Полный текст (2 153 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
وقت التيمم
متى يجوز التيمم؟ يجوز بعد دخول الوقت، فلا يتيمم قبله، فلا يتيمم لصلاة الفجر قبل طلوع الفجر، ولا يتيمم لصلاة الظهر قبل الزوال، ولا للمغرب قبل الغروب، ولا للعشاء قبل غروب الشفق، بل لابد أن يكون التيمم بعد دخول الوقت؛ وذلك لأنها استباحة عبادة؛ لهذا فلا يتيمم إلا بعد ما يدخل الوقت، وإذا كان يصلي غير الفرض فلا يتيمم إلا بعد ما يباح الفرض، مثلاً: إذا طلعت الشمس انتقض تيممه لصلاة الفجر، فإذا أراد أن يصلي صلاة الإشراق فيتيمم إذا أبيحت النافلة، وهي تباح إذا خرج وقت النهي بعد ارتفاع الشمس قيد رمح، ويقدر ذلك بربع ساعة أو بنحو عشر دقائق بعد طلوع الشمس، فإذا أبيحت النافلة تيمم لها.
стр. 72
الذي لا يجد ماءً كافياً لغسل جميع أعضائه يتيمم للباقي
من وجد ماء لا يكفي لطهارته كلها استعمله وتيمم للباقي، وجد ماء قليلاً ملء الكأس، فغسل به وجهه، وغسل به ذراعيه، وانتهى الماء، فيتيمم عن الباقي، أي: عن مسح الرأس وغسل الرجلين؛ وذلك لأنه وجد ماء فاستعمله فانتهى ذلك الماء قبل تكميل الطهارة فيتيمم للباقي.
وهل يتيمم قبل أن تنشف أعضاؤه؟ الصحيح: أنه يتيمم بعد ما تنشف أعضاؤه؛ لأنه سيتلوث بالتراب إذا تيمم ويده رطبة.
стр. 73
تحديد وقت التيمم للجرح
إذا كان فيه جرح فمتى يتيمم للجرح؟ قيل: عند غسله إن لم يمكن مسحه بالماء، وهذا قد يكون فيه مشقة، وصورة كلامهم: أنه إذا كان الجرح مثلاً في يده اليسرى في الذراع، وعليه لصوق أو نحوه، فيبدأ فيغسل وجهه مع المضمضة والاستنشاق، ثم يغسل يده اليمنى، ثم يغسل الكف اليسرى، ويغسل ما يقدر عليه من ذراعه اليسرى كالمرفق ونحو ذلك، ويبقى هذا الجرح الذي لا يقدر على مسحه، وإذا مسحه قد يتضرر، فيتيمم له في هذه الحال قبل مسح الرأس، فإذا تيمم له كمّل الوضوء، فمسح على رأسه وغسل رجليه، هذا معنى تيممه للجرح عند غسله؛ لأن هذا من الترتيب.
لكن قد يشق عليه أن يتيمم وقت وضوئه، وقد يكون التراب الذي حوله غير صالح، وقد يتوضأ في داخل الحمام، والحمام مبلط أو نحوه، فالأقرب أنه إذا انتهى من وضوئه كله تيمم لهذا الجرح، أما إذا قدر على مسحه فإنه يمسحه، فيبل يده ثم يمسح الجرح إذا كان بارداً، فإن كان عليه شاشة أو جبيرة مسح عليها وكفى، وتقدم أنها إذا كانت زائدة عن قدر حاجته فيتيمم عن الزائد، وإذا كان فيه جرح فيغسل أعضاءه الصحيحة، فإذا كان الجرح -مثلاً- في وسط الذراع غسل الكف، وغسل أول الساعد وغسل المرفق، ويبقى الوسط الذي فيه هذا الجرح أو فيه هذه الجبيرة، فهذا هو الذي يتيمم له.
стр. 74
اشتراط طلب الماء قبل التيمم
قوله: (طلب الماء شرط) يعني: لازم أن يطلبه، والصحيح: أنه إذا علم أنه ليس حوله الماء، فإنه لا يلزمه الطلب، وهم يقولون: إذا دخل الوقت فإنه يمد نظره من هنا ومن هنا، ويمشي قليلاً ويسأل، فإذا رأى -مثلاً- خضرة تدل على إمكان أن يكون هناك ماء أو ما أشبه ذلك ذهب إليها، هذا طلب الماء.
ولعل الأولى أنه إذا كان متحققاً أن الأرض قاحلة ليس فيها ماء تيمم، وإن لم يطلبه، فإن نسي قدرته عليه وتيمم أعاد، مثلاً إنسان تيمم في صحراء وهو يعلم أن فيها ماء، وأن هناك عيناً أو بئراً أو (ماكنة) قريبة منه، فتيمم لأنه فقد علم مكانها، ونسي القدرة على الماء، فإنه يعيد؛ لأنه فرط.
стр. 75
فروض التيمم
فروض التيمم اثنان: مسح الوجه، ومسح الكفين، أما فروض الوضوء التي تغسل فأربعة، ومسح اليدين يكون إلى الكوع عند الحنابلة، والكوع هو: المفصل الذي بين الكف والذراع، فمفصل الكف من الذراع يُسمى كوعاً، ومفصل الذراع من العضد يُسمى مرفقاً، والمسح إلى المرفقين مختلف فيه، والشافعية قالوا: يمسح إلى المرفق؛ لأن المسح بدل الغسل، واستدل الحنابلة بحديث عمار بن ياسر: أنه يكفي مسح الكفين فقط، ولكن لابد من مسح بطونها وظهورها وتخليل الأصابع؛ لأن الله قال: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً﴾ [النساء:٤٣] ولم يذكر حداً، ولم يقل: إلى المرافق، ولا إلى الآباط، فاليد عند الإطلاق تطلق على الكف؛ وذلك لأنها هي التي تعمل، كما في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [آل عمران:١٨٢] ، والذراع لا يعمل غالباً، فتكون اليد هي الكف، ولقوله: ﴿تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ﴾ [المائدة:٣٣] ، والسارق تقطع يده من الكوع، والدليل الذي يستدل به الشافعية على أن المسح إلى المرفق ضعيف لا يصح، وهو مروي في سنن الدارقطني: (التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين) ولكنه ضعيف.
وإذا كان التيمم بدلاً عن الوضوء فلابد فيه من الترتيب والموالاة، ويقولون: يجب الترتيب والموالاة إذا كان التيمم عن حدث أصغر، فإذا كان التيمم لرفع حدث أصغر -مثلاً- لأجل خروج الريح، أو لأجل بول أو لأجل أكل لحم إبل، أو نحو ذلك؛ فيكون أركانه وفروضه أربعة: مسح الوجه، ومسح الكفين، والترتيب، والموالاة، أما إذا كان عن حدث أكبر فلا يشترط ترتيب ولا موالاة؛ لأنهما لا يشترطان في أصله، فالغسل لا يشترط فيه الترتيب، ولا يشترط فيه الموالاة، فلو غسل أعلى جسده إلى بطنه في أول الليل، وغسل بقيته من بطنه فما تحت في آخر الليل أجزأ، يعني: لا تشترط فيه الموالاة، وكذلك لو بدأ بالاغتسال برجليه ثم بساقيه ثم بفخذيه ثم بحقويه ثم ببطنه وصدره ثم برأسه أجزأ؛ لأنه لا يشترط فيه ترتيب، فيقولون: إذا كان التيمم بدل الحدث الأصغر فلابد من ترتيب وموالاة، وإذا كان بدل الحدث الأكبر فلا حاجة إلى موالاة ولا ترتيب.
ولعل الأقرب: أنه يلزم الترتيب والموالاة في الأمرين؛ وذلك لأنه ليس فيه كلفة، فهما في مقام واحد، فيضرب الأرض ثم يمسح الوجه ثم يمسح اليدين لعموم قوله ﷺ : (ابدءوا بما بدأ الله به) ، فالله بدأ بالوجه فقال: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [النساء:٤٣] ، فهو قدم الوجه فنقدمه كما في الوضوء.
وكون الإنسان يضرب بيديه الأرض ثم يمسح وجهه، ثم بعد ساعة أو نصف ساعة يضرب ويمسح يديه هذا خلاف المعتاد، فالتيمم عبادة واحدة فلا يفرقها، لا في أكبر ولا في أصغر.
стр. 76
اشتراط النية في التيمم
النية شرط للغسل لكل حدث، ونية الاستباحة شرط لما يتيمم له، ومعنى ذلك: أنه يجب أن ينوي بتيممه هذا صلاة الظهر مثلاً، وإذا كان في الضحى نوى بالتيمم صلاة الضحى، فينوي الصلاة التي يتيمم لها، ويدخل في هذا التيمم بقية العبادات، وإذا تيمم للظهر جاز له أن يصلي ركعتين قبلها، وركعتين بعدها مثلاً، وأن يمس المصحف، يعني: أن حدثه ارتفع بالتيمم.
ويقولون: إذا تيمم لنفل لم يصل به فرضاً، وصورة ذلك: إذا أصبح إنسان وتيمم لأجل أن يصلي صلاة الضحى، وتذكر بعد ذلك أنه لم يصل الفجر أو العشاء، فهل يصليها بهذا التيمم الذي تيممه لنية الضحى، ولنية التطوع أو يتيمم له تيمماً جديداً؟ عند الفقهاء أنه يتيمم له تيمماً جديداً؛ لأنه تيمم لنافلة فلا يصلي بها الفريضة، وهذا على القول بأن التيمم مبيح، ولعل الأقرب: أنه رافع، فالتيمم قيل: إنه يرفع الحدث رفعاً مؤقتاً، وقيل: إنه لا يرفع الحدث، والحدث باق، ولكنه يبيح العبادة، وإذا قيل: إنه مبيح فمن تيمم لنافلة لم يصل فرضاً، وإذا قلنا: إنه رافع -ولعله الأقرب- فإنه يصلي فروضاً ونوافل، ولو كانت نيته أن يصلي صلاة نافلة كالضحى؛ وذلك لأنه ارتفع حدثه، فإذا ارتفع فلا يعود إلا بموجب.
قوله: (إذا نوى نفلاً أو أطلق) أي: لم ينو نفلاً ولا فرضاً، بل تيمم بالإطلاق، وقد عرفنا أن الصحيح: أنه إذا تيمم لنافلة صلى بها فرضاً.
стр. 77
مبطلات التيمم
يبطل التيمم بخروج الوقت، هذا هو المشهور؛ وذلك لأنه حدد الوقت، فإذا تيممت لصلاة العصر وغربت الشمس وأنت على تيممك، ولم تأت بناقض من نواقض الوضوء؛ فجدد التيمم للمغرب، وإذا تيممت للمغرب وأنت لا تجمع، وجاء وقت العشاء؛ فجدد التيمم للعشاء، وهكذا، فيبطل التيمم بخروج الوقت؛ وذلك لأنه طهارة ضرورية تحدد بقدرها.
وكذلك يبطل بمبطلات الوضوء، يعني: بخروج ريح، أو ببول، أو بغائط، أو بخروج دم، أو بأكل لحم الإبل، أو نحو ذلك مما يبطل الوضوء.
ويبطل أيضاً بوجود الماء؛ لأنه محدد بفقد الماء، فإذا وجد الماء -وكان التيمم لأجل فقده- فإنه يبطل، فإذا حضر الماء بطل التيمم، كما يُضرب ذلك مثلاً.
واختلف فيما إذا وجد الماء وهو في الصلاة، هل يستمر في صلاته أو يقطعها؟ الأكثرون على أنه يقطعها، وبعضهم قال: إنه يستمر فيها؛ لأنه دخلها بطهارة، ولم يوجد ما يبطل هذه الطهارة، وعلى هذا إن استمر فلا بأس، ولكن الأولى أن يقطعها ويتوضأ.
стр. 78
استحباب تأخير الصلاة لراجي الماء
قوله: (وسن لراجي الماء تأخير لآخر وقت مختار) يعني: راجي الماء، فله تأخير التيمم إلى آخر الوقت المختار، ووقت الصلاة ينقسم إلى قسمين: وقت اختيار، ووقت ضرورة، فوقت الاختيار في صلاة الظهر إلى أن يصير ظل كل شيء مثله، فإذا كنت -مثلاً- تسير في الطريق، ووقت العصر يدخل في الساعة الثانية والثلث، وأنت تمشي ويمكن أنك تصل إلى الماء بعد ساعة قبل أن يخرج الوقت، وقبل أن يصل ظل الشيء مثليه، فالأولى أن تؤخره -أي: العصر- إلى الساعة الرابعة والثلث مثلاً، والأولى أن تؤخر التيمم؛ لأنك ترجو أن تصل إلى الماء، أو أرسلت من يأتي بالماء وتنتظره، فإن خفت أن يخرج وقت الاختيار فلك أن تتيمم، كذلك مثلاً إذا أرسل جماعة وارداً ثم أملوا أنه يأتيهم بماء قبل خروج وقت الاختيار فإنهم ينتظرونه، حتى يؤدوا الصلاة بماء.
стр. 79
صلاة فاقد الطهورين
قوله: (من عدم الماء والتراب أو لم يمكن استعمالهما صلى الفرض فقط على حسب حاله ولا إعادة) يعني: من عدم الماء والتراب مثل المحبوس ونحوه، فقد لا يجد ماءً ولا تراباً في هذه الحال، فهو معذور إذا صلى بدون وضوء ولا تيمم، ولكن إذا تيسر له أن يتيمم على البلاط ونحوه فهو أفضل، وفي هذه الحالة يقولون: يقتصر على الفرض، فلا يصلي نوافل؛ لأن طهارته ناقصة، وكذلك أيضاً يقتصر على المجزئ فيقرأ الفاتحة فقط، ولا يقرأ معها سورة، ويقتصر من التسبيح على (سبحان ربي العظيم) مرة واحدة، و (سبحان ربي الأعلى) مرة واحدة، هكذا قالوا، ولعل الصواب: أنه يصلي صلاة كاملة، وأنه يصلي نوافل؛ وذلك لأنه معذور لفقد التراب، ولا إعادة عليه.
قوله: (ولا يقرأ في غير صلاة إن كان جنباً) إذا كان جنباً ولم يجد ماء ولا تراباً وصلى فإنه يقرأ في الصلاة، ولا يقرأ خارج الصلاة.
стр. 80
إزالة النجاسة
النجاسة مثل الدم، والبول، والغائط، والقيء، والخمر، والصديد، والميتة لحمها وما يتعلق بها، ولعاب الكلب، ونحو ذلك، هذه تُسمى (نجاسات) أي: نجاسات عينية، ويشترط للصلاة إزالة النجاسة وتجنبها، ومن صلى وعليه نجاسة لم تصح صلاته إذا كان قادراً على إزالتها.
والنجاسة إما أن تكون على الأرض أو على الثوب أو على الإناء أو على البدن، فإذا كانت على الأرض أو على ما اتصل بالأرض كالبلاط مثلاً، أو الفراش الملتصق بالأرض الذي لا يمكن رفعه، أو على الجدران ونحوها، فلا تطهر إلا بزوال عين النجاسة وغسل أثرها بالماء، وقد جاء أنه ﷺ اكتفى بتطهير نجاسة بول الإعرابي بصب الماء عليها، أمر بدلو من ماء فأمر بصبه عليها، ومن المعلوم أن الدلو يكاثرها كثيراً فترطب، فإذا كان لها جرم كالبول والغائط فلابد من زوال جرمها، وزوال حمرة الدم مثلاً أو صفرته أو صفرة القيح والصديد، فإذا زال جرمها وأثرها طهر المكان، ولا حاجة إلى عدد.
стр. 81
حكم بول الغلام
قوله: (وبول غلام لم يأكل الطعام بشهوة) أي: يكتفى بصب الماء عليه دون فرك وتكرار، وأما إذا أكل الطعام بشهوة فإنه يغسل كغيره حتى يزول أثره، بخلاف بول الأنثى ولولم تأكل الطعام، وبخلاف غائط الصغير فإنه يغسل، والرخصة والتخفيف إنما هي في بوله بشرط أنه لم يشته الطعام.
وألحقوا قيئه ببوله، يعني: إذا تقيأ الصغير لبناً فإنه أيضاً يغمر بالماء، يعني: يكاثر بالماء ويصب عليه صباً من دون دلك، أما بقية النجاسات فيشترط لها سبع غسلات، واستدلوا بحديث روي عن ابن عمر: (أمرنا بغسل الأنجاس سبعاً) ولكن الحديث غير معروف، والصحيح: أن جميع النجاسات لا يشترط لغسلها عدد، بل الحكم واحد، فإذا زالت عين النجاسة بالماء اكتفي بذلك، دون إعادة، وذلك لأنها لو لم تزل بالسبع لزيد حتى تزول، فلو لم يزل أثر الدم أو الغائط بسبع غسلات فيغسل ثمانياً أو تسعاً أو نحو ذلك حتى يزول أثره؛ وذلك لأن القصد إزالة أثرها، وبه تطهر.
стр. 82
نجاسة الكلب
نجاسة الكلب ورد في غسلها العدد، كما في الحديث الصحيح: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعاً إحداهن بالتراب) ، وفي حديث آخر: (إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فاغسلوه سبعاً وغسلوه الثامنة بالتراب) ، والفقهاء ألحقوا به الخنزير، وذلك لنجاسته وخبثه، ولعل الصواب: أنه لا يلحق به شيء، لا يلحق به الخنزير ولا غيره، ولا الحمار ولا الأُسود ولا السباع، بل يختص الحكم بالكلب، وهذا لحكمة فيه ظهرت أخيراً، وهي أن في لعابه جراثيم خفية صغيرة لا تزول إلا بتكرار الغسل والتراب، هكذا ذكر لنا بعض المشايخ، فالخنزير ليس مثله.
ثم اختلفوا في بقية نجاسات الكلب هل تغسل سبعاً، يعني: بول الكلب وروثه هل يغسل سبعاً أو يكتفى بغسله حتى يزول أثر النجاسة؟ الأقرب: أنه لا يحتاج إلى سبع، ولا إلى تراب، بل يُغسل إلى أن يزول أثر النجاسة وعينها كسائر النجاسات، فالخنزير وبول الكلب ودمه كلها تغسل إلى أن يزول الأثر، ولا حاجة إلى التسبيع بالماء إلا في لعابه يعني: إذا شرب من الإناء.
стр. 83
حكم أثر النجاسة
إذا زالت النجاسة بعد الغسل لم يضر اللون أو الريح، وقد يبقى لونها، فيقولون: لا يضر اللون، وقد ورد أنه ﷺ سئل عن دم الحيض يصيب الثوب فقال: (تحته -يعني: لأن به جرماً حتى يتساقط ما تجمد منه- ثم تقرصه بالماء -وذلك بأن تصب عليه الماء وتدلكه جيداً برءوس الأصابع- ثم تنضحه بالماء) وفي حديث آخر أنه قال: (يكفيك الماء، ولا يضرك أثره) أي: لو بقي أثره، فلو أصاب الثوب الأبيض -مثلاً- دم من جرح أو نحوه ثم إنه غسله بالماء، ولكن بقي سواده فلا يضر، وإذا بقي شيء لا يزيله الماء فلا يشترط فيه صابون ولا مزيل، وكذلك لو بقي ريح عجز عن إزالته فلا يضر.
стр. 84
نجاسة الخمر
من النجاسات: الخمر، وقد سماها الله تعالى رجساً، والرجس هو: النجس، فكل شيء وصف بأنه رجس إذا كان من السوائل فإنه نجس العين، وسماها النبي ﷺ خبيثة بقوله: (الخمر أم الخبائث) ، فعلى هذا تكون نجسة، ولو كان أصلها طاهراً، فقد تكون مصنوعة من التمر، أو من العنب، أو من العسل، أو من الزبيب، أو من الشعير، ومع ذلك فإنها إذا كانت مسكرة فإنها نجسة، فإذا انقلبت خلاً بنفسها طهرت، فإن الخل يكون مفيداً طاهراً، يصلح إداماً، كما في الحديث (نعم الإدام الخل) كخل التمر أوخل الزبيب أو نحو ذلك، فإذا انقلبت الخمر بنفسها خلاً فإنها تطهر، وأما إذا عالجها حتى تخللت فلا تطهر؛ لأنه مأمور بإراقتها فوراً، فإذا نقلها من الظل إلى الشمس حتى تتخلل أو طبخها أو جعل فيها دواءً حتى يخللها، فإنها تبقى على نجاستها.
وقوله: (كذا دنها) يعني: ظرفها التي هي فيه، سواء كان من الجلود أو من الخشب، فإذا تخللت طهر ذلك الدن.
стр. 85
حكم الدهن الممتزج مع النجاسة
هل يطهر الدهن المتنجس المتشرب نجاسة؟
الجواب
لا يطهر؛ وذلك لأنه لا يمكن غسله، لكن الصحيح: أنه إذا وقعت به نجاسة فإنها ترفع وما حولها، ويطهر الباقي، سئل النبي ﷺ عن فأرة سقطت في سمن وماتت فقال: (ألقوها وما حولها وكلوا سمنكم) لأنها إذا ماتت فهي نجسة، فتلقى وما حولها.
واختلف هل هناك فرق بين القليل والكثير، وبين المائع والجامد؟ والصحيح: أنه لا فرق، فتلقى وما حولها ولو كان جامداً، والرواية التي فيها أنه كان جامداً غير صحيحة.
والحاصل: أنه إذا كان هناك دهنٌ متنجسٌ كله فإنه لا يطهر، وكذلك بطريق الأولى إذا كان نجس العين كشحم الميتة، فإنه يعتبر نجساً ولا يمكن تطهيره، وكذا إذا تشرب الدهن بالنجاسة وامتزجت به، فلا يمكن تطهيره.
стр. 86
الدم الطاهر والدم النجس
قوله: (يعفى في غير مائع ومطعوم عن يسير دم نجس من حيوان طاهر) يعفى عن يسير دم نجس، يعني: نطفة أو نطفتين مثلاً في الثوب أو على البدن أو على البقعة، إذا كان دم إنسان أو دم حيوان طاهر، مثل الحيوان المأكول كالإبل والبقر والدجاج ونحو ذلك، بخلاف دم من كلب أو من خنزير أو من حمار فإنه لا يعفى عن يسيره؛ لأنه نجس في الحياة، وكذا فضلاته.
ولا يعفى عن الكثير، ويعفى عن القيء اليسير وما أشبهه، فإذا كان الدم اليسير في المائعات فلا يعفى عنه، وإذا سقطت نطفة دم في الماء فلا يشرب منه ولا يُتوضأ به، بل يزال أو يُصب منه إلى أن يزول صبغها، وكذلك المطعومات لا تؤكل، فإذا وقعت النقطة أو النقطتان -مثلاً- على خبزة، فالتي وقعت عليها النقطة تزال ويزال أثرها.
يقول: (لا دم سبيل) دم السبيل مثل دم الحيض، أو الذي يخرج من الدبر، فإن نجاسته أشد، فلا يُعفى عن يسيره إلا من الحيض؛ لكونه ضرورة فيعفى عنه، والحيوانات التي ليس لها دم إذا ماتت تعتبر طاهرة مطلقاً.
стр. 87
حكم ما لا نفس له سائلة
قوله: (وما لا نفس له سائلة) النفس هنا الدم، يعني: الدابة التي ليس فيها دم يتقاطر إذا قتلت، فهي تعتبر طاهرة إذا ماتت في الطعام، أو ماتت في الماء، ويستدل على ذلك بحديث الذباب؛ فإنه أمر بغمسه، والذباب ليس له نفس سائلة، وكذا البعوض، والذر، والنمل، والفراش بأنواعه، والزنابير وأشباهها، والعقرب ونحوها، فهذه الدواب إذا ماتت فهي طاهرة؛ لأنه ليس لها دم، وألحقوا بها القمل والبراغيث، فكلها طاهرة إذا ماتت.
стр. 88
نجاسة المسكر المائع
قوله: (المسكر المائع نجس) يعني: المسكر إما أن يكون مائعاً أو غير مائع، فتختص النجاسة بالمسكر المائع، وهو الذي يُشرب، فأما غير المائع كالحبوب التي تخدر أو تسكر فهذه لا يحكم بنجاستها؛ لأنها ليست مائعة.
كذلك ميتة ما لا يؤكل من الطيور فهي نجسة، مثل الرخم، والغراب، والعقاب، والصرد، والهدهد، فهذه لا تؤكل، وإذا ماتت في الماء فلها حكم النجاسة.
стр. 89
حكم البهائم وألبانها
البهائم التي هي فوق الهرة خلقة نجسة، يعني: البهائم التي لا تؤكل كالكلب، والذئب، والسباع، والثعالب، وما أشبهها، ويعفى عن الهرة للضرورة؛ لأن سؤرها طاهر، كما ورد ذلك في الحديث، وكذلك ما يبتلى به كثيراً كالفأرة إذا خرجت ووقعت في الماء ولم تمت أو في الدهن فإنها طاهرة.
ولبن ما لا يؤكل لحمه كلبن الحُمر ولبن الكلاب نجس.
ومني كل ما لا يؤكل لحمه نجس إلا مني الآدمي فهو طاهر، ومني الآدمي فيه خلاف هل هو طاهر أم لا؟ والمشهور أنه طاهر، والاحتياط أنه إذا كان يابساً أن يفرك، فإذا وقع على الثوب مني الاحتلام وإن كان رطباً فإنه يغسل؛ لأنه ورد غسله، وورد فركه.
стр. 90
حكم بيض ما لا يؤكل لحمه
بيض ما لا يؤكل كبيض النسور وبيض الغراب والحدأة وما أشبهها نجس، وكذلك بولها وروثها، فكل ما ليس بمأكول اللحم يعتبر نجساً، وما لم يكن له دم سائل فإنه طاهر، والذي ليس له دم مثل الفراش والبعوض وما أشبهه.
стр. 91
عدم نجاسة طين الشوارع
طين الشوارع يعفى عنه، وكثيراً ما تجدون في الشوارع ماءً ومستنقعات، فالأصل فيها أنها طاهرة، وهذا يشمل كل الشوارع والمستنقعات التي فيها، فإن علمت نجاسته فهو نجس، كما يقع في بعض البلاد أن ماء البيارات يخرج على وجه الأرض، فيحكم بأنه نجس، وإلا فالأصل طهارة ما تسرب من الماء من الخزانات ونحوها ثم جرى في الأسواق والطرق.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 92
شرح أخصر المختصرات [٤]
الحيض كتبه الله على بنات حواء، فلا محيص لهن عنه، وتتعلق به أحكام كثيرة، ولذا أدخله الفقهاء في كتب الفقه، وتكلموا على مسائله وأحكامه، فعلى المسلمة أن تعلم هذه الأحكام حتى تكون على بصيرة من أمر دينها.
стр. 93
أحكام الحيض
كتاب الحيض هو آخر كتاب الطهارة، والحيض يختص بالنساء، ولكن معرفته مهمة؛ لأن طالب العلم لابد أن يعرف أحكام ما جاء في الشرع، والحيض يتعلق به كثير من الأحكام، فيتعلق به تحريم وطء الحائض في الفرج، وكذلك الاعتداد، فإذا طلقها زوجها فتكون عدتها ثلاثة قروء إذا كانت تحيض، وكذلك الرجعة في زمن العدة ويتعلق به مما يختص بالمرأة أنها لا تصوم، ولا تصلي، ولا تطوف، ولا تمس المصحف، ولا تقرأ القرآن إلا لضرورة، ولا تدخل المسجد، ولا تلبث فيه، وأحكامه وأدلته معروفة.
قوله: (لا حيض مع حمل) لا تحيض الحامل؛ لأن الدم ينصرف غذاءً للجنين، فيتغدى به الحمل ما دام في بطن أمه عن طريق سرته، فهذا الدم الذي هو دم الحيض إذا علقت المرأة بالحمل توقف خروجه، وانصرف غذاءً للجنين، فإذا ولدت خرج الدم المتبقي الزائد عن غذاء الجنين، وسُمي دم نفاس، والدم الزائد يحتبس في الرحم، فإذا انقطع دم النفاس توقف الدم، وإذا كانت ترضع ينقلب لبناً؛ ولهذا فإن المرضع لا تحيض إلا قليلاً، فبعض النساء تكون بنيتها قوية، ويكون جسدها وبدنها قوياً، وخلقتها قوية كبيرة، ودمها كثير، فتحيض ولو كانت ترضع، والغالب أنها إذا كانت ترضع من صدرها طفلها أنها لا تحيض، بل ينقلب الحيض الذي هو هذا الدم لبناً يتغذى به الولد، فإذا لم تكن حاملاً ولا مرضعاً فإن هذا الدم يجتمع في الرحم، ولا يكون له مصرف فيخرج في أوقات معينة، فإذا اجتمع في الرحم إلى حد محدد خرج بعد ذلك في أيام متتابعة، وله أحكام لابد من معرفتها.
стр. 94
بداية الحيض ونهايته
قال المصنف ﵀: (لا حيض بعد خمسين سنة) الغالب أن المرأة لا تحيض إذا تم لها خمسون سنة، ولكن قد يوجد من تحيض وهي بنت خمسين، وربما إلى خمس وخمسين، ويرجع ذلك إلى قوة البنية والجسم والبدن، فالعادية والنحيفة يتوقف حيضها في ثمان وأربعين أو تسع وأربعين أو خمسين، وغيرها قد يستمر إلى خمس وخمسين أو نحو ذلك.
وأول سن تحيض فيه المرأة وهي بنت تسع سنين، وإن كان نادراً، وسبب تبكير الحيض إلى الفتاة هو قوة البنية، فإذا كانت المرأة قوية كبيرة البدن تحيض مبكرة، وعادة أنه في الأزمنة التي تكثر فيها الخيرات، وتكثر فيها النعم، أن تشب الطفلة شباباً سريعاً، وتراها بنت تسع سنين وتعتقدها بنت خمس عشرة أو ثلاث عشرة سنة، فتحيض في سن مبكر.
стр. 95
أقل الحيض وأكثره
مدة الحيض: أقلها يوم وليلة -يعني: أقل ما وجد- ثم تطهر، وأكثر ما وجد خمسة عشر يوماً، يعني: أكثر ما وجد أنها تبقى خمسة عشر يوماً ثم تطهر، وأكثر النساء وأغلبهن ستة أيام أو سبعة أيام، هذا هو الأغلب.
стр. 96
أقل الطهر وأكثره
أقل الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يوماً، روي أن امرأة جاءت إلى علي ﵁ وقالت: إنها قد اعتدت في شهر بعدما طلقها زوجها، فأنكر ذلك زوجها، وقال له قاضيه: إن جاءت بمن يشهد لها من أهل بيتها وإلا فهي كاذبة، فدل على أنها قد تحيض في الشهر الواحد ثلاث حيضات، يعني: تحيض في يوم واحد ثم تطهر ثلاثة عشر يوماً، واليوم الخامس عشر حيض، والسادس عشر وما بعدها إلى ثمانية وعشرين طهر، والتاسع والعشرون حيض، فتحيض في تسعة وعشرين يوماً ثلاث مرات، وإن كان ذلك نادراً، فأقل الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يوماً، ولا حد لأكثره، فقد تبقى بعضهن شهرين أو خمسة أشهر ولا ترى الدم.
стр. 97
ما يحرم على الحائض والنفساء
الحائض لا تصلي ولا تصوم، بل يحرم عليها ذلك، وتقضي الصوم ولا تقضي الصلاة، كما ذكرت ذلك عائشة؛ وذلك لأن الصلاة تتكرر فيشق قضاؤها، فقد تحيض نصف الشهر فيشق عليها أن تقضي صلاة نصف شهر، أما الصيام فإنه لا يتكرر، إنما هو في السنة مرة.
ويحرم وطؤها في الفرج؛ وذلك لقوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة:٢٢٢] والمحيض: يراد به مجرى الدم (الفرج) .
ومن وطأ وأولج في الفرج وهي حائض فعليه كفارة دينار أو نصفه، ولم يثبت في ذلك حديث صحيح، والحديث المروي في ذلك يصحح العلماء أنه موقوف على ابن عباس، فلأجل ذلك ذهب بعضهم كـ شيخ الإسلام إلى أنه لا يلزمه كفارة؛ وذلك لأنه لم يثبت فيها حديث مرفوع، ولكن كونه صحيحاً ثابتاً موقوفاً عن ابن عباس، فـ ابن عباس لا يقوله برأيه ولا يتخرص، لذلك يُلزمون من وطأها في الحيض أن يكفر، وقالوا: إن كان في أول الحيض فدينار، وإن كان في آخره فنصفه، والدينار قطعة من الذهب يتعامل بها، ويقدر بأنه أربعة أسباع الجنيه السعودي، فإذا وطأ في أول الحيض تصدق بأربعة أسباع الجنيه، وإذا كان صرف الجنيه سبعمائة تصدق بأربع مائة، وإن كان في آخره تصدق بنصفه أي: مائتين.
ويجوز أن يباشرها فيما دون الفرج، فقد كان النبي ﷺ إذا حاضت المرأة من نسائه يأمرها أن تلبس إزاراً أو تجعل إزاراً فوق بطنها من السرة إلى الركبة، ويباشرها فوق ذلك، ويجوز أن يباشرها فيما دون الفرج، وإنما الممنوع هو الإيلاج في الفرج؛ لأنه محل النجاسة، قال تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة:٢٢٢] .
стр. 98
حكم المبتدئة في الحيض
تكلم العلماء عن المبتدئة -التي بدأها الحيض- ماذا تفعل أول ما يأتيها الحيض؟ قال بعضهم: تجلس أقله ثم تغتسل وتصلي، ولو كان الدم جارياً، وأقله يوم وليله؛ مخافة أن الدم الزائد دم عرق.
ثم إذا انقطع قبل خمسة عشرة يوماً اغتسلت مرة ثانية، وتفعل ذلك في ثلاثة أشهر، مثلاً: في الشهر الأول تغتسل بعد يوم، فإذا انقطع بعد خمسة أيام اغتسلت مرة ثانية، وفي الشهر الثاني كذلك تغتسل بعد يوم، ثم إذا انقطع بعد خمسة أيام مع اليوم -يعني: ستة- اغتسلت ثانية، وهكذا في الثالث، ففي الرابع تجلس الستة؛ لأنها تكررت ثلاثة أشهر، فدل على أن هذه كلها حيض.
القول الثاني: أنه لا يشترط أن تتكرر، بل حكمها حكم غيرها، فإذا رأت الدم الذي يصلح أن يكون دم حيض فلا تصلي حتى ينقطع، إلا إذا تعدى خمسة عشر يوماً؛ وذلك لأن الأصل أنه دم الحيض، وأنه لا فرق بين المبتدئة وغيرها.
وذكروا أن المبتدئة إذا أيست قبله أو لم يعد فلا قضاء عليها، مثاله: إذا اغتسلت بعد يوم، وقلنا لها: الخمسة الأيام الأخرى صلي فيها وصومي، فصامت نذراً أو قضاءً، ثم تكرر منها أنها تغتسل بعد يوم وينقطع الدم بعد ستة أيام، فتبينا أن هذا كله حيض -الستة الأيام-، وتبينا أنها صامت النذر أو صامت القضاء وهي حائض، فماذا نفعل؟ نأمرها أن تقضي ما صامته؛ لأننا تحققنا أنها صامته في أيام حيض، إلا إذا أيست، وبلغت سن الإياس، أو انقطع الدم ولم يعد، وهذا لو كانت صغيرة، فلا قضاء عليها؛ لأنها صامته وهي طاهرة، فلا يلزمها أن تصومه مرة ثانية.
стр. 99
أحكام المستحاضة
إذا تجاوز الدم خمسة عشر يوماً فهي مستحاضة، والمستحاضة لها ثلاث حالات: الحالة الأولى: أن تكون لها عادة، فإذا استمر الحيض معها عشر سنين، يأتيها من أول الشهر وينقطع في اليوم السابع، ثم استحاضت واختلط عليها الأمر بعد عشر سنين، فنقول: هذه تقدم عادتها، فتجلس من أول الشهر إلى اليوم السابع لكل شهر، حتى تشفى من هذا الاختلاط.
الحالة الثانية: إذا لم يكن لها عادة، تارة يكون حيضها خمسة، وتارة يكون عشرة، وتارة ثمانية، وتارة يكون في أول الشهر، وتارة يكون في آخر الشهر، وتارة في وسطه، فماذا تفعل؟ تعمل بالتمييز، والتمييز هو: أن تفرق بين دم الحيض ودم الاستحاضة، والغالب أن دم الحيض يكون غليظاً، ودم الاستحاضة يكون رقيقاً، ودم الحيض يكون أسود، ودم الاستحاضة يكون أحمر، وقد تميز بغير ذلك، والنساء يعرفن ذلك، فتعمل بالتمييز الصالح.
الحالة الثالثة: إذا لم يكن لها تمييز بأن امتزج الدم وليس لها عادة، وهذه تُسمى (المتحيرة) ، فهذه تجلس عادة نسائها من كل شهر ستة أو سبعة أيام كعادة أمها وأختها وأخواتها ونحوهن.
فمن كانت مستحاضة جلست أقل الشهر الذي هو يوم وليلة حتى تتكرر استحاضتها، فإذا تكررت استحاضتها ولم تميز وأطبق عليها الدم -وقد يطبق عليها سنة أو سنتين أو ثلاثاً أو أكثر- فهذه إذا لم يكن لها تمييز ولم يكن لها عادة تجلس غالبه، وغالب الحيض ستة أيام أو سبعة أيام، والمستحاضة المعتادة تقدم عادتها، وعرفنا أنها تقدم العادة على التمييز، فإن لم يكن لها عادة فالتمييز، فإن لم يكن لها عادة ولا تمييز فغالب الحيض من كل شهر.
والمستحاضة إذا أرادت أن تصلي تغسل المحل، فتغسل فرجها وتعصبه، وتتوضأ لكل صلاة، إلا إذا لم يخرج بين الصلاتين شيء.
وتنوي بالوضوء استباحة الصلاة.
ويحرم على زوجها وطؤها؛ إلا إذا خاف الزنا، فإذا لم يستطع أن يملك نفسه وخشي على نفسه العنت، ففي هذه الحال يجوز وطؤها، وأكثر العلماء قالوا: يجوز وطؤها للضرورة.
стр. 100
أحكام النفاس
النفاس هو: الدم الذي يخرج بعد الولادة، واختلف في أكثره، فقيل: أكثره أربعون يوماً، وقيل: ستون يوماً، وقلَّ أن يوجد من يكون معها دم بعد الأربعين، ولكن ذلك نادر.
وإذا طهرت قبل الأربعين فبعض النساء قد تطهر بعد نصف شهر من الولادة، وبعضهن قد تبقى خمسين يوماً وهي ما طهرت، فمتى كان الدم مستمراً وهو مثل دم النفاس فإنها تجلس ولو زاد على الأربعين، وأما إذا لم يبق معها إلا صفرة بعد الأربعين أو كدرة أو نجاسة مياه أو نحو ذلك فإنها تصلي.
وأما الوطء فالصحيح أنه يكره وطؤها قبل الأربعين ولو طهرت، هكذا ذكروا، ولعل الصواب: أنه يجوز إذا طهرت طهراً شاملاً ورأت النقاء وصلت وصامت، فلا مانع من وطئها.
قوله: (النقاء زمنه طهر) مثلاً: من طهرت بعد عشرين يوماً فهذا الزمان الذي بعد العشرين طهر؛ لأنه يكره الوطء فيه، وإن فعل فلا بأس.
والنفاس مثل الحيض في أحكامه، يعني: أنها لا تصلي، ولا تصوم، ولا تقرأ، ولا تمس المصحف، ولا تدخل المسجد، ولا تطوف بالبيت، ولا يجوز وطؤها إلخ، إلا العدة، فالعدة تكون بالحيض، وأما النفاس فلا يُعد من القروء، وكذلك يعرف بلوغ المرأة بالحيض، ولا يكون النفاس علامة على البلوغ؛ ولذلك تكون قد بلغت فبمجرد الحمل، فمجرد ما حملت حُكم ببلوغها، فهذا ما يتعلق بالحيض على وجه الاختصار، وتطالع له المبسوطات، وقد تكلم العلماء وتوسعوا فيه، والله أعلم.
стр. 101
شرح أخصر المختصرات [٥]
لقد فرض الله على عباده خمس صلوات في اليوم والليلة، ورتب عليها الأجر العظيم، ووعد تاركها بالعذاب الشديد، فهي عمود الإسلام وثاني أركانه، فيجب على المسلم وجوباً عينياً أن يتعلم أحكامها ومسائلها.
стр. 102
ملخص أحكام التيمم
قرأنا في أحكام التيمم اشتراط أن يكون المتيمم به تراباً، وأن الصحيح جواز التيمم بالرمل ونحوه، واشتراط الإباحة، وأن الصحيح ارتفاع الحدث بالتيمم بتراب غير مباح كالأرض المغصوبة ونحوها.
وكذلك مر بنا أيضاً في مبطلات التيمم الخلاف في بطلان التيمم بخروج الوقت، والاحتياط أن يتيمم لكل صلاة، كذلك من عدم الماء والتراب ذكروا أنه يصلي على حسب حاله، ويقتصر على المجزئ، يعني: لا يقرأ زيادة على الفاتحة، ولا يسبح أكثر من واحدة، ولا يقرأ في غير الصلاة إذا كان جنباً، وأن الصحيح أنه مثل غيره؛ لأنه يفعل ما يستطيعه.
стр. 103
ملخص أحكام إزالة النجاسات
كذلك ذكرنا في إزالة النجاسة اشتراط سبع غسلات في إزالة النجاسات كلها، والصحيح: أن إزالة النجاسة يكون بزوال عين النجاسة دون أن يشترط عدد لا سبع ولا أقل ولا أكثر، إلا في نجاسة الكلب، والمراد بها: ولوغه فقط، وأما بقية نجاساته فهي كسائر النجاسات، وأن الصحيح عدم إلحاق الخنزير بالكلب، بل هو كغيره يغسل حتى يزول أثر النجاسة وجرمها وعينها.
كذلك تكلموا على طين الشوارع، والصحيح أنه إذا تحقق أنه نجس كالمياه التي تتسرب من البيارات ونحوها فإنه نجس، وإلا فالأصل الطهارة.
стр. 104
ملخص أحكام الحيض والاستحاضة
كذلك مر بنا في بحث الحيض ذكر أقله وأكثره، وأن الصحيح في المبتدئة أنها كغيرها، إذا رأت الدم فما دام الدم كثيراً فإنها تتوقف عن الصلاة، ولا يلزمها أن تتطهر بعد يوم، بل هي كغيرها، وحددوا أكثره بخمسة عشر يوماً نظراً إلى الواقع، وإلا فلو قدر زيادته فإنه يعتبر حيضاً إذا تحقق بأنه مثل دم الحيض، إلا إذا استمر فإنه يكون استحاضة.
وأن المستحاضة لها ثلاث حالات: الأولى: أن ترجع إلى عادتها، الثانية: فإن لم يكن لها عادة فالتمييز، وهو التفريق بين دم الحيض ودم الاستحاضة، الثالثة: فإن لم يكن لها عادة ولا تمييز فإنها تجلس غالب الحيض من كل شهر، أي: ستاً أو سبعاً.
هذه أهم المسائل الخلافية في هذه الأبواب والله أعلم.
والحمد لله ربه العالمين، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 105
مقدمة كتاب الصلاة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [كتاب الصلاة.
تجب الخمس على كل مسلم مكلف، إلا حائضاً ونفساء، ولا تصح من مجنون ولا صغير غير مميز، وعلى وليه أمره بها لسبع، وضربه على تركها لعشر، ويحرم تأخيرها إلى وقت الضرورة إلا ممن له جمع بنيته، ومشتغل بشرط لها يحصل قريباً، وجاحدها كافر.
فصل: الأذان والإقامة فرضا كفاية على الرجال الأحرار المقيمين للخمس المؤداة والجمعة، ولا يصح إلا مرتباً متوالياً منوياً من ذكر مميز عدل ولو ظاهراً، وبعد الوقت لغير فجر، وسن كونه صيتاً أميناً عالماً بالوقت، ومن جمع أو قضى فوائت أذن للأولى وأقام لكل صلاة، وسن لمؤذن وسامعيه متابعة قوله سراً إلا في الحيعلة فيقول الحوقلة، وفي التثويب: صدقت وبررت.
والصلاة على النبي ﵇ بعد فراغه، وقول ما ورد، والدعاء، وحُرم خروج من مسجد بعده بلا عذر أو نية رجوع.
فصل: شروط صحة الصلاة ستة: طهارة الحدث وتقدمت، ودخول الوقت، ووقت الظهر من الزوال حتى يتساوى منتصب وفيئه سوى ظل الزوال، ويليه المختار للعصر حتى يصير ظل كل شيء مثليه سوى ظل الزوال، والضرورة إلى الغروب، ويليه المغرب حتى يغيب الشفق الأحمر، ويليه المختار للعشاء إلى ثلث الليل الأول، والضرورة إلى طلوع فجر ثانٍ، ويليه الفجر إلى الشروق، وتدرك مكتوبة بإحرام في وقتها، لكن يحرم تأخيرها إلى وقت لا يسعها، ولا يصلي حتى يتيقنه أو يغلب على ظنه دخوله إن عجز عن اليقين، ويعيد إن أخطأ.
ومن صار أهلاً لوجوبها قبل خروج وقتها بتكبيرة لزمته وما يجمع إليها قبلها، ويجب فوراً قضاء فوائت مرتباً ما لم يتضرر أو ينسى، أو يخشى فوت حاضرة أو اختيارها.
الثالث: ستر العورة، ويجب حتى خارجها وفي خلوة وظلمة بما لا يصف البشرة.
وعورة رجل وحرة مراهقة، وأمة مطلقاً ما بين سرة وركبة، وابن سبع إلى عشر الفرجان، وكل الحرة عورة إلا وجهها في الصلاة، ومن انكشف بعض عورته وفحش أو صلى في نجس أو غصب ثوباً، أو بقعة أعاد، لا من حبس في محل نجس أو غصب لا يمكنه الخروج منه] .
стр. 106
طريقة العلماء في البدء والتبويب في كتبهم
الأصل أن العلماء يبدءون بكتاب الصلاة، ولكن بدءوا بالطهارة لأنها شرطها، والعادة أن الشرط يتقدم المشروط، واستطردوا في كل ما يتصل بالطهارة، وفي كل ما له صلة بإزالة النجاسات وما أشبهها، وإن كانت عادة المؤلفين الأولين أن يرتبوا كتبهم على ترتيب أركان الإسلام، فيبدءون بالشهادتين، ثم بالصلاة، ثم بالزكاة، تم بالصيام ثم بالحج.
فعل ذلك مسلم في صحيحه، وكذا البخاري في تقديمه للإيمان الذي هو مضمون الشهادتين، ثم الصلاة، ثم الصوم -إلا أن البخاري أخر الصوم عن الحج- ثم بالحج، وهذا هو الترتيب المعتاد.
ولما كان التوحيد هو العقيدة الأساسية أفرد بعد ذلك بكتب، فجعلت باسم التوحيد أو الإيمان، أو السنة، أو الشريعة، وجعلت كتب التوحيد مفردة لأهميتها، وجعلت بقية الأحكام مجموعة، وقسموا الأحكام أربعة، فبدءوا بالعبادات؛ لأنها حق الله، فإذا انتهوا من العبادات التي هي حق الله بدءوا بالمعاملات التي فيها كسب المال؛ لأن الإنسان بحاجة إلى كسب المال الذي هو قوته، والذي هو مادة حياته، ثم بعد ذلك بالنكاح؛ لأنه أيضاً من تمام الضرورات، ثم ختموا بالحدود والجنايات؛ لأنها تنتج عمن كملت عليه النعمة، واتصلت نفسه بعد ذلك بالعدوان وبالظلم.
стр. 107
وجوب الصلاة
والآن نحن في القسم الأول الذي هو العبادات، وفي أهمها وهو الصلاة.
стр. 108
الصلوات الواجبة
الصلوات الواجبة خمس كما هو معروف، دليلها قوله ﷺ : (خمس صلوات كتبهن الله على العباد) ، في حديث طلحة بن عبيد الله، وقوله ﷺ لـ معاذ: (فأخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة) ، فدل على أن الصلوات المكتوبة خمس.
وفي حديث الإسراء: (إن الله تعالى فرض عليه خمسين صلاة، ثم إنه طلب التخفيف بإشارة من موسى حتى جعلها الله تعالى خمساً، وقال: لا يبدل القول، هي خمس وهي خمسون) يعني: أن من حافظ عليها فله أجر خمسين، والحسنة بعشر أمثالها.
هذه الصلوات الخمس واجبة على المسلم، والكافر مطالب بشرطها وهو الإسلام، فإذا لم يسلم لم يطالب بها.
стр. 109
خطاب الكفار بالصلاة
وهناك خلاف أصولي: هل الكفار مخاطبون بفروع الشريعة؟ تكلم العلماء على ذلك في أصول الفقه، ورجحوا أنهم مخاطبون بها وإن كانت لا تقبل منهم، ويكون خطابهم بمعنى زيادة العقوبة عليهم، فيقال مثلاً: هذه عقوبتك على الشرك، وهذه عقوبتك على ترك الصلاة، وهذه عقوبتك على ترك الصوم وهكذا، وإلا فلو أنهم صلوا وهم مشركون ما قبلت منهم ولا أجروا عليها.
ثم هو معروف أن كلمة (تجب) بمعنى: تلزم، أي أنها واجبة وجوباً مؤكداً، لا تجب إلا على المسلم المكلف.
والمكلف: هو البالغ العاقل، هذا تعريف التكليف: البالغ العاقل، فيخرج بذلك الصغير، فإنه لا تجب عليه، وأمره بها أمر تعليم وتدريب، ويخرج بذلك أيضاً فاقد العقل، وهو المجنون، فإنه مرفوع عنه القلم حتى يفيق، فإن الله تعالى إنما خاطب بالواجبات من يعقل، ومعلوم أن فاقد العقل لا يفهم، ولا يدري ما يقال له، ولا يميز بين الواجب وغيره، وعلامة ذلك: أنه يفعل الأفعال التي لا يقرها العقل وليس معه ما يميز به بين النافع والضار.
ويستثنى من هذا الوصف الحائض والنفساء، فتسقط عن الحائض والنفساء في زمن الحيض وزمن النفاس، فلا تجب عليها الصلاة، ولا يلزمها قضاؤها كما تقدم في الحيض، وتقدم أن السبب استمرار هذا العذر وهذه النجاسة، ومشقة القضاء عليها، حيث إنه قد يجب قضاء خمسة عشر يوماً وأربعين يوماً في الحيض، فيكون في ذلك صعوبة.
وبعد ذلك صرح بما يحترز به عن مسلم مكلف، وعرفنا أن (مكلف) احترازاً من مجنون وصغير، فلا تصح من المجنون ولا يؤمر بها؛ لأنه لا يحسن ولا يفهم ولا يدري ما يقال له، وكذلك من الصغير غير المميز، وأما إذا كان مميزاً فإنه يؤمر بها، ويكون أمره للتدريب، حتى يألفها لصغره، وحتى تخف عليه عند التكليف، وحددوا الصغر الذي يميز معه بسبع سنين، وقد ورد في الحديث قوله ﷺ : (مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع) .
الأمر هاهنا للأولياء؛ فهل هو للوجوب أم للاستحباب؟ النبي ﵊ يقول لنا: (مروا أولادكم) هذا الأمر قال بعضهم: إنه للوجوب، ويلزم الولي أن يأمر أولاده ذكوراً وإناثاً بالصلاة لتمام سبع، ولكن القرينة وهي أنه ما أمر بالضرب إلا لتمام عشر تدل على أن الأمر ليس للإلزام، وإنما هو للتعليم والتدريب، فإذا بلغ سبع سنين ودخل في الثامنة فإن والده وولي أمره يأمره، ويستدعيه، ويأخذ بيده إلى المسجد ويعلمه ما يلزم، فيعلمه الطهارة، ويعلمه اجتناب النجاسة، ويعلمه الصلاة بقدر ما يستطيع، فيعلمه ما يقول في القيام، وما يقول في الركوع والسجود، وما يقول في القعود وفي الرفع من الركوع، ويعلمه الطمأنينة والخشوع، ويعلمه الإقبال على الصلاة وعدم الحركة والالتفات، ويدربه على ذلك.
كما أنه في هذه السن يحافظ عليه أيضاً، فيحفظه عن المحرمات، ويبعده عن السفه، ويبعده عما هو محرم أو منكر -مثلاً- كرؤية الصور القبيحة والأفلام الخليعة، وكذلك سماع الأغاني والملاهي وما أشبهها؛ لأنه في هذه السن يألف ما يسمع، وينطبع في ذاكرته ما يقال له، ويتدرب على هذا السماع المحرم، ويكون ذلك سبباً في انخراطه، أو في توغل هذه المنكرات في قلبه، فيصعب بعد ذلك تخليصه.
ويضرب على تركها لعشر؛ ولذلك لأن العشر مظنة البلوغ، والأصل أن أقل ما يبلغ فيه الصبي إذا تم عشر سنين.
فيوجد كثير ممن يحتلم وقد تم له عشر سنين.
ودخل في الحادية عشرة، أو مثلاً يبلغ بالإنبات أو نحوه، فإذا بلغ عشر سنين فهو مظنة البلوغ، فيضرب على تركها.
وهل الضرب ضرب تعليم أو ضرب تأديب؟ الصحيح أنه ضرب تعليم.
يعني: لا يشدد فيه، بل يضربه ضرب تعليم حتى يعلم ذلك؛ لأنه لا يزال في سن الصغر غالباً، فيعلمه تعليماً وفيه شيء من الشدة.
هذا ما يتعلق بمن تلزمه.
стр. 110
تحريم تأخير الصلاة إلى وقت الضرورة
بعد ذلك يقول: (ويحرم تأخيرها إلى وقت الضرورة) .
وذلك لأنها لا تؤخر إلا للضرورة، وقت الضرورة يكون في صلاة العصر والعشاء، إلا لمن له الجمع بنيته إذا كان يجوز له الجمع، كإنسان سائر في الطريق ودخل عليه وقت الظهر وهو مستمر في السير، ويحب مواصلة السير، فدخل عليه وقت العصر، وهو مشتغل أيضاً بالسير ويحب مواصلة السير، فخرج وقت الاختيار الذي هو أن يكون ظل كل شيء مثليه، واستمر في سيره حتى دخل وقت الضرورة.
أي: قبل الغروب بنصف ساعة أو بثلث ساعة فوقف، فصلى الثنتين في وقت الضرورة.
أي: في وقت العصر الذي هو وقت الضرورة.
وكذا لو كان سائراً في الليل، وشق عليه النزول، وأراد مواصلة السير، فلم ينزل إلا في آخر الليل، فإنه يجوز له؛ لأن هذا له عذر في التأخير، فأما الإنسان المقيم فلا يجوز أن يؤخر العصر إلى ما قبل الغروب؛ لما ورد في ذلك من قوله ﷺ : (تلك صلاة المنافق، يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني شيطان قام فنقر أربعاً، لا يذكر الله فيها إلا قليلاً) يعني: أنه فرط في الوقت وأخره صلاة العصر إلى أن قرب الغروب، وقد ورد: (أن الشمس تغرب بين قرني شيطان، فحينئذ يسجد لها المشركون) ، كذلك تطلع بين قرني شيطان، ولأجل ذلك نهي عن الصلاة في هذين الوقتين: عند الطلوع وعند الغروب؛ لئلا يكون سجوده للشيطان.
فالحاصل أنه لا يجوز تأخيرها إلى آخر الوقت -وقت الضرورة مثلاً- إلا لمن له الجمع بنيته، قال: (ومشتغل بشرط لها يحصل قريباً) : إذا كان أخرها لأجل أن يشتغل بشرطها، فعرف أن شرطها يحصل قريباً، مثاله: تأخر لانتظار الماء، فينتظر أن يأتيه الماء، لأنه الآن ليس عنده ماء، وقد أرسل وارداً، فينتظر ولو خرج وقت الاختيار ودخل وقت الاضطرار.
مثال ثانٍ: السترة.
يعني: الثياب، إذا كان ليس عليه ثياب تستره، ولكن ينتظر أن يأتي فلان بثوب ساتر أو ينتظر خياطة هذا الثوب الذي يستر به عورته، فله أن يؤخرها لانتظار هذا الشرط، وكذا بقية الشروط.
следующие страницы →