Полный текст (2 153 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.
стр. 1786
شرح أخصر المختصرات [٧٣]
شرع الله التوارث بين الأقارب، فيرث الأخ أخاه ويرث أباه وابنه وهكذا، وكما يرث القريب قريبه فيغنم تركته، فكذلك عليه أن يشارك في الإنفاق عليه إذا افتقر، وذلك بشروط وأحكام فصلها الفقهاء وبينوها، وكل ذلك مما ينبغي على كل مسلم معرفته.
стр. 1787
الأقارب الذين تجب النفقة عليهم
قال المصنف ﵀: [فصل: وتجب عليه بمعروف لكل من أبويه وإن علوا، وولده وإن سفل، ولو حجبه معسر.
ولكل من يرثه بفرض أو تعصيب لا برحم، سوى عمودي نسبه، مع فقر من تجب عليه وعجزه عن كسب، إذا كانت فاضلة عن قوت نفسه وزوجته ورقيقه يومه وليلته كفطرة، لا من رأس مال وثمن ملك وآلة صنعة] .
стр. 1788
الأصول الذين تجب عليهم النفقة
هذا الفصل يتعلق بالنفقة على الأقارب.
والأقارب هم الأصول والفروع والحواشي وذوو الأرحام، ولا يدخل فيهم الأقارب من الرضاع.
فأما الذين تلزمه نفقتهم فأصوله وفروعه، سواء كانوا وارثين أو غير وارثين، وذلك إذا افتقروا واستغنى، ومنهم الأبوان، فحق على ولدهما أن ينفق عليهما، وإذا كان لهم عدة أولاد وزعت النفقة على الأولاد، إلا إذا كانوا فقراء استقل بها من كان غنياً.
إذا كان أبواه بحاجة إلى النفقة الضرورية -النفقة بالمعروف- فينفق عليهما، ولا يقول: إن أولادكم كثير؛ لأنهم قد يقولون: أولادنا فقراء مثلنا، فنحن بحاجة، أنفق علينا.
لا شك أن هذا من حق الوالدين، والله تعالى أمر بالإحسان إليهما: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة:٨٣] فهل من الإحسان أن يتركهما جائعين؟! لا شك أن إنفاقه عليهما يعتبر من الإحسان.
كذلك الأجداد والجدات لهم حق الولادة، فإذا كان جدك موجوداً وأبوك موجوداً، ولكن أبوك فقير وأنت غني، فعليك أن تنفق على جدك كما تنفق على أبيك، وكذلك الجدات سواء من قبل الأب أو من قبل الأم وكذا الجد أبو الأم، ولو كان من ذوي الأرحام، والجدة أم الأم ولو كانت من ذوي الأرحام، فتجب عليك نفقتهم إذا كنت قادراً وكانوا محتاجين.
وإذا كان أولادهم موجودين فالنفقة على الأولاد لا على أولاد الأولاد، إذا كان مثلاً جدك فقيراً، وأبوك غنياً، وكنت أنت غنياً، من الذي ينفق على جدك؟ ينفق عليه ولده لأنه أقرب؛ ولأنه هو الذي يرثه، فينفق عليه ولده، ولا يقول: أنفق علي يا ولد الولد.
أنت تقول: هناك من هو مثلي في الغنى، وأقرب لك مني.
فينفق عليه ولده، فإن كان ولده فقيراً وأولاده كلهم فقراء طالب ولد الولد.
فالحاصل: أنه تجب عليه النفقة بالمعروف -يعني: بالمعتاد- لا إسراف ولا تقتير، وينفق على أبويه نفقة كفاف، فليس لهما أن يطالباه بالتوسع، فلا يقولان له: أنت في سعة، وأنت في ثروة، وعندك أموال طائلة، فنريد أن توسع علينا، نريد أن تسكننا في مساكن عالية، ونريد أن تفرش المساكن بفرش عالية، ونريد أن ترفهنا بالأمتعة الحسنة، ونريد أن تشتري لنا الكسوة الغالية، وأن تعطينا من أنواع اللحوم والفواكه والخضار وما أشبه ذلك، ليس لهما مطالبتك إلا بالنفقة بالمعروف، أي: النفقة المعتادة ليست الزائدة، هذه نفقة أبويه، جده أبو أبيه، وجده أبو أمه، وكذلك أجداده وإن بعدوا، أمه، وجدته أم الأم، أو أم الأب، وجدتها، وجدة أبيه، وإن علت الجدات، كل هؤلاء يسمون أصولاً، يلزمه أن ينفق عليهم إذا لم يكن هناك أقرب منه.
стр. 1789
الفروع الذين تجب عليهم النفقة
ثانياً: الفروع.
الفروع: هم الأولاد ذكوراً وإناثاً، وأولاد الأولاد، وأولاد أولاد الأولاد ذكوراً وإناثاً، ولو كانوا أجانب، إذا افتقروا ولم يكن لهم من ينفق عليهم فإنه ينفق عليهم، فمثلاً: بنت بنتك قد تكون أجنبية، أبوها الذي هو زوج بنتك فقير، وأمها التي هي بنتك فقيرة، وأنت غني، فعليك أن تعطيها نفقة الفقراء، أي: تعطيها كفافاً تنفق عليها بالمعروف.
كذلك ابن بنتك أجنبي، إذا افتقر وكان أبوه وأمه وأقاربه الذين يرثونه فقراء فعليك نفقته، وبطريق الأولى ابن ابنك وبنت ابنك الذين ينتسبون إليك، ولو كانوا بعيداً، ولو كان ابن ابن ابن ابن، أو كذلك بنت ابن ابن ابن، أو بنت بنت بنت ابن، أو بنت بنت بنت بنت، يعني: الفروع كلهم وإن كثروا يسمون فروعاً لك، بمنزلة فروع الشجرة، فأنت تعرف مثلاً أن ساق الشجرة له فروع، فهؤلاء الفروع هم أولادك ذكوراً وإناثاً، وأولادهم، وأولاد أولادهم، وساق الشجرة لها عروق ممتدة في الأرض، هؤلاء هم أصولك الذين هم آباؤك وأجدادك ذكوراً وإناثاً، فمثل هؤلاء تلزم نفقتهم على من كان غنياً.
قد تقول مثلاً: أنا لا أرث من ابن ابني، إذا مات فإنه يرثه ابني الذي هو أبوه المباشر، وأنا جده، فكيف أنفق عليه وأنا لا أرث منه، وأنا محجوب بمن هو أقرب مني؟
الجواب
إن الذي حجبك فقير، صحيح أنه أقرب إليه، وأنت جده، وأبوه موجود، ولكن أباه فقير وهو فقير.
وكذلك أيضاً الأصول: إذا كان جدُك فقيراً وأبوك أيضاً فقيراً، لو مات جدك لم ترث منه، وميراثه لأبيك، يحجبك أبوك، وإنما أنت الغني، وأبوك فقير وجدك فقير، وابنك فقير، وابن ابنك فقير، فتنفق على جدك مع أنك محجوب، وتنفق على ابن ابنك مع أنك محجوب، حجبك معسر.
هذا بالنسبة إلى الأبوين والفروع، يعني: الأصول والفروع.
стр. 1790
الحواشي الذين لهم الحق في النفقة
أما الحواشي فهم: الإخوة وبنوهم، والأخوات، والأعمام وبنوهم، هؤلاء الحواشي: أعمام الأب، أعمام الجد، أبناء العم وما أشبههم، هؤلاء -أيضاً- يعتبرون من الأقارب، لهم حق عليك، الدليل قوله تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ [الإسراء:٢٦] وقول الله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى﴾ [البقرة:٨٣] فلهم حق عليك: حق الصلة، وحق القرابة، وحق الهدية، والزيارة والاستزارة والإكرام والاحترام والبر ونحو ذلك.
لكن بالنسبة إلى النفقة: متى تجب عليك نفقة أقاربك كإخوتك وأخواتك وأعمامك وبنوهم؟ تجب على من ترثه بفرض أو بتعصيب، إذا كنت ترث هذا الإنسان الفقير لو مات، فإنه عليك نفقته إذا افتقر، فإذا كنت لا ترثه فليس عليك نفقته ولو كان فقيراً، ولو كان الذي حجبه فقيراً، وإذا كان لك أخوان من الأب، وهما شقيقان، وهما فقيران، فأنت لا ترث واحداً منهما، إذا مات هذا ورثه أخوه الشقيق، وأنت لا ترث منه، فلا تجب عليك نفقة واحد منهما؛ وذلك لأنه لا يحصل التوارث، فلو مات واحد منهما فإنك ترث الآخر، فعليك نفقته؛ لأنك أصبحت وارثاً، والذي حجبك قد توفي.
стр. 1791
شروط وجوب النفقة على الأقارب
فالحاصل أن النفقة على ذوي القرابة إنما تجب إذا كان وارثاً، استدلوا بقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ [البقرة:٢٣٣] ثم قال: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة:٢٣٣] (على الوارث مثل ذلك) أي: مثل ما على المولود له، الذي عليه النفقة.
الذي ترثه مثلاً بالفرض كالأخ من الأم، إذا افتقر وأنت من جملة الذين يرثونه، فإنك تنفق عليه، فإنه إذا مات لا ترث منه إلا السدس، ولكن أنت من جملة الورثة، فإن كان له أولاد ذكور أو إناث حجبوك، فلا يلزمك أن تنفق عليه؛ لأنك لست بوارث.
وكذلك مثلاً: الأم ترث ولدها، ولا ترث منه إلا السدس إذا كان له أولاد، أو له جمع من الإخوة، فإذا افتقر ولدها أنفقت عليه؛ وذلك لأنها ترثه لأنه من الفروع؛ ولأنها أحد الأبوين.
أما بالنسبة إلى الذين يرثون بفرض فكالأخت، فإنها إذا مات أخوها ترث منه النصف فرضاً، فإذا افتقر أخوها وهي غنية فعليها أن تنفق عليه؛ لأنها من جملة ورثته.
وإذا كانت لا ترث منه إلا شيئاً يسيراً، كأن كان له بنتان ترثان الثلثين، وله زوجة، وله أم، وله أخت شقيقة غنية، هو فقير، وبنتاه كذلك، وأمه فقيرة، وزوجته فقيرة، وأخته غنية، أخته ترث منه بالتعصيب، ولكن إنما ترث واحداً من أربعة وعشرين سهماً، في هذه الحال عليها أن تنفق عليه إذا افتقر، ولو كانت لا ترث منه إلا شيئاً يسيراً.
فالحاصل: أن كل من ترث منه بفرض أو تعصيب إذا افتقر من أقاربك كإخوة وأخوات وعم وأعمام وبني عم وبني أخ وبنات أخ ونحو ذلك، فإنك تنفق عليهم؛ لأنك من جملة الورثة.
أما إذا كنت ترثه بالرحم فالميراث بالرحم فيه خلاف، فلذلك لا يلزمك الإنفاق عليه، كالخال وابن الأخت، فإذا افتقر ابن أختك وأنت خاله لم تلزمك النفقة عليه؛ لأن الميراث ليس متفقاً عليه، وكذلك إذا افتقر خالك أو خالتك أو ابن خالك لا يلزمك النفقة عليهم؛ لأنك لا ترثهم.
أما عمودي النسب الأصول والفروع فإنهم بلا شك يتوارثون، والنفقة تجب عليك ولو كنت غير وارث، كأن كنت محجوباً بمن هو أقرب منك، فيستثنى عمودا النسب.
الشرط: أن يكون ذلك الذي تنفق عليه فقيراً، أي: ليس عنده القوت الضروري.
وشرط آخر: عجزه عن التكسب، فإذا كان ابن عمك الذي ترثه قوياً، وصحيح البدن، وعاقلاً، وفارغاً، تأمره وتقول: تكسب، اشتغل يا ابن عمي، لا تكن عالة علي وعلى الناس، أنت تقدر على أن تشتغل وتتكسب وتحترف، فالحرف كثيرة، فهذا لا تجب النفقة عليه، أما إذا كان عاجزاً لمرض أو عاهة أو إعاقة أو كبر سن، ففي هذه الحال تجب نفقته على أقاربه الذين هم أغنياء وبينهم توارث.
متى تجب عليك نفقتهم؟ إذا فضل عن قوتك ما يقوتهم، أي: إذا كانت نفقتهم فاضلة عن قوت نفسك، وعن قوت زوجتك ورقيقك المملوك يومك وليلتك، قياساً على زكاة الفطر، وقد تقدم في زكاة الفطر أنك تبدأ بنفسك، ثم بعد ذلك بزوجتك، ثم برقيقك، ثم بعد ذلك بأبويك وأولادك، ثم بعد ذلك بأقاربك الذين هم فقراء كإخوة وأخوات وأعمام وعمات ونحوهم، فيكون ترتيبهم في هذا على ترتيب الميراث.
إذا قلت مثلاً: أنا ما عندي إلا قوت إنسان زائد على قوتي وقوت عيالي، فمن أعطيه؟ ف
الجواب
تعطيه الوالدة، فإن كان عندك قوت اثنين زائداً على قوت نفسك، وعلى قوت من تحت يدك من أولادك ونحوهم أعطيته الأبوين، إذا كان عندك قوت ثلاثة فأعطه أخاك الشقيق أو أختك، وهكذا كالفطرة.
إذا لم يكن عندك شيء زائد إلا رأس مالك الذي تتجر به، كأن تقول: رأس مالي ألف، أشتري به كل يوم بضاعة وأبيعها وأربح فيها ثلاثين ريالاً، أقوت بها نفسي وأولادي، فهل نلزمك أن تعطيه من الألف الذي هو رأس مالك الذي تتجر به؟ لا يلزمك؛ لأنه إذا نزعنا منه كل يوم ثلاثين، بقيت بدون رأس مال، فحينئذ تتضرر، ويتضرر من تحت يدك؛ لأنك تتجر في هذا المقدار من المال، فلا يؤخذ من رأس المال.
إذا لم يكن عندك إلا بيتك فهل يلزمك نفقة أقاربك؛ فيقولون: بع البيت وأنفق علينا، فإننا بحاجة؟ أو عندك سيارتك التي تتنقل عليها، فهل يلزمك الشرع أن تبيع سيارتك وتنفق على أعمامك، وعلى أولاد أعمامك، وعلى أجدادك، وعلى أولاد بناتك؟ لا يلزمونك بذلك؛ لأن في هذا ضرراً عليك.
فإذا لم يكن عندك إلا آلة الصنعة فلا يلزمك أن تبيعها لأنك تعمل بها، فمثلاً: الحداد عنده آلة الحدادة، لا يلزمه أن يبيعها، النجار عنده آلة النجارة، والحلاق عنده آلة الحلاقة، والحجام عنده آلة الحجامة، والبناء عنده آلة البناء وأشباه ذلك، فلا يلزمه القاضي أن يبيع آلة صنعته لأجل الإنفاق على أقاربه، بل يكون فقيراً كما أن أولئك الذين معه يعتبرون فقراء.
стр. 1792
الأسئلة
стр. 1793
كيفية العدل في النفقة بين الزوجات إذا كان لإحداهن أولاد
السؤال
إذا كان عند رجل أكثر من امرأة، وإحداهن عندها أطفال، والأخريات ليس عندهن أطفال، هل يقال: بأنه لا بد من أن يعطي لجميع النساء مبلغاً واحداً من المال، أم أن المرأة التي عندها أولاد تستحق أكثر؟ وجزاكم الله خيراً.
الجواب
يعطي الزوجات قدر حاجتهن، ويعطي الأولاد قدر حاجتهم، الأولاد نفقتهم نفقة أقارب، والزوجات نفقتهن نفقة معاوضة، فيسوي بين الزوجات في النفقة التي تخصهن، وأما الأولاد فيعطي أم أولاده نفقة أولادها، والتي ليس لها أولاد لا تطالبه ولا تقول: أعطوني مثل فلانة.
يقول: ما أعطيتها شيئاً، إنما أعطيت أولادي.
стр. 1794
حكم التحاكم إلى المحاكم الأوروبية عند الخلاف الزوجي
السؤال
وهذه سائلة من بريطانيا تقول: إنه في حالة حصول خلاف بين الزوج والزوجة فإن المحاكم الأوروبية تحكم أن يلحق الأبناء بالأم، فهل يجوز التحاكم إلى المحاكم الأوروبية في حال حصول خلاف بين الزوجين؟ وجزاكم الله خيراً.
الجواب
شرعاً لا يجوز، الأولاد يتبعون آباءهم، والنفقة على أبيهم لا على أمهم، ولكن إذا طلبت أن تحضن أولادها، وأبرأت الزوج من نفقتهم فلها ذلك.
стр. 1795
معايير قبول الزوج
السؤال
معايير قبول الزوج هي الرضا بالخلق والدين؟ فما هو الضابط الشرعي أو المقياس بالنسبة للدين؟ هل هو الصلاة فقط أو الاستقامة على دين الله عموماً؟
الجواب
لا شك أن المقياس هو الاستقامة، ليس مجرد الصلاة، فلا بد من الأعمال المفروضة، ولا بد من ترك المحرمات، ولا بد من ترك ما يحذر من الأعمال كالشركيات وما أشبهها.
стр. 1796
وجوب النفقة على جميع الأبناء إذا كان لهم أم
السؤال
إذا كان هناك أم لها عدد من الأبناء، وتوفي زوجها، فعلى من تجب نفقتها من الأبناء؛ علماً بأن جميع أبنائها كبار في السن، وقادرون على النفقة عليها؟ وجزاكم الله خيراً.
الجواب
توزع عليهم إذا تشاحوا، وإن تبرع أحدهم وقال: أنا أقوم بنفقة والدتي، فله أجر، وإذا تشاحوا قسمت النفقة على كل واحد منهم قسطه، إن كانوا ثلاثة تقاسموها أثلاثاً، أو كل واحد منهم ينفق عليها شهراً.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله أجمعين.
стр. 1797
شرح أخصر المختصرات [٧٤]
أوجب الله النفقة على الزوجة والولد، وأمر بالإحسان إليهما، وإذا اختلف الزوجان وبينهما طفل فافترقا فإن الشرع لم يترك الطفل معرضاً للضياع؛ بل أوجب حضانته ورعايته، وجعل لذلك قانوناً معروفاً في تقديم الأحق بالحضانة، حتى لا يضيع الطفل ويترك.
стр. 1798
بقية أحكام النفقة على الأقارب
قال رحمه الله تعالى: [وتسقط بمضي زمن ما لم يفرضها حاكم أو تستدن بإذنه، وإن امتنع من وجبت عليه رجع عليه مُنفقٌ بنية الرجُوع، وهي على كُل بقدر إرثه، وإن كان أبٌ انفرد بها.
وتجبُ عليه لرقيقه ولو آبقًا وناشزًا، ولا يُكلفُهُ مشقاً كثيرًا، ويُريحُهُ وقت قائلةٍ ونومٍ ولصلاة فرضٍ، وعليه علفُ بهائمه وسقيُها.
وإن عجز أُجبر على بيعٍ أو إجارةٍ، أو ذبح مأكُولٍ، وحرُم تحميلُها مُشقاً ولعنُها وحلبُها ما يضُر بولدها، وضربُ وجهٍ ووسمٍ فيه، ويجُوزُ في غيره لغرضٍ صحيحٍ.
فصل وتجبُ الحضانةُ لحفظ صغيرٍ ومجنُونٍ ومعتُوهٍ.
والأحق بها أُمٌ، ثُم أُمهاتُها القُربى فالقُربى، ثُم أبٌ، ثُم أُمهاتُهُ كذلك، ثُم جد، ثُم أُمهاتُهُ كذلك، ثُم أُختٌ لأبوين، ثُم لأم، ثُم لأبٍ، ثُم خالةٌ، ثُم عمةٌ، ثُم بنتُ أخٍ وأُختٍ، ثُم بنتُ عم وعمةٍ، ثُم بنتُ عم أبٍ وعمته على ما فُصل، ثُم لباقي العصبة الأقرب فالأقرب، وشُرِط كونُهُ محرمًا لأنثى، ثُم لذي رحمٍ، ثُم لحاكمٍ.
ولا تثبت لمن فيه رق، ولا لكافرٍ على مُسلمٍ، ولا لفاسقٍ، ولا لمُزوجةٍ بأجنبي من محضُونٍ من حين عقدٍ.
وإن أراد أحدُ أبويه نقلة إلى بلدٍ آمنٍ، وطريقه مسافةُ قصرٍ فأكثر ليسكُنهُ، فأبٌ أحق، أو إلى قريبٍ للسكنى فأُم، ولحاجةٍ مع بُعدٍ أو لا فمُقيمٌ.
وإذا بلغ صبي سبع سنين عاقلاً خُير بين أبويه.
ولا يُقر محضُونٌ بيد من لا يصُونُهُ ويُصلحُهُ.
وتكُونُ بنتُ سبعٍ عند أبٍ، أو من يقُومُ مقامهُ إلى زفافٍ] .
стр. 1799
متى تسقط النفقة على الأقارب بمضي الزمان
النفقة: هي تأمين القوت والغذاء لمن تجب عليه نفقته، وقد عرفنا أن نفقة الأقارب إنما هي سد الحاجة والفاقة، وليست معاوضة؛ ولهذا تسقط بمضي الزمان، بمعنى أنه إذا لم ينفق في مدة مضت فليس للمنفق عليه مطالبته، مثال ذلك: إذا وجبت عليه النفقة لأبويه، ولم ينفق لغيبة أو لانشغال، ومضى عليهما شهر وهو لم ينفق عليهما، وقد أنفق عليهما بعيد أو سألا، ثم جاء ابنهما، فليس لهما مطالبته بنفقة ما مضى.
وكذلك لو غاب عن أولاده، وأنفقوا على أنفسهم، أو أنفق عليهم متبرع، فإذا جاء بعد شهر أو بعد شهرين فليس لهم مطالبته بنفقة ما مضى.
وكذلك نفقة الإخوة لأب أو لأبوين أو لأم، إذا ترك الإنفاق عليهم، إما لسوء معاملة، وإما لغيبة، ثم جاء بعد شهر أو شهرين، قد يقول أخوه: أعطني نفقة الشهرين الماضية، فإني اقترضت، أو سألت الناس، أو تكلفت واحترفت.
فليس له أن يطالبه بنفقة الشهر الماضي أو الأشهر الماضية؛ لأن النفقة إنما هي سد فاقة، وقد حصل.
وذكروا من ذلك نفقة المرأة الحامل إذا طلقها ثلاثاً؛ فإن النفقة تسقط بمضي زمان؛ لأن النفقة لأجل الحمل، فإذا قالت: تركت الإنفاق علي، والله يقول: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:٦] وأنت تركت الإنفاق علي خمسة أشهر أو عشرة أشهر، أعطني نفقة الماضي.
لا تطالبه بذلك؛ لأنها نفقة قريب، وهي تسقط بمضي الزمان.
وكذلك نفقة بقية الأقارب تسقط بمضي الزمان.
стр. 1800
الرجوع على القريب في النفقة إذا أنفق الأجنبي بنية الرجوع
يقول هنا: (وإن امتنع من وجبت عليه رجع عليه مُنفقٌ بنية الرجُوع) .
صورة ذلك: إذا امتنع الوالد من النفقة على أولاده؛ إما لإعسار؛ وإما لغيبة؛ وإما لسخط على أولاده، وقال: لا أنفق عليكم، موتوا جوعاً.
ثم إن أحد الجيران أخذ ينفق عليهم ويحسب، أنفقت عليهم في شهرٍ كذا ألفاً، وفي الشهر الذي بعده ثمانمائة، وفي الشهر الذي بعده خمسمائة، ففي هذه الحال يطالبه، يقول: رأيتهم كادوا يموتون جوعاً، فرفقت بهم وأنفقت عليهم، وحسبت ما صرفته عليهم، صرفت عليهم كذا وكذا في خبز، وكذا وكذا في أرز، وكذا وكذا مثلاً في قهوة، وكذا وكذا في شاي، وكذا في كسوة، وكذا في لحم، الجميع ألف أو ألفان، فيطالبه، ويلزم الأب بأن يعطيه؛ لأنه أنفق بنية الرجوع، أي: ناوياً أن يرجع على والدهم.
وهكذا غير الوالد، لو أن إنساناً تجب نفقته على أخيه الشقيق، ثم إن الأخ الشقيق الذي هو غني تغيب لمدة شهر، وكان هناك جار له أخذ ينفق عليه ويحسب: أنفقت الأسبوع الأول مائة، الأسبوع الثاني مائتين، الأسبوع الثالث مائة وخمسين، أخذ يحسب عليه، ولما جاء الأخ الذي هو غني قال جاره: أنا أنفقت على أخيك، وهذه أرقام الحساب الذي أنفقته، فأعطني لأني نويت الرجوع.
فيلزم الأخ أن يعطيه؛ لأنه ناب عنه ناوياً الرجوع.
أما إذا نوى التبرع، قال: هذا ضعيف، وليس عنده أحد الآن، وأخوه قد تغيب عنه، أو أخوه حسده وغضب عليه وقطع النفقة عنه، من أين يأكل؟ ومن أين يشرب؟ فرحمه إنسان وتبرع وأنفق عليه وصرف عليه ألفاً أو ألفين، فهل له أن يطالب بها؟ ليس له ذلك؛ لأنه متبرع، نوى بالإنفاق عليه الأجر والرحمة به حتى لا يتضرر.
стр. 1801
كيفية توزيع النفقة على الأقارب
وإذا وجبت النفقة على اثنين أو على ثلاثة أو أربعة فإنها توزع عليهم إن كانت درجتهم سواء، يدفعونها شهرياً أو سنوياً، فمثلاً: إذا كان الوالد فقيراً، وله أولاد خمسة كلهم أغنياء، والنفقة التي يحتاجها الوالد شهرياً ألف، فإنه يوزعها عليهم: كل واحد عليه مائتان، يدفعونها لأبيهم شهرياً.
وإذا قال أحدهم: أنا أشتري بها لهم حاجات فله ذلك، كما إذا قال: أنا أشتري لهم بهذه المائتين قهوة، أو أشتري فاكهة، أو أشتري لحماً؛ لأنه مما يحتاجون إلى ذلك، فإن كان إرثهم متفاوتاً كابن وبنت، وكلهم أغنياء، والأب أو الأم فقير، فإنا نجعل على الابن ثلثي النفقة، وعلى البنت الثلث؛ لأن ميراثهم هكذا، وكذا إذا كانوا ورثة متفاوتين، فإذا كان إنسان فقيراً، وله أختان شقيقتان غنيتان، وله -أيضاً- أختان من الأم غنيتان، معلوم أن الأختين الشقيتين ترثان الثلثين، فعليهما الثلثان من النفقة، والأختان من الأم ترثان الثلث، فعليهما ثلث النفقة فتقدر النفقة، وتدفع هاتان الثلثين، وهاتان الثلث.
فإن كانت هذه الأخت لها أختان شقيقتان، وأخت من الأم، وأم، وكلهم أغنياء، قسمنا نفقة هذه الأخت الفقيرة، فنجد أن على أمها السدس، وأختها من الأم السدس، وأختها الشقيقة الثلث، وأختها الشقيقة الأخرى الثلث، فتقوم أثلاثاً: على الأم والأخت، للأم الثلث، وعلى كل واحدة من الأختين الشقيقتين الثلث.
فإذا كان هناك امرأة ولها أخت شقيقة، وأخت من الأب، وأخت من الأم، وأم، فإنا نوزعها عليهن فنقول: الشقيقة ترث النصف، فعليها نصف النفقة، والأخت من الأب ترث السدس، فعليها سدس النفقة، والأخت من الأم عليها سدس النفقة، والأم عليها سدس النفقة، أي: بقدر ميراثهن.
يقول: (وهي على كُل بقدر إرثه، وإن كان أبٌ انفرد بها) .
أي: لو كان هناك رجل فقير، وله أب غني، وأم غنية، وزوجة غنية، فنفقته كلها على الوالد؛ لقول الله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ﴾ [البقرة:٢٣٣] فإذا كان مأموراً بالإنفاق على زوجاته فكذلك على أولاده، فينفرد بالنفقة على أولاده، وهذا هو المعتاد: أن الوالد يجمع المال لينفقه على أولاده، فينفرد بنفقة الفقير منهم، ولو كان منهم أغنياء، فالولد الفقير يطلب النفقة من أبيه ولا يطلبها من أخيه، وإذا كان له أخ غني، وأب غني، فإن نفقته على الوالد، هذا هو المعتاد.
стр. 1802
نفقة الرقيق وما يلزم السيد فيها
انتهى ما يتعلق بالنفقة على الأقارب مع الاختصار، بقي ذكر النفقة على الرقيق الذي هو العبد المملوك، وقد ذكر المؤلف أنها تجب عليه لرقيقه؛ وذلك لأنه مملوك له؛ ولأنه يقول: أنفق علي واستخدمني، وإلا فبعني أو أعتقني.
تجب عليه النفقة للرقيق، ولو آبقاً وناشزاً، والنشوز يكون من الأمة، إذا كان له أمة يملكها، ولكنها إذا أراد جماعها امتنعت، اعتبرت ناشزاً، فهل ينفق عليها؟ نعم؛ لأنها ملكه، أما الزوجة إذا نشزت سقطت نفقتها؛ لأن نفقتها معاوضة، وأما الأمة فإن نفقتها لأجل الملك، فينفق عليها ولو كانت ناشزاً.
وينفق على العبد ولو أبق أي: هرب: لأنه لم يخرج عن ملكه، هذا بالنسبة للنفقة، وهي على المعتاد، ولكن يتأكد عليه أن يسويه بنفسه.
تذكرون حديث أبي ذر الذي في الصحيح، ذكر أنه عير عبداً بأمه فقال له: يا ابن السوداء! فقال النبي ﷺ : (أعيرته بأمه! إنهم إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يطعم، ويلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم) يعني: قوله (إخوانكم خولكم) الخول: الخدم، جعلهم الله تحت أيديكم مماليك، والمملوك لا يستطيع أن يخرج من سلطة سيده، فهو مستولٍ عليه، مملوكة عليه منافعه، فلذلك لا يستطيع أن يتخلص، فتجب نفقته على سيده كما أنه يستخدمه.
وإنما له أن يستخدمه فيما يطيقه.
يقول في هذا الحديث: (جعلهم الله تحت أيديكم، فأطعموهم مما تطعمون، واكسوهم مما تلبسون، ولا تكلفوهم ما يغلبهم) ، فلذلك امتثل أبو ذر ذلك، فرآه بعض الصحابة وعليه حلة، وعلى عبده حلة مثلها، فتعجبوا: كيف تساويه بنفسك؟ فأخبر بهذا الحديث، وأن النبي ﷺ قال: (أطعموهم مما تطعمون، وألبسوهم مما تلبسون، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم) ، فكان يسكوه مثل كسوته.
كذلك أيضاً ورد في الحديث: (إذا جاء أحدكم خادمه بطعامه فليجلسه معه -أي: فليأكل- فإنه ولي حره وعلاجه، فإن لم يفعل فليناوله لقمة أو لقمتين) ، العادة أن الخادم هو الذي يصلح الطعام لسيده، فإذا جاء به وقد ولي حره وعلاجه، فإن من الإنصاف أن يجلسه، يقول: اجلس وكل معي، ولو كان ذلك الطعام خاصاً، ومعروف أنه قد يصطفي لنفسه طعاماً خاصاً من أشرف الأطعمة وأحسنها، وعادة أنهم يجعلون للمماليك طعاماً يناسبهم؛ وهو من أدنى الطعام، فأحلى الخبز وأفضله وأحسنه يكون للسيد، وما دونه يكون للعبد، كذلك مثلاً إذا كان هناك لحم، فاللحم الحسن والثمين يكون للسيد، واللحم الهزيل أو رديء اللحم أو ما فيه عصب أو نحوه يعطيه المملوك، يقول: وإن لم تجلسه معك فناوله لقمة أو لقمتين من هذا الطعام الشهي.
هذا بالنسبة إلى قوته وغذائه من الطعام والشراب والكسوة وما أشبه ذلك.
قال: (ولا يُكلفُهُ مشقاً كثيرًا) .
يعني: من الأعمال، فلا يكلفه عملاً يشق عليه، فإذا كان مثلاً يشتغل في حرث فلا يشغله مثلاً عشرين ساعة أو خمس عشرة ساعة، فإن ذلك يشق عليه، وكذلك إذا كان يشتغل في ماشية يرعى ويسقي ويحلب ويريح، فلا يكلفه أيضاً عملاً شاقاً، وهكذا إذا كان يشتغل في تجارة فلا يكلفه أكثر من طاقته، كأن يشغله خمس عشرة ساعة أو اثني عشرة ساعة في الدكان، أو إذا كان في حرفة أن يشتغل معه في صنعة كورشة أو مصنع أو نجارة أو ما أشبه ذلك، يشتغل معه بقدر ما يستطيع، وهو ما يكلفه مشقاً كثيراً، بل بقدر ما يستطيع الذي ليس فيه مشقة.
وذكر أيضاً أنه يريحه وقت القيلولة قبل الظهر مثلاً بساعة، عندما تشتد حرارة الشمس، هذا وقت القيلولة، وذلك إذا كان يشتغل في حرث أو في بناء، أو يشتغل مثلاً في مصنع، أو نحو ذلك، وكذلك وقت النوم في كل ليلة ثمان ساعات أو سبع ساعات مثلاً، هذا وقت النوم في الليل.
(ولصلاة فرض) يلزمه أن يرخص له أن يذهب إلى المسجد لأداء الفريضة ولأداء سننها.
وأما الجمعة فلا تجب عليه إذا كان المسجد بعيداً؛ لأنهم قديماً كانت المساجد التي تصلى فيها الجمع قليلة، وكانوا يأتون إليها من مسيرة ساعتين أو أكثر، فيفوت على السيد شيء كثير، لأنه يوم الجمعة قد يغيب نحو خمس ساعات لأداء صلاة الجمعة، أو عشر ساعات أحياناً، ففي هذه الحال تسقط عنه الجمعة، أما إذا كانت المساجد قريبة فليس له منعه.
كذلك أيضاً صلاة العيد، إذا كانت قريبة فليس له منعه، وإذا كانت بعيدة وذهابه إليها يغيبه عن عمله مثلاً خمس ساعات أو أربع ساعات، فهو معذور في أنه تسقط عنه الجمعة والعيد.
هذا ما يتعلق بنفقة الرقيق.
стр. 1803
نفقة البهائم
بعد ذلك بنفقة البهائم.
البهائم يراد بها الأنعام التي ملكها الله تعالى للإنسان، ولا شك أنها لا تشتكي ولا تتكلم، وإن كانت قد تثغو أو ترغو من باب الاشتكاء إذا أحست بألم أو ما أشبه ذلك، ولكن هي بهيمة، ملكها الله تعالى الإنسان، فعليه أن يحسن إليها إذا كان قادراً على النفقة عليها، وإلا باعها أو ذبحها إذا كانت مأكولة.
فنفقتها هي علفها، أي: إحضار ما تأكله حتى تشبع، فإن كانت ترعى أرسلها ترعى النبات من المرعى، ويرسل معها من يحفظها كالراعي، أو يرسلها وإذا جاء الليل أو شبعت رجعت إلى أهلها، أي: فقد يتركها بدون راع وهي ترجع بنفسها، ويحصل ذلك في الإبل كثيراً، وكذلك أيضاً البقر، فإنها ترتع ثم تجيء إلى أماكن أهلها، فحينئذ يكتفي بإرسالها لترعى بنفسها، فأما إذا لم يرسلها فإن عليه أن يؤمن لها علفها، وذلك في كل ما يملكه من الإبل والبقر والغنم والخيل والحُمُر.
وكذلك أيضاً الطيور كالدجاج والحمام، إذا كان في ملكه، فكل شيء من الطيور أو من البهائم فإنه إذا أمسكه وجب عليه أن ينفق عليه، فيعلفها ويسقيها حتى لا تموت جوعاً وهي في ملكه.
فإذا لم يجد فإن عليه أن يذبحها ويعطيها من يأكلها أو يأكلها هو، أي أنه إذا عجز عن النفقة فإنه يجبر على البيع، يقال: أنت عجزت عن النفقة على عبدك، أو على فرسك! ويلزمك أن تبيعه، فلا تتركها تلاقي الموت فإنها تحس بالألم كما أنك تحس بالألم، فكر في نفسك إذا جعت ألست تبيع ما تملك؟ فكذلك هذه الشاة أو هذه البقرة تحس بالجوع، فلا تتركها تلاقي الجوع وتكابده، بل بعها لمن هو قادر على الإنفاق عليها، أو أجرها، أجر الجمل لمن يركبه ويعطف عليه، أو أجر الثور لمن ينضح عليه كما كانوا ينضحون عليه قديماً، أعني: يسقون عليه النخل، أو كذلك أجر الشاة لمن يحلبها.
أو اذبحها حتى تريحها إذا كانت مأكولة، وكل لحمها أو تصدق به.
وتكلموا أيضاً بالنسبة إلى المملوك ذكراً وأنثى إذا طلب النكاح، لأنه آدمي يحس بالشهوة، ويتضرر ببقاء هذه الشهوة، كما أن الحر يشتاق إلى النكاح، ويتضرر بهذه الشهوة وحبسها إذا غلبت عليه قوة الشبق والغلمة فنقول: إذا طلب العبد الزواج فعليك أن تزوجه، فإما أن تشتري له أمَة تزوجه، وإما أن تزوجه أمة لغيرك، ولو كان أولادها يكونون لصاحبها، وإما أن تزوجه حرة، فيكون أولادها أحراراً، ولا تتركه يتألم من هذه الشهوة.
وإما أن تعتقه، وإما أن تبيعه، فإن بقاءه وهو عزب يتألم من الشهوة ضرر عليه.
كذلك الأمة إذا طلبت النكاح عليه أن يعفها، إما أن يطأها، وإما أن يزوجها بعبد، أو يزوجها بحر، أو يزوجها بمملوك له أو بمملوك لغيره، أو يعتقها أو يبيعها، فكذلك هذه البهائم يجبر على بيعها أو إجارتها أو ذبحها إن كانت مأكولة.
تكلموا أيضاً على الحمل عليها، فقد كانت الإبل والحمر هي وسائل الحمل، ينقلون عليها الأحمال قبل وجود السيارات، فيقولون: إذا حملها حملاً فلا يجوز أن يحملها فوق طاقتها، فإن ذلك مما يضرها، إذا كانت حمولتها مائة كيلو جرام فلا يحمل عليها مائتي كيلو جرام؛ لأنه لا شك أن ذلك يضرها.
وكذلك أيضاً ورد أن النبي ﷺ نهى عن ضرب الدابة في وجهها؛ فإن ذلك يؤذيها، فلا يجوز ضربها في الوجه، وكذلك أيضاً: (مر على حمار وقد كُوي بين عينيه فقال: لعن الله من فعل هذا) ، وأما وسمها في خدها أو في عنقها، أو وسم الغنم في أذنها، أو وسم الإبل في وركها أو فخذها فلا بأس بذلك للعلامة، فكان النبي ﷺ يسم إبل الصدقة كعلامة لها، ويجوز في غيره لغرض صحيح يعني: في غير الوجه.
كذلك كانوا مرة في سفر، وامرأة راكبة على ناقة، فكأن الناقة استعصت عليها فلعنتها، فقال النبي ﷺ : (مروها أن تضع عنها رحلها وتتركها؛ فإنها ناقة ملعونة) فتركتها، فكانت ناقة تمشي من أحسن الإبل، لم يتعرضوا لها، فإن صاحبتها لما لعنتها عوقبت بحرمانها منها.
إذا كانت بهيمة الأنعام لها أولاد فلا يجوز أن يحلبوا منها ما يضر بأولادها، فإن أولادها أقدم، ولد البقرة يستحق أن يرتضع حتى يشبع، وما زاد فلهم أن يحلبوه، وكذلك ولد النعجة أو ولد العنز أحق بلبن أمه، وإنما يحلبون ما يزيد، وهكذا ولد الناقة، فلا يجوز أن يأخذوا من لبنها ما يضر بأولادها.
стр. 1804
أحكام الحضانة
انتهينا مما يتعلق بالنفقة، وننتقل إلى الحضانة التي هي كفالة الأطفال، بمعنى تربيتهم وتنشئتهم وتنظفيهم وإصلاح أحوالهم.
стр. 1805
درجات الأمهات في الأحقية بالحضانة
ومعلوم أن الطفل إذا ولد لو ترك لهلك، فلا بد ممن يحضنه في حالة صغره لأنه يحتاج إلى من يحمله، وإلى من يؤكله، وإلى من يغسله، وإلى من ينومه، وإلى من ينظفه، من الذي ينظف ثيابه إذا اتسخت، وينظف جلده، وينظف بدنه إذا اتسخ بالأوساخ والأقذار والإفرازات النجسة ونحوها؟ وكذلك من يصلح فراشه، ويصلح مهاده، ويصلح حالته؟ لا بد من كفيل يكفله، فإذا كانت الأم موجودة فإنها هي التي تحضنه، وتصبر على المشقة التي تلاقيها في هذه الحضانة، فلذلك كانت الأم أولى بحضانة طفلها أو بحضانة أطفالها، وإذا طلبت الأجرة فالأجرة على الأب؛ لأنهم أولاده، كما أنه لو استأجر لهم مرضعاً دفع الأجرة، ولو استأجر لهم حاضنة دفع الأجرة، فكذلك إذا كانت الأم مثلاً مطلقة وحضنت أولادها، فنفقتهم على أبيهم، وكذلك أيضاً عليه أجرة حضانتها.
والصغير والمعتوه لا بد لهم ممن يتولى أمرهم؛ لأن المجنون لا يعرف مصلحة نفسه، فقد يقع في مهالك، وقد يتردى من شاهق أو نحو ذلك فيموت، وكذلك المعتوه الذي هو ناقص العقل، فلا بد من الحضانة لمثل هؤلاء.
ذكر أن الأمهات أحق بالحضانة؛ لأنهن أصبر على التعب والمشقة، فالأم التي ولدت الطفل هي أولى أن تتولى حضانته، حتى ولو كانت مطلقة، إذا كانت طلقت ومعها طفل عمره سنة أو أقل أو أكثر فلا بد من حضانتها له، فيكون معها.
قد تسخط على زوجها لأنه طلقها، ثم ترمي إليه بالطفل ذكراً أو أنثى، وتقول: هذا ولدك، أنت الذي تتولاه، أنت الذي تغسل نجاسته، وأنت الذي ترضعه، وأنت الذي تنظفه، من باب السخط، ومعلوم أنها تحبه لأنه ولدها، ولكن من باب إظهار الشنآن والعداوة بينها وبين أبيه، ففي هذه الحال تسقط حضانتها، ويتولى الحضانة من يليها.
إذا كانت الأم تبرأت من الحضانة فتليها الجدة، واختلفوا أي الجدتين أولى: أم الأم أو أم الأب، وكأن الفقهاء يقدمون أم الأم، ويختار بعض العلماء أم الأب؛ لأنها أقرب نسباً؛ ولأن الجميع يدلين بالأمومة، فكل واحدة تقول: أنا أم، والأولى أيضاً إذا حصل تشاح أن ينظر أيهن أقدر، وأيهن أقوى، وأيهن أشد، فتقدم، سواء كانت أم الأم أو أم الأب، تقدم التي هي أكثر فراغاً وأحسن تربية، أو ما أشبه ذلك.
وتقدم القربى قبل البعدى، إذا كانت جدته أم الأم، وجدته أم أم الأم، فالقريبة أولى، وكذلك أم الأب وأم أم الأب أو أم الجد.
فإذا امتنعت الأم أو عدمت الجدات فالأب بعد ذلك أولى، والأب كيف يربيه؟ إذا كانت عنده زوجة فإنه يضعه عند زوجته لتربيه، أو يستأجر خادمة، وإذا كان عنده خادمة مملوكة فهي تقوم بتربية هذا الطفل، وإلا استأجر خادمة تقوم على كفالته وحضانته.
ذكروا بعد الأب أمهاته، والصحيح: أن أم الأم وأم الأب في درجة واحدة، يقدمان على الأب.
وذكر بعد ذلك الجد، ثم أمهاته، يعني: أنه إذا كان الجد موجوداً فالذي يتولى الحضانة هو الجد، يستأجر له، أو تحضن له مملوكته، ثم بعد الجد أمهاته، وأم الجد قد تكون بعيدة، وقد تكون كبيرة.
بعد الجد والأب تتنقل الحضانة للإخوة، وتقدم الأنثى، فالأخت الشقيقة أولى من الأخت لأم ومن الأخت لأب، وكان الفقهاء يقدمون كل من يدلي بالأم، فلذلك قالوا: إذا كان له أختان: أخت من الأم وأخت من الأب، وكلاهما تطلبه، فإنهم يقدمون الأخت من الأم، مع أنها من ذوي الأرحام، وليست من النسب، ولعل الأقرب تقديم الأخت من الأب؛ لأنها أشفق، ويمكن أن يقال: تقدم أشبهن أو أفرغهن، يعني: التي عندها فراغ تكون هي الأولى.
إذا لم يكن له أخوات انتقلت إلى إخوته، وقيل: تنتقل إلى إخوة أو أخوات الأب والأم، والخالة أخت الأم يختار كثير من العلماء تقديمها، ويستدلون بقصة ابنة حمزة، فإن النبي ﷺ لما خرج من مكة في عمرة القضاء تبعتهم بنت حمزة بن عبد المطلب تقول: يا عم يا عم! لأنها قد تمت سبع سنين أو قاربتها، فأخذ بيدها علي وأركبها مع فاطمة، وقال: دونك بنت عمك.
فلما قدموا المدينة تنازعوا فيها أيهم يحضنها؟! فطلبها زيد بن حارثة؛ لأن النبي ﷺ جعلهما أخوين، يعني: آخى بين حمزة وبين زيد، وقال: بنت أخي.
وطلبها علي وقال: بنت عمي.
وطلبها جعفر وقال: بنت عمي، وخالتها تحتي -خالتها التي هي أسماء بنت عميس - فقضى بها النبي ﷺ لخالتها، وقال: (الخالة بمنزلة الأم) هذا تقديم للخالة، مع أنه يوجد لها عمة التي هي صفية أم الزبير، وهي عمتها أخت حمزة، ومع ذلك قدم الخالة، فهذا هو السبب في قولهم: ثم خالة ثم عمة، ولعله ينظر أيهما أقوى، وأيهما أنصح، وأيهما أعرف بالتربية.
بعد ذلك -بعد ألا يوجد عمة ولا خالة- ينتقل إلى بنت الأخ، بنت أخيه الشقيق تكون أولى بالحضانة من بنت أخيها، ثم تنتقل إلى بنت الأخت، يعني: إذا لم يكن هناك بنت أخ حضنتها بنت أختها، ولو كانت من ذوي الأرحام.
ثم بعد ذلك تنتقل إلى بنت العم وبنت العمة، وبنت العمة أيضاً من ذوي الأرحام، ولكن لها قرابة، ثم بعد ذلك بنت عم الأب وبنت عمته مع بعدها، على ما فصل.
إذا لم يوجد هؤلاء كلهم فهي لباقي العصبة الأقرب فالأقرب، الإخوة مثلاً، ثم بنو الإخوة، والأعمام، وبنو الأعمام الأقرب فالأقرب.
هذه أحقية الحضانة.
стр. 1806
شروط الحضانة
ماذا يشترط؟ يشترط في الحاضن للأنثى: أن يكون محرماً لها، مثاله: إذا كان قد تزوج أمها، وماتت أمها، فإنه يكون أولى؛ لأنه محرم لها؛ لأنها ربيبته، فيكون له محرمية.
كذلك يشترط أن يكون الذي يتولى الحضانة.
كذلك يشترط: أن يكون حسن التربية، بعيداً عن الإفساد وأماكن الفساد، فإذا كان مثلاً مهملاً فلا حق له في التربية، وإذا كانت الأم أو الحاضنة من غيرها عاصية فلا حق لها في التربية، وكذلك إذا كان بيتها مليئاً بالملاهي، أو مليئاً بآلات الأغاني والصور الخليعة، والأفلام الفاتنة وما أشبهها، بحيث إن الطفل ذكراً أو أنثى إذا نشأ وتربى في هذا البيت فسد خلقه ودينه عاجلاً أو آجلاً، فليس له حق في هذه الحضانة؛ لأنها قد تكون سبباً لانحرافه وفساد أخلاقه، فلا يمكن من الحضانة إلا إذا عرف أنه صالح ومصلح.
وكذلك إذا كانت الأم متزوجة بأجنبي سقطت حضانتها.
روي أن رجلاً طلق امرأة ولها ابن، فترافعوا إلى النبي ﷺ ، فقال: (أنت أحق به ما لم تنكحي) يعني: ما لم تتزوجي، فما دمتِ لم تتزوجي فأنت أحق بولدك، وهذا إذا لم تتزوج بقريب، أما إذا تزوجت بقريب له كعمه -عم الطفل أخو أبيه- أو كذلك ابن عمه، أو ابن خاله أو نحوهم، فإن هذا القريب قد يوافق ويقول: أريد أن آخذ أجره حتى يبقى تحت كفالة أمه، وأنا الذي أنفق عليه؛ لكونه يتيماً فأحظى بكفالة اليتيم؛ لأن النبي ﷺ يقول: (أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين) فإذا كان زوج الأم موافقاً على كفالته وحضانته فإنه يبقى.
كثير من النساء في هذه الأزمنة إذا طلقت وعندها ولد أو عندها أولاد صغار تترك الزواج، وتقول: أخشى أن يؤخذ أولادي، فأبوهم قد يهددها، ويقول: إذا تزوجتِ أخذتهم، فإنه يسقط حقك؛ فتترك الزواج، مع أنها قد تكون بحاجة إلى من يتزوجها وينفق عليها ويحضنها، فتترك الزواج وتبقى مدة تقول: أجلس على أولادي حتى أربيهم.
نحن نقول: إن الأب لا يجوز له أن يضارها، قال الله تعالى: ﴿لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ [البقرة:٢٣٣] فلا يجوز أن يهددها، ويقول: إذا تزوجتِ أخذت ولدي أو أولادي.
معلوم شفقتها ورقة قلبها ومحبتها لأولادها، سيما إذا كانوا أطفالاً، فهي تتمنى أن يبقوا معها ولو أن تستدين، ولو أن تتكفف، ولو أن تطلب من الناس أن يتصدقوا ويعطوها ما تنفقه على أولادها، تصبر وتتحمل المئونة والمشقة حتى يبقى معها أولادها.
نقول: حرام على الوالد أن يفرق بينهما، قال النبي ﷺ : (من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته) .
فيتركها تتزوج، ويأذن لها ويقول: لا حرج عليكِ، تزوجي، وأنا أترك أولادك.
فإذا تقدم إليها من يطلب زواجها شرطت عليه: أن أولادها يبقون معها، إما أن ينفق عليهم الزوج الجديد محتسباً، وإما أن ينفق عليهم أبوهم، بأن يرسل إليهم نفقتهم وهي عند ذلك الزوج الجديد، إلى أن تنتهي مدة الحضانة.
فنقول: تتزوج ويأتيها رزقها، وإذا تقدم إليها من يطلب زواجها تتزوج، وأولادها لا يضيعون إن شاء الله، وأبوهم حرام عليه أن يهددها عند زواجها بأخذ أولادها، بل يتركهم تحتها حتى تتم مدة الحضانة.
يقول: ثم بعد ذلك تنتقل إلى ذوي الأرحام، إذا لم يكن هناك عصبة، أو تبرءوا وامتنعوا من الحضانة فيحضن الخال، وكذلك ابن الخال ونحوهم، ثم بعد ذلك الحاكم، ومعلوم أنه ليس هو الحاكم الذي يتولى الحضانة، ولكن يستأجر لهذا الطفل، ويدفع الأجرة من بيت المال، وهناك في هذه الدولة وفي كثير من الدول أماكن حضانة لمن ليس له والد أو نحوه، يتولاها أناس يشفقون على هؤلاء الأطفال الذين ليس لهم أولياء.
стр. 1807
لا تثبت الحضانة للرقيق
يقول بعد ذلك: (ولا تثبت لمن فيه رق) .
يعني: أن الرقيق الذي هو المملوك لا حضانة له؛ وذلك لأنه مملوكة عليه منافعه، فسيده يستخدمه، فكيف مع ذلك يكون حاضناً ذكراً أم أنثى؟ لكن لو استئجر بإذن سيده، يعني: استؤجرت هذه الأمة على أنها تحضن هذا الطفل وأذن سيدها، والأجرة لسيدها فهو على مصلحة، فإذا كانت هذه الأمة مأمونة وموثوقة وعارفة بالحضانة واستؤجرت، أو سمح سيدها أ، تقوم بحضانة هذا الطفل، أو احتسب وقال: احضنيه وأنا أنفق عليه، حتى أحظى بأجر كفالة اليتيم جاز ذلك.
стр. 1808
لا حضانة لكافر على مسلم
قال: (ولا حضانة لكافر على مسلم) .
لماذا؟ لأنه إذا حضنه لقنه الكفر، ولو كان عمه أو ابن عمه، إذا قال: هذا ابن أخي، نقول: إن أباه مسلم، وأنت كافر، فلا حضانة لك، لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ [النساء:١٤١] ، ويقول: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال:٧٣] فلا ولاية ولا حضانة لكافر.
وهكذا الفاسق؛ لأنه يربيه به على الفسق، إذا كان هذا الولي أخاه أو عمه أو ابن عمه، ولكن كان لا يصلي أو يزني، أو مليئاً بأجهزة الأغاني وما أشبهها، أو الصور الخليعة ونحو ذلك، أو كثير السهر على المعازف وآلات اللهو وما أشبه ذلك، فإن الطفل إذا تربى في هذا المنزل استحسن ذلك ونشأ عليه، فيكون ذلك سبباً في فساد أخلاقه، فلا جرم لا حق لهذا الفاسق في هذه الحضانة.
стр. 1809
لا حضانة لمزوجة بأجنبي
صرح بما ذكرنا من زواج المرأة فقال: (ولا لمزوجة بأجنبي من محضون من حين عقد) .
قوله: (أجنبي من محضون) أي: أما إذا تزوجت بعمه أو ابن عمه أو بأحد إخوة أبيه، أو أقاربه، والتزم ذلك المتزوج أن تبقى حاضنة ولدها، فإنها تبقى، وتكون لها الحضانة، وأما إذا اختارت أن تتزوج بأجنبي بعيد، ليس له قرابة من هذا المحضون سقطت حضانتها، إلا إذا وافق على بقاء طفلها معها، وقال: أنا أحتسب الأجر، فتبقى حضانتها.
وليس للأب -والحال هذه- أن ينتزع الولد ويقول: سقطت حضانتك، أنت تزوجت بأجنبي، إذا لم يكن فيه محظور، فإذا كان ذلك الزوج عبداً صالحاً محباً للخير، مواظباً على الصلاة، وليس في بيته آلات لهو، فليس لأبي الطفل أن ينزعه وهو ابن سنتين أو ثلاث سنين ويحرم أمه منه، لا شك أن ذلك ضرر على الطفل وضرر على أمه.
стр. 1810
من تئول إليه حضانة الطفل إذا انتقل الأبوان أو أحدهما إلى بلد آخر
يقول بعد ذلك: (وإن أراد أحد أبويه نقله إلى بلد آمن) (أو نُقْلَةً) .
يعني: أراد أحد أبويه الانتقال إلى بلد آمن، وطريقه مسافة قصر فأكثر ليسكنه، فالأب أحق، مثال ذلك: إذا أراد الأبوان أن ينتقلا من هذا البلد، الأم مثلاً تنتقل إلى الجنوب -إلى الأفلاج مثلاً- والأب ينتقل إلى المجمعة أو إلى الزلفي شمالاً، والطريق من هنا ومن هنا ليس فيه مخافة، يكون الأب أحق بأن يصحبه، لماذا؟ لئلا يضيع نسبه، لأن نسبه يعرف بأبيه، فيكون أبوه أحق به؛ لأنه ينسب إليه يقال: ابن فلان، ولا يقال: ابن فلانة، فالأب أحق به، وإذا كان أحدهما سوف يبقى والطريق مخوفاً، فالذي يبقى هو أحق، فإذا كان الطريق مخوفاً فيه قطاع، إذا سلكه يمكن أن يأتي عليهم قطاع الطريق ويقتلوهم أو يقاتلوهم، والأم سوف تبقى والأب يريد أن يرحل، فليس له أن يستصحب الولد مخافة أن يقضى عليه وأن يقتل، الأم سوف تبقى فهي أحق.
وإذا كانت النقلة إلى مكان أقل من مسافة قصر فالأم أحق به، فإذا كان الأب يريد أن ينتقل إلى الخرج مثلاً، والأم تريد أن تنتقل إلى صلبوخ مثلاً أو إلى ضرماء، فهذه مسافة قريبة، فأيهما يكون الولد معه؟ الأم أحق إذا كانت النقلة للسكنى، الأب يريد أن يسكن مثلاً في الخرج، والأم تريد أن تسكن في ضرماء وكلاهما للسكنى فالأم أحق، أما إذا كان السفر لحاجة ثم يرجع والحاجة بعيدة فالأولى به المقيم، فلو ذهبت الأم للحج والأب مقيم فإن الأب أحق، وكذلك العكس لو حج أبوه وقال: أريده معي، وعمره سنتان أو ثلاث والأم مقيمة فإنها أولى به.
стр. 1811
متى يخير الولد بين أبويه
بعد ذلك يقول: (وإذا بلغ صبي سبع سنين عاقلاً خير بين أبويه) .
بشرط أن يكون عاقلاً، يعني: قد تم عقله وتمت إدراكاته وفهمه، ففي هذه الحال يخيّر بين أبويه: اختر أباك أو اختر أمك، والصحيح أنه إذا اختار أحدهما فإن نفقته على من اختار، إن اختار أمه فهي التي تنفق عليه، وإن اختار أباه فهو الذي ينفق عليه، فإذا تردد ولم يختر واحداً منهما، فالأم أولى، والأب قد يكون أولى به إذا كان في البلد.
قال بعض العلماء: يكون في النهار عند أبيه، وفي الليل عند أمه، الأب يربيه ويعلمه ويدرسه ويقرئه، وكذلك يؤدبه ويعلمه الآداب والأخلاق، كيف يدخل على الرجال وكيف يسلم، وكيف يرد السلام، وكيف يخدم أهله، وكيف يحترم من هو أكبر منه وأشباه ذلك، هذه التربية عادة تكون من الأب، وكذلك أيضاً يحتاج إلى تعليمه العلم بالدراسة ونحوها، والغالب أن الأب هو الذي يتولى ذلك.
ويصح أن يتنقل، إذا كان عند أمه مثلاً شهراً، ثم ضجر فذهب إلى أبيه وأقام عنده شهراً، هذا إذا كان في بلد، ثم له أيضاً أن يعود إلى أمه أو ما أشبه ذلك.
стр. 1812
لا يقر المحضون بيد من لا يحفظه ويصلحه
قال: (ولا يقر محضون بيد من لا يصونه ويصلحه) ؛ لأنه ذريعة إلى إفساده، فإذا كانت الأم تربيه وتعلمه وتلقنه التلقين الحسن، وتدخله المكتب لتعليمه أو مدارس التحفيظ أو نحو ذلك، وأما الأب فإنه منشغل بتجارته أو بحرفته أو بوظيفته وليس متفرغاً للتربية، فالأم أولى؛ لأن صلاحه عندها.
وكذلك العكس: إذا كانت الأم لا تعرف شيئاً من التربية، ولا تعرف شيئاً من التنشئة، وليس لها خبرة بالتعليم ولا بالعلم، أو ليس عندها من يرشدها يقول: علميه أو أدخليه المكتب، أو أدخليه دار التحفيظ أو ما أشبه ذلك، والأب يعرف ذلك، فالأب أولى.
وكذلك أيضاً ينظر في مكانها الذي تسكنه، فإذا كان أحد البيتين سالماً من الملاهي فإنه أولى، وإن كان كلاهما فيه ملاهٍ نظر أخفهما، فيكون الطفل فيه، وإذا كان كلا الأبوين منشغل كما في هذه الأزمنة، الأم مثلاً موظفة والأب موظف، نظر أيهما أفرغ أو أقدر على التربية فيكون عنده.
هذا إذا لم يختر وكانوا سواء، أما إذا اختار وفضل أباه أو فضل أمه فإنه يكون عند من اختاره، هذا بالنسبة للذكر.
أما بالنسبة للأنثى فالبنت إذا بلغت سبع سنين تكون عند أبيها، فإن فقد الأب فمن يقوم مقامه كأخيها أو جدها أبي الأب أو نحو ذلك، تبقى عنده إلى تزويجها وتسليمها لزوجها، لماذا؟ لأنها بعد تمام السبع دخلت مرحلة الكبر، يعني: قاربت أن تكون امرأة وأن تمتد إليها الأنظار، فلأجل ذلك تكون عند الأب؛ لأنه أتم وأكمل غيرة عليها، يعني: هذا في العادة والأغلب، فأما إذا وجد أن الأب ليس كذلك انتقلت إلى من تكون عنده ممن يصلحها ويصونها.
стр. 1813
الأسئلة
стр. 1814
الفرق بين الخادمة والأمة
السؤال
ما الفرق بين الخادمة التي يستأجرها الكثير من الناس في زماننا هذا وبين الأمة؟ إذ إن بعض الناس يظنون أنهما سواء؟
الجواب
الخادمة أجيرة يستأجرها، وليست مملوكة له، وإذا انتهت مدة الإجارة ذهبت إلى أهلها، فهي حرة تملك نفسها، وأولياؤها أهلها، وأما الأمة فإنها مملوكة يمكلها السيد بحيث إنها لا تملك نفسها، ولا تتصرف لنفسها، وليس لها ملك، لو أجرها تخدم عند أناس فالأجرة له، وهكذا، فليسا سواء.
стр. 1815
حكم تولية النصارى على تربية أبناء المسلمين
السؤال
نحن في بلادنا نعيش بين النصارى، وفي يوم من الأيام مات رجل وزوجته وتركا ابناً، فوكل أحد المحسنين نصرانية، واحتضنت الطفل، وكبر وأصبح رجلاً متمسكاً بالدين ومستقيماً، وحتى الآن ما زال يناديها بأمه، فما حكم هذا وجزاكم الله خيراً؟
الجواب
الأصل أنه لا يجوز أن يولى النصارى على تربية المسلمين، وعلى تربية أطفال المسلمين؛ لأنهم يحاولون أن يربوهم على دينهم الذي هو النصرانية، وأن يبعدوهم عن الإسلام وعن مجتمعه، فعلى هذا نقول: إذا مات في بلد فيه نصارى فإن المسلمين يتولونه ولو لم يكونوا موكلين، يتولونه حتى لا يتولاه الكفار الذين يبعدونه عن الدين.
ويذكر أن في بعض البلاد التي فيها مسلمون ونصارى أن النصارى يأتون إلى أولاد المسلمين الفقراء ويقولون: نحن نكفيكم مئونتهم، فيأخذون مثلاً مائة أو ألفاً من الأطفال الذين في الرابعة والخامسة على أنهم يعلمونهم وينفقون عليهم، ثم يرسلونهم إلى أمريكا أو إلى بريطانيا أو إلى البلاد الكفرية، ثم بعد ذلك يربونهم على دين الكفر، يخرج أولئك الأطفال بعيداً عن آبائهم، نسوا آباءهم، ونسوا دينهم، ونسوا عقيدتهم، وهذا ما يقصده هؤلاء النصارى.
стр. 1816
حكم من رضع خمس رضعات من أربع زوجات لرجل واحد
السؤال
رجل له أربع نساء، ورضع منهم طفل خمس رضعات، من كل واحدة رضعة وإحداهن رضعتان، فهل هو محرم لهن أم لا، وكذلك من رضع من إحداهن فقط خمس رضعات هل يكون ابناً ومحرماً لباقي النساء وجزاكم الله خيراً؟
الجواب
يكون ابناً لزوجهن، لأنه رضع من زوجاته خمس رضعات، فيقول: أنت أبي من الرضاعة، وأولادك من الأربع إخواني؛ لأنهم أولاد أبي من الرضاع، وأما أولادهن من غير هذا الرجل فليسوا محارم، وإذا كانت هذه لها ولدان من غير الزوج فليسوا إخوة لهذا الرضيع، وهذه لها ولد من غير الزوج فليس أخاً لهذا الرضيع، وهذه لها ثلاثة، وهذه لها اثنان ونحو ذلك، فأولادهن من غير الزوج ليسوا إخوة لهذا الرضيع؛ لأنه لا يقول: أنت محرم لي لأنك زوجة أبي، وأولادك منه إخوة لي لأنهم أولاد أبي، وأولادك من غيره ليسوا إخوة لي.
стр. 1817
ضابط الفسق الذي تسقط به الحضانة
السؤال
ما هو ضابط الفسق الذي تسقط به الحضانة؟ فإنه قبل سنين كان الشخص تسقط عدالته ببعض المعاصي لغلبة الصلاح، فنرجو البيان وجزاكم الله خيراً؟
الجواب
الفاسق: هو العاصي الذي يفعل المعاصي، إما أن يفعل الكبائر، وإما أن يصر على الصغائر، وفي هذه الأزمنة ينظر في البيوت، فنقول مثلاً: الذي ملأ بيته بآلات اللهو هذا فاسق يفسد من تربى في بيته، الذي لا يصلي هذا فاسق، من كان تحت ولايته فإنه يكون مثله أو ما أشبه ذلك، الذي يسمع الأغاني أو يشرب الخمور أو يتعاطى المخدرات هذا يعتبر فاسقاً، فلا ولاية له ولا حضانة؛ لأن من تربى في حجره فسد عادة، وهكذا كل المعاصي، الضابط أنه الذي لا تقبل شهادته لأجل ما يخرم دينه.
стр. 1818
امرأة الأب من الرضاع تحرم على الابن وفروعه
السؤال
امرأة الأب من الرضاع هل تحرم على الابن من الرضاع وفروعه؟
الجواب
نعم، إذا كان مثلاً لهذا الزوج زوجتان أرضعته إحداهما خمس رضعات، أصبحت هذه أمه، ولها أولاد من هذا الزوج وأولاد من غيره، فأولادها جميعاً إخوتك من الرضاعة، ولزوجها أولاده من المرأة الأخرى، فأولاده من المرأة الأخرى أيضاً إخوتك من الرضاعة، والمرأة الأخرى لها أولاد من غيره فهذه المرأة الثانية محرم لك؛ لأنها زوجة أبيك من الرضاعة، ولكن بناتها من غيره أجنبيات.
стр. 1819
حكم استخدام الخدم الكافرين في تربية أبناء المسلمين
السؤال
هل يجوز استخدام الخدم الغير مسلمين لتربية المسلمين، مثل الخدم في المنازل إذا كانوا كفاراً؟
الجواب
الأصل أنه لا يجوز إذا خشي أنهم يربونهم تربية سيئة، معلوم أنه قد يكون هناك ضرورة كما في هذه الأزمنة، استخدام الخادمات من كثير من البلاد التي فيها كفار كالفلبين وسرلانكا وتايلاند ونحوها، فتأتي كافرات؛ لأن ولاة أمورهن وسلطتهم هناك للكفار، فهم يؤثرون الكافرة ويقدمونها، ويسهلون أمرها، فإذا قدمت عليك فإياك أن تكل إليها تربية الأولاد وتلقينهم وتعليمهم! بل إنما تكل إليها تنظيفهم وغسل ثيابهم وما أشبه ذلك.
стр. 1820
حكم من ولي مال يتيم وأخذ منه ديناً
السؤال
أنا ولي على أخي اليتيم، ودخل في ذمتي كثير من ماله، لأنني آخذ منه إذا احتجت وأسجله في ورقة بنية إرجاعه، فهل يجوز ذلك؟
الجواب
يجوز ذلك إذا كان هذا المال مرصداً في الصندوق، فلا بأس أن تقترض منه، ومع ذلك ثبت عن عمر ﵁ أنه قال: (من كان عنده مال يتيم فليتجر به؛ لئلا تأكله الزكاة) عليك أن تحاول أن تعطيه من يتجر به أو تتجر به أنت حتى يكون فيه ربح تنفق من هذا الربح وتخرج الزكاة منه.
стр. 1821
حكم تولية الحضانة لفاسق لا يوجد غيره
السؤال
إذا كانت الحضانة لفاسق وكان غنياً وليس له بعد الله إلا هذا الفاسق، فهل له ذلك؟
الجواب
نعم تلزمه النفقة عليه، وأما الحضانة التي هي التربية فإن وجدت امرأة من قرابته صالحة فهي أولى، وإذا لم يوجد إلا هذا الفاسق فلا بأس أنه يتربى عنده تحت حضانة زوجته أو ابنته، مع الحرص على تخفيف المنكر والمعصية بحسب القدرة.
стр. 1822
حكم وسم الدابة في خدها
السؤال
أشكل علي ذكركم أنه لا يجوز وسم الدابة بوجهها، ثم ذكرتم وسمها في خدها، فهل هذا جائز؟
الجواب
جائز، ذكرنا أن النبي ﷺ رأى حماراً قد كوي بين عينيه، فقال: (لعن الله من فعل هذا) ، وأما خد البعير يعني: قرب الأذن أو تحت الأذن أو خلف الأذن فيجوز وسمه لأجل العلامة، كما يجوز وسمه في الرقبة، وكذلك وسم الغنم في أذنها، هذا قد فعل في العهد النبوي.
стр. 1823
حكم وضع المجنون في دار الرعاية
السؤال
هل وضع المجنون في دار الرعاية يعد تهرباً من المسئولية، وهل فيه إثم؟
الجواب
إذا لم يكن له ولي أو أولياؤه عاجزون، وأدخل في دار الرعاية، فإنه لا إثم في ذلك، ودار الرعاية فيها أناس مأمونون حريصون على التربية الحسنة، وعلى مراعاة أولئك المجانين ونحوهم.
стр. 1824
حكم إجابة دعوة الكافر إلى بيته
السؤال
نحن نعيش في خارج بلاد الإسلام، وفي بعض الأوقات يدعو أبناء الجيران الكفار أبناءنا إلى منازلهم، فهل يحل أن يجيبوا دعوتهم أم لا، وجزاكم الله خيراً؟
الجواب
الأصل أنه لا يجوز، لكن إذا أمنت المفسدة فلا بأس، إذا كان أولئك الأبناء الذين يدعونهم جيرانهم قد عقلوا الإسلام وعرفوه، وأمنوا أن يكون هناك منكر أو أكل حرام، أو شرب خمر، أو ما أشبه ذلك، وكان هناك مصلحة كمبادلة منفعة أو نحو ذلك فهو جائز.
стр. 1825
حكم الزواج بزوجة العم
السؤال
ما حكم من تزوج بزوجة عمه بعد وفاته، وجزاكم الله خيراً؟
الجواب
يجوز الزواج بزوجة أخيك، وزوجة أخيك أقرب من زوجة عمك، وتحل لك زوجة أخيك، عمك هو أخو أبيك، وخالك أخو أمك، فهم أبعد من أخيك الذي هو من أبويك.
следующие страницы →