Полный текст (2 153 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.
стр. 2066
شروط القاضي
قال ﵀: (يشترط كون القاضي بالغاً عاقلاً ذكراً حراً مسلماً عدلاً سميعاً بصيراً متكلماً مجتهداً ولو في مذهب إمامه) .
يعني: أنه إذا كان صغيراً دون البلوغ فإنه قد ينخدع؛ وذلك لأنه لم يتكامل عقله، ولم تتكامل معرفته، فلابد أن يكون قد بلغ، ويجوز إذا كان قد بلغ، وذكروا أن معاذاً ولاه النبي ﷺ اليمن وعمره نحو العشرين أو ثمانية عشر، وكذلك كثير من الذين تولوا في عهد الصحابة وغيرهم تولوا القضاء وهم صغار؛ وذلك لأن الذي ولاهم عرف فيهم الكفاءة فولاهم وقاموا بالعمل كما ينبغي.
الشرط الثاني: أن يكون عاقلاً، وضده المجنون، فاقد العقل، فكيف يعرف أن يتصرف؟ وكيف يعرف ما يحكم به؟ الشرط الثالث: الذكورية، لما قيل للنبي ﷺ : إن فارس ولوا ابنة ملكهم، فقال: (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) المرأة كما ورد في الحديث ناقصة عقل ودين، فلا تتولى مثل هذا، وأيضاً فإن المرأة وظيفتها الاستحياء والاحتشام والتستر، والقاضي يلزمه أن يكون بارزاً للناس، يتوافد إليه الخصوم، فيجلسون إليه ويدلون بحججهم، فلا يكون القاضي امرأة؛ لأنه يلزم من ذلك أن تبرز للناس وذلك ينافي أنوثتها.
الشرط الرابع: الحرية؛ لأن المملوك مستولى عليه، بمعنى: أنه مملوك لسيده ومنافعه له، فلا يمكن أن يتولى، لكن لو أذن له سيده وكان كفؤاً عالماً عاقلاً بالغاً مسلماً عدلاً، وفرغه للقضاء، وكان أهلاً؛ فإنه يصلح، وتكون أجرته ومرتبه لسيده.
الشرط الخامس: الإسلام، فلا يجوز أن يولى القضاء كافراً ولو كان عالماً عارفاً بالأحكام؛ لأنه يحكم للمسلمين، حتى وإن كان قد يحكم لغيرهم إذا كانوا معهم، فلا يكون إلا من المسلمين.
الشرط السادس: العدالة، أن يكون عدلاً، يخرج بهذا المتظاهر بالمعصية، فإنه لا يصلح أن يتولى القضاء أياً كانت تلك المعصية، سواء كان يشرب الخمر، أو يشرب الدخان، أو يحلق لحيته، أو يسمع الغناء، أو يترك الصلاة، أو يتأخر عن صلاة الجماعة، أو ما أشبه ذلك، وكذلك أيضاً إذا كان يتعامل بالربا، أو يأخذ الرشوة، فكل ذلك يقدح في عدالته، فلا يجوز أن يتولى مثل هذا قضاء المسلمين.
الشرط السابع: أن يكون سميعاً، فالأصم لا يدري ما الناس يقولون؛ وذلك لأنه لابد أن يسمع كلام هذا الخصم ثم كلام الخصم الثاني، فإذا كان أصم فكيف يسمع؟ الشرط الثامن: البصر، حتى يعرف سيما هذا وسيما هذا؛ لأنه إذا كان ضريراً لبس عليه، وقد يأتيه إنسان على أنه فلان وليس هو، والصحيح: أنه يجوز أن يكون القاضي ضريراً؛ لأن العادة أن الضرير يكون معه فطنة وفهم ومعرفة بأصوات الناس، فهو يميز بين الصادق والكاذب، وكذلك يعرف الأصوات ويميز بين صوت فلان وفلان.
الشرط التاسع: أن يكون متكلماً، فلا يصح أن يكون أخرس لا ينطق، كيف يعرف الناس حكمه إذا كان أخرس؟ ليس كل الناس يعرف إشارات الأخرس، إذا أشار بكذا وبكذا بأصابعه لم يفهمه كل أحد، إذاً: لابد أن يكون متكلماً.
الشرط العاشر والأخير: أن يكون مجتهداً ولو في مذهب إمامه.
الاجتهاد قسمان: اجتهاد مطلق، واجتهاد مقيد، فالاجتهاد المطلق هو الذي يقدر أن يعرف الحكم الذي هو الصواب بدليله، فيستطيع أن يعرف الأدلة ويستخرجها من أصولها، وذكر المتأخرون أن الاجتهاد المطلق قد انقطع بعد انتهاء عصر الأئمة الأربعة، وأن من بعدهم لابد أن يرجع إلى أقوالهم، ولكن الصحيح أنه لم ينقطع، وأن الإنسان إذا أعطاه الله قدرة وملكة فإن له أن يجتهد، ويأخذ القول الصواب سواء كان عند هذا الإمام أو عند هذا، وقد ذكروا أن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كان مجتهداً؛ ولذلك خالف الأئمة الأربعة في عدة مسائل، مما يدل على أن الله أعطاه ملكة يقدر بها على معرفة الصواب ولو خالفه من خالفه.
وكذلك في عهد السيوطي في القرن التاسع وأول القرن العاشر ادعى أنه بلغ رتبة الاجتهاد المطلق، ولما ادعى ذلك أنكر عليه أهل زمانه، وأشد من أنكر عليه السخاوي، وقالوا: كيف تدعي الاجتهاد والاجتهاد قد انقطع؟ ولكن مؤلفاته فيها شيء كثير من الاختيارات، والغالب أنه لم يأخذ كل شيء عن مذهب الشافعي؛ لأنه شافعي المذهب، فهذا هو الاجتهاد المطلق.
وأما الاجتهاد المقيد فهو: أن يجتهد في مذهب الإمام الذي يقلده، إذا كان في المذهب عدة روايات كمذهب الإمام أحمد، ففي مذهب الإمام أحمد روايتان وثلاث روايات وأربع روايات، ففي هذه الحال إذا كان مجتهداً مقيداً فمعناه أنه يعرف الراجح من هذه الروايات، إذا نزلت به نازلة يستطيع أن يخرج دليلها وأن يخرج القول فيها من كتب العلماء الذي هو تبع لهم، من كتب الحنابلة إن كان حنبلياً، أو من كتب الشافعية إن كان شافعياً، يستطيع أن يخرجها.
وأما المقلد الذي هو غير مجتهد فإذا حصلت عليه قضية لا يعرف دليلها ولا يعرف الحكم، فيحتاج أن يسأل فيقول: يا فلان! عرضت علي قضية كذا وكذا، أخبرني كيف أقضي، كلما جاءته قضية توقف فيها حتى يسأل زملاءه أو أهل بلده، فهذا لا يسمى عالماً؛ لأنه يأخذ العلم عن غيره، ويأخذ القضاء عن غيره.
هذه شروط القاضي، وهي عشرة، وفي واحد منها خلاف، وهو اشتراط البصر.
стр. 2067
نفوذ حكم المحكم
يقول: (إن حكم اثنان بينهما رجلاً يصلح للقضاء نفذ حكمه في كل ما ينفذ فيه حكم من ولاه إمام أو نائبه) .
اثنان بينهما خصومة ونزاع، وطال ذلك النزاع، وكل يدعي أن الصواب معه، فاتفقا على رجل وأتيا إليه وقالا: نرى فيك الأهلية، وقد رضينا حكمك، دعنا نعرض عليك قضيتنا، هذه دعواي كذا وكذا، والثاني يقول: وأنا دعواي كذا وكذا.
فإذا سمع دعوى كل واحد منهما قال: أنتما حكمتماني، أنت يا فلان عندك كذا لصاحبك فأعطه حقه، هل ينفذ؟ ينفذ لأنهما حكماه ورضيا بحكمه واقتنعا به وقالا: قد جعلناك حكماً بيننا، قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء:٣٥] يعني: إذا طال النزاع بين الزوجين فللقاضي أو لأهلهما أن يبعثوا حكمين، يختار هؤلاء حكماً، ويختار هؤلاء حكماً، ثم يقول الحكمان: ماذا عندك يازوج؟ ماذا عندك يازوجة؟ فإذا سمعا منهما عند ذلك يحكمان، فيقولان: الحكم لك يا فلان والحكم عليك يا فلان، مثلاً: عليك أن تقنعي بدون حقك، وعلى وليك أن يدفع كذا أو ما أشبه ذلك، فالله تعالى أباح أن يحكم حكمان في هذا الأمر.
وكذلك قال تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة:٩٥] فأمر أن يحكم في الصيد حكمان.
اثنان بينهما خصومة، فاختارا رجلاً اسمه سعيد، فقالا: يا سعيد قد جعلناك حكماً بيننا؛ لأنك تصلح للقضاء، ولأنك من أهل المعرفة، ومن أهل العلم، احكم بيننا، فينفذ حكمه في كل شيء ينفذ فيه حكم من ولاه الإمام أو نائبه، يعني: في فصل الخصومات وفي قطع المنازعات.
стр. 2068
آداب القاضي
ما هي صفات القاضي التي ينبغي أن يتحلى بها من الأخلاق؟ قال: (يسن كونه قوياً بلا عنف، ليناً بلا ضعف، حليماً، متأنياً، فطناً، عفيفاً) ، هذه مما يشترط في صفات القاضي؛ لأنه إذا كان ضعيف الجانب، ليس له هيبة، وليس له سلطة؛ طمع فيه الظالم، ولبس عليه، بخلاف ما إذا كان مهيباً، ولكن لا تكون هيبته قوة شديدة بحيث يهابه صاحب الحق، ولا يقدر على أن ينطق بحق؛ لأن بعض القضاة يظهر شدة ويظهر قوة ويظهر اعتزازاً، فإذا رآه المظلوم أيس من حقه وقال: هذا متعجرف، وهذا متكبر، كيف آخذ حقي منه؟ هذا شديد لقوة كلامه ولصرامته، فلا يطمع في أخذ شيء من حقه، فيكون بذلك ظالماً، فلابد أن تكون قوته ليس فيها عنف وبطش.
وأن يكون ليناً ليس معه ضعف، فيكون لين الجانب، سهل الأخلاق، مسفر الوجه، طليقه، يتواضع مع الصغير والكبير، ولكن بحيث لا يطمع فيه أهل الظلم، فيغتنم دينه ويخدعه ويصرفه عن طريق الحق، لابد أن يكون ليناً ولكن لا يكون مع اللين ضعف شديد.
وأن يكون حليماً، فلا يعجل، وإذا تكلم عليه أحد لم يغضب ولم يشتد في كلامه، بل يغلبه الحلم.
وأن يكون متأنياً، والتأني هو التريث في الأمور وعدم العجلة، حتى يعرف الحق ويحكم به بعد أن يتضح دليله، بخلاف الذي يحكم بسرعة فإنه قد ينتقض حكمه؛ لأنه لا يكون عارفاً، فالعارف يتأنى في الأمور، ولا يتسرع، ولا يحكم إلا بعد ما يتتبع القضية من هذا ومن هذا.
ويسن أن يكون فطناً، أي: ذكياً، وإذا كان بليداً فإنه قد يعتقد الظالم محقاً ويحكم له، ولا يتفطن لحيلة، فإن الناس معهم حيل ومعهم أفكار قد يصرفون بها القاضي، حتى أن النبي ﷺ قال: (إنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم يكون ألحن من حجته من بعض فأقضي له بنحو مما أسمع، فمن قضيت له بحق أخيه فإنما أقطع له قطعة من النار فليأخذها أو ليدعها) وهذا أيضاً يدل على أنه يستحب للقاضي نصيحة الخصوم وتوبيخهم حتى يقنعوا، وحتى يرجع الظالم عن ظلمه، وحتى ينصرفوا وهم راضون عن القاضي.
وأن يكون عفيفاً، والعفيف هو الورع المتعفف عما لا يحل، والعفة تكون عن الحرام وتكون عن المشتبهات، فإذا كان يتعامل بالمشتبهات في بيعه أو في شرائه أو في تصرفه دخل عليه الخلل ودخل عليه العيب، ورمي بأنه يتجرأ على حقوق الناس، وبأنه يأخذ ما لا يحل، فيكون ذلك طعناً فيه فلا تقبل أحكامه ولا نصائحه.
стр. 2069
وجوب العدل بين المتخاصمين
قال: (وعليه العدل بين المتحاكمين في لفظه ولحظه ومجلسه ودخول عليه) العدل هو المساواة، والمتحاكمان هما المتخاصمان، عليه أن يعدل بينهما أي: أن يسوي بينهما في لفظه، فلا يلين في الكلام مع أحدهما والآخر يشدد عليه، بل يكلمهما سواء، فيعدل بينهما، أما كونه يلين مع واحد أو يساره فيتكلم معه سراً فإن هذا فيه حيد، فعليه أن يعدل بينهما في كلامه، ولا يكلم أحدهما سراً والآخر لا يسمع، فإن هذا يكون مطعناً عليه.
وكذلك في لحظه، أي: نظره، فإذا كان ينظر إلى واحد من المتخاصمين اتهمه الآخر، ويقول: كونه دائماً كان يحدق النظر إلى خصمي يدل على أنه مال معه، وأنه ظلمني بهذا الميل، فيكون ذلك سبباً في الطعن عليه، فلابد أن يلحظهما سواء.
وكذلك مجلسه، ورد في الشرع أن الخصمين يجلسان أمام القاضي، ولو كان أحدهما أميراً أو ثرياً أو كبيراً، يجلسان سواء بين يدي القاضي ولا يرفع مجلس أحدهما عن الآخر، بل يجلسهما سواء، فإن كانا على كرسيين سوى بينهما، وإن كانا على الأرض سوى بينهما، ولا يجلس أحدهما على فراش أحسن من الثاني، ولا أحدهما على الأرض والآخر على الفراش، بل يسوي بينهما في مجلسه.
كذلك يسوي بينهما في الدخول عليه، فيدخلان عليه سواء؛ لأنه لو دخل واحد وحجب الآخر اتهمه ذلك المحجوب، ويقول: دخل عليه وحده وأسر إليه وكلمه، وأنا حجبني ومنعني، وما أدخلني إلا بعد مدة، فلابد أن يدخلا عليه سواء، وذلك من العدل.
стр. 2070
متى يحرم القضاء ؟
يقول: (وحرم القضاء وهو غضبان كثيراً) في حديث أبي بكرة لما تولى ابنه القضاء كتب إليه: (إن رسول الله ﷺ نهى أن يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان) ؛ لأنه إذا كان غضبان كثيراً فقد لا يتصور المسألة، وقد يحمله غضبه على أن يميل مع أحدهما، فإذا غضب من أحدهما أجل القضية، وصرفهما إلى أن يذهب عنه غضبه، فيحكم بينهما في حالة هو فيها مقتنع بالحكم، قد ذهب عنه الغضب الشديد.
ولا يحكم وهو محتقن البول؛ لأنه يكون متكدر البال غير متأنٍ ولا متأمل لما يقول، وكذا إذا كان في شدة الجوع، فإذا كان جائعاً جوعاً شديداً فإنه في تلك الحالة لا يكون مطمئناً، ولا يكون متثبتاً؛ لأنه مع شدة ألم الجوع، وكذلك العطش؛ لا يكون متأنياً؛ يتمنى أن تنفصل القضية ليذهب ليأكل أو ليشرب.
أو في هم، فإذا جاءه هم وغم شديد فإنه لا يفكر في القضية، فلا يجلس للقضاء وهو مهموم.
وكذلك إذا كان في ملل، أي: تعب شديد بحيث إنه من آثاره لا يقبل على القضية.
وكذلك الكسل، وهو التثاقل في الأمور وعدم النشاط فيها.
وكذلك النعاس، فإذا كان في حالة نعاس، وهو بحاجة إلى أن يريح نفسه، فإذا قضى في تلك الحالة قد يكون القضاء غير محكم.
وهكذا إذا كان هناك برد شديد مؤلم أو حر شديد، بحيث إنه لا يطمئن في مجلسه لشدة الحر الذي يزعجه أو لشدة البرد الذي يزعجه.
стр. 2071
حرمة الهدية للقاضي
قال: (وحرم عليه قبول رشوة) : النبي ﷺ لعن الراشي والمرتشي، والرشوة هو المال الذي يعطيه أحد الخصمين حتى يميل معه، يقول أحد الخصمين: إن عندي لك هدية، عندي لك كذا، ويسميها هدية وهي رشوة، ففي هذه الحالة يميل معه، أو يقصد ذلك الراشي أن يميل معه، وفي الحديث: (لعن الله الراشي والمرتشي) .
وكذلك لا يقبل الهدية إلا ممن كان يهاديه قبل ولايته، وليس له قضية، فلا يقبل الهدايا من أحد مخافة أن يكون له دعوى، فإذا خاف أن له دعوى لا يقبل هديته بل يردها عليه، وإذا قبلها فقد يتهم، ويقال: حكم لفلان لأنه يهدي إليه، ومال معه لأنه أعطاه كذا، فيتهم وإن لم يكن ذلك قصداً، والذي يقبل هديته يشترط ألا يكون له خصومة ودعوى، فإذا كان له دعوى فلا، ولا يقبلها إلا إذا كان ممن يهادونه قبل أن يتولى، إذا كان يهدي إليك وتهدي إليه قبل أن تتولى، فأهدى إليك كعادته، فلا بأس أن تقبل تلك الهدية؛ لأن العادة أنهم يتهادون من قبل عملاً بحديث: (تهادوا تحابوا) .
ومنع القاضي أن يتجر في الأسواق؛ لأن الناس قد يتساهلون معه بالبيع أو بالشراء طمعاً أن يميل معهم.
стр. 2072
لا يقضي القاضي على عدوه ولا قريبه
قال ﵀: (ولا ينفذ حكمه على عدوه) لأنه يتهم، يقول: حكم عليّ لأني قد عاديته، ولأني قد خاصمته.
إذا كان له عدو فلا يحكم له، بل يحيل القضية إلى غيره، يقول: أحيل القضية إلى فلان من القضاة، أما أن يحكم على عدوه فإنه متهم.
ولا يحكم لنفسه ولا لجميع أولاده وآبائه وأجداده وجداته وبناته، فإذا كانت القضية لولده مع خصم آخر أحالها على غيره من القضاة وقال: انظروا في دعوى ولدي فلان، أو والدي فلان؛ لأني لا أحكم له مخافة أن أتهم بأني تساهلت مع أبي أو مع ابني.
وهكذا كل من لا تقبل شهادته له من الأصول والفروع كالأب والجد والأم والجدة وإن عليا، وكذلك أيضاً الابن والبنت وابن الابن وبنت الابن وبنت البنت وابن البنت ونحوهم، فهؤلاء لا تقبل شهادته لهم، وكذلك لا يشهدون له، وكذلك أيضاً لا يحكم لهم مخافة أن يتهم ويقال: حكم لقريبه.
стр. 2073
إحضار الخصم
قال: (ومن استعداه على خصم في البلد بما تتبعه الهمة لزمه إحضاره إلا غير برزة) يظهر أن (إلا) زائدة، والصواب (لزمه إحضاره غير برزة فتوكل كالمريض) ، وهنا كتبها بزرة، والصواب: برزة، أي: إلا المرأة التي ليست برزة، وهي التي تستحي ولا تبرز للناس، فغير البرزة توكل، أما البرزة التي معها جرأة تخرج وتكلم وتحتج فإنه يلزمها أن تحضر.
والاستعداء الشكاية، فإذا جاء إلى القاضي رجل وقال: إن فلاناً خصمي، أريد أن تحضره، وهو موجود في البلد، وقد ظلمني بكذا وكذا، فإذا كانت المظلمة مالاً له قيمة وله قدر تتبعه همة الناس يلزم القاضي إحضار ذلك الخصم، وفي هذه الأزمنة يكون الاستعداء للشرط، أو أمراء البلد، فهم الذين يستعديهم المظلوم، ويقول: إن فلاناً ظلمني، فإذا كان كذلك فإن على القاضي أن يرسل من يحضره فيقال له: يا فلان أجب القاضي فإن فلاناً قد اشتكاك، احضر وإن لم تحضر فإننا سنعاقبك، فيلزمه أن يحضر إذا كان المال مما تتبعه الهمة.
أما غير البرزة فلا يحضرها بل توكل، يعني: المرأة التي تستحي من الناس -غير برزة- توكل؛ لأنها تستحي أن تحضر، وكذلك المريض، إذا قال: إن فلاناً مريض وعليه لي حق قدره كذا وكذا مما تتبعه الهمة، فإنه في هذه الحال يوكل؛ لأنه يشق عليه الحضور.
وكذلك أيضاً: من كان بعيداً، أي: خارج البلد فإنه يوكل؛ لأن عليه مشقة في الحضور.
وإذا وجبت اليمين على غير البرزة، أو على الغائب، أو على المريض فلا يحلف الوكيل؛ لأن الحلف يتعلق بالذمة، بل يرسل القاضي من يحلفهما، فيرسل إلى المرأة التي ليست برزة: احلفي على كذا وكذا، ويرسل إلى المريض: احلف على كذا وكذا، فيحكم بعد ذلك بما يوجب ذلك.
стр. 2074
الدعاوى
هذا الفصل يتعلق بالدعوى، والدعوى: هي القضية التي تكون فيها الدعوى، ويشترط في المدعي والمدعى عليه أن يكونا جائزي التصرف.
وجائز التصرف: هو الحر البالغ الرشيد، فإذا كان المدعي صبياً لم تسمع دعواه، ويتولى أمره وليه، وكذلك إذا كان مجنوناً أو كان عبداً فإنه يتولى أمرهم وليهم.
ادعى رجل أن هذا الصبي ظلمني، وأنه أخذ حقاً لي ونحو ذلك، أو هذا المجنون، أو هذا العبد، ففي هذه الحال لا تسمع دعواه عليهم، لكن الدعوى تكون على أوليائهم، أما العبد فيمكن أن تسمع الدعوى عليه؛ لأنه قد يظلم، وقد يعتدى، وقد يظلم هو بضرب أو بنهب، أو نحو ذلك، ولكن الخصم سيده، فيحضر سيده، وإذا وجبت اليمين فالذي يحلف هو العبد.
стр. 2075
تحرير الدعوى
يشترط تحرير الدعوى، وتحريرها يعني: تشخيصها، أما إذا قال: لي عليه حق، أو لي عليه مظلمة، فلا بد أن يبين ذلك، فلا يقول مثلاًً: عنده لي أرض، أو عنده لي عقار؟ فلا بد أن يحرر ذلك وأن يبينه وأن يذكر أوصافه، فيقول: إني أملك الأرض الفلانية، وإنه اعتدى عليّ وأخذ منها نصفها، أو ربعها، وتقع في البلدة الفلانية، أو أدعي عليه أنه أخذ من غنمي شاة، وصفتها كذا وكذا، من ضأن أو من معز، وأنه انتهبها أو ذبحها، أو أدعي عليه أن عنده لي ديناً قدره من الدراهم كذا، أو من الدنانير كذا وكذا، وأنه بخسني حقي، أو أدعي عليه أنه ضرب ابني ضربة بكذا وكذا، أو قلع سناً منه، أو فقأ عيناً منه، أو قطع إصبعاً من يده اليمنى أو اليسرى، أو ما أشبه ذلك، فهذه دعوى محررة، بخلاف ما إذا قال: لي حق ولم يبين، أو دين ولم يذكر مقداره، أو مظلمة ولم يسمها، أو عقار ولم يحرره، فلا بد من تحرير الدعوى.
ويشترط علم مدعى به إلا فيما نصححه مجهولاً كوصية، والمدعى به هو الحق، فيقول: أدعي عليه مائة ريال، أدعي عليه شاة أدعي عليه كذا دراهم قيمة ثوب، أدعي عليه أنه ضربني أو ضرب ابني، فلا بد من علم المدعى به وتحديده، ويتسامح إذا كان الشيء مما يصحح وهو مجهول، فإذا قال: إنه أخذ مني من البقالة مالاً لا أذكر عدده، ولكن هو أخذه مني في عدة أيام.
وفي هذه الحال يسمع منه، ويكون العدد عند الآخذ أو عند المأخوذ منه أو يصطلحان، وكذلك إذا قال: إن أبي أوصى لي بوصية وجحدها، أوصى أن يعطوني من المال وصية، ولا أدري هل هي الثلث أو الربع أو العشر أو مائة أو ألف؟ أوصى لي وصية ثم جحدني الوصية، والوصية تصح بالمجهول كشيء أو مال أو جزء أو سهم كما تقدم.
يقول: (فإن ادعى عقداً ذكر شروطه) : هذا من التحرير، إذا قال مثلاً: إني اشتريت منه سيارة فلا بد من ذكر شروط البيع، هل السيارة ملك لك؟ هل كانت السيارة معلومة؟ هل باعك ما لا يملك؟ هل الثمن معلوم أو مجهول؟ هل هي موجودة عنده أو ليس بموجودة؟ لا بد من ذكر شروطه.
وكذلك لو ادعى نكاحاً قال: أدعي عليه أنه زوجني ابنته أو أخته، لا بد أن تذكر الشروط فتقول: هي أخته، وهو وليها، وأنا دفعت له المهر، وهو أوجب، وأنا قبلت، وإننا أشهدنا فلاناً، أو عقد لنا فلان الذي هو مأذون، وتمت الشروط، ففي هذه الحال تقبل الدعوى؛ لأنها أصبحت محررة.
كذلك إذا ادعى إرثاً وذكر سببه فقال: إن عندهم لي ميراثاً، وأنا وارث من جملة الورثة، فيقال له: اذكر السبب، لأي سبب ترث، بنسب أو بنكاح أو بولاء، هل الميت أخوك، أو أخوك لأم، أو الميتة أمك، أو زوجتك؟ اذكر السبب.
قال: (أو محلى بأحد النقدين قومه بالآخر، أو بهما فبأيهما شاء) إذا ادعى مثلاً سيفاً محلى، أو خنجراً محلى كقوله: عنده لي سيف محلى بذهب، أو خنجر محلى بذهب، ففي هذه الحال كيف يقوم ذلك السيف المحلى بأحد النقدين: يقوم بالدراهم، أو يقوم بالدنانير، إن كان محلى بالذهب لا يقوم بالذهب؛ لئلا يقوم ذهب بذهب فيكون متفاوتاً، بل يقوم بالدراهم (الفضة) ، وإذا ادعى أنه محلى بفضة، وقال: أريده محلى بفضة، وادعى صاحبه أنه قد فات مني، أو بعته، أو نحو ذلك، فإنه يقوم بالنقد الآخر، فالمحلى بالذهب يقوم بالفضة، والمحلى بالفضة يقوم بالذهب.
أو يقوم بهما، فإذا قال مثلاً: محلى بذهب وفضة ما قال: محلى بأحدهما، بل محلى بهما، أي فيه ذهب وفضة، ففي هذه الحال يقومونه بأيهما شاء.
إذا حرر الدعوى ووصفها وصفاً دقيقاً ففي هذه الحال إما أن يقر الخصم أو يجحد، فإذا أقر الخصم حكم عليه الحاكم بسؤال المدعي، إذا قال: أنا أدعي عليه بدين، والدين الذي لي قدره ألف ريال قيمة مبيع، أو قيمة متلف، سأل القاضي: ماذا تقول في دعوى خصمك؟ فإذا قال: صدق، عندي له كذا وكذا، وقال المدعي الثاني: احكم عليه أن يدفعه، حكم عليه بسؤال المدعي.
هذا في حالة الإقرار، أما إذا أنكر فقال: كذب، ليس عندي له شيء، ولا أعرفه، ولا اشتريت منه، ولا اشترى مني، ولا تعاملنا، ولا بيننا معرفة، ولا بيننا دعوى، ماذا يفعل؟ تعرفون الحديث الذي في الأربعين النووية، وهو قوله ﷺ : (البينة على المدعي، واليمين على من أنكر) ، وفي رواية البخاري: (أنه قضى باليمين على المدعى عليه) ، المدعى عليه هو المنكر.
стр. 2076
الفرق بين المدعي والمدعى عليه
المدعي: هو الذي يطالب وإذا ترك لم يسكت.
والمدعى عليه هو المطلوب منه، ويعرفونهما: بأن المدعي من إذا سكت ترك، والمدعى عليه إذا سكت لم يترك، المدعي هو الذي يطالب، والمدعى عليه هو المطلوب، الذي إذا سكت لم يترك هو المدعى عليه، والذي إذا سكت ترك هو المدعي.
ويعرفونهم أيضاً: بأن المدعي هو الخارج، والمدعى عليه الداخل، فيقولون: البينة على الخارج واليمين على الداخل (البينة على المدعي، واليمين على من أنكر) .
ثم إن البينة هي الشهود، ولكن يقول ابن القيم ﵀: إن البينة اسم لكل ما يبين الحق كالقرائن والشهود والاعترافات والظواهر والشهرة وانتشار الخبر، فهذه تسمى بينات، وليست خاصة بشاهدين، وقد تكلم على ذلك ابن القيم ﵀ في كتابه المطبوع الذي سماه: الطرق الحكمية فيما يتعلق بالقضاء يقول: فإذا أنكر وليس للمدعي بينة قبل قول المنكر بيمينه، فيحلف إنه ليس عندي له ما يدعيه، وإني لا أطالب بمال ولا بحق أو مظلمة ونحو ذلك، فإذا حلف برئت ذمته.
أما إذا نكل وقال: لا أحلف، أخشى من الكذب، وأخشى من عقوبة الفجور، قيل له: إما أن تحلف وإلا حكمنا عليك، فيحكم عليه بسؤال المدعي، بأن يقول: احكم عليه.
والحكم بالبينة أو باليمين يكون في الأموال ونحوها، وأما الفروج ونحوها فلا يحكم فيها باليمين، بل لا بد من البينة.
ومن العلماء من يقول: إذا نكل المدعى عليه حلف المدعي لحديث ورد في ذلك وهو مذكور في البلوغ: (أن النبي ﷺ رد اليمين على صاحب الحق) ، أي: فإذا كان المدعي ليس معه بينة، وامتنع المدعى عليه من الحلف، فيقال للمدعي: حيث إن صاحبك قد امتنع فاحلف أنت أن عنده لك مائة أو ألف ريال قيمة كذا وكذا حتى نلزمه، فتكون عندنا قرينة، فقرينة امتناع المدعى عليه تدل على أنه ظالم، وقرينة أن هذا حلف تدل على أنه صادق.
стр. 2077
مواضع الاستحلاف
يقول: (ويستحلف في كل حق آدمي سوى نكاح ورجعة ونسب ونحوها) : حقوق الآدميين إما أن تكون مالاً مثل ثمن مبيع يقول: عنده لي قيمة سيارة أو قيمة بعير وجحده، أو مثلاً عنده لي وديعة قد خان فيها أو ما أشبه ذلك من حقوق الآدميين، أو تدعي المرأة على زوجها أنه ما أعطاها صداقها، أو يدعي عليها أنها ما أعطته عوض الخلع، أو تدعي عليه أنه ما أنفق عليها مدة كذا وكذا.
فهذه من حقوق الآدميين، ومنها القذف، فإذا ادعى عليك أنك قذفته فهذا حق آدمي، فلك أن تحلف أنه كاذب عليك، وإذا لم تحلف حلف هو أنه صادق، وأشباه ذلك من حقوق الآدميين.
أما النكاح فلا يستحلف فيه، فإذا ادعى عليك أنك زوجته ابنتك فلا يقبل حلفه، ولا يلزمك اليمين إذا أنكرت، فإن لم يكن عنده شهود على النكاح فلا يحلف المدعي ولا المدعى عليه، وكذلك الرجعة، إذا ادعى أنه طلق امرأته ثم قال: إني راجعتها، هل نقول: احلف؟ لا نقول، ولكن نقول: ائت بشاهدين أنك راجعتها في العدة.
وكذلك النسب: إذا ادعى وقال: إنني وارثه لأني ابن عمه، هل نحلفه؟ لا نحلفه؛ وذلك لأنه لا يعلم إلا من قبله.
أما حقوق الله تعالى فلا يحلف فيها، وكذلك العبادات، فإذا اتهم بالزنا وثبت عليه الحد فأنكر، ولم يكن هناك بينة فلا نقول: احلف أنك ما زنيت، أو ما شربت الخمر أو نحو ذلك، وهكذا العبادات إذا ادعي عليه أنه ما زكى، أو أنه ما صلى صلاة كذا، فلا حاجة إلى التحليف؛ لأن هذا شيء خفي بينه وبين الله تعالى.
وكيفية اليمين التي يحلف بها المدعى عليه هي اليمين المشروعة، أن يحلف بالله وحده، أو بصفة من صفاته، كوجه الله، أو عزة الله، أو يحلف مثلاً بكلام الله، أو بالقرآن.
ويحكم بالبينة بعد التحليف، إذا حلف المدعى عليه حكم بيمينه وقيل للمدعي: لا شيء لك أيها المدعي؛ لأنك ما أتيت ببينة، فإذا أتى بالبينة وقال: هؤلاء شهودي ولم يكن هناك ما يقدح فيهم، حكم بموجب البينة التي هي الشهود، وإن كان المدعي عليه قد حلف.
ولو قدر أن المدعى عليه حلف، والمدعي يقول: ما عندي شهود، ولكن أريد يمينه، فحلف المدعى عليه أن ما عندي له شيء، ولا يطالبني، ولا اشتريت منه، ولا عندي له أمانة ولا وديعة، ولا ضربته، ولا ضربت ولده.
وقدر بعد ذلك أنه وجد بينة عادلة، وأحضرها عند القاضي فلا نقول: الدعوى قد انقضت لما حلف بل نحكم بالبينة التي وجدت بعد أن انتهت الدعوى، ونقول: تبين أن يمينك كاذبة، وعليك أن تستغفر الله عن ذلك الحلف الفاجر، وهي اليمين الغموس، وقد حكمنا عليك لما جاء بالبينة الذين هم شهود عدول، فيحكم بالبينة ولو بعد أن يحلف المدعى عليه.
стр. 2078
شروط البينة
ماذا يشترط في البينة؟ يشترط في الشهود أن يكونوا عدولاً في الظاهر يعني: معروفين أنهم يصلون ويصومون، وأنهم من أهل الصدق، ومن أهل الورع، وليسوا فسقة ولا كفرة ولا غير ذلك.
(وفي غير عقد النكاح باطناً أيضاًَ) : عقد النكاح يكفي فيه شاهدان عدلان عدالة ظاهرة، وليس للمأذون أن يفتش ويقول: أخبروني بباطن أمرهم، فقد يكونون غير صادقين ولا صالحين، نقول: يحكم بالظاهر أنهما عدلان؛ لأن في الحديث: (لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل) ، وفي رواية: (لا نكاح إلا بولي مرشد وشاهدي عدل) ، فشهود عقد النكاح يكفي فيهم العدالة الظاهرة.
وأما شهود القضايا التي عند القاضي فلا بد أن يكونوا عدولاً ظاهراً وباطناً، وإذا جهلهم القاضي طلب من يزكيهم فيقول: يا فلان! هل تعرف هذا الشاهد؟ يقول: نعم أعرفه، وأزكيه فهو عدل.
ويشترط في المزكي معرفة الجرح والتعديل، فإذا قال المدعى عليه: هؤلاء مطعون فيهم.
فيقال: أحضر من يطعن فيهم، فإذا حضر الشهود وقالوا: نعم هذا نعرف أنه قد شهد زوراً، وهذا نعرف أنه لا يصلي مع الجماعة، وهذا نعرف أنه قد أطلق لسانه بالقذف والسب ونحو ذلك، فهؤلاء جرحوا فلا تقبل شهادتهم.
وإذا قال القاضي لصاحب البينة: ائتنا بمن يعدلهم، فالمعدل يقول: نعم أعرف هذا الشاهد أنه عدل يصلي ويصوم، ولا يتعامل بالربا، ولا يشهد زوراً، ولا يكذب في كلامه وما أشبه ذلك، هكذا يكون المزكي، ولا بد أن الحاكم يعرف خبرته الباطنة، وإذا كان القاضي يعرفهما باطناً وظاهراً حكم بمعرفته، ولا حاجة إلى طلب المزكي، إذا قال: يا قاضي هؤلاء شهودي فلان وفلان هل تعرفهم؟ يقول القاضي: نعم أعرفهم، هل تعرفهم باطناً وظاهراً؟ فإذا قال: نعم أعرف باطنهم وظاهرهم، فإنه يحكم بهم، ولا حاجة إلى مزكين.
стр. 2079
تقديم بينة جرح على تعديل
يقول: (وتقدم بينة جرح) : إذا قال القاضي: لا أعرفهما ائت بمن يزكيهما، وقال المدعى عليه: عندي فيهما جرح، يقول: ائت بمن يجرحهما، فالمدعي جاء باثنين يزكون، والمدعى عليه جاء باثنين يجرحون، هذا يقول: إنهما فاسقان، وإنهما كاذبان، وإنهما من شهود الزور.
وهؤلاء يقولون: إنهما عدلان ظاهران، يصليان ويصومان، ويؤمنان بالله واليوم الآخر، فالقاضي يقدم بينة الجرح؛ لأن الغالب أن الجارح يعلم شيئاً يخفى على المعدل، فلأجل ذلك يحكم القاضي بأن هذا غير مقبول؛ لأنه قد جرحه هؤلاء، وبينوا ما فيه من الجرح، فلا يقبل دعواه.
стр. 2080
تزكية الشهود
لما تكلموا على القضاء عرفوا أن القاضي قد يحتاج إلى بينة، والبينة هم الشهود الذين يتبين الحق بشهادتهم، فإذا عرف الحاكم هؤلاء الشهود فلا حاجة أن يطلب من يزكيهم؛ لأن معرفته يقينية، فعندئذ تكون شهادته أو تزكيته كافية، أما إذا جهل البينة فإنه يطلب من يزكيهم.
ولا يقبل في التزكية ولا في الجرح ونحوهما إلا رجلان، وإذا جاء رجلان فكل واحد منهما يزكي الاثنين، فإن قال أحدهما: أنا لا أزكي إلا واحداً، وقال الثاني: أنا لا أزكي إلا واحداً، لم يكتف بذلك، وإذا جاء شاهدان يزكيان كل واحد من الاثنين، يقول كل واحد منهما: أنا أعرف هذا وأزكيه، وأعرف هذا وأزكيه، وقال الثاني: أنا أعرفهما جميعاً وأزكيهما، هاهنا حصل أن كل واحد جاء اثنان ليزكياه.
أما إذا قال واحد: أنا أزكي هذا، وقال الثاني: أنا أزكي هذا، صار كل واحد، ما زكاه إلا واحد فلا بد حينئذ أن يطلب اثنين آخرين، أو واحداً يزكي الاثنين، فلو جاء بثلاثة وواحد قال: أنا أزكي واحداً، والآخر قال: أنا أزكي واحداً، والآخر قال: أنا أزكي الاثنين قبلت التزكية؛ لأن هذا الذي زكى الاثنين حصل بتزكيته تزكية الاثنين، وكل واحد من الاثنين زكى واحداً، فحصل بذلك أن كل واحد منهما زكاه اثنان.
وكذلك في الجرح، إذا جرحهما الخصم وقال: هؤلاء مطعون فيهما، فيقال: أثبت الطعن فلا بد أن يأتي بمن يطعن فيهما من المطاعن التي ذكروها في كتاب الشهادات وهي كثيرة كما سيأتي إن شاء الله، فلا بد أن كل واحد يجرحه اثنان، فيقول مثلاً: هذا لا يصلي مع الجماعة، أو هذا يسمع الأغاني، أو هذا يشرب الدخان أو الخمر، أو يتعاطى مخدرات فيكون ذلك طعناً فيه، فلا تقبل شهادته.
стр. 2081
الدعوى على الغائب
من ادعى على غائب هل تسمع بينته؟ يقولون: تسمع إذا كان الغائب بعيداً في مسافة قصر يعني: لا يأتي إلا بعد يومين، أو بعد أربعة أيام يومين ذهاباً ويومين إياباً، مثل إنسان قال: أدعي على زيد، وزيد يقيم مثلاً في القصيم، وفي ذلك الوقت هذه المسافة لا تقطع إلا في أربعة أيام، أو خمسة أيام، ففي هذه الحال يقول: عندي شهود يشهدون أنه هو الذي ضربني، أو هو الذي عنده أمانه وجحدها، وعندي شهود.
فالقاضي يأخذ الشهود ويكتب شهادتهم؛ لأن صاحب الحق قد يقول: إذا لم تقبل شهادتهم وتكتبها الآن فسوف يذهبون؛ لأنهم ليسوا من البلد فاغتنم القاضي حضورهم ليكتب شهادتهم.
وإذا حضر الخصم بعد ذلك سأله: هل أنت معترف أو منكر؟ إذا كنت منكراً فهنا شاهدان وهما فلان وفلان، هل تطعن فيهما؟ فإذا طعن فيهما وأتى بالجرح قبل جرحه، وقيل لصاحب الحق: ائت بغيرهما، فإذا أتى بغيرهما ولم يكن فيهما طعن حكم له، هذا إذا كان بعيداً مسافة قصر.
وهكذا لو ادعى على مستخف، فالمدعى عليه الذي عنده الحق هو موجود في هذا البلد ولكن لا ندري أين هو! إن كان في بيته فإنه يغلق بيته، وقد يكون عند صاحب له في طرف البلد ولم نقدر على إحضاره، والشهود يقولون: اكتب شهادتنا وإلا فسوف نسافر، فالقاضي يطلبهما ويكتب شهادتهما حتى يؤتى بالمدعى عليه.
وهكذا لو كانت الدعوى على ميت، قال: إن فلاناً الذي مات هو الذي اصطدم بجداري، أو هو الذي عمل هذا الحادث حتى مات معه ابني، ولكنه أيضاً مات، والبينة حاضرون، فالقاضي يكتب شهادتهم حتى يأتي ولي الميت ويدافع عنه؛ وذلك حتى لا تفوت الشهادة فالشهود قد يموتون، وقد يتفرقون، وقد يسافرون، فيكتب شهادتهم.
وكذلك لو كان المدعى عليه غير مكلف، ادعى أحد على هذا المجنون، أو على هذا الصبي أنه قتل، أو سرق، أو انتهب، أو أفسد ولم يكن له ولي الآن، لأن وليه غائب، فتقبل الشهادة وتكتب، ويسمع القاضي الشهادة ويحكم بموجبها.
قال: (إلا في حقوق الله تعالى) : حقوق الله مثل حد الزنا والخمر، وقطع الطريق، وترك الصلاة وما أشبه ذلك، فهذه لا تسمع وهو غائب حتى يحضر؛ لأنها مبنية على المسامحة، وأما حقوق الآدمي فإنها مبنية على المشاحة والمضايقة.
ولا تسمع على غائب حتى يحضر أو يمتنع، كإنسان موجود في البلد ادعيت عليه دعوى وهو حاضر، وعندك بينة، فلا تسمع بينتك حتى يحضر أو يرسلون إليه فيمتنع ويقول: لا أحضر ولا أعترف، فحينئذ يسمع القاضي البينة ويحكم بها إذا كان الحق لآدمي.
ثم في هذه الأزمنة قد يقال: إن الحالة قد تغيرت بالنسبة لمسافة القصر، كانت مسافة القصر مثلاً نحو خمسه وثمانين كيلو، ولكن في هذه الأزمنة تقطع هذه المسافة في ساعة أو في أقل من ساعة، ففي إمكان القاضي أن يقول: هذا الرجل قريب، ما بينك وبينه إلا ساعتان، ساعة ذهاب وساعة إياب، اذهب إليه بخطابي هذا، واطلب منه الحضور، فإذا امتنع بعد ذلك اشهدنا عليه، فأما أني أسمع دعواك وهو قريب في القصيم، وفي إمكانك أن تحضره فلا.
ففي يوم أو في نصف يوم، فليس هناك مسافة طويلة، أحضره حتى تسمع الدعوى وهو حاضر، وحتى تسمع البينة فيرد أو يكافح أو يجاوب.
وهكذا أيضاًَ تغيرت الحال بوجود المكالمات الهاتفية، فإن في الإمكان أن القاضي يتصل به إذا حضرت البينة وحضر المدعي، فهذا المدعى عليه يرفع السماعة ويكلمه القاضي فيقول: فلان ادعى أنك ظلمته، أو أنك جحدت أمانته، أو أنك هدمت جداره، أو قلعت شجرته، أو نحو ذلك، وأحضر بينة وهم فلان وفلان، فهل تطعن فيهما أو تقر بذلك؟ فإن لم تطعن فإننا سوف نحكم عليك.
فيتصل به ويخبره بالدعوى ويخبره بالشهود، ويطلب منه أن يطعن إن كان عنده مطعن، فإذا لم يكن عنده مطعن فإنه يحكم عليه.
فإذا قال: عندي مطعن طلب منه الحضور، حتى ولو كان خارج المملكة فيمكن أن يكلمه ولو كان في الشام أو في العراق أو في اليمن يقول: إنه حضر فلان وادعى عليك بكذا، فهل تعترف بهذا الحق أولا تعترف؟ فإذا قال: أعترف حكم عليه، وإذا قال: لا أعترف، قال: قد أحضر شهوداً وهم فلان وفلان، هل تطعن فيهم؟ فإذا قال: لا أطعن، حكم عليه، فإذا قال: إني أطعن فيهم سمع منه طعنه وجرحه، فإذا قال: أمهلوا القضية حتى أحضر أمكنه أن يمهله وأن يؤخر القضية لتقارب الأماكن.
стр. 2082
نقض القاضي لحكم قاض آخر
يقول: (ولو رفع إليه حكم لا يلزمه نقضه لينفذه لزمه تنفيذه) .
كان التنفيذ عند القاضي، وفي هذه الأزمنة يكون التنفيذ عند المحافظ وعند الأمير فهو الذي ينفذ قضاء القضاة الذين في محافظته، ولكن لو رفعت إليه قضية من قاض آخر، والمدعى عليه في محافظته، فإنه ينفذه.
أو عادتهم في هذه الأزمنة أن الدعوى تكون في بلد المدعى عليه، فإذا كان المدعي من أهل الرياض والمدعى عليه من أهل مكة، فإن المدعي يذهب إلى قاضي مكة ويقول له: إني أدعي على فلان وهو موجود الآن، فيحضر ويشهد عليه الشهود، فإذا لم يطعن فيهم حكم قاضي مكة عليه بالإلزام، وإذا حكم رفع الحكم إلى أمير مكة، والأمير هو الذي ينفذ، فيلزمه ويقول: حكم عليك القاضي بكذا فسلم ما حكم به عليك فيلزمه بذلك.
لكن لو أن الدعوى كانت في المدينة وفيها المدعي والمدعى عليه، وحكم قاضي المدينة، وأخرج بذلك صكاً، ثم إن المدعى عليه انتقل إلى مكة، فجاء المدعي بالصك وقال: يا أمير مكة! فلان حكم عليه قاضي المدينة بهذا الحكم، وهو الآن يقيم بمكة، فإن أمير مكة يلزمه وينفذ حكم القاضي ويقول: أخرج ما عندك وادفع ما حكم به عليك وإلا عاقبناك، فالتنفيذ يكون على الأمراء والمحافظين.
وقديماً كان التنفيذ على القاضي، فهو يلزم ويقول: إني قد حكمت على فلان بكذا؛ يا فلان! سلم الحق الذي عندك.
ثم قد يكون المحكوم عليه غائباً، فإذا حكم القاضي بالحكم وأعطى الصك لصاحب الحق وقال: إني حكمت بموجب بينتك، ولكن المحكوم عليه انتقل إلى مكة مثلاً، أو إلى الأحساء، اذهب بصكي هذا إلى قاضي الأحساء وقل: إن فلاناً عنده لي حق، وقد حكم به القاضي، وهذا صك الحكم وهو موجود عندكم، فالقاضي يأمره وينفذ حكم القاضي.
لكن لو أن القاضي الثاني قرأ الحكم ورأى فيه خللاً، أو خطأً وغلطاً، أو جاء المدعى عليه وبين أن القاضي الأول قد أخطأ، وقال: إنه حكم ببينة غير مقبولة، أو إن البينة لهم مصلحة، فإن القاضي الثاني ينقض الحكم الأول ويقول: لا أحكم به؛ وذلك لأنه رأى أنه غير صالح وأن عليه مطعناً.
وفي هذه الأزمنة إذا حكم القاضي بحكم فإن المحكوم عليه يطلب إمهالاً حتى يعترض عليه، ويسمونه: لائحة الاعتراض، فيخرج لائحة اعتراض فيقول: أعترض على الحكم بكذا، وأعترض عليه بكذا وكذا، وأعترض عليه بكذا وكذا، فإذا اعترض عليه بهذه الاعتراضات نظر فيها القاضي مرة أخرى، فإن كانت مناسبة نقض حكمه الأول، وإن لم تكن مناسبة أجاب عنها وقال: الصواب كذا والصواب كذا.
وفي هذه الأزمنة أيضاً: شكلت الحكومة هيئة التمييز، وهي التي تنظر في الحكم بعد القضاء، فإذا لم يقنع المحكوم عليه فيرفع قضيته إلى هذه الهيئة، وغالباً أن كل دعوى يطلب أهلها تمييزها فإنها تميز، وكثرت على الهيئة المرافعات، لعله يأتيهم في كل يوم مئات القضايا وألوف القضايا، وغالباً أنهم لا يقرءون تلك القضايا، وإنما ينظرون إلى مقدمة القضية ثم يكتبون موافقة.
والأولى في كل قضية أن عليهم النظر في دعوى المدعي، وفي اعتراضات هذا المعترض، ولا يكتفون بقراءة الدعوى والإجابة الأولى، هذا هو الواجب؛ لأنهم يحكمون، ولأنهم يعتبرون قد حكموا، فإذا لم يقرءوا القضية ولم يقرءوا الاعتراضات فليس لهم أن يحكموا، ولا أن يوافقوا، ولهم أن يردوها ويقولون: نحن منشغلون، أو لم نتفرغ لقراءتها، أو يشكل لها لجنة، أو ما أشبه ذلك.
стр. 2083
كتاب القاضي إلى قاض آخر
ذكر الفقهاء كتاب القاضي إلى القاضي، هل يقبل أم لا؟ إذا كتب القاضي الذي في نجران إلى القاضي الذي في عرعر، وبينهما مسافة طويلة: إنني قد حضر عندي فلان، وقد كتبت دعواه، وهو يدعي على فلان كذا وكذا، وحيث إنه مقيم عندكم فإن عليك أن تحضره، وأن تستفسره، وتسأله، فيقبله قاضي عرعر إذا كان في حق آدمي وينفذه، أو قاض في خارج المملكة.
وهكذا أيضاً إذا كتب القاضي إلى قاض آخر دعوىً حكم بها: إنني حكمت على فلان الموجود عندكم بكذا وكذا، فنفذوا الحكم، فينفذ في حقوق الآدميين ولا ينفذ في حقوق الله تعالى التي منها الرجم والجلد ونحوها.
وكانوا يشترطون في كتاب القاضي أن يُشهد عليه شاهدين، فيقرأه على شاهدين فيشهدان فيقول: إن هذا كتابي الذي وجهته إلى فلان، خذا هذا الكتاب واذهبا به إليه واقرآه عليه وقولا: إنا نشهد أن هذا كتاب قاضي نجران، كتبه ونحن حاضران وأشهدنا عليه، فشهدنا بما فيه، فلك أن تنقضه ولك أن تنفذه.
ولا يقبلونه إذا كان كتاباً عادياً، ولكن في هذه الأزمنة أصبحت الكتب مظرفة، وأصبحت محفوظة ومسجلة، وإذا كتبها القاضي فإنه يسجلها ويجعلها في ظرف، ويسلمها لناقل البريد، وناقل البريد يحفظها حتى يسلمها للقاضي الثاني، وإذا سلمها فالقاضي الثاني يفتح الظرف، ويجد فيه ختم ذلك القاضي وختم محكمته، ففي هذه الحال يجزم بأنه كتاب فلان، ولا حاجة إلى أن يقرأه الأول على شاهدين، والشاهدان يقرآنه على الثاني؛ لثقة الثاني بأنه كتابه.
وكذلك أيضاً وجد في هذه الأزمنة المكالمات، فإن القاضي قد يكلم القاضي ولو كان بعيداً، فيرفع السماعة ويقول: إنه ثبت عندي أن لفلان كذا وكذا، والشهود كذا، وفلان يقيم عندك، فعليك أن تنفذه أو عليك أن تحضره.
وأيضاً جاء هذا الذي يسمى بالفاكس، وصار في الإمكان إرسال ذلك الصك بواسطة هذا الفاكس في لحظات فيصل إلى القاضي الثاني ويقرأه كما هو، فينظر فيه، فإن شاء حكم، وإن شاء رده أو نقضه، فهذا حيث وجدت هذه الأجهزة ونحوها، أما إذا كان في بلدة ليس فيها الهاتف، أو ليس فيها الفاكس، أو ليس فيها البريد المنتظم، ففي هذه الحال نرى أنه يعمل بكتاب القاضي إلى القاضي بالشروط التي ذكرها الفقهاء.
يقبل كتاب القاضي إلى القاضي فيما حكم به الأول لينفذه الثاني، فيقول: حكمت على فلان بكذا، وفلان موجود عندكم، فخذوا الحق منه، والقاضي الثاني ينفذه، وكذلك المحافظ والأمير ينفذه، أما إذا قال: ثبت عندي ببينة كذا وكذا، فهذه البينة ثبتت عندي، والأمر إليك فاحكم بهذا الذي ثبت عندي، فهل يحكم به؟ يقولون: لا يحكم الثاني بما ثبت عند الأول إلا إذا كان بينهما مسافة قصر، وقد عرفنا أن مسافة القصر تختلف باختلاف الأزمنة، وأنه أيضاً قد وجدت المكالمات ووجدت المكاتبات وما أشبهها.
стр. 2084
الأسئلة
стр. 2085
التوكل على الله في الزواج
السؤال
حبذا لو ألقيت كلمة عن فضل الزواج خاصة في زماننا هذا الذي كثر فيه المغريات، وكيف نجمع بين قول الرسول ﷺ : (ثلاثة حق على الله أن يعينهم -وذكر- الناكح يريد العفاف) وبين حديث: (اعقلها وتوكل) ، حيث إن الكثير يريد الزواج، ولكن راتبه قليل، وبعض الشباب يثبط عن الزواج بحجة قلة الراتب والله يحفظكم؟
الجواب
الحديث وعد من النبي ﷺ ، كذلك وعد الله تعالى فقال: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٢] ، هكذا: (إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ) فوعدهم الله بالغنى، فنقول: إذا كان عندك مقدرة على الزواج ولو أن تقترض، أو أن تطلب من يساعدك؛ فثق بأن الله سيوفقك ويعينك.
стр. 2086
الخروج على المرأة إن كانت ولي أمر المسلمين
السؤال
إذا كان ولي الأمر امرأة فهل يجوز الخروج عليها؟
الجواب
إذا تولت المرأة ولاية عامة فالأصل أنها لا تولى؛ لأن المرأة وظيفتها التستر، فإذا قدر أن هناك دولة يولون المرأة ولاية عامة أو نحوها فنقول: لا يجوز السمع والطاعة لها، بل يحرصون على أن يفصلوها ويولوا رجلاً.
стр. 2087
الهدية للقاضي بعد انتهاء الحكم
السؤال
هل تجوز الهدية للقاضي بعد انتهاء الحكم بين الخصمين؟
الجواب
نرى أنه لا يجوز أن يقبل ذلك، ولو بعد انتهاء الدعوى إذا لم يكن الذي أهدى إليه يهدي إليه من قبل، أما إذا كانوا يتهادون من قبل فلا بأس.
стр. 2088
اشتراط الاجتهاد في القاضي في هذه الأزمنة
السؤال
كثير من البلاد لا يوجد فيها مجتهدون، فهل يبقى هذا الشرط في القضاء أم لا؟
الجواب
البلاد المهملة التي لا يوجد فيها من يحكم بالعدل، ولا يوجد فيها شهود، أو لا يوجد فيها من يزكي، أو لا يوجد فيها من يحكم بالعدل؛ فإنهم يصطلحون فيما بينهم.
стр. 2089
حكم الكلب المعلم إذا أرسل إلى فريسة فصاد غيرها
السؤال
لو أرسل صياد كلبه المعلم على فريسة فصاد غيرها فما الحكم؟
الجواب
يجوز ذلك إذا سمى عند إرساله، لو أرسله على واحدة ثم صاد اثنتين وكان قد سمى حل أكله.
стр. 2090
شرح أخصر المختصرات [٨٥]
من الأمور المهمة في الفقه القسمة بين الشركاء، والأشياء المشتركة بين الشركاء تختلف، فمنها ما تضره القسمة ومنها ما لا تضره القسمة، ولكل منهما أحكام وضوابط.
стр. 2091
القسمة
قال رحمه الله تعالى: [فصل: والقسمة نوعان: قسمة تراض وهي فيما لا ينقسم إلا بضرر أو رد عوض كحمام ودور صغار، وشرط لها رضا كل الشركاء، وحكمها كبيع، ومن دعا شريكه فيها وفي شركه نحو عبد وسيف وفرس إلى بيع أو إجارة أجبر، فإن أبى بيع أو أجر عليهما وقسم ثمن أو أجرة.
الثاني: قسمة إجبار وهي ما لا ضرر فيها ولا رد عوض، كمكيل وموزون من جنس واحد ودور كبار، فيجبر شريك أو وليه عليها، ويقسم حاكم على غائب بطلب شريك أو وليه، وهذه إفراز، وشرط كون قاسم مسلماً عدلاً عارفاً بالقسمة ما لم يرضوا بغيره، ويكفي واحد ومع تقويم الاثنان، وتعدل السهام بالأجزاء إن تساوت وإلا بالقيمة أو الرد إن اقتضت، ثم يقرع، وتلزم القسمة بها، وإن خير أحدهما الآخر صحت ولزمت برضاهما وتفرقهما] .
القسمة: هي إفراز نصيب الشريك عن نصيب شريكه، فالقاضي قد يحكم بقسمة المال المشترك بين اثنين؛ لأن الشريكين قد يكون بينهما خصومات ومنازعات كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِنْ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [ص:٢٤] ، وقوله تعالى: ﴿رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾ [الزمر:٢٩] أي: يكثر بينهم المشاكسة والمجادلة ونحو ذلك، فيطلبون القسمة فيترافعون إلى القاضي ليحكم بينهم فعند ذلك يقول: اقتسموا.
стр. 2092
أنواع القسمة
القسمة نوعان: قسمة التراضي وقسمة الإجبار، فقسمة التراضي تكون في الشيء الذي لا ينقسم إلا بضرر أو برد عوض كحمام ودور صغار، فهذه تقسم قسمة التراضي، فإذا كان بينهما دار صغيرة مساحتها مثلاً ثمانية أمتار طولاً وسبعة أمتار عرضاً، وهي مشتركة بين اثنين، وقالا: نريد أن نقتسمها، فيقول القاضي: إذا اقتسمتم يكون لك يا هذا أربعة في سبعة ماذا تنتفع بها؟ تكون ضيقة ولا تنتفع بها، وإذا قال: أنا راض اقسموا لي، هل ترضى أنت أيها الآخر أن يكون هذا قسمك؟ إذا أردت أن تبيع، هل أحد يشتري منك هذه الدار التي عرضها ثلاثة أذرع؟ إذا أردت أن تؤجر هل أحد يستأجرها وهي بهذه المسافة؟ فقسمها يفسدها ويتضرر أهلها، لكن لو رضي كل من الطرفين، فإن القاضي يقسمه، فيأتي بواحد يقسم بينهما فيبني حاجزاً بينهما فيقول: لك يا هذا كذا، ولك يا هذا كذا، هل رضيتما؟ قالا: رضينا.
وقوله: (الحمام) هو المكان الذي يغتسل فيه تحت الأرض قديماً، كانوا في البلاد الباردة كالشام ومصر والعراق وبعض البلاد يحفرون حماماً نحو خمسة أمتار في الأرض، ويجعلون دورين، الدور الأسفل يكون فيه الماء، وينزل فيه الذي يريد الاستحمام يعني: الاغتسال والنظافة، وقد يكون الحمام صغيراً عرضه مثلاً أربعة أذرع وطوله خمسة أذرع، وإذا قسم فإنه يختل، ولا ينتفع بنصفه، فلا يقسم إلا إذا تراضوا، وقد يكون هذا الحمام، أو هذه الدور، أو هذا الدكان بين ثلاثة أو أربعة، فالدكان الذي عرضه متران، وطوله أربعة أمتار، وهو مشترك بين اثنين يطلبان القسمة، فلا يقسمه إلا إذا تراضيا، فيشترط رضا كل الشركاء، فإنه كبيع ومعناه: أن لكل منهما الخيار كأنه يقول: بعتك نصيبي في هذا القسم، والثاني يقول: بعتك نصيبي في هذا القسم، فإذا رجع أحدهما في مجلس الخيار فله ذلك؛ لأن حكمها كالبيع.
стр. 2093
دعوة الشريك للبيع أو الإجارة
يقول: (ومن دعا شريكه فيها، أو في شركة نحو عبد وسيف وفرس إلى بيع أو إجارة أجبر) : إذا قال: أنا شريك لك في هذا الدكان الذي عرضه متران، ولكن أنا أريد البيع، إما أن تبيعني أو أبيعك وإلا بعنا نصيبنا جميعاً، فإنه يجبر، إذا قال: أنا شريك في هذا الدكان، أنا شريك في هذا العبد، أو في هذه الفرس، أو في هذا السيف، فالعبد لا يمكن قسمه، والسيف لا يمكن قسمه، والفرس لا يمكن قسمها، وإنما هذه الأشياء تباع، فإذا طلب أحدهما البيع فإن له ذلك، والقاضي أو الأمير يجبر من امتنع؛ لأن الآخر متضرر بالشركة حيث يقول: إنه ينتفع بها وأنا لا أنتفع، أو إنها معطلة، أو إنها مؤجرة بأجرة زهيدة أو نحو ذلك، فأنا أريد بيع نصيبي، أو أريد تأجير نصيبي بأجرة أكثر من ذلك.
فالحاكم يجبر بقية الشركاء على بيع أو إجارة، وإذا أبى أحدهما وقال: أنا لا أبيع نصيبي في هذا العبد، ولا في هذا الجمل، ولا في هذا الدكان، أجبره الحاكم أو القاضي أن يبيعه أو يؤجره، ويقسم الثمن أو يقسم الأجرة بينهما، يقول له: إما أن تبيع نصيبك مع نصيب صاحبك، أو تشتري نصيب صاحبك فإذا لم توافق فإننا سنبيعه، فإذا قال: بع نصف شريكي، قد يقول: نصف شريكك إذا كان متراً فلن نجد أحداً يشتريه، وكذلك إذا كان نصيبه نصف هذا السيف، فمن الذي يشتري نصف السيف؟ ماذا يريد بنصف السيف أو نصف الفرس؟ فيجبره على أن يبيع أو يجبره على أن يؤجر، أو يبيعه الحاكم ويقسم الثمن عليهما، ويلزمهما بذلك، أو يؤجره ويقسم الأجرة بينهما، هذا ما يتعلق بقسمة التراضي.
النوع الثاني: قسمة الإجبار: وهي ما لا ضرر فيه ولا رد عوض كمكيل وموزون من جنس واحد ودور كبار، فيجبر على القسمة، فإذا قال: اشتريت وفلان كيساً من البر، والآن أريد نصيبي، والأول يقول: أنا لا أقسمه، ولكني سوف أبيعه، فإنه يجبر من امتنع فيقسم الكيس بالصاع أو بالكيلو ويعطى كل واحد منهما نصيبه ليتصرف فيه، وكذلك لو كان كيس تمر مثلاً، أو شيئاً يوزن كحديد، أو قطن، أو صوف، ففي هذه الأحوال كلها يجبر من امتنع؛ لأنه ليس ببيع وإنما يسمى إفرازاً.
وهكذا لو كان بينهما أرض واسعة مساحتها مثلاً مائة متر في مائة وطلب أحدهما القسمة فيجبر من امتنع منها، ولو كانوا ثلاثة وقال أحدهم: إنا إذا قسمناها نقصت قيمتها، ف
الجواب
أصحابك طلبوا قسمتهم، يريدون أن يعمروا، وأنت إذا أخذت نصيبك، فإن شئت فبع، وإن شئت فأجر، وإن شئت فاعمر، فيجبره الحاكم، ويقسمها بينهم، ويعطي كل واحد نصيبه، هذا إذا كان ليس فيها ضرر ولا رد عوض.
فإن كان فيها رد عوض فلا بد من التراضي كما تقدم في قسمة التراضي، وصورة ذلك: إذا كان بيت طوله عشرون متراً وعرضه عشرون متراً -أي: أنه نحو أربعمائة متر- وهو بين اثنين، ولكن يختلف القسم الجنوبي عن القسم الشمالي، فالقسم الشمالي على طريق واسع، وعلى مكان معروف، وقريب من المرافق ومن الخدمات، وأما القسم الجنوبي فليس على مرفق، وليس حوله ولا أمامه إلا طريق ضيق، ففي هذه الحال إذا قسمناه نصفين فكل واحد منهما يقول: أنا أريد القسم الشمالي، ففي هذه الحال نقول: من كان له القسم الشمالي يدفع للآخر عشرة آلاف ريال، هذا فيه رد عوض، فهل هذه قسمة إجبار أو قسمة تراض؟ قسمة تراض؛ لأن فيها رد عوض، فليس كل منهم يرضى بهذه القسمة فيقول: قنعت.
أما إذا كانت الأرض في صحراء، وليس حولها بناء، وهي أرض واسعة قدرها مائتا متر في مائتين، وهذه عندها مرافق وخدمات وهذه كذلك، وهي بين أربعة مثلاً، ففي هذه الحال إذا طلبوا القسمة جاز ذلك، وأجبروا على ذلك، وليس فيها رد عوض، فإذا قسمناها على أربعة فكل واحد له مائة في مائة، فهذه قسمة إجبار لا ضرر فيها ولا رد عوض.
والشيء الذي يكال كالأكياس أو يوزن كالحديد والقطن، ويكون من جنس واحد ليس بينه تفاوت يعني: هذا بر كله، وهذا رز كله، والدور الكبار، والأراضي الواسعة، فالقسمة فيها قسمة إجبار، يجبر الشريك أو يجبر وليه إذا كانت الشراكة لولي يتيم، أو لولي مجنون، على القسمة ويقسم الحاكم على غائب، فإذا كان أحدهم غائباً وطلب الشركاء الحاضرون أو طلب أولياؤهم القسمة، يقسم الحاكم عليهم.
وهذه القسمة تسمى إفرازاً وليست كالأولى، فالأولى بيع وهذه إفراز، وليس فيها خيار، ولكن إذا اتفقت الرغبات فإنهم يقرعون بينهم، وكل يأخذ ما يصيبه بالقرعة.
стр. 2094
شروط القاسم
القاسم الذي يتولى القسم يشترط فيه شروط: أن يكون مسلماً: فلا يتولى القسم من كان كافراً، وأهل الشراكة مسلمون.
وأن يكون عدلاً: فلا يكون فاسقاً؛ لأنه قد يظلم أحدهما، ويعطيه أكثر أو يعطيه أقل.
وأن يكون عارفاً بالقسمة، أي: قد جرب وعرف أنه من أهل المعرفة وأهل الفطنة، ما لم يتراضوا بغيره، فلو قالوا: نرضى بك يا فلان! قسمت بينهم وإن كنت لست من أهل التجربة، ولكن قد رضوا بك فقسمت بينهم وتراضوا، فتنفذ القسمة.
وهل يشترط العدد؟ يكفي قاسم واحد، لكن إذا كان هناك تقدير فلا بد من اثنين أي: إذا كان هناك رد عوض، فمثلاً: إذا قسمنا الدار وكانت تختلف، وقلنا: لا بد أن نزيد صاحب هذا القسم الشرقي عن هذا الغربي؛ لأن الغربي أرغب، فنأتي باثنين، ويقال: قدرا: فيقولان: نقدر هذا القسم الغربي بثلاثمائة ألف، ونقدر الشرقي بمائتين، فيكون هذا ثلاثة أخماس، والآخر خمسان، فالذي يأخذ الغربي يلتزم بدفع نصف الخمس للآخر خمسمائة مثلاً، أو خمسين ألفاً أو نحو ذلك يعني: نصف الخمس حتى تتساوى، والتقدير لا بد فيه من اثنين لأنه فرق بين تقدير هذا وهذا، فيقولان: هذا خمسان وهذا ثلاثة، الفرق بينهما كذا، فالذي يأخذ الثلاثة أخماس يدفع نصف الخمس.
стр. 2095
قسمة التعديل
يقول: (وتعدل السهام بالأجزاء إن تساوت) : تعدل بالأجزاء أي: بالأمتار، فإذا كانت الأرض واسعة، بحيث قسناها وإذا هي أربعمائة متر، أو أربعة آلاف متر، أو أربعون ألف متر، فهذه تقسم بالأجزاء، فيقال: لك يا هذا مائة متر، وأنت يا هذا مائة، وأنت يا هذا مائة، وأنت يا هذا مائة، أو لك يا هذا مائتان، ولك يا هذا مائتان؛ لأنها مستوية، ولا فرق بين أجزائها، والربوة في هذه مثل الربوة في هذه.
فتقدر السهام بالأجزاء، والأجزاء هي السهام يعني: هذا مائتان وهذا مائتان إذا تساوت، فأما إذا لم تتساو فإنها تقدر بالقيمة، فإذا قسمنا البيت نصفين شرقياً وغربياً، وكان بينهما تفاوت فنقدره بالقيمة: كم يساوي الشرقي؟ فإذا قالوا: الشرقي يساوي أربعمائة ألف قلنا: وكم يساوي الغربي؟ يقولون: يساوي ستمائة ألف فهذا يسمى التقدير بالقيمة، فتقدر القيمة، ويأخذ كل منهما ما يناسبه، قد يكون لأحدهما مثلاً الثلثان، فإذا قدرنا أن هذا بستمائة وهذا بمائتين فالذي له الثلث يأخذ الذي بستمائة، ويرد على الآخر؛ لأن المجموع مثلاً ثمانمائة، فإذا قدرنا هذا بأربعمائة وهذا بستمائة، فيرد أيضاً الزائد، صاحب الثلثين يأخذ نصيبه، ويرد الزائد على صاحب الثلث.
وكذلك إذا قدرت بالرد، فإذا وزعوها أقرع بينهم، فمن أصابته قرعة كذا فإنه يرضى بما أصاب، وتلزم القسمة بالقرعة، أما إذا لم يقترعوا وتراضوا فيما بينهم وقالوا: نحن نقسم الأرض، نحن إخوان والأرض بيننا، فنقسمها ولك الخيار يا أخي، فإذا خير أحدهما صاحبه فلا يحتاج إلى قرعة، وحينئذ إذا رضيا وتفرقا فإنها تلزم، ولو طلبا بعد ذلك أن يعيدا القسمة لم يلزم.
стр. 2096
شرح أخصر المختصرات [٨٦]
مما ينبغي معرفته من الفقه باب الشهادات؛ فإن الشهادات مهمة لإثبات الحقوق وإقامة العدل، وللشهود شروط وصفات يجب تحققها حتى تقبل شهادتهم وتترتب عليها آثارها.
стр. 2097
الشهادات
قال المصنف ﵀: [كتاب الشهادات: تحملها في حق الله فرض كفاية، وأداؤها فرض عين مع القدرة بلا ضرر، وحرم أخذ أجرة وجعل عليها لا أجرة مركوب لمتأذ بمشي، وأن يشهد إلا بما يعلمه برؤية أو سماع أو استفاضة عن عدد يقع به العلم فيما يتعذر علمه غالباً بغيرها كنسب وموت ونكاح وطلاق ووقف ومصرفه، واعتبر ذكر شروط مشهود به، ويجب إشهاد في نكاح ويسن في غيره.
وشرط في شاهد: إسلام وبلوغ وعقل ونطق، لكن تقبل من أخرس بخطه، وممن يفيق حال إفاقته، وعدالة ويعتبر لها شيئان: الأول: الصلاح في الدين، وهو أداء الفرائض برواتبها، واجتناب المحارم بألا يأتي كبيرة، ولا يدمن على صغيرة، الثاني: استعمال المروءة بفعل ما يزينه ويجمله وترك ما يدنسه ويشينه.
ولا تقبل شهادة بعض عمودي نسبه لبعض، ولا أحد الزوجين للآخر، ولا من يجر بها إلى نفسه نفعاً أو يدفع بها عنها ضرراً، ولا عدو على عدوه في غير نكاح، ومن سره مساءة أحد أو غمه فرحه فهو عدوه، ومن لا تقبل له تقبل عليه] .
قوله: (كتاب الشهادات) .
يعني: الشهود، ويعم ذلك تحمل الشهادة ويعم أداءها.
قال: (تحملها في حق الله فرض كفاية، وأداؤها فرض عين مع القدرة بلا ضرر) .
التحمل: أن يدعوك فيقول: اذهب اشهد معي على فلان أنه اعترف بأن عنده لي كذا وكذا هل تذهب معه؟ هذا فرض كفاية ولا يلزمك، ولك أن تقول: الشهود كثير، لك أن تشهد غيري، اذهب إلى فلان واذهب إلى فلان، فهم أقدر مني، وهم أفرغ مني أو نحو ذلك، هذا هو التحمل.
فإذا لم يجد ألزم من تعين عليه، فإذا لم يجدك إلا أنت فإن عليك أن تذهب معه حتى تحمل الشهادة، سواء كانت شهادة على بيع، أو على نكاح، أو على إثبات دين، أو على إقرار مدين، أو على إقرار لحق في ذمة، أو أي شيء مما يحتاج إلى الإشهاد.
أما أداء الشهادة فإنه فرض عين مع القدرة بلا ضرر، فإذا تحملت الشهادة، وشهدت على فلان وفلان أنهما اعترفا بأن عندهما ديناً، أو عندهما حقاً، أو أنهما باعا، أو وقفا، أو تنازلا بكذا، ثم احتيج إلى إثبات شهادتك عند القاضي ودعوك فهل تمتنع؟ لا تمتنع عن أداء الشهادة، وذلك فرض عين، قال الله تعالى: ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة:٢٨٢] قال العلماء: إذا دعوا للتحمل فإن لهم أن يمتنعوا؛ لأن في الإمكان أن يجد غيرهم، وأما إذا دعوا للأداء عند الحاكم فلا يمتنعون، بل ولا يحل لهم الكتمان قال الله تعالى: ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة:٢٨٣] .
فإذا كتم الشهادة وهو يعلم أنه يضيع حقاً فإنه آثم قلبه، ولكن مع ذلك إذا قال: أنا علي ضرر الآن، أمهلوني فإني الآن منشغل، أو أنا ناعس اتركوني أنام، أو جائع اتركوني أطعم، أو مرهق اتركوني أستريح، أو نحو ذلك فهل يلزمونه؟ لا يلزمونه؛ لأنه في هذه الحال عاجز وعليه ضرر، قال الله تعالى: ﴿وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ﴾ [البقرة:٢٨٢] أي: لا تضروه، لا تضروا الكاتب وتتعبوه، ولا تضروا الشهيد وتتعبوه وترهقوه، بل ارفقوا به فإنه محسن، سيما إذا كانت الشهادة على شيء يمكن تداركه، ويمكن أن يؤجل يوماً أو أياماً، فلا يلزم أن يؤدى في حينه.
стр. 2098
حكم أخذ الأجرة على الشهادة
يقول: (وحرم أخذ أجرة وجعل عليها) .
وذلك لأنها تكون حينئذ شهادة لغير الله، والله تعالى يقول: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق:٢] يعني: اجعلوا شهادتكم لله، ولا تأخذ على شهادتك أجراً، فالذي يقول: أنا ما أشهد لك إلا إذا أعطيتني أجرة مائة أو ألفاً، فإذا طلب أجرة فلا يعطى؛ لأن هذا طعن فيه فلا يكون مقبول الشهادة، ولا يجوز للمشهود له أن يعطيه ويقول: اشهد لي وأعطيك على الشهادة مائة أو ألف ريال، وهذا هو الجعل.
أما إذا قال: أنا سوف أستأجر للحضور سيارة أجرة، اتصل بك وأنت مثلاً في طرف البلد وقال: يا فلان احضر أنا الآن عند القاضي، وأنت شاهد لي فإذا قلت: أنا سوف أحضر ولكن أعطني أجرة سيارة الأجرة فإني سوف أركب سيارة أجرة وأدفع مثلاً عشرين ريالاً، فلك أن تطلب ما دفعته؛ لأنه ليس لك مصلحة من هذه الشهادة، والمصلحة هي له فهو الذي كلفك، فعليه أن يدفع أجرة مركوب؛ لأنك تتأذى بالمشي الذي يشق عليك، إذا كنت مثلاً في طرف البلد، والبلاد الآن واسعة، وقد يكون بينك وبين المحكمة مثلاً أربعون كيلو ويشق عليك أن تقطعها ماشياً، بخلاف ما إذا كان بينك وبينه أربعون متراً أو مائة متر فإنك تأتي ماشياً ولا تتأذى بالمشي.
стр. 2099
حرمة الشهادة إلا بعلم
يقول: (يحرم أن يشهد إلا بما علم) .
لا يجوز الشهادة إلا بعد التثبت قال الله تعالى: ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ﴾ [يوسف:٨١] ، فلا بد أن يشهد عن علم، وبأي شيء يحصل العلم؟ بالرؤية، أو السماع، أو الاستفاضة عن عدد يقع بهم العلم بما يتعذر علمه غالباً بغيرها، كنسب وموت ونكاح وطلاق ووقف ومصرفه.
مثال الرؤية أن يقول: نعم أنا رأيته عندما ضرب فلاناً، أنا رأيته عندما انتهب مالاً، أو اغتصب كيساً، أو نحو ذلك، أنا رأيته رأي العين، أنا رأيته عندما طعنه بسكين، أنا رأيته يسوق سيارة واصطدم بشجرته أو بجداره فهدمه، فيشهد بما علم.
كذلك السماع يقول: أنا سمعته يقول: بعني بدين فقال: بعتك بألف ديناً إلى شهر أو إلى شهرين وشهدته عندما أخذ السلعة وحملها، أو سمعته وهو يعترف أن عندي لفلان ألف ريال، أو عندي لفلان مائة دينار، أو ألف درهم، أو نحو ذلك، سمعت ذلك سماعاً يقينياً، فيشهد بالسماع.
إذا لم يسمع ولم ير ولكن استفاض عن عدد كثير من الناس يعلم بهم ما يتعذر علمه كما لو قال: أنا أشهد أن هذا ولد هذا، فيقال: هل رأيته عندما ولد على فراشه؟ فيقول: ما رأيته، ولكن أنا عرفته وعمره عشر سنين وهو يمشي معه ويقول: هذا ولدي، والناس يقرونه، ويدعوه ويقول: هذا أبي وأنا أشهد أن هذا ولده، أو أن هذا أبوه، أو أشهد أن هذا أخوه، فيقال: هل رأيته عندما ولد؟ فيقول: لا ما سمعته ولا رأيته، ولكن بالاستفاضة عن الناس، فكلهم يقولون: فلان بن فلان، وفلان أبو فلان.
وكذلك الشهادة بالوفاة: هل تشهد أنه توفي؟ أنا ما رأيته عندما خرجت روحه، ولكن كثير من أهل البلد أخبروني أنه توفي، ولكني لم أحضر روحه عندما خرجت، فأشهد بالاستفاضة، سمعت من فلان وفلان وفلان وكلهم شيعوه، وعزوا أهله، وصلوا عليه، وهم أعداد كثيرة، أشهد بذلك.
وكذلك أيضاً إذا شهد بأن هذه زوجة فلان، أو شهد بأن فلاناً قد زوج ابنته فلانة لفلان، فيقال: هل حضرت العقد؟ فيقول: ما حضرته، ولكن انتشر الخير بين الناس، ورأيتهم يهنئون هذا، ويبركون له، ورأيتهم حضروا احتفاله بالزفاف، واشتهر بينهم أنه أخذ زوجته، وأنه دخل بها، أشهد بذلك وإن لم أحضر، فله أن يشهد بالاستفاضة.
وكذلك الطلاق: إذا قال: أشهد أنه طلق، فيقال: هل سمعته عندما طلق؟ فيقول: ما سمعته ولكن انتشر الخبر، وقد ذكره فلان لفلان وهم عشرة أو عشرون وكلهم يقولون: إن فلاناً طلق زوجته، وانتشر الخبر في البلد، فأنا أشهد بالانتشار.
وكذلك الوقف: هل سمعته عندما أوقف هذه الدار وقال: هذه الدار وقف؟ فيقول: لا.
ما سمعته، ولكن انتشر ذلك بين الناس، وكلهم يقول إنه أوقف هذه الدار أو هذا البستان، أو المزرعة، أو النخلة وكلهم يقول: هذه وقف، أوقفها فلان.
فيشهد وإن لم يحضره عندما أوقفها ولا سمعه، ولكن انتشر الوقف في البلد، وكل الناس يعرفون أن هذا الوقف مصرفه في كذا وكذا.
стр. 2100
شروط المشهود به، وحكم الإشهاد
يقول: (واعتبر ذكر شروط مشهود به) المشهود به هو المال أو أي حق من الحقوق، فلابد أن يذكر شروطه، فيقول مثلاً: إني أشهد على البيع، وأن البيع حصل على الرضا، وأنه حصل من مالك، وأنه بثمن معلوم، وأن الرؤية معلومة، وأن المبيع مقدور على تسليمه، فيذكر شروط مشهود به.
وكذلك أيضاً شروط النكاح، يقول مثلاً: أشهد بتمام الشروط، أشهد أن هذا أوجب، وأن هذا قبل، وأنهما متراضيان، وأن المهر معروف، وأن الموانع منتفية، فالمشهود عليه لابد أن تذكر شروطه.
وما حكم الإشهاد على النكاح؟ حكم الإشهاد عليه واجب؛ لقول النبي ﷺ : (لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل) ، فلابد في عقد النكاح من شاهدين اثنين، هذا مذهب الجمهور، وذهب المالكية إلى أنه يكفي الإعلان، فلو عقد بدون شاهدين تم النكاح، والجمهور على وجوب الإشهاد.
وما حكم الإشهاد على البيع؟ قال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة:٢٨٢] وقال تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة:٢٨٢] فهل يكون الإشهاد واجباً؟ هل كل من باع كأساً يشهد، حتى ولو باع قلماً يشهد عليه؟ قد يكون البيع ديناً، ويثق بصاحبه ولا يشهد.
إذاً: الإشهاد على البيع ليس بواجب، ولكنه مسنون مخافة الإنكار.
стр. 2101
شروط الشاهد
يشترط في الشاهد: إسلام وبلوغ وعقل ونطق، لابد من هذه الشروط.
الشرط الأول: الإسلام: لقوله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة:٢٨٢] والكافر لا يرضى، فلا تقبل شهادته.
الشرط الثاني: البلوغ؛ لأن الصغير ليس له ما يحجزه عن الكذب.
الشرط الثالث: العقل، فاقد العقل لا معرفة له وهو المجنون.
الشرط الرابع: النطق، أي: الكلام حتى يؤدي ما يشهد به؛ لأنه إذا كان أخرس لم يعرف ما شهد به، لكن تقبل من أخرس بخطه إذا كان يعرف الخط، فبعض فاقدي الكلام يكتبون الحروف كتابة واضحة، ففي هذه الحال إذا أدى الشهادة بخطه قبلت، وأما الإشارة فليس كل واحد يفهمها.
وإذا كان مجنوناً ولكنه يصرع أحياناً، فإذا أدى شهادته في حالة إفاقته قبلت، وإذا كان يصرع دائماً فأدى الشهادة وهو مصروع فلا تقبل منه.
الشرط الخامس: العدالة، فلابد من العدالة، وضدها الفسوق، والعدل هو الذي أدى حقوق الله تعالى وحقوق العباد، وتجنب القوادح في دينه وفي عقله وفي معاملاته ونحو ذلك، فيشترط للعدالة شيئان: الأول: الصلاح في الدين، وهو أداء الفرائض بنوافلها، واجتناب المحارم، فلا يأتي كبيرة، ولا يدمن على صغيرة، وذكروا أنه إذا كان لا يحافظ على الرواتب فذلك قدح فيه، فمثلاً: إذا قال صاحب الحق: إنه يصلي، فقال المشهود عليه: نعم، ولكنه لا يصلي الرواتب، لا الراتبة التي قبل الظهر، ولا التي بعدها، ولا التي بعد المغرب، ولا راتبة العشاء، ولا قبل الفجر، وكذلك لا يحافظ على الأذكار، فيخرج ساعة ما يسلم ولا يأتي بالأذكار بعد الصلوات، ولا يتقدم إلى المساجد، وإنما يأتي إذا أذن؛ فهذا لا تقبل شهادته؛ وذلك لأن فعله هذا يدل على خفة في دينه، وخفيف الدين قد تخف عليه الشهادة، فيشهد وهو غير متثبت.
والفرائض يدخل فيها الزكاة والصيام والحج والدعوة إلى الله، والنصيحة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، فإذا عثر على أنه يفرط في شيء من هذا فإنه يقدح فيه، فإذا قال المعترض: إن هذا قاطع رحم.
لم تقبل شهادته، إنه عاق لأبويه، إنه هجر إخوته؛ فلا تقبل شهادته، وإذا قال: إنه غشاش في معاملاته، إنه يتعامل بالربا، إنه يأخذ الرشوة.
والوقوع في أي من الكبائر أو الإصرار على الصغائر، ترد به شهادته، فإذا قال: إنه يحلق لحيته، فقال: حلق اللحية من الصغائر، فنقول: الإصرار عليها من الكبائر، فهذا أصر على حلق اللحية فلا تقبل شهادته، وإذا قالوا: إنه يسبل ثيابه، فالإسبال قد يقال: إنه صغيرة، ولكن الإدمان عليه كبيرة فلا تقبل شهادته، وإذا قال: إنه يشرب الدخان فلا تقبل شهادته، أو يشرب الخمر أو يتعاطى المخدرات، أو يسمع الغناء، أو ينظر إلى الصور الفاتنة، فضلاً عن كونه يزني أو يفعل فاحشة اللواط أو متهم بذلك، أو يلاحق النساء المتبرجات، ويغازل، ويعاكس، وما أشبه ذلك؛ فهذه كلها من الكبائر، فلا تقبل شهادة من يفعل ذلك.
فالكبائر التي أوصلها الذهبي إلى سبعين كبيرة في كتاب الكبائر، إذا أصر على واحدة منها أو فعلها اعتبر قادحاً في شهادته.
الشيء الثاني: استعمال المروءة: أن يفعل ما يجمله ويزينه، ويترك ما يدنسه ويشينه، هكذا ذكروا، فالأشياء التي تجمله يحافظ عليها، من اللباس الحسن، والكلام الحسن، وكذلك صحبته للأخيار، ومجالسته لهم، فإذا كان جلساؤه أهل الفساد لم تقبل شهادته، وهكذا أيضاً إذا كان بذيء اللسان، بأن كان يسب، ويشتم، ويقبح، ويلعن، ويغتاب، وينم، ويفشي الأسرار، ويتنكر لأهل الخير، ويتعاطى أشياء تقدح في عدالته، وتقدح في شرفه، فإنه لا تقبل شهادته، وعدوا من ذلك أشياء، فإذا كان الناس في البلد لا يمشون إلا وقد ستروا رءوسهم، وهو يمشي حاسر الرأس عد ذلك قادحاً في عدالته، أو كان يرفع ثوبه إذا مشى حتى يبدي شيئاً من فخذه، ولا يبالي بنظر الناس إلى فخذه أو إلى شيء من عورته عد ذلك قادحاً، وكذلك إذا كان يأكل في السوق والناس ينظرون إليه؛ عد ذلك قادحاً في عدالته، وإذا كان يضطجع أمام الجلوس الذي جلسوا أو يمد رجليه أمامهم عد ذلك قادحاً في عدالته، وأفعال المروءة كثيرة تجدونها في كتب الأخلاق، والمؤلف أجملها بقوله: يفعل ما يجمله ويزينه، ويترك ما يدنسه ويشينه.
ومثل له في الحاشية بالمتمسخر والرقاص والمضحك واللاعب بألعاب تخل بالمروءة، وملاعب القردة، وصاحب صنعة يكون فيها سخرية، ويوجد في الشروح أمثلة كثيرة للقوادح.
стр. 2102
من تقبل شهادة المرء له ومن لا تقبل
ولا تقبل شهادة بعض عمودي النسب لبعض، مثل الأب والأجداد، فهؤلاء أصول، والأبناء وأبناؤهم، هؤلاء فروع، فلا تقبل شهادته لأبيه ولا لجده، ولا لجد أبيه، ولا لجدته ولو كانت جدة لأم أو جداً لأم، وكذلك لا تقبل شهادته لابنه ولا لابن ابنه أو لبنته أو لابن بنته أو لبنت ابنه أو لبنت بنته أو نحوهم من عمودي النسب.
(ولا أحد الزوجين للآخر) يعني: لا تقبل شهادة المرأة لزوجها، ولا شهادة الزوج لزوجته؛ وذلك لأن كلاً منهما ينتفع بمال الآخر (ولا من يجر بالشهادة إلى نفسه نفعاً) : كأن كان شريكاً للمشهود له، أو كان وارثاً فشهد على إرث وهو من جملة الوارثين فهو يشهد لنفسه، فلا تقبل؛ لأنه يجر لنفسه منفعة.
وكذلك من يدفع بالشهادة مضرة، فإذا شهد مثلاً أن هذا ما قذف، وهو قد قذف، ويريد بذلك أن يدفع الضرر عن نفسه؛ لأنه إذا كان قاذفاً ثبت عليه الحد، فهو يريد ألا يجلد.
ولا تقبل شهادة عدوه إلا في نكاح، فإذا شهد على عقد النكاح فلا بأس، فإذا قال المشهود عليه: إن هذا عدوي، وإنه قد هجرني، وإنه قد ضربني، وإنه قد أخذ مني كذا وكذا، وبيني وبينه عداوة، فهو يفرح بما يضرني، فلا أقبل شهادته، وأتى ببينة تشهد أن بينهما عداوة، وأنهما متقاطعان ومتهاجران من زمن كذا وكذا، فلا تقبل.
ومتى يعرف أنه عدو؟ من كان يسره مساءة أحد ويغمه فرحه فهو عدو له، مثلا ً: أخبر أن فلاناً رزق ولداً، فقال: لا بورك له فيه، أو قيل له: إنه ربح في تجارته فقال: لا هنأه الله؛ فهذا يدل على أنه عدو له، أو قيل: إن فلاناً مرض ولده فقال: عسى أن يموت، أو قال: عسى أن يمرض أولاده كلهم، دل ذلك على أنه عدو له، فهذا لا تقبل شهادته لأنه عدو له.
والشاهد الذي لا تقبل شهادته له تقبل عليه، فإذا شهد ابنك أنك بعت على فلان، أو أنك سامحت وأسقطت دينك الذي عليه، أو شهد أنك وهبت من مالك كذا وكذا، فهي شهادته عليك، فتقبل شهادته عليه، ولا تقبل شهادته له، وكذلك بقية من ذكر، والله أعلم.
стр. 2103
الأسئلة
стр. 2104
حكم الشهادة لإنسان إحساناً للظن به
السؤال
هذا أحد الإخوة في الشبكة وهو من الكويت يقول: ما حكم من يشهد لشخص لمجرد أنه في نظره صادق أو لمجرد أنه أخ يحتمل أنه صادق؟
الجواب
لا تجوز، لا يشهد إلا بما علم: ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا﴾ [يوسف:٨١] فكونه يقول: هذا لا يكذب فأنا أشهد له، لا يجوز، واستثنوا من ذلك الشهادات التي لا يترتب عليها ضرر على أحد كشهادة عقد النكاح، أو كالشهود الذين يشهدون في حجج الاستحكام؛ لأنهم يعرفون أن هذا هو صاحب هذا البيت ومالكه.
стр. 2105
التسامح في شروط العدالة
السؤال
يقول: في هذه القيود بالشهادة لاسيما العدالة يصعب الوصول إلى الشهود، فما هو الحل؟
الجواب
لا يصعب، أهل الخير فيهم بركة وفيهم خير، وأهل الشر الذين يتساهلون في ذلك لا تقبل شهادتهم ويطلب غيرهم، ولكن إذا كان أهل البلد كلهم على حالة واحدة حالقي اللحى مثلاً فيمكن أن يتسامح في ذلك إن لم يجدوا غيرهم.
следующие страницы →