← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 7725

شرح أخصر المختصرات لابن جبرين

ابن جبرين

Полный текст (2 153 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

المحرمية المترتبة على الرضاع تكون في حق الرضيع وفروعه فقط سبب هذه القرابة: الرضاعة، الطفل في حال صغره يتغذى على هذا اللبن، وينبت عليه لحمه وعظمه، فلما نبت على هذه الرضاعة من هذه المرأة كانت هذه المرأة كأنها أنبتت لحمه من لبنها، فصار لبنها سبباً في نباته وتغذيته، فأصبح لها حكم الأمومة، وأصبحت كأنها أم له في هذه المحرمية، فكان لها حق الاحترام، وكان لها حق الأمومة، وحرم عليه نكاحها، وألحقت بمحارمه من النسب، وألحق بها -أيضاً- أقاربها الذين هم إخوتها وأخواتها ونحوهم. يقول هاهنا: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب على رضيعٍ وفروعه وإن نزل) . المحرمية تكون على الرضيع لا على أصوله، ولا على حواشيه، فأنت إذا رضعت من امرأة تصير هي أمك، فإخوتك أجانب لها، ولهم أن يتزوجوها، وأن يتزوجوا من بناتها وأخواتها، أما أنت فلا تتزوجها ولا تتزوج من بناتها، وأولادك مثلك؛ لأنهم أولاد ابنها، ويصيرون محارم لها، وبناتها -أيضاً- محارم لأولادك. كذلك أبوك وأجدادك أجانب منها، فالمحرمية تتعلق بالرضيع، فهو الذي يكون ابناً لها، وكذلك أقاربها، فأختها خالته من الرضاعة؛ لأنها أخت أمه، وأمها وجدتها كجدتك من النسب، كذلك خالتها تصير كخالة أمك، وتصير محرماً لك، ألست محرماً لخالة أمك؟ خالة أمك من الولادة تكشف لك، وعمة أمك من الولادة تكشف لك، فهكذا -أيضاً- خالة أمك من الرضاع، وعمة أمك من الرضاع، وزوجها الذي رضعت منها وهي في ذمته هو الذي تسبب في وجود هذا اللبن، فيكون أباك من الرضاع، وكذلك إخوته أعمامك من الرضاع. وتذكرون قصة أفلح أخي أبي القعيس عندما استأذن على عائشة فامتنعت من الإذن له، وقالت: إن أبا القعيس ليس هو أرضعني، وإنما أرضعتني امرأة أبي القعيس، فقال لها: أرضعتك امرأة أخي أي: بلبن أخي، اللبن لـ أبي قعيس، فهو الذي تسبب في وجوده. امرأة أبي القعيس أرضعت عائشة، فأصبحت المرأة أم عائشة، وأصبح أبو القعيس أبا عائشة، وأصبح أخوه الذي اسمه أفلح عمها، فلما جاء النبي ﷺ وسألته قال: (ائذني له؛ فإنه عمك من الرضاعة) . هذا دليل على أن أقارب المرضعة وأقارب زوجها يكونون محارم للرضيع، وبناتها أخواته، وكذلك بنات بناتها وإن بعدن، كذلك أخواتها خالاته، جداته عماتها، وزوجها أبوه، وأخوات زوجها عماته، وكذلك إخوانه أعمامه، وأعمامه أجداده، وعماته جداته، وخالاته كذلك وهكذا: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) .

стр. 1752

اشتراط خمس رضعات لثبوت حرمة الرضاع اختلفوا في مقدار الرضاع المحرم، يقول هنا: (ولا حرمة إلا بخمس رضعات) هذا هو المذهب، واستدل على ذلك بحديث عن عائشة أن النبي ﷺ قال: (لا تحرم المصة والمصتان، ولا الإملاجة والإملاجتان) ، وذكرت عائشة وقالت: (كان مما أنزل في القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخ ذلك بخمس رضعات، فمات النبي ﷺ وهي مما يُقرأ) ، لكن هذا مما نسخ لفظه وبقي حكمه، فيدل على أن الذي يحرم خمس رضعات، هذا هو المذهب. والمالكية يقولون: يحرم قليله وكثيره، ولو مصة واحدة، وأخذوا ذلك من إطلاق الآية والحديث: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) فجعلوا الحكم عاماً في رضعة واحدة أو أكثر، فإذا حصل الرضاع ولو مصة واحدة حرم. ويرد عليهم بحديث عائشة الذي ذكرنا: (لا تحرم الرضعة والرضعتان، ولا المصة والمصتان، ولا الإملاجة والإملاجتان) وهذا دليل على أن القليل ما يحرم. وذهب الأحناف إلى أنه لا يحرم إلا عشر رضعات، قالوا: لأنه هو الذي يصدق عليه أنه نبت به الجسم، ورد في الحديث أن النبي ﷺ قال: (لا يحرم من الرضاع إلا ما أنبت اللحم وأنشز العظم) (أنبت اللحم) يعني: مع التغذية نبت عليه لحم الطفل، (وأنشز العظم) أنشزه: رفعه، والإنشاز: هو الرفع والظهور، ومنه قوله تعالى: ﴿وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا﴾ [البقرة:٢٥٩] ، فيقولون: أربع رضعات، خمس رضعات، سبع رضعات، هذه قليلة لا يمكن أن اللحم ينبت بها، فلا بد من رضعات ينبت بها اللحم، فجعلوا أقل ذلك عشراً، هذا قول الأحناف. والمشهور -أيضاً- عن الشافعية كالحنابلة خمس رضعات، وحيث جاء الحديث الذي ذكرت عائشة فإنه يعتبر، وهو الأقرب، وعليه العمل، أي: خمس رضعات.

стр. 1753

كيفية الرضعة التي تحسب من الخمس الرضعات واختلفوا في ماهية الرضعة، ما المراد بالرضعة التي جاء فيها هذا الحديث: خمس رضعات؟! من العلماء من يقول: الرضعة هي المصة، يعني: مجرد ما يمص، واستدلوا بقوله: (لا تحرم المصة والمصتان) ، الطفل إذا أمسك الثدي فإنه يمص مصة ثم يبتلع، ثم يمص ثم يبتلع، وهكذا، ولكن نقول: إن هذه المصة قد لا تحصل بها التغذية. القول الثاني: أن الرضعة هي الإمساك والإطلاق. يعني: إمساك الثدي، فإذا تركه حسبت رضعة ولو بعد نصف ساعة، أو بعد لحظة، فإذا امتص منه ثم تركه حسبت رضعة سواء طال إمساكه أو قصر، وهذا هو القول الأقرب. وذهب آخرون إلى أن الرضعة هي الشبع، ويختار هذا القول ابن بسام في تيسير العلام، يقول: قياساً على الأكلة والوجبة، والإنسان إذا قال: أكلت عند فلان أكلة. فمعناه: أكل حتى شبع، ويقولون: فلان يأكل كل يوم أكلتين، أو كل يوم ثلاث أكلات، فالأكلة هي الأكل حتى الشبع، فقاس عليها أن الرضعة هي الشبع أو الري، سواء كان صغيراً أو كبيراً، فإذا ارتضع حتى روي سواء بإمساكة واحدة أو بخمس إمساكات، ما دام أنه يمتص، ثم يطلقه للتنفس، ثم يمسكه ويمتص، ثم يطلقه للتنفس، ثم يمسك إلى أن يروى، وإذا فرغ ما في الثدي نقلته إلى الثدي الآخر، فإذا روي صدق عليها أنها رضعة. والعمل والفتوى على القول الوسط: أن الرضعة هي الإمساكة، سواء طال الإمساك أو قصر، وهذا هو الأقرب؛ لكن استثنوا من ذلك إذا نزعت الثدي من فمه، أما إذا تركه هو من نفسه فإنا نحسبها رضعة، فإذا امتص منه فنزعته فإنها هي التي تسببت، فلا بد أن تتركه إلى أن يتركه من نفسه، سواء كان قد روي، أو تركه للتنفس، أو تركه ليرتاح قليلاً ثم يرجع إليه، فإنها تعتبر رضعة إذا تركه اختياراً، فتكون خمس رضعات، قد تكون مجتمعة وقد تكون متفرقة. ويحدث أن كثيراً من النساء ترضع طفلاً، ولكن تشك في عدد الرضعات، إذا شكت فالعمل على اليقين كما يأتي.

стр. 1754

لا يحرم الرضاع إلا إذا كان في الحولين أما قوله: في الحولين. أي: في مدة الرضاع، قال الله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة:٢٣٣] ، فيدل على أن الرضاع هو الذي يكون قبل الفطام، إذا تم الصبي حولين فطم عادة، ولا يجوز إرضاعه بعد الحولين، والعادة أنه يأكل ويتغذى. لكن أجاز بعض العلماء من الحنفية الزيادة على الحولين، وبعض الأطفال يكون نضو الخلقة، ضعيف البنية، ومع ذلك يتم الحولين وهو لا يتغذى ولا يقبل الطعام، فأباحوا له الزيادة نصف سنة، ولكن لما جاء الحديث بأن الرضاعة قبل الفطام اقتصر على الحولين، فلا يحرم إلا إذا كان الرضاع في الحولين؛ لأنه هو الذي تحصل به التغذية، وفي حديث عن عائشة (دخل عليها النبي ﷺ وعندها رجل، فكأنه أنكره، قالت: أخي من الرضاع. قال ﷺ : انظرن من إخوانكن! فإنما الرضاعة من المجاعة) يعني: تأكدي من الأخ، فليس كل من يدعي أنه أخ يكون أخاً من الرضاع، إنما الرضاعة من المجاعة، الرضاعة التي تحرم هي التي ترفع الجوع؛ وذلك لأن الرضيع يكون جائعاً، فإذا ارتضع فذلك الرضاع يشبعه فيكون غذاءً له، ويدفع الجوع عنه.

стр. 1755

رضاع الكبير لا يحرم إنما الرضاعة من المجاعة، ومعلوم أن الرضاعة بعد ذلك لا تكون رافعاً للجوع، وهذا هو الصحيح الذي عليه العمل: أن رضاع الكبير لا يحرم، أي: بعد الفطام، وما كان بعد الحولين ولو تغذى به، ولو كثر فلا يحرم. وجاء حديث عن امرأة أبي حذيفة (اشتكت للنبي ﷺ وقالت: إن سالماً إنما نعده ولداً، وإنه قد بلغ مبلغ الرجال، وإني أرى أبا حذيفة يكره أو يسوءه دخوله علي فقال: أرضعيه تحرمي عليه) مع أنه رجل ذو لحية! فأرضعته خمس رضعات، فكان يدخل عليها كأنه أحد أولادها مع أنه كبير. فمن العلماء من أخذ بهذا الحديث مطلقاً وقال: يحرم رضاع الكبير كما يحرم رضاع الصغير؛ لهذا الحديث. ومنهم من قال: إنه خاص بـ سهلة امرأة أبي حذيفة، فهو من الخصوصيات للعلة التي ذكرت بأنه كان مولى وخادماً لهم، مع أنه ليس مملوكاً ولكنه مولى، فيحمل على الخصوص، فلا يعارض الأحاديث الأخرى كحديث: (إنما الرضاعة من المجاعة) ، ورضاع الكبير لا يقطع الجوع، فالرضاع إنما يحرم إذا أنبت اللحم وأنشز العظم، ورضاع الكبير لا ينبت اللحم ولا ينشز العظم، ولا يحصل به الشبع، فلا يكون محرماً، فيكون من خصائص سهلة امرأة أبي حذيفة. وعائشة ﵂ عملت بهذا الحديث، فكانت إذا أرادت أن يدخل عليها رجل من التلاميذ الذين يقرءون عليها أو يستفيدون أمرت أختها أو بنت أخيها أن ترضعه حتى يكون ابن أختها أو نحو ذلك، أما بقية أمهات المؤمنين فامتنعن من ذلك، وقلن: إن قصة سالم خصوصية. ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ إلى أنه: إذا وجد امرأة ابتليت بما ابتليت به سهلة، واضطرت إلى أن يدخل عليها بعض الرجال، فإنها إذا أرضعته حرمت عليه، وصار محرماً لها، وأما سائر الناس فلا يحرم، فيكون خاصاً بمن كان مثل سهلة. وهذا قول جمع بين الأحاديث.

стр. 1756

الرضاع بالسعوط والوجور ولبن الميتة واللبن المشوب كيفية الرضاع! الأصل أنها الامتصاص: أن يمسك الثدي بشفتيه، ثم يمص، وإذا ولد الطفل ألهمه الله أن يمص؛ ليكون ذلك المص كغذاء له إلهاماً من الله، فالأصل أن الرضاع: هو الامتصاص بالفم، فإذا انصب اللبن في فمه ابتلعه. وألحقوا به غيره، فألحقوا به السعوط، فلو جعلت اللبن في إناء، وأدخلت قصبة في أنفه، وصببت مع تلك القصبة إلى أن وصل إلى حلقه وابتلعه فهذا يسمى سعوطاً، وبه يصدق عليها أنها أرضعته؛ لأن هذا اللبن وصل إلى جوفه ولو من غير الفم، يعني: دخل من المنخر أو المنخرين، فيكون غذاءً يتغذى به، فهذا هو السعوط. والوجور: إذا جعلت اللبن في إناء صغير، وذلك الإناء قد يكون له ثعبة ينصب منها اللبن، فجعلت الثعبة في شقه، وصبت من تلك الثعبة ذلك اللبن، أصغت الإناء الذي فيه الثعبة حتى انصب من الثعبة في جوفه، هذا يسمى الوجور. ولبن الميتة: لو قدر أن امرأة ميتة وكان فيها لبن، وارتضعه الطفل، فارتضع منها خمس رضعات، صدق عليه أنه ارتضع من لبنها؛ وذلك لأنه يغذي، ولو كانت قد ماتت. ولبن الموطوءة بشبهة: امرأة وجدها رجل على فراشه وظنها امرأته فوطئها وحملت منه وولدت، فذلك الولد ينسب إلى ذلك الواطئ لأنه يعترف بأنه منه، وإن كان محرماً عليه وطؤها وليست زوجة له، ولكن لم يكن متعمداً؛ ولبنها يحرم؛ لأنه لبن امرأة جاء عن حمل، وتكون أماً لمن أرضعته، وصاحب اللبن الذي وطئها يكون هو أبا ذلك الطفل الذي ترضعه. ويحرم المشوب المخلوط، الشوب: هو خلط اللبن بماء، تذكرون، يقول بعض الشعراء يفتخر بالعلم: هذا الفخار لا قعبان من لبن شيبا بماء فعادا بعد أبوالاً يعني: أن الافتخار والشرف يكون بالعلم لا بهذا اللبن الذي يشاب بالماء. والقعب: هو ما يصب فيه اللبن يحتقن في السقاء ونحوه، فإذا كان اللبن مشوباً بماء، ثم امتصه هذا الطفل خمس مرات صدق عليه أنه قد رضع من لبن هذه المرأة، فمثلاً إذا حلبته في هذا الكأس، ولما حلبته كان قليلاً فصبت عليه ماءً، ثم شربه ذلك الطفل، أليس قد تغذى بلبنها؟ لا شك أنه تغذى غذاءً كافياً، يعني: شبع أو ارتوى منه. وكذلك لو صبته في الرضاعة التي يرضع منها الأطفال اليوم، وغالب النساء اليوم لا ترضع ولدها، إنما تأخذ له من اللبن الصناعي، ثم إذا صبته في الإناء صبت عليه ماءً، وحركته، ثم صبته في تلك القارورة التي لها مثل الحلمة، ثم ترضعه للطفل، فلو أن امرأة حلبت من لبنها في تلك القارورة، وارتضع الطفل من الحلمة كما يرتضع من الثدي، صدق عليه أنه ارتضع من لبنها إذا تم خمس رضعات.

стр. 1757

ما يتفرع على الرضاع من المحارم يقول: (وكل امرأةٍ تحرم عليه بنتها كأمه وجدته وربيبته إذا أرضعت طفلةً حرمتها عليه) . لأنها تكون أخته، أو تكون خالته، أو تكون بنت ربيبة، وبنت الربيبة ربيبة. أمك إذا أرضعت طفلة فتلك الطفلة أختك من الأم، وكذلك زوجة أبيك، إذا أرضعت الطفلة فإنها تكون أختك من الأب، لأنها ارتضعت من زوجة أبيك بلبن أبيك، فبنتها تكون أختك من الرضاعة، يعني: رضعت من زوجة أبيك، فهي أختك من الأب. جدتك -أم الأم- أليس بناتها من الولادة خالاتك؟ وكذلك بناتها من الرضاعة خالاتك أيضاً أرضعتهن جدتك وجدتك أم الأب أليس بناتها حراماً عليك لأنهن عماتك، وبناتها من الرضاعة كذلك أخوات أبيك من الرضاعة، فهن عماتك. ربيبتك التي هي بنت زوجتك، أليست حراماً عليك؟ يقول تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء:٢٣] ، وإذا كانت ربيبتك بنت زوجتك محرمة عليك، فكذلك بنتها؛ لأنها تقول: أمي ربيبتك، جدتي زوجتك، فأنا محرم. هذه بنت الربيبة، وكذلك ولد زوجتك من غيرك أليس ربيباً؟ فكذلك بنته محرم لك، تكشف لك بنت ربيبك؛ لأنها تقول: جدتي أم أبي زوجتك. فتكون محرماً لك، هذه بنت الربيب. وبنت أمك من الرضاع تكون أختك، وبنت زوجة أبيك تكون أختك، وبنت جدتك أم الأب تكون عمتك، وجدتك أم الأم بنتها خالتك، وربيبتك بنتها بنت ربيبتك، وبنت ربيبك -أيضاً- محرم لك، هذه من الفروع المحارم. يقول: (وكل رجل تحرم عليه بنته كأخيه وأبيه وربيبه إذا أرضعت امرأته بلبنه طفلة حرمتها عليه) . صورنا بنت الربيب، والآن نصور بنت الأخ: أليست بنت أخيك تكشف لك، أنت عمها وهي بنت أخيك من الولادة؟ كذلك بنته من الرضاعة، لو كان لأخيك أربع نسوة، ثم إن واحدة أرضعت طفلة رضعة، والثانية أرضعتها رضعة، والثالثة أرضعتها رضعة، والرابعة أرضعتها رضعتين، فهذه الطفلة ليست بنتاً لواحدة من الزوجات، وكل واحدة منهن لا تقول: إني أمها؛ لأنها ما أرضعتها إلا رضعة أو رضعتين، ولكن الزوج يكون أباها؛ لأنها رضعت من لبنه خمس رضعات، من هذه واحدة، ومن هذه ثنتين، وهكذا، فرضعت من لبنه خمس رضعات فتكون بنته من الرضاع. فكذلك تكون بنتاً لإخوته، إذا أرضعت امرأتك طفلة فإن إخوتك محارم لتلك الطفلة، وإذا كان الرضاع محرماً، فكل واحدة تقول لأخيك: أنت عمي، أنا رضعت من لبن أخيك؛ لقصة عائشة مع أفلح، ذكرنا أن أفلح أخا أبي القعيس قال لـ عائشة: (أرضعتك امرأة أخي بلبن أخي) ، فهذا مثال الأخ، وكذلك الأب والجد. بنات أبي أبيك عماتك من النسب، وبناته من الرضاع كذلك عماتك من الرضاع، إذا أرضعت امرأة أبيك طفلاً أو طفلة فهو أخوك أو أختك، وامرأة جدك، أليس بناتها عماتك؟ فكذلك بنات امرأة جدك أخوات أبيك وعماتك، فبناتها من الرضاع كذلك عماتك من الرضاع. ربيبك الذي هو ابن زوجتك ابنته -أيضاً- محرم لك؛ لأنها تقول: جدتي زوجتك.

стр. 1758

إذا ادعى الزوج أن زوجته أخته من الرضاع يقول: (ومن قال: إن زوجته أخته من الرضاع بطل نكاحه) إذا اعترف بامرأة وقال: هذه أختي من الرضاع. فلا يحل له نكاحها، وكذلك إذا كان قد تزوجها بطل النكاح؛ وذلك لأنه أقر على نفسه بأنها لا تحل له، واعترف بأنها أخته من الرضاع، أما لو قال: أنتِ أختي. ويريد بذلك أخوة الصداقة والمودة والمحبة فلا يبطل النكاح، وكثيراً ما يقول الإنسان لزوجته: يا أمي يا أختي يا بنتي. يريد بذلك في المودة، فلا يبطل نكاحه، وأما إذا قال: هذه أختي من الرضاع بطل نكاحه. فإذا كان ذلك قبل الدخول، وقالت: صدق، أنا أخته من الرضاع بطل النكاح، هل لها مهر؟ ليس لها مهر؛ لأنه يقر بأنها محرمة عليه، وهي كذلك تقر بذلك، والعقد قد بطل، فلا تستحق عليه صداقاً. أما إذا قالت: ليس كذلك، ولا قرابة بيننا، وأنت كاذب، ولست أختك. في هذه الحال يفرق بينهما؛ لأنه اعترف بأنها لا تحل له، ولكن تطالبه بنصف الصداق قبل الدخول؛ لأنها تعترف بأنها حلال له، والعقد قد حصل، فتكون فرقته كأنها طلاق، والله تعالى يقول: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة:٢٣٧] ، فلها نصفه. أما إذا كان قد دخل بها، وسواء خلا بها ووطئها أم لا، ففي هذه الحال تستحق الصداق كله، وإذا كانت قد كذبته أنه أخوها، وقالت: لست أختك، ولا قرابة بيننا. وإذا قالت: أنا لا أحل لك، أنا أختك من الرضاعة. وكذبها، فهل نفرق بينهما؟ لا يفرق بينهما؛ وما ذاك إلا لأننا لا نقبل قولها عليه، فيمكن أنها أخطأت، وقولها هذا كأنها تريد فراقه، والفرقة من قبل الرجل لا من قبل المرأة، فتبقى الزوجية بينهما، لكن إن أتت ببينة تشهد بأنه رضع من أمها أو رضعت من أمه، فإنه يفرق بينهما بموجب البينة.

стр. 1759

الشك في الرضاع قال: (ومن شك في رضاع أو شك في عدده بنى على اليقين) : لأن الأصل الإباحة، والأصل عدم الرضاعة، وصورة ذلك: إذا قالت المرأة: أنا في شك هل أرضعت هذا الطفل أو ما أرضعته. وتوقفت عن الجزم، ففي هذه الحال لا محرمية، فلا يقال بشيء مشكوك فيه. وإذا ادعت فقالت: نعم، أنا أرضعته، ولكني نسيت مع طول الزمان، فلا أدري أرضعته رضعة أو رضعتين أو ثلاث رضعات أو عشر رضعات، أتذكر أنني أرضعته، ولكني أشك في عدد الرضعات. ولم يكن هناك علامات ولا قرائن يعرف بها عدد الرضعات، ففي هذه الحال لا محرمية. ثم يفرقون بين رضاع الصغير والكبير، والعادة أن الصغير الذي في الأربعين أو في الشهرين الأولين رضاعه قليل، ونفسه قصير، ففي المجلس الواحد يمكن أن ترضعه خمس مرات أو أكثر، فإذا قالت: نعم، أنا أرضعته جلسة أو جلستين، استغرق ساعة أو ساعتين وهو في الشهر الأول، كلما بكى أرضعته؛ ففي هذه الحال يغلب على الظن أنه محرم، فنحتاط ونقول: محرم؛ لأن الطفل يرضع عدة رضعات في الجلسة الواحدة إذا كان في الشهر الأول أو نحوه. وأما إذا كان في السنة الأولى كأن يكون ابن خمسة أشهر أو أكبر منها فالعادة أنه يطيل الامتصاص، وإذا أمسك الثدي فإنه لا يتركه حتى يشبع أو حتى يفرغ ما في الثدي من اللبن، فإذا قالت: أنا أرضعته جلستين وعمره ستة أشهر. فالأصل أنها رضعتان لا أكثر، ويمكن أنها أربع رضعات، كل جلسة ترضعه من هذا الثدي، وإذا انتهى ما فيه نقلته إلى الثاني، فتكون أربع رضعات في الجلستين، والأربع أيضاً لا تحرم. وكذلك كثير من النساء تقول: إني أرضعه ولكن لمناسبات، ويحصل هذا عند أهل البوادي، تقول: إن أمه تذهب لرعي الغنم أو لحلب غنمها ونحو ذلك، وتتركه يبكي وأرق عليه، فألقمه ثديي، وإذا ألقمته ارتضع منه إلى أن يسكت أو إلى أن ينام، أو حتى ترجع أمه عدة مرات، ففي هذه الحال يغلب على الظن أنه محرم؛ وذلك لأن عادة الطفل أنه إذا بكى إنما يسكت إذا التقم الثدي، فيحكم بالرضاع إذا كانت ترضعه كلما ذهبت أمه أو نحو ذلك، فيحمل قولها على أنها قد أرضعته، ويحكم بأنها أمه من الرضاع. وإذا لم يكن فيها لبن، إنما يمسك الثدي لأجل أن يسكت وهي كبيرة في عمر ستين أو سبعين سنة، فمعلوم أنه لا يؤثر إمساكه، فهو كما يمسك المصاصة، وإنما تمسكه حتى يمتص لأجل أن يسكت، فيمتص منه فلا يؤثر، لكن وجد أن كثيراً من كبار السن درت وهي بنت ثمانين على طفل، وهذا وقع كثيراً؛ فمثلاً: ماتت أم هذا الطفل وهو في الشهر الأول، ولم يكن هناك من يرضعه، لا عمة ولا خالة ولا غير ذلك، وكان هناك جدة أبيه أو نحو ذلك، فمن رقتها به وشفقتها عليه تدر عليه بإذن الله من آثار الرقة، ففي هذه الحال يحرم لبنها؛ لأنه اعتبر زاده. وأما إذا كانت بكراً فإنه لا يحرم، يعني: لو أن شابة ما تزوجت، وعمرها في العشرين أو نحوه فدرت على طفل، فهل يحرم؟ لا يحرم؛ لأن هذا اللبن لم يتولد من حمل، وليس لها زوج، فالغالب أنه ليس لبناً صريحاً، وأنه لا يحصل به التغذية، فلا يكون محرماً.

стр. 1760

ما يثبت به حكم الرضاع وإذا ارتضع اثنان من امرأة أجنبية ليست أماً لواحد منهما فإنهما يكونان أخوين من الرضاعة، ودليل ذلك: قصة عقبة بن عامر، يقول: إني تزوجت أم يحيى بن أبي إهاب، فجاءتنا أمة سوداء، وقالت: إني قد أرضعت عقبة والتي تزوج. فتوقف في ذلك عقبة وقال: لا أعرف أنك أرضعتني. فأصرت وقالت: بلى، قد أرضعتك وأرضعتها. بمعنى أنها لا تحل له لأنها أخته، وإن لم يكن رضعت من أمه ولا رضع من أمها، ولكن رضعا جميعاً من امرأة أخرى. وتذكرون في القصة أن عقبة كان بمكة، ثم إنه رحل إلى المدينة، والنبي ﷺ في المدينة، يقول: فسألته فأعرض عني، فسألته وقلت: إنها كاذبة. فقال: (كيف وقد ادعت أنها أرضعتكما! دعها عنك) فطلقها وفارقها عقبة، وتزوجت غيره. فيقولون: يثبت بإخبار مرضعة مرضية، وبشهادة عدل مطلقاً رجل أو امرأة؛ لقصة عقبة هذه، فإن امرأة واحدة تقبل شهادتها، سواء كانت هي المرضعة أو غيرها، وإذا جاءت امرأة وقالت: أشهد أن هذا الطفل أو هذا الشاب قد رضع من لبن فلانة امرأة سمتها. أو جاء رجل وقال: أشهد أن هذا الطفل أو هذا الشاب قد رضع من لبن فلانة، فإنه يقبل قوله، أي: يثبت الرضاع بشهادة امرأة واحدة، أو بشهادة رجل واحد، أو بشهادة المرضعة نفسها؛ وذلك لأنه لا يعلم إلا من قبلها، فيترتب على ردها عدم ثبوت الرضاع. والأصل أن الرضاع غالباً يكون خفياً، وليس هناك شهود، ولا يوجد رجال يقولون: نشهد أنا رأينا هذه المرأة ترضع هذا الولد، والغالب أنه شيء يختص بالنساء، وذكروا في الشهادات أن النساء تقبل شهادتهن في الأشياء التي لا يطلع عليها الرجال غالباً، فإذا جاءت المرضعة وأخبرت بأنها قد أرضعت هذا الطفل قبل قولها، أو جاءت امرأة وقالت: إنها قد أرضعت هذا أو هذه قبل قولها، أو شهد بذلك شاهد واحد. ومسائل الرضاع مسائل كثيرة توسع فيها العلماء، ولكن المؤلف اقتصر على أهمها.

стр. 1761

شرح أخصر المختصرات [٧٢] يجب على الزوج أن ينفق على زوجته، والنفقة تشمل الطعام والشراب والكسوة والسكن، وهي تختلف باختلاف حال الزوج، فيجب على الموسر ما لا يجب على المعسر، وكذلك باختلاف حال الزوجة فيجب للموسرة ما لا يجب للمعسرة. ومن أحكام النفقات: ثبوتها في الذمة وسقوطها، وجواز الفسخ عند تقصير الزوج وإعساره من عدمه، وقد بين الفقهاء كل هذه الأحكام.

стр. 1762

نفقة الزوجة وعلى زوجٍ نفقة زوجته من مأكولٍ ومشروبٍ وكسوةٍ وسكنى بالمعروف، فيفرض لموسرةٍ مع موسرٍ عند تنازعٍ من أرفع خبز البلد وأدمه عادة الموسرين، وما يلبس مثلها وينام عليه. ولفقيرةٍ مع فقيرٍ كفايتها من أدنى خبز البلد وأدمه وما يلبس مثلها وينام ويجلس عليه. ولمتوسطةٍ مع متوسطٍ، وموسرةٍ مع فقيرٍ وعكسها ما بين ذلك، لا القيمة إلا برضاهما، وعليه مؤنة نظافتها لا دواء وأجرة طبيبٍ، وثمن طيبٍ. وتجب لرجعيةٍ وبائنٍ حاملٍ، لا متوفى عنها. ومن حبست أو نشزت أو صامت نفلًا، أو لكفارةٍ، أو قضاء رمضان ووقته متسعٌ، أو حجت نفلًا بلا إذنه أو سافرت لحاجتها بإذنه، سقطت. ولها الكسوة كل عامٍ مرةً في أوله. ومتى لم ينفق تبق في ذمته. وإن أنفقت من ماله في غيبته فبان ميتًا رجع عليها وارثٌ. ومن تسلم من يلزمه تسلمها، أو بذلته هي أو وليها، وجبت نفقتها ولو مع صغره ومرضه وعنته وجبه. ولها منع نفسها قبل دخولٍ لقبض مهرٍ حال ولها النفقة. وإن أعسر بنفقة معسرٍ أو بعضها لا بما في ذمته، أو غاب وتعذرت باستدانةٍ أو غيرها فلها الفسخ بحاكمٍ، وترجع بما استدانته لها أو لولدها الصغير مطلقًا] . النفقات: هي الإنفاق على الزوجات، والإنفاق على الأقارب، ولكن الأصل الذي يكون فيه الخلاف وهو من الواجبات: نفقة الزوجة، بمعنى إعطائها من النفقة ما يكفيها. دليل ذلك قول الله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٣٣] الضمير يرجع إلى الوالدات في قوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ﴾ [البقرة:٢٣٣] ثم قال بعد ذلك: ((وعلى المولود له)) المولود له هو الزوج، عليه رزقهن، أي: رزق الزوجات حتى ولو لم تكن مرضعة، وأما إذا طلقت فإن عليه أجرة إرضاعها لطفلها؛ لأن الله ذكر في سورة الطلاق أجرتهن، قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق:٦] ، فإذا كانت مطلقة وأرضعت الولد، فعلى الزوج نفقة زوجته من مأكول ومشروب، وكسوة وسكنى بالمعروف؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٣٣] المعروف: هو الشيء المعتاد الذي هو متعارف عليه بين الناس، أو الذي هو مناسب لحالة الزوج، أو مناسب لحالة الزوجة.

стр. 1763

ضابط نفقة الموسر والمعسر ثم يقول: (فيفرض لموسرةٍ مع موسرٍ عند تنازع من أعلى خبز البلد وأدمه -كعادة الموسرين- وما يلبس مثلها، وينام ويجلس عليه) . يعني: إذا كان موسراً وعنده ثروة، وهي -أيضاً- من الموسرين، وأهلها نشئوا في ثروة، وهي نشأت في ثروة، فنفقتها في هذه الحال من أرفع ما ينفقه أهل اليسار، ومن أفضل الأطعمة سواء الخبز أو الأرز، وكذا أعلى أنواع الأطعمة وأنفسها؛ وذلك لأنها نشأت على ذلك، وهو أيضاً نشأ على ذلك، فيعطيها ما اعتادته، ولا يضره ذلك، ولا يخل باقتصاده، فعادة الموسرين التوسع في النفقة، وإن كان بعضهم يكون توسعه إسرافاً، وفي هذه الأزمنة الموسرون غالباً يكون أكلهم ثلاث أكلات: أكلة في الصباح في أوله، وأكلة بعد الظهر، وأكلة في الليل، هذه عادتهم، وإن كانت عادة المتوسطين أكلتين صباحاً ومساءً، لكن إذا كان أهل اليسار على هذا فإنه كذلك. ثم الأكلات أيضاً تختلف، فأكلات الموسرين تختلف عن أكلات الفقراء، فأهل اليسار يأكلون أفضل الأطعمة من الأرز ومن أعلى أنواعه، ومن أحسن أنواع اللحوم، وكذلك الأُدم والفواكه والخضار وما أشبه ذلك من الأنواع التي يتفكه بها، هذه عادة الموسرين، فيوفر لزوجته ما كانت اعتادته، حسب نفقة الموسرين. وكذلك المشروبات، إذا كان هناك مشروبات مباحة فإنه يوفرها، من المياه والعصائر والألبان وما أشبهها. وكذلك الكسوة: أعلى أنواع الكسوة وأنفسها كعادة الموسرين. وكذلك فرش الدار التي يجلس عليها، أحسن أنواع الفرش. وكذلك فراش النوم، أحسن أنواع فرش النوم، وهكذا هذه عادة الموسرات تحت الموسر. الفقيرة مع الفقير كفايتها من أدنى خبز البلد وأدمه، وما يلبس مثلها وينام ويجلس عليه، وذلك لأنها نشأت في فقر، وهو نشأ في فقر، فلا يكلف أن ينفق عليها مثل نفقة الموسرين، فيشتري من أرخص أنواع الطعام بقدر الكفاية وبقدر القوت، وبقدر سد الجوع، ولا يتوسع في المأكولات الأخرى، فلا يتوسع في الخضار ولا في الفواكه ولا في اللحوم، وإذا كان عادة فقراء أهل بلده أنهم يأكلون من اللحوم فله أن يطعمها كل أسبوع من أرخص أنواع اللحم كلحم إبل أو نحوه، فإذا شق ذلك عليه اقتصر على ما يسد الجوع، ويقتصر على أكلتين غداء وعشاء. كفايتها من أدنى -يعني: أرخص- خبز البلد وأدمه، وإذا كان الفقراء يأتدمون بالزيت ائتدم به، أو بالخل، أو بالشحم المذاب، أو بالسمن المذاب، أو باللحم ولو لحماً يسيراً رخيصاً، فهو أدم من أرخص الأدم. واللباس كذلك -أيضاً- يشتري لها من الرخيص، إذا كانت الغنية ثوبها مثلاً يكلف خمسمائة، والفقيرة تجد كسوة بخمسين ريالاً أو أقل أو نحو ذلك، فيعطيها ما يلبس مثلها. الفرش يشتري فراشاً متواضعاً ولو خلقاً؛ لأنه لا يقدر على رفيع الثمن. كذلك فراش النوم، ولو مستعملاً. وهكذا أدوات المنزل من الأدوات المستعملة: كالقدور والصحون والأباريق وما أشبهها، يشتري ولو مستعملاً؛ لأنه لا يقدر على ما هو رفيع.

стр. 1764

ضابط نفقة المتوسط مع المتوسطة والموسرة مع الفقير والعكس يقول: (ولمتوسطةٍ مع متوسطٍ، وموسرةٍ مع فقيرٍ وعكسها) أي: فقيرة مع موسر (ما بين ذلك) . يمكن أن تنحصر الحالات في تسع؛ الأولى: موسرة تحت موسر، الثانية: موسرة تحت متوسط، الثالثة: موسرة تحت فقير، الرابعة: فقيرة تحت موسر، الخامسة: فقيرة تحت متوسط، السادسة: فقيرة تحت فقير، السابعة: متوسطة تحت موسر، الثامنة: متوسطة تحت متوسط، التاسعة: متوسطة تحت فقير. فتكون الحالات ثلاث: الموسرة تحت الموسر من أرفع الأطعمة، والفقيرة تحت الفقير من أدناها، والبقية من الوسط. لكن الفقيرة تحت الموسر يندب له أن يكون مثل الموسرين، وأن يتوسع كما يتوسعون؛ وذلك لأنه يجد ويقدر على أن يوسع؛ لأنه ذو مال؛ فيوسع وسعته على أولاده، ولو كانت الزوجة نشأت في بيت فقر وفي فاقة، قد يقول: كيف أوسع عليها؟ أنقلها من عيشة ضيقة إلى عيشة رفيعة؟! نقول: إنك قد ضممتها إليك وأنت ذو مال، ولا ينقصك ولا يضرك أن تتوسع في هذه النفقة، فعليك أن تنفق نفقة الموسرين على زوجتك وعلى نفسك وأولادك. وأما الموسرة تحت الفقير، فهي تقول: أريد أن أتوسع، أنا نشأت في سعة، وأهلي عندهم سعة وفضل وأموال، تغذينا على أحسن الأغذية وأرفعها، فكيف أنتقل من حالة السعة إلى حالة الضيق؟ الجواب إنك رضيتِ بهذا الزوج الفقير، ونفقته على قدر حالته، فلا يكلف نفقة الأغنياء ولا نفقة المتوسطين؛ لأن ذلك يعجزه؛ والله تعالى يقول: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق:٧] ، ويقول تعالى: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة:٢٣٦] ، فإذا رضيت المرأة التي نشأت في بيت سعة أن تختار هذا الفقير؛ لكونه ابن عم أو ابن خال، أو -مثلاً- أخو زوج أختها؛ أو بينهما قرابة، ورضيت وقالت: أرضى به ولو كان فقيراً. فهل تكلفه نفقة الأغنياء؟ لا تكلفه؛ لأن النفقة معتبرة بحالة الزوج. لكن الفقهاء كأنهم يقولون: إنه يصعب على المرأة الغنية أن تصبر على نفقة الفقراء، فلذلك قالوا: المتوسطة مع المتوسط، والموسرة مع فقير، والفقيرة مع موسر عليهم نفقة المتوسطين. وبكل حال فالراجح اعتبار النفقة بحالة الزوج، سواء كان معسراً أو موسراً.

стр. 1765

إذا طلبت المرأة نفقتها نقوداً هل يعطيها القيمة؟ إذا قالت: لا تشتر لي طعاماً ولا كسوة، أعطنيها دراهم أو نقوداً. فهل عليه ذلك؟ ليس عليه ذلك إلا بتراضيهما، فإذا تراضيا على دفع القيمة فلا بأس، قد تقول: أنا ينفق علي أهلي، يعطوني دائماً طعاماً، ويعطوني لحوماً ونحو ذلك؛ لأنهم أهل سعة، آخذ منهم الأرز واللحوم وما أشبهها، فلا تشتري شيئاً، ولكن أعطني نفقتي دراهم. لا يلزمه ذلك إلا إذا تراضيا على ذلك.

стр. 1766

النفقة والصرفيات التي تجب على الزوج من غير الطعام والشراب والكسوة هل عليه شيء غير الطعام والشراب والكسوة؟ عليه نظافتها؛ لأنها بحاجة إلى أن تتجمل له، فلا بد أن يشتري لها ما تتجمل به له، فتدهن رأسها -مثلاً- أو تمشطه، فلا بد أن يأتي لها بما تدهن به رأسها حتى لا يكون شعثاً، وكذلك -أيضاً- نظافة بدنها، إذا كانت تحتاج إلى المنظفات القديمة أو الموجودة الآن مثل الصابون والشامبو وما أشبه ذلك، هذه لو لم تتنظف لكانت قذرة ونفر منها، فلذلك لا بد أن يأتي لها بالأشياء التي تتنظف بها، فتنظف ثيابها، وبدنها، وشعرها وما أشبه ذلك. ولها أن تطلب منه الطيب الذي تتجمل به، وطيب النساء: ما ظهر لونه وخفي ريحه، وكذلك ما يحتاجه بيتها كما هو معتاد من أدوات الدار فهي عليه. هل عليه علاجها إذا مرضت؟

стр. 1767

علاج الزوجة وطيبها ذكروا أنه إذا مرضت فلا يلزمه ثمن الدواء، ولا يلزمه أجرة الطبيب، ولكن الصحيح أنه يرجع في ذلك إلى العرف والعادة، فالناس في هذه الأزمنة العرف عندهم أن الرجل يعالج زوجته، ولا يترك علاجها على أهلها؛ لأنها زوجته تخدمه، وهي فراشه وأم أولاده، وهي المربية لأولاده، فكيف يتركها مريضة تعاني من هذه الأمراض؟ لا يهنأ ولا ترتاح نفسه بتركها على الفراش، فالعرف على أنه يعالجها، ويدفع أجرة الطبيب، ويشتري الأدوية من ماله. وأما ثمن الطيب إذا طلبت طيباً فالصحيح أنه يرجع إلى العرف، وما ذاك إلا أن عرف الناس وعادتهم أنه يشتري لها من الطيب ما يناسبها، وطيب النساء مثل الكركم والعصفر والزعفران والورس التي تصفر به خديها أو ذراعيها وما أشبه ذلك، وكذلك الدهان لرأسها، فهذا العرف على أنه عليه.

стр. 1768

نفقة المرأة المطلقة المرأة المطلقة هل لها نفقة؟ إذا كانت رجعية فلها نفقة؛ لأن الرجعية ما زالت زوجاً، إذا طلقها واحدة واحتبست ثلاثة قروء عليه نفقتها، وعليه سكناها؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ [الطلاق:١] ، فإذا كانت عنده في بيته فمن أين تأكل؟ ينفق عليها، فإذا انتهت عدتها ولم يراجعها فعند ذلك بانت منه، فله أن يخرجها ويقول: انتهت عدتك، اذهبي إلى أهلك. أما قبل أن تنتهي العدة فإنها في عصمته، وعليه نفقتها؛ لأنها في حكم الزوجة، بحيث إنه لو مات ورثت منه، أو ماتت ورث منها.

стр. 1769

نفقة الحامل المطلقة كذلك البائن إذا كانت حاملاً، وهي التي طلقها ثلاثاً، لا تحل له إلا بعد زوج، لكن إذا كانت حاملاً، ففي هذه الحال ينفق عليها، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:٦] فالنفقة عليها للحمل، أما هي فليس لها، فلو أنه ترك النفقة عليها شهراً أو شهرين فهل لها مطالبته، وتقول: إنك تركت النفقة علي شهرين، فأعطني بدلها؟ نقول: ليس لك نفقة، النفقة للحمل، ونفقة الحمل نفقة الأقارب، والأقارب لا تضمن نفقتهم إذا فات الزمان، وأما المرأة فإن نفقتها لا تفوت بفوات الوقت. لو أن إنساناً ترك النفقة على زوجته خمسة أشهر وهي في بيته، ثم إنها أنفق عليها أبوها، أو تصدق عليها جيرانها وهي في هذه الحال ثم جاء زوجها، فتطالبه بنفقة خمسة أشهر، وعليه أن يعوضها؛ لأن نفقة الزوجة معاوضة، وأما نفقة الأقارب فإنها إحسان.

стр. 1770

نفقة المتوفى عنها المتوفى عنها هل لها نفقة؟ ليس لها نفقة، ولو كانت حاملاً، فينفق عليها من نصيبها من الإرث، أو ينفق عليها من قسم الحمل الذي في بطنها؛ لأنه يرث.

стр. 1771

ما تسقط به نفقة الزوجة لما ذكر نفقة الزوجة، وأنها بقدر العسر أو اليسر؛ لقول الله تعالى: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة:٢٣٦] ذكر متى تسقط نفقة الزوجة على زوجها؟ وقد عرفنا أن نفقة الزوجة معاوضة؛ لأنها مقابل بذلها لنفسها، فهي لما بذلت نفسها له للاستمتاع استحقت على ذلك النفقة التي هي القوت والغذاء، فإذا فعلت شيئاً من الأسباب يحول بينه وبين الاستمتاع به سقطت نفقتها في تلك المدة.

стр. 1772

إذا حبست المرأة لسبب من الأسباب فأولاً: إذا حبست لسبب من الأسباب في السجن، وهو لا يقدر على أن يدخل عليها، ولا على أن يجامعها؛ لأنها في داخل سجن، ففي هذه الحال تسقط نفقتها؛ لعدم تمكنه منها.

стр. 1773

إذا نشزت المرأة ثانياً: إذا نشزت، والنشوز هو العصيان، فإذا نشزت ومنعت نفسها، سواء بقيت في بيته ولكن امتنعت من فراشه ومن تمكينه من نفسها، أو خرجت إلى أهلها أو إلى بيت استقلت فيه، فامتناعها حال بينه وبين الاستمتاع بها، والنفقة إنما هي معاوضة لأجل تمكينه من الاستمتاع بها، وهاهنا قد نشزت، ففي هذه الحال لا نفقة لها.

стр. 1774

إذا صامت نفلاً أو نذراً أو كفارة ثالثاً: إذا صامت نفلاً، فلا يلزمه نفقتها نهاراً؛ لأنها منعت نفسها في النهار، أما في الليل فإنها إذا أفطرت بذلت له نفسها، فكأنهم يقولون: يعطيها نفقة الليل دون نفقة النهار، هذا إذا صامت بدون إذنه تطوعاً. لكن نرى أن هذا مما يتسامح فيه، وأنه شيء يسير، وأنها في النهار لا تحتاج إلى نفقة؛ لأنها قد صامت، فلا تحتاج إلى أكل وغيره، وهي قد بذلت نفسها له طوال الليل، وأعطاها فطوراً وعشاءً وسحوراً، فلا ينبغي أن يحسب صيامها إلا إذا خرجت من منزله، فأما ما دامت في منزله وتطوعت فصامت يوم إثنين أو يوم خميس، أو أيام بيض، أو تطوعاً، فلا حاجة إلى أن يحرمها من النفقة، هي تقول: أنا لا أريد نفقة لأني صائمة، إنما النفقة والأكل في الليل، وهي في الليل قد تحللت من الصيام. وكذلك ذكروا أمراً رابعاً: إذا صامت عن كفارة يمين أو نذر نذرته، والتزمت أنها تصوم ذلك النذر الذي كفرته.

стр. 1775

إذا صامت قضاء رمضان ووقته متسع خامساً: ألحقوا به إذا صامت قضاء رمضان ووقته متسع، يعني: إذا كان عليها أيام من رمضان ووقته متسع فصامته مثلاً في شوال أو ذي القعدة، أما إذا ضاق الوقت بأن دخل عليها شعبان، ففي هذه الحال تصوم ولو لم يأذن لها، وتلزمه النفقة. ورد الحديث أن النبي ﷺ قال: (لا تصوم المرأة وزوجها حاضر إلا بإذنه) ، وذكروا أنه إذا صامت بدون إذنه تطوعاً فإن له أن يفطرها، وله أن يطلب منها التمكين، وعليها أن تمكنه من وطئها؛ لأنه حق له عليها. وإن كان هذا مما يتسامح فيه، وأن الأصل أن الصيام يكون في النهار، والرجل يكون منشغلاً بعمله، وكذلك المرأة منشغلة بتربية أولادها وإصلاحهم وما أشبه ذلك، فيكون هذا مما يتسامح فيه.

стр. 1776

إذا حجت نفلاً بدون إذن الزوج سادساً: الحج، إذا حجت نفلاً بلا إذنه. الحج كان قديماً يستغرق وقتاً، من هذه البلاد كان يستغرق شهرين أو قريباً من الشهرين، ففي هذا أنها منعت نفسها من زوجها شهرين، وهذا ليس بلازم لها؛ لأنه حج تطوع، فيرون في هذه الحال أنه يسقط الإنفاق عنه، إلا إذا كان قد رخص لها في أن تحج مع أبويها، أو تحج مع أحد إخوتها وأخواتها لتريهم المناسك، أو لتخدمهم لأنهم بحاجة إليها، فرخص لها زوجها فحجت، ففي هذه الحال إن لم ينفق عليها رفقتها فعلى زوجها الإنفاق؛ لأنه أذن لها بالغيبة، أما إذا التزم الذين حجوا معها أن ينفقوا عليها فليس على الزوج نفقة، وكذلك إذا كان قد رخص لها أن تحج معهم، وطلبت منه نفقة، فإنها تلزمه نفقتها؛ لأنه أذن لها.

стр. 1777

إذا سافرت المرأة لحاجتها سابعاً: إذا سافرت لحاجتها بإذنه فلا نفقة لها؛ لأن الحاجة لها، فتسقط نفقتها بالسفر؛ لأنها حالت بينه وبين نفسها، حتى لو كان السفر بإذنه، كأن سافرت خمسة أيام أو شهراً لأجل أن تزور أقاربها، أو تخدم أبويها، أو تمرض أحد أبويها أو إخوتها، أو سافرت لحاجة تخصها، ففي هذه الحال حالت بين زوجها وبين نفسها، وسقطت نفقتها. الناس في هذه الأزمنة في سعة من العيش، فهم يتغاضون عن مثل ذلك.

стр. 1778

نفقة الزوجة على عادة أهل البلد وكل ما تقدم يتعلق بالنفقة التي هي الأكل والشرب؛ لأنه ضروري، والناس فيه على ما اعتادوا، فبعضهم يكتفون بالأكل مرة واحدة في اليوم والليلة، وهذا في بعض البلاد سيما الفقراء والضعفاء ونحوهم، وفي بعضها يأكلون كل يوم أكلتين: أكلة في النهار، وأكلة في الليل، وكأن هذا هو المعتاد غداء وعشاء، هذا هو الذي كان معروفاً في القرون الماضية بين المسلمين وغيرهم: أكلتان كل يوم. جاءت هذه الأزمنة المتأخرة فصاروا يأكلون ثلاث أكلات: أكلة في الصباح، وأكلة في وسط النهار قريباً من بعد الظهر، وأكلة في الليل. فالنفقة تكون على عرف أهل كل بلد، فإذا كانوا يأكلون أكلتين وفر لها الأكلتين، وإذا كانوا يأكلون ثلاثاً وفر لها الثلاث، والأصل والعادة أنه يوليها مفاتح خزائنه التي فيها الطعام والشراب، وهي في هذه الحال تأخذ لنفسها ما تريد، ولكن الشيء الذي لا يكون متوفراً عليها أن تطلبه مثل اللحم، وقديماً كانوا يشترونه يومياً قبل وجود آلات الثلاجات، وكذلك الفواكه والخضار يشترونها يومياً، فإذا كان في بلاد ليس فيها ثلاجات ونحوها فإنه يلزمه أن يؤمن ذلك لها كل يوم، وإلا فكل أسبوع كما في هذه البلاد ونحوها. وإذا اعتادت على أكل لحم من نوع خاص كسمك أو طير كدجاج أو حمام أو نحو ذلك، فإن عليه أن يوفره إذا كان قادراً؛ لأن هذا مما اعتاده أهل البلد.

стр. 1779

الكسوة الواجبة هي مرة أو كل سنة ذكر بعد ذلك الكسوة، يقول: (ولها الكسوة كل عام مرة في أوله) . هكذا كان في الأزمنة المتقدمة، إذا دخلت السنة اشترى لها كسوة، يشتري لها مثلاً قميصاً وسراويل، وخماراً وعباءةً، ورداءً وجلباباً، فيشتري مرة واحدة، ويكفيها سنة، هذه كانت عادتهم، وكذلك أيضاً كانت عادة الرجال، نحن قبل خمسين أو ستين سنة يبقى الثوب والقميص علينا سنة أو عشرة أشهر، ولا نغسله إلا بالماء في كل أسبوع أو كل أسبوعين، وإذا غسله أحدنا يبقى ليس عليه إلا إزار إلى أن يجف الثوب ثم يلبسه، وهكذا أيضاً كانت النساء ليس عندها إلا ثوب واحد، إذا انتهت السنة وإذا هو قد بلي، وإذا تشقق في أثناء السنة تخيطه، وترقع وسطه إذا احتاج إلى رقعة، ترقعه من ثياب السنة الماضية. وتلك الثياب أيضاً ثياب تنسج في البلاد العربية، لا يستوردونها من البلاد البعيدة، وهي أيضاً رخيصة، كانوا يبيعونه بالذراع الذي هو أربعة وخمسون سنتيمتراً، الذراع بنصف الريال، أو الذراعان بريال ونصف، وبعض الأقمشة يقدر أن المتر بريال، وقد يكون بأقل في بعض الأقمشة، فتكون كسوتها تكلفها عشرة ريالات، وربما خمسة ريالات في بعض الأقمشة، وتكفيها سنة، وإذا كانت مترفهة اشترت كسوتين، كل كسوة بعشرة ريالات، هذه كانت عادة النساء قبل خمسين أو ستين سنة، قبل وجود هذا التوسع. ولما فتح الله على الناس هذه الأموال، وكذلك انفتح باب الواردات توسعوا، حتى من قبل سنين في بعض البلاد التي فيها توسع، ونحن نحكي حال القرى الذين هم في قلة من العيش، وأما المدن الكبيرة كمكة والرياض ونحوها فإن عند كثير منهم توسعاً. حتى قبل أربعين أو خمس وأربعين سنة يذكر لنا أحد المشايخ أن كثيراً من النساء عندها ثياب كان لها منذ سنة وسنتين وثلاث سنوات، وكل سنة تشتري زيادة، حتى إن الثوب يكلف في ذلك الوقت خمسمائة ريال، بينما الفقراء يكفيهم عشرة ريالات للثوب، فهؤلاء الذين يتوسعون يصل الثوب إلى خمسمائة، وفي هذه الأزمنة -كما تسمعون- كثير من النساء كسوتها تكلفها ألفاً، وربما ألفين، وربما ثلاثة آلاف، المتر الذي كانوا يشترونه بعشرة أصبح الآن يباع بخمسمائة أو بأربعمائة، لا شك أن هذا التوسع لأجل أن الناس توسعوا في الأموال، وصاروا يحرصون على أن يقتنوا أرفع الأقمشة وأعلاها وأغلاها. والنساء يتفاخرن في ذلك، الآن المرأة إذا دخلت لتشتري قماشاً رأت القماش الغالي ولو كان رديئاً، والباعة يزيدون عليها، تأتي إلى أحدهم فيقول: هذا المتر بمائة، وهذا المتر بمائتين، وهذا بثلاثمائة، مع أنها كلها سواء، فتقول: أريد من الذي قيمته ثلاثمائة، ولو حدها بخمسمائة أو بستمائة لاشترت مما هو رفيع، ولا شك أن هذا من العبث، وأنه من إضاعة الأموال. وهذه الإضاعة -أيضاً- وقع بها من قديم كثيرون، ذكر ابن القيم في كتابه "روضة المحبين ونزهة المشتاقين" يتكلم عن الحب الذي يُبتلى به كثير من الناس أو من النساء، يذكر أن رجلاً عشق امرأة لما رأى عليها ثوباً أعجبه نوع القماش، فصار كلما رأى في السوق ثوباً مفصلاً من ذلك النوع الذي رآه على معشوقته اشتراه، حتى لما توفي وإذا عنده أكثر من مائتي ثوب! يدل على أن الناس يشترون ما يناسبهم وما يهوونه. فإذا كان في هذه الأزمنة فالكسوة على قدر المناسبة، والناس في هذه الأزمنة توسعوا في بعض الكسوة، فالمرأة تفرض على زوجها كسوة في كل مناسبة، ففي كل عيد تطلب كسوة جديدة، كذلك أيضاً في أيام المناسبات كحفلات زواج إخوتها أو أخواتها، تطلب أيضاً كسوة جديدة في كل مناسبة، وإذا قيل لها: عندك كسوة تم شراؤها قريباً. تقول: إن هذه قد استعملت، أو رئيت يوماً أو نصف يوم. فتفرض عليه أن يجدد لها كسوة في كل مناسبة، والرجال يتسامحون معهن في ذلك، وكان الأولى المنع والامتناع؛ لأن هذا من الإسراف؛ ولأنه من إيتاء السفهاء، والله تعالى يقول: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء:٥] أي: لا تسلطوهم على أموالكم فيفسدونها، فإذا كانت المرأة تشتري الكسوة بألف أو بألفين أو بثلاثة آلاف اعتبر ذلك من السفه والإفساد. ويقال كذلك أيضاً فيما تحتاجه من الحلي والزينة ونحوها، مثاله: إذا طلبت شراء ساعة يدوية فإنه قد يتنازل معها، وتوجد ساعة -مثلاً- بمائتين، وساعة بألفين، وساعة بعشرة آلاف، فكثير من النساء تشتري أعلى ما تجد، ولو كانت المكانة واحدة، ولو كان الاستعمال واحداً، يخيل إليها أن زيادة الثمن يدل على الحسن والجمال، ويدل على القوة والمناعة وما أشبه ذلك. وقد أخبرني الكثير من الذين يستوردون الساعات أنها كلها سواء، يعني: أدواتها، وآلاتها الداخلية، لا فرق بين التي قيمتها مائتان والتي قيمتها عشرة آلاف إلا في الاسم والمورد، تؤخذ من الذي يصنعها سواء في اليابان أو في الصين أو في أمريكا، الأدوات واحدة لا تختلف، ومع ذلك الذي يوردها يكتب عليها اسم أنها ساعة كذا وكذا، فإذا خيل إليهم أنها من نوع كذا وكذا ظنوا أن لها مكانة. الذين يشترون الساعة التي بمائتين، والذين يشترون الساعة التي بألفين أو بخمسة آلاف أو بعشرة، يجدون أن الاستعمال واحد، وأنه لا فرق بين هذه وهذه، قد تكون هذه أسرع خراباً من هذه، فلذلك نقول: الواجب الأخذ على أيدي السفهاء.

стр. 1780

بقاء نفقة الزوجة في ذمة الزوج إذا لم ينفق عليها كذلك عاد إلى النفقة فقال: (ومتى لم ينفق تبق في ذمته) . وذلك لأن النفقة -كما قلنا- معاوضة، فإذا امتنع من النفقة عليها فلها أن تطالبه بنفقة ما مضى، ولا تسقط نفقة الزوجة بمضي زمان، سواء كان تركه النفقة لغيبة أو لتساهل، تركها مثلاً في بيته ولم ينفق عليها، فأخذت تتكفف الناس وتسأل من آل فلان أو فلان، أو عرف حالتها بعض جيرانها أو بعض أهلها فأعطاها ما يسد خلتها مدة شهر أو أشهر، فلها أن تطالب زوجها فتقول: أنت تركت الإنفاق علي هذا الشهر أو هذه السنة، إما لكونك غائباً، وإما لكونك حاضراً ولكنك متساهل، وأنا أنفقت على نفسي من مالي، أو أنفق علي أبي، أو تصدق علي جيراني أو أقاربي، فالآن أطالبك بنفقة هذا الشهر ولو كان قد مضى، ولو عدة أشهر، ولو عدة سنوات. فللزوجة مطالبته بنفقة ما مضى، وإذا لم ينفق بقيت النفقة ديناً في ذمته، فإن أسقطت ذلك عنه وإلا ألزم بغرامته؛ لأن النفقة على الزوجة معاوضة كما ذكرنا.

стр. 1781

إذا غاب الزوج وأنفقت من ماله حال غيبته ثم تبين أنه قد مات إذا غاب وأنفقت من ماله في غيبته فبان ميتاً رجع عليها وارث، وذلك لأنها تستحق النفقة في حياته مقابل ما بذلت له نفسها، فغاب مثلاً شهراً أو سنة وهي في بيته تنفق على نفسها من ماله، ثم تبين أنه مات قبل سنة أو قبل ثمانية أشهر، إذا لم يتسامح معها الورثة طالبوها بنفقة ما مضى، ولا يطالبونها بالنفقة على أولاده؛ لأن لهم حقاً، ويمكن أيضاً أن يسقطوا ما أنفقته على نفسها أو على أولادها من إرثهم. وقد يقولون: أنتِ لك حق في التركة، وهو الثمن، وأولادك لهم حق في التركة، ونحن الأولاد الكبار لنا حق، فعلينا أن نطالبك بما أخذت، ثم نقتسمها، فيطالبونها مثلاً وترد عليهم خمسة آلاف أو عشرة آلاف مثلاً يجعلونها في التركة ويقسمونها، ثم يعطونها نصيبها من التركة، فيعطون كل واحد من أطفالها نصيبه أو يعطونه لوليهم؛ وذلك لأنه بعد موته ينتقل المال إلى الورثة.

стр. 1782

إذا سلمت المرأة نفسها لزوجها وجبت نفقتها يقول: (ومن تسلم من يلزمه تسلمها، أو بذلته هي أو وليها، وجبت نفقتها ولو مع صغره ومرضه وعنته وجبه) . إذا عقد الرجل على امرأة، ولما تم العقد قالت له: خذني إليك، أنا بذلت لك نفسي، وليس عنده مانع لكنه لم يتسلمها، بل تركها شهراً أو سنة وهي تبذل نفسها، ففي هذه الحال إذا طالبته بنفقة السنة لزمه أن يدفعها، وكذلك لو لم يستلمها لزمه أن ينفق عليها. هي تقول: خذني إليك، أنا قد أعددت نفسي، ليس هناك مانع. وهو يقول: لم أتأهب ولم أستعد. في هذه الحال يلزمه نفقتها ولو كانت عند أهلها؛ لأنها استعدت لبذل نفسها ولتسليم نفسها له. وكذلك إذا تسلم من يلزمه تسلمها ابتدأت النفقة، بذلت نفسها وقالت: خذني. فيلزمه النفقة ولو لم يأخذها، أو بذلها له أبوها أو أخوها الذي هو الولي، يقولون له: خذ امرأتك، لا عذر لك، قد عقدت عليها وأصبحت في ذمتك، فخذ زوجتك. لكنه يعتذر بأنه غير مستعد أو لم يتأهب، فيطالبونه فيقولون: زوجتك قد بذلت نفسها، فخذها وأعطنا نفقتها، أنفق عليها ولو كانت عندنا؛ لأنها بذلت لك نفسها؛ فتجب عليه نفقتها ولو كانت عند أهلها. لو كان صغيراً وعُقد له على امرأة، وطلب أهل المرأة أن يأخذها وهي ممن يوطأ مثلها كابنة تسع، وهو يمكن أن يطأ كابن عشر، ففي هذه الحال أيضاً تلزمه نفقتها، أو يلزم وليه أن يعطيها. لو كان الزوج مريضاً وبذلت نفسها أو بذلها وليها وجبت نفقتها، وكذا لو كان عنيناً أو مجبوباً، العنين: هو الذي لا ينتشر ذكره، ولا يكون له شهوة، ولكنه عقد على امرأة، ومع ذلك بذلت له نفسها، وكذلك المجبوب -الذي هو مقطوع الذكر- إذا عُقد له على امرأة يلزمه أن ينفق عليها إذا بذلت له نفسها.

стр. 1783

إذا منعت المرأة نفسها قبل الدخول لأجل المهر وجبت نفقتها يقول: (ولها منع نفسها قبل دخولٍ لقبض مهرٍ حال ومع ذلك لها النفقة) . فإذا جاءها وقال: اذهبي معي. فقالت: أنا مستعدة أن أذهب، ولكن أعطني بقية المهر، بقي عندك ألف أو عشرون ألفاً، فلا أذهب معك إلا بعد أن تعطيني بقية الصداق الذي هو حال غير مؤجل، فهل يحق لها هذا الامتناع؟ يحق لها؛ لأنها منعت نفسها بحق؛ ولأن هذا شيء يفوت؛ ولأن الاستمتاع بها لا يمكن تعويضه، ففي هذه الحال يلزمه أن يعطيها صداقها، وإذا لم يعطها فلها أن تمتنع. فإذا امتنعت وبقيت عند أهلها، امتناع بحق، وفي هذه الحال هل لها نفقة؟ نعم، لها نفقة؛ لأن امتناعها بحق. لو قال: كيف أنفق عليها ولم أتسلمها؟ كيف أنفق عليها ولم أتمكن من الاستمتاع بها؟ فنقول: إنك أنت الذي أخللت بالشرط، وهو إعطاؤها حقها، أعطها صداقها كاملاً؛ لأن هذا هو الذي عقد لك عليها بموجبه، فنحن نطالبك بالنفقة، ونطالبك بالصداق، فإذا دفعت الصداق سلمنا لك المرأة.

стр. 1784

الحالات التي يجوز للمرأة فيها طلب الفسخ متى يجوز لها طلب الفسخ؟ في حالات: الحالة الأولى: إذا كان معسراً لا يقدر على نفقة المعسرين، وقد تقدم أن المعسر إنما عليه من أرخص الأطعمة، وتعرفون أن الفقراء يشترون أرخص الخبز؛ لأن قصدهم بذلك سد الجوع، ولا يشترون اللحوم ولا الفواكه وما أشبه ذلك، ولا يشترون الأشربة التي يتفكهون بها، إنما يشترون شيئاً يسدون به جوعهم، فإذا قدر أن هذا الرجل لا يقدر حتى على شراء القوت الضروري الذي هو من يابس الخبز، فهل تصبر على هذا الجوع؟ في هذه الحال أعسر بنفقة المعسرين، فلها أن تطلب الفسخ، فتذهب إلى الحاكم وتقول: لا أصبر عليه، ليس عنده ما يقوتني، أموت جوعاً! ثانياً: كذلك لو كان لا يجد القوت إلا يوماً وراء يوم، في هذه الحال أيضاً لها طلب الفسخ، يشتغل وشغله إنما يحصل به قوت يوم، والثاني لا يحصله، أو يحصل قوت نفس اليوم، ففي هذه الحال إذا أعسر ببعضها فلها طلب الفسخ. لكن إذا أعسر بشيء في ذمته لها بعد أن سلمت نفسها ففي هذه الحال لا تطلب الفسخ، وذلك إذا قالت: خذني، ولو كان الصداق لم تسلمه لي، فسلمت نفسها وذهبت معه، والصداق دين في ذمته مع أنه دين حال، وبعدما مضى عليها شهر أو سنة طالبته بالصداق، فقالت: أعطني الصداق وإلا ذهبت إلى أهلي، هل لها ذلك؟ ليس لها ذلك؛ لأنها طاوعت بتسليم نفسها، فيبقى صداقها في ذمته إلى أن يجده: ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [الطلاق:٧] . ثالثاً: إذا غاب، وتعذرت عليها النفقة بالاستدانة ونحوها، كأن غاب غيبة طويلة ولم يرسل لها نفقة، عجز عن إرسال النفقة، ولم تقدر على أن تستدين في ذمته، ولم يكن له أقارب ينفقون عليها، فهل تصبر على الجوع؟ ليس عليها ذلك، ولها أن تطلب الفسخ، وكذلك إذا أعسر بالكسوة، أو غاب وتعذرت الكسوة وقتها، ولم تجد من يكسوها، ولم يكن عندها أهل له ولا أقارب يكسونها.

стр. 1785

كيفية الفسخ كيفية الفسخ: أن ترفع إلى الحاكم، والحاكم -قاضي البلد- ينظر في المسألة، فإذا اتضح له أنه ليس لها أحد ينفق عليها، وأن زوجها لم يترك لها نفقة، وأنه عاجز عن النفقة، أو أن زوجها غائب ولا يدرى متى يقدم، ولم يرسل لها، ولم يكن له أقارب ينفقون عليها وعلى أولاده، فالحاكم يخول في أن يفسخ، فيقول: بناءً على غيبة فلان، وتعذر إنفاق زوجته من ماله، وبناءً على الضرر الذي يلحقها حكمت بفسخ نكاحه منها، وأن لها بعد العدة أن تتزوج من شاءت. ففي هذه الحال له ذلك. وإذا فسخ فهل عليها عدة؟ عليها الاستبراء، إذا حاضت حيضة ولو كان معلوماً أنه قد طال غيبته، فبعد حيضة واحدة لها أن تتزوج. إذا غاب زوجها واستدانت في ذمتها للنفقة عليها وعلى أولادها الأطفال، ثم رجع الزوج، ففي هذه الحال تطالبه بوفاء هذا الدين، وتقول: علي لفلان مائة أنفقتها علي وعلى أولادي، وعلي لفلان مائتان، وعلي لفلان ألف؛ بسبب أنك ما تركت لنا نفقة، فنحن اضطررنا إلى الاستدانة، لها ذلك، ولها أن تطالبه بالتعويض، فيوفي الديون التي عليها. انتهى ما يتعلق بالنفقة على الزوجة.

стр. 1786

شرح أخصر المختصرات [٧٣] شرع الله التوارث بين الأقارب، فيرث الأخ أخاه ويرث أباه وابنه وهكذا، وكما يرث القريب قريبه فيغنم تركته، فكذلك عليه أن يشارك في الإنفاق عليه إذا افتقر، وذلك بشروط وأحكام فصلها الفقهاء وبينوها، وكل ذلك مما ينبغي على كل مسلم معرفته.

стр. 1787

الأقارب الذين تجب النفقة عليهم قال المصنف ﵀: [فصل: وتجب عليه بمعروف لكل من أبويه وإن علوا، وولده وإن سفل، ولو حجبه معسر. ولكل من يرثه بفرض أو تعصيب لا برحم، سوى عمودي نسبه، مع فقر من تجب عليه وعجزه عن كسب، إذا كانت فاضلة عن قوت نفسه وزوجته ورقيقه يومه وليلته كفطرة، لا من رأس مال وثمن ملك وآلة صنعة] .

стр. 1788

الأصول الذين تجب عليهم النفقة هذا الفصل يتعلق بالنفقة على الأقارب. والأقارب هم الأصول والفروع والحواشي وذوو الأرحام، ولا يدخل فيهم الأقارب من الرضاع. فأما الذين تلزمه نفقتهم فأصوله وفروعه، سواء كانوا وارثين أو غير وارثين، وذلك إذا افتقروا واستغنى، ومنهم الأبوان، فحق على ولدهما أن ينفق عليهما، وإذا كان لهم عدة أولاد وزعت النفقة على الأولاد، إلا إذا كانوا فقراء استقل بها من كان غنياً. إذا كان أبواه بحاجة إلى النفقة الضرورية -النفقة بالمعروف- فينفق عليهما، ولا يقول: إن أولادكم كثير؛ لأنهم قد يقولون: أولادنا فقراء مثلنا، فنحن بحاجة، أنفق علينا. لا شك أن هذا من حق الوالدين، والله تعالى أمر بالإحسان إليهما: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة:٨٣] فهل من الإحسان أن يتركهما جائعين؟! لا شك أن إنفاقه عليهما يعتبر من الإحسان. كذلك الأجداد والجدات لهم حق الولادة، فإذا كان جدك موجوداً وأبوك موجوداً، ولكن أبوك فقير وأنت غني، فعليك أن تنفق على جدك كما تنفق على أبيك، وكذلك الجدات سواء من قبل الأب أو من قبل الأم وكذا الجد أبو الأم، ولو كان من ذوي الأرحام، والجدة أم الأم ولو كانت من ذوي الأرحام، فتجب عليك نفقتهم إذا كنت قادراً وكانوا محتاجين. وإذا كان أولادهم موجودين فالنفقة على الأولاد لا على أولاد الأولاد، إذا كان مثلاً جدك فقيراً، وأبوك غنياً، وكنت أنت غنياً، من الذي ينفق على جدك؟ ينفق عليه ولده لأنه أقرب؛ ولأنه هو الذي يرثه، فينفق عليه ولده، ولا يقول: أنفق علي يا ولد الولد. أنت تقول: هناك من هو مثلي في الغنى، وأقرب لك مني. فينفق عليه ولده، فإن كان ولده فقيراً وأولاده كلهم فقراء طالب ولد الولد. فالحاصل: أنه تجب عليه النفقة بالمعروف -يعني: بالمعتاد- لا إسراف ولا تقتير، وينفق على أبويه نفقة كفاف، فليس لهما أن يطالباه بالتوسع، فلا يقولان له: أنت في سعة، وأنت في ثروة، وعندك أموال طائلة، فنريد أن توسع علينا، نريد أن تسكننا في مساكن عالية، ونريد أن تفرش المساكن بفرش عالية، ونريد أن ترفهنا بالأمتعة الحسنة، ونريد أن تشتري لنا الكسوة الغالية، وأن تعطينا من أنواع اللحوم والفواكه والخضار وما أشبه ذلك، ليس لهما مطالبتك إلا بالنفقة بالمعروف، أي: النفقة المعتادة ليست الزائدة، هذه نفقة أبويه، جده أبو أبيه، وجده أبو أمه، وكذلك أجداده وإن بعدوا، أمه، وجدته أم الأم، أو أم الأب، وجدتها، وجدة أبيه، وإن علت الجدات، كل هؤلاء يسمون أصولاً، يلزمه أن ينفق عليهم إذا لم يكن هناك أقرب منه.

стр. 1789

الفروع الذين تجب عليهم النفقة ثانياً: الفروع. الفروع: هم الأولاد ذكوراً وإناثاً، وأولاد الأولاد، وأولاد أولاد الأولاد ذكوراً وإناثاً، ولو كانوا أجانب، إذا افتقروا ولم يكن لهم من ينفق عليهم فإنه ينفق عليهم، فمثلاً: بنت بنتك قد تكون أجنبية، أبوها الذي هو زوج بنتك فقير، وأمها التي هي بنتك فقيرة، وأنت غني، فعليك أن تعطيها نفقة الفقراء، أي: تعطيها كفافاً تنفق عليها بالمعروف. كذلك ابن بنتك أجنبي، إذا افتقر وكان أبوه وأمه وأقاربه الذين يرثونه فقراء فعليك نفقته، وبطريق الأولى ابن ابنك وبنت ابنك الذين ينتسبون إليك، ولو كانوا بعيداً، ولو كان ابن ابن ابن ابن، أو كذلك بنت ابن ابن ابن، أو بنت بنت بنت ابن، أو بنت بنت بنت بنت، يعني: الفروع كلهم وإن كثروا يسمون فروعاً لك، بمنزلة فروع الشجرة، فأنت تعرف مثلاً أن ساق الشجرة له فروع، فهؤلاء الفروع هم أولادك ذكوراً وإناثاً، وأولادهم، وأولاد أولادهم، وساق الشجرة لها عروق ممتدة في الأرض، هؤلاء هم أصولك الذين هم آباؤك وأجدادك ذكوراً وإناثاً، فمثل هؤلاء تلزم نفقتهم على من كان غنياً. قد تقول مثلاً: أنا لا أرث من ابن ابني، إذا مات فإنه يرثه ابني الذي هو أبوه المباشر، وأنا جده، فكيف أنفق عليه وأنا لا أرث منه، وأنا محجوب بمن هو أقرب مني؟ الجواب إن الذي حجبك فقير، صحيح أنه أقرب إليه، وأنت جده، وأبوه موجود، ولكن أباه فقير وهو فقير. وكذلك أيضاً الأصول: إذا كان جدُك فقيراً وأبوك أيضاً فقيراً، لو مات جدك لم ترث منه، وميراثه لأبيك، يحجبك أبوك، وإنما أنت الغني، وأبوك فقير وجدك فقير، وابنك فقير، وابن ابنك فقير، فتنفق على جدك مع أنك محجوب، وتنفق على ابن ابنك مع أنك محجوب، حجبك معسر. هذا بالنسبة إلى الأبوين والفروع، يعني: الأصول والفروع.

стр. 1790

الحواشي الذين لهم الحق في النفقة أما الحواشي فهم: الإخوة وبنوهم، والأخوات، والأعمام وبنوهم، هؤلاء الحواشي: أعمام الأب، أعمام الجد، أبناء العم وما أشبههم، هؤلاء -أيضاً- يعتبرون من الأقارب، لهم حق عليك، الدليل قوله تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ [الإسراء:٢٦] وقول الله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى﴾ [البقرة:٨٣] فلهم حق عليك: حق الصلة، وحق القرابة، وحق الهدية، والزيارة والاستزارة والإكرام والاحترام والبر ونحو ذلك. لكن بالنسبة إلى النفقة: متى تجب عليك نفقة أقاربك كإخوتك وأخواتك وأعمامك وبنوهم؟ تجب على من ترثه بفرض أو بتعصيب، إذا كنت ترث هذا الإنسان الفقير لو مات، فإنه عليك نفقته إذا افتقر، فإذا كنت لا ترثه فليس عليك نفقته ولو كان فقيراً، ولو كان الذي حجبه فقيراً، وإذا كان لك أخوان من الأب، وهما شقيقان، وهما فقيران، فأنت لا ترث واحداً منهما، إذا مات هذا ورثه أخوه الشقيق، وأنت لا ترث منه، فلا تجب عليك نفقة واحد منهما؛ وذلك لأنه لا يحصل التوارث، فلو مات واحد منهما فإنك ترث الآخر، فعليك نفقته؛ لأنك أصبحت وارثاً، والذي حجبك قد توفي.
следующие страницы →