أحسن الله إليكم، يقول: هناك من يؤجر الاستراحات، ويضعون فيها الدشوش، ويقولون: إن عدد المستأجرين سوف يقل كثيراً إذا لم نضع هذا الجهاز، ونحن نخرج جزءًا من الدخل كصدقة للتكفير عن ذلك، فهل عملهم هذا جائز؟ الجواب غير جائز؛ وذلك لأن هذه الدشوش آلاتٌ تفسد الأخلاق، وتدعو إلى الفساد، وهي محرمة ولو أنها عمت وطمت، ونقول: أخرجوها، واقنعوا بما يرزقكم الله تعالى من الرزق الحلال.

стр. 994

حكم الرواتب التي يستلمها الأئمة والمؤذنون السؤال أحسن الله إليكم، يقول: ما حكم الرواتب التي يستلمها الأئمة والمؤذنون؟ الجواب يجوز أن يجعل من بيت المال رزقاً للمؤذنين والأئمة والخطباء والمعلمين والمقرئين ونحوهم، إذا كان يصرف لهم رزق من بيت المال لا مانع من ذلك، وأما أن يفرضوا على أهل المسجد فلا يجوز، سئل الإمام أحمد عن رجل قال: أصلي بكم بكذا وكذا؟ فقال: أسأل الله العافية، ومن يصلي خلف هذا؟!

стр. 995

استئجار استراحة فيها دشوش بدون استخدامها السؤال أحسن الله إليكم، يقول: هل يجوز استئجار استراحة فيها دشوش، ولكنني لا أستخدمها، وهل في ذلك إعانةٌ لهم على الإثم والعدوان؟ الجواب أرى أن هذا فيه إعانةٌ لهم، اطلب غيرها مما هي سالمةٌ من هذا، وعادة أنهم يزيدون في أجرتها لأجل هذه الأجهزة، فستجد أرخص منها وأحسن منها.

стр. 996

تأجير المستأجر لما استأجره السؤال أحسن الله إليكم يقول: استأجرت استراحة لمدة سنة، فهل يجوز لي أن أؤجرها باليوم من باب الاستثمار؟ الجواب يجوز، فقد ذكروا أنه يجوز تأجير المؤجر لمن يقوم مقامه لا بأكثر منه ضرراً، فإذا استأجرت البيت أو العمارة أو الشقة مدة سنة، ثم استغنيت عنها في نصف السنة، فلك أن تؤجر بقية مدتك.

стр. 997

حكم بيع البيت المؤجر السؤال أحسن الله إليكم، يقول: هل يجوز بيع البيت المؤجر أثناء فترة تأجيره؟ وهل للمالك الجديد إخراج المستأجر؟ الجواب يجوز، ولكن لا يملك المالك الجديد إخراج المستأجر، فيشترطون على المشتري ألا يخرج هذا المستأجر؛ لأن هذا المستأجر قد ملك المنفعة مدته التي اتفقوا عليها معه، فليس لهم إلزامه بالخروج، وإن خرج من نفسه فلا بأس.

стр. 998

حكم إيجار المحلات لأصحاب الإنترنت السؤال أحسن الله إليكم، يقول: انتشرت في الآونة الأخيرة محلات تسمى مقهى الإنترنت، أي: أن الشخص يحضر إلى المقهى، ويراسل بالإنترنت، وربما يراسل أناساً لا يعرفهم من الرجال والنساء، ويأخذون أوقاتاً طويلة، فما حكم تأجير المحلات لهؤلاء؟ وما حكم استئجارها؟ الجواب لا شك أن المقاهي يحصل فيها الفساد الكبير، ففيها شرب الدخان وشرب الشيش، وقد انتشرت هذه الأمور بسببها؛ وكذلك أيضاً: وجود أجهزة الدشوش فيها، زيادةً على ما ذكر السائل من هذه الأجهزة -أجهزة الإنترنت- التي يتمكن بها الشخص أن يكلم فيها من يريد، وأن يتصل فيها بمن يريد من خارج البلد وداخلها، فيتفق مع امرأة بعيدة أو قريبة أو ما أشبه ذلك، ولا شك أن هذا تمكين لأهله مما لا يجوز؛ والإتيان إلى هذه الأماكن وتشجيع أهلها لا يجوز.

стр. 999

تأجير محلات لبيع وتشغيل الألعاب الإلكترونية السؤال أحسن الله إليكم، يقول: ما رأيكم في تأجير محلات لبيع وتشغيل الألعاب الإلكترونية، وجزاكم الله خيراً؟ الجواب هذه الأدوات لا شك أن فيها مصلحة وفيها منفعة، مثل أجهزة المسجلات والمذياع وما أشبهه، فهذه فيها خير وشر، فإذا كانت خاصةً بالأشياء المباحة التي فيها منفعة، ولو كانت قد تستعمل للشر، فلعله يتسامح فيها، وأما إذا كانت خالصةً للشر فلا تجوز.

стр. 1000

حكم العرضة الشعبية السؤال أحسن الله إليكم، يقول: يحدث بكثرة عندنا في المنطقة الجنوبية ما يسمى بالعرضة الشعبية، ويستخدم فيها ما يسمى بالزير، كما أن فيها قصائد معظمها يعتمد على الكذب وعلى الكلام البذيء فما حكم ذلك؟ الجواب نرى عدم حضورها، والأولى أنهم يمنعون من إعلانها، ويمنعون من إظهار هذا الذي يسمى بالزير أو ضرب الطبول أو ما أشبهها من المحرمات، فننصح بعدم حضورها، ومن له قدرة على أن يمنع أهله وأقاربه فليمنعهم، والأولى أن يرفع أمرهم إلى مراكز الهيئات ليأخذوا على أيديهم، ويقللوا من هذا المنكر.

стр. 1001

تأجير العمارات للشركات الأجنبية السؤال أحسن الله إليكم، ما حكم تأجير العمارات على الشركات الأجنبية والتي أغلب من يعمل بها من النصارى؟ الجواب نرى أنه لا بأس؛ وذلك لأنهم دخلوا كعمال، ولابد لهم من مساكن، ولهم عهد، ولهم أمان، فيدخلون في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾ [التوبة:٦] يعني: إذا دخل، فهم يدخلون في أهل العهد، وأهل الذمة، فمثل هؤلاء لابد من نزولهم، وقد ورد في بعض الأحاديث ذكر الجار الكافر، وهو قوله في الحديث: (إن الجيران ثلاثة: جار له حق، وجار له حقان، وجار له ثلاثة حقوق) ، فذكر أن الجار الذي له حق هو الكافر، فله حق الجوار، فدل على أنه يجوز إسكانهم، وإقرارهم، ولكن الدولة أو الحكومة تتعهد عليهم ألا يظهروا شعائر دينهم، وألا يعملوا بما يخالف تعاليم البلاد الإسلامية.

стр. 1002

حكم استئجار الذهب السؤال أحسن الله إليكم، يقول: ما حكم تأجير الذهب كما يحصل الآن عندما تتزوج المرأة فإن زوجها يستأجر ذهباً في ليلة الزواج فقط؟ الجواب جائزٌ ذلك، وذكر بعض العلماء لما بحثوا في زكاة الذهب أنه إذا كان معداً للكراء أو للتأجير فإن فيه زكاة، فدل على أنه يجوز تأجيره، وهذا فيه منفعة، ولو كانت المنفعة فيه الجمال والزينة فلا مانع من استئجاره.

стр. 1003

إيجار الاستراحات مع اشتراط عدم الدشوش السؤال أحسن الله إليكم، يقول: بعض الناس يقولون: نحن نؤجر الاستراحات، ونشترط على المستأجرين عدم وضع الدشوش، أو ممارسة المحرمات، فهل يكفي هذا لإبراء الذمة؟ الجواب يكفي، ولكن لابد من متابعتهم، وإذا تابعوهم ورأوهم قد خالفوا ذلك، فإن عليهم إخراجهم وقطع مدة الإجارة.

стр. 1004

حكم شراء كتيبات فيها مسابقات عليها جوائز السؤال أحسن الله إليكم، يقول: انتشرت في هذه الإجازة المسابقات الثقافية، والتي تباع في كتيب بريالين أو بخمسة ونحو ذلك، فما حكم شرائها مع العلم أننا لا نشتريها إلا من أجل الجائزة؟ وهل يدخل ذلك في الغرر؛ لأني لا أعرف هل أربح أو أخسر؟ الجواب ينظر في المقاصد من وراء ذلك؛ فإذا كانت هذه المسابقات علمية، يعني: في هذا الكتيب -مثلاً- أسئلة يطلب الجواب عليها، وذكر فوائد، والذي يشتريه يستفيد منه، ويبقى منتفعاً به بقية حياته، فلا مانع سيما إذا كانت تكلفته قليلة، فيباع بسعر التكلفة، فلا مانع من الدخول في ذلك بهذا الشرط.

стр. 1005

صاحب البيت أحق من المستأجر السؤال أحسن الله إليكم، يقول: في بعض الدول إذا استأجر رجلٌ شقةً -مثلاً- فإن صاحب الشقة لا يستطيع إخراج المستأجر حسب أنظمة الدولة، ولا يستطيع رفع الإيجار عليه أبداً؛ فما حكم ذلك الإيجار؟ وما الحكم لو اشترط المستأجر للخروج من الشقة مبلغاً معيناً؟ الجواب لا شك أن هذا مخالفٌ للشرع؛ وذلك لأن العين ملكٌ لصاحبها، فلا يجوز أن يملكها المستأجر أو يصير أحق بها، وهذه الأنظمة والقوانين التي يفرضونها ويعملون بها في كثير من البلاد لا شك أنها ظلم، فنقول: إن الإنسان عليه أن يعرف حرمة مال غيره، لقوله ﵊ في الحديث: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه) ، فإذا كانت نفسه غير طيبة، فلا يسكن فيها إلا برضاه وبأجرة المثل.

стр. 1006

حكم اشتراط سقوط الأجرة بتأخر العمل السؤال أحسن الله إليكم، يقول: أدخلت سيارتي في ورشة لإصلاحها، واتفقنا على ألفين ريال، والمدة بعد شهر، ومضى الشهر الأول والثاني وقلت له: خلال أسبوع إن خرجت وإلا لن أدفع لك ريالاً واحداً فتأخر، ثم أصلحها وأخذت السيارة ولم أعطه شيئاً؛ فهل علي شيء؟ الجواب لا شيء عليك؛ وذلك لأنك تعطلت في هذين الشهرين والسبعة الأيام الزيادة، ويمكن أنك صرفت في تنقلاتك وفي استئجارك أكثر من الألف، فلا شك أنه أخطأ عليك في تأخره هذه المدة.

стр. 1007

الظفر بالحق السؤال أحسن الله إليكم، يقول: لدينا خادمة، ووالدي لا يدفع لهذه الخادمة راتبها؛ فهل آخذ شيئاً من ماله بدون علمه وأدفعه للخادمة علماً بأنه قادر؟ الجواب قد يكون فعله هذا خوفاً من أن تهرب أو ما أشبه ذلك، أو يريد حفظه لها ليدفعه لها دفعة واحدة عند سفرها، حيث إنها لا تحتاج إليه في هذه المدة، وأنت عليك أن تستفصل منه عن السبب الذي لأجله منعها، ومعلوم أنه يحرم تأخير أجرة الأجير، ورد في الحديث: (أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه) , وورد أيضاً وعيدٌ شديدٌ في الثلاثة الذين يعذبهم الله، ومنهم: (رجل استأجر أجيراً، فاستوفى منه العمل ولم يعطه أجره) ، وإذا رأيت أنه لا يعطيها، وأنه يمنعها ولا يريد المصلحة لها، فعليك أن تعطيها أجرتها من ماله، ولولم يعلم بذلك.

стр. 1008

شرح أخصر المختصرات [٤١] لقد أباح لنا الشارع الحكيم عقد الإجارة، وبين لنا أنواع الإجارة وضوابطها، وما يلزم المؤجر والمستأجر؛ حتى تسير الحياة وتنتظم، ويرفع الظلم والضرر.

стр. 1009

ما يلزم المؤجر والمستأجر قال المصنف رحمه الله تعالى: [وعلى المؤجر كل ما جرت به عادةٌ وعرفٌ، كزمام مركوب وشد، ورفع وحط، وعلى مكترٍ نحو محمل ومظلة، وتعزيل نحو بالوعة إن تسلمها فارغةً، وعلى مكرٍ تسليمها كذلك. فصلٌ: وهي عقدٌ لازمٌ، فإن تحول مستأجرٌ في أثناء المدة بلا عذر فعليه كل الأجرة، وإن حوله مالكٌ فلا شيء له، وتنقضي بتلف معقود عليه، وموت مرتضع، وانقلاع ضرس أو برئه ونحوه. ولا يضمن أجيرٌ خاص ما جنت يده خطأً، ولا نحو حجام، وطبيب، وبيطار عرف حذقهم إن أذن فيه مكلفٌ أو ولي غيره ولم تجن أيديهم، ولا راعٍ ما لم يتعدَّ أو يفرط. ويضمن مشتركٌ ما تلف بفعله لا من حرزه ولا أجرة له. والخاص: من قدر نفعه بالزمن، والمشترك بالعمل. وتجب الأجرة بالعقد ما لم تؤجل، ولا ضمان على مستأجر إلا بتعد أو تفريط، والقول قوله في نفيهما. فصلٌ: وتجوز المسابقةُ على أقدام وسهام وسفن ومزاريق، وسائر حيوان لا بعوض، إلا على إبل، وخيل، وسهام. وشرط تعيين مركوبين، واتحادهما، وتعيين رماة، وتحديد مسافة، وعلم عوض، وإباحته، وخروجٌ عن شبه قمار، والله أعلم] . قد عرفنا شروط الإجارة، ومنها معرفة المنفعة كسكنى دار، وكون المنفعة مباحة، ومعرفة الأجرة. وذكرنا أن الإجارة ضربان: إجارة عين، وعقدٌ على منفعة، وأن المنفعة: هي ما يتقبله الأجير في ذمته، كأن يلتزم خياطة ثوب، أو بناء حائط، أو طحن خبز، أو دبغ جلد، أو خرازة قربة، فهو عمل معين في الذمة يشترط تقديره أو تحديده بمدة، كبناء دار وخياطة، وشرط معرفة ذلك وضبطه، وشرط كون الأجير آدمياً جائز التصرف، وشرط كون العمل لا يختص صاحبه أن يكون من أهل القربة؛ لأن القربات يتقرب بها إلى الله، ولا يؤخذ عليها أجر. وهنا نذكر ما يلزم المؤجر وما يلزم المستأجر، فالمؤجر إذا أجر دابةً، والتزم أن يسوقها -مثلاً: استأجره إنسان- فعليه ما جرت به العادة والعرف كزمام مركوب، وهو الحبل الذي يقاد به البعير، وشد: يعني رفع المتاع حتى يشده على ظهر البعير، وحط: إذا أنيخ البعير، فأجير المؤجر هو الذي يحط الرحل. وأما المكتري فعليه المحمل والمظلة، كانوا إذا استأجروا بعيراً لركوب امرأةٌ فيه، عملوا لها محملاً ومظلة، وتسمى عمارية إذا كانت فوق البعير. وتسمى هودجاً، تستتر فيه المرأة إذا ركبت على البعير، وقد يجعل على البعير هودجين عن يمينه وعن يساره، في كل واحد امرأة تدخل في وسطه ولا يراها أحد، وفي هذه الأزمنة المكري -المؤجر- مثل قائد السيارة، عليه وقودها، وعليه إصلاحها إذا خربت، وعليه قيادتها، وأما حط الرحل وشده وتنزيله فالعادة والعرف الآن أنه على صاحبه، وإذا كان العادة أنه يظلل السيارة، واحتيج إلى تظليل فإنه على حسب الشروط والعادات. وإذا استأجره -مثلاً- لبناء حائط فالعادة أن اللبن، والطين، والإسمنت، والحديد، والأدوات الكهربائية تكون على صاحب المال -المؤجر-، وأما الأجير -الذي هو العامل- فعليه في العادة الأدوات التي يعمل بها، مثل: الأخشاب التي يصب عليها، ومثل الأدوات التي يرفع بها البلك إلى السطح، ومثل الخلاطة التي تخلط وتصب فوق السطح، فهذه على الأجير العامل، وهذا على حسب العرف والعادة. وإذا استأجره لحفر؛ فإن الأدوات على الأجير -العامل-، فهو الذي يأتي بالحفار، ويأتي بالحبال وبالزنابيل التي يخرج بها التراب، وبالأدوات التي يحفر بها الأرض على حسب العادة. وهكذا: إذا استأجره لخياطة فالماكنة على الخياط، وإذا استأجره لطحن فالماكنة التي تطحن على العامل، وهكذا قوله: (وتعزيل نحو بالوعة إن تسلمها فارغة) : عادةً أنهم إذا كان في الدار بالوعة -وهي ما يسمى الآن بالبيارة- فإن صاحب الدار يفرغها من الماء والأوساخ التي فيها ثم يسلمها، والأجير -أيضاً- إذا انتهى من الأجرة وأراد الرحيل فإنه يفرغها بأن ينزف ما فيها من الماء الذي حصل بسببه. وكذلك أيضاً: الكنيف الذي عادةً أنهم يجعلونه محلاً لقضاء الحاجة، إذا تسلمه فارغاً فإنه يفرغه عند خروجه من الدار، وكذلك قمامة الدار إذا تسلمها وهي نظيفة، فلابد أنه يخرج ما فيها من القمامة.

стр. 1010

حكم الإجارة ما حكم الإجارة؟ الإجارة عقدٌ لازم لا يجوز فسخه، لازم مثل عقد البيع، ولكن فيه خيار المجلس كما تقدم في البيع، فإذا تعاقد على أن يستأجر الدار بعشرة آلاف، واتفقا على ذلك، وسلمت الأجرة، ثم ندم أحدهما في المجلس فإنه يملك الفسخ، وله أن يقول: رد علي دراهمي، يمكن أن أحصل على أقل من هذا، أو يقول: خذ دراهمك ورد علي المفاتيح، يمكن أن أحصل على أجرة أحسن، أو أنا محتاج. وهكذا خيار الشرط إذا اشترطاه يومين أو ثلاثة أيام، سواء اشترطه المؤجر أو المستأجر، ثم بدا لأحدهما فله أن يفسخ، ولكن إذا اشترطه مدة طويلة فلا يجوز إلا إذا كانت تنقضي قبل انقضاء مدة الإجارة، فلو كان البيت -مثلاً- فيه مستأجر، وتنقضي مدته بعد شهر، ثم استأجرته أنت، وقلت: لي الخيار هذا الشهر، وقال المالك: لي الخيار هذا الشهر، صح ذلك؛ فلكل منهما أن يفسخ في هذه المدة قبل أن يخرج المستأجر، وأما أن يكون البيت فارغاً، ويسلم مفاتحه، ويقول: لي الخيار شهراً فهذا لا يجوز، لماذا؟ لأنه يضيع على المالك مدة شهر كامل يذهب عليه بدون أجرة، ولو استأجره -مثلاً- ثلاثة أشهر وقال: لي الخيار التسعة الأشهر الباقية أو عشرة أشهر إلا قليل، فله ذلك، وسبب ذلك: أنها لا تنقص من المدة التي استأجرها؛ لأنها تنقضي مدة الشرط قبل أن تبدأ مدة الإجارة، فعرف بذلك أن الإجارة عقدٌ لازم، متى حصل الافتراق، ولم يكن هناك شرط؛ لم يتمكن أحدهما أن يفسخ، إلا إذا أذن له الآخر وأقاله. فلو -مثلاً- سكنه المستأجر شهراً، ثم انتقل وتركه وكانت الإجارة سنة، لزمته أجرة الباقي أحد عشر شهراً، وإن لم يسكن فيها، ويطالبه المالك ويقول: العقد قد انتهى بيني وبينك، وهو سنةٌ بعشرة آلاف، فأعطني العشرة الآلاف، واصنع بالبيت ما تصنع، اسكنه أو اتركه مغلقاً أو أجّره أو أسكن فيه من تريد؛ فالبيت ملكك في هذه السنة. وإن تغاضى صاحب الدار وأقاله، ورد عليه أجرة الباقي، فهو أفضل. أما لو استأجره -مثلاً- بعشرة آلاف، ثم سكنه أحد عشر شهراً، ثم إن المالك استكرهه وأخرجه كرهاً، فإنه يطالبه بالأجرة كاملة، ولو ما بقي له إلا شهر، فيطالبه بالأجرة كاملة، ولا يستحق عليه شيئاً. وإذا خرّجه المالك قبل تمام المدة فلا شيء للمالك ولو لم يبقَ إلا أقل المدة، وما ذاك إلا أنه ملك البيت هذه السنة؛ فليس له أن يخرجه قبل تمامها، ويقال كذلك في سائر الأعيان التي تؤجر، كخيمة -مثلاً- استأجرها شهراً، ولما بقي خمسة أيام جاء صاحبها وقلعها، فللمستأجر المطالبة بالأجرة كلها، ولا يقول: أعطني أجرة خمسة الأيام، بل له الأجرة كاملة؛ لأنه يضطر إلى أن يستأجر أخرى بقية هذه المدة. وكذلك: لو استأجر -مثلاً- قدراً ليطبخ فيه مدة يوم، وفي نفس اليوم جاء صاحبه وانتزعه؛ فلا يستحق أجرة، وإذا استأجره يوماً واكتفى منه بثلاث ساعات ورده؛ فلصاحب القدر أن يطالب بالأجرة كاملة.

стр. 1011

ما يفسخ عقد الإجارة قال المصنف ﵀: (وتنفسخ بتلف معقود عليه) : إذا استأجر البعير ليحمل عليه، أو ليسني عليه، وكانت المدة شهراً، فمات البعير في نصف الشهر، انفسخت الإجارة في الباقي، وكذا: لو استأجر أرضاً فيها بئرٌ، ثم إن البئر نشف ماؤها، ولم يبقَ فيها ماء؛ انفسخت الإجارة في الباقي؛ لأن المستأجر يتضرر، ويموت شجره، ففي هذه الحال يعطيه نصف الأجرة إذا كانت نصف المدة قد مضت. وكذلك: إذا استأجروا ظئراً -مرضعةً- ترضع طفلاً لمدة سنتين، وبعد سنة أو بعد أشهر مات الرضيع، انفسخت الإجارة في الباقي؛ لأنها استأجرت للإرضاع، ولم يبقَ هناك رضيع. وكذلك أيضاً: اقتلاع ضرس، فإذا اتفق مع الطبيب بأجرة -مثلاً- مائة، على أن يقلع هذا الضرس، ثم إن صاحبه -مثلاً- قلعه بيده، فلا أجرة له والحال هذه؛ وذلك لأنه ما بقي عملٌ يعمله الطبيب. وكذلك: لو أحس ببرئه -برئ الضرس- وقال: لا حاجة لي إلى قلعه فقد برئ، وأشباه ذلك إذا لم يبقَ حاجةٌ إلى تلك العين المؤجرة. وفي كل حال: لو مات أحد الأجيرين فإنها لا تنفسخ، فلو استأجر الدار وتمت الأجرة، وقبل أن يسكنها مات المستأجر، فورثته يقومون مقامه، فيؤجرونها أو يسكنونها، ولو مات المؤجر الذي هو المالك، وقال الورثة: نحن بحاجة إلى بيتنا، لم يملكوا ذلك، ويملك المستأجر أخذها ولو مات المالك, ولو امتنع الورثة، فلا تنفسخ بموت أحدهما.

стр. 1012

الفرق بين الأجير العام والخاص بعد ذلك ذكر المصنف أن الأجير ينقسم إلى قسمين: أجيرٌ خاص، وأجير مشترك. والفرق بينهما: أن الأجير الخاص: هو الذي تملك منفعته اليوم كله، أو الشهر كله، أو السنة كلها، ولا يعمل عند غيرك، وقد استأجرته لعمل، ويعم ذلك كل الأعمال التي يستأجر لها العمال، فإذا استأجرته شهراً لبناء في بيتك فإنه يعمل عندك هذا الشهر، ولا يعمل عند غيرك، إلا إذا عمل في وقت الراحة، فمثلاً إذا اتفقتما على أن يعمل عندك كل يوم عشر ساعات، وتريحه أربع عشرة ساعة؛ فله أن يعمل فيها لنفسه أو لغيره. وهكذا: إذا استأجرته خياطاً، وأنت الذي أثثت المكان، واشتريت مكائن الخياطة على أن يعمل فيها -مثلاً- في النهار سبع ساعات، وفي الليل خمس ساعات، فإنه يعتبر أجيراً خاصاً يعمل عندك بالأجرة، والأجرة التي يأخذها من أصحاب الثياب لك، وأنت تعطيه مرتباً حتى ولو لم يأتِه أحد، ولو بقي يوماً أو أياماً ليس لديه عمل فراتبه ماضٍ. وهكذا: إذا استأجرته راعياً لغنمك أو إبلك، فهو أجيرٌ خاص، أو استأجرته عاملاً في حرثك، يسقي الحرث -مثلاً- ويحرث الأرض ويلقح ويصرم ويجز ويحصد، ويجري الماء ولا يعمل إلا عندك؛ فإنه أجيرٌ خاص. وهكذا: بقية الأعمال اليدوية ونحوها، فإذا استأجرت دكاناً للحلاقة -حلاقة الرءوس مثلاً- واستأجرته ليحلق، فالأجرة لك وله راتبه، أو كذلك مغسلة سيارات، أو مغسلة ثياب، فإنه يعمل عنك بالشهر، ويكون أجيراً خاصاً، أو في ورشة إصلاح السيارات، فأنت الذي استأجرت الورشة، وأنت الذي عندك الأدوات، وهو يعمل بيده ويصلح السيارات، وما يدفع أصحاب السيارات فهو لك، وله مرتبه، ويعتبر أجيراً خاصاً، وهكذا: بقية الأعمال اليدوية التي يمكن أن يستأجرها إنسان.

стр. 1013

الأجير الخاص لا يضمن ما جنت يده قال المصنف ﵀: (ولا يضمن أجير خاص ما جنت يده خطأً) : مثلاً: لو أخطأ في تفصيل الثوب فلا يضمن، إذا كان -مثلاً- يخيط لك ثياباً تختص بك أنت، أو أخطأ في سقي الأشجار فمات بعضها؛ فلا يضمن ما تلف بيده. وهكذا -مثلاً-: إذا كان يصلح الساعات التي هي لك أنت، وأخطأ وخربت واحدة؛ فإنك لا تضمِّنه، وهكذا بقية الأعمال، فلو أحرق الثوب الذي يكويه وهو لك، لم يضمن ما جنت يده خطأً. وكذلك الحجام الذي عُرف حذقه وإحسانه للحجامة لا يضمن، فلو أنه -مثلاً- لما حجم إنساناً سمم الجرح ومات ذلك المحجوم، فلا يضمن الحجام؛ لأنه معروف ومشهود له بالذكاء وبالحذق. وكذلك الطبيب المشهود له بالطب والحذق، فإذا طبب إنساناً ومات، أو عاب أحد أعضائه، أو عالج العين -مثلاً- فعميت، أو عالج الأذن فصمت، أو عالج يداً فشلت، أو عالج لساناً فشل، أو ضرساً فانقلعت الأضراس، أو ما أشبه ذلك؛ فلا ضمان عليه إذا عرف حذقه، وأما إذا كان غير حاذق، فإنه يضمن، وقد ورد في ذلك حديث: (من تطبب ولم يعرف بطبٍ فهو ضامن) أي: إذا كان ليس أهلاً للتطبب -أي: ليس أهلاً للعلاج-، وليس معه مؤهلات العلاج، وعالج عيناً أو صدراً أو ظهراً أو يداً أو قدماً؛ فحصل شلل أو حصل فقد حاسةٍ كبصر أو كلام أو شم، أو فقد عضواً كعين أو أصبع، فإنه يضمن. قوله: (وبيطار) أي: وكذلك: البيطار: وهو الطبيب الذي يعالج الدواب، فهناك من يتخصصون في علاج البقر أو الإبل أو الخيل، ومنهم من يكون حاذقاً مجرباً عارفاً، وقد يحصل أن الشاة التي عالجها تموت -مثلاً- أو أن الفرس تتعيب بسبب علاجه، فلا يضمن إذا كان حاذقاً معروفاً، بشرط أن يأذن له في العلاج الولي أو إنسان مكلف، فلو أن البيطار تطبب في طفل -ولو كان حاذقاً- ولم يأذن وليه، فإنه يضمن؛ وذلك لأنه لا يحق له أن يعالج بغير إذن الولي. أما إذا كان المريض مكلفاً حراً، بالغاً رشيداً، وطلب من الطبيب أن يعالجه، فإنه يعتبر علاجه مأذوناً فيه، فلا يضمن الطبيب. وهكذا كل من يعمل عملاً مأذوناً فيه، -فمثلاً- الختّان لو عرف بحذقه، وقطع بعض الذكر خطأ؛ فلا يضمن إذا كان حاذقاً. والحلاق إذا جرح الرأس، وحصل تسممٌ في تلك الجروح أو حصل الموت؛ فإنه لا يضمن إذا كان معروفاً بإحسان الصنعة. وكذلك: لو خرج في الإنسان -مثلاً- خراج -وهي القروح والبثور التي تكون في البدن- ثم تطبب طبيب وشق الجلد ليشق تلك الخروق، فتسمم الجرح؛ فإنه لا يضمن إذا كان من أهل الحذق. ثم اشترط المصنف أيضاً شرطاً فقال: (ولم تجن أيديهم) أي: أما إذا جنت اليد -يعني: تعدت- فإنه يضمن، فمثلاً: الحجام معروف أنه بحجامته يجرح جروحاً يسيرة، ولكن لو أنه بالغ في الجرح، فشق الجلد إلى أن وصل -مثلاً- إلى العظم، فهذه جناية مضمونة، وكذلك الطبيب والبيطار لو قدر -مثلاً- أنه عمل جناية فيها شيء من التعدي فإنه يضمن. يقول: (ولا راعٍ ما لم يتعدَ أو يفرط) الراعي: راعي الغنم أو البقر أو الإبل أجير خاص يعمل بالأجرة، فلا يضمن، فلو عدى الذئب -مثلاً- وافترس شاةً فلا يضمن. وكذلك: لو جاء إليه لصوص وغصبوه فأخذوا من الدواب شيئاً، ولم يقدر على مقاومتهم؛ فإنه لا يضمن، أما إذا تعدى أو فرّط فإنه يضمن. وقد عرفنا أن التعدي هو: الاستعمال، وأن التفريط هو: الإهمال، فإذا تعدى بأن ربط شاةً ليحلبها فجاء السبع ولم تستطع الهرب، فإنه يضمن؛ لأنه قيدها. وكذلك: لو حمل على البعير أكثر مما يطيق فعقر فإنه يضمن، وهكذا: لو فرط بأن نام وضاعت الدواب، أو غفل وتركها تذهب فضاعت أو افترست فإنه يضمن؛ لأن هذا تفريط.

стр. 1014

الأجير العام يضمن ما جنت يده الأجير المشترك: هو الذي يعمل لأكثر من واحد، فهذا يشترك الناس في منفعته، مثل: الخياطين، فالخياط: يأتيه هذا بثوبه، وهذا بسراويل، وهذا بقلنسوة، وهذا بفنيلة، وهذا بكوت، فيعمل لعدد، وأجرة الثوب بكذا، وأجرة السراويل بكذا، وأجرة القلنسوة بكذا. ومثله أيضاً: الغسال: يأتيه هذا بثيابه ليغسلها، وهذا بعمائمه، وهذا بسراويله، وهذا وهذا فيشترك في نفعه أكثر من واحد. ومثله: كل من يعملون بالأجرة كالدباغين والخرازين، فيأتي هذا بجلده ليخرزه دبةً، وهذا ليخرزه سقاءً، وهذا ليخرزه جراباً، وكذلك الحذَّاء الذي يعمل الأحذية، يأتيه هذا بجلد فيقول: اعمل لي حذاء، وهذا وهذا وكذلك: الخبازون: يأتيه هذا -مثلاً- بعجينه ليخبزه، وهذا بعجينه ليخبزه، وهكذا وكذلك الطحانون: يأتيه هذا بحنطته، وهذا بكيسه، ويسمى هؤلاء مشتركين، فالأجير المشترك هو الذي يشترك في منفعته أكثر من واحد، والأجير المشترك يضمن ما تلف بفعله، فلو أنه مزق الثوب لما فصله، أخذ يشقه بالمقراض من هنا ومن هنا، فأصبح غير صالح؛ فإنه يضمن. وكذلك: لو أحرق الخبز، أهمله -مثلاً- وأحرقه، ولم يعد يصلح للأكل؛ فإنه يضمن، وهكذا الجزارون، والطباخون، إذا طبخ -مثلاً- وأضاعه، فإنه يضمن. وكثيراً ما نسمع: أن إنساناً يأتيه بخروف فيقول: اذبحه واطبخه، ثم يأتيه آخر، فيعطيه خروفك خطأً، ويضيع عليك طعامك، أو يخطئ فيعطي لهذا ذبيحة هذا، وذبيحة هذا للآخر؛ فإنه يضمن والحال هذه، وهكذا لو طبخه، ولكنه أخطأ في طبخه إما بأن تركه نيئاً، وإما بأن أحرقه، وبقي غير مستساغ؛ فيضمن والحال هذه، ويسمى هذا: أجيراً مشتركاً. وكذلك أصحاب الورش: إذا استأجره ليصلح سيارته، ولكنه خربها؛ بأن ركب فيها ما ليس بصالحٍ أو استعملها للنظر؛ فتلف منها شيء من الأدوات بفعله، فإنه يضمن، وهكذا: بقية العمال الذين يعملون بالأجرة في أماكنهم. فالحاصل: أن هذا يسمى أجيراً مشتركاً، فما تلف بفعله فإنه يضمنه، وإذا أفسد -مثلاً- الجلد الذي يدبغه أو الذي يخرزه فإنه يضمنه، أما ما تلف من حرزه فإنه لا يضمنه، فلو احترق دكان الخياط فإننا لا نضمِّنه جميع ما احترق؛ لأنه ما فرط، أو جاءه لصوص وسرقوا ما فيه، فإنه لا يضمن. مثلاً: احترقت الورشة وفيها سيارات، فأصحابها لا يضمنون، ولكن هل يعطون الأجرة؟ لا أجرة لهم؛ لأنهم لا يستحقون الأجرة إلا إذا سلَّم العين التي استؤجر لأجلها، وهاهنا ما سلم الثوب -مثلاً- بل احترق أو سرق قبل أن يغسله أو قبل أن يخيطه، أو احترق المخبز كله، واحترقت ماكنة الطحان؛ فلا يضمن، ولكن لا يستحق أجرة. وقد عرفوا الأجير الخاص بأنه: من قدر نفعه بالزمن، والمشترك: من قدر نفعه بالعمل، فمن قدر نفعه بالزمن فإنه أجير خاص، كأن يقول المستأجر: لك في الشهر ألف، فهذا يسمى أجيراً خاصاً. وأما المشترك فيقدر نفعه بالعمل: يعني: كل ما خطت الثوب فلك كذا، وكلما غسلته فلك كذا، وكل سيارة تصلحها فلك كذا، أو هذه السيارة إصلاحها أو غسيلها بعشرة أو مائة، فيقدر نفعه بالعمل. ومثله أيضاً: من يعمل عملاً بدون تحديد مدة، فإذا قلت مثلاً: لك على هذا الحائط مائة، سواء عَمَرَهُ في يوم أو في شهر، فإن هذا مقدر نفعه بالعمل.

стр. 1015

أجرة الأجير تجب بالعقد ما لم تؤجل قال المصنف ﵀: (وتجب الأجرة بالعقد ما لم تؤجل) أي: أجرة العامل يستحقها بالعقد، هذا هو الأصل، فإذا تعاقد اثنان على حفر هذه البئر، أو على بناء هذا الجدار، أو على خياطة هذا الثوب، أو إصلاح هذه السيارة، أو على سكنى هذه الدار، فإن هذا العقد يستحق به الأجرة من حين يتم العقد، وتجب الأجرة بالعقد ما لم تؤجل أو تقدر، فالمسلمون على شروطهم. وفي هذه الأزمنة في هذه البلاد العادة أنه إذا استأجر داراً دفع نصف الأجرة مقدماً، والنصف الثاني بعد نصف سنة، يعني: في مبدأ النصف الثاني يسلم نصف الأجرة المتبقية، وأصبح هذا عرفاً، وفي بعض البلاد يدفع أجرة السنة كلها مقدماً قبل أن يستلم الدار، وهذا هو الأقرب: أنه يملك المالك الأجرة بنفس العقد، وإن اتفقا على أن يؤجره، ويعطيه كل شهر قسطاً جاز ذلك، وإن منعه وقال: لا أعطيك حتى تنتهي من العمل مخافة التهاون والتأخير فله ذلك، فيقول للأجير المشترك: تخيط هذا الثوب في يومين، فقال: أعطني الأجرة، فقال: أخشى إذا أعطيتك أن تتساهل ويبقى عندك الثوب أسبوعاً أو عشرة أيام، فأمسكها عندي حتى تنتهي منه بسرعة، أو نجارة هذا الباب، أو إصلاح هذا الباب من حديد، أو هذه النافذة -مثلاً- في أربعة أيام، فإذا منعه من الأجرة حتى ينهي العمل، وقال له: لا أسلمك الأجرة مخافة التساهل فله ذلك. والحاصل: أن الأجرة تملك في الأصل بالعقد ما لم تؤجل، وإن كان مقدراً بالعمل فإنها تكون عند نهاية العمل، وقد قال ﷺ : (أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه) ؛ وذلك لأنه عرق جبينه؛ ولأنه عمل يديه، فلا يجوز تأخير أجرته عنه، ونسمع أن كثيراً من أهل المؤسسات ونحوهم يؤخرون أجرة العمال، فيستأجر بعضهم كل عامل بستمائة أو ثمانمائة ليعملون له، ثم يمضي عليهم شهران وثلاثة أشهر أو خمسة أشهر وربما أكثر وهو لا يعطيهم أجرتهم، وربما يعطيهم كل شهر -مثلاً- خمسين ريالاً، ويقول: لحاجاتكم الضرورية، وإذا قيل له: لماذا لا تعطيهم؟ يقول: أخشى أن يهربوا، إنهم جاءوا على كفالتي وتحت مسئوليتي، وقد يجدون من يغريهم، ويقول: أنا أعطيكم في الشهر ألف ريال أو أكثر، فيأخذهم علي، ويعملون عنده بدون رخصة، فأنا أحبس الأجرة، فهل هذا يجوز؟! الجواب هذا حرامٌ عليك، فأنت تعرف أنهم فقراء، وما جاءوا إلا لفقرهم وحاجتهم، وقد يكون وراءهم أرامل وعوائل وذريات بحاجةٍ إلى من ينفق عليهم، وقد يكونون أيضاً: مدينين، فبعضهم يستدين حتى يأتي إلى هذه البلاد، وربما يستدين ألفاً أو خمسة آلاف حتى يعطيها لصاحب المكتب، فحرامٌ عليكم أن تؤخروا أجرتهم وأنتم تعلمون حاجتهم، وإذا هربوا فإنهم لا يقدرون على العمل، فجوازاتهم عندكم قد أمسكتموها، لا يقدرون على الهرب ولا على السفر إلا بها، وقد منعت الحكومة أن يعمل أحد عند غير كفيله، ومن عثر عليه وهو يعمل عند غير كفيله فإنه يستحق الجزاء، فلذلك أنت آمن من أن يهربوا، وأنت ظالم لتأخير أجرتهم عنهم، بل أعطهم أجرتهم شهرياً كما هو الاتفاق بينك وبينهم.

стр. 1016

لا ضمان على مستئجر إلا بتعدٍ أو تفريط قال المصنف ﵀: (ولا ضمان على مستئجر إلا بتعد أو تفريط، والقول قوله في نفيهما) : العين المستأجرة أمانة عند المستئجر، فإذا تلفت فإنه لا يضمنها، فإذا استأجر ثوباً ليلبسه فتلف فلا يضمنه، أو حذاءً ليلبسه، أو قدراً ليطبخ فيه، أو مسحاةً ليحفر بها، أو سكيناً ليقطع بها، أو فأساً ليقطع بها شجراً، أو موساً ليحلق به، فكل هذا أمانةٌ في يديه، فإذا تلف فلا ضمان عليه إلا بتعدٍ أو تفريط. والتعدي هو: الاستعمال، والتفريط هو: الإهمال، فإذا استعمل -مثلاً- السكين في غير ما استعملت له، فأخذ يقطع بها خشباً أو يقطع بها حجارة فإنه يضمن، وكذلك الفأس إذا استأجره ليقطع به الشجر، ولكنه أخذ يقطع به حجارة، فتكسر فإنه يضمن؛ لأن هذا تعدٍ، وكذلك الإهمال: إذا أهمل الفأس أو المسحاة -مثلاً- في الطريق؛ فسرقت، فإنه يضمن. (والقول قوله في نفيهما) فيحلف أنني ما فرطت وأنني لم أتعدَ. وهنا نهاية باب الإجارة، والفصل الذي بعده، يقال له: باب السبق أو السباق.

стр. 1017

باب المسابقة لماذا جعلت المسابقة مع المعاملات؟ بعض العلماء يجعلها مع الجهاد؛ لأنها تدرب على الجهاد، ولكن لما كان بعضها فيه عوض؛ جعلت هاهنا ليعلم متى يحل العوض ومتى لا يحل. والسَبْقُ: هو المسابقة، والسَبَقُ: هو العوض أي: الجائزة التي تدفع للسابق، وتسمى: سَبَقْاً، والمسابقة: تجوز على الأقدام، فيتسابق اثنان على قدميهما ليعلم من هو السابق منهما.

стр. 1018

مشروعية المسابقة ورد في حديثٍ عن عائشة ﵂ قالت: (سابقت رسول الله ﷺ فسبقته، فلما ركبني اللحم سابقته فسبقني، فقال: هذه بتلك) ، وكان ذلك في غزوة من الغزوات، وفي ليلة من الليالي، وكانوا منفردين في مكان بعيد عن الجيش، فأخذ يتدرب، وهذا يدل على حسن العشرة مع الزوجة، وأنه جاراها هذه المجاراة بالمسابقة على الأقدام في العدو. وكذلك أيضاً: المصارعة؛ فكون أحدهما يجاهد نفسه أن يصرع الآخر فيه أيضاً: تدرب على النشاط والقوة، وفي بعض الأحاديث: أنه ﵊ صارع رجلاً يقال له: ركانة، فالمصارعة فيها اختبار القوة والنشاط، كما أن المسابقة فيها التدرب على سرعة الجري على الأقدام. وكذلك أيضاً: المسابقة على السفن البحرية، فقد تكون إحداهما أقوى جرياً من الأخرى، فيتجارى اثنتان، وينظر أيهما أسبق، وكانت السفن قديماً تجري بالرياح، وإذا سكنت الرياح سكنت في البحر كما قال تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُسْكِنْ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ﴾ [الشورى:٣٣] ، وأما في هذه الأزمنة فالمراكب البحرية فيها مكائن تدفعها فتندفع بها في لجة البحر، وقد يكون بعضها أقوى من بعض، وأسرع سيراً، فيجوز السباق على السفن والمراكب البحرية والمزاريق، والمزراق زورق يكون في البحر، وهو مركب صغير، يركب فيه أربعة أو خمسة، ثم يجعلون له مثل الخرقة تدفعها الريح، فالزورق من المراكب البحرية. وكذلك أيضاً: السباق على الحيوانات: فيصح السباق على الإبل والخيل والبغال والحمر، وهي جميعها تركب ويتسابق عليها، والحكمة من ذلك تدريبها على سرعة السير. ولا يجوز السباق بعوض إلا في ثلاثة: الإبل والخيل والسهام، وفي حديث ابن عمر: (أن النبي ﷺ سابق بين الخيل المضمرة والخيل التي لم تضمر، وكان ابن عمر فيمن سابق) ، فقد كانوا يضمرون الخيل. يعني: يطعمونها طعاماً كاملاً نحو ثلاثة أشهر أو أربعة أشهر حتى تسمن وتقوى، ثم يقطعون العلف عنها ثلاثة أيام حتى يخف ما في بطنها، ثم يطعمونها شيئاً يدفع عنها الجوع، فتصير خفيفةً وقويةً، وإذا انطلقت فقد تجري نحو اثني عشر ميلاً، والميل: قريب كيلوين إلا ربع، والخيل التي لم تضمر لا تجري إلا نحو ثلاثة كيلو أو أقل ثم تقف. والحاصل: أنه سابق بين الخيل، فدل على صحة السباق، والحكمة من ذلك: تدريبها على السير؛ وذلك لأنه يقاتل عليها، فإذا كانت قد تدربت فإن صاحبها الذي ركبها يجريها حتى تصل إلى ما يريد أن تجري فيه حتى تلحق الأعداء، وحتى تدرك الأعداء الهاربين، ففي ذلك تدريب لها. وكذلك الإبل يسابق عليها، ويجوز العوض لمن سبق، فمن سبق على بعيره فله هذا العوض الذي هو مائة أو ألف أو جوهرة أو كذا وكذا. وكذلك السهام، فالسهام هي الرمي، ومعلوم أن تعلم الرمي سنة، وقد ثبت أنه ﷺ قال: (ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان رامياً) ، فيسن تعلم الرمي، وفسر النبي ﷺ قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال:٦٠] فقال: (ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي) . يعني: من جملة القوة تعلم الرمي، وكان الرمي قديماً بالسهام، والسهم ينحت من عود سَلَم، أو سَمُر، ويجعلون له رأساً محدداً، ثم يجعل في القوس، ويرمى به فيذهب نحو مائتي ذراع أو ثلاثمائة على الأكثر، ويرمي الرمية فينفذ فيها، فيتدرب على الرمي، ومثله أيضاً: الأسلحة الجديدة.

стр. 1019

شروط المسابقة ذكروا في المسابقة شروطاً: الشرط الأول: تعيين المركوبين، بأن يقول: يكون السباق على هذه الفرس وهذه الفرس، فرسك الفلانية وفرسي الفلانية. الشرط الثاني: اتحادهما؛ وذلك لأن الخيل تنقسم إلى أقسام: الخيل العربية: وهو الذي أبوه وأمه من الخيل العربية، وما يسمى (بالبراذين) وهو الذي أحد أبويه ليس بعربي، فلابد أن يكونا عربيين أو من غيرهما، فلابد من اتحادهما. الشرط الثالث: تحديد المسافة: أن يكون بدء السباق من هذا المكان، ونهايته إلى ذلك المكان. الشرط الرابع: العلم بالعوض: أن يعين العوض: وهو أن يقول: من سبق فله -مثلاً- مائة أو ألف الشرط الخامس: لابد أن يكون العوض مباحاً، فلا يقول: من سبق فله زق خمر -مثلاً- أو شيء مغصوب أو نحو ذلك الشرط السادس: ألا يكون شبيهاً بالقمار، والقمار هو الميسر، وهو أن يكون هناك شبه لعب، ويكون من قمر أخاه أخذ منه مالاً بغير حق، فاللعب بالبلوت وبالأوراق أو ما أشبه ذلك العوض الذي يؤخذ عليه حرام ملحق بالميسر. الشرط السابع: تعيين الرماة: الرمي يكون من فلان وفلان، ولابد من تعيين الأقواس التي يرمى بها، أو السلاح الذي يرمى به -السلاح الجديد-، فكل ذلك مما يشترط في المسابقة.

стр. 1020

الأسئلة
следующие страницы →