Полный текст (2 153 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.
стр. 1926
ما فيه حكومة
ذكروا أن الشجاج عشر، منها خمس ليس فيها إلا حكومة، ومنها خمس فيها شيء مقدر.
فالخمس التي فيها حكومة أولها: الحارصة.
وذكرها هنا بلفظ (الخارصة) ، والصواب: الحارصة، وهي التي تحرص الجلد ولا تشقه، فهذه ليس فيها إلا حكومة.
الثانية: البازلة.
وهي التي تشق الجلد ولا تدمي، لا يخرج دم من جلده إلا أنه انشق الجلد.
الثالثة: الباضعة التي تشق الجلد وتدميه.
وتسمى أيضاً: الدامية، وهي التي يخرج منها دم.
الرابعة: المتلاحمة التي تغور في اللحم ولا تصل إلى العظم، فهي متلاحمة.
الخامسة: السمحاق التي تقرب من العظم، ولا يبقى بينه وبين العظم إلا قشرة رقيقة تسمى السمحاق.
فهذه خمس -حارصة، وبازلة، وباضعة، ومتلاحمة، وسمحاق- ليس فيها إلا الحكومة، بأن يقال: لو كان هذا الإنسان عبداً مملوكاً فكم تنقصه هذه الشجة؟ فإذا قالوا: تنقصه.
ربعه عشره.
نصف عشره فإن فيها تلك النسبة من دية الإنسان الحر ذكراً أم أنثى.
стр. 1927
ما فيه دية
أما الخمس التي فيها دية فهي الموضحة، والهاشمة، والمنقلة، والمأمومة، والدامغة، فهذه فيها مقدر.
والموضحة: هي التي تصل إلى العظم حتى يتضح العظم، فتقرع في العظم، فهذه فيها خمس من الإبل.
والهاشمة: هي التي تهشم العظم ولا تكسره، وعلامة ذلك أن المقدرين للشجاج يأخذون رأس المخيط ثم ينظر فيه، فإذا كان رأس المخيط لا يتوقف فهي موضحة، فإذا كان يتوقف في بعض دل على أنها كسرت العظم، ففيها عشر من الإبل، وتسمى الهاشمة.
الثالثة: المنقلة، وفيها خمس عشرة من الإبل، وهي التي تخرق العظم، بحيث إن الميل يدخل في ذلك الخرق، فقد تمايزت العظام وانتقلت من هنا ومن هنا من شدة الضربة.
الرابعة: المأمومة، وهي التي تصل إلى أم الدماغ، فهذه فيها ثلث الدية، ثلاثٌ وثلاثون من الإبل.
الخامسة: الدامغة، وهي التي تخرق جلدة الدماغ، فإذا وصلت إلى أم الدماغ ولم تخرق فهي مأمومة، وإذا وصلت إليها وشقت الجلد فإنها تسمى دامغة، فهذه فيها ثلث الدية مثل المأمومة.
أما الجائفة فهي التي تصل إلى الجوف من أي مكان، فإذا طعنه -مثلاً- في صدره ووصلت الطعنة إلى الجوف فهي جائفة، أو طعنه في بطنه بسكين ووصلت إلى الأمعاء فهي جائفة، وإن رماه -مثلاً- بسهم فدخل من الأمام وخرج من الخلف فهي جائفتان: جائفة من قدّامه وجائفة من خلفه، حتى ولو لم تشق الأمعاء، فيصدق عليه أنه خرق جوفه من أمامه ومن الخلف.
стр. 1928
العقل والعاقلة
تقدمت دية أعضاء الإنسان، وعرفنا ما يجب فيها، وإذا كانت عمداً فقد تقدم أن المتعمد لا يستحق أن يساعد، بل تكون عليه كلها، وإذا كان القتل أو نحوه خطأ أو شبه عمد فتتحمله العاقلة.
يقول المؤلف: [وعاقلة جانٍ ذكور عصبته نسباً وولاء] .
الذكور فقط من العصبة، إخوانه وبنو إخوته، وأعمامه وبنو عمه، وأعمام أبيه وبنوهم وبنو بنيهم، وأعمام جده وبنوهم وبنو بنيهم، وذكر بعضهم أن العاقلة إلى الجد الخامس أو السادس، ويسمون عاقلة لأنهم يدفعون الدية، والدية تسمى عقلاً، ولماذا سميت بهذا؟ لأنهم يأتون بالإبل بعقلها، والعقال هو الحبل الذي تربط به يد البعير أو رجله إذا برك.
عقل وانعقل أي: ربط حتى لا يثور، فهؤلاء هم عاقلة الرجل من النسب كالقرابة، وكذا ولاء العتاقة، إذا كان له عبيد قد أعتقهم أو أعتقهم جده وكانوا من الأسرة أو القبيلة صدق عليهم الولاء وأنهم عاقلة، فيحملون معه دية الخطأ وشبه العمد، وتقسم على قدر عددهم، وتقسط على ثلاث سنين لئلا تجحف بهم، ففي كل سنة ثلثها، فإذا كان مجموع العاقلة ثلاثين رجلاً قسمت الثلاثين على كل واحد ثلاث من الإبل أو ثلاثة آلاف، في كل سنة يدفع ألفاً، أو يدفع واحدة من الإبل، حتى تدفع الدية كاملة، والجاني لا يكلف، وذلك لأنه غير متعمد، فلا يدفع معهم، وبعض العلماء قال: يدفع كواحد، فإذا كانوا ثلاثين فكل واحد يدفع ألفاً في كل سنة، ففي كل سنة يدفعون ثلاثة وثلاثين ألفاً، فهو واحد منهم.
وبعض العلماء يقولون: عليه أن يدفع ربع الدية إذا كان القتل شبه عمد، ويفعل ذلك بعض القبائل؛ لأنهم يرون أن بعض الذين تركبهم الدية يكون معهم شيء من التساهل، سيما حوادث السيارات بسبب السرعة الشديدة، أو أنه يتهور فيسابق غيره ويفعل ما يسمى بالتفحيط أو ما أشبهه، فهؤلاء يستحقون أن لا يساعدوا، أو أن يحملوا بعض الدية أو أكثرها، أو لا تحمل عنهم، وهكذا أيضاً إذا كان يقود السيارة وهو سكران، فلا يستحق أن يحمل عنه؛ لأنه متهور ومخاطر، فالدية تكون في ماله، ولو لبث في سجنه إلا أن يفديه أبوه، أما عاقلته فيرى بعض القضاة أنهم لا يحملون؛ لأنهم يساعدونه على هذه المخاطرة، فيتجرأ دائماً ويقول: إذا حصل حادث فأنا سالم ولا أدفع شيئاً، ويدفع عني أقاربي.
وعلى كل حال فإن دفع العاقلة من باب التعاون مع الأقارب فيدفعونها بحكم الحاكم، ويقدرها عليهم على قدر عددهم.
стр. 1929
حكم العقل على الفقير وغير المكلف
قال: [ولا عقل على فقير] إذا كان أحدهم فقيراً تحل له الصدقة والزكاة يقول: أنا من أين أدفع؟ ليس معي شيء أدفعه فتسقط عنه ويحملها البقية، وكذلك غير المكلف لا عقل عليه، فمن كان دون سن التكليف لا يدفع ولو كان له مال، فقد يموت إنسان وله أطفال، ويخلف أموالاً كثيرة، فيكون نصيب هذا الطفل -مثلاً- مليون ريال، ونصيب هذا مليونين، ونصيب هذا كذا، فهل نقول: نأخذ من أموالهم ولو كانوا يتامى؟ الصحيح أنه لا يؤخذ من أموالهم، وذلك لفقد سن التكليف، وكذلك المجنون، فبعض المجانين وناقصي العقول عندهم أموال طائلة ورثوها أو نحو ذلك، فلا يدفع ولا يحمل؛ لأنه أهل أن يتصدق عليه، وكذلك المخالف في الدين، إذا كان مخالفاً لدين الجاني فلا يدفع، فإذا كان الجاني أقاربه أو نصفهم نصارى فلا يكلفون أن يدفعوا؛ لأنهم لا يتوارثون، فكذلك لا يعقلون، وهكذا بالعكس، فلو كان الجاني نصرانياً وعاقلته مسلمون فلا يدفعون له؛ لأنهم لا يتوارثون.
وأما إذا كانت المخالفة بالنحلة، كأن يكون هذا من أهل السنة وهذا من الرافضة فهل يدفعون عنه إذا تشيع وصار رافضياً ثم جنى وصار عليه حادث، فتحمل دية أو ديتين أو ديات؟ في هذه الحال الصحيح أنهم لا يحملون عنه، وذلك لأنهم ليسوا على دينه، فمذهب أهل السنة مباعد ومباين لمذهب الرافضة.
стр. 1930
عدم العقل في العمد
يقول المؤلف: [ولا تحمل العاقلة عمداً] .
إذا كان القتل عمداً لا يستحق أن يخفف عنه، بل يتحمله هو في ماله، ولو أن يسجن، والواقع في هذه الأزمنة أنه يتحمل كثيراً من ذلك أقاربه ويدفعون عنه، ويقولون: إنا نشتري ولدنا حتى لا يقتل قصاصاً.
فإذا وجب القصاص عليه قال أولياء القاتل: نحن نشتريه بمليون.
فيمتنع، فيقولون: بمليونين.
وربما وصلوا إلى خمسة أو ستة ملايين، فهل لهم أن يساعدوه؟ نرى أنهم لا يساعدونه؛ لأن هذا متهور متعمد، ولأنه ربما يعود فيقتل ثانية وثالثة ورابعة، بحجة أني أنتقم لنفسي من هذا الذي يعيبني أو يسخر بي، والدية ولو كانت كثيرة يحملها المسلمون عني.
فلا يستحق أن يساعد، لكن قبيلته يقولون: هذا ابننا وليس له إلا نحن.
فيدفعون تلك الدية الطائلة عدة ملايين.
стр. 1931
عدم العقل في جناية العبد
قال: [ولا تحمل عمداً، ولا عبداً] لأن العبد متقوم مثل السلعة، فإذا قتلت مملوكاً عبداً فليس هناك قصاص، ولكن عليك قيمته، فيقدر كم يساوي فتدفع القيمة، يدفعها الجاني ولا تساعده القبيلة، ولا تدفع العاقلة.
стр. 1932
عدم العقل في الصلح
قال: [ولا صلحاً] لو أن إنساناً قال لقبيلته: إني قتلت من هؤلاء قتيلاً، وقد اصطلحت معهم على خمسمائة ألف، فادفعوها فإنهم يقولون: لا ندفعها، فما ندفع إلا القضية التي يحكم فيها القاضي، فأما إذا اصطلحتم فقد تكون حيلة، فقد يكون قتله خطأ ثم يقول لأوليائه: أنا أقول: إنه عمد حتى اصطلح مع قبيلتي، أو أقول: إنه خطأ، وإن علي الدية كلها، ولكن اصطلح معكم على ثلث الدية أو ثلثيها أو ثلاثة أرباعها صلحاً وليس حكماً شرعياً.
ففي هذه الحال العاقلة لا تحمل الصلح؛ لأنه قد يكون حيلة، فيقول: أحتال حتى آخذ من أسرتي وقبيلتي.
стр. 1933
عدم العقل للاعتراف ولا فيما دون ثلث الدية
قال: [لا اعترافاً] .
لو جاء إلى قبيلته واعترف وقال: أنا قتلت رجلاً خطأ يقال له: هل هناك أحد يشهد عليك؟ وهل أحد طالبك؟ كيف تعترف من نفسك وتقول: إنك قتلته؟ فقد تكون هذه حيلة، فلا تدفعها.
قال: [ولا ما دون ثلث الدية] يعني: فربع الدية لا تدفعه، بل يتحمله نفس الجاني.
стр. 1934
كفارة قتل الخطأ وشبه العمد
قال ﵀: [ومن قتل نفساً محرمة غير عمد] يعني: خطأ أو شبه عمد [أو شارك فيه] أي: في قتله خطأ أو شبه عمد [فعليه الكفارة، وهي ككفارة الظهار إلا أنه لا إطعام فيها] ، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢] إلى قوله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [النساء:٩٢] ، فهذه كفارة قتل الخطأ.
يقول: [إلا أنه لا إطعام فيها] ، وذلك لأن الله ما ذكر في آية النساء إلا العتق، فمن لم يجد فالصيام، ولم يقل: فمن لم يستطع فإطعام.
فما ذكر الإطعام، فيقال للقاتل خطأ: عليك كفارة توبة من الله، ولا تبرأ ذمتك إلا بهذه الكفارة.
فإذا قال: أنا لا أستطيع الصيام، أنا كبير.
أو: أنا مريض.
أو: أنا مشغول.
أو: أنا عامل نقول: يبقى الصيام في ذمتك، فلك أن تتحرى أيام الشتاء الخفيفة فتصوم فيها شهرين متتابعين إذا لم تقدر على العتق أو لم يوجد العتق كما في هذه الأزمنة، أما العبد المملوك فإنه يكفر بالصيام؛ لأنه ليس له مال، فيصوم شهرين متتابعين.
стр. 1935
القسامة
عرف المؤلف القسامة بقوله: [أيمان مكررة في دعوى قتل معصوم] .
هذه القسامة التي يحلفون فيها خمسين يميناً، لها شروط: أولاً: أن يوجد قتيل مسلم أو ذمي.
الثاني: أن لا يعرف قاتله.
الثالث: أن يتهم به قبيلة أو يتهم به أهل قرية.
الرابع: أن يكون هناك قرائن تدل على التهمة، كعداوات فيما بينهم، ومشاحنات وخصومات فيما بينهم، فتقوى التهمة أنهم الذين قتلوا هذا القتيل وليس هناك بينة.
قال: [وإذا أتمت شروطها بدئ بأيمان ذكور عصبته الوارثين، فيحلفون خمسين يميناً كل بقدر إرثه، ويجبر الكسر، فإن نكلوا أو كان الكل نساء حلفها مدعى عليه وبرئ] .
عرفنا هذه الشروط، فالشرط الأول: أن يحصل القتل الذي هو إراقة الدم.
الشرط الثاني: أن يكون مسلماً أو ذمياً معصوماً، ليس حربياً ونحوه.
الشرط الثالث: أن يكون لا يعلم قاتله.
الشرط الرابع: أن تقوى التهمة التي بينهم وبين هؤلاء المتهمين.
ففي قصة عبد الله بن سهل الأنصاري الذي قتل في خيبر أنه جاء إليه محيصة فوجده يتشحط بدمه، فقال: أنتم قتلتموه أيها اليهود، فقالوا: ما قتلناه.
فذهب إلى النبي ﷺ محيصة وحويصة ابنا مسعود وعبد الرحمن بن سهل أخو عبد الله بن سهل الذي هو القتيل، فذكروا له القتيل، فقال ﷺ : (تحلفون خمسين يميناً على رجل منهم فيدفع برمته.
فقالوا: أمر لم نشهده كيف نحلف عليه؟! فقال: تبرئكم يهود بخمسين يميناً، فقالوا: قوم كفار لا نقبل أيمانهم.
فدفع ديته من بيت المال) .
وهكذا قصة القرشي الذي استأجره بعض الأعراب راعياً، ولما فقد عقالاً واحداً من إبله قتله، رماه بفرسن بعير فأصابه فتردى ومات، وقبل أن يموت مر عليه رجل فأوصاه أن يخبر أبا طالب، فأخبر أبا طالب أن الذي قتله كفيله الذي استأجره، فأحضروا ذلك الكفيل وقالوا: أنت قتلته، فإما أن تعطينا مائة من الإبل وإما أن يحلف منكم خمسون.
فحلف منهم ثمانية وأربعون، يقول ابن عباس: فما دارت السنة وفيهم عين تطرف.
ولذلك يقولون: إن اليمين الكاذبة تدع الديار بلاقع.
أي: إذا تجرأوا وحلفوا وهم كاذبون لم يؤمن أن يسلط الله عليهم مصائب فيموتوا.
فالحاصل أنه إذا اتهمت قبيلة بأنهم قتلوا هذا الإنسان، وقامت القرائن، وعرف أن بينهم تهمة وأن بينهم عداوات وإحناً وبغضاء، وأن قرائن التهمة تقوي أنهم هم الذين قتلوه، فيجوز -والحال هذه- أن يحلف الوارثون، فيقولون: نحلف أن هؤلاء قتلوه، أو أن هذا وحده قتله.
فإذا حلفوا قتل الذي حلفوا عليه.
ويذكر المؤلف أن الوارثين هم العصبة الذكور، تقسم الخمسون يميناً عليهم، فإن كانوا اثنين حلف هذا خمساً وعشرين يميناً وهذا خمساً وعشرين يميناً، فإن كانوا ثلاثة حلف كل واحد منهم سبع عشرة يميناً حتى ينجبر الكسر.
وإذا كانوا -مثلاً- خمسة حلف كل واحد عشر مرات، وإن كانوا عشرة حلف كل واحد خمسة أيمان حتى تتم خمسين يميناً، فإذا حلفوا على شخص معين أن هذا هو عين القاتل ثبت عليه القتل فيقتل، إلا أن يطلبوا الدية أو يعفو الأولياء.
والحالف هم الذكور، فلا تحلف الإناث، والذكور الحالفون هم العصبة، فلا يحلف ذوو الأرحام مثلاً أو الزوج ونحوهم، ولا بد أن يكونوا وارثين للدم كأولاد الميت أو إخوته الذين يرثونه أو أبوه، وإخوته إذا كانوا يشتركون في الميراث، أي: الذين يرثون، كل بقدر إرثه، فالذي يرث النصف يحلف نصف الخمسين، والذي يرث الثلث يحلف قدرها، فإن نكلوا وقالوا: لا نحلف، هذا غيب ونحن لا ندري، فلا نحلف ونحن لا ندري.
فنكلوا عن الحلف، أو كان الورثة كلهم نساء: لا يوجد إلا بناته وزوجاته وأخواته، ولم يكن له ورثة ذكور؛ رجعت اليمين على أولياء الجاني، أو على الجاني نفسه، فيحلف الجاني المتهم: إنني بريء، وإنني ما قتلته ولا أعلم قاتله.
وإذا حلف برئ، ولم يكن لهم شيء عليه.
والله أعلم.
стр. 1936
الأسئلة
стр. 1937
حكمة التسوية بين الدامغة والجائفة
السؤال
لماذا سوي بين الدامغة والمأمومة فاستويا في ثلث الدية مع أن الدامغة أشد من المأمومة؟
الجواب
لأن كلاً منهما على خطر، فالدامغة شقت جلدة الدماغ، والمأمومة وصلت إلى أم الدماغ، فقاربت ذلك ولم تصل إليه، فجاء التقدير بأن كل واحدة فيها ثلث الدية.
стр. 1938
محلات الحلاقة ومطالبتها بدية اللحى التي تحلقها
السؤال
هل تعد محلات الحلاقة التي تحلق لحى المسلمين متعدية؟ وهل تطالب بالدية؟
الجواب
لا.
وذلك لأنهم لا يكرهون أحداً، إنما هذا هو الذي يأتيهم، بل يدفع لهم أجرة، يأتيهم ويقول: احلقوا لحيتي وأعطيكم عشرة، احلق وأعطيك أجرتك.
فيدفع كل يوم أجرة أو كل يومين أو كل أسبوع، فهم ما يحلقون لأحدٍ قهراً.
стр. 1939
تعدد الديات
السؤال
لو تعدى رجل على آخر ففقأ عينيه وجدع أنفه وقطع لسانه، فهل عليه ثلاثة ديات؟
الجواب
نعم.
تتعدد الدية بتعدد إذهاب المنافع، إذا جدع أنفه وقطع ذكره وقطع لسانه عليه ثلاث ديات، وإذا فقأ عينيه وقطع أذنيه وقطع شفتيه عليه ثلاث ديات.
стр. 1940
حكم الطبيب إذا فرط حتى أضر بالمريض
السؤال
ما مقدار الدية اللازمة على طبيب جراح فرط وأهمل في عملية في الدماغ، فأدى ذلك إلى عدم مقدرة المريض على فهم ما يقرأ أو يسمع، وإذا تكلم المريض تكلم بكلام غير مفهوم ولا مترابط؟
الجواب
معلوم أنه لا يجوز أن يتطبب وهو ليس بعالم بالطب، سواء الجراح أو المعالج بالأدوية أو ما أشبه ذلك، وورد في الحديث: (من تطبب ولم يعلم منه طب فهو ضامن) ، فإذا قدر أنه عمل عملية ومات ذلك الذي عملها له، وعرف أنه تجرأ عليها وليس من أهل المعرفة فعليه الدية، ولا يقال: عليه القصاص.
وما ذاك إلا أنه ما تعمد، وهكذا لو عالج العين وليس معروفاً بذلك ففقأها، فعليه نصف الدية، وهكذا بقية العمليات.
стр. 1941
حكم من رمى رجل المجني عليه فشلت
السؤال
ما مقدار الدية على جانٍ أطلق رصاصة على مسلم فأدى إلى قطع عصب هام أدى إلى شلل الرجل اليمنى؟
الجواب
عليه نصف الدية؛ لأنها إذا شلت فلا ينتفع بها وبقيت صورة، فقد أذهب منفعة الرجل فعليه نصف الدية.
стр. 1942
القود في حالة إعادة اليد المجني عليها بقطع
السؤال
لقد توصل الطب الحديث -والحمد لله- الآن في بعض الأحيان إلى تدارك للأمر سريعاً وإرجاع العضو المقطوع كاليد مثلاً، فهل تسقط الدية؟
الجواب
قد تقطع اليد حتى تنفصل، ثم بعد ذلك يعيدونها، بمعنى أنهم يخيطون كل عضو في عضو وكل عرق في عرق إلى أن تعود، ولكن معلوم أيضاً أنها لا تعود كما كانت، فيكون فيها إما شلل وشيء من النقص، فيكون فيها نسبة ما نقص من حركاتها.
стр. 1943
العاقلة
السؤال
ما معنى العاقلة التي تحمل الدية؛ لأن عندنا معناها تكليف القبيلة كلها في الدية، وقد تكون القبيلة عشر عشائر أو خمساً، وكم يكون على الجاني وعصبته، وإذا امتنع أحد العاقلة عن الدفع فهل يلزم؟
الجواب
الأصل أن العاقلة هم الأسرة القريبة، ويمكن أن يقال: إلى الجد الخامس أو إلى الجد العاشر إذا كانوا قليلين، وأما أن تحمل القبيلة التي عددها -مثلاً- ألف رجل أو خمسة آلاف فلا يلزمون بذلك، ولكن في هذه الأزمنة يتحملون دية العمد التي قد تكون مثلاً: أربعة ملايين أو خمسة ملايين، فيقسمونها على القبيلة ولو كانوا ألف بيت أو ألفين، فيقولون: نحن اشترينا ابننا وولدنا، وهو منسوب إلينا جميعاً.
فيلزمونهم، وهذا الإلزام ليس شرعياً، وإنما هو اختياري.
стр. 1944
حكم من حلق لحية آخر تعدياً عليه
السؤال
من تعدى على رجل وحلق لحيته مع أنها تنبت فكيف تكون الدية؟
الجواب
في هذا حكومة، فليس دية وإنما فيه حكومة، فإذا كانت تعود وتنبت ولكن بتشويه فعليه قيمة تشويه خلقته وما أشبه ذلك، وقد كانوا يعزرون بحلق اللحية، حتى في أول عهد الملك عبد العزيز، كان إذا جنى إنسان فخرج عن الطاعة أو سرق أو غش أو حصل منه سخرية أو نحو ذلك يعاقبونه بحلق لحيته، وإذا حلقت خجل أن يمشي، وخجل أن يظهر للناس، فيخجل أن يراه الناس وهو حليق.
стр. 1945
إثم من لعن دابته أو سيارته
السؤال
ذكر في الحديث أن من لعن دابته فلا يملكها، كما في قصة المرأة التي لعنت دابتها، لكن من لعن سيارته أو متاعه فهل له نفس الحكم؟
الجواب
قالوا: إن هذا تعزير منه لتلك المرأة، والظاهر أنها رجعت إليها تلك الناقة أو إلى أولادها أو نحو ذلك، إنما قال: لا تصحبنا ناقة ملعونة.
أو: خذوا ما عليها واتركوها، أما في هذه الأزمنة فلو لعن سيارته أو لعن شاته -مثلاً- أو بقرته أو منزله فلا يخرج من ملكه، ولكن يعتبر آثماً.
стр. 1946
دفع العاقلة لدية القتل الخطأ بالسيارة
السؤال
إذا اعترف الجاني بالقتل الخطأ، وكانت القرائن تؤيد اعترافه كما في كثير من حوادث السير، فهل تتحمل العاقلة الدية أم لا؟
الجواب
إذا قامت القرائن على أنه هو الذي فعل ذلك واعترف يدخل الأمر إلى القاضي، فإذا حكم بأنه هو الذي قتل وأن القتل خطأ بموجب اعترافه وبموجب دعوى المدعي الذي ادعى عليه.
ففي هذه الحالة يحكم عليه، وتدفعها العاقلة.
стр. 1947
التعدي بقطع العضو الزائد
السؤال
لو كان مع الرجل عضو زائد وقطع فما الحكم؟
الجواب
اختلف في قطعه، والصحيح أنه يجوز لو كان في يده ستة أصابع، وكان الإصبع الزائد يؤذيه لغسله مثلاً أو نحو ذلك، أو لكونه يتدلى، أو كانت الزيادة في رجله، وهذه الإصبع الزائدة في رجله قد تؤذيه إذا لبس خفاً أو لبس جورباً، وفي هذه الأزمنة العمليات تزيله، ولا حرج في ذلك.
ومن اعتدى عليه فقطعه ففيه حكومة؛ لأنه ليس فيه شيء مقدر، فيرجع فيه إلى الحاكم.
стр. 1948
تعيين مصرف الوقف
السؤال
شخص توفي وترك أرضاً لأولاده وهم ابن وثلاث بنات، ووصى أن تكون سبيلاً، فما هي القسمة الصحيحة للإرث؟
الجواب
إذا وقفها فإن عين الجهة التي تصرف فيها غلتها تعينت، كأن يقول: أجرة هذه الأرض، أو ثمر هذا النخل تفطير للصوام -مثلاً- أو عمارة لهذا المسجد أو لإنارته، أو في سقايته وإصلاح مياهه تعين، وما فضل منه فإنه يصرف في جهة تماثلها.
وأما إذا لم يعين وقال: وقف فإن على الوكيل أن ينظر أفضل الجهات، كصدقة على أقاربه، أو إعطاء الفقراء من ذويه ومن ورثته، فإذا استغنوا صرف ما بقي في أعمال البر.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1949
شرح أخصر المختصرات [٧٩]
لقد جعل الله لهذه الأمة حدوداً وقوانين شرعية يتحاكمون إليها، حفظاً للأعراض والنسل والنسب، ولا سلامة للمجتمع من الرذيلة والفاحشة والمحرمات إلا إذا وجد في قلوبهم واعظ الله، وهو التقوى الرادعة عن المعاصي، ثم إقامة الحدود الشرعية، ومنها جلد الزاني البكر، ورجم المحصن، وجلد القاذف، وتعزير العاصي، وبهذا يكون المجتمع آمناً من الآفات والأمراض الجنسية.
стр. 1950
الحدود وأثرها في الحفاظ على المجتمع
قال رحمه الله تعالى: [كتاب الحدود لا تجب إلا على مكلف ملتزم عالم بالتحريم، وعلى إمام أو نائبه إقامتها.
ويضرب رجل قائمًا بسوط لا خلق ولا جديد، ويكون عليه قميص وقميصان، ولا يبدي ضارب إبطه.
ويسن تفريقه على الأعضاء، ويجب اتقاء وجه ورأس وفرج ومقتل.
وامرأة كرجل، لكن تضرب جالسةً، وتشد عليها ثيابها، وتمسك يداها، ولا يحفر لمرجوم، ومن مات وعليه حد سقط.
فيرجم زان محصن حتى يموت، وغيره يجلد مائةً ويغرب عامًا، ورقيق خمسين ولا يغرب، ومبعض بحسابه فيهما.
والمحصن من وطئ زوجته بنكاح صحيح في قبلها ولو مرةً.
وشروطه ثلاثة: تغييب حشفة أصلية في فرج أصلي لآدمي ولو دبرًا، وانتفاء الشبهة، وثبوته بشهادة أربعة رجال عدول في مجلس واحد بزناً واحد مع وصفه أو إقراره أربع مرات مع ذكر حقيقة الوطء بلا رجوع.
والقاذف محصنًا يجلد حر ثمانين، ورقيق نصفها، ومبعض بحسابه.
والمحصن هنا: الحر المسلم العاقل العفيف.
وشرط كون مثله يطأ أو يوطأ لا بلوغه.
ويعزر بنحو: يا كافر يا ملعون يا أعور يا أعرج.
ويجب التعزير في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة، ومرجعه إلى اجتهاد الإمام] .
الحدود: هي العقوبات على المعاصي، وتطلق الحدود على الأحكام التي حددها الله وبينها، مثل قوله تعالى بعد آيات الصيام: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة:١٨٧] ، وبعد آيات الطلاق: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة:٢٢٩] ، فحدود الله هنا أحكامه التي بينها ونهى عن قربها، أي: فعل شيء مما نهى الله عنه في الصيام أو في الاعتكاف ونحوه، وكذلك الاعتداء في النكاح والطلاق وما أشبه ذلك: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق:١] ، فهكذا أصل الحدود، وتلك حدود الله، فيذكر الله تعالى الحدود بعد الأوامر والنواهي، وكذلك بعد الأحكام، كقوله بعد أحكام المواريث: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ﴾ [النساء:١٣] .
ولكن اصطلح الفقهاء على تخصيص الحدود بالعقوبات؛ لأن أصل الحد هو الحاجز بين الشيئين، فتقول مثلاً لجارك: هذا القطع حد بيني وبينك، بين ملكي وملكك فهذا الجدار حد بين أهل فلان وأهل فلان، ثم إن الفقهاء استعملوا الحدود للعقوبات، يقولون: الحد عقوبة على ذنب لتمنع من الوقوع في مثلها.
أي: أن هذا الحد يشرع فيه عقوبة على ذلك الذنب الذي ارتكبه ذلك المجرم، فيحد -أي: يعاقب- حتى يرتدع هو ويرتدع أمثاله، ولا يعودون إلى ذلك الذنب مرة أخرى، هذا هو الأصل في شرعية هذه العقوبات.
ولا شك أن إقامتها تطهير للبلاد، وتعطيلها نشر للفساد، ورد في بعض الأحاديث: (لحد يقام في الأرض خير من أن يمطروا أربعين صباحاً) بمعنى أنه إذا أقيم الحد كان ذلك زجراً للناس عن هذا الذنب وعن الاعتداء عليه، فيكون بذلك تطهيراً للبلاد عن هذه المعاصي وتطهيراً للبلاد عن هذه المحرمات، وذلك مما يسبب رحمة الله لهم، حيث إنهم تابوا وأقلعوا عن الذنوب وابتعدوا عن هذه المحرمات، ولكن إذا أصروا واستمروا ولم يكن هناك عقوبات فإن المعاصي تكثر، ويكون من آثارها حرمان الله تعالى فضله، وحجزه عنهم رحمته، فما نزل بلاء إلا بذنب، وما رفع إلا بتوبة.
فيعلم بذلك أن الله تعالى ذكر هذه الحدود لتكون زواجر عن الآثام وعن الحرمات، وقد تقدم حد منها، وهو القصاص، وأنه شرع لأجل أن يتوقف المعتدي فلا يتعدى حده، بل يتوقف ولا يقدم، ولذلك قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [البقرة:١٧٩] يعني أن سبب شرعيته حتى يقل القتل، حتى إذا هم بقتل مسلم وتذكر أنه سوف يقتل عند ذلك ينزجر ويترك الاعتداء، فكذلك بقية العقوبات، فمثلاً عقوبة الزنا جعل الله تعالى فيها حد الجلد أو الرجم، وذلك لأنها محرمة، ولما يترتب عليها من المفاسد، فإذا هم بأن يزني وتذكر أنه سوف يرجم أو سوف يجلد ويغرب أو يحبس ويطال حبسه ترك هذا المحرم؛ لأنه يترتب عليه فضيحته، وسيترتب عليه أذى له، فينزجر ويتوب عن هذا الفعل.
كذلك أيضاً إذا همّ بأن يسرق وعرف بأنه سوف تقطع يده إذا سرق، ففكر وقال: ما قيمة هذه السرقة مقابل هذا المال الذي سوف آخذه؟ أين يقاس بيدي التي فيها نصف الدية؟ فيتراجع ويترك السرقة، وهكذا إذا هم بأن يشرب الخمر، وعرف بأنه إذا شربها فإنه لابد سيعاقب ويجلد ويشهر بأمره، فيقول: ما نتيجة هذه الشربة التي هي لذة لحظات ثم لا أستفيد منها إلا الخجل والفشل والألم الذي هو هذا الجلد الذي يعود علي بالضرر؟! فيرجع إلى نفسه ويعلم أنه لا حاجة له في هذا الشيء الذي لذته يسيرة وعقوبته شنيعة، هذا هو السبب، فهذه عقوبات دنيوية تزجر كثيراً من الناس.
مع أن الله تعالى قد توعد بعقوبات أخروية أشد وأشد، والعقوبات في الآخرة أشد، وهي حرمانهم من ثواب الله وجنته، ودخولهم النار أو تعرضهم لسخط الله، فيفكر أيضاً إذا كان معه إيمان وعقل أنه لا مقاومة ولا مقاربة بين هذه اللذة العاجلة وبين حرمان ثواب الله ورضاه أو الحصول على غضبه وعذابه في الآخرة، فيعرف أن هذه اللذة وقتها يسير وعاقبتها سيئة.
ولذلك ينزجر عنها العاقل إذا تذكر عقوبتها وتذكر أن مسرته هذه يعقبها مساءة شديدة وإساءة دائمة، حتى يقول بعضهم: مسرة أحقاب تلقيت بعدها مساءة يوم إنها شبه أنصاب فكيف بأن تلقى مسرة ساعة وراء تقضيها مساءة أحقاب يعني: لو أنك عشت في سرور مدة كبيرة وأحقاباً طويلة ثم لقيت بعدها مساءة يوم أو مساءة ساعة نسيت ما كنت فيه من تلك المسرات، وذهبت كأنها ليست شيئاً، فكيف إذا كانت المسرة ساعة أو يوماً أو أياما ًقليلة؟! فإن الدنيا كلها قليلة، وحياتك منها قليلة، ولهذا الكفار إذا قيل لهم: كم لبثتم يقولون: لبثنا يوماً أو بعض يوم، مع أنهم لبثوا عشرات السنين، ولكن نسوا ما كانوا فيه من لذة الدنيا وشهوتها، ورد أيضاً في الحديث أنه: (يجاء بأنعم الناس في الدنيا -من أهل الكفر أو من أهل المعاصي- فيغمس في النار غمسة، فيقال: يا ابن آدم! هل رأيت خيراً قط، هل مرت بك نعيم قط؟ فيقول: لا، ما رأيت خيراً قط، وما مر بي نعيم قط.
ويجاء بأبأس الناس في الدنيا من أهل الجنة، فيغمس في الجنة غمسة، فيقال: يا ابن آدم! هل رأيت بؤساً قط، هل مرت بك شدة قط؟ فيقول: لا يارب) ، أهل النار إذا غمسوا فيها مرة نسوا ما كانوا في الدنيا من ملذاتهم وشهواتهم وسكرهم ومكرهم ولهوهم وسهوهم وخمرهم وزمرهم وزناهم وفواحشهم التي يتلذذون بها في الدنيا ويرفهون به عن أنفسهم ساعة واحدة أو أقل، إذا غمسوا في العذاب نسوا ذلك كله كأنه لم يكن.
ويقول بعض الشعراء: تفنى اللذاذة ممن نال صفوتها من الحرام ويبقى الإثم والعار تبقى عواقب سوء من مغبتها لا خير في لذة من بعدها النار يعني: اللذة التي في الدنيا هي لذة زنا ولواط، ولذة فاحشة وسكر، ولذة غناء، ولذة كبر، ولذة رفاهية، ولذة تمتع في المحرمات وما أشبهها.
وترفيه -كما يقولون- وتسلية وما أشبه ذلك هل تدوم؟ تبقى معه ساعة أو سويعات أو نحو ذلك ثم كأنه لم يتمتع بتلك الملذات، ولكن يبقى عليه الإثم الذي يعاقب عليه في الآخرة، ويبقى عليه التعرض للعذاب، وتبقى عليه التبعات، فكيف -مع ذلك- يقدم وهو يعلم أنه سيستمر العذاب على ذلك، فلا خير في لذة من بعدها النار.
وحيث إن الكثير من الناس يقدمون القريب على البعيد والحاضر على الغائب، وينظرون إلى ما أمام أعينهم، ويغفلون عما وعدوا به، ويتناسون وعيد الله تعالى على هذه المعاصي والمحرمات، فتحملهم تلك المناظر البراقة وتلك الشهوات، والنفس الأمارة بالسوء على أن يندفعوا لفعل هذه المحرمات ويقعوا فيها، ولا يفكرون في العواقب، ثم بعد ذلك ينتبهون، فما ينتبهون إلا وقد وقعوا، ثم ربما يعودون مرة ثانية وثالثة ومراراً.
لما كان كذلك شرع الله تعالى هذه العقوبات الدنيوية لتكون زاجرة لهؤلاء الذين إيمانهم ضعيف، وناهية لهم عن الوقوع في هذه الآثام والمحرمات، فمن كان معه إيمان ويقين زجره إيمانه ولو لم يكن معه أحد يراقبه، ومن ضعف إيمانه اندفع بشهوته إلى أن يفعل الآثام وأنواع الإجرام.
стр. 1951
وصايا في تقوية الإيمان الزاجر عن المعاصي
أولاً: على المسلم أن يجدد إيمانه وعقيدته، فيؤمن بأن الله تعالى هو ربه وخالقه، والرب هو المعبود، ويؤمن كذلك بأن الله تعالى تعبده، أي: أمره ونهاه، فأصبح عبداً لله ، والعبد عليه أن يطيع ربه وخالقه.
ثانياً: أن يعلم أن الله حرم هذا وأباح هذا، فيفعل ما هو مباح أو ما هو واجب يتقرب به، ويبتعد عما هو محرم وإثم كبير فيتركه خوفاً من الله.
ثالثاً: ليعلم أنه إذا أطاع الله وفعل ما أمر به فإن الله تعالى يثيبه في دنياه وأخراه، ويعطيه أجراً كبيراً، وأنه إذا عصى الله تعالى ووقع في هذه الآثام فإنه قد توعده بأنه يعاقبه ويعذبه في دنياه وأخراه.
فمن كان معه هذا الإيمان زجره عن المعاصي ولو كانت الدوافع إليها شديدة، وزجره عن الزنا والخنا وما أشبه ذلك ولو كانت متيسرة أسبابه.
فنضرب مثلاً بنبي الله يوسف ﵇، كونه شاباً في غاية الشباب، وجميلاً في غاية الجمال، وكونه في بيت سيده الذي ملكه ظلماً، وكون امرأة ذلك السيد من أجمل النساء، وكونها غلقت الأبواب ودعته إلى نفسها، كما قال تعالى: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتْ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف:٢٣] ، ولكن ما الذي حجزه مع الدافع القوي؟ حجزه برهان ربه، حجزه الإيمان، حجزه إيمانه وخوفه من الله ﴿إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ [يوسف:٢٣] اعترف بأن الله تعالى هو ربه، وأنه أحسن مثواه، وأنه توعد على ذلك بالعقوبة، فلاشك أن هذا أثر الإيمان القوي، يكون زاجراً لمن كان معه هذا الإيمان القوي.
لذلك ذكر ابن رجب أن رجلاً خلا بامرأة في ليلة وراودها عن نفسها وقال: ما يرانا إلا الكواكب.
قالت: فأين مكوكبها؟ فذكرته أن الله تعالى هو يراهما، وهو الذي كوكبها، أي: خلقها وسيرها، لا تخفى عليه خافية: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء:٢١٨-٢١٩] .
وأن آخر خلا بامرأة في منزل وهم بها، فأظهرت له المطاوعة، وقال لها: أغلقي الأبواب.
فقال بعد ذلك: هل أغلقت جميع الأبواب؟ قالت: بقي باب واحد، الذي بيننا وبين الله.
فارتعد وخاف وخرج.
وكذلك وردت قصة في الصحيحين قصة الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة، فأحدهم توسل بعفته، أنه كانت له ابنة عم يحبها حباً شديداً كأشد ما يحب الرجال النساء، وأنه أرادها على نفسها فامتنعت، حتى ألمت بها في سنة من السنين حاجة شديدة، فجاءت إليه تقترض منه أو تستجدي، فامتنع حتى تمكنه من نفسها ويبذل لها مائة دينار، يقول: فلما قعدت بين رجليها قالت: يا عبد الله! اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه.
فقام عنها خوفاً من الله وترك المال الذي أعطاها.
فهؤلاء الذين يقعون في فواحش الزنا واللواط ومقدمات ذلك ليس معهم إيمان يزجرهم، ولكن لديهم نفوس ضعيفة وشهوات ضعيفة تدفعهم إلى فعل هذه الفواحش، فلو لم يكن هناك عقوبات جلد ورجم وتغريب وحبس ونحو ذلك لانتشر هؤلاء وانتشرت الفواحش، وإذا انتشرت فماذا تكون الحالة؟ لا شك أنها تحصل المنكرات، وأن الله تعالى ينزل عليهم العقوبات والأمراض التي لم تكن في أسلافهم من قبل، كما ورد ذلك في بعض الأحاديث: (ما فشت الفاحشة في قوم حتى يعلنوا بها إلا فشت فيهم الأوجاع التي لم تكن في أسلافهم) ، فهذا هو الواقع، لذلك ذكر العلماء هذه الحدود والعقوبات.
стр. 1952
أحكام الحدود
стр. 1953
من تجب عليه إقامة الحدود
يقول: [لا تجب إلا على مكلف ملتزم عالم بالتحريم] .
فهذه شروط من تجب عليه، والمكلف: هو البالغ العاقل، فإذا وقع في الزنا أو اللواط صغير دون البلوغ فمثل هذا غير مكلف؛ لعدم العقل التام الذي يزجره، وكذلك لو وقع فيه مجنون مسلوب العقل أو ضعيف العقل أو ضعيف المعرفة فمثل هذا أيضاً ليس معه ما يزجره، ليس معه من العقل ما يزجره ويدفعه إلى فعل هذه الجريمة أو إلى تركها، فهو ضعيف العقل أو مسلوبه، فمثل هذا أيضاً لا يقام عليه الحد.
وأما الملتزم فيخرج الكفار الذين ليسوا بملتزمين، ويدخل الملتزم منهم مثل الذمي، أهل الذمة من اليهود والنصارى والمجوس إذا كانوا يؤدون الجزية يلزم الإمام أخذهم بحكم الإسلام في النفس والمال والعرض، وإقامة الحدود عليهم بما يعتقدون تحريمه دون ما يعتقدون حله، ولذلك رجم النبي ﷺ اليهوديين اللذين زنيا في عهده، مع أنهما ليسا بمسلمين، ولكن كانا ملتزمين، أي: خاضعين للعهد والذمة، فهؤلاء تقام عليهم الحدود، وأما الذين ليسوا تحت ولاية المسلمين أو الحربيون فلا ولاية للمسلمين عليهم، ولا تقام عليهم الحدود؛ لأن ذنبهم أكبر.
الشرط الثالث: كونه عالماً بالتحريم، أي: يعرف أن هذا الذنب حرام، فأما لو أسلم وبقي في بلاد ليس فيها علم وفعل الزنا ونحوه فإنه لا يقام عليه الحد؛ لأنه جاهل لم يصل إليه العلم، ولا درى أن الله تعالى حرم هذا الذنب، فلا بد أن يكون معه علم بأن هذا محرم.
стр. 1954
من يقوم بتطبيق الحدود
يقول: [وعلى إمام أو نائبه إقامتها] .
الذي يتولى إقامة الحد هو الإمام، كأمير البلد أو وكيله، وهكذا أيضاً القاضي إذا كان مفوضاً، ويجوز أن يوكل الأمراء نواباً لهم، فيقول الأمير: أنت -أيها الوكيل في البلدة الفلانية- عليك أن تقيم الحدود، وأنت -أيها القاضي- قد فوضناك في إثبات الحدود وإقامتها.
والدليل عليه أن النبي ﷺ وكل رجلاً يقال له: أنيس الأسلمي، قال: (اغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها) ، وكله في الاعتراف وإثبات الحد، ثم وكله في إقامة الحد، فاعترفت فرجمها.
وقصة ذلك أن رجلين جاءا إلى النبي ﷺ ، قال أحدهما: إن ابني كان عسيفاً عند هذا -يعني أجيراً- فزنى بامرأته، فافتديت ابني بمائة شاة وليدة، ثم سألت أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم، فقال النبي ﷺ : (لأقضين بينكما بكتاب الله، الوليدة والغنم رد عليك، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها) ، ففيه دليل على إثبات الحدود، ثم بعد ذلك إقامتها.
стр. 1955
كيفية تطبيق الجلد وما يشترط فيه
الحدود إما القتل في القصاص، أو قطع اليد قصاصاً، أو الرجم -وهو أشدها- في الزنا، أو الجلد في الزنا والتغريب فيه، وقطع اليد في السرقة، والجلد في القذف وفي السكر، والقتل وما معه في قطع الطريق، هذه هي الحدود وما أشبهها، ويكون هناك باب أيضاً في التعزير، وهي العقوبات في حد لا يصل إلى الذنب الذي فيه عقوبة مقدرة، فهذا الكتاب فيه باب الرجم، وفيه باب الجلد، وفيه باب التغريب، وفيه باب حد المسكر، وحد القذف، وقطع اليد في السرقة، وحد قطاع الطريق، وحد البغاة، وحد المرتد، وهذه الحدود كلها تحت هذا الكتاب.
وإذا ثبت الحد الذي هو الجلد فإنه [يضرب رجل قائماً بسوط لا خلق ولا جديد، ويكون عليه قميص أو قميصان، ولا يبدي ضارب إبطه] هكذا ذكروا، فالرجل إذا جلد في الزنا أو في الخمر أو جلد في القذف فإنه يضرب وهو قائم، ومن العلماء من أجاز أن يضرب وهو مضطجع على بطنه، ولكن كأنهم اختاروا أن يضرب وهو قائم.
والآلة التي يضرب بها تكون من عصا، ولا تكون قوية شديدة تشق جلده أو تعطل عليه بعض المنافع، ولا تكون خلقة لا تؤثر فيه، بل تكون وسطاً، روي أنه ﷺ أراد جلد رجل، فجيء بسوط جديد فقال: (دون هذا) ، فجيء بسوط رديء فقال: (فوق هذا) ، يعني أنه لا يشدد عليه بالسوط الجديد الذي قد يؤدي إلى قتله، وكذلك لا يضرب بالسوط الرديء الذي لا يؤثر فيه، بل يكون السوط وسطاً، والسياط قديماً تؤخذ من العصي كجريد النخل، فإذا كان متيناً يؤثر عليه، وإذا كان دقيقاً كرأس العسيب ونحوه لا يؤثر، وأما إذا كان متوسطاً فإنه الذي يؤثر ولا يضره، أي: لا يمته.
وتعمل السياط اليوم من السيور، أي: سيور الجلد ونحوه، وكذلك من الحبال أو من الخيوط يعملون سوطاً يفتلون بعضه في بعض، ثم بعد ذلك يجلدون به ذلك المجرم؛ لأنه الذي يكون ليناً بحيث يلتوي على جلده وظهره أو على فخذيه أو ما أشبه ذلك.
[ولا يجرد] يعني: لا تخلع ملابسه حتى يبدو جلده، ولكن يكون عليه قميص أو قميصان من هذه الثياب العادية من القطن ونحوه؛ لأنها لا تمنع وصول الألم إلى جلده.
[ويمنع أن يكون عليه عباءة غليظة] وكذلك ثوب غليظ، كما يسمى بالكوت ونحوه؛ لأن هذا قد لا يوصل الضرب والألم إلى جلده.
ثم الضرب يكون وسطاً ليس شديداً ولا ضعيفاً، وحددوه بأنه إذا رفع يده لا يرى إبطه، فالضارب يضرب ولا يرفع يده كثيراً، بل يرفعها ثم يجلد، ولكن يتفاوت الضرب وتتفاوت العقوبات، فمثل الزنا يشدد عليه، قال الله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور:٢] يعني: لا ترحموه؛ فإن ذنبه كبير.
ومعنى ذلك أنكم تشددون عليه، فلا ترحمونه، (ولا تأخذكم بهما رأفة) لا تأخذكم بالزاني رأفة فتخففوا عنه الجلد.
ونرى بعض الجلادين لا يحرك إلا كفه، فمثل هذا لا يؤثر، وبعضهم يشدد فيرفع يده كلها على نحو مترين ثم يضرب بقوة، وهذا شديد أيضاً قد يشق الجلد، فالجلد في الزنا يكون شديداً ولكن ليس إلى الشدة في النهاية.
﴿وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور:٢] .
وأما الجلد في القذف فهو دون الجلد في الزنا، وكأنه أخفها، فالجلد في القذف أخف حدود الجلد، وأما الجلد في السكر فيكون وسطاً بين جلد القذف وبين جلد الزنا.
يقول: [ويسن تفريقه على الأعضاء] .
إذا كان قائماً يضرب ظهره وكتفيه وعضديه، ويضرب أسفل ظهره، ويضرب فخذيه وساقيه، ويضرب طولاً وعرضاً، وكذلك أيضاً يضرب فخذيه من الأمام والخلف، وساقيه من الأمام والخلف، وإليتيه من الخلف، وظهره كله وكتفيه، يفرقها على الأعضاء.
قال: [ويجب اتقاء وجه ورأس وفرج ومقتل] .
وذلك لأن هذه قد يؤثر فيها، ولأن النبي ﷺ قال: (إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه) يعني: لا يضرب الوجه.
ولأن الوجه فيه الحواس، فيخاف أن يقضي على سمعه وبصره ولسانه وفمه وعلى أنفه، فيظهر أثر ذلك، ويفوّت عليه بعض الحواس، فلا يجوز الضرب في الوجه، وكذلك الرأس، ولو ضرب الرأس فقد يسبب موتاً، سيما إذا كان الضرب شديداً، وكذلك لا يضرب الفرج والقبل، أما الدبر فإنه يضرب الإليتين، فلا يضرب الفرج الذي هو القبل من رجل أو امرأة.
ويتجنب المقاتل، فلا يضرب رقيق البدن، وكذلك البطن مثلاً، فلو ضرب بسوط شديد لأتلفها أو شق جلد البطن أو نحو ذلك، وكذلك القلب لو ضربه فوق قلبه أو مقابل كليتيه لعطلهما، فلذلك لا يضربه في المقاتل.
قال: [وامرأة كرجل] .
يعني: إذا وجب عليها الجلد فإنها تجلد كما يجلد الرجل في الزنا، والقذف، والسكر، لكن تضرب جالسة؛ لئلا تتكشف، وتشد عليها ثيابها، وتمسك يداها، أي: تربط يداها؛ فإنها لو ضربت وهي قائمة لأوشك أن بعض الجلدات تكشف الثوب عن بعض جسدها فتتعرى، بخلاف ما إذا كانت جالسة، فإذا كانت جالسة يكون الجلد على الظهر والعضدين وأسفل الظهر، وتضرب أيضاً من الأمام على الساقين، أو تضرب من الجانب الأيمن على الحقوين والفخذ ونحو ذلك، ويفرق الضرب والجلد عليها.
وتشد عليها ثيابها لئلا تتكشف، أي: تشد من الأسفل ثيابها إن كانت قميصاً أو نحوه، ويشد الخمار على رأسها ووجهها، وأكمامها تربط حتى لا تتكشف ولا ينحسر شيء من ثيابها، وتمسك يداها بخيط إلى رقبتها حتى لا تمد يديها.
قال: [ولا يحفر لمرجوم] .
إذا أريد أن يرجم فإنه لا يحفر له قبر، بل يترك على وجه الأرض ثم يرجم، ويرى بعض العلماء أنه يوثق، يعني: تربط رجلاه حتى لا يهرب.
قال: [ومن مات وعليه حد سقط] .
يعني: ثبت الحد عليه، وقبل أن يقام عليه الحد مات، فلا يقام على أولاده؛ لأنهم ما أذنبوا، ولا على أحد من ورثته، وهل يجلد بعد أن مات؟! لا، سقط عنه الحد.
وأما لو مات تحت السياط فلا دية له، فإذا أقيم عليه الحد ومات بسبب الجلدات التي يجلد بها فليس هناك دية على الجلاد؛ لأنه حق، ورد في عبارة الفقهاء أنهم ينقلون ذلك عن بعض الصحابة: (من مات بحد فالحق قتله) .
стр. 1956
كيفية تطبيق الرجم
أما الرجم فلابد أن يكون الزاني محصناً، فإذا زنى وهو محصن فإنه يرجم حتى يموت، والرجم قذفه بالحجارة، تكون الحجارة ملء الكف أو أصغر، ويكون الزاني واقفاً أو جالساً، ويقيد حتى لا يهرب على الصحيح، ثم الذين يرجمونه يرجمونه في كل مكان؛ لأنه سوف يرجم إلى أن يموت، فلو أصاب الحجر رأسه فلا إثم في ذلك، كما في قصة الغامدية، ابتدءوا برجمها في رأسها، ولما رجمها خالد بن الوليد وأصاب الرأس فنزف الدم عليه سبها، فنهاه النبي ﷺ وقال: (لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم) يعني: لا تسبها، وقال لـ عمر: (وهل وجدت أفضل من أن جادت بنفسها لله تعالى؟!) ، ولذلك صلى عليها.
والرجم يكون مع كل جهة، فيصيب الحجر الوجه والرأس، ويصيب القلب والبطن، ويصيب الجنب، ويصيب الكلية، ويصيب الفرج، يرجمونه إلى أن يموت، فإذا مات تحت الحجارة كان ذلك هو حده وعقوبته.
والرجم كان موجوداً في شريعة اليهود، ولما زنى منهم اثنان عند ذلك أمر النبي ﷺ أن يخبروه بما عندهم، فأخبروه بغير الصحيح، وكان عبد الله بن سلام يعرف أن الرجم موجود في التوراة، فجيء بالتوراة فنشروها، يقول بعضهم: فوضع أصابع يده على آية الرجم وقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال ابن سلام: ارفع يدك، فإذا آية الرجم تلوح، فقالوا: صدق يا محمد، فيها آية الرجم.
ثم اعتذروا وقالوا: إن الزنا كثر فينا، وكثر في أشرافنا، فزنى أحد أقارب بعض الملوك فتركوه ولم يقيموا عليه الحد، ثم زنى أحد الضعفاء والفقراء، فأرادوا أن يرجموه، فقال قومه: لا يرجم حتى يرجم فلان، فاصطلحوا على عقوبة يقيمونها على الصغير والكبير، والشريف والوضيع وهي التحميم، أي: يحممون وجهه بسواد ويركبوهما -الزاني والزانية- على حمار مقلوبين، ويطوفون بهما في الناس قائلين: إن هذا قد فعل كذا وكذا فلما ظهر أنهما يرجمان قال النبي ﷺ : (اللهم! إني أحييت سنة قد أماتوها) ، وروي أنه وجد في القرآن آية كانت من المنسوخ، فذكروا عن عمر ﵁ أنه قال: (إن مما أنزل الله آية الرجم، قرأناها وسمعناها، ورجم النبي ﷺ ورجمنا بعده، فأخشى أن يطول بالناس زمان فيقولوا: لا نجد الرجم في القرآن، فيضلوا بترك سنة سنها رسول الله ﷺ ، فالرجم مشروع وعقوبة شرعية.
стр. 1957
شروط الرجم بالزنا
شروطه: الإحصان، وثبوت الزنا، فيرجم حتى يموت، وأما غير المحصن فيجلد مائة ويغرب عاماً، يجلد مائة جلدة، ويغرب سنة، وغير المحصن هو البكر، وأول ما نزل في حد الزنا قول الله تعالى في سورة النساء: ﴿وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً * وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾ [النساء:١٥-١٦] ، فكانوا في أول الإسلام يحبسون الزاني والزانية، ويطيلون حبسه لقوله تعالى: (فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ) .
بعد ذلك نزلت الآيات في أول سورة النور: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور:٢] إلخ الآيات، ونزلت أيضاً آية الرجم التي نسخت، وروى عبادة بن الصامت أن النبي ﷺ قال: (خذوا عني خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم) ، فهذا حديث صحيح عند مسلم وغيره، وفي هذا الحديث أن الزاني إذا كان محصناً يجمع له بين العقوبتين، أولاً: يجلد مائة جلدة عملاً بقوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور:٢] ؛ فإن الآية عامة للمحصن ولغيره فيجلد المحض مائة جلدة ثم بعد ذلك يرجم.
وروي عن علي ﵁ أنه زنت امرأة في عهده يقال لها: شراحة، ولما زنت وثبت زناها جلدها في يوم الخميس، ثم رجمها في يوم الجمعة وقال: (جلدتها بكتاب الله، ورجمتها بسنة رسول الله ﷺ ، هكذا جمع بينهما، والحديث فيه الجمع: (الثيب بالثيب جلد مائة والرجم) ، لكن المشهور أن النبي ﷺ اقتصر على الرجم في قصة ماعز الأسلمي حين زنى واعترف، وكان قد تزوج، فاقتصر النبي ﷺ على رجمه، وجاءت بعده المرأة التي زنى بها يقال لها: الغامدية فاعترفت، ولم يجلدها، بل أمر بها فرجمت.
وهناك قصة أخرى لامرأة من جهينة، وهذه أيضاً قد وقعت في الزنا فاقتصر على رجمها، وقصة اليهوديين اقتصر على رجمهما ولم يأمر بالجلد قبل الرجم، فهذه القصص تفيد أنه لا حاجة إلى أن يجمع بين الحدين، بل يقتصر على الرجم والرجم كافٍ، وذلك لأنه يأتي على الحياة، وقالوا: إنه لما تلذذ جسده كله بتلك الشهوة المحرمة ناسب أن يعذب وأن يتألم جسده كله بهذه العقوبة، فهذا الجسد الذي تلذذ بلذة محرمة يعاقب بعقوبة شديدة تعمه كله وهو الرجم، ولأنه قد أنعم الله عليه، حيث قد تزوج ودخل بزوجته، فعدل عن الحلال إلى الحرام، فكانت عقوبته أشد.
ويعم ذلك ما لو كان قد طلق، فإذا زنى بعد أن تزوج ودخل بامرأته وطلق امرأته -أي: ليست عنده امرأة- صدق عليه أنه محصن، فعند ذلك يرجم، وأما غيره وهو البكر الذي لم يسبق له زواج فعقوبته الجلد، يجلد مائة ويغرب سنة، والتغريب أن يبعد عن وطنه وأن ينفى إلى بلد بعيد، والحكمة في ذلك أن يفقد من كان يعرفه، ويبتعد عن الأماكن التي فيها فساد؛ لأنه قد يكون في بلده يعرف بيوت الدعارة ويعرف مجتمعات فاسدة ويعرف أمكنة الخنا ونحو ذلك، فمن عقوبته أن يغرب إلى بلد لا يعرف فيها شيئاً، ولا يتمكن فيها من أن يتصل بأحد من أهل الفساد والشرك، ويبتعد عن بلده التي عرف فيها أشراراً، فلعله إذا رجع لا يعود إلى ذلك.
لكن في هذه الأزمنة قد تكون الغربة سبباً في زيادة شره؛ لأنه قد يغرب إلى بلد أشد فساداً، فكثير من البلاد إسلامية أو غير إسلامية الزنا فيها أكثر من بعض، وإذا غرب إليها فإنه قد يعجبه ذلك، ويسر به ويقول: الآن تمكنت مما أريد، والنساء فيها كثير، والمرأة تبذل نفسها بدون إكراه.
فيكون تغريبه زيادة في إفساده، فلذلك يرى بعض المشايخ أن بدل النفي السجن، فيدخل في السجن لمدة سنة، ويكون بذلك قد تاب إذا سجن وضيق عليه، فلعله يتأثر ويبتعد عن الأماكن التي فيها الفساد.
والحاصل أن هذه العقوبة تكون زاجرة عن هذا الذنب الكبير، والذين عطلوها انتشرت فيهم الفواحش، في بعض البلاد التي هي بلاد إسلامية أو فيها إسلام عطلت فيها هذه الحدود، فلا يسمع فيها بجلد على زنا، وكذلك بسجن عليه ولا برجم، بل توجد فيها الإباحية، حيث يزعمون أنه إذا بذلت المرأة نفسها باختيارها وبدون غصب أو نحوه فهو حق لها، وقد بذلته باختيارها فكيف مع ذلك تعاقب؟! والذي فعل بها ما غصبها فلا عقوبة عليه؛ لأنها بذلت ما تملكه، فيعطلون هذا، بل يمنعون أباها من التصرف فيها ومن منعها، فإذا كانت تفعل ذلك باختيارها لا يقدر أبوها ولا ولي أمرها على منعها، فلا شك أنه بهذا تنتشر هذه الفواحش، فالمرأة معها شهوة، ولأنها ضعيفة الإرادة، ولأن إيمانها ضعيف فليس معها ما يزجرها، فإذا سمح لها ووجدت من يفجر بها مع كثرة الأشرار والفجار تعظم المصيبة ويكثر الفساد، فلذلك انتشرت الفواحش في تلك الدول التي أباحت للمرأة بذل نفسها.
أما إقامة الحدود في البلاد التي تطبق شرع الله فإن الفواحش فيها أقل، وإن كان الشر كثيراً.
стр. 1958
إقامة الحد على المملوك
لما ذكر الجلد والتغريب ذكر أن الرقيق المملوك عقوبته خمسون جلدة ذكراً أم أنثى، وأخذ ذلك من القرآن الكريم في سورة النساء، فذكر الله تعالى الإماء في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنْ الْعَذَابِ﴾ [النساء:٢٥] والمراد الإماء، إذا أتين بفاحشة -يعني: بزنا- فعقوبتهن نصف عقوبة المحصنة، والعقوبة التي في القرآن للمحصنات مائة جلدة، ونصفها خمسون جلدة، فإذا زنت الأمة فإنها تجلد خمسين جلدة، ولا تغرب، ولا يغرب الرقيق ذكراً أم أنثى؛ لأن تغريبه يفوت منفعته وخدمته لسيده، والسيد ما أذنب.
والصحابة بعضهم فهموا من قول الله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنْ الْعَذَابِ﴾ [النساء:٢٥] أن المراد بإحصانهم الزواج، فقالوا: يا رسول الله! إذا زنت الأمة ولم تحصن -أي: ما عقوبتها-؟ فقال: (إذا زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم بيعوها ولو بحبل من شعر) ، وفي حديث آخر: (إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحد، ولا يثرب) يعني: لا يوبخها بهذا ولا يعيبها ويعيرها؛ لأن الزنا في الإماء كثير، وأما في الحرائر فإنه عيب، وفي قصة مبايعة النبي ﷺ للنساء في قريش كان من جملتهن: هند بنت عتبة امرأة أبي سفيان، بايعهن وقرأ عليهن الآية في آخر سورة الممتحنة: ﴿عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ﴾ [الممتحنة:١٢] ، فلما قال: (وَلا يَزْنِينَ) قالت هند: يا رسول الله! وهل تزني الحرة؟ استغراباً واستنكاراً؛ لأن الزنا إنما يكون في الإماء المماليك.
وقد ذكروا أن ابن أبي المنافق كان له أمتان، فكان يكرههما على الزنا ويقول: اذهبي فابغي لنا، والبغاء هو الزنا، والبغي هي الزانية، يكلفها ويكرهها أن تذهب وتزني وتأخذ أجرة وتأتي بها إلى سيدها، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً﴾ [النور:٣٣] ، والبغاء هو الزنا، أي: لا تكرهوهن على فعل فاحشة الزنا إذا أردن تحصناً وتحفظاً ﴿وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور:٣٣] ، فإذا أكرهت -سواءٌ أكرهت على الزنا أم أكرهها سيدها على أن تزني- فلا ذنب عليها، والذنب على سيدها.
فالحاصل أن الرقيق ذكراً أو أنثى حده خمسون جلدة، وليس عليه تغريب، وأما المبعض فبحسابه، إذا كان -مثلاً- نصفه حر ونصفه رقيق فيجلد لكونه رقيقاً خمسين جلدة، ويجلد نصفه خمساً وعشرين جلدة، فيكون جلد الذي نصفه حر خمس وسبعون جلدة، والتغريب يغرب ثلاثة أشهر؛ لأنه سقط عنه التغريب كله بسبب كونه رقيقاً، ولما كان نصفه رقيقاً أخذنا نصف النصف فغربناه ربع السنة، هذا ما نقول، فكل مبعض بحسابه فيهما.
ومن المراد بالمحصن في قوله: [فيرجم زان محصن] ؟ المحصن من وطئ زوجته بنكاح صحيح في قبلها ولو مرة.
فمن تزوج زواجاً صحيحاً كامل الشروط، ودخل بامرأته وتمكن منها ووطئها في نكاح صحيح ولو مرة واحدة صدق عليه أنه محصن، وأنه هو الذي يرجم.
стр. 1959
ما يشترط به وقوع الرجم على الزاني المحصن
стр. 1960
تغييب الحشفة في فرج أصلي محرم لآدمي
يشترط للرجم ثلاثة شروط: قال: [تغييب حشفة أصلية في فرج أصلي لآدمي ولو دبراً] .
يعني: سواء وطئ في الدبر الذي هو فاحشة اللواط، وطئ ذكراً أو أنثى، أو في القبل الذي هو الفرج، ويكفي تغييب رأس الذكر، أي: إلى حد الختان؛ لأن في الحديث: (إذا التقى الختانان) تغييب الحشفة إلى حد الختان، وذكر الحشفة الأصلية يخرج ما إذا كان له ذكر زائد فإنه لا حكم له.
قوله: [في فرج أصلي] .
لا في فرج غير أصلي، فلو كان هناك -مثلاً- ما يسمى بالخنثى، وكان له فرج غير أصلي أو مشكوكاً فيه فلا يعطى هذا الحكم.
وقوله: [بآدمي] .
كأنهم أرادوا أن ينبهوا على أن من وطئ البهيمة فلا يحد؛ لأن الزنا الحقيقي هو وطء آدمي، يعني: ذكراً أم أنثى.
وقوله: [ولو دبراً] .
صرحوا بأنه إذا وطئ في الدبر فإنه يعتبر زانياً، وقد اختلف في حد فاحشة اللواط الذي هو فعل قوم لوط الذين عاقبهم الله تعالى عليه، يقول الله تعالى: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ الْعَالَمِينَ * إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ﴾ [الأعراف:٨٠-٨١] ، وفي آية أخرى: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنْ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:١٦٥] ، اشتهر هذا الفعل في قوم لوط، فنسب هذا الفعل إليهم، ولوط ﵇ بريء منهم، ثم صارت هذه الفاحشة تسمى اللواط، وفاعلها يقال له: هذا لوطي.
والفعل يقال فيه: لاط فلان، أو لاط به.
ويلوط به، أخذاً من هذه الكلمة، وهي الوطء في الدبر، وحيث إنه مستقبح طبعاً، وأن المفعول به ليس له شهوة في دبره تحمله على أن يبذل نفسه، ولكن قد يكون مكرهاً يكره على هذه الفاحشة، أو يبذل له أجرة على أن يمكن من نفسه، وقد ذكر بعض العلماء أنه إذا قيل له: إما أن تمكننا من نفسك وإلا قتلناك أنه يفضل القتل، يقول ابن القيم: وذلك لأن نطفة اللوطي مسمومة، يعني أنه إذا فُعل فيه فإنه يألف ذلك، وقد يطلب من يفعل فيه والعياذ بالله، فلذلك يفضل أنه يقتل، يقول: اقتلوني ولا أمكنكم من أن تفعلوا فيّ.
ومع ذلك قد انتشرت هذه الفاحشة في كثير من الدول، وهي الفعل في الصبيان وفي الذكور والعياذ بالله، وأصبحت كأنها مألوفة لا تستنكر، وقد وجدت في عهد الصحابة في عهد أبي بكر، كتب خالد لـ أبي بكر: إنا قد وجدنا رجلاً يُنكح كما تنكح المرأة.
فعند ذلك جمع الصحابة فاختلفوا، ثم اتفقوا على أنه يحرق، وذلك لعظم ذنبه، كأنهم قالوا: إن هذا ذنب كبير، فنرى من بشاعته أنه يحرق هذا اللوطي ولو كان هو المفعول به.
وقال بعض الصحابة: إنه يلقى من شاهق ثم يتبع بالحجارة كما فعل بقوم لوط، فإن الله تعالى قال: ﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنْ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود:٨٢-٨٣] أي: من فعل كفعلهم فليس عقوبتهم بعيدة منه، وإذا ألقي من شاهق فقد لا يموت، فبعد ذلك يرجم؛ لأن الله قلب عليهم ديارهم ثم بعد ذلك رجمهم.
والقول الثالث أنه يقتل، واستدلوا بحديث أن النبي ﷺ قال: (من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به) ، والقتل يقتضي قتله بالسيف أو نحو ذلك، وذلك زجراً لمن يفعل ذلك، وقضاءً على هذا الفعل الشنيع.
واختيار المؤلف هنا أنه مثل الزنا، أي أن حده مثل حد الزنا، فإن كان محصناً -يعني: قد تزوج- سواء الفاعل أو المفعول به فإنه يرجم، وإن كان لم يتزوج سواء فاعلاً أو مفعولاً به فإنه يجلد ويغرب، ولذلك قال: [ولو دبراً] يعني: ولو كان الفعل في دبر، أي: دبر آدمي.
وأما إتيان البهيمة فلم يذكروا ذلك؛ لأن الحديث الذي ورد فيه يظهر أنه فتيا من بعض الصحابة: (من وطئ بهيمة فاقتلوه واقتلوها معه) ، فيظهر أنه فتوى من بعض الصحابة.
стр. 1961
انتفاء الشبهة
الشرط الثاني: انتفاء الشبهة.
فمن قال: أنا وطئتها لأني قد كنت طلقتها ثم راجعتها، وظننت أن المراجعة تامة، فقيل له: إنك لم تراجعها إلا بعد العدة فلا رجعة لك فهذا له شبهة، وكذلك لو قال: أنا وطئتها أظنها زوجتي، أو أظنها أمتي، وجدتها في بيتي فوطئتها، فيكون هذا أيضاً عذراً له، وهكذا وطء الشبهة.
стр. 1962
ثبوت الزنا بالبينة أو الإقرار
الشرط الثالث: ثبوت الزنا، ويثبت بالبينة والإقرار، فالبينة لابد أن يكونوا أربعة شهداء؛ لقول الله تعالى: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء:١٥] ، ولقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور:٤] ، ولقوله في آية الإفك: ﴿لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور:١٣] ، فاختص الزنا بأنه لابد من أربعة شهداء يشهدون عليه، وهؤلاء يكونون رجالاً، فلا تقبل شهادة النساء، ولابد من العدالة، فلو كان فيهم فاسق أو مقدوح في عدالته لم تقبل شهادته، ولابد أن يشهدوا جميعاً في مجلس واحد، فلو جاء اثنان في مجلس واثنان في مجلس لم يثبت بذلك الزنا، فلابد أن يجتمعوا في مجلس واحد، ولابد أن يشهدوا في زناً واحد، فلو قال هذان: زنى يوم السبت.
وقال الآخران: زنى يوم الأحد.
فشهدا بزناً متكرر فلا يثبت.
وكذلك لابد من وصفه، بأن يقولوا: رأيناه بأعيننا يزني بهذه المرأة أو بفلانة زناً صحيحاً.
وبعض العلماء قالوا: لابد أن يشهد الأربعة بأنهم رأوا فرجه في فرجها، أو ذكره في قبلها.
ولكن يظهر أن هذا ليس بشرط، ولكن إذا تأكدوا أنه يزني بها ولم يروا الفرجين اكتفي بذلك؛ لأنه عادة لا يتمكن من رؤية الفرجين، قد يكونان ملتحفين مثلاً أو نحو ذلك، فعلى كل حال إذا قالوا: نتأكد ونوقن بأنه قد زنى بها، وأنه قد أولج فرجه في فرجها وإن لم نر الفرجين.
وتحققوا في ذلك قبلت شهادتهم، فلا حاجة إلى ما شدد به الفقهاء في ذلك، فإن مع تشديدهم لم يتمكن من إقامة الحد بهذه الشهادة، وذكر عن شيخ الإسلام أنه يقول: لم يقع رجم منذ عهد الصحابة إلى عهدنا هذا بشهود على ما ذكره الفقهاء؛ لأنه لا يتصور أنهم يكشفون عن الفرجين، يعني: طوال هذه القرون ما ثبت الزنا بأربعة شهود يصفونه فيقولون: رأينا قبله في قبلها، أو رأينا فرجه في فرجها.
ولا يمكن، فلذلك يكتفى بالعلم، والشهود الذين شهدوا على اليهودي قالوا: نعم.
رأينا فرجه في فرجها، ولكن يظهر أن ذلك مجرد يقين، أي: علمنا وتيقنا أنه أولج في فرجها، وأنه زنى بها زناً صريحاً، فهذا الذي يثبت به أولاً.
وأما الإقرار فهو أن يعترف به أربع مرات مع حقيقة الزنا وحقيقة الوطء، وهكذا قرر النبي ﷺ ماعزاً لما جاء معترفاً، فقال له: (لعلك قبلت أو غمزت أو لمست؟) ، يعني: فعلت مقدمات، فقال: (لا، فقال: أتدري ما حقيقة الزنا؟ قال: نعم، أتيت منها حراماً ما يأتي الرجل من أهله حلالاً) يعني: أولج فيها يعني جماعاً كاملاً، فهذا هو حقيقة أن يعترف بحقيقة الزنا.
واشترطوا أن يبقى مقراً بهذا الزنا حتى يفرغ من رجمه أو يفرغ من جلده، فإن تراجع فإنه يدرأ عنه، هذا قول، وذلك لأنهم ذكروا أنهم لما بدءوا برجم ماعز وكانوا لم يقيدوه يقول جابر: كنت فيمن رجمه، فلما أذلقته الحجارة هرب، فلحقناه حتى أدركناه بالحرة، فرجمناه حتى مات، وذكروا أنه لما ذكر للنبي ﷺ أنه هرب، قال: (هلا تركتموه؟!) يعني لما هرب، فيخاف أن ذلك منه تراجع، واعتذر بعض العلماء بأن معنى قوله: (هلا تركتموه) يعني: حتى تتأكدوا أو تأتوا به إلينا.
والصحيح أنه إذا ثبت باختياره وإقراره ودون إكراه، واعترف على نفسه فإنه -والحال هذه- يقام عليه الحد، ولو قال: إني ندمت، أو كذبت أو تراجعت أو ما أشبه ذلك لا يقبل تراجعه، وكذلك أيضاً الشهود، فلو قال أحد منهم بعدما تمت الشهادة وكتبت: إني رجعت أو: إني أخطأت بالشهادة عليه إذا كان قد تلفظ بالشهادة.
стр. 1963
شروط القذف الذي يقام عليه الحد
стр. 1964
أن يكون المقذوف محصناً
انتهى ما يتعلق بالزنا، ثم ذكر بعده حد القذف، والقاذف: هو الذي يقذف محصناً.
قال: [فيجلد حر ثمانين ورقيق نصفها، ومبعض بحسابه] .
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور:٤] شرع حد القذف حماية للأعراض؛ لأن بعض الناس قد يظلم أحداً فيعيبه فيقول: إن فلاناً زنى مع أنه لم يكن زانياً، وقد عرف أنه لم يكن من أهل ذلك، فهذا الذي قذف محصناً وعابه وألحق به عاراً، أو ألحق به عيباً لا شك أنه قد ارتكب في حقه إثماً وأنه قد ظلمه، فهذا الذي قذف يقول: إن هذا قد نشر عني سمعة سيئة، وألفق بي تهمة شنيعة، فأريد أن أنتقم منه، وأريد أن آخذ بثأري منه، والشرع أنصفه وجعل في هذا القذف حداً، وهو الجلد إذا رمى محصناً أو محصنة بزناً صريح، فإنه إذا لم يكن عنده بينة فعليه الحد، يقال: أنت قذفت فلاناً فائت بأربعة شهداء وإلا فالحد عليك.
فمن قذف محصناً حده ثمانون إذا كان حراً، ونصفها إذا كان مملوكاً، ومبعض بحسابه، فإذا كان نصفه حراً فإنه يجلد أربعين لكونه رقيقاً، ويجلد عشرين لكون نصفه حراً، ومن المراد بالمحصن؟ المحصن هنا: الحر المسلم العاقل العفيف، لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور:٤] فكذلك الرجال، أما إذا قذف عبداً فقال: هذا العبد زانٍ أو زنى فلان فإنه -والحال هذه- لا حد على القاذف؛ لأن العبد والأمة لا يلحقهما عار كما يلحق الحر، ولأن الزنا معروف وقوعه كثيراً في الإماء والمماليك ونحوهم.
стр. 1965
أن يكون المقذوف مسلماً
كذلك لابد أن يكون مسلماً، فإذا قذف كافراً ولو ذمياً فلا حد على القاذف؛ لأن الكافر وإن لحقه عار لكن ليس كالعار الذي يلحق المسلم.
следующие страницы →