Полный текст (2 153 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.
стр. 2031
حكم من يستهزئ بالدين من أهل اللحى
السؤال
شخص أعفى لحيته ولكنه يفعل المنكرات، ويتكلم بكلام يستهزئ فيه بشيء من السنة وغيرها من الدين، فهل يجوز لي أن آمره بحلق لحيته لكي لا يعرض السنة للاستهزاء؟
الجواب
كثيرون ولو كانوا يؤثرون بعض السنة كإعفاء اللحية يظهر منهم شيء كثير من السخرية ببعض تعاليم الدين، وذلك دليل على ضعف الإيمان وعلى شك داخل قلوبهم، فمن عرف أحداً منهم فينصحه ويأتي بمن ينصحه ويبين له خطأه، فإذا أصر واستمر على ذلك فإنه يجب البراءة منه ومن أمثاله.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2032
شرح أخصر المختصرات [٨٢]
أباح الله للإنسان أن ينتفع بما سخر له، ومن ذلك الصيد، فهو مباح للمسلم لكن بشروط وضوابط يجب عليه مراعاتها ومعرفتها قبل الاصطياد.
стр. 2033
أحكام الصيد
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [الصيد مباح، وشروطه أربعة: كون صائد من أهل ذكاة، والآلة، وهي آلة ذكاة، أو جارح معلم وهو أن يسترسل إذا أرسل، وينزجر إذا زجر، وإذا أمسك لم يأكل، وإرسالها قاصداً، فلو استرسل جارح بنفسه فقتل صيداً لم يحل، والتسمية عند رمي أو إرسال ولا تسقط بحال، وسن تكبير معها.
ومن أعتق صيداً، أو أرسل بعيراً أو غيره لم يزل ملكه عنه.
стр. 2034
تعريف الصيد
بعد أن ذكر المؤلف الأطعمة وما يباح من الحيوانات كبهيمة الأنعام ذكر الصيد.
والصيد: مصدر صاد يصيد صيداً، ويسمى المصيد صيداً، وهو اقتناص حيوان مباح متوحش طبعاً غير مقدور عليه.
والاقتناص هو الذهاب في طلبه، وهذا الحيوان المباح متوحش بطبعه، كالظباء، والوعول، وحمر الوحش، والأوبار، والأرانب، وكذلك من الطير كالحبارى، والحجل، والحمام وما أشبه ذلك من الحلال، فاقتناصه طلبه إلى أن يصيده، فتارة يصيده بالرمي، وتارة يصيده بالكلاب، أو الصقر، وتارة يصيده بالشبكة التي ينصبونها له، ونحوها كالقفص، فإذا صاده وأدركه حياً فإنه يذبحه كما يذبح بهيمة الأنعام، فإذا أمسك الأرنب أو الضب أو اليربوع وهو حي فلابد أن يذبحه إذا قدر عليه حياً، كما يذبح السخلة والعجل والفصيل، فيذبحه بسكين حاد أو يذبحه بما يحل الذبح به، ويذكر اسم الله عليه.
وإذا مات بالرمي وقد ذكر اسم الله عليه فإنه يباح أكله، وكذلك إذا قتله الكلب أو ذبحه الطير كالصقر ونحوه، فإذا أدركه وقد مات فإنه يباح إذا كان قد ذكر اسم الله عند إرسال الجارح، قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمْ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة:٤] .
стр. 2035
انقسام الحيوانات إلى مستأنس ووحشي
جعل الله هذه الحيوانات قسمين: قسماً مستأنساً لا يهرب من الناس، كالإبل والبقر والغنم والحمر الأهلية والخيل، وقسماً متوحشاً يهرب من الإنسان، وهذا القسم المتوحش الذي يهرب من الإنسان منه ما هو حلال كالظبي والوعل وحمار الوحش وبقر الوحش وغنمها، والأرنب والوبر والضب وما أشبهها.
ومنه ما هو محرم كالذئب والأسد والنمر والثعلب، وقد يكون مستأنساً محرماً كالقط وما أشبهه، فهذه محرمة، وتقدم أن الذي يأكل الجيف فإنه حرام، ويدخل في ذلك الثعالب والقطط، وابن آوى الذي يفترس الدجاج، وابن عرس وهو يفترس ويأكل الجيف.
стр. 2036
شروط إباحة الصيد
ما أباحه الله كالظباء ونحوها، إنما يباح إذا تمت شروط أربعة:
стр. 2037
أهلية الصائد
الشرط الأول: كون الصائد من أهل الذكاة، فإذا كان الذي صادها مسلماً أو من أهل الكتاب المتمسكين، فإنه يكون من أهل الذكاة، ولا يصح صيد المشركين ومنهم الرافضة، ولا صيد القبوريين الذين يعبدون أهل القبور ومنهم المتصوفة، ولا صيد البوذيين وذبائحهم، ولا صيد السيخ، ولا الهندوس، ولا القاديانيين، ولا الدهريين الشيوعيين، لا يباح صيدهم ولو سموا وذبحوه؛ لأنهم ليسوا من أهل الذكاة.
стр. 2038
الآلة الجارحة وذكر علامة الحيوان المعلم
الشرط الثاني: الآلة، وهي مثل آلة الذكاة، فلابد أن يذبحه بما يخرج معه الدم إذا قدر على الصيد وهو حي، فيذبحه بالسكين أو بحجر حاد، أو يذبحه بقصب أو عود حاد، والمراد أن يذبحه بآلةٍ حادةٍ تجرح وتقطع الجلد، ولا يذبحه بالظفر، ولا بالعظم ولا بالسن ولو كان عصفوراً كما تقدم في الذكاة.
وإذا رميت طيراً كحمامة أو سماني أو الغرانيق البيض أو الحبارى أو الحجل أو ما أشبهها، فإنها لا تباح إذا أدركتها حية إلا بعد ذبحها بالسكين أو نحوها من الحلق، يعني: من أصل العنق أو من أصل الرأس، فإذا ذبحتها وخرج دمها وماتت بسبب الذبح حل أكلها مع الشروط الآتية.
والجارح إما أن يكون من الطيور وإما من الكلاب، فمن الطيور الصقر والبازي والشاهين والباشق، فهذه الجوارح من الطيور تقنص الصيد، وتقبل التعليم، فإذا أرسلت إلى الصيد كالحبارى أو الحمام أو الأرنب، فإنها تنزل عليه وتضربه بمخالبها، وتمزق الجلد وتمزق الريش وتقطعه، فيسقط ذلك الطائر كالحبارى ونحوه، وإذا سقط فقد يموت في حينه قبل أن يأتي إليه الصياد فيكون حلالاً إذا تمت الشروط، وقد يدركه حياً فلابد من ذبحه بالسكين ونحوها، وفي هذه الحال يباح ما صاده بهذا الجارح.
ومن الجوارح الكلب المعلم، وكذا الفهد المعلم، فإنه يصيد الظباء لصاحبه، فإن أدركه حياً فليذبحه، وإن أدركه ميتاً وقد جرحه الكلب فإنه حلال إذا كان قد ذكر اسم الله عند إرسال ذلك الجارح.
ما علامة كون الجارح معلماً؟ أن يسترسل إذا أرسل، وينزجر إذا زجر، وإذا أمسك لم يأكل، هذه علامات المعلم؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة:٤] فإذا أكل فإنما أمسك لنفسه.
وقد يسمون الصقر أو الكلب باسم، فيناديه باسمه، ويرسله بكلمات يفهمها الكلب أو الفهد، فإذا أرسل استرسل، أي: ذهب مسرعاً يسعى خلف ذلك الصيد إلى أن يدركه، هذا معنى: إذا أرسل استرسل.
وإذا زجر انزجر، والزجر الكف، فإذا زجره كف وتوقف، وقد يكون الزجر التحريض، فلو قدر أن الكلب رأى أرنباً وسار وراءها وصاحبه لم يشعر، ولما رآه زجره وزاد في سيره، وذكر اسم الله عليه، فإذا أمسك ولم يأكل فإنه يحل ما صاده حتى ولو لم يذبحه.
وقد اختلف العلماء فيما إذا قتل الصيد بثقله ولم يجرح، فإن الكلب قد يمسك الأرنب ثم يتحامل عليها ويضمها وتموت، أو يعض أضلاعها فتموت دون أن يخرج شيء من دمها ودون أن يجرحها، فيأتي صاحبه وقد ماتت، فهل تباح أم لا تباح؟ كثير من العلماء يقولون: هو حلال مما أمسك؛ لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة:٤] ولأن صاحبه قد أرسله وسمى عند إرساله، فيباح أكله ولو قتله، وذهب آخرون أنه لا يباح إلا إذا أدرك حياً أو جرحه ذلك الجارح؛ ولذلك سمي جارحاً في قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ﴾ [المائدة:٤] ، وهذا لم يجرحه، ولم يخرج دمه، فيكون ميتة أو شبيهاً بها.
وقد تكلم على هذه المسألة الحافظ ابن كثير ﵀ في تفسيره عند هذه الآية في أول سورة المائدة: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة:٤] فكأنه يميل إلى عدم الحل؛ وذلك لأنه مات حتف أنفه دون تذكية ودون جرح أو نحو ذلك، هذا الذي يظهر من كلامه، وذهب آخرون وهو المشهور إلى أنه يحل لظاهر الآية: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة:٤] .
стр. 2039
القصد في إرسال الجارح
الشرط الثالث: إرسالها قاصداً، فإذا استرسل الجارح بنفسه فقتل لم يحل؛ لأنه أمسك على نفسه، ولأنه استرسل بنفسه فلا يحل ما صاده.
فإذا استرسل بنفسه وأمسك، فإن أدركته حياً فذكيته فحلال، وإن لم تدركه إلا بعد أن قتله فلا يحل، فلو أرسلت الكلب وأمسك عليك ولكنه أكل من الصيد، فلا يحل؛ لأنه يخاف أنه أمسكه على نفسه، هكذا جاء في الحديث: (فإن أكل فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون أمسك على نفسه) .
ويستثنى من ذلك الجارح من الطير كالشاهين والصقر والباشق، فهذا يصعب تعليمه، فالكلب يمكن أن يعلم بالضرب، وأما الصقر فكيف يضرب؟ وكيف يعلم بالضرب؟ فالعادة أنه يأكل، وأكله قليل بالنسبة لأكل الكلب، فإذا أكل فإن الصيد لا يحرم، بل يجوز أكل ما بقي ولو أكل نصف الأرنب أو نصف الحبارى، وما ذاك إلا لأنه يصعب تعليمه.
стр. 2040
التسمية
الشرط الرابع: التسمية عند الرمي أو عند الإرسال، ولا تسقط بحال، وقد تقدم في الذكاة أنها تسقط بالنسيان لا بالجهل، وأما في الصيد فلا تسقط، قال الله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة:٤] ، هكذا اشترط (اذكروا اسم الله عليه) ، فلابد من التسمية عند إرسال الصقر أو عند إرسال الكلب، وكذلك عند الرمي، فإذا سدد السهم ليرمي أرنباً أو ليرمي حمامةً فليقل: باسم الله، ولا تسقط بحال، ويسن التكبير فيقول: باسم الله، والله أكبر.
هذه هي شروط حل الصيد، الشرط الأول: أن يكون الصائد من أهل الذكاة، وهو مسلم أو كتابي متمسك، الشرط الثاني: الآلة التي يصاد بها، كالسهام والحيوان الجارح، الشرط الثالث: إرسال الجارح قصداً، الشرط الرابع: التسمية عند الرمي وعند الإرسال.
стр. 2041
حكم إعتاق الصيد والحيوان المستأنس
من أعتق صيداً هل يخرج من ملكه؟ لو أن إنساناً صاد ظبياً وبقي عنده، ثم إنه أعتقه وأرسله، فلا يخرج من ملكه؛ لأنه ملكه بإمساكه، فيبقى في ملكه، ولكن إذا أرسله وذهب مع الظباء، وصار متوحشاً يهرب من الناس كما تهرب الظباء، ففي هذه الحال من صاده ملكه ولو كان قد ملكه فلان ولو عرفه، فمثلاً: لو صاد غزالاً ثم وسمها، وقطع طرف إذنها ثم أرسلها، وبقيت مع الغزلان، ترتع معها وترجع معها -أي: مع الصيد المتوحش- ثم وجدها إنسان ورماها أو صادها بحبال ملكها؛ وذلك لأن صاحبها لما أعتقها لا يريدها ولا يرغب في اقتنائها فتذهب عليه.
وأما البعير أو الكبش ونحوه إذا تركه صاحبه وأرسله وأهمله فهل يخرج من ملكه؟ لا يخرج من ملكه؛ لأنه ملكه أصلاً بالشراء أو ملكه بالاستيلاد؛ فإذا ملكه قال: لا حاجة لي فيه، وتركه يرتع مع الإبل ويذهب معها ويشرب معها، أو قال لا حاجة لي في هذا الحصان أو في هذا الثور أو هذه البقرة أو هذا الكبش، وتركه يذهب ويجيء ويشرب الماء ويأكل من الشجر، فلا يزول ملكه عنه، بل يبقى تحت ملكه، ولو كانت ناقة ونتجت فنتاجها لصاحبها الذي تركها.
стр. 2042
شرح أخصر المختصرات [٨٣]
من الأحكام الشرعية حكم اليمين وحكم النذر، واليمين لا تنعقد إلا إذا كانت بالله أو بصفة من صفاته، وأما ما يترتب عليها من البر والحنث والكفارة وغيرها فقد بينها الفقهاء.
وأما النذر فمكروه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل، وفي باب النذر أحكام وتقسيمات مختلفة كما هو مبين عند العلماء.
стр. 2043
كتاب الأيمان
ذكر المؤلف بعد الصيد كتاب الأيمان، ومناسبته أن الأيمان يحتاج إليها في الشهادات وفي القضاء، ويحتاج إليها أيضاً في إثبات الحدود كحد الزنا وحد القذف وحد الشرب، فيحلف المتهم مثلاً ويبرأ؛ ولذلك ذكروها هنا.
стр. 2044
معنى اليمين
قال المصنف ﵀: [باب الأيمان: تحرم بغير الله، أو صفة من صفاته، أو القرآن، فمن حلف وحنث وجبت عليه الكفارة.
ولوجوبها أربعة شروط: قصد عقد اليمين، وكونها على مستقبل، فلا تنعقد على ماضٍ كاذباً عالماً به وهي الغموس، ولا ظاناً صدق نفسه فيبين بخلافه، ولا على فعل مستحيل، وكون حالفٍ مختاراً، وحنثه بفعل ما حلف على تركه، أو ترك ما حلف على فعله غير مكره أو جاهل أو ناس.
ويسن حنثٌ ويكره برٌ إذا كانت على فعل مكروه أو ترك مندوب، وعكسه بعكسه.
ويجب إن كانت على فعل محرم، أو ترك واجب، وعكسه بعكسه.
فصل: وإن حرم أمته أو حلالاً غير زوجة لم يحرم، وعليه كفارة يمين إن فعله.
وتجب فوراً بحنث، ويخير فيها بين إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم كسوةً تصح بها صلاة فرض، أو عتق رقبة مؤمنة، فإن عجز كفطرة صام ثلاثة أيام متتابعة.
ومبنى يمين على العرف، ويرجع فيها إلى نية حالف ليس ظالماً -إن احتملها لفظه- كنيته ببناء وسقف السماء.
فصل: النذر مكروه، ولا يصح إلا من مكلف، والمنعقد ستة أنواع: المطلق: كلله علي نذر إن فعلت كذا.
ولا نية، فكفارة يمين إن فعله.
الثاني: نذر لجاج وغضب، وهو تعليقه بشرط يقصد المنع منه أو الحمل عليه، كإن كلمتك فعلي كذا، فيخير بين فعله وكفارة يمين.
الثالث: نذر مباح، كلله علي أن ألبس ثوبي، فيخير أيضاً.
الرابع: نذر مكروه كطلاق ونحوه فالتكفير أولى.
الخامس: نذر معصية، كشرب خمر، فيحرم الوفاء، ويجب التكفير.
السادس: نذر تبرر، كصلاة وصيام واعتكاف بقصد التقرب مطلقاً، أو معلقاً بشرط، كإن شفى الله مريضي فلله علي كذا، فيلزم الوفاء به.
ومن نذر الصدقة بكل ماله أجزأه ثلثه، أو صوم شهر ونحوه لزمه التتابع، لا إن نذر أياماً معدودةً.
وسن الوفاء بالوعد، وحرم بلا استثناء] .
الأيمان جمع يمين، ويقال له: القسم، قال الله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [الأنعام:١٠٩] أي: اجتهاداً في أيمانهم.
ولماذا سميت يميناً؟ لأن المتحالفين يتقابلان بيديهما، كل واحد يمد يمينه ويمسك يد الآخر اليمنى ويقول: أحلف بالله إنني ما قتلت أباك، أو ليس عندي لك أو ما أشبه ذلك، فلما كانت تقبض باليد اليمنى سموا الحلف نفسه يميناً، هذا سبب التسمية، ومعنى حلف أي: أقسم، وسمي قسماً لأنه يصير قِسماً أو قسيماً له.
стр. 2045
حكم الحلف بغير الله
الحلف هو الحلف بالله أو بصفة من صفاته أو بالقرآن، أما الحلف بغير الله فحرام، جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك) ، فيحرم الحلف بغير الله، وقال: (لا تحلفوا بآبائكم، من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت) ، فلا يجوز الحلف بالأب، فلا يقول: بأبي، ولا يحلف بنفسه، فلا يقول: بحياتي، ولا بحياتك يا فلان، أو بحياتك يا فلانة، ولا يحلف بشرفه فلا يقول: بشرفي، أو بنسبي، أو بأبي، أو بأبوي، أو بتربة أبوي، أو بقبر والدي، فإن هذا شرك، لماذا؟ لأنه تعظيم للمحلوف به، ولا يجوز تعظيم غير الله، فالتعظيم الذي في الحلف لا يكون إلا لله، (من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت) .
يجوز الحلف بصفات الله كأن يحلف بيمين الله، أو بوجه الله، أو بعزة الله، أو بعلم الله، أو بكلام الله، ويجوز الحلف بالقرآن لأنه كلام الله، فإذا قال: وكلام الله أو والقرآن الكريم انعقدت يمينه.
يقول: من حلف وحنث وجبت عليه الكفارة، والحنث مخالفة ما حلف عليه، والحنث حرام إلا إذا كفره، قال الله تعالى: ﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة:٤٦] ويسمى الحنث فجوراً، فمن حلف وهو كاذب سمي فاجراً، فمن حلف وحنث فقد ارتكب ذنباً وعليه كفارة تمحو ذلك الذنب الذي حلف عليه.
стр. 2046
شروط وجوب الكفارة
ذكر أهل العلم لوجوب الكفارة أربعة شروط:
стр. 2047
الشرط الأول: قصد عقد اليمين
الشرط الأول: قصد عقد اليمين، قال الله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة:٢٢٥] وفي آية أخرى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ﴾ [المائدة:٨٩] ، فأما لغو اليمين فإنه يعفى عنه، وذلك مثل ما يجري على الألسن من غير عقد يمين في أدنى الكلام، يقول: لا والله، بلى والله، ولم يعقد على ذلك قلبه ولا قصده، أو حلف يعتقد صدق نفسه، فهذا لغو، لا كفارة فيه، (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم) .
أما إذا كان قاصداً عازماً على اليمين فإنه يكفر، فلو قال مثلاً: والله لا أركب مع فلان وهو عازم، فركب معه فعليه كفارة اليمين، والله لا أكلم فلاناً، وجبت عليه الكفارة إذا كلمه، والله لا أدخل هذا البيت، ثم دخله وجبت عليه الكفارة، والله لا آكل من هذا الطعام، وجبت عليه الكفارة إن أكل، وكذلك في الإثبات إذا قال: والله لأضربن فلاناً، والله لأسافرن هذا اليوم وأشباه ذلك، فإذا لم يفعل فعليه الكفارة، هذا الشرط الأول.
стр. 2048
الشرط الثاني: أن تكون اليمين على مستقبل
الشرط الثاني: كون اليمين على فعل مستقبل، فإذا قال مثلاً: والله لا أدخل هذا البيت، ولا ألبس هذا الثوب، ولا أشتري هذا الطعام، فإذا فعل فإنه يكفر؛ لأن هذه أمور مستقبلة، أو يقول: والله لأسافرن اليوم، أو أسافر غداً، في هذه الحال عليه كفارة إذا حنث، ولا كفارة حتى يحنث.
стр. 2049
حكم اليمين الكاذبة والحلف على مستحيل
لا تنعقد اليمين على أمرٍ ماض، وهو كاذب عالم بكذبه، وهي اليمين الغموس، وقد جاء في الحديث: (من حلف على يمين ليقتطع بها مال امرئ مسلم -يعني: يأخذ بها ما لا يحل له - لقي الله وهو عليه غضبان) ، وفي حديث آخر قيل: وإن كان شيئاً يسيراً يا رسول الله؟ قال: (وإن كان قضيباً من أراك) أي: عود سواك، فهذه هي اليمين الغموس، ومثلها أيضاً إذا حلف كاذباً وهو يعلم كذب نفسه، فهو يحلف أنه ما قتل فلاناً وهو الذي قتله، أو حلف أنه ما أخذ ماله وهو يعرف أنه أخذه، أو حلف أنه ما دخل بيته أو ما ركب سيارته أو ما أخذها أو ما رآها وهو كاذب في ذلك، فهذه هي اليمين الغموس.
لماذا سميت غموساً؟ لأنها تغمس صاحبها في الإثم ثم في النار، وفي هذا الحديث: (لقي الله وهو عليه غضبان) ، أما لو حلف وهو يظن صدق نفسه فتبين بخلافه فلا كفارة، فإذا حلف: إن هذا كتابي، ويظن صدق نفسه لأنه يشبه أو حلف: إن هذا أخي، وهو يظن أنه أخوه وكان شبيهاً به، أو حلف: إن هذا متاعي أو إن هذا كيس فلان، وهو يعتقد أنه متاعه أو كيسه فتبين خلافه، فإنه والحالة هذه يعتقد صدق نفسه فلا كفارة عليه.
كذلك إذا حلف على فعل مستحيل فلا كفارة عليه؛ لأنه يعرف كذب نفسه، فإذا حلف ليشربن ماء هذا الكوز، وليس فيه ماء، ففي هذه الحال لا يحنث؛ لأنه يعلم أنه مستحيل، وذكروا من المستحيل ما تستحيل قدرة الإنسان عليه، فلو حلف مثلاً أن يقلب هذا الإناء ذهباً أو يقلب هذا الماء لبناً، فهذا مستحيل، فلا تكون عليه الكفارة؛ لأنه يعلم أنه لا يقدر.
стр. 2050
الشرط الثالث: الإكراه في اليمين
الشرط الثالث: أن يكون الحالف مختاراً، فيخرج المكره على الحلف، كأن يكرهه إنسان ويقول: أنت الذي أخذت هذا المال وسوف أقتلك إن لم تحلف، فيحلف ليتخلص من القتل ظلماً، أو أنت الذي شربت هذا الماء وهو لم يشربه ولكنه يخشى من التعذيب، فيحلف، وهكذا كل ما فيه إكراه لا تنعقد يمينه؛ لقوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦] .
ولذلك ذكروا أن المكره لا إثم عليه، فلو أكره على شرب الخمر فلا يحد، أو أكرهت المرأة على الزنا فلا حد عليها، أو أكره على بيع ماله أو بذله فإنه لا ينعقد البيع لعدم اختياره، وكذلك لو أكره على دخول دار وكان قد حلف على ألا يدخل هذه الدار، فأمسكه قوم وأوثقوه وغلوه ودخلوا به، فإنه لا يحنث، أو حلف ألا يأكل من هذا الطعام ثم أكرهوه وقالوا: إن لم تأكل ضربناك أو قتلناك.
فأكل لأجل التخلص، ففي هذه الحالة لا يحنث.
стр. 2051
الشرط الرابع: الحنث في اليمين
الشرط الرابع: الحنث، وهو أن يفعل ما حلف على تركه، أو يترك ما حلف على فعله، كأن حلف ألا يأكل من هذا الطعام وأكل أو حلف ألا يلبس هذا الثوب ولبسه، أو حلف ألا يركب هذه السيارة وركبها، أو حلف ألا يكلم فلاناً وكلمه، هذا هو الحنث.
وكذلك لو حلف على الترك ولم يترك، كأن حلف أنه لن يسافر هذا اليوم وسافر، أو حلف ألا يصلي في هذا المسجد شهراً وصلى فيه، ففي هذه الحال يحكم بحنثه، إلا إذا فعل ذلك مكرهاً، فحلف ألا يلبس ذلك الثوب وأكره وهدد حتى لبسه، أو حلف ألا يأكل من الطعام، وأكره وهدد حتى أكل منه، فإنه لا يحنث.
وكذلك إذا كان جاهلاً كأ، حلف ألا يلبس الثوب ولبس ثوباً يعتقد أنه غيره، وتبين أنه هو، ففي هذه الحال لا يحنث؛ لأنه لم يتعمد، وهكذا لو حلف ألا يكلم فلاناً، ثم نسي فكلمه فلا شيء عليه، هذه هي شروط وجوب الكفارة.
стр. 2052
أحوال الحنث في اليمين
قوله: (يسن الحنث، ويكره البر إذا كان على فعل مكروه وترك مندوب، وعكسه بعكسه) : ورد في حديث أبي موسى أنه جاء في غزوة تبوك إلى النبي ﷺ ، وطلب منه أن يحمله ويحمل قومه، فقال ﷺ : (ما عندي ما أحملكم، ووالله لا أحملكم، ثم جاءته إبل من إبل الصدقة، فأرسل إليهم خمس ذود غر الذرى، فقالوا: استغفلنا رسول الله يمينه، فقد حلف ألا يحملنا، فقال ﷺ : إني لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني) وكذلك قال لـ عبد الرحمن بن سمرة: (إذا حلفت على يمين ورأيت غيرها خيراً منها، فكفر عن يمينك وأئت الذي هو خير) ، فإذا حلف أحد أنه لا يكلم فلاناً من غير سبب فهذا حرام، فيكفر ويكلمه، أو حلف ألا يقبل هدية فلان، فيكفر ويقبل هذه الهدية؛ لأن قبول الهدية مستحب.
حلف ألا يقبل دعوة فلان، وإجابة الدعوة من المستحبات أو من الواجبات، فعليه أن يكفر عن يمينه ويجيب تلك الدعوة، أو حلف ألا يصل فلاناً وكان له قرابة، أو لا يهدي إليه أو لا يستضيفه، فيكفر عن ذلك ويفعل، فإن فعل ذلك خير، روي أن رجلاً كان له دين، فطلبوا منه أن يسقط من دينه، فحلف وقال: والله لا أسقط منه شيئاً، فأنكر عليه النبي ﷺ وقال: (حلف ألا يفعل خيراً!) يعني: حلف ألا يتنازل عن شيء من ماله، والأولى أن يسقط عن هذا الغريم المدين الفقير، وأن يكفر عن يمينه، وهكذا إذا حلف ألا يتصدق في هذا الشهر، فالصدقة خير، فعليه أن يحنث وأن يتصدق ويكفر، وهكذا في سائر المستحبات.
ويكره بره بيمينه إذا كانت على فعل مكروه أو ترك مندوب، ففعل المكروه كأن يحلف مثلاً أن يسب فلاناً لأنه قد سبه، فالأولى أن يكفر ولا يفعل، وإذا قيل له: إن فلاناً اغتابك، فقال: والله لأغتابنه.
فعليه أن يكفر ولا يغتاب لأن هذا فعل محرم، وإذا قيل: إنه مثلاً ضرب ولده ولدك، فقلت: والله لأضربن ولده، فالأولى أن تعفو وتصفح.
وأما إذا كان فعل خير فإن عليه أن يفي به ويكره حنثه، فإذا قال: والله لأتصدقن في هذا اليوم، فلا يترك الصدقة ولو بشيء قليل، أو قال: والله لأقرأن في هذا اليوم جزءاً من القرآن، أو إذا كان مدخناً فقال: والله لا أدخن في هذا اليوم، أو كان يسمع الغناء فحلف ألا يسمعه في هذا اليوم؛ فعليه أن يوفي بيمينه، ويكره الحنث.
هذا معنى قوله: (وعكسه بعكسه) ، فإذا حلف أن يفعل خيراً أو يترك شراً فعليه أن يوفي بما حلف، ففعل الخير كأن يحلف أن يتصدق، أو يقرأ في هذا اليوم جزءاً، أو يصلي في هذه الليلة ساعة، أو يزور في هذا اليوم مريضاً أو يتبع فيه جنازة، فهذا فعل خير، لا تحنث وأوف بيمينك.
وكذلك الترك، إذا حلف وقال مثلاً: والله لا أشرب الدخان هذا اليوم، أو لا أسمع الغناء هذا اليوم، أو لا أنظر إلى الصور هذا اليوم، فأوف بيمينك ولا تحنث، فإنك حلفت على خير.
стр. 2053
ما جاء في التحريم
إذا حرم أمته، وقال: والله لا أطأ هذه الأمة، أو حرم طعاماً، فقال: هذا الطعام علي حرام، أو هذا الثوب علي حرام، أو هذا الماء علي حرام، أو هذه القهوة علي حرام، أو هذا الخبز علي حرام، أو خبز فلان علي حرام لا آكل منه، أو طعام فلان علي حرام لا آكله، هل يصير حراماً؟ لا يصير حراماً ولكن عليه الكفارة، والدليل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم:١-٢] سبب نزول هذه الآية: أن النبي ﷺ كان يدخل على زينب وتسقيه عسلاً، فغارت عائشة وحفصة، فاتفقتا على أن كل واحدة منهما تقول له: هل أكلت مغافير؟ وهو شيء ينضحه بعض شجر العضاة، له رائحة، فقال: (إنما شربت عسلاً عند زينب) فقالت: جرست نحله العرفط، أي: أكلت نحله من العرفط، وله رائحة، فعند ذلك قال: (هو علي حرام) أي: هذا العسل، فعند ذلك نزلت الآية: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [التحريم:٢] ، وبين الله التحلة وهي الكفارة.
وكذلك روي أيضاً: أنه حرم أمة له وهي مارية، وكانت سرية له، وهي أم إبراهيم، غارت بعض نسائه وقالت: كيف تباشرها في بيتي وعلى فراشي؟ فقال: (هي علي حرام) فنزلت الآية: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ﴾ [التحريم:١] ، وكفر عن يمينه عند ذلك، وحلت له.
وكذلك الرجل إذا حرم أمته، فإن عليه كفارة يمين، أو حرم شيئاً حلالاً غير الزوجة -أما الزوجة فتحريمها ظهار كما تقدم في الظهار- فإذا حرم هذا الشراب، أو هذا اللبن أو لبن هذه الشاة، أو لبن هذه البقرة، أو هذا الإدام أو خبز هذا الخباز أو ذبح هذا الجزار، ثم احتاج، فيكفر عن يمينه، وإذا كفر حل له ذلك وأكل منه.
стр. 2054
كفارة اليمين وصفتها
متى تجب الكفارة؟ إذا حنث، فإذا فعل ما حلف على تركه أو ترك ما حلف على فعله فإنه والحال هذه يكفر، فإذا لبس الثوب الذي حلف ألا يلبسه فإنه يكفر، أو حلف أن يبيت الليلة في هذا المنزل، ولم يبت فيه فعليه الكفارة، حيث إنه حنث.
وهل تجب الكفارة فوراً أم على التراخي؟ تجب على الفور، فيبادر ويخرجها فوراً.
وما هي الكفارة؟ ذكر الله تعالى الكفارة في سورة المائدة: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة:٨٩] يعني: يخير بين هذه الثلاث، فيقال له: لك الخيار: أعتق رقبة، أو أطعم عشرة مساكين، أو اكسهم.
الإطعام يكون من أوسط ما يطعم أهله، لا من الخيار ولا من الأدنى، فإذا كان أحياناً يشتري لأهله السمك والفواكه ولحم الضأن ورقيق الخبز والأرز، وأحياناً يطعمهم من الخبز اليابس، وأحياناً إدامهم من التمر أو نحوه، وأغلب الأحوال يطعمهم الرز والخبز واللحم العادي كلحم الإبل أو لحم الدجاج، فنقول: الوسط هو ما تطعم به أهلك من الطعام الذي ليس من الجيد وليس من الرديء، هذا بالنسبة للإطعام.
أما بالنسبة للكسوة، فإنه لابد أن يعطي كل واحد كسوة تجزئه في صلاة الفريضة، فيستر عورته بسراويل من السرة إلى الركبة أو إلى ما تحت الركبة، ويستر ظهره برداء كرداء المحرم، ويكفي القميص الذي له أكمام، ولو لم يجعل معه عمامة ولا سراويل، بل قميص يستر البدن كله، يستر المنكبين ويستر البطن والظهر، ويستر العجز ويستر الفخذين والركبتين، فيكفي ولو كان ثوباً واحداً.
العتق: أن يعتق رقبة سليمة من كل عيب يضر بالعمل -كما تقدم في كفارة الظهار- ولابد أن تكون رقبة مؤمنة.
إذا عجز عن العتق وعن الكسوة وعن الإطعام انتقل إلى الصيام، فيصوم ثلاثة أيام متتابعة، وعلامة عجزه ألا يجد إلا قوت ليلته التي يقوت بها أهله، وتقدم في زكاة الفطر أنه تسقط الفطرة عن إنسان ليس عنده إلا قوت نفسه وقوت عياله في يوم العيد وفي ليلة العيد، هذا معنى قوله: (فإن عجز كفطرة) أي: كما يعجز في إخراج الفطرة، فيصوم ثلاثة أيام متتابعة، وقرأ ابن مسعود هذه الآية: (فصيام ثلاثة أيام متتابعات) وتحمل على أنها تفسير.
стр. 2055
النية في اليمين
تكلم الفقهاء وأطالوا على النية في اليمين، فقالوا: مبنى اليمين على العرف، وهو الشيء المتعارف بين الناس، نذكر لذلك أمثلة: عندنا في المملكة لو حلف شخص ألا يلبس ثوباً، فالثوب عندنا هو الذي له أكمام وله جيب، وأما في اللغة فإن العمامة تسمى ثوباً، والعباءة تسمى ثوباً، وكذا الرداء والإزار، فنقول: أنت لا تعرف إلا الثوب الذي له جيب وأكمام، فلا تلبسه في هذه الليلة، ولك أن تلبس رداءً أو إزاراً أو سراويل، فإن لبست الثوب الذي له أكمام فكفر؛ لأنك حلفت عليه.
وكذلك إذا حلف أن يذبح لفلان شاة، والشاة عند الناس في هذه المملكة النعجة الأنثى من الضأن، وإن كان العرب يسمون الذكر من الضأن شاة والعنز شاة، فالشاة عند العرب الواحدة من الغنم ذكراً كانت أم أنثى، فإذا حلف أن يذبح شاة، نقول له: أنت لا تعرف الشاة إلا أنها النعجة الأنثى من الضأن، هذا هو العرف، فعليك أن تذبحها.
وإذا حلف أن يذبح في هذا الشهر بعيراً، والبعير عند العامة في هذه المملكة هو الجمل، لا يعرفون الجمل إلا أنه البعير، والبعير عند العرب يدخل فيه الناقة، فالناقة بعير لأنها تركب، والجمل بعير، وإذا أرادوا أن يفرقوا بينهما قالوا: ناقة وجمل، وإذا قال رجلٌ عند العرب: عندي بعير، قالوا: ناقة أم جمل؟ فيسمون الناقة بعيراً، ولكن الناس في هذه المملكة لا يعرفون البعير إلا أنه الجمل، فإذا حلف أن يذبح بعيراً لم تبر يمينه إلا إذا ذبح جملاً، هذا معنى قوله: (مبنى اليمين على العرف) .
فإن كان العرف غير موجود في هذه اليمين رجع إلى نية الحالف الذي ليس بظالم، وذلك لأنه قد يحلف على شيء وقد تكون نيته أنه يؤكد الشيء، فمثلاً: أنت طالبته بدين، فحلف أن يعطيك حقك يوم الجمعة، ثم قضاك يوم الأربعاء، هل يحنث؟ لا يحنث؛ لأنه ما أراد إلا أن يعجل حقك لك، فقد عجله قبل موعده فلا يحنث والحالة هذه، فنيته بهذه اليمين نية صادقة وهي التعجيل.
أما إذا كان ظالماً فلا تنفعه هذه النية، والظالم هو الذي يحلف بنية يتأول فيها، فإذا قال: والله ما لك عندي شيء، وتأول وقال: عنيت بشيء مأكولاً، فلا تنفعه نيته؛ لأن كلمة شيء تدخل فيها النقود وتدخل فيها الأكسية وما أشبه ذلك، فهذه نية الظالم.
قوله: (إن احتملها لفظه) أي: فإذا قال مثلاً: والله لا أبيت تحت السماء هذه الليلة، وقال: نيتي بالسماء السقف؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ [الحج:١٥] يعني إلى السقف، نيته محتملة، أو قال: والله لا أبيت تحت بناء وأراد بالبناء المنزل المبني، فنيته محتملة، فالحاصل أنه يرجع في نيته إلى العرف ثم إلى ما هيج اليمين، ثم إلى حقيقة الشيء.
وتكلموا هنا أيضاً على الحقيقة وقالوا: إن الحقيقة حقيقة شرعية وحقيقة عرفية، فالحقيقة الشرعية كالصلاة، فالصلاة حقيقة لهذه العبادة التي فيها ركوع وسجود، ولكن أصلها في اللغة الدعاء ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة:١٠٣] أي: ادعُ لهم، فإذا حلف مثلاً: لا أصلي في هذا المسجد هذا اليوم، ثم دخل ودعا فيه، لا يحنث لأنه أراد بالصلاة الصلاة الشرعية.
стр. 2056
تعريف النذر وحكمه
الفصل الذي بعده يتعلق بالنذر، وتوسع في النذر أكثر من غيره، والنذر هو أن يلزم الإنسان نفسه ما ليس بواجب في أصل الشرع، كأن يقول مثلاً: لله علي أن أصوم في هذا الشهر خمسة أيام، فهذا يسمى نذراً.
وأما إذا قال: لله علي أن أصلي في هذا اليوم خمس صلوات ظهراً وعصراً ومغرباً وعشاء وفجراً، فلا يسمى هذا نذراً؛ لأن الله قد أوجبها ولم يوجبها الإنسان على نفسه، فالنذر هو الذي يوجبه الإنسان على نفسه، فمثلاً إذا قال: والله لأخرجن زكاتي هذا العام فلا يسمى هذا نذراً؛ لأن زكاته واجبة عليه، أما إذا قال: والله لأتصدقن في هذا الشهر بألف من غير الزكاة، فهذا نذر؛ لأنه زائد عن الزكاة.
النذر مكروه؛ لأن النبي ﷺ نهى عن النذر وقال: (إنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل) ، يعني: أن النذر لا يغير شيئاً من الحقائق، ولا يغير شيئاً من قدر الله، خلافاً لما يعتقده بعض العامة من أن النذر يصير سبباً في إجابة الدعاء، أو سبباً في شفاء المريض، أو سبباً في كثرة الرزق، أو سبباً في حصول الخير؛ فيعقد نذوراً، فيقول مثلاً: لله علي إن نجحت في الاختبار أن أتصدق بمائة، ويظن أن الله لا ينجحه إلا إذا تصدق.
أو يقول: إن شفى الله مريضي فلله علي أن أذبح شاة وأن أتصدق بلحمها، ويظن أن الله لا يشفي مريضه إلا إذا نذر أن يتصدق، أو يقول مثلاً: لله عليَّ إن ربحت في هذه التجارة أن أتصدق بنصف الربح، ويظن أن الله لا يربح تجارته إلا إذا كان سيتصدق، وهذا خطأ؛ لأن الله تعالى قدر المقادير، وإذا أردت أن تتصدق بنصف الربح أو بربعه أو أن تذبح هذه الشاة فافعل ذلك من دون أن تلزم نفسك، ومن دون أن تعلق بهذا الأمر المستقبل، فإنه لا يأتي بخير، ولا يقدر شيئاً، وإنما يستخرج به من البخيل، كأن هذا البخيل لم يكن ليتصدق إلا إذا نجح أو إذا ربح أو إذا شفي أو ما أشبه ذلك.
стр. 2057
أنواع النذر
النذر المنعقد ستة أنواع: الأول: النذر المطلق الذي لم يعلق، كأن يقول: لله علي نذر إن فعلت كذا.
وليس له نية، فهذا كفارته كفارة يمين إن فعله، فلو قال: لله علي نذر إن ضربت فلاناً أو إن اغتبت فلاناً، فعليه كفارة يمين إن فعله، أو: لله علي نذر إن سافرت في هذا اليوم أو إن ركبت هذه السيارة، ولم يذكر مقدار النذر، فهذا نذر مطلق، فعليه كفارة يمين إذا فعله.
الثاني: نذر لجاج وغضب، وهو تعليقه بشرط يقصد المنع منه أو الحمل عليه، كأن يقول: إن كلمتك فعلي كذا، فيخير بين فعله وكفارة يمين، هذا نذر اللجاج والغضب، لأنه يصير بين اثنين عند الغضب والخصومات ورفع الأصوات، فيقول أحدهما: إن كلمتك فأنا يهودي، أو إن كلمتك أقتل ولدي أو أخرج من مالي، أو أخرج نصف مالي.
يكون هذا بسبب الغضب.
أو يعقد فعلاً كأن يقول مثلاً: إن لم أقتل شاتك فأنا ابن زنا، أو أنا لست بمسلم أو ما أشبه ذلك، يسمى هذا نذر اللجاج والغضب، ففيه الكفارة إلا إن فعله.
واختلف فيما إذا قصد فعلاً كبيراً كأن يقول مثلاً: إن لم أضرب ولد فلان فعلي صيام شهرين أو صيام سنة، ولم يقصد إلا أن يلزم نفسه، والصحيح أن عليه كفارة يمين إلا إذا وفى بنذره.
هذا نذر لجاج وغضب، يعلقه بشرط يقصد المنع منه أو الحمل عليه، فالمنع منه كأن يقول مثلاً: إن أكرمت فلاناً، أو إن أدخلته بيتي، أوإن زرته في بيته؛ فعلي أن أخرج من مالي أو أن أصوم سنة، أو أن أحج ماشياً، ويقصد بذلك منع نفسه، ولا يقصد التصدق بماله كله، ففي هذه الحال متى ما حنث فعليه كفارة يمين.
والحمل عليه كأن يقول: إن لم أضرب فلاناً أو لم أضرب ولده، أو إن لم أذبح بعيره أو أعقر فرسه فعلي صيام شهر أو شهرين أو أن أخرج من مالي، أو يقول: أنا لست ابن أبي أو ما أشبه ذلك، كل هذا فيه كفارة يمين.
القسم الثالث: النذر المباح، إذا قال: لله علي أن ألبس ثوباً من كذا أو نحو ذلك، فهذا مباح، وإن لم يفعله فعليه كفارة، ويخير بين فعله وبين الكفارة.
إذا قال مثلاً: لله علي ألا ألبس ثوباً إلا ثوباً جديداً، أو ألا ألبس ثوباً بأقل من مائة أو بأقل من مائتين، لله علي ألا ألبس حذاء إلا من خرازة فلان، أو إلا ما قيمته مائة أو مائتان، لله علي ألا آكل إلا لحم سمك من نوع كذا وكذا، أو ألا آكل إلا من لحم الدجاج الذي نوعه كذا وكذا، أو لله علي ألا آكل إلا خبزاً مرققاً وما أشبه ذلك، فهذا نذر مباح، إذا لم يفعله فعليه الكفارة، وإن فعله بر في نذره.
الرابع: النذر المكروه كالطلاق ونحوه، فالتكفير فيه أولى، فإذا قال: لله علي ألا أكلم فلاناً، الأولى له أن يكلمه ويكفر، وإذا قال: لله علي ألا أكرم فلاناً، فالأولى أن يكرمه ويكفر، فإن إكرامه خير، وكذلك لو قيل له: إن فلاناً اغتابك، فقال: لله علي أن أغتابه كما اغتابني، فعليه أن يكفر ولا يغتابه، وكذلك كل فعل فيه إسراف أو إفساد فلو قال: لله علي ألا ألبس ثوباً إلا بمائتين أو بخمسمائة، ففي هذا شيء من الإسراف وهو مكروه، أو أن يفعل شيئاً مكروهاً كغيبة أو نميمة فيترك ذلك ويكفر عن يمينه، أو كذلك: لله علي أن أطلق امرأتي في هذا الشهر، فعليه أن يكفر ولا يطلق.
الخامس: نذر المعصية، وفعله محرم، وعليه كفارة، قال رسول الله ﷺ : (من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه) ، وقال ﷺ : (لا نذر في معصية الله، وكفارته كفارة يمين) فإذا نذر وقال: الله علي أن أشرب الخمر في هذا الشهر أو في هذا اليوم، أو أن أزني بفلانة، أو أن ألوط بفلان، هذا محرم، أو علي أن أشتري في هذا الأسبوع أشرطة الغناء أو أفلام الصور.
فلا يجوز له الوفاء، بل يجب عليه الكفارة.
السادس: نذر التبرر، يعني: نذر فعل فيه طاعة وبر، ولا شك أن البر مأمور به، قال ﷺ : (من نذر أن يطيع الله فليطعه) فكما أن نذر المعصية يحرم الوفاء به، فنذر الطاعة يجب الوفاء به، وقد مر في كتاب التوحيد باب: من الشرك النذر لغير الله، وسبب ذلك أن المشركين والقبوريين ينذرون للأموات وللسادة، ويرجون بالنذر لهم حصول خير، فيقول أحدهم: إن شفيت من هذا المرض فعلي أن أسرج قبر السيد الفلاني أسبوعاً أو يومين، فيجعل عليه سراجاً طوال الليل، أو يقول: إن ربحت في هذه التجارة فعلي أن أذبح شاة عند قبر السيد البدوي مثلاً، أو إن ولد لي ذكر فعلي أن أهريق على قبر السيد فلان زيتاً أو سمناً تكريماً للسيد، فهذا نذر معصية، والدليل على أنه نذر معصية ما جاء في هذا الحديث: (من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه) ، وهذا تعظيم لهذا القبر ولهذا الميت، والتعظيم لا يصلح إلا لله، ففي هذه الحال يكفر عن نذره، ولا يفعل هذا الشيء الذي هو من الشرك.
وكذلك إذا نذر الاعتكاف عنده، فإذا قال: إن شفيت من هذا المرض أو شفي ابني، أو قدم غائبي أو ربحت تجارتي؛ فعلي أن أعتكف عند قبر فلان يومين أو ثلاثة أو أن أصلي عند قبره صلاتين أو ثلاث صلوات، أو أقرأ عند قبره جزءاً أو جزئين، فهذا يعتبر شركاً؛ لأنه تعظيم لهذا الميت، والميت لا يجوز تعظيمه التعظيم الذي لا يصلح إلا لله، والاعتكاف عبادة لله، فإذا نذر الإنسان أن يعتكف لله لزمه الوفاء؛ لأنه نذر طاعة، وقد ثبت في الصحيح عن عمر ﵁ قال: (يا رسول الله! إني نذرت أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، فقال: أوفِ بنذرك) ، فمن نذر نذر تبرر كصلاة وصيام واعتكاف لقصد التقرب مطلقاً أو معلقاً بشرط فإن عليه الوفاء بذلك.
المطلق: مثاله أن يقول: لله علي أن أصوم في هذا الشهر ثلاثة أيام، أو لله علي أن أصوم في هذه السنة من كل شهر ثلاثة أيام، أو لله علي أن أتصدق في هذا الشهر بمائة ريال أو في هذا الأسبوع بخمسين ريالاً، أو كل يوم من هذا الأسبوع بخمسة ريالات، أو لله علي أن أصلي في هذه الليلة عشر ركعات، هذا نذر عبادة مطلق، فيجب عليه أن يوفي به؛ لهذا الحديث.
أما إذا كان معلقاً بشرط فلا يلزمه الوفاء إلا إذا وجد الشرط، كأن يقول: لله عليَّ إن شفى الله مريضي أن أتصدق بمائة، أما إذا قال: فلله علي أن أذبح شاة عند القبر الفلاني، فلا يجوز الوفاء به وعليه كفارة يمين.
علق النذر على شفاء المريض: إن شفى الله مريضي، أو إن قدم غائبي، أو إن ربحت في تجارتي، أو إن سلمت من كيد فلان، فلله علي أن أصوم كذا، أو أن أتصدق بكذا، أو أعتكف كذا، أو أقرأ كذا أو ما أشبه ذلك، فإن كان النذر فيه شيء من الضرر فلا يوفي به، بسبب ذلك الضرر.
وقد جاء في قصة أبي إسرائيل: (أن النبي ﷺ رآه قائماً في الشمس فسأل عنه، فقالوا: إنه نذر ألا يقعد ولا يستظل، ولا يتكلم، ويصوم، فقال للناس: مروه أن يتكلم، وأن يجلس، وأن يستظل، ويتم صومه) لأن هذا تعذيب للنفس، والاستظلال فيه راحة للنفس، وكونه يقف في الشمس ولا يقعد فيه تعذيب للنفس.
وكذلك أخت عقبة نذرت أن تحج من المدينة إلى مكة ماشية حافية على قدميها غير منتعلة، فكونها تمشي عشرة أيام على قدميها حافية فيه مشقة، فقال النبي ﷺ لأخيها: (إن الله لا يفعل بتعذيب أختك نفسها شيئاً -يعني: أن الله غني عن تعذيبها نفسها- مرها أن تمشي وتركب) أي: تركب إذا تعبت، وتمشي إذا قدرت، ولو ركبت المسافة كلها ما كان عليها إلا كفارة يمين فالحاصل أن نذر التبرر كأن يقول: لله علي أن أصلي في هذه الليلة عشر ركعات، أو أن أصوم في هذا الشهر ثلاثة أيام، أو أن أعتكف في هذا الشهر ثلاثة أيام بقصد التقرب؛ فعليه الوفاء، أو يقول: إن شفى الله مريضي فلله علي أن أتصدق بكذا، أو إن ربحت تجارتي، أو إن نجح أولادي، أو إن قدم غائبي فلله علي أن أتصدق بكذا أو أن أصوم كذا، فإن هذا نذر طاعة.
стр. 2058
من نذر الصدقة بكل ماله أجزأه ثلثه
وقوله: (ومن نذر الصدقة بكل ماله أجزأه ثلثه) وذلك لقصة سعد لما قال: (أأتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا، قال: فالشطر؟ قال: لا، قال: فالثلث؟ قال: الثلث والثلث كثير) ، فإذا نذر أن يتصدق بجميع ماله كفاه الثلث وليس عليه كفارة.
ودليل ذلك أيضاً قصة كعب لما قال: إن من توبتي أن أنخلع من جميع مالي -يعني: أخرج منه- فقال له: (لا تفعل) فقال: إني إمسك سهمي الذي في خيبر، فهذا يدل على أنه يجوز أن يمسك بعضه ولو أنه نذر أن يتصدق به كله.
ومن نذر أن يصوم شهراً فقال: لله علي أن أصوم في هذه السنة شهراً، فكيف يصوم؟ يصوم شهراً هلالياً من الهلال إلى الهلال حتى ولو كان ذلك الشهر تسعة وعشرين يوماً، فلابد من التتابع، أما لو قال: لله علي أن أصوم ثلاثين يوماً، ففي هذه الحال يجوز له أن يفرق فيحسب ثلاثين يوماً ولو أن يصوم يوماً بعد يوم.
стр. 2059
الوفاء بالوعد
يقول: (وسن الوفاء بالوعد) إذا وعد الإنسان فإنه يتأكد في حقه الوفاء بوعده، والوفاء بالوعد من صفات المؤمنين، وخلف الوعد من صفات المنافقين، ويحرم الخلف بالوعد بلا استثناء، أما إذا قال: سآتيك إن شاء الله، ثم لم يأته فلا يأثم أو قال: سأوفيك إن شاء الله ولم يوفه فلا يأثم، بخلاف ما إذا جزم فقال: لأوفينك أو لآتينك في هذا اليوم فلم يأته فإنه يأثم، والله أعلم.
стр. 2060
شرح أخصر المختصرات [٨٤]
لقد جبل ابن آدم على حب الأثرة، وفطرت النفوس على الحرص، وهذا قد يدفع إلى ظلم الآخرين والتعدي على حقوقهم بغياً وعدواناً، ولذا كان الناس بحاجة ماسة إلى قاضٍ يؤدي الحقوق إلى أهلها.
وقد اهتم العلماء ببيان ما يجب على القاضي وما يحرم، وبيان كيفية القضاء وآدابه وأحكامه، وكذلك بينوا شروط الدعوى وآدابها وأحكامها.
стр. 2061
القضاء
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [كتاب القضاء: وهو فرض كفايةٍ كالإمامة، فينصب الإمام بكل إقليمٍ قاضيًا، ويختار أفضل من يجد علمًا وورعًا، ويأمره بالتقوى وتحري العدل، وتفيد ولاية حكمٍ عامة فصل الخصومات، وأخذ الحق ودفعه إلى ربه، والنظر في مال يتيمٍ ومجنونٍ وسفيهٍ وغائبٍ، ووقف عمله ليجري على شرطه وغير ذلك.
ويجوز أن يوليه عموم النظر في عموم العمل، وخاصاً في أحدهما أو فيهما.
وشرط كون قاضٍ بالغًا، عاقلًا، ذكرًا، حراً، مسلمًا، عدلًا، سميعًا، بصيرًا، متكلمًا، مجتهدًا ولو في مذهب إمامه.
وإن حكم اثنان بينهما رجلاً يصلح للقضاء نفذ حكمه في كل ما ينفذ فيه حكم من ولاه إمام أو نائبه.
وسن كونه قوياً بلا عنف، ليناً بلا ضعف، حليماً متأنياً، فطناً عفيفاً، وعليه العدل بين المتحاكمين في لفظه ولحظه، ومجلسه ودخول عليه.
وحرم القضاء وهو غضبان كثيرًا، أو حاقنٌ، أو في شدة جوعٍ أو عطشٍ، أو همٍّ، أو مللٍ، أو كسلٍ، أو نعاسٍ، أو بردٍ مؤلمٍ، أو حرٍ مزعج، وقبول رشوةٍ وهديةٍ من غير من كان يهاديه قبل ولايته، ولا حكومة له.
ولا ينفذ حكمه على عدوه، ولا لنفسه، ولا لمن لا تقبل شهادته له.
ومن استعداه على خصمٍ في البلد بما تتبعه الهمة لزمه إحضاره، إلا غير برزةٍ فتوكّل كمريضٍ ونحوه، وإن وجبت يمينٌ أرسل من يحلفها.
فصل: وشرط كون مدعٍ ومنكرٍ جائزي التصرف، وتحرير الدعوى، وعلم مدعًى به إلا فيما نصححه مجهولًا كوصيةٍ.
فإن ادعى عقدًا ذكر شروطه، أو إرثًا ذكر سببه، أو محلى بأحد النقدين قومه بالآخر، أو بهما فبأيهما شاء.
وإذا حررها، فإن أقر الخصم حكم عليه بسؤال مدعٍ، وإن أنكر ولا بينة فقوله بيمينه، فإن نكل حكم عليه بسؤال مدعٍ في مالٍ وما يقصد به.
ويستحلف في كل حق آدمي سوى نكاحٍ ورجعةٍ ونسبٍ ونحوها، لا في حق الله كحد وعبادةٍ.
واليمين المشروعة لا تنعقد بالله وحده أو بصفته.
ويحكم بالبينة بعد التحليف.
وشرط في بينة عدالةٌ ظاهرًا، وفي غير [عقد] نكاحٍ باطنًا أيضًا.
وفي مزك معرفة جرحٍ وتعديلٍ، ومعرفة حاكم خبرته الباطنة، وتقدم بينة جرح.
فمتى جهل حاكم حال بينة طلب التزكية مطلقاً، ولا يقبل فيها وفي جرح ونحوهما إلا رجلان، ومن ادعى على غائب مسافة قصر، أو مستتر في البلد، أو ميت، أو غير مكلف وله بينة سمعت وحكم بها في غير حق الله تعالى، ولا تسمع على غيرهم حتى يحضر أو يمتنع، ولو رفع إليه حكم لا يلزمه نقضه لينفذه لزمه تنفيذه، ويقبل كتاب قاض إلى قاض في كل حق آدمي، وفيما حكم به لينفذه، لا فيما ثبت عنده ليحكم به إلا في مسافة قصر] .
стр. 2062
أهمية القضاء
ذكر الفقهاء القضاء في آخر كتاب الفقه، وذكروا الشهادة والإقرار؛ لأنها التي يعتمد عليها القاضي؛ ولأن الغالب أن الإنسان إذا تمت عليه النعمة، بأن حصل على المال، وحصل على النكاح، فلا يؤمن أن يتعدى على غيره، وأن يغلبه الطمع في حق الغائب؛ ولذا تكثر الخصومات والمرافعات، فتجد عند القضاة عدة قضايا؛ وذلك من آثار الاعتداء، ومن آثار الطمع، ومن آثار الظلم، ولو أن كلاً اقتصر على حقه لاستراح القضاة ونحوهم، وهكذا لو أن الإنسان تورع عن الشيء المشتبه وتركه ولم يطالب به عندما يكون الحق الذي يدعيه ليس شيئاً واضحاً؛ إذاً لقلت الخصومات ولقلت القضايا.
ولما كانت الخصومات واقعية، وكانت المرافعات والمنازعات منتشرة في كل البلاد غالباً، وكان هناك اعتداءات ومظالم وأخذ للحقوق بغير حق؛ احتيج إلى نصب القضاة ليحكموا بين الناس.
وقد كان من الأنبياء قضاة، مثل: داود، قال الله تعالى في سورة ص: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص:٢٦] (بين الناس بالحق) يعني: عندما يتخاصمون، جعله الله خليفة في الأرض وأمره أن يحكم بين الناس.
وكذلك أمر الله نبيه محمداً ﷺ بالحكم حتى بين اليهود، وخيره في ذلك القضاء: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة:٤٢] ثم قال: ﴿وَأَنْ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ﴾ [المائدة:٤٩] فأمره الله أن يحكم بينهم بالعدل أي: بالقسط، وأمر الله الحكام عموماً بالعدل في قوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء:٥٨] وفي سورة النحل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ [النحل:٩٠] أي: بالمساواة وإعطاء كل ذي حق حقه وأخذ المظلمة من الظالم، والانتصار للمظلوم ونصره على من ظلمه.
ونصر الظالم بنصيحته، قال النبي ﷺ : (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، قالوا: يا رسول الله! أنصره إذا كان مظلوماً، فكيف أنصره ظالماً؟ قال: تمنعه وتحجزه عن الظلم، فذلك نصرك إياه) أي: تأخذ على يديه وتمنعه من أن يأخذ ما لا يستحقه، وتمنعه من الاعتداء عليه، وتخبره بأن ما أخذه من حق مسلم وهو لا يستحقه فإنه يؤخذ من حسناته يوم القيامة، قال ﷺ : (لتؤدن المظالم حتى ينتصر للشاة الجماء من الشاة القرناء) ، تؤدى المظالم حتى أن الشاة من الغنم إذا كانت جماء ليس لها قرون، ونطحتها التي لها قرون؛ فلابد أن الله تعالى يأخذ حق هذه من هذه، وإذا كان هذا بين البهائم مع أنها لا تكليف عليها، فبطريق الأولى الإنسان المكلف الذي هو بالغ وعاقل، ومع ذلك من الناس من يأخذ حق غيره فيعتدي على ما ليس له ويظلم الناس؛ ولذلك قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الشورى:٤٢] السبيل، يعني: الحجة عليهم، فمنهم من يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق، والذي يحملهم على هذا البغي ضعف إيمانهم؛ ولو كانوا مؤمنين حقاً لحجزهم إيمانهم عن الاعتداء على حق مسلم بغير حق، وقد يحملهم على البغي السرف وحب المال والطمع في الاستكثار، ولا شك أن هذا مما يحمل كثيراً من الناس على أن يعتدي على حق أخيه فيأخذه بغير حق، فيكون بذلك ظالماً ومسيئاً في أخذ ما لا يستحقه.
стр. 2063
الورع عن حقوق الناس
ومما يحمل على البغي قلة الورع، والورع: هو التوقف عن الشيء المشتبه، وقد كان السلف ﵏ يحملهم الورع والخوف على ترك الاعتداء وترك الشيء المشتبه، بل إذا كان هناك شيء مشتبه يخشون أن فيه حراماً أو أنه قريب من الحرام تركوه كله، وقد كتب الإمام أحمد ﵀ رسالة صغيرة مطبوعة، إذا قرأتها تعرف ما كان عليه الإمام أحمد وغيره من أهل زمانه من شدة التورع عن أخذ ما ليس بحق له.
فإذا عرف الإنسان أن هذا حق مسلم، فعليه أن يتجنبه، ولا يأخذ ما لا يستحقه ظلماً، فإنه ولابد سينتقم منه وسيؤخذ منه، قال النبي ﷺ : (أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: إن المفلس من يأتي يوم القيامة بأعمال كثيرة ويأتي وقد ظلم هذا، وأخذ مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيؤخذ لهذا من حسناته، ولهذا من حسناته، فإذا فنيت حسناته أخذ من سيئات المظلومين فطرحت عليه، ثم قذف في النار) .
لابد أن يؤخذ للمظلوم من الظالم حتى ولو دخل الجنة، وقد ورد في الحديث: (إنهم إذا نزلوا من الصراط وقفوا على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعض في مظالم كانت بينهم، فإذا هذبوا ونقوا أذن لهم بدخول الجنة) أي: لا يدخلون الجنة وبينهم أحقاد، وبينهم مظالم، وبينهم شحناء وعداوات، بل يدخلون الجنة بعدما تصفى قلوبهم، قال تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر:٤٧] أي: ما كان بينهم في الدنيا من الأحقاد، لا يدخلون الجنة إلا وقد صفت منها قلوبهم، وسلموا من الظلم.
ولذلك نقول: إن على المسلم أن يتورع عن حق إخوانه، فإن الاعتداء عليهم حرام، وفي خطبة النبي ﷺ في حجة الوداع قال: (إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا) أي: محرم بعضكم على بعض أن يعتدي أحد على أحد، وفي حديث آخر قال: (كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه) ، ولكن هناك من لا يبالي في الاعتداء على حق أخيه، فيضربه بغير حق، أو يقتله ظلماً، أو ينتهبه، أو يختلس منه، أو يستولي على شيء من حقه فيأخذه ظلماً وعدواناً، وهذا بلا شك من الظلم، وإذا كان كذلك فلابد أن يؤديه في الدنيا، فإن لم يؤده طوعاً أداه كرهاً وذلك إذا حكم عليه الحاكم بأنه ظالم، وأن عنده من الحقوق لإخوانه كذا وكذا، فيحكم عليه بدفع تلك المظلمة وإعطائها لمستحقها كرهاً ولو بحبس أو بجلد حتى يؤدي الحقوق لمستحقيها؛ ولهذا نصب القضاة والحكام ونحوهم.
стр. 2064
حكم تنصيب القضاة وصفاتهم
نصب القضاة فرض كفاية، أي: يكفي في البلد قاض واحد إذا كان يقوم بفصل الخصومات، وإن عجز ضم إليه ثانياً وربما ثالثاً أو أكثر من ذلك ولو عشرة أو عشرين إذا كانت البلد مترامية الأطراف.
وهكذا أيضاً إذا كثرت الخصومات وكثرت المنازعات، فإن على ولي الأمر أن ينصب في كل قطر قاضياً، وهذا فرض كفاية كالإمامة التي هي الخلافة، فنصب ملك يتولى أمور المسلمين من أمور الكفاية، والإمام الذي هو الملك مسئول عن نصب القضاة، فعليه أن ينصب في كل إقليم قاضياً، أي: في كل قطر وفي كل جهة ينصب قاضياً إذا كان كافياً، فإن لم يكف زيد بقدر الكفاية.
(ويختار أفضل من يجد علماً وورعاً) : وذلك لأن القاضي يتولى أمور الناس ويسمع أقوالهم، فلابد أن يكون عالماً، أما إذا كان جاهلاً فإنه لا يعرف الحكم، ولا يدري ما يحكم به، فيكون بذلك غير قائم بما أوجب الله، والعالم هو: العالم بكتاب الله تعالى وبسنة نبيه ﷺ وبالأحكام وبالآثار عن الصحابة ﵃ في أمور القضاء وما إلى ذلك.
وكذلك يتصف بالورع، فيكون تاركاً للمشتبهات، بحيث إنه يتورع عن أن يظلم أحداً، وإذا لم يكن ورعاً خشي أن يميل مع هذا لصداقته، ومع هذا لقرابته، ومع هذا لمعاملته، فيظلم الناس بغير موجب، ويظلم الناس للناس، يعني: يظلم هذا لأجل هذا ولا مصلحة له هو إذا لم يكن ورعاً، فلابد أن يكون من أهل الورع حتى يحمله ورعه على أن يحكم بالعدل.
(ويوصيه الوالي بالتقوى وتحري العدل) ، والتقوى كلمة جامعة يدخل فيها فعل الأوامر وترك الزواجر، فعل الخيرات وترك المنكرات، وهي مشتقة من التوقي، وهو أن يجعل بينه وبين الحرام وقاية، فيقول: عليك بتقوى الله، أي: الخوف منه ومن عقوبته، ويقول أيضاً كما في الحديث: (اتق دعوة المظلوم) ، هكذا أوصى النبي ﷺ معاذاً، يعني: توقها فلا تظلم أحداً لنفسك ولا لغيرك، قاله لـ معاذ عندما أرسله إلى اليمن داعياً وجابياً وقاضياً وهادياً، أرسله بأربع وظائف، فأرسله للدعوة إلى الله، فقال: (فليكن أول ما تدعوهم إليه: شهادة أن لا إله إلا الله) ، وأرسله جابياً الزكاة أي: جامعاً للزكوات ونحوها قال له: (إياك وكرائم أموالهم) ، وأرسله قاضياً وسأله: (كيف تقضي؟ قال: بكتاب الله) إلى آخره، وأرسله هادياً يعني: معلماً؛ وذلك لأنه من أعلم الصحابة، شهد له النبي ﷺ بذلك فقال: (أعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل) ، فلذلك أوصاه بالتقوى.
وكذلك يوصي الوالي القاضي أن يعدل بين الخصوم، ولا يظلم أحداً، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء:٥٨] .
стр. 2065
الولاية العامة والخاصة للقاضي
يقول: (تفيد ولاية حكم العامة فصل الحكومة وأخذ الحق ودفعه إلى ربه، والنظر في مال يتيم ومجنون وسفيه وغائب، ووقف عمله ليجري على شرطه وغير ذلك) .
الولاية إما أن تكون عامة وإما أن تكون خاصة، والولاية العامة كأن يقول: وليتك الولاية الفلانية ولاية عامة، بحيث أنه يوليه جميع أعمالها، والولاية الخاصة كأن يقول: وليتك فصل الخصومات، أو يقول: وليتك أخذ الحقوق من بعضهم لبعض، أو يقول: وليتك ولاية الأموال التي ليس لها مالك أو ما أشبه ذلك، فهذه تكون ولاية خاصة.
وفي هذه الأزمنة الغالب أن هناك ولايات خاصة حيث إن الحكومة تجعل لكل عمل والياً، فالقاضي يتولى فصل الخصومات، يقول: عندك يا هذا كذا، وعليك يا هذا كذا، والأمير يتولى التنفيذ، فيقول: يا فلان! سلم، ويا فلان خذ حقك، فيلزم هذا بأخذ وهذا بدفع، وهذا الذي يسمى منفذاً، وهناك ولايات أخرى، فمثلاً: الأوقاف لها ولاية، وهي الجهة التي تتولى الأوقاف، وتنفذ شروط الواقفين، وهناك ولاة يتولون على الأموال التي ليس لها مالك أو أموال السفهاء ينظرون فيها ويحفظونها، هذا إذا كان هناك عدة ولايات.
وإذا لم يتمكن الإمام أن يجعل لكل جهة والياً فإنه يولي القاضي ولاية عامة، فيقول: عليك أيها القاضي فصل الخصومات وعليك بعد ذلك التنفيذ، ألزم هذا بأن يدفع ما عنده حتى يأخذ الحق صاحبه ومستحقه، ولك أن تنظر في أموال القاصرين في هذه البلد من مجانين ويتامى وسفهاء وأموال غاب أهلها، فلا تترك هذه الأموال فيعبث بها السفهاء فتضيع وتفسد.
والذي يتولى النظر فيها القاضي، وله أن يوكل، فيقول: وكلت فلاناً على مال اليتيم الفلاني، وأنت على مال السفيه، وأنت على مال الغائب احفظ مال هذا الغائب كما تحفظ مالك، واتجر فيه كما تتجر في مالك؛ لأن القاضي قد يقول: أنا منشغل والأعمال كثيرة، فكيف أتولى هذا بنفسي؟! فيوكل من يراه كفؤاً يقوم مقامه ولو لم يأمره الإمام الذي هو الخليفة، لأجل ألا تضيع الأموال.
كذلك إذا كان في البلد أوقاف مثل عقارات أو نخيل، أو بهائم موقوفة كخيل أو نحوها، من الذي يتولى النظر فيها؟ القاضي، لكن إذا جعل هناك -كما في هذه المملكة- من يتولاها كوزارة الأوقاف أو نحوها فإنهم يتولونها ولا يلزم القاضي أن ينظر فيها؛ لأن الأوقاف قد يشرط أصحابها شروطاً، فيقولون مثلاً إذا كانت الأوقاف كتباً: لا تمنع ممن يستفيد، والوكيل عليها فلان، وبعده فلان، وبعده الصالح من الذرية، وهكذا أيضاً إذا كان الوقف عقاراً، أو شجراً، أو دواب، كل ذلك في حاجة إلى أن يتولاه من يقيمة ومن ينظر فيه.
(ويجوز أن يوليه عموم النظر في عموم العمل وخاصاً في أحدهما أو خاصاً فيهما) : مثال عموم النظر في عموم العمل أن يقول الملك لإنسان: وليتك عموم النظر في عموم عملي، أي: ما تحت ولايتي، ولو اتسعت الولاية فله أن يقول: هذه المملكة الواسعة، وقد وليتك عموم النظر، فلك أن تفصل، ولك أن توظف، ولك أن توقف، ولك أن تنفذ، ولك أن تعمر، ولك أن تنقل، لك عموم النظر، فهذا الذي ولاه عموم النظر له أن يوظف من يراه صالحاً، وله أن يعزل من يريد عن قضاء، أو عن إمامة، أو عن خطابة، أو عن تدريس، أو عن وعظ ودعوة، أو ما أشبه ذلك من العمل في جميع المملكة، هذا عموم النظر في عموم العمل، فيقول: وليتك عموم النظر في منطقة الأحساء، فهذا الذي ولاه عموم النظر له في هذه المنطقة أن يوظف وأن يعزل، وأن يغير، وأن ينقل، وأن يعمر مساجد، ويعمر مدراس، فيعين فيها من يريد في هذه المنطقة وحدها، وكذلك له أن يغير بعض الأشياء التي تحتاج إلى تغيير، فإذا كان هناك أوقاف تعطلت فله أن يبيعها وينقلها إلى جهة أخرى، وله أن يقضي، وله أن ينقل، وله أن يعلم، وله أن يوكل من يعلم، يعني: عموم النظر في هذه المنطقة في خاص دون العمل.
وله أن يوليه عموم العمل في خاص منهما، بأن يقول: وليتك القضاء في جميع المملكة، هذا خاص في عمل عام، عرفنا أن العمل هو المملكة، وأن النظر هو جهة من جهاتها، فقال: وليتك جميع المملكة في النظر في القضاة، أو النظر في الأئمة، أو النظر في الخطباء، أو النظر في المعلمين، أو النظر في الدعاة، في خصوص النظر في عموم العمل، ففي هذه الحال يتصرف فيما حدد له، هذا معنى: خاص بأحدهما، ومثال الخاص مثلاً: إذا قال: لك النظر في القضاة في منطقة القصيم، فهذا خاص في خاص، أما عام في عام: لك النظر في المملكة كلها في جميع ما تأمر به، هذا عام في عام، أما إذا كان نظراً في عموم، فمثل ما ذكرنا، وهو: النظر في المملكة في جميع الأحوال، وأما نظر في خاص، أي: في منطقة، وأما خاص في عام، مثل أن يقول: لك النظر في هذه المنطقة في جميع ما تأمر به.
فالحاصل: أنه يجوز أن يوليه عموم النظر في عموم العمل أو خاصاً في أحدهما أو فيهما.
стр. 2066
شروط القاضي
قال ﵀: (يشترط كون القاضي بالغاً عاقلاً ذكراً حراً مسلماً عدلاً سميعاً بصيراً متكلماً مجتهداً ولو في مذهب إمامه) .
يعني: أنه إذا كان صغيراً دون البلوغ فإنه قد ينخدع؛ وذلك لأنه لم يتكامل عقله، ولم تتكامل معرفته، فلابد أن يكون قد بلغ، ويجوز إذا كان قد بلغ، وذكروا أن معاذاً ولاه النبي ﷺ اليمن وعمره نحو العشرين أو ثمانية عشر، وكذلك كثير من الذين تولوا في عهد الصحابة وغيرهم تولوا القضاء وهم صغار؛ وذلك لأن الذي ولاهم عرف فيهم الكفاءة فولاهم وقاموا بالعمل كما ينبغي.
الشرط الثاني: أن يكون عاقلاً، وضده المجنون، فاقد العقل، فكيف يعرف أن يتصرف؟ وكيف يعرف ما يحكم به؟ الشرط الثالث: الذكورية، لما قيل للنبي ﷺ : إن فارس ولوا ابنة ملكهم، فقال: (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) المرأة كما ورد في الحديث ناقصة عقل ودين، فلا تتولى مثل هذا، وأيضاً فإن المرأة وظيفتها الاستحياء والاحتشام والتستر، والقاضي يلزمه أن يكون بارزاً للناس، يتوافد إليه الخصوم، فيجلسون إليه ويدلون بحججهم، فلا يكون القاضي امرأة؛ لأنه يلزم من ذلك أن تبرز للناس وذلك ينافي أنوثتها.
الشرط الرابع: الحرية؛ لأن المملوك مستولى عليه، بمعنى: أنه مملوك لسيده ومنافعه له، فلا يمكن أن يتولى، لكن لو أذن له سيده وكان كفؤاً عالماً عاقلاً بالغاً مسلماً عدلاً، وفرغه للقضاء، وكان أهلاً؛ فإنه يصلح، وتكون أجرته ومرتبه لسيده.
الشرط الخامس: الإسلام، فلا يجوز أن يولى القضاء كافراً ولو كان عالماً عارفاً بالأحكام؛ لأنه يحكم للمسلمين، حتى وإن كان قد يحكم لغيرهم إذا كانوا معهم، فلا يكون إلا من المسلمين.
الشرط السادس: العدالة، أن يكون عدلاً، يخرج بهذا المتظاهر بالمعصية، فإنه لا يصلح أن يتولى القضاء أياً كانت تلك المعصية، سواء كان يشرب الخمر، أو يشرب الدخان، أو يحلق لحيته، أو يسمع الغناء، أو يترك الصلاة، أو يتأخر عن صلاة الجماعة، أو ما أشبه ذلك، وكذلك أيضاً إذا كان يتعامل بالربا، أو يأخذ الرشوة، فكل ذلك يقدح في عدالته، فلا يجوز أن يتولى مثل هذا قضاء المسلمين.
الشرط السابع: أن يكون سميعاً، فالأصم لا يدري ما الناس يقولون؛ وذلك لأنه لابد أن يسمع كلام هذا الخصم ثم كلام الخصم الثاني، فإذا كان أصم فكيف يسمع؟ الشرط الثامن: البصر، حتى يعرف سيما هذا وسيما هذا؛ لأنه إذا كان ضريراً لبس عليه، وقد يأتيه إنسان على أنه فلان وليس هو، والصحيح: أنه يجوز أن يكون القاضي ضريراً؛ لأن العادة أن الضرير يكون معه فطنة وفهم ومعرفة بأصوات الناس، فهو يميز بين الصادق والكاذب، وكذلك يعرف الأصوات ويميز بين صوت فلان وفلان.
الشرط التاسع: أن يكون متكلماً، فلا يصح أن يكون أخرس لا ينطق، كيف يعرف الناس حكمه إذا كان أخرس؟ ليس كل الناس يعرف إشارات الأخرس، إذا أشار بكذا وبكذا بأصابعه لم يفهمه كل أحد، إذاً: لابد أن يكون متكلماً.
الشرط العاشر والأخير: أن يكون مجتهداً ولو في مذهب إمامه.
الاجتهاد قسمان: اجتهاد مطلق، واجتهاد مقيد، فالاجتهاد المطلق هو الذي يقدر أن يعرف الحكم الذي هو الصواب بدليله، فيستطيع أن يعرف الأدلة ويستخرجها من أصولها، وذكر المتأخرون أن الاجتهاد المطلق قد انقطع بعد انتهاء عصر الأئمة الأربعة، وأن من بعدهم لابد أن يرجع إلى أقوالهم، ولكن الصحيح أنه لم ينقطع، وأن الإنسان إذا أعطاه الله قدرة وملكة فإن له أن يجتهد، ويأخذ القول الصواب سواء كان عند هذا الإمام أو عند هذا، وقد ذكروا أن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كان مجتهداً؛ ولذلك خالف الأئمة الأربعة في عدة مسائل، مما يدل على أن الله أعطاه ملكة يقدر بها على معرفة الصواب ولو خالفه من خالفه.
وكذلك في عهد السيوطي في القرن التاسع وأول القرن العاشر ادعى أنه بلغ رتبة الاجتهاد المطلق، ولما ادعى ذلك أنكر عليه أهل زمانه، وأشد من أنكر عليه السخاوي، وقالوا: كيف تدعي الاجتهاد والاجتهاد قد انقطع؟ ولكن مؤلفاته فيها شيء كثير من الاختيارات، والغالب أنه لم يأخذ كل شيء عن مذهب الشافعي؛ لأنه شافعي المذهب، فهذا هو الاجتهاد المطلق.
وأما الاجتهاد المقيد فهو: أن يجتهد في مذهب الإمام الذي يقلده، إذا كان في المذهب عدة روايات كمذهب الإمام أحمد، ففي مذهب الإمام أحمد روايتان وثلاث روايات وأربع روايات، ففي هذه الحال إذا كان مجتهداً مقيداً فمعناه أنه يعرف الراجح من هذه الروايات، إذا نزلت به نازلة يستطيع أن يخرج دليلها وأن يخرج القول فيها من كتب العلماء الذي هو تبع لهم، من كتب الحنابلة إن كان حنبلياً، أو من كتب الشافعية إن كان شافعياً، يستطيع أن يخرجها.
وأما المقلد الذي هو غير مجتهد فإذا حصلت عليه قضية لا يعرف دليلها ولا يعرف الحكم، فيحتاج أن يسأل فيقول: يا فلان! عرضت علي قضية كذا وكذا، أخبرني كيف أقضي، كلما جاءته قضية توقف فيها حتى يسأل زملاءه أو أهل بلده، فهذا لا يسمى عالماً؛ لأنه يأخذ العلم عن غيره، ويأخذ القضاء عن غيره.
هذه شروط القاضي، وهي عشرة، وفي واحد منها خلاف، وهو اشتراط البصر.
стр. 2067
نفوذ حكم المحكم
يقول: (إن حكم اثنان بينهما رجلاً يصلح للقضاء نفذ حكمه في كل ما ينفذ فيه حكم من ولاه إمام أو نائبه) .
اثنان بينهما خصومة ونزاع، وطال ذلك النزاع، وكل يدعي أن الصواب معه، فاتفقا على رجل وأتيا إليه وقالا: نرى فيك الأهلية، وقد رضينا حكمك، دعنا نعرض عليك قضيتنا، هذه دعواي كذا وكذا، والثاني يقول: وأنا دعواي كذا وكذا.
فإذا سمع دعوى كل واحد منهما قال: أنتما حكمتماني، أنت يا فلان عندك كذا لصاحبك فأعطه حقه، هل ينفذ؟ ينفذ لأنهما حكماه ورضيا بحكمه واقتنعا به وقالا: قد جعلناك حكماً بيننا، قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء:٣٥] يعني: إذا طال النزاع بين الزوجين فللقاضي أو لأهلهما أن يبعثوا حكمين، يختار هؤلاء حكماً، ويختار هؤلاء حكماً، ثم يقول الحكمان: ماذا عندك يازوج؟ ماذا عندك يازوجة؟ فإذا سمعا منهما عند ذلك يحكمان، فيقولان: الحكم لك يا فلان والحكم عليك يا فلان، مثلاً: عليك أن تقنعي بدون حقك، وعلى وليك أن يدفع كذا أو ما أشبه ذلك، فالله تعالى أباح أن يحكم حكمان في هذا الأمر.
وكذلك قال تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة:٩٥] فأمر أن يحكم في الصيد حكمان.
اثنان بينهما خصومة، فاختارا رجلاً اسمه سعيد، فقالا: يا سعيد قد جعلناك حكماً بيننا؛ لأنك تصلح للقضاء، ولأنك من أهل المعرفة، ومن أهل العلم، احكم بيننا، فينفذ حكمه في كل شيء ينفذ فيه حكم من ولاه الإمام أو نائبه، يعني: في فصل الخصومات وفي قطع المنازعات.
стр. 2068
آداب القاضي
ما هي صفات القاضي التي ينبغي أن يتحلى بها من الأخلاق؟ قال: (يسن كونه قوياً بلا عنف، ليناً بلا ضعف، حليماً، متأنياً، فطناً، عفيفاً) ، هذه مما يشترط في صفات القاضي؛ لأنه إذا كان ضعيف الجانب، ليس له هيبة، وليس له سلطة؛ طمع فيه الظالم، ولبس عليه، بخلاف ما إذا كان مهيباً، ولكن لا تكون هيبته قوة شديدة بحيث يهابه صاحب الحق، ولا يقدر على أن ينطق بحق؛ لأن بعض القضاة يظهر شدة ويظهر قوة ويظهر اعتزازاً، فإذا رآه المظلوم أيس من حقه وقال: هذا متعجرف، وهذا متكبر، كيف آخذ حقي منه؟ هذا شديد لقوة كلامه ولصرامته، فلا يطمع في أخذ شيء من حقه، فيكون بذلك ظالماً، فلابد أن تكون قوته ليس فيها عنف وبطش.
وأن يكون ليناً ليس معه ضعف، فيكون لين الجانب، سهل الأخلاق، مسفر الوجه، طليقه، يتواضع مع الصغير والكبير، ولكن بحيث لا يطمع فيه أهل الظلم، فيغتنم دينه ويخدعه ويصرفه عن طريق الحق، لابد أن يكون ليناً ولكن لا يكون مع اللين ضعف شديد.
وأن يكون حليماً، فلا يعجل، وإذا تكلم عليه أحد لم يغضب ولم يشتد في كلامه، بل يغلبه الحلم.
وأن يكون متأنياً، والتأني هو التريث في الأمور وعدم العجلة، حتى يعرف الحق ويحكم به بعد أن يتضح دليله، بخلاف الذي يحكم بسرعة فإنه قد ينتقض حكمه؛ لأنه لا يكون عارفاً، فالعارف يتأنى في الأمور، ولا يتسرع، ولا يحكم إلا بعد ما يتتبع القضية من هذا ومن هذا.
ويسن أن يكون فطناً، أي: ذكياً، وإذا كان بليداً فإنه قد يعتقد الظالم محقاً ويحكم له، ولا يتفطن لحيلة، فإن الناس معهم حيل ومعهم أفكار قد يصرفون بها القاضي، حتى أن النبي ﷺ قال: (إنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم يكون ألحن من حجته من بعض فأقضي له بنحو مما أسمع، فمن قضيت له بحق أخيه فإنما أقطع له قطعة من النار فليأخذها أو ليدعها) وهذا أيضاً يدل على أنه يستحب للقاضي نصيحة الخصوم وتوبيخهم حتى يقنعوا، وحتى يرجع الظالم عن ظلمه، وحتى ينصرفوا وهم راضون عن القاضي.
وأن يكون عفيفاً، والعفيف هو الورع المتعفف عما لا يحل، والعفة تكون عن الحرام وتكون عن المشتبهات، فإذا كان يتعامل بالمشتبهات في بيعه أو في شرائه أو في تصرفه دخل عليه الخلل ودخل عليه العيب، ورمي بأنه يتجرأ على حقوق الناس، وبأنه يأخذ ما لا يحل، فيكون ذلك طعناً فيه فلا تقبل أحكامه ولا نصائحه.
стр. 2069
وجوب العدل بين المتخاصمين
قال: (وعليه العدل بين المتحاكمين في لفظه ولحظه ومجلسه ودخول عليه) العدل هو المساواة، والمتحاكمان هما المتخاصمان، عليه أن يعدل بينهما أي: أن يسوي بينهما في لفظه، فلا يلين في الكلام مع أحدهما والآخر يشدد عليه، بل يكلمهما سواء، فيعدل بينهما، أما كونه يلين مع واحد أو يساره فيتكلم معه سراً فإن هذا فيه حيد، فعليه أن يعدل بينهما في كلامه، ولا يكلم أحدهما سراً والآخر لا يسمع، فإن هذا يكون مطعناً عليه.
وكذلك في لحظه، أي: نظره، فإذا كان ينظر إلى واحد من المتخاصمين اتهمه الآخر، ويقول: كونه دائماً كان يحدق النظر إلى خصمي يدل على أنه مال معه، وأنه ظلمني بهذا الميل، فيكون ذلك سبباً في الطعن عليه، فلابد أن يلحظهما سواء.
وكذلك مجلسه، ورد في الشرع أن الخصمين يجلسان أمام القاضي، ولو كان أحدهما أميراً أو ثرياً أو كبيراً، يجلسان سواء بين يدي القاضي ولا يرفع مجلس أحدهما عن الآخر، بل يجلسهما سواء، فإن كانا على كرسيين سوى بينهما، وإن كانا على الأرض سوى بينهما، ولا يجلس أحدهما على فراش أحسن من الثاني، ولا أحدهما على الأرض والآخر على الفراش، بل يسوي بينهما في مجلسه.
كذلك يسوي بينهما في الدخول عليه، فيدخلان عليه سواء؛ لأنه لو دخل واحد وحجب الآخر اتهمه ذلك المحجوب، ويقول: دخل عليه وحده وأسر إليه وكلمه، وأنا حجبني ومنعني، وما أدخلني إلا بعد مدة، فلابد أن يدخلا عليه سواء، وذلك من العدل.
стр. 2070
متى يحرم القضاء ؟
يقول: (وحرم القضاء وهو غضبان كثيراً) في حديث أبي بكرة لما تولى ابنه القضاء كتب إليه: (إن رسول الله ﷺ نهى أن يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان) ؛ لأنه إذا كان غضبان كثيراً فقد لا يتصور المسألة، وقد يحمله غضبه على أن يميل مع أحدهما، فإذا غضب من أحدهما أجل القضية، وصرفهما إلى أن يذهب عنه غضبه، فيحكم بينهما في حالة هو فيها مقتنع بالحكم، قد ذهب عنه الغضب الشديد.
ولا يحكم وهو محتقن البول؛ لأنه يكون متكدر البال غير متأنٍ ولا متأمل لما يقول، وكذا إذا كان في شدة الجوع، فإذا كان جائعاً جوعاً شديداً فإنه في تلك الحالة لا يكون مطمئناً، ولا يكون متثبتاً؛ لأنه مع شدة ألم الجوع، وكذلك العطش؛ لا يكون متأنياً؛ يتمنى أن تنفصل القضية ليذهب ليأكل أو ليشرب.
أو في هم، فإذا جاءه هم وغم شديد فإنه لا يفكر في القضية، فلا يجلس للقضاء وهو مهموم.
وكذلك إذا كان في ملل، أي: تعب شديد بحيث إنه من آثاره لا يقبل على القضية.
وكذلك الكسل، وهو التثاقل في الأمور وعدم النشاط فيها.
وكذلك النعاس، فإذا كان في حالة نعاس، وهو بحاجة إلى أن يريح نفسه، فإذا قضى في تلك الحالة قد يكون القضاء غير محكم.
وهكذا إذا كان هناك برد شديد مؤلم أو حر شديد، بحيث إنه لا يطمئن في مجلسه لشدة الحر الذي يزعجه أو لشدة البرد الذي يزعجه.
следующие страницы →