Полный текст (2 153 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.
стр. 1961
انتفاء الشبهة
الشرط الثاني: انتفاء الشبهة.
فمن قال: أنا وطئتها لأني قد كنت طلقتها ثم راجعتها، وظننت أن المراجعة تامة، فقيل له: إنك لم تراجعها إلا بعد العدة فلا رجعة لك فهذا له شبهة، وكذلك لو قال: أنا وطئتها أظنها زوجتي، أو أظنها أمتي، وجدتها في بيتي فوطئتها، فيكون هذا أيضاً عذراً له، وهكذا وطء الشبهة.
стр. 1962
ثبوت الزنا بالبينة أو الإقرار
الشرط الثالث: ثبوت الزنا، ويثبت بالبينة والإقرار، فالبينة لابد أن يكونوا أربعة شهداء؛ لقول الله تعالى: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء:١٥] ، ولقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور:٤] ، ولقوله في آية الإفك: ﴿لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور:١٣] ، فاختص الزنا بأنه لابد من أربعة شهداء يشهدون عليه، وهؤلاء يكونون رجالاً، فلا تقبل شهادة النساء، ولابد من العدالة، فلو كان فيهم فاسق أو مقدوح في عدالته لم تقبل شهادته، ولابد أن يشهدوا جميعاً في مجلس واحد، فلو جاء اثنان في مجلس واثنان في مجلس لم يثبت بذلك الزنا، فلابد أن يجتمعوا في مجلس واحد، ولابد أن يشهدوا في زناً واحد، فلو قال هذان: زنى يوم السبت.
وقال الآخران: زنى يوم الأحد.
فشهدا بزناً متكرر فلا يثبت.
وكذلك لابد من وصفه، بأن يقولوا: رأيناه بأعيننا يزني بهذه المرأة أو بفلانة زناً صحيحاً.
وبعض العلماء قالوا: لابد أن يشهد الأربعة بأنهم رأوا فرجه في فرجها، أو ذكره في قبلها.
ولكن يظهر أن هذا ليس بشرط، ولكن إذا تأكدوا أنه يزني بها ولم يروا الفرجين اكتفي بذلك؛ لأنه عادة لا يتمكن من رؤية الفرجين، قد يكونان ملتحفين مثلاً أو نحو ذلك، فعلى كل حال إذا قالوا: نتأكد ونوقن بأنه قد زنى بها، وأنه قد أولج فرجه في فرجها وإن لم نر الفرجين.
وتحققوا في ذلك قبلت شهادتهم، فلا حاجة إلى ما شدد به الفقهاء في ذلك، فإن مع تشديدهم لم يتمكن من إقامة الحد بهذه الشهادة، وذكر عن شيخ الإسلام أنه يقول: لم يقع رجم منذ عهد الصحابة إلى عهدنا هذا بشهود على ما ذكره الفقهاء؛ لأنه لا يتصور أنهم يكشفون عن الفرجين، يعني: طوال هذه القرون ما ثبت الزنا بأربعة شهود يصفونه فيقولون: رأينا قبله في قبلها، أو رأينا فرجه في فرجها.
ولا يمكن، فلذلك يكتفى بالعلم، والشهود الذين شهدوا على اليهودي قالوا: نعم.
رأينا فرجه في فرجها، ولكن يظهر أن ذلك مجرد يقين، أي: علمنا وتيقنا أنه أولج في فرجها، وأنه زنى بها زناً صريحاً، فهذا الذي يثبت به أولاً.
وأما الإقرار فهو أن يعترف به أربع مرات مع حقيقة الزنا وحقيقة الوطء، وهكذا قرر النبي ﷺ ماعزاً لما جاء معترفاً، فقال له: (لعلك قبلت أو غمزت أو لمست؟) ، يعني: فعلت مقدمات، فقال: (لا، فقال: أتدري ما حقيقة الزنا؟ قال: نعم، أتيت منها حراماً ما يأتي الرجل من أهله حلالاً) يعني: أولج فيها يعني جماعاً كاملاً، فهذا هو حقيقة أن يعترف بحقيقة الزنا.
واشترطوا أن يبقى مقراً بهذا الزنا حتى يفرغ من رجمه أو يفرغ من جلده، فإن تراجع فإنه يدرأ عنه، هذا قول، وذلك لأنهم ذكروا أنهم لما بدءوا برجم ماعز وكانوا لم يقيدوه يقول جابر: كنت فيمن رجمه، فلما أذلقته الحجارة هرب، فلحقناه حتى أدركناه بالحرة، فرجمناه حتى مات، وذكروا أنه لما ذكر للنبي ﷺ أنه هرب، قال: (هلا تركتموه؟!) يعني لما هرب، فيخاف أن ذلك منه تراجع، واعتذر بعض العلماء بأن معنى قوله: (هلا تركتموه) يعني: حتى تتأكدوا أو تأتوا به إلينا.
والصحيح أنه إذا ثبت باختياره وإقراره ودون إكراه، واعترف على نفسه فإنه -والحال هذه- يقام عليه الحد، ولو قال: إني ندمت، أو كذبت أو تراجعت أو ما أشبه ذلك لا يقبل تراجعه، وكذلك أيضاً الشهود، فلو قال أحد منهم بعدما تمت الشهادة وكتبت: إني رجعت أو: إني أخطأت بالشهادة عليه إذا كان قد تلفظ بالشهادة.
стр. 1963
شروط القذف الذي يقام عليه الحد
стр. 1964
أن يكون المقذوف محصناً
انتهى ما يتعلق بالزنا، ثم ذكر بعده حد القذف، والقاذف: هو الذي يقذف محصناً.
قال: [فيجلد حر ثمانين ورقيق نصفها، ومبعض بحسابه] .
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور:٤] شرع حد القذف حماية للأعراض؛ لأن بعض الناس قد يظلم أحداً فيعيبه فيقول: إن فلاناً زنى مع أنه لم يكن زانياً، وقد عرف أنه لم يكن من أهل ذلك، فهذا الذي قذف محصناً وعابه وألحق به عاراً، أو ألحق به عيباً لا شك أنه قد ارتكب في حقه إثماً وأنه قد ظلمه، فهذا الذي قذف يقول: إن هذا قد نشر عني سمعة سيئة، وألفق بي تهمة شنيعة، فأريد أن أنتقم منه، وأريد أن آخذ بثأري منه، والشرع أنصفه وجعل في هذا القذف حداً، وهو الجلد إذا رمى محصناً أو محصنة بزناً صريح، فإنه إذا لم يكن عنده بينة فعليه الحد، يقال: أنت قذفت فلاناً فائت بأربعة شهداء وإلا فالحد عليك.
فمن قذف محصناً حده ثمانون إذا كان حراً، ونصفها إذا كان مملوكاً، ومبعض بحسابه، فإذا كان نصفه حراً فإنه يجلد أربعين لكونه رقيقاً، ويجلد عشرين لكون نصفه حراً، ومن المراد بالمحصن؟ المحصن هنا: الحر المسلم العاقل العفيف، لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور:٤] فكذلك الرجال، أما إذا قذف عبداً فقال: هذا العبد زانٍ أو زنى فلان فإنه -والحال هذه- لا حد على القاذف؛ لأن العبد والأمة لا يلحقهما عار كما يلحق الحر، ولأن الزنا معروف وقوعه كثيراً في الإماء والمماليك ونحوهم.
стр. 1965
أن يكون المقذوف مسلماً
كذلك لابد أن يكون مسلماً، فإذا قذف كافراً ولو ذمياً فلا حد على القاذف؛ لأن الكافر وإن لحقه عار لكن ليس كالعار الذي يلحق المسلم.
стр. 1966
أن يكون المقذوف عاقلاً
ثالثاً: أن يكون عاقلاً.
فإذا قذف مجنوناً فالمجنون مرفوع عنه القلم، فلا يلحقه العار، سواء قال: إنه فعل.
أو: إنه فعل به.
فإذا كان مجنوناً ناقص العقل لم يكن معه من العقل ما يحجزه عن فعل هذه الجريمة -أي: الزنا- ونحوها.
стр. 1967
أن يكون المقذوف عفيفاً
الرابع: أن يكون عفيفاً.
والعفيف: هو الذي ليس متهماً بفعل الفاحشة، بل هو من الذين يعرف أنهم بعيدون عن هذا المنكر.
والفقهاء ذكروا أمثلة لهذا القذف، ولكن الصحيح أنه إذا كان اللفظ صريحاً فإنه يكون قذفاً، وإذا كانت اللفظة تستعمل لغير الزنا أو اللواط فاعلاً أو مفعولاً وإنما تستعمل لغيره فلا يكون قذفاً، فإذا قالوا مثلاً: زنيت يا فلان أنت زانٍ، زنيتي، رأيتك تزنين، زنى فرجك زنى دبرك أو قبلك أو: زنى بك فلان أو نحو ذلك، وكذلك أيضاً العبارات التي تستعمل لذلك وقد تكون أيضاً كنايات مثل النيك، كقول: يا منيوك.
أو: يا منيوكة أو ما أشبه ذلك، وهناك عبارات ليست صريحة، مثل كلمة (معفوج) أو نحوها، وكلمة (لوطي) قد يراد بها أنه على ملة لوط إذا قال ذلك، أما إذا قال: إنه -كما يعبرون- مخنث.
أو: إنه متخنث.
والتخنث هو التشبه بالنساء في ترقيق الكلام ونحوه، ولكن قد تستعمل صريحاً في أنه يفعل به إذا قالوا: مخنث أو تخنث أو نحو ذلك، وهكذا كثير من العبارات، وقديماً يعبرون عنه بقولهم: (مأبون) يعنون المفعول به، أو مأبون بمعنى: أنه يفعل به وما أشبه ذلك.
فالحاصل أنه إذا كان المجتمع يفهم من تلك الكلمة التي رماه بها أنه يريد بذلك الزنا، أو أنه فاعل أو مفعول به، وكانت تلك الكلمة صريحة واضحة فإنها تقبل منه ويعاقب بموجبها، ويقال: قد رميته بفعل الفاحشة فعليك الحد.
ثم حد القذف حد للمقذوف لا يقام إلا بمطالبته، فلو سمح وقال: هذا رماني وقذفني وأنا أتنازل عنه فإنه يسقط عنه الحد، وإذا مات قبل أن يتنازل فهل لورثته أن يطالبوا ويقولوا: هذا قذف أبانا، أو قذف ابننا، فنريد أن نقيم عليه الحد؟ يقولون: إنهم لا حق لهم؛ لأنه لا يدرى هل سمح أم لم يسمح، ولو لم يكن هناك بينة على أنه أسقط ذلك، ويشترط في حد القذف كون مثله يطأ أو يوطأ، ويشترط كونه يتمكن من الوطء، أما لو -مثلاً- قذف طفلاً عمره ثماني أو سبع سنوات بأنه زنى فمثل هذا يعلم أنه كاذب؛ لأنه لا يتصور منه، لكن إذا قذف به وقال: إنه فعل به فلان فهذا قد يتصور أنه يفعل به ولو كان عمره سبع أو ثماني سنوات، ولكن مع ذلك حيث إنه لم يكلف فإنه ليس عليه عقوبة، وذكروا أنه إذا بلغ وكلف فله المطالبة، فإذا قال: إن هذا رماني بأني مفعول بي أو وفعل بي قبل خمس سنين أو قبل عشر سنين، وعليه عندي بينة يشهد عليه فلان وفلان، وقد كذب علي فأريد إقامة الحد عليه ليجلد ثمانين جلدة ففي هذه الحال إذا طالب بذلك بعد تكليفه وكان هناك بينة ثبتت العقوبة والحد على ذلك القاذف.
وأما إذا لم يكن القذف صريحاً بالزنا فإن فيه التعزير، فإذا قال -مثلاً-: يا كافر.
أو: هذا كفر وليس حقاً يعزر القائل، وكذلك إذا قال: يا معلون وليس مستحقاً لذلك، وطالب ذلك الذي لعن يستحق ذلك التعزير، وأما إذا قال: يا أعور يا أعرج يريد بذلك عيبه فهذا أيضاً فيه التعزير إن طلب ذلك؛ لأنه قد يقول: هو ليس بصادق.
стр. 1968
حكم التعزير في كل معصية وحده
يقول: [ويجب التعزير في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة، ومرجعه إلى اجتهاد الإمام] .
التعزير ذكرنا أنه عقوبة غير مقدرة على ذنب لم تحدد فيه تلك العقوبة، فمثلاً: سرقة دون النصاب فيها التعزير، وزناً ليس فيه إيلاج بل تقبيل أو خلوة إذا وجد خالياً مع امرأة، أو اختطف امرأة ولم يتمكن من أن يزني بها، أو -مثلاً- وجد مع امرأة في فراش أو في لحاف، والمرأة أجنبية ولم يثبت عليه حد الزنا، وشهد عليه بذلك، وكذلك أيضاً المعاصي كترك الصلاة يعزر ويعاقب عليه، والفطر في نهار رمضان بغير عذر أو ما أشبه ذلك.
وقد يجمع عليه بحدين أو بعقوبتين ويتداخلان، فالحاصل أن التعزير هو العقوبة على ذنب لم يقدر فيه، وذكر الفقهاء أن التعزير لا يزاد على عشر جلدات، واستدلوا بحديث أبي بردة بن نيار أن النبي ﷺ قال: (لا يزاد على عشر جلدات إلا في حد من حدود الله) ، فقالوا: لا يزاد المعزر على عشر جلدات، والصحيح أنه تجوز الزيادة، وعليها العمل.
وعلى هذا كيف الجواب على الحديث؟ قالوا: الحديث في التأديب، فإذا أدب الرجل ولده يجلده عشراً ولا يزيد، أو أدب المعلم صبيته يجلدهم ولا يزيد، أو أدب الرجل امرأته على النشوز لقوله تعالى: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء:٣٤] فلا يزيد على عشر جلدات.
فأما إذا كانت العقوبة على معصية ليس فيها حد، كخلوة -مثلاً- بامرأة أجنبية، أو دخول في بيت لأجل فاحشة، أو لأجل سرقة ولم يتمكن، أو قذف بغير الزنا أو ما أشبه ذلك فإنهم يعزرون بحسب ما يختارون والله أعلم، وصلى الله على محمد.
стр. 1969
شرح أخصر المختصرات [٨٠]
حرم الله على عباده الخمر؛ لأنها تذهب العقول وتفسدها، وتغير الطبائع، فيترتب عليها من المفاسد وارتكاب المحرمات الشيء الكثير، ورتب الشارع على شرب الخمر حد الجلد، وذلك إذا ثبت شربه بالشهادة أو الاعتراف، ويجلد شارب الخمر على ما يراه الإمام، إن شاء أربعين وإن شاء ثمانين.
стр. 1970
مراحل تحريم الخمر
قال رحمه الله تعالى: [فصل: وكل شراب مسكر يحرم مطلقاً، إلا لدفع لقمة غص بها مع خوف تلف، ويقدم عليه بول.
فإذا شربه أو احتقن به مسلم مكلف مختاراً عالماً أن كثيره يسكر حد حر ثمانين وقن نصفها.
ويثبت بإقراره مرةً كقذف، أو شهادة عدلين.
وحرم عصير ونحوه إذا غلى أو أتى عليه ثلاثة أيام.
فصل: ويقطع السارق بثمانية شروط: السرقة، وهي أخذ مال معصوم خفيةً، وكون سارق مكلفاً مختاراً عالماً بمسروق وتحريمه، وكون مسروق مالاً محترماً، وكونه نصاباً وهو ثلاثة دراهم فضةً أو ربع مثقال ذهباً أو ما قيمة أحدهما، وإخراجه من حرز مثله، وحرز كل مال ما حفظ به عادةً، وانتفاء الشبهه، وثبوتها بشهادة عدلين يصفانها، أو إقرار مرتين مع وصف ودوام عليه، ومطالبة مسروق منه، أو وكيله أو وليه.
فإذا وجب قطعت يده اليمنى من مفصل كفه وحسمت، فإن عاد قطعت رجله اليسرى من مفصل كعبه وحسمت، فإن عاد حبس حتى يتوب.
ومن سرق تمراً أو ماشيةً من غير حرز غرم قيمته مرتين ولا قطع، ومن لم يجد ما يشتريه أو يشتري به زمن مجاعة غلاء لم يقطع بسرقة.
فصل: وقطاع الطريق أنواع: فمن منهم قتل مكافئاً أو غيره كولد وأخذ المال قتل ثم صلب مكافئ حتى يشتهر.
ومن قتل فقط قتل حتماً ولا صلب.
ومن أخذ المال فقط قطعت يده اليمنى، ثم رجله اليسرى في مقام واحد، وحسمتا وخلي.
وإن أخاف السبيل فقط نفي وشرد، وشرط ثبوت ذلك ببينة أو إقرار مرتين، وحرز ونصاب.
ومن تاب منهم قبل القدرة عليه سقط عنه حق الله تعالى وأخذ بحق آدمي.
ومن وجب عليه حد لله فتاب قبل ثبوته سقط.
ومن أريد ماله أو نفسه أو حرمته ولم يندفع المريد إلا بالقتل أبيح ولا ضمان.
والبغاة ذوو شوكة يخرجون على الإمام بتأويل سائغ فيلزمه مراسلتهم وإزالة ما يدعونه من شبهة ومظلمة، فإن فاءوا وإلا قاتلهم قادر] .
من جملة الحدود حد الخمر، أي: حد شرب المسكر.
والخمر هي كل ما أسكر، والإسكار هو إزالة العقل بالذي إذا شربه يزول معرفته ويهذي في كلامه، ولا يعرف ما يقول فيتصرف تصرفاً سيئاً، فحرم هذا لأنه يزيل العقل، ويلحق الذي يتعاطاه بالمجانين أو أقل حالة من البهائم.
وكانت الخمر مشهوراً شربها عند العرب قبل الإسلام، بل قد يفتخرون بها، كما في قول حسان في جاهليته: ونشربها فتتركنا ملوكاً وأسداً لا ينهنهنا اللقاء فلما جاء الإسلام لم تحرم دفعة واحدة؛ لأنهم منهمكون فيها، بل حرمت على مراتب، حرمت على مرات شيئاً فشيئاً، فأول ما نزل فيها قول الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة:٢١٩] ، قال العلماء أو بعضهم: إن هذه الآية هي التي حرمت بها الخمر؛ لأنه ذكر أن فيها إثماً كبيراً، وإثمها أكبر من نفعها، فيدل على أنها محرمة، والله تعالى قد حرم الإثم في قوله تعالى في سورة الأعراف وهي مكية: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ﴾ [الأعراف:٣٣] ، فتكون هذه الآية دالة على تحريمها.
ولكن لم يحرمها الناس لهذه الآية، حيث ذكر أن فيها منافع للناس، إما في التجارة فيها، وإما بالتلذذ بشربها، ولما نزلت تاب كثير وتركوها، وقدر بعد ذلك أن قوماً شربوها من الصحابة، وحصل منهم قتال حتى ضرب بعضهم صاحبه بلحي جمل وشجه، وصلى بعضهم وقرأ في الصلاة: (قل يا أيها الكافرون، أعبد ما تعبدون، أنتم تعبدون ما أعبد) وخلط في قراءته، عند ذلك نزلت آية في سورة النساء: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء:٤٣] ، نهاهم أن يصلوا في حالة السكر، وذلك لما يترتب على الصلاة في حالة السكر من الهذيان ومن الكلام السيء، فتاب ناس وتركوها تركاً كلياً، وبقي آخرون يشربونها في الأوقات الطويلة، يشربها بعد الفجر فيصحو قبل أن يدخل وقت الظهر، ويشربها بعد العشاء فيصحو قبل دخول وقت الفجر.
стр. 1971
العشرة الأوجه الواردة في الآيات في تحريم الخمر
ولما عرفوا آثارها السيئة نزل تحريمها بعد ذلك بالآيات التي في سورة المائدة، وأخذوا تحريمها من الآيات من عشرة أوجه: الوجه الأول: أن الله قرنها بالأصنام فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ﴾ [المائدة:٩٠] التي هي الأصنام.
الوجه الثاني: قوله تعالى: (رِجْسٌ) ، والرجس هو النجس.
الوجه الثالث: قوله تعالى: (مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ) ، والشيطان لا يدعو إلا إلى الحرام وإلى الآثام.
الوجه الرابع: قوله تعالى: (فَاجْتَنِبُوهُ) والاجتناب هو الابتعاد، فهو أبلغ من قول: اتركوه.
الوجه الخامس: قوله تعالى: (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) أي: يتوقف فلاحكم على تركها.
الوجه السادس قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ﴾ [المائدة:٩١] ، فالعداوة بينكم يوقعها الشيطان بسبب هذا الخمر.
الوجه السابع قوله تعالى: ﴿الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [المائدة:٩١] .
الوجه الثامن قوله تعالى: ﴿وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [المائدة:٩١] أي: إن مجالسها مجالس باطل تصد عن ذكر الله.
الوجه التاسع: قوله تعالى: ﴿وَعَنْ الصَّلاةِ﴾ [المائدة:٩١] أي أنها تشغل عن الصلاة.
الوجه العاشر قوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ﴾ [المائدة:٩١] فقالوا: انتهينا انتهينا.
فحرمت الخمر بهذه الآية، ووردت الأدلة في عقوبة شاربها، وأن من شربها في الدنيا لم يشربها في الآخرة، مع أن خمر الآخرة ليست مثل خمر الدنيا؛ لقول الله تعالى: ﴿لا فِيهَا غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ﴾ [الصافات:٤٧] ، وقوله: ﴿وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ * لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنزِفُونَ﴾ [الواقعة:١٨-١٩] مما يدل على أنها منزهة عما يكون في خمر الدنيا.
كذلك ورد في الحديث أن الذي يشربها ويموت وهو يشربها يسقيه الله من طينة الخبال، وهي عصارة أهل النار.
стр. 1972
حد شارب الخمر
ثم ذكروا أن النبي ﷺ ما حد لها حداً محدداً، ولكن إذا جيء بشارب الخمر يقول: اضربوه، فمنهم من يضربه بيده، ومنهم من يضربه بنعل، ومنهم يضربه بعصا نحو الأربعين، هكذا كان في حياة النبي ﷺ إذا أتي بسكران، وكذلك أيضاً في عهد أبي بكر يضرب نحو الأربعين، ولما كان في عهد عمر كثر الذين يتعاطون شرب الخمر، ولم تردعهم أربعون جلدة، وتهاونوا بها، فاستشار عمر ﵁ الصحابة فقالوا: إنه إذا شرب هذى، وإذا هذى افترى، وحد المفتري ثمانون جلدة.
والافتراء هو الكذب والقذف، فأمر عمر أن يجلد ثمانين، فصار يجلد هكذا، ولو أن ذلك لم يحدد في العهد النبوي؛ لأن هذا من باب التشديد عليه.
فأكثر الفقهاء على أن حده ثمانون؛ لأن عمر أفتى بذلك ووافقه عليه الصحابة، وذهب بعض المحققين كشيخ الإسلام ابن تيمية إلى أن الحد أربعون، وأن الزيادة تعزير تستعمل عند الحاجة، أي: متى تهافت الناس على ذلك وكثر الذين يتعاطونه وتهاونوا بالأربعين زيد إلى الثمانين، وإن لم تردعهم الثمانون وكثروا وتهاونوا بهذه العقوبة زيد إلى المائة، أو إلى مائة وعشرين؛ لتكون الزيادة تستعمل وقت الحاجة عندما يكثرون، ويتمكنون من الشرب، فعند ذلك يجلد إلى ثمانين، ويجلد إلى مائة، ويجلد إلى مائة وعشرين، ولو احتيج إلى الزيادة زيد لأجل أن يرتدع الناس.
ثم ورد حديث أن النبي ﷺ قال: (إذا شرب أحد الخمر فاجلدوه، ثم إن شرب فاجلدوه، ثم إن شرب فاجلدوه، ثم إن عاد الرابعة فاقتلوه) ، هذا الحديث رواه بعض العلماء، وقال بعضهم: إنه منسوخ.
وقالوا: إن النبي ﷺ أتي برجل شرب الرابعة فلم يقتله، فجزموا بأنه منسوخ، والترمذي لما خرجه قال في آخر كتابه: إنه لم يجد من يعمل به.
يعني: لم يكن عليه عمل، ولكن الحديث روي من طرق جمعها الشيخ أحمد محمد شاكر الذي حقق أول المسند، وحقق أول تفسير الطبري، فإنه عندما روى الحديث في مسند عبد الله بن عمرو بن العاص خرجه وذكر الشواهد عليه، حتى بلغ أحد عشر حديثاً، واستدل به على أنه متواتر.
ثم إنه أفرد هذا القدر وطبعه في رسالة مستقلة في قتل الشارب بعد الرابعة، وقال: إنه لا عذر لأحد في ترك العمل به، وكون النبي ﷺ ما قتله بعد الرابعة قد يكون لعذر، وقد يكون ذلك الذي جلده ثلاث مرات أو أربع لم يكن متهاوناً، ولم يكن من المتساهلين، ولعل له عذراً، وهو واحد وقصتة واحدة، ولا يبطل لأجل هذه القصة العمل بأحد عشر حديثاً مروياً من عدة طرق يقوي بعضها بعضاً بمجموعها يكون كالمتواتر، فلا عذر لأحد من المفتين والعلماء أن يتركوا العمل بهذا الحديث، سيما في الأزمنة المتأخرة التي تساهل الناس فيها بشرب الخمر وصاروا لا يبالون، ويجلد أحدهم ثم يعود، ويذكر الآن أن بعضهم جلد عشر مرات، وربما عشرين، ومع ذلك يخلى سبيله، أو يسجن أياماً ثم يخلى سبيله.
وحيث إن عندنا هذا الحديث الذي أمر فيه بقتله نقول: إن ترك العمل به تهاون وتساهل، حيث وجد سببه، فلا عذر لأحد أن يفتي إذا أفتى بعدم قتله مع وجود الأحاديث، ولو قتل واحد لارتدع الكثيرون، فإنه إذا كان الحد شديداً صار بذلك رادعاً لأولئك الكثير الذين يتعاطون شرب الخمر بالعشرات وبالمئات وبالألوف يومياً أو أسبوعياً ولا يبالون.
стр. 1973
خلاف العلماء في المسكر مم يكون ؟
يقول: [وكل شراب مسكر يحرم مطلقاً] بشرط أن يكون مسكراً، وذهب الحنفية إلى أن الخمر تختص بعصير العنب، وقالوا: إنه الخمر المعروف.
وأما بقية ما يعصر من المأكولات ونحوها فلا يسمى خمراً، ولا يحرم عندهم إلا إذا بلغ حد الإسكار، وخالفهم بذلك الجمهور الذين يرون أنه خمر من أي شيء صنع، وذكر عن عمر ﵁ أنه قال: (إن الخمر من خمسة -يعني: في العهد النبوي- يقول: إن من العنب خمراً، وإن من التمر خمراً، وإن من العسل خمراً، وإن من الشعير خمراً، وإن من الذرة خمراً) يعني: ما عصر من هذه وبلغ حد الإسكار فإنه يسمى خمراً، فلا يجوز شربه ولو كان قليلاً.
ودليل ذلك أيضاً الحديث الذي يمكن أنه متواتر ولفظه: (كل مسكر حرام) ، (كل مسكر خمر) ، وقصة أبي موسى لما ذكر للنبي ﷺ أنواعاً من الأشربة في اليمن، منها ما يسمى (البتع) ، ومنها ما يسمى: (المزر) ، وذكر لـ عمر شراب يسمى الطلاء يشرب في مصر، فكلها ألحقوها بالخمر، ولما سأل أبو موسى النبي ﷺ عن البتع فقال: (أمسكر هو؟ قال: نعم، قال: ما أسكر كثيره فقليله حرام) ، فيحرم شرب المسكر، واستثنوا من ذلك إذا كان [لدفع لقمة غص بها مع خوف تلف] ولم يجد ما يدفعها إلا بكأس خمر [ويقدم عليه بول] ، فإذا وجد بولاً ووجد خمراً فأيهما يدفع به هذه الغصة؟ يدفعه بالبول، فإذا لم يجد إلا الخمر دفعها به وعفي عنه، هكذا يمثلون، مع أن هذا نادر، نادر أن لا يجد إلا خمراً؛ لأنه يجد المياه، ويجد الألبان، ويجد العصيرات المباحة يدفع بها هذه اللقمة التي غص بها، وإنما ذكروا ذلك تقديراً، فلو قدر أنه ما وجد إلا خمراً فله أن يشرب منه جرعة يدفع تلك الغصة.
стр. 1974
شروط حد الخمر
يقول: [فإذا شربه أو احتقن به مسلم مكلف مختاراً عالماً أن كثيره يسكر حد حر ثمانين وقن نصفها] .
الاحتقان كونه يحتقن بها مع أنفه مثلاً أو مع شدقه، يعني: أدخل طرف أو حافة المحقن في شدقه وصبها.
ولو أدخلها مع دبره صدق عليه أنه أدخلها إلى جوفه، ويشترط لإقامة الحد عليه شروط: الشرط الأول: أن يكون مسلماً.
وذلك لأن أهل الذمة يستبيحون شرب الخمر، أي: اليهود والنصارى، كما في قول الأخطل: ولكني سأشربها ثمولاً وأسجد عند منبلج الصباح يفتخر بأنه سيشربها.
الشرط الثاني: أن يكون مكلفاً والمكلف: هو البالغ العاقل، فإذا كان صغيراً لا يعرف أو كان مجنوناً لا يعقل فلا حد عليه؛ لأنه غير مكلف.
الشرط الثالث: أن يكون مختاراً.
ويخرج به إذا أكره على شربها وهدد وقيل: إن لم تشربها قتلناك، أو: إن لم تشربها ضربناك ضرباً مبرحاً لا تتحمله.
فإن تهاون وشربها مختاراً حد.
الشرط الرابع: العلم، أن يكون عالماً بالتحريم، فإذا كان جاهلاً لا يدري أنها محرمة فلا حد عليه، وكذلك كونه عالماً أنها تسكر، أو أن الكثير منه يسكر ولو كان القليل لا يسكر، فإذا تمت هذه الشروط أقيم عليه الحد إن كان حراً ثمانون جلدة، وإن كان قناً أربعون جلدة، هكذا يجب عليه.
стр. 1975
ما يثبت به حد الخمر
الجلد يكون جلداً وسطاً، ليس شديداً وليس خفيفاً وسهلاً، بل يكون جلداً متوسطاً، ذكروا أنه فوق جلد القذف ودون جلد الزنا، ثم لا بد من ثبوت الشرب، وبأي شيء يثبت؟ بإقراره مرة، أو بشهادة عدلين، فإذا أقر بأنه شرب الخمر التي تسكر ثبت عليه الجلد، وإذا شهد عليه شاهدان بأنه قد اعترف فقالا: نشهد أنه اعترف عندنا أنه شرب الخمر أقيم عليه الحد.
وذكروا أيضاً أن القذف يثبت بإقراره، فإذا قال: أنا الذي قذفت فلاناً، أنا الذي قلت: إنه زانٍ، أو: إن فلانة زانية.
إذا شهد على اعترافه عدلان فإنه يحد.
وكذلك إذا شهد عدلان على شربه وقالا: رأيناه يشرب فإنه يحد.
стр. 1976
مم يكون الخمر ؟
كذلك يقول: [وحرم عصير ونحوه إذا غلى أو أتى عليه ثلاثة أيام] .
العصير هو عصير العنب، أو -كذلك- عصير التمر ويسمى النبيذ، فيطرح التمر في الماء إلى أن يكتسب حلاوة، أو يحرك في الماء إلى أن يكسبه حلاوة، وكذلك أيضاً الزبيب إذا خمر في الماء إلى أن يذوب، فإذا غلى ورمى بالزبد فإنه يقرب من الإسكار، وكذلك إذا أتى عليه ثلاثة أيام، ذكرت عائشة أن النبي ﷺ كان ينبذ له في سقاء، يطرح في ذلك السقاء تمر ويصب عليه ماء، فيشرب منه ثلاثة أيام أو يومين ونصف، وإذا بقي بعد ذلك شيء منه أمر أن يشرب أو يراق، يخشى أنه ينعقد ويبلغ حد الإسكار، ففيه دليل على إباحة النبيذ، وكان قد نهى بعضهم عن الانتباذ في بعض الأسقية، ثم رخص لهم أن ينتبذوا فيما شاءوا، ولا يشربوا مسكراً، ففي الحديث: (نهى عن النبيذ في الحنتم والمزفت والنقير والدباء) ، والدباء هو نوع من القرع رأسه دقيق، إذا يبس فإنهم يأخذون جرمه فيجعلون فيه دهناً يحفظون فيه الدهن أو العصير، وحيث إن رأسه دقيق يسرع إليه التغير، فنهى عن النبيذ فيه، وكذلك الحنتم، ويسمى (الزير) الذي يصنع من الطين ونحوه أو الجرار، وكذلك الذي هو مبني بقار أو زفت يسرع إليه التغير، ولكن إذا تحقق أنه لا يتغير جاز الانتباذ فيه.
стр. 1977
أحكام السرقة
стр. 1978
شروط قطع يد السارق
تقدم من الحدود حد الزنا وحد القذف والتعزير وحد الخمر، وبقي الآن حد السرقة وحد قطاع الطريق، وحد البغاة، وحد المرتد.
زذكر أن السارق يقطع بثمانية شروط، والسارق: هو الذي يأخذ المال المحترم من حرزه على وجه الخفية.
فهو الذي يسمى سارقاً، فإذا أخذ من المال المنشور، كما إذا كان إنسان -مثلاً- نشر بضاعته، وجاء إنسان -مثلاً- تحرى غفلته وأخذ منه شيئاً وهو لا يدري فهذا ليس بسارق، يسمى مختلساً، وكذلك الذي ينهب المال ويهرب به يسمى منتهباً، وكذلك الذي يأخذه قهراً يسمى مغتصباً، فلا يقطع المختلس والمنتهب والمغتصب، وذلك لأن القطع إنما جاء في حق السارق، وغيره يعزرون التعزير الذي يردعهم.
وأما السارق فيقطع بثمانية شروط: الشرط الأول: أخذ مال معصوم خفي.
فيخرج مال الحربي، إذا أخذ مال حربي فلا يسمى سارقاً، ولا قطع عليه؛ لأن الحربي حلال قتله وحلال ماله، ويدخل في مال المعصوم المسلم والذمي والمعاهد والمستأمن؛ لأنهم معصومة دماؤهم وكذلك أموالهم.
ولابد أن يكون الأخذ خفية، ويمكن أن يعد هذا شرطاً تاسعاً، أن يكون أخذه خفية، أما أخذه علانية فلا يسمى سرقة.
الشرط الثالث: أن يكون السارق مكلفاً مختاراً عالماً بمسروق وتحريمه، فإذا كان صغيراً أو مجنوناً أو مكرهاً على السرقة، أو جاهلاً بتحريم السرقة، أو جاهلاً بأن هذا المال معصوم، أو معتقداً أنه يجوز ولم يعلم أنه محرم فلا يقطع.
الشرط الرابع: كون المسروق مالاً محترماً.
ويخرج به ما إذا سرق أشرطة غناء، أو طبول محرمة، أو أجهزة الدش التي ليست محترمة، أو سرق دخاناً لأنه ليس بمال، أو سرق خمراً، أو سرق مخدرات فلا يقطع؛ لأن هذا ليس بمال محترم.
الشرط الخامس: أن يكون المسروق نصاباً، وهو ثلاثة دراهم فضة، وربع مثقال ذهباً أو قيمته، فهو ربع دينار أو ثلاثة دراهم، كالدراهم القديمة التي هي من الفضة، ثم مقداره في هذه الأزمنة بهذا النحو، ورد أن النبي ﷺ قال: (لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده) يعني أنه لا يفكر، والبيضة هي الترس الذي يجعل على الرأس في حالة القتال من حديد أو من صفر أو من نحاس تقي من وقع السلاح، وتسمى أيضاً المجن، وورد (أن النبي ﷺ قطع في مجن ثمنه ثلاثة دراهم) ، وروي أن رجلاً سرق أترجة، والأترجة التي هي شبيهة بالليمون إلا أنها كبيرة، وكانت قيمتها ثلاثة دراهم، فقطع.
ثم مقدار الذهب في هذه الأزمنة ربع مثقال -أي: ربع دينار- يقارب السبع من الجنيه السعودي، أي: سبع الجنيه، فإذا كان الجنيه -مثلاً- بسبعمائة فبسرق مائة يقطع.
ومعلوم أيضاً أن الدراهم الفضة قد لا تكون موجودة في هذه الأزمنة، ولكن قيمتها معروفة، فنصاب المال الزكوي من الفضة مائتان من الدراهم، ومقدارها بالريال الفضي السعودي ستة وخمسون ريالاً، فإذا نظرنا في مائتين وقسمناها على ستة وخمسين إذا هي نحو الربع، يدل على أن الدرهم قريب من ربع الريال السعودي، فإذا سرق مثلاً أرباع الريال السعودي، فإن ذلك يقوم مقام ثلاثة دراهم، وصدق عليه أنه سرق نصاباً فيقطع.
وحيث إن الريال الفضي غير متوفر يرجع إلى قيمته، ويمكن أن تكون قيمة الريال عشرة ريالات ورقاً، فعلى هذا يكون النصاب من الدراهم الورقية نحو ثلاثين، فإذا سرق ثلاثين ريالاً من الأوراق صدق عليه أنه سرق نصاباً فيقطع، وكذلك لو سرق سلعة قيمتها هذا.
الشرط السادس: إخراجه من حرز مثله.
وحرز كل مال ما يحفظ فيه عادة، فإذا كسر الباب ودخل، وأخذ قدراً -مثلاً- مما يوجد في الأسوار ونحوه قطع، أو كيساً لأنه أخذه من حرزه، وهكذا -مثلاً- إذا كسر باب الغرفة وأخذ منها أقمشة تدخر وتجعل في داخل الأسوار صدق عليه أنه أخذ من حرز، كذلك أيضاً لو كسر الصناديق وأخذ من الجواهر أو من الحلي أو من النقود صدق عليه أنه أخذ من الحرز.
أما إذا وجد هذا المال ملقىً عند الباب، إنسان جعل عند بابه في الطريق أكياساً من الطعام مثلاً، أو ثياباً وأقمشة، فالذي يأخذ منه لا يسمى سارقاً؛ لأنه أخذ من غير حرز، فلا قطع عليه.
الشرط السابع: انتفاء الشبهة فإذا قال: أنا شريك في هذا المال وكان له شراكة فلا قطع، لأنه يدعي أنه أخذ شيئاًَ يملكه، وكذلك لو كان المال صدقات مجموعة في بيت وقال: أنا من الفقراء الذين تحل لهم هذه الصدقات، ما أخذت إلا من شيء يحل لي أو كان المال -مثلاً- غنيمة وهو من جملة الغانمين، وقال: أنا لي حق فيه فلا يقطع.
الشرط الثامن: ثبوت السرقة بشهادة عدلين.
شهد عدلان بأنا رأيناه قد خرج من هذا الباب يحمل هذا الكيس، أو يحمل هذا الثوب، أو يحمل هذا القماش، أو رأيناه خرج من هذا الباب وجاء صاحب البيت وقبض عليه وفتشه فوجد معه هذه الأموال، وعرفنا أنه أخذها ثبتت السرقة، وكذلك الإقرار، إذا اعترف وأقر بأنه أخذ من هذا المال كذا وكذا سرقة، أقر مرتين، ودام على ذلك الإقرار ولم ينكر صدق عليه أنه يعتبر سارقاً.
الشرط التاسع: مطالبة صاحب المال أو وكيله أو وليه، فصاحب المال المسروق إذا لم يطالب فيمكن أنه أباحه له، قال: هذا أخذ منا ونحن قد سمحنا عنه؛ لأنه قريب لنا أو صديق أو نحو ذلك.
ففي هذه الحال يعفى عنه ولا يقطع، وكذلك لو لم يطالب المالك ولكن وكل، أو كان المالك صغيراً، أو محجوراً عليه فطالب به وليه، هذه هي الشروط، فإذا تمت الشروط وجب قطع يده، فيبدأ بقطع يده اليمنى، وتقطع من مفصل الكف، أي: المفصل الذي بين الكف وبين الذراع، وإذا قطعت حسمت، يغلون زيتاً، فإذا غلا ذلك الزيت وقطعوا يده غمسوا رأسها في ذلك الزيت، لتتوقف العروق وتنسد عروق الدم؛ لأنهم إذا لم يغمسوها استمر خروج الدم وأدى ذلك إلى موته، فيغمسونها بعد ذلك ويعالجونها إلى أن يطيب الجرح، ويبقى ليس له إلا يد، فتقطع من مفصل كفه وتحسم، فإذا عاد فسرق مرة ثانية قطعت رجله اليسرى من مفصل كعبه وحسمت، ولا تقطع يده اليسرى، ولا تقطع رجله اليمنى، بل تقطع الرجل اليسرى، حتى لا يكون مشلول الجانب، وتحسم أيضاً رجله إذا قطعت، ويكون القطع من مفصل الكعب، فتقطع القدم.
فإذا عاد وقدر أنه سرق وقد قطعت يد ورجل فهل يقطع مرة ثالثة؟ الصحيح أنه لا يقطع، وإن كان روي عن بعض السلف أنه قطع ثلاث مرات، أي: يد ثم رجل ثم يد، بل يحبس حتى يتوب أو يموت، وذلك لأنه يعتبر مفسداً.
ومن سرق تمراً من غير حرز غرم قيمته مرتين، ولا قطع عليه، وكذلك من سرق ماشية، لمن جاء إلى غنم قد باتت في غير حرز وأخذ منها شاة، أو جاء إلى إبل ترعى وأخذ منها جملاً فإنه يغرم قيمته مرتين، سواء ذبحه أو باعه، ولا قطع؛ لأنه أخذه من غير حرز، هكذا ورد عن بعض السلف أنه يغرم ولا يقطع.
ولا يقطع في زمن المجاعة، إذا اشتد به الجوع ولم يجد ما يشتري به طعاماً، أو ما وجد شيئاً يشتريه، ما وجد خبزاً، ولا وجد تمراً، ولا وجد أرزاً، واحتاج ودخل في بيت وأخذ منه خبزاً ولو أكثر من النصاب فإنه معذور، ولهذا أسقط عمر ﵁ القطع في سنة مجاعة حصلت تسمى (عام الرمادة) ، وهي مجاعة اشتدت فسواء لم يجد طعاماً يشتريه أو لم يجد قيمته في زمن مجاعة أو كان ارتفع سعره فلا يقطع والحال هذه؛ لأنه معذور.
стр. 1979
أحكام قطاع الطريق
قطاع الطريق هم الذين يقفون في الطرق، ويقتلون من مر بهم أو ينهبونه أو ما أشبه ذلك، يقفون في بعض الطرق التي هي قليلة السالكين لا يأتيها إلا أناس قليل، فإذا جاء إنسان ليس معه أحد أوقفوه وأكرهوه على أن يأخذوا ما معه من المال، فإن دافعهم قتلوه وأخذوا المال، فإن كانوا جماعة قاتلوهم إلى أن يأخذوا ما معهم من المال، وقد يكون أيضاً قصدهم سيئاً وهو الزنا بمن معهم من النساء، بأن يكرهوه على أن يخلي بينهم وبين النساء ليزنوا بهن، يحدث هذا أيضاً كثيراً، فإما أن يقتلوا الرجل، وإما أن يوثقوه رباطاً ويتمكنوا من المرأة أو من النساء، فيعتبرون قطاعاً، ونزل فيهم قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنْ الأَرْضِ﴾ [المائدة:٣٣] .
وذهب بعض العلماء -كالمالكية- إلى أن الإمام مخيّر؛ لأن الآية فيها لفظ (أو) ، فإما أن يقتل، وإما أن يأسر ويوثق ويسجن، وإما أن يقطع، وإما أن ينفي: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنْ الأَرْضِ﴾ [المائدة:٣٣] ، فدل ذلك على أنه مخيّر؛ لأن لفظة (أو) للتخيير، كما في قوله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة:١٩٦] .
وذهب الإمام أحمد إلى أن العقوبة على قدر الذنب، وروي ذلك عن ابن عباس.
يقول: [من منهم قتل مكافئاً أو غيره كولد وأخذ المال قتل ثم صلب مكافئاً حتى يشتهر] .
قوله: [مكافئاً] يعني: إذا كان حر قتل حراً.
يعني: حر مسلم قتل حراً مسلماً.
أما إذا قال: أنا ما قتلت إلا عبداً ففي هذه الحال يغرم قيمة العبد، وكذلك إذا قال: أنا ما قتلت مسلماً إنما قتلت كافراً، هذا الذي قتلته ليس بمسلم.
نقول: إنه معاهد وقتلك له يعتبر اعتداء، ولكن حيث إنه جاء الحديث: (لا يقتل مسلم بكافر) فإنه -والحال هذه- لا يقتل، ولكن يعزر ويسجن ونحو ذلك.
فالحاصل أنه إذا كان قتل مسلماً حراً أو قتل ابنه -مثلاً- ولو كان صغيراً أو قتل امرأته أو نحو ذلك فإنه إذا قتل وأخذ المال يجمع له بين العقوبتين، فيقتل ثم يصلب، يصلب على سارية أو على خشبة في السوق يومين أو ثلاثة أيام وهو مصلوب بعدما يقتل حتى يشتهر أمره وحتى يعرفوه.
ومنهم من ينصب الرأس، فإذا كان -مثلاً- في حر شديد ويخشى أنه ينتن يكتفون بصلب الرأس ويدفنون الجثة، فهذا حكم الذي جمع بين الأمرين: القتل وأخذ المال.
الثاني: إذا قتل فقط ولم يأخذ المال، فإنه يقتل حتماً، ولا صلب عليه، وذلك لأنه اقتصر على القتل، فيقتل ويدفن بعد قتله، وهل يدخل في العفو؟ لو قال ولي المقتول: أنا أسمح عنه ولا أريد قتله هل يسقط القتل؟ لا يسقط، وذلك لأنه حد من حدود الله، أخاف الطريق وتعدى على المسلمين، فالحد لله تعالى، وبذلك أخبر الله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ﴾ [المائدة:٣٣] يعني: عقوبتهم.
فلا يسقط بعفو صاحب المال أو صاحب الدم.
ويقولون: من أخذ المال فقط -أي: أكرههم وأخذ المال بدون قتل- ففي هذه الحال تقطع يده اليمنى.
ثم رجله اليسرى في مقام واحد وتحسمان ويخلى سبيله، يقطع منه رجل من جانب ويد من جانب، اليد اليمنى والرجل اليسرى، كما يقطع السارق إذا سرق في المرة الثانية، وتحسم، ولا يسجن بل يخلى سبيله.
وكانوا إذا قطعوا السارق أو قاطع الطريق يعلقون يده في عنقه حتى يعرف الناس أنه سارق أو أنه محارب، ولكن في هذه الأزمنة قد يتمكن الأطباء أن يزرعوا يده وأن يعيدوها في مكانها، وكذلك رجله بعملية، يقاربون العروق بعضها إلى بعض، ويخيطون بعضها في بعض حتى يسري فيها الدم وتعود فيها الحياة، ولذلك في هذه الأزمنة لا يمكن من أخذ يده ورجله، بل تدفن، أو تقطع قطعاً متكاثرة، فتقطع الأصابع قطعاً، وتقطع الكف، وتشقق اليد والرجل ونحو ذلك حتى لا يتمكن من أخذها وإعادتها.
الرابع: إذا أخاف الطريق فإنه ينفى ويشرد؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ يُنفَوْا مِنْ الأَرْضِ﴾ [المائدة:٣٣] ، فهذا هو الرابع، فالأول قتل وأخذ المال، والثاني قتل فقط، والثالث أخذ المال فقط، والرابع أخاف السبيل، وأخاف الطريق، بحيث صار الناس يفزعون من سلوك هذا الطريق، فقبض عليه فينفى من الأرض، لكن في هذه الأزمنة قد لا يكون النفي مفيداً لسهولة المواصلات ولقرب الأماكن، فيفتي بعض العلماء بالسجن، يقول: إنه يدخل السجن ويضيق عليه.
هذه حالاته الأربع.
стр. 1980
ما يثبت به قطع الطريق
يقول: [وشرط ثبوت ذلك ببينة أو إقرار مرتين، وحرز ونصاب] فإذا أنكر وقال: أنا ما قطعت الطريق فلا بد من بينة، فيشهد شاهدان فيقولان: نشهد أن هذا من الذين وقفوا في طريق آل فلان، وأنه باشر وقتل، وأنه باشر أخذ المال، وكذلك غيره، ولم يذكر الفقهاء ما إذا أكره الرجل على الزنا أو على اللواط، وذلك لأنهم اكتفوا بما تقدم في الزنا أو في اللواط، وقالوا: إذا كان قصده من الوقوف في الطريق فعل الفاحشة بالمرأة أو بالصبي فعل اللواط ففي هذه الحال يحكم عليه بحد الزنا، أو بحد اللواط، فالحد الذي وجب عليه الرجم أو الجلد أو الإحراق أو ما أشبه ذلك، فالحاصل أنه لا بد أن يكون هناك بينة يشهدون بأن هذا قطع الطريق وفعل كذا، أو اعترافه بأن يعترف مرتين فيقول: أنا من الذين قطعوا الطريق وقتلوا وأخافوا ونحو ذلك.
стр. 1981
حكم من تاب قبل القدرة عليه
يقول: [ومن تاب منهم قبل القدرة عليه سقط عنه حق الله تعالى وأخذ بحق الآدمي] لقول الله تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة:٣٤] يعني: جاء قبل أن تقبض عليه السلطة وسلم نفسه وقال: أنا تائب، وهذه توبتي، فيسقط عنه حق الله تعالى، فإذا كان -مثلاً- قد قتل وقال ولي المقتول: أريد القصاص، أو قد قتل وأخذ المال، فقال صاحب المال: أنا أريد حقي من المال، وقال صاحب الدم: أنا أريد حقي من القصاص يقام عليه حق دفع المال، فيغرم دفع المال ولا يقطع، ويقتل قصاصاً ولا يصلب؛ لأن الصلب حق لله، وهذا قد تاب فيقتل حقاً لآدمي ولا يصلب.
كذلك المال حق لآدمي طالب بالمال وقال: إنه أخذ من أبي كذا وكذا فيطالب بحق دفع المال ولا يقطع، فلو أنه أخذ المال ولم يقتل ثم تاب قبل أن يقدر عليه فلا تقطع يده ورجله؛ لأن هذا حق لله، ولكن حق الآدمي إذا طالبا به يدفع، فلو قال الآدمي: أنا عفوت عنه سقط حقه إذا عفا عنه لأنه حق لآدمي، فإن طالب به فإنه يثبت، فيثبت حق آدمي مثلاً لو قال: إنه قطع يدي، إنه شجني، إنه فقأ عيني، أريد القصاص فيمكن من القصاص، وأما إذا قال: إنه قتل أبي وأخذ مالنا فأطالب بقتله وبالصلب ورد المال.
أو: عفوت عن المال ولكن أريد أن يقتل ويصلب، فالصلب حق لله، وقطع اليد والرجل حق لله، والنفي حق لله، ورد المال حق للآدميين، والقصاص في النفس أو فيما دون النفس حق للآدمي، فهذه يطالب بها.
قال: [ومن وجب عليه حد لله وتاب قبل ثبوته سقط] ، يعني: مثل السكر حد لله تعالى إذا تاب سقط عنه، ومثل النهب والتعزير وأشباهه هذه حقوق لله تعالى.
стр. 1982
دفع الصائل وأحكامه
ذكر بعد ذلك دفع الصائل فقال: [من أريد ماله أو نفسه أو حرمته] يعني: جاءه قطاع طريق وقالوا: سلم لنا نفسك لنقتلك فهل يسلم لهم نفسه؟ يقاتل ولو قتلهم، أو: سلم لنا مالك وإلإ قتلناك فهل يسلم لهم؟ يقاتل ولو قتل أو قتل، أو: سلم لنا امرأتك لنزني بها، لا يسلم، ولكن يقاتل ولو قتل، فإذا قتلهم دفاعاً كأن دافعهم لكن لم يندفعوا إلا بالقتل فلا غرامة عليه ولا قصاص؛ لأنه يقول: قاتلتهم أو قتلهم دفاعاً عن نفسي، فأنا مظلوم وأنا معتدىً علي، ففي هذه الحال لا غرامة عليه فيما قتل، فلو أنه قطع يد هذا، أو أنه فقأ عين هذا، أو أنه قطع رجل هذا، ثم بعد ذلك تخلص منهم فطالبوه فلا حرج عليه.
وفي الحديث: (من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون نفسه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد) معناه أنه يقاتل حتى يقتل ولا يستسلم، ولا يسلم لهم نفسه بأن يفجروا به مثلاً بفعل الفاحشة، ولا يسلم لهم امرأته، ولا يسلم لهم ماله، وجاء عن النبي ﷺ أن رجلاً قال: (يا رسول الله! إن جاءني باغ وقال: أعطني مالك؟ قال: لا تعطه، قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: قاتله، قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: هو في النار، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: أنت شهيد) ، فلا ضمان عليه.
فهذا ما يتعلق بالبغاة ويتعلق بالقطاع ويتعلق بدفع الصائل.
стр. 1983
أحكام البغاة الخارجين على الإمام
بعد ذلك ذكر البغاة، والبغاة هم الذين يخرجون على الإمام إذا كان لهم شوكة وعندهم قوة، ولهم نوع من التأويل، كأن ينكرون على الإمام فيقولون: إن هذا الإمام أو نحوه كافر لأنه فعل كذا، ولأنه فعل كذا وكذا، فهؤلاء بغاة يخرجون على الإمام ولهم تأويل سائغ، أي: شبهه، فماذا يفعل؟ يبدأ بمراسلتهم، فإذا كان لهم شبهة أزالها، فيزيل ما يدعونه من شبهة، وإذا ادعوا مظلمة أزالها، وإذا ادعوا شبهة أزالها، فإن فاءوا وإلا قاتلهم، يقاتلهم إذا كان قادراً على قتالهم، كما فعل علي مع الخوارج، فهذا حكم البغاة الذين هم ملحقون بقطاع الطريق، وفيهم كلام طويل مذكور في كتب الفقه، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد.
стр. 1984
شرح أخصر المختصرات [٨١]
في الشرع حكم وأسرار يحاول الفقهاء كشفها حيث يمكن ذلك، ولعل من ذلك الرابط في الفقه بين إزهاق روح الآدمي في حد، وإزهاق روح الحيوان لأكل، فالآدمي قد تزهق روحه في نحو حد الردة، ولذلك جعل الشارع أحكاماً خاصة بالمرتد، وذلك يتعلق بتعريفه وما يحكم به عليه وحده، حتى لا يتخذ الناس هذا الدين لعباً وهزواً، ولا تتمكن النفوس الضعيفة من الطعن في دين الله.
وأباح الله إزهاق روح بعض الحيوان لأكله، فيباح منها أكل ما كان طاهراً لا يفترس بنابه كأسد أو فهد، ومن الطيور ما كان طاهراً ولا يصيد بمخلبه كالعقاب والصقر، كما أباح من سائر الأطعمة كل طاهر غير مضر.
стр. 1985
أحكام المرتد
قال رحمه الله تعالى: [فصل: والمرتد من كفر طوعاً ولو مميزاً بعد إسلامه، فمتى ادعى النبوة، أو سب الله أو رسوله، أو جحده، أو صفة من صفاته، أو كتاباً أو رسولاً أو ملكاً، أو إحدى العبادات الخمس، أو حكماً ظاهراً مجمعاً عليه كفر، فيستتاب ثلاثة أيام، فإن لم يتب قتل، ولا تقبل ظاهراً ممن سب الله أو رسوله، أو تكررت ردته، ولا منافق، وساحر، وتجب التوبة من كل ذنب، وهي إقلاع وندم وعزم أن لا يعود، مع رد مظلمة لاستحلال من نحو غيبة وقذف.
فصل: وكل طعام طاهر لا مضرة فيه حلال وأصله الحل، وحرم نجس كدم وميتة، ومضر كسم، ومن حيوان بر ما يفترس بنابه كأسد ونمر وفهد وثعلب وابن آوى لا ضبع، ومن طير ما يصيد بمخلب كعقاب وصقر، وما يأكل الجيف كنسر ورخم، وما تستخبثه العرب ذوو اليسار كوطواط وقنفذ ونيص، وما تولد من مأكول وغيره كبغل، ويباح حيوان البحر كله سوى ضفدع وتمساح وحية، ومن اضطر أكل وجوباً من محرم غير سم ما يسد رمقه، ويلزم مسلماً ضيافة مسلم مسافر في قرية لا مصر يوماً وليلة قدر كفايته، وتسن ثلاثة أيام.
فصل: لا يباح حيوان يعيش في البر -غير جراد- إلا بذكاة، وشروطها أربعة: كون ذابحٍ عاقلاً مميزاً ولو كتابياً، والآلة، وهي كل محدد غير سن وظفر، وقطع حلقوم ومري.
وسن قطع الودجين، وما عجز عنه كواقع في بئر ومتوحش ومترد يكفي جرحه حيث كان، فإن أعانه غيره ككون رأسه في الماء ونحوه لم يحل.
وقول: (باسم الله) عند تحريك يده، وتسقط سهواً لا جهلاً، وذكاة جنين خرج ميتاً ونحوه بذكاة أمه، وكرهت بآلة كالة، وحدها بحضرة مذكىً، وسلخ وكسر عنق قبل زهوق، ونفخ لحم ببيع، وسن توجيهه إلى القبلة على شقه الأيسر، ورفق به، وتكبير] .
стр. 1986
الأدلة الواردة في تحريم الارتداد
بقي من كتاب الحدود باب حكم المرتد الذي في الفصل الأول، أما الفصل الثاني فيتعلق بالأطعمة وما يباح منها وما لا يباح، والفصل الثالث يتعلق بكيفية ذكاة الحيوان الذي يذكى وشروطها.
نقول: المرتد: هو المسلم الذي يكفر بعد إسلامه إذا كفر طوعاً واختياراً بشرط أن يكون مميزاً وأن يكون سليماً عاقلاً، فإذا أكره على الردة فإنه لا يحكم بردته، قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦] .
ذكر أن عمار بن ياسر ﵁ عذبه الكفار عذاباً شديداً، وحملوه، وقالوا: لا نخلي سبيلك إلا إذا كفرت بمحمد وسببت دينه فاضطر إلى أن يسبه حتى يتخلص من شرهم وأذاهم، فجاء بعد ما خلوا سبيله باكياً إلى النبي ﷺ ، فعذره رسول الله ﷺ ، ونزلت هذه الآية: ((مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ)) ، فعذر الله تعالى المكره ورفع عنه الإثم، ثم قال بعد ذلك: ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنْ اللَّهِ﴾ [النحل:١٠٦] يعني: إذا تكلم بالكفر طوعاً واختياراً فعليه الغضب الشديد من الله تعالى، أما إذا كان مجنوناً فإنه مرفوع عنه القلم، فلو تكلم بالكفر فلا يؤاخذ، وكذلك إذا كان طفلاً لا يميز كابن أربع أو خمس أو نحو ذلك، فلو تكلم بكلمة كفر فإنه لا يعاتب لعدم تكليفه، فيكون بهذا الكلام مرتداً، قال الله تعالى: ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنْ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [البقرة:٢١٧] يعني: إذا ارتد طائعاً مختاراً ومات على كفره حبط عمله وذكر الله أن الشرك يحبط الأعمال في قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر:٦٥] ، وفي قول الله تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:٨٨] ، فالشرك والكفر والردة تحبط الأعمال، وتوجب لصاحبها الخلود في النار.
стр. 1987
حد المرتد
قد ورد حد المرتد في الحديث، وهو قول النبي ﷺ : (من بدل دينه فاقتلوه) ، وحده القتل، وذكر أن علي بن أبي طالب ﵁ ظهر في زمنه أناس غلوا فيه وقالوا له: أنت الرب، أنت الإله.
ولما خرج سجدوا له، فاستتابهم فأصروا، ثم إنه حفر أخاديد وألقاهم فيها وأحرقهم، ولما ذكر ذلك لـ ابن عباس قال: لو كنت أنا لم أحرقهم، ولقتلتهم؛ لأن النبي ﷺ قال: (من بدل دينه فاقتلوه) ، فبلغ ذلك علياً فقال: ويح ابن عباس! بمعنى أن ابن عباس ﵁ كان عنده علم، ولكن علياً حملته شدة الغضب على إحراقهم؛ لأنهم اعتقدوا فيه وقالوا: أنت إلهنا وذلك كفر، وقد ذكر العلماء الكلمات التي يكون بها مرتداً، والأسباب التي تخرج من الإسلام، ولو راجعت كتب الفقهاء لوجدت فيها الكثير، حتى ذكر بعضهم أكثر من مائة خصلة إذا فعلها كفر.
стр. 1988
بعض الأمثلة التي يكون صاحبها مرتداً
стр. 1989
ادعاء النبوة وسب الله والرسول
يقول: [فمتى ادعى النبوة] ، فمن ادعى النبوة فإنه كافر مرتد.
[أو سب الله أو سب رسوله] ﷺ فإنه يعتبر مرتداً، أو جحد وأنكر وجود الله كالدهريين كفر أيضاً، أو جحد صفة من الصفات الثابتة كفر أيضاً، فإذا جحد -مثلاً- صفة السمع التي أثبتها الله، وصفة الوجه، وصفة العلم، وصفة القدرة أنكرها إنكاراً كلياً صدق عليه أنه ارتد، أو جحد كتاباً من كتبه فقال: هذا القرآن مفترى ليس هو كلام الله، وليس هو منزل، وإنما افتراه محمد، كقول المشركين الذين قالوا: ﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ إِفْكٌ افْتَرَاهُ﴾ [الفرقان:٤] ، ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ [الفرقان:٥] أساطير الأولين أي: ما سطروه وما كتبوه وكقولهم: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل:١٠٣] ، وكقولهم: ﴿فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ [الفرقان:٥] ، أو جحد رسالة محمد، أو جحد رسالة موسى، أو إبراهيم، أو عيسى، أو أحد الأنبياء وقال: إنه كذاب، حتى الذين قالوا: إن سليمان كافر ليس بنبي يكفرون بذلك، أو جحد ملكاً من الملائكة الذين سموا في القرآن كجبريل وميكائيل ومالك خازن النار ونحوهم من الملائكة الذين ذكرهم وارد في القرآن.
стр. 1990
إذا جحد شيئاً من أحكام الدين والعبادات
قال: [أو جحد إحدى العبادات الخمس] : إذا أنكر الشهادة وقال: لا فائدة فيها، أو لا أقر بـ (لا إله إلا الله) ، أو جعل مع الله آلهة أخرى، أو استباح الشرك -أي نوع من الشرك- كالسجود للأصنام، أو دعاء الأموات مع الله تعالى، أو تعظيم المخلوق كتعظيم الخالق، وكذلك إذا جحد وجوب الصلاة وقال: إن هذه الصلاة فكرة من محمد ما أمر بها، أو قال: لا فائدة، فيها أنها شاغلة عن الأعمال الدنيوية فلا فائدة فيها حتى ولو كان يصلي اعتبر كافراً.
أو جحد وجوب الزكاة المفروضة وادعى أنها تفليس وأنها ظلم، وأن الذي يأخذها من أهل الأموال إنما هي ضرائب لهم.
أو جحد وجوب الصوم وقال: إنه تكليف شاق، فماذا يفيد كونهم يظمئون أنفسهم ويجيعون أنفسهم؟! يكون بذلك كافراً مرتداً.
أو جحد وجوب الحج، حتى ولو حج اعتبر بذلك مرتداًً.
أو شرعية الجهاد وقال: إن هذا خطأ، حيث يكلف الإنسان أن يتعرض لقتل نفسه ويتعرض لأن يقتل، أو جحد أيضاً إباحة النكاح، أو حرم النكاح الحلال، أو حرم الطلاق وقال: لا يباح أنه يطلق، وكذلك الذين حرموا تعدد الزوجات وقالوا: إن هذا ظلم للمرأة أن يتزوج عليها.
أو أباحوا للمرأة أن تتزوج اثنين يجتمعان في وطئها، أو كذلك من أباح نكاح ذوات المحارم كالبنات والأخوات.
وكذلك لو جحد حكماً ظاهراً مجمعاً عليه، كما إذا أباح الزنا وقال: إن الشرع أخطأ حيث حرمه إذا بذلت المرأة نفسها باختيارها، فتحريمه غلط، فهو لا بأس به، أو أباح الخمر وقال: إنها شراب طيب، كيف يحرمها الشرع؟! لقد أخطأ في تحريمها حتى ولو كان لا يشربها، أو أباح الربا وقال: إنما البيع مثل الربا لا فرق بينهما، فلماذا حرم هذا وأحل هذا؟! أو أباح أو حرم شيئاً معلوماً من الدين بالضرورة تحليله أو تحريمه، فلو حرم مثلاً أكل الخبز التي هي إنتاج طيب، أو أباح أكل الرشوة، أو أباح قتل المسلم بغير حق، أو ما أشبه ذلك كفر، وذكرنا أن بعضهم أوصلها إلى مائة من الخصال التي يكفر بها.
стр. 1991
الاستهزاء بشيء من أحكام الدين
يكثر الاستهتار بأحكام الإسلام، وذلك أن كثيراً من ضعاف الإيمان يضحكون من المؤمنين ويسخرون منهم، وهذه السخرية لا شك أنها ذنب كبير قد يوقع في الكفر والردة، وفي القرآن قصة الساخرين الذين حكم الله تعالى بردتهم في غزوة تبوك يوم قالوا: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء -يعنون النبي ﷺ والقراء الذين معه- أرغب بطوناً، ولا أكذب ألسناً، ولا أجبن عند اللقاء.
وكذبوا، فليسوا أرغب بطوناً، ليس همهم بطونهم ولا همهم فروجهم.
وحدث قبل أربعين سنة أو ثلاث وأربعين أن اليهود نشروا صورة كاريكاتير في صحفهم، ثم التقطها أيضاً أتباع لهم من أهل مصر ونشروها، حيث صوروا صورة ديك وكتبوا تحته بخط عريض بالعامية معناه: (هذا محمد أفندي المتزوج تسعاً) هكذا تجرءوا هذه الجرأة! صوروا النبي ﷺ في صورة ديك، وادعوا أنه ليس له هم إلا فرجه، وأنه من أجل شهوته تزوج تسعاً، والتقطها بعض المصريين ونشروها كأنهم مقرون لها، ثم رد عليهم أحد علماء مصر واستبشع قولهم، وكتب الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ رسالة رداً عليهم على هذه المقالة، ورداً على جمال في قوله بالاشتراكية في تلك السنوات، حيث أمم كثيراً من الأموال وانتزعها وقال: إن الناس شركاء، وعنوان رسالة الشيخ ﵀: (ردة عن الإسلام واشتراكية الحرام!) ، فتكلم على تلك الصورة والذين أقروها من المصريين، واستبشع مقالتهم، وجعل هذا ردة عن الإسلام، ثم تكلم أيضاً عن الاشتراكية، فمثل هذه الكلمة تعتبر ردة.
ونقول: إن كثيراً من الناس يتهاونون في مثل هذه الكلمات، وقد عدت من أسباب الارتداد والعياذ بالله! قال الله تعالى في سورة البقرة: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة:٢١٢] فالسخرية من الذين آمنوا تعتبر كفراً؛ لأنهم إذا سخروا منهم فكأنهم يسخرون من دينهم الذي يفتخرون به، وقال تعالى في قصة الذين قالوا مقولتهم في غزوة تبوك: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا﴾ [التوبة:٦٥-٦٦] ، فكفرهم بهذا الأمر ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٦] أي: دل على أنهم كانوا آمنوا، وأن هذه الكلمة ارتدوا بها وأصبحوا كافرين.
وقال تعالى أيضاً في سورة التوبة: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ [التوبة:٧٩] ، هكذا عادة الكفار أنهم يسخرون من المؤمنين، كما قال الله تعالى في قصة نوح لهود: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ [هود:٣٨] يعن: أنهم يسخرون من نوح وصناعته للسفينة، ولكن هكذا قال لهم، فأنت -مثلاً- إذا جاءك من يسخر بك فقل: ((إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ)) ، فالذين مثلاً يسخرون من اللحية ويقومون بمعاداة اللحى وصاروا يسخرون من الذين يربونها فيلمزونهم بأنها كأنها ذنب تيس وكأنها مكنسة بلدية، هذا سخرية من السنة، فقل لهم: ((إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ)) ؛ لأن هذا استهزاء بالسنة، والسنة النبوية هي التي جاءت بهذا الأمر، ولا شك أن هذا سخرية بالشرع والشريعة، فيلحق بالمرتدين والعياذ بالله، وقد سماهم الله تعالى المجرمين، كما في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين:٢٩] إلى آخر السورة.
يعني أنهم يتنقصونهم ويقولون: هؤلاء مساكين، أضاعوا حياتهم في تعلم هذه الأبواب، تعلم صلاة، وتعلم طهارة، وتعلم صيام، وفاتهم السبق والتقدم، فالناس وصلوا إلى الأفلاك العليا، ووصلوا إلى القمر، وصنعوا الذرة ونحو ذلك، وأما هؤلاء فإنهم أضاعوا أعمارهم يتعلمون باب التيمم، وباب الحيض وباب إزالة النجاسة وباب كذا وكذا، فلا يستفيدون إلا هذه العلوم التي نقصت أعمارهم وضيعت عليهم تقدمهم، أليس هذا سخرية؟ نعم إنه سخرية بعلوم الشريعة، وإنهم وإن تعلموا ما يقولون فإنه قد فاتهم الخير الكثير.
стр. 1992
تنقص أهل الأعمال الصالحة والدين
وكذلك أيضاً الذين يتنقصون أهل الأعمال الصالحة أهل الذكر والتسبيح وقراءة القرآن وعمارة المساجد والاعتكاف فيها، فيقولون: هؤلاء رجعيون! هؤلاء متأخرون! هؤلاء متخلفون! لا شك أن هذا أيضاً يعتبر كفراً ابتلي به كثير من الناس، يقول فيهم بعض المعاصرين: خفافيش هذا الوقت كان لها ضرر وأوباشها بين الورى شرها ظهر يعيبون أهل الدين من جهلهم بهم كما عابت الكفار من جاء من مضر يقولون رجعيون لما تمسكوا بنص من الوحيين كان له أثر وإعفاؤهم تلك اللحى لجمالها وترك سواد حين كان به غرر وحملهم تلك العصي لأنها لديهم حماقات ومسواك مطهر يعيبونهم حتى بالسواك، مع أنهم جعلوا بدل السواك السني السجائر والعياذ بالله، فيفخرون بالسجائر، فلو أشعل أحدهم سجارته أخذ يتمايل ويفتخر، وإذا رأى من أمسك سواكاً وأخذ يدلك به جعل يتنقصه ويعيبه، فمثل هؤلاء يعتبرون مرتدين إذا كانوا يستبيحون مثل هذا.
وبذلك تعرف أن أمر الردة أمر خطير، وأنه يدخل فيه كل من يستهزئ بشيء من الشريعة، وأنهم سوف يعذبون في الآخرة، اقرأ قول الله تعالى في سورة: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) قال الله تعالى: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ * إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٨-١١٠] اتخذتموهم سخرياً لما كانوا يدعون ويتعبدون وَكُنتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ، ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمْ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [المؤمنون:١١١] ، فيحذر المسلم أن يقع في الردة وهو لا يشعر، فيستعمل مثل هذه الكلمات التي خطرها كبير، فيقع في تنقص الدين، أو تنقص المؤمنين لأجل إيمانهم ولأجل عقيدتهم ولأجل علومهم الشرعية، فيهلك ويحبط عمله وهو لا يشعر، يتساهل بكلمة يقولها وقد يقولها مازحاً، وقد يقولها ضاحكاً ولا يعلم أنها تتلفه، وأنها تهلك عليه أمر دينه ودنياه، وأنه أهل لذلك أن يقام عليه حد الردة.
يقول: إذا فعل ذلك الكفر [فيستتاب ثلاثة أيام فإن لم يتب قتل] .
لا شك أنه إذا عرض عليه القتل وقيل له: إنا سنقتلك فسيظهر التوبة والندم خوفاً من القتل، ولكن إذا عرف بأن توبته توبة الكذابين فلا يقبل منه.
وذكر أن رجلاً جاء إلى عمر بن الخطاب ﵁ فقال: عسى الغوير أبؤساً.
وهذا مثل قديم مضروب، يعني: ماذا عندك من الأخبار؟ فقال: رجل ارتد بعد إيمانه فقتلناه، فقال عمر ﵁: (هلا استتبتموه ثلاثة أيام ومنعتم عنه الطعام والشراب لعله أن يتوب؟! اللهم! إني أبرأ إليك مما فعلوا) ، فأخذوا من هذا أنه لا بد أن يستتاب، فيحبس ويجوع ويضيق عليه ويقال: إن لم تتب قتلناك، فإذا أصر ثلاثة أيام وهو يهدد وقال: لا أتوب ولا أتغير ولا أتبدل فإنه -والحال هذه- يقتل، وإذا قتل فإنه يقتل كافراً، وحينئذ لا يرثه أقاربه المسلمون، ولا يورث، وماله يكون فيئاً لبيت المال، ولا يصلى عليه إذا قتل على ذلك، ولا يدفن في مقابر المسلمين، بل يدفن بعيداً، ويوارى إذا لم يجد من يواريه.
стр. 1993
الذين لا تقبل توبتهم
стр. 1994
من سب الله ورسوله
يقول: [ولا تقبل ظاهراً -يعني: التوبة- ممن سب الله أو رسوله] ؛ لأن السب هذا فيه دليل على أنها عقيدة في قلبه، فحينئذ لا تقبل توبته ولو قال: إني أتوب، وذلك لأن هذا دليل على أن قلبه مطمئن بالكفر؛ لأنه هكذا شأنه، كالمنافقين الذين قال الله تعالى عنهم: ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [الفتح:١١] .
ذكر أن يهودياً في الشام في حدود سنة عشرين وسبعمائة أخذ يسب النبي ﷺ ويقول: إنه كذاب، وإنه مفترٍ، وإنه وإنه فلما ظهر من أمره هذا السب المعلن غضب عليه العلماء، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية، وكتب كتابه المشهور: (الصارم المسلول على شاتم الرسول) وأورد فيه الأدلة فأطال وبسط فيه الكلام، وخلاصة كلامه أنه لا تقبل توبة مثل هذا ولو ادعى توبة، وإن كان من المعاهدين، ومن أهل الجزية الذميين فإنه ينتقض بذلك عهده، وإنه لتظاهره بهذا السب يجب قتله، وأورد أدلة كثيرة في أول الكتاب، فذكر قصة رجل كان عنده جارية مملوكة، ولكنها كانت كافرة، وكان قد تسراها فولدت له ولدين، فكانت تسب النبي ﷺ ، فعند ذلك قتلها، فلما قتلها ذكر ذلك لـ عمر بن الخطاب فمدحه على قتلها لأنها تسب النبي ﷺ ، وغير ذلك كثير.
стр. 1995
من تكررت ردته
يقول: [أو تكررت ردته] .
أي: لا تقبل توبة من تكررت ردته، وذلك لأن تكررها يدل على امتلاء قلبه بالكفر، فإذا تكلم -مثلاً بالكفر- ثم بعد ذلك استتيب فتاب، ثم ذكر عنه وثبت عنه أنه تكلم بكلمة كفر أو سخرية، ثم استتيب فتاب، ثم عاد مرة ثالثة عرف بذلك أنه مرتد، وأن قلبه مليء بالنفاق والكفر، فلا يقبل منه الرجوع، ولا تقبل منه التوبة.
стр. 1996
المنافق لا تقبل توبته
ولا تقبل توبة المنافق، ويسمى الزنديق الذي يقول بلسانه ما ليس في قلبه، إذا عرف بأنه يميل مع الكفار وأنه كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ [البقرة:١٤] ، وأنهم يتربصون بالمؤمنين الدوائر: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنْ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء:١٤١] ، فمثل هؤلاء ظاهرهم مع المؤمنين، وباطنهم مع الكفار، فمثل هؤلاء زنادقة لا تقبل توبتهم، وكذلك إذا استمروا على ذلك فالعادة أن دياناتهم وأعمالهم لا تتغير، سيما إذا طعن أحدهم في السن.
ذكر أن أحد الزنادقة أحضر عند المهدي وقرره، فثبت عنده أنه زنديق فأمر بقتله، فقال ذلك المنافق والزنديق: هب أنك قتلتني، كيف تصنع بأربعة آلاف حديث كذبتها على نبيكم؟! فقال: تعيش لها نقادها يعني أن الله تعالى حفظ دينه، وهناك من ينتقدها، ويبينها، ومن يحذر منها.
وأحضر إليه رجل أديب ولكنه متهم أيضاً بالزندقة، فاستتابه فأظهر التوبة، ولما عفا عنه تذكر أبياتاً له فرده وقتله بسببها، وهي قوله: وإن من أدبته في الصبى كالزرع يسقى الماء في غرسه والشيخ لا يترك أخلاقه حتى يوارى في ثرى رمسه إذا ارعوى عاد إلى جهله كذي الضنا عاد إلى نكسه فقال: أنت شيخ -يعني: كبير- فلا تترك أخلاقك، وقد اعترفت على نفسك.
فقوله: (والشيخ لا يترك أخلاقه) يعني: كبير السن (حتى يوارى في ثرى رمسه) يعني: حتى يدفن، (إذا ارعوى عاد إلى جهله كذي الضنا) : يعني: المرض (عاد إلى نكسه) ، فقتله على زندقتة في هذه الأبيات.
стр. 1997
الساحر لا تقبل توبته
ولا تقبل توبة الساحر، وذلك لأنه يخفي عمله، ولأنه ورد أن قتله حد، وحد الساحر ضربة بالسيف، والصحابة قتلوا بدون استتابة، ففي حديث بجالة قال: (جاءنا كتاب عمر أن: اقتلوا كل ساحر وساحرة فقتلنا ثلاث سواحر) ، وصح عن حفصة أنها أمرت بقتل جارية لها سحرتها فقتلت، وكذلك صح عن جندب، فهكذا هؤلاء لا تقبل توبتهم، فمن سب الله أو رسوله، أو تكررت ردته، أو ثبت نفاقه، أو عمل سحراً يقتل، ويمكن أن يقبل من بعضهم إذا ثبت رجوعه عن ذلك العمل ولم يعد إليه.
стр. 1998
التوبة وشروطها
والتوبة واجبة من كل ذنب، ولكن من مثل هذا الأمور التي هي أمور ردة واجبة متحتمة وشروطها: الإقلاع، والندم، والعزم على أن لا يعود، ورد المظالم إلى أهلها.
والإقلاع يعني: ترك ذلك الذنب، سواء أكان كفراً أم معصية، فالذي يقول بلسانه: أنا تائب، ولكنه مصر ومستمر على هذا الذنب لا يقبل منه.
وكذلك الذي لا يندم، يتمدح ويقول: أنا الذي قتلت فلاناً! أنا قد زنيت كذا وكذا أنا الذي سببت فلاناً! أنا الذي سخرت من كذا وكذا يتمدح بأفعاله ولا يتأسف عليها، وهكذا الذي يحدث نفسه أنه سوف يعود إلى الذنب، سوف يعود إليه إذا تسنى له، لا تقبل توبته.
ويشترط إذا كانت التوبة من حقوق آدميين أن يردها إليهم، فإن كان قتلاً مكن من نفسه وقال: أنا الذي قتلت ابنكم، وإن كان ضرباً قال: أنا الذي ضربت أو أنا الذي قطعت يده أو إصبعه، وإن كان مالاً قال: هذا مالكم الذي سرقته أو الذي نهبته أو جحدته، يرد المظالم.
فإذا كان الذنب غيبة أو قذفاً فهل يستحلهم فيقول: أنا يا فلان اغتبتك فاجعلني في حل؟ لا يشترط ذلك، ولكن يمدحه في الأماكن الذي كان يغتابه فيها، ولا يشترط أن يقول: أبحني أو أحلني، بل يمدحه ويثني عليه، ويستغفر الله من ذلك الذنب، وهكذا إذا كان الذنب قذفاً، والقذف: الرمي بفعل فاحشة فلا يحتاج أن يأتي إليه ويقول: اجعلني في حل فإني قد رميتك وقلت: إنك زان أو إنك لوطي.
لا يشترط ذلك.
стр. 1999
أحكام الأطعمة
стр. 2000
كل طعام ظاهر لا مضرة فيه فهو حلال
ذكرنا أن الفصل الذي بعده يتعلق بالأطعمة، وبعض العلماء يذكرون الأطعمة مع المعاملات، أي: مع البيع والشراء والإجارة؛ لأنه فيها بيان ما هو مأكول وما ليس بمأكول، ولكن ذكروها ها هنا لأن أكثر ما ذكروه من المباحات هو الحيوانات التي تحتاج إلى ذبح، ولذلك ذكروا بعده الذكاة، وذكروا بعده الصيد، فكأنهم لما ذكروا القصاص والحدود قالوا: هذا ما يتعلق بالآدمي فكيف ما يتعلق بالحيوان؟! فقالوا: إن هناك ما يقتل من الحيوانات كالكلاب الضارية والسباع ونحوها، فإنها تقتل في الحرم والإحرام، ورد أنه ﷺ أمر بقتلها فقال: (خمس من الفواسق تقتل في الحل والحرم: وذكر منها الكلب العقور) ، فعند ذلك قالوا: نحتاج إلى أن نعرف ما يقتل من هذا الحيوان، وما يؤكل، وما ليس بمأكول، فذكروا بعد ذلك الأطعمة، فكل طعام طاهر لا مضرة فيه حلال، وأصله الحل من النباتات والثمار والحيوانات وما أشبه ذلك، والأطعمة يأكل الإنسان منها ما يناسبه، وتأكل الحيوانات من يناسبها من النباتات، قال الله تعالى: ﴿كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ﴾ [طه:٥٤] يعني: من هذا النبات وقد يكون بعض النبات يناسب الإنسان أن يأكل منه كبعض أوراق الزرع أو ما أشبهه، وثمره الذي هو السنبل، وثمر النخل الذي هو التمر، وثمر العنب الذي هو الزبيب، وثمر التين والتوت، وثمر الرمان، وأشباه ذلك من الثمار التي هي من الطيبات، فطعام طاهر طيب مغذٍ ليس فيه مضرة مباح وحلال.
وأما إذا كان فيه مضرة ولو كان يأكله بعض الناس فإنه يكون حراماً، فهناك مثلاً ما يسمى بالحشيش، فإنه يأكله كثير من الناس، ولكنه محرم لأنه مضر، وهناك ما يصنع من عصير العنب حتى يسكر وهو الخمر، فهذا ولو شربه كثيرون لكنه حرام، ولو قالوا: إنه شراب طيب لكنه مضر بالعقل فيكون حراماً، وهناك -مثلاً- ما يسمى بالقات يأكله كثيرون، ولكنه مضر فيه مضرة، ولو كثر الذين يأكلونه فيكون حراما، ً ولا عبرة بمن يستحلونه فيدعون أنه مأكول وأن فيه وفيه، لا عبرة بهم، فإنهم كالبهائم التي تستحلي ما هو مر في ذوق الإنسان وتستجيز ما فيه مضرة.
والذين يشربون الدخان يعرفون بأنه مضر ويعترفون بذلك، ومع ذلك يستمرون فيه فلا عبرة بهم، والذين يشربون الخمر قد يعترفون بأنها حرام، ولكن مع ذلك يصرون على شربها، وكذلك الذين يأكلون الحشيش، وهو نوع من النباتات مضر، ظهر في حدود القرن السادس وانتشر الأكل منه، وأفتى العلماء بتحريمه، حتى قال شيخ الإسلام ابن تيمية: الخمر بمنزلة الأبوال والحشيش بمنزلة العذرة، والعذرة: الغائط الذي يخرج من الإنسان، تنفيراً منه، ومع ذلك يكثر الذين يأكلونه، وكذلك الذين يستبيحون أكل هذا النبات الخبيث القات، وثمر آخر يقال له: (الجيرو) ، قد يكون أخف ضرراً من القات، ولكن لا منفعة فيه، قد يكون ثمنه رفيعاً، ونبات آخر رائحته قبيحة يسمونه: (البردقان) ، وليس هو البرتقال حيث هو من الطيبات، ولكن البردقان نبات رائحته خبيثة، وكذلك ما يسمى بالشمة التي يمضغونها، هؤلاء لا شك أنهم استحسنوا القبيح فلا عبرة بهم، ولو ادعوا أن هذا من الطيبات فإنه من الخبائث، فلا يغتر بكثرة من يتعاطى أو من يمدحه، وفيما يظهر أن الشيخ الحكمي ﵀ أول من نظم منظومته لما سئل عن القات، فنظم فيه منظومة تائية في تحريمه وبيان آفاته، وذكر من مضاره أنه يضيع الصلاة، يقول في منظومته: إن جاءه الظهر فالوسطى يضيعها أو مغرب فعشاء قط لن يأتي وإن أتاها فمع سهو ووسوسة يعني: يأتيها وهو غير عاقل.
ورد عليه بعض علماء اليمن يقال له: ابن المهدي رداً ضعيفاً، ثم جاءه ذلك الرد فرد عليه أيضاً نظماً، في منظومة طويلة استفتحها بالتاء: الحمد لله في كل البريات وبدء كل شئوني واختتاماتي ثم الصلاة على ختم النبوات محمد من أتانا بالكرامات فما يدل على تمكنه ﵀.
следующие страницы →