Полный текст (2 153 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.
стр. 2101
شروط الشاهد
يشترط في الشاهد: إسلام وبلوغ وعقل ونطق، لابد من هذه الشروط.
الشرط الأول: الإسلام: لقوله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة:٢٨٢] والكافر لا يرضى، فلا تقبل شهادته.
الشرط الثاني: البلوغ؛ لأن الصغير ليس له ما يحجزه عن الكذب.
الشرط الثالث: العقل، فاقد العقل لا معرفة له وهو المجنون.
الشرط الرابع: النطق، أي: الكلام حتى يؤدي ما يشهد به؛ لأنه إذا كان أخرس لم يعرف ما شهد به، لكن تقبل من أخرس بخطه إذا كان يعرف الخط، فبعض فاقدي الكلام يكتبون الحروف كتابة واضحة، ففي هذه الحال إذا أدى الشهادة بخطه قبلت، وأما الإشارة فليس كل واحد يفهمها.
وإذا كان مجنوناً ولكنه يصرع أحياناً، فإذا أدى شهادته في حالة إفاقته قبلت، وإذا كان يصرع دائماً فأدى الشهادة وهو مصروع فلا تقبل منه.
الشرط الخامس: العدالة، فلابد من العدالة، وضدها الفسوق، والعدل هو الذي أدى حقوق الله تعالى وحقوق العباد، وتجنب القوادح في دينه وفي عقله وفي معاملاته ونحو ذلك، فيشترط للعدالة شيئان: الأول: الصلاح في الدين، وهو أداء الفرائض بنوافلها، واجتناب المحارم، فلا يأتي كبيرة، ولا يدمن على صغيرة، وذكروا أنه إذا كان لا يحافظ على الرواتب فذلك قدح فيه، فمثلاً: إذا قال صاحب الحق: إنه يصلي، فقال المشهود عليه: نعم، ولكنه لا يصلي الرواتب، لا الراتبة التي قبل الظهر، ولا التي بعدها، ولا التي بعد المغرب، ولا راتبة العشاء، ولا قبل الفجر، وكذلك لا يحافظ على الأذكار، فيخرج ساعة ما يسلم ولا يأتي بالأذكار بعد الصلوات، ولا يتقدم إلى المساجد، وإنما يأتي إذا أذن؛ فهذا لا تقبل شهادته؛ وذلك لأن فعله هذا يدل على خفة في دينه، وخفيف الدين قد تخف عليه الشهادة، فيشهد وهو غير متثبت.
والفرائض يدخل فيها الزكاة والصيام والحج والدعوة إلى الله، والنصيحة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، فإذا عثر على أنه يفرط في شيء من هذا فإنه يقدح فيه، فإذا قال المعترض: إن هذا قاطع رحم.
لم تقبل شهادته، إنه عاق لأبويه، إنه هجر إخوته؛ فلا تقبل شهادته، وإذا قال: إنه غشاش في معاملاته، إنه يتعامل بالربا، إنه يأخذ الرشوة.
والوقوع في أي من الكبائر أو الإصرار على الصغائر، ترد به شهادته، فإذا قال: إنه يحلق لحيته، فقال: حلق اللحية من الصغائر، فنقول: الإصرار عليها من الكبائر، فهذا أصر على حلق اللحية فلا تقبل شهادته، وإذا قالوا: إنه يسبل ثيابه، فالإسبال قد يقال: إنه صغيرة، ولكن الإدمان عليه كبيرة فلا تقبل شهادته، وإذا قال: إنه يشرب الدخان فلا تقبل شهادته، أو يشرب الخمر أو يتعاطى المخدرات، أو يسمع الغناء، أو ينظر إلى الصور الفاتنة، فضلاً عن كونه يزني أو يفعل فاحشة اللواط أو متهم بذلك، أو يلاحق النساء المتبرجات، ويغازل، ويعاكس، وما أشبه ذلك؛ فهذه كلها من الكبائر، فلا تقبل شهادة من يفعل ذلك.
فالكبائر التي أوصلها الذهبي إلى سبعين كبيرة في كتاب الكبائر، إذا أصر على واحدة منها أو فعلها اعتبر قادحاً في شهادته.
الشيء الثاني: استعمال المروءة: أن يفعل ما يجمله ويزينه، ويترك ما يدنسه ويشينه، هكذا ذكروا، فالأشياء التي تجمله يحافظ عليها، من اللباس الحسن، والكلام الحسن، وكذلك صحبته للأخيار، ومجالسته لهم، فإذا كان جلساؤه أهل الفساد لم تقبل شهادته، وهكذا أيضاً إذا كان بذيء اللسان، بأن كان يسب، ويشتم، ويقبح، ويلعن، ويغتاب، وينم، ويفشي الأسرار، ويتنكر لأهل الخير، ويتعاطى أشياء تقدح في عدالته، وتقدح في شرفه، فإنه لا تقبل شهادته، وعدوا من ذلك أشياء، فإذا كان الناس في البلد لا يمشون إلا وقد ستروا رءوسهم، وهو يمشي حاسر الرأس عد ذلك قادحاً في عدالته، أو كان يرفع ثوبه إذا مشى حتى يبدي شيئاً من فخذه، ولا يبالي بنظر الناس إلى فخذه أو إلى شيء من عورته عد ذلك قادحاً، وكذلك إذا كان يأكل في السوق والناس ينظرون إليه؛ عد ذلك قادحاً في عدالته، وإذا كان يضطجع أمام الجلوس الذي جلسوا أو يمد رجليه أمامهم عد ذلك قادحاً في عدالته، وأفعال المروءة كثيرة تجدونها في كتب الأخلاق، والمؤلف أجملها بقوله: يفعل ما يجمله ويزينه، ويترك ما يدنسه ويشينه.
ومثل له في الحاشية بالمتمسخر والرقاص والمضحك واللاعب بألعاب تخل بالمروءة، وملاعب القردة، وصاحب صنعة يكون فيها سخرية، ويوجد في الشروح أمثلة كثيرة للقوادح.
стр. 2102
من تقبل شهادة المرء له ومن لا تقبل
ولا تقبل شهادة بعض عمودي النسب لبعض، مثل الأب والأجداد، فهؤلاء أصول، والأبناء وأبناؤهم، هؤلاء فروع، فلا تقبل شهادته لأبيه ولا لجده، ولا لجد أبيه، ولا لجدته ولو كانت جدة لأم أو جداً لأم، وكذلك لا تقبل شهادته لابنه ولا لابن ابنه أو لبنته أو لابن بنته أو لبنت ابنه أو لبنت بنته أو نحوهم من عمودي النسب.
(ولا أحد الزوجين للآخر) يعني: لا تقبل شهادة المرأة لزوجها، ولا شهادة الزوج لزوجته؛ وذلك لأن كلاً منهما ينتفع بمال الآخر (ولا من يجر بالشهادة إلى نفسه نفعاً) : كأن كان شريكاً للمشهود له، أو كان وارثاً فشهد على إرث وهو من جملة الوارثين فهو يشهد لنفسه، فلا تقبل؛ لأنه يجر لنفسه منفعة.
وكذلك من يدفع بالشهادة مضرة، فإذا شهد مثلاً أن هذا ما قذف، وهو قد قذف، ويريد بذلك أن يدفع الضرر عن نفسه؛ لأنه إذا كان قاذفاً ثبت عليه الحد، فهو يريد ألا يجلد.
ولا تقبل شهادة عدوه إلا في نكاح، فإذا شهد على عقد النكاح فلا بأس، فإذا قال المشهود عليه: إن هذا عدوي، وإنه قد هجرني، وإنه قد ضربني، وإنه قد أخذ مني كذا وكذا، وبيني وبينه عداوة، فهو يفرح بما يضرني، فلا أقبل شهادته، وأتى ببينة تشهد أن بينهما عداوة، وأنهما متقاطعان ومتهاجران من زمن كذا وكذا، فلا تقبل.
ومتى يعرف أنه عدو؟ من كان يسره مساءة أحد ويغمه فرحه فهو عدو له، مثلا ً: أخبر أن فلاناً رزق ولداً، فقال: لا بورك له فيه، أو قيل له: إنه ربح في تجارته فقال: لا هنأه الله؛ فهذا يدل على أنه عدو له، أو قيل: إن فلاناً مرض ولده فقال: عسى أن يموت، أو قال: عسى أن يمرض أولاده كلهم، دل ذلك على أنه عدو له، فهذا لا تقبل شهادته لأنه عدو له.
والشاهد الذي لا تقبل شهادته له تقبل عليه، فإذا شهد ابنك أنك بعت على فلان، أو أنك سامحت وأسقطت دينك الذي عليه، أو شهد أنك وهبت من مالك كذا وكذا، فهي شهادته عليك، فتقبل شهادته عليه، ولا تقبل شهادته له، وكذلك بقية من ذكر، والله أعلم.
стр. 2103
الأسئلة
стр. 2104
حكم الشهادة لإنسان إحساناً للظن به
السؤال
هذا أحد الإخوة في الشبكة وهو من الكويت يقول: ما حكم من يشهد لشخص لمجرد أنه في نظره صادق أو لمجرد أنه أخ يحتمل أنه صادق؟
الجواب
لا تجوز، لا يشهد إلا بما علم: ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا﴾ [يوسف:٨١] فكونه يقول: هذا لا يكذب فأنا أشهد له، لا يجوز، واستثنوا من ذلك الشهادات التي لا يترتب عليها ضرر على أحد كشهادة عقد النكاح، أو كالشهود الذين يشهدون في حجج الاستحكام؛ لأنهم يعرفون أن هذا هو صاحب هذا البيت ومالكه.
стр. 2105
التسامح في شروط العدالة
السؤال
يقول: في هذه القيود بالشهادة لاسيما العدالة يصعب الوصول إلى الشهود، فما هو الحل؟
الجواب
لا يصعب، أهل الخير فيهم بركة وفيهم خير، وأهل الشر الذين يتساهلون في ذلك لا تقبل شهادتهم ويطلب غيرهم، ولكن إذا كان أهل البلد كلهم على حالة واحدة حالقي اللحى مثلاً فيمكن أن يتسامح في ذلك إن لم يجدوا غيرهم.
стр. 2106
حكم من شهد بما لا يعلم
السؤال
طلب مني أحد أقاربي الشهادة، وشهدت وأنا لا أدري ما هذه الشهادة، ولم يسألني الذي كتب شهادتي إلا بما في الأوراق وكانوا يقولون لي: إذا قال لك كذا فقل: نعم، يقول: فما هو الحل، وأنا لا أدري على أي شيء شهدت؟
الجواب
لابد أن تسأل قريبك عن أي شيء أشهد، فإذا كنت لا تعلم شيئاً عن هذه المعاملات أو هذه المبايعة فليس لك أن تشهد إلا بعلم، ولكن إذا كنت تعرف عمك أو قريبك هذا وتعرف أحواله، وتعرف معاملاته وتعرف أولاده، فالشهادة قد تكون على إثبات أن هؤلاء أولاده، وأن هذه زوجته وأنت تعرفه، ففي مثل هذا يتسامحون فيه.
стр. 2107
هل تسقط عدالة من يأكل في المطعم ؟
السؤال
هل تسقط عدالة من يأكل في المطعم أمام الناس؟
الجواب
قد لا تسقط إذا كان يأكل في المطاعم، فهذا من الضرورة، لكن إذا خرج بخبزة وجلس على الرصيف ليأكل، والناس ينظرون إليه، فهذا يقدح في عدالته، وأما المطاعم فالناس مضطرون إليها في كثير من الدول وفي كثير من المدن.
стр. 2108
التحاكم إلى مشايخ القبائل مع فسق بعضهم
السؤال
ما حكم التحاكم إلى مشايخ القبائل مع أنهم ليسوا أهلاً للقضاء، بل قد يكون بعضهم من الفساق، فما هو الحل، وجزاكم الله خيراً؟
الجواب
لا يجوز التحاكم إليهم، والعادة أنهم يجعلون أنفسهم كمصلحين في نظرهم ولكن يلزمونهم، فيقولون: عليك يا هذا ذبيحة أو عليك ذبيحتان أو خمس أو نحو ذلك، ثم يكون هذا إلزاماً مع أنه يوجد عندهم قضاة، فلا يتعذرون، فما رفع إلى القاضي دعوى وقال: لا أعرفها اذهبوا إلى أمرائكم ورؤسائكم، ما وقع هذا.
стр. 2109
حكم شهادة الزور على مسلم في محاكم الكفار
السؤال
هذا سائل من سويسرا يقول: ما حكم المسلم الذي يشهد زوراً ضد مسلم في المحاكم الأوروبية، وحسب اليمين عندهم؟
الجواب
لا شك أنه يتحمل الإثم إذا شهد ضد إنسان كذباً، لكن إن كان يشهد بحق فله ذلك سواء للمسلم أو عليه، إذا دعي للشهادة وكان المدعى عليه مسلماً فليشهد بما عرف، فإذا كان ذلك المسلم ظالماً وجاحداً ومنكراً فلا شك أنه لا يجوز إقراره على ذلك، فيشهد عليه بالحق ولو كان خصمه كافراً، اشهد بما علمت.
стр. 2110
قدح عدالة من يضرب بالدف
السؤال
الرجل الذي يضرب الدف أحياناً، هل فيه شرط العدالة، وجزاكم الله خيرا؟
الجواب
المغنون وأهل الدفوف وأهل الطبول الذين يستعملون ذلك في كثير من المناسبات وفي كثير من الأوقات، يستقبل من يزوره بذلك، أو يجلس بين زملائه أو بين أضيافه ويفعل ذلك، فلا شك أن هذا قادح في عدالته.
стр. 2111
حد ما تعم به البلوى في ترك القدح به
السؤال
وهذا سائل من الكويت يقول: ما وجه من يقول من الفقهاء: إن ما يقدح في العدالة إذا عمت به البلوى يتسامح به في هذه الشهادة، ما حد ما تعم به البلوى وجزاكم الله خيراً؟
الجواب
هو الشيء الذي لابد منه من الأمور التي لا يمكن التخلص منها، فإذا كان أهل البلد قد انتشر بينهم مثلاً شرب الدخان، فيقولون: هذا عمت به البلوى، أو انتشر بينهم التصوير، ولا يمكن لأحد أن يسلم من حمل الصورة، فيقولون: هذا مما عمت به البلوى، أو انتشر بينهم سماع الغناء، ولا يسلم أحد ولا يسلم بيت من ذلك فيقولون: هذا عمت به البلوى، لكن إذا كان بالإمكان التخلص من هذا، فإنه يعتبر قادحاً سواء الغناء والدخان وحلق اللحى ونحو ذلك، ولكن قد يقولون: إن بعض البلاد لا يمكن أهلها التخلص منها.
стр. 2112
من طلب من شريكه البيع مع تضرر شريكه بذلك
السؤال
توفي جدي وترك بيتاً، فسكنه والدي وعمي، كل واحد منهما في جهة منه، ثم أراد عمي أن يبيع البيت؛ لأنه بحاجة إلى المال، وله بيت آخر يسكنه، وامتنع والدي من البيع؛ لأنه ليس لنا بيت آخر نسكنه ولا من المال ما نشتري به بيتاً أو نستأجر، علماً بأننا إذا بعنا البيت فإن نصيبنا من المال لا يكفي لشراء بيت آخر، فما هو الحل، وجزاكم الله خيراً؟
الجواب
حاولوا أنكم تشترونه من عمكم، ولو أن تشتروا نصيبه بثمن مؤجل، وإذا كان البيت واسعاً تطلبون القسم؛ لأن هناك قسمة إجبار، فاطلبوا قسمته بينكم نصفين وهو يتصرف بقسمه، وتسكنون في نصفكم، فإذا كان البيت مساحته عشرون في عشرين أو عشرون في عشرة فيمكن قسمه.
стр. 2113
حكم الهدية للكافر
السؤال
يقول في الشبكة: نذرت أن أعطي طبيباً هدية إذا أجرى عملية لوالدي، والحمد لله تم ذلك، ولكن تبين لي أن الطبيب نصراني، فهل أوفي بنذري أم لا، وجزاكم الله خيراً؟
الجواب
لا تعطيه هدية إذا كان نصرانياً، ويكفيه أن تعطيه أجرته إذا كان عالجه بأجرة، وإن كان عاملاً للحكومة فالحكومة تدفع له مرتبه كاملاً، فلا حاجة أن تهدي له.
стр. 2114
تكفي كفارة واحدة لمن تعددت أيمانه التي حنث فيها
السؤال
مشكلتي أني سابقاً أجهل باب الإيلاء، فمثلاً: أحلف بالله ألا آتي زوجتي -أي: لا أجامعها- في هذه الليلة أو في هذا الأسبوع، وأحياناً أستثني وأحياناً أضمر في قلبي بدون نطق، وبعض الأحيان أقول: لن آتيها هذه الليلة بدون قسم وهكذا، فما الحل فيما سبق، مع العلم أني إذا أتيتها أكفر، وإذا كنت مستثنياً لا أكفر، وجزاكم الله خيراً؟
الجواب
تكفيك كفارة واحدة ولو تعددت الأيمان، وهي إطعام عشرة مساكين، وما كفرت عنه فلا يحتاج إلى تكفير مرة ثانية، ولو بقي عليك عشرة أيمان أو عشرون يميناً فيكفيها كفارة واحدة.
стр. 2115
حكم قسمة الكفار
السؤال
إذا تراضى اثنان بقسمة كافر، فهل تبطل القسمة؟
الجواب
إذا كان هناك ما يبطلها فإنها تبطل، إذا عرف مثلاً أن الكافر الذي قسم بينهما لم يكن من أهل المعرفة، أو جار في قسمته أو نحو ذلك، أما إذا لم يجدوا إلا هذا القاسم وكان كافراً أو فاسقاً، وكانت قسمته مناسبة فلا تبطل.
стр. 2116
شرح أخصر المختصرات [٨٧]
إذا كانت الدعاوى لا تثبت إلا بشهادة أو إقرار ونحو ذلك فإن الشهادة تختلف في عدد الشهود من دعوى إلى دعوى، فما يشترط لثبوت الحدود مثلاً غير ما يشترط لثبوت الأموال.
وقد يتعذر حضور الشاهد الأصلي فيحمل الشهادة غيره، ولهذه أيضاً شروط، وقد بين الفقهاء أحكام ذلك وما يترتب عليه.
стр. 2117
عدد الشهود في الدعاوى المختلفة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وشرط في الزنا أربعة رجال يشهدون به أو أنه أقر به أربعاً.
وفي دعوى فقر ممن عرف بغنى ثلاثة.
وفي قود وإعسار وموجب تعزير، أو حد ونكاح ونحوه مما ليس مالاً، ولا يقصد به المال، ويطلع عليه الرجال غالباً رجلان.
وفي مال وما يقصد به رجلان، أو رجل وامرأتان، أو رجل ويمين المدعي.
وفي داء ودابة وموضحة ونحوهما قول اثنين، ومع عذر واحد.
وما لا يطلع عليه الرجال غالباً كعيوب نساء تحت ثياب، ورضاع، واستهلال، وجراحة ونحوها في حمام وعرس: امرأة عدل أو رجل عدل.
فصل: وتقبل الشهادة على الشهادة في كل ما يقبل فيه كتاب القاضي إلى القاضي.
وشُرِط تعذر شهود أصل بموت، أو مرض، أو غيبة مسافة قصر، أو خوف من سلطان أو غيره، ودوام عدالتهما، واسترعاء أصل لفرع أو لغيره، وهو يسمع فيقول: أشهد أني أشهد أن فلان بن فلان أشهدني على نفسه أو أقر عندي بكذا ونحوه، أو يسمعه يشهد عند حاكم، أو يعزوها إلى سبب كبيع وقرض، وتأدية فرع بصفة تحمله وتعيينه لأصل، وثبوت عدالة الجميع.
وإن رجع شهود مال قبل حكم لم يحكم وبعده لم ينقض وضمنوا.
وإن بان خطأ مفت أو قاض في إتلاف لمخالفة قاطع ضمنا] .
стр. 2118
عدد الشهود في الزنا
لما ذكر المؤلف الشهادات ومن تقبل شهادته ومن لا تقبل، وما يتعلق بها؛ تكلم بعد ذلك في عدد الشهود في الدعاوي التي يختلف فيها الحكم، فذكر أن عدد الشهود في الزنا أربعة، ودليل ذلك: قول الله تعالى في سورة النساء: ﴿وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً﴾ [النساء:١٥] وقوله تعالى في سورة النور: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور:٤] ، إلى قوله تعالى: ﴿لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ﴾ [النور:١٣] فدل على اشتراط أربعة، ولابد أن يكونوا رجالاً، فلا تقبل شهادة النساء ولو كثرن في هذا؛ وذلك لأنه شيء يتعلق بالرجال، ويطلع عليه الرجال؛ فاشترط أن يكونوا رجالاً، وتقدم قول المؤلف: ثبوته بشهادة أربعة رجال عدول في مجلس واحد بزناً واحد مع وصفه، يعني: لابد أن يكونوا في مجلس واحد، ولابد أن يكونوا عدولاً، ولابد أن يشهدوا بزناً واحد، ولابد أن يصفوه وصفاً شاملاً؛ وبذلك يثبت الحد الذي هو الزنا.
يقول العلماء: لابد أن يشهدوا به شهادة واضحة بأن يروا فرجه في فرجها، وقد ذكرنا في كتاب الحدود أن هذا قد يكون متعذراً، يعني: رؤية الفرجين، ولكن إذا تحققوا أنه وقع بها وأنه أولج فيها، ورأوا علامات ظاهرة تدل على الزنا؛ فإنهم يشهدون وتقبل شهادتهم، وإذا شهد أربعة على رجل بأنه زنى قبلت شهادتهم على الصحيح ولو جاءوا متفرقين، وهكذا أيضاً لو شهد اثنان في يوم السبت أنه زنى، ثم شهد يوم الأحد آخران أنه زنى، فاجتمع أربعة عدول ثقات، ففي هذه الحالة تقبل شهادتهم، ويقام عليه الحد، هذا ما يتعلق بما يثبت به حد الزنا.
وكذلك إذا شهدوا أنه أقر عندهم أربع مرات، فهذا أيضاً مما يقام به الحد، يقولون: نشهد أنه اعترف عندنا أربع مرات أنه زنى بفلانة، ففي هذه الحال تقبل شهادتهم، والصحيح أنه إذا أنكر يدان، فإذا قال: إنهم كذبوا علي.
وكانوا عدولاً فإنه يدان، ويقام عليه الحد بموجب شهادتهم على اعترافه، ولا يقبل إنكاره ولا يقبل رجوعه ولو قال: رجعت عن الإقرار بعد أن شهد عليه أربعة؛ فالصحيح أنه لا يقبل.
هناك من يقول: إذا رجع يقبل رجوعه ولا يقام عليه الحد، واستدلوا بما وقع في رجم ماعز فإنه لما أذلقته الحجارة هرب، وروي أنهم ذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فقال: (هلا تركتموه) ، ولكن لما لم يعنفهم ولم يضمنهم؛ دل على أنه مستحق للرجم ولو هرب.
стр. 2119
عدد الشهود في دعوى الفقر
يقول: (وفي دعوى فقر لمن عرف بغنى ثلاثة) ، دليل ذلك حديث قبيصة أن النبي ﷺ قال: (يا قبيصة! لا تحل المسألة إلا لثلاثة: رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله حلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش، ورجل أصابته فاقة -يعني: فقر- حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجا من قومه فيقولون: نشهد بالله لقد أصابت فلاناً فاقة.
فحلت له المسألة حتى يصيب سداداً من عيش أو قواماً من عيش) ، فإذا كان إنسان معروفاً بالغنى ثم ادعى أنه افتقر، فلا تقبل دعواه، ولا تحل له المسألة إلا إذا شهد له ثلاثة من ذوي الحجا من قومه -يعني: من أقاربه العارفين به - فيقولون: نشهد بأنه افتقر بعد أن كان غنياً، وأصابه فقر وفاقة.
فحلت له المسألة وإلا فلا تحل له.
стр. 2120
ما يكفي فيه شهادة رجلين
مما يقبل فيه رجلان: القود يعني: القصاص بالنفس، وما دون النفس.
فالقود يقبل فيه شاهدان رجلان يقولان: نشهد بأن هذا الذي قتل فلاناً، أو نشهد بأنه هو الذي قطع يده أو فقأ عينه أو جدع أنفه أو قطع إصبعه أو قلع سنه؛ لأن هذا قود، فهذا يقبل فيه شاهدان.
وكذلك الإعسار، إذا قالا: نشهد أنه معسر، إذا لم يكن معروفاً بالغنى فيشهد اثنان على إعساره.
وكذلك ما يوجب التعزير أو يوجب الحد، مثال الذي يوجب التعزير: سرقة مال يسير دون نصاب السرقة، وكذلك قذف بغير الزنا، إذا قذفه بغير الزنا ولو بالكفر أو بالبدعة فإنه إذا جاء شاهدان فقالا: نشهد أن هذا كفر فلاناً، أو أنه رماه بأنه يشرب الخمر أو أنه قد سرق فشاهدان يكفيان في عقوبة التعزير، فلو شهد عليه اثنان أنه سرق تحت النصاب عزر، ولو شهدا أنه ضم امرأة أجنبية أو قبلها وهي لا تحل له أو نحو ذلك ففيه التعزير، ويقبل فيه شاهدان.
وكذلك عقد النكاح يكفي فيه شاهدان؛ لقول النبي ﷺ : (لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل) .
وكذلك عقد المبايعة والإجارة ونحو ذلك.
يقول: (ما ليس بمال ولا يقصد به المال، ويطلع عليه الرجال غالباً يقبل فيه رجلان) .
فيقبل رجلان في القصاص وفي الحدود وفي العقوبات وما أشبه ذلك مما يطلعون عليه، وكذلك في إثبات النسب إذا قال: إن هذا ابني، فقيل: ائت بشاهدين، فجاء بشاهدين؛ ثبت نسبه.
وكذلك الطلاق، قال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق:٢] فهذه كلها يقبل فيها رجلان، ولا يقبل فيها النساء، فلا تقبل شهادتهن في إثبات الحدود، وتكون مرجحة فإذا شهد نساء أن هذا دخل بيت فلان وسرق منه، فلا يقام عليه حد القطع، ولكن يعزر، وكذلك لو شهد النساء أن هذا شرب خمراً أو أن هذه شربت خمراً فلا يقام الحد ولكن يقام التعزير.
стр. 2121
ما يقبل فيه شهادة رجل وامرأتين
متى تقبل شهادة رجل وامرأتين؟ في المال وما يقصد به المال، فيقبل رجل وامرأتان في البيع كما قال الله تعالى: ﴿َاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ [البقرة:٢٨٢] فهذا في المبايعات؛ لأنها مال، يقول الشهود: نشهد أنه باع هذه الدار على فلان، نشهد أنه أقر بدين قدره ألف أو عشرون ألفاً، نشهد أنه أوصى له بمال، نشهد أنه وهبه هذه الشاة مثلاً، نشهد أنه كساه هذا الثوب.
فالمال وما يقصد به المال تقبل فيه شهادة النساء مع الرجال، والذي يقصد به المال هو ما يستفاد منه مالياً كما لو قالوا: نشهد أنه أسكنه هذه الدار مجاناً، أو منحه هذه البقرة ليشرب من لبنها أو ما أشبه ذلك، فهذه تقبل فيها شهادة رجل وامرأتين.
وإذا لم يكن هناك إلا رجل فتقبل شهادته مع اليمين، ثبت عنه ﷺ أنه قضى بالشاهد واليمين، فإذا جاء المدعي بالشاهد وقال: لا أعرف شاهداً آخر، عند ذلك قال: عليك اليمين، احلف مع شاهدك ونحكم لك، فإذا حلف ومعه شاهد حكم له، هذا في المال أو ما يقصد به المال.
وأما شهادة زنا، أو شهادة سرقة، أو شهادة سكر، أو شهادة قذف، أو شهادة نكاح أو طلاق؛ فلا تقبل فيها النساء، ولا تكفي فيها اليمين.
стр. 2122
ما يقبل فيه شهادة الواحد
متى تقبل شهادة واحد؟ ذكر أنه يقبل قول طبيب واحد مجرب إذا أثبت أن هذا مريض أو أن هذه الدابة مريضة، ففي الأمراض تقبل شهادة الطبيب، وكذلك في الدواب إذا قال: هذه الدابة معيبة، وكان معروفاً بالخبرة فإنها تقبل شهادته.
وكذلك الموضحة - وهي الشجة التي تصل إلى العظم-إذا شهد المقدر أنها وصلت إلى العظم، فتقبل شهادته ولو كان وحده، فإن تيسر اثنان يقولان: نشهد أنها موضحة وصلت إلى العظم فهو أفضل، فإن لم يتيسر قبل واحد مع العذر.
стр. 2123
شهادة النساء
تقبل شهادة النساء فيما لا يطلع عليه الرجال غالباً من أمور النساء الخفية، وإنما يطلع عليها النساء، مثل العيوب الخفية التي تحت الثياب، فإذا شهد النساء مثلاً أنها بكر أو أنها ثيب فهذا لا يطلع عليه الرجال، أو أن فيها عيباً كعفل أو قرن أو فتق وغيرها مما يذكر من عيوب النساء التي ترد بها في النكاح، وتقدم في كتاب النكاح ذكر العيوب كالرتق والعفل والقرن ونحو ذلك، فهذه لا يطلع عليها إلا النساء، فإذا شهدت امرأة ثقة بمثل هذا فإنه يقبل.
وكذلك الرضاع، فهذا أيضاً لا يطلع عليه الرجال، ودليله: قصة عقبة بن عامر لما تزوج أم يحيى بنت أبي إهاب، فجاءت أمة سوداء فقالت: إني قد أرضعت عقبة والذي تزوج بها، فأنكر ذلك عقبة وقال: أنا ما أعرف ذلك، فعند ذلك سأل النبي ﷺ ، فقال: (كيف وقد قيل؟ خلها عنك) ففارقها عقبة وتزوجت غيره، فهذا دليل على أنها تقبل شهادة المرأة الواحدة في الرضاع؛ لأنه لا يعرف إلا من قبلها.
وكذلك الشهادة في الاستهلال، وفسر الاستهلال بالصياح، فإن الولد إذا خرج من بطن أمه واستهل -أي: صاح- يكون حياً وإن لم يصح يكون ميتاً؛ وذلك لأنه إذا خرج حياً واستهل وصرخ دل ذلك على أنه حي فيورث، وإذا ولد ميتاً فلا يورث، فإذا قالت المرأة الواحدة: أشهد أنه استهل، يعني: صاح عندما ولد، قبلت شهادتها وحدها.
وكذلك الجروح الخفية في المرأة، إذا قالت امرأة: اطلعت على جرح في هذه المرأة تحت الثياب، وقد يكون هذا في الحمامات، فهناك حمامات خاصة للنساء في بعض البلاد الباردة، وحمامات أخرى للرجال يغتسلون فيها، والغالب في ذلك الزمان أنها تكون مظلمة، لم يكن هناك كهرباء، ولا يستخدمون فيها السرج؛ وذلك لأنها ليس لها منافذ، فالنساء قد يقع بينهن في الحمام شيء من المشاجرات والمخاصمات والضرب ونحو ذلك، فإذا شهدت امرأة واحدة أنها رأت جرحاً في هذه المرأة تحت الثوب، وأنه بسبب فلانة قبلت شهادتها.
يقول: وكذلك الجراحات التي في العرس، فإذا كان النساء في حفل زواج، فقد يحصل بينهن شيء من الاختلاف ومن المضاربة في ذلك الحفل، فتحصل جراحات وما أشبه ذلك، فإذا شهدت بذلك امرأة واحدة عدل موثوقة قبلت شهادتها، وكذلك بطريق الأولى الرجل.
стр. 2124
الشهادة على الشهادة
هذا الفصل يتعلق بالشهادة على الشهادة، ويبوبون له: باب الشهادة على الشهادة، والمراد تحمل الفرع للشهادة عن الأصل، إذا كان إنسان عنده شهادة، وخاف أنه يموت، وجاء إلى إنسان وقال: اشهد على شهادتي أني أعرف أن هذا ملك لفلان، أو أعرف أن هذا الرجل يرث فلاناً، وأنه أقرب من يرثه، أو أشهد أن هذه البئر حفرها فلان، اشهد على شهادتي، فهذه تسمى الشهادة على الشهادة.
فتقبل فيما يقبل فيه كتاب القاضي إلى القاضي، وقد تقدم أنه يقبل كتاب قاضٍ إلى قاضٍ في كل حق آدمي، وفي كل ما حكم به لينفذه، وكذلك الشهادة على الشهادة في حقوق الآدميين، وأما في حقوق الله فلا، فإذا قال: أشهد أن فلاناً زنى، اشهد على شهادتي، وأشهد أن فلاناً سرق ما بلغ النصاب ووجب عليه قطع يد، أشهد أن فلاناً شرب الخمر، فاشهد على شهادتي، فلا يشهد على الشهادة إلا في حقوق الآدميين؛ لأن حقوق الآدميين مبنية على المشاحاة والمضايقة، وأما حقوق الله تعالى فإنها مبنية على المسامحة.
стр. 2125
شروط الشهادة على الشهادة
ما هي كيفية تحميل الشهادة؟ ومتى يشهد الفرع على شهادة الأصل؟ يشترط لتحميل الشهادة -أولاً- أن يتعذر شهود الأصل، فإذا كان شهود الأصل موجودين فلا حاجة إلى الفرع، فنأتي بالأصل، ونحضرهم عند القاضي فيقولون: نعم، نشهد أن فلاناً باع كذا واشترى كذا، نشهد أنه غرس أو أنه حفر أو أنه بنى هذا المكان، أو أنه باع، أو أنه اشترى، أو أنه صنع كذا، نشهد بذلك.
فإذا تعذر شهود الأصل احتيج إلى شهود الفرع.
متى يتعذر شهود الأصل؟ يتعذر بالموت، الشاهد الأول مات، فنأتي بالفرع ونقول له: أليس فلان أشهدك قبل أن يموت على أن هذا ملك لفلان؟ فيقول: نعم، وحملني شهادته.
وكذلك إذا كان مريضاً، فالمريض إذا كان عنده شهادة ثم قال لك: إني لا أقدر على الذهاب إلى القاضي، ولكن اشهد عني وانقل شهادتي بأني أشهد أن هذا لفلان وأن هذا لفلان، فإنه يقبل.
وكذلك إذا كانت غيبة طويلة، ويمثلون بالغيبة مسافة قصر وهي في ذلك الزمان غيبة طويلة، مثلاً من الرياض إلى الخرج أو إلى قرى سدير، هذه مسافة طويلة في ذلك الوقت، فكانوا يحتاجون للشهادة على الشهادة، فيقول: أنا لا أقدر أن أرسل رسالة إلى القاضي ولكن احمل شهادتي إليه، اشهد أني أشهد أن فلاناً باع كذا أو اشترى كذا أو ما أشبه ذلك، فحينئذ تقبل شهادة الفرع.
وقد ذكرنا أن الزمان قد تغير في مسألة القرب والبعد، ففي هذه الأزمنة صار ذلك البعيد قريباً، كان مسيرة خمسة أيام فأصبح مسيرة ساعتين أو ثلاث ساعات، فلا يكون هناك مشقة، فيقال لصاحب الحق: أحضر شاهدك، إذا كان مثلاً في القصيم أحضره، فالقصيم قريبة، وأربع ساعات أو عشر ساعات لا يضرك أن تذهب وتأتي به.
وفي هذه الأزمنة يكون هنا الاستخلاف، والاستخلاف عند القضاة أن يكتب القاضي إلى القاضي الآخر فيقول: استخلفتك في سماع شهادة فلان، فالمدعي يقول: شهودي بعيدون في مكة أو في نجران، ولا أقدر أن أقدمهم؛ لأن علي تكلفة عندما آتي بهم، أدفع أجرة إركابهم ونحو ذلك، ولكن أيها القاضي أعطني استخلافاً لقاضي نجران أو لقاضي مكة، فيكتب قاضي الرياض إلى قاضي مكة: استخلفتك لتثبت الشهادة التي عند فلان لصالح فلان وترسلها إلينا، فإذا أرسلها فإنه يجعلها في ظرف مختوم، ويختم عليها، ويكتبها في أوراق رسمية؛ فيجزم القاضي الأول أن هذا ختم فلان، وأن هذا إثباته، ففي هذه الحال أصبحت المسافة البعيدة قريبة، فلا حاجة حينئذ إلى التحمل.
فالحاصل أنه إذا مات شهود الأصل أو مرضوا أو اختفوا أو غابوا غيبة طويلة ولا يدرى أين هم، أو خافوا إذا خرجوا من السلطان، أو خافوا من غريم، يقول: أنا إذا ذهبت إلى المحكمة فإن السلطان يطلبني؛ لأن علي له تبعة أو لأن فلاناً سيمسكني لأن عندي له ديناً، فيمسكني ويطلبني وأنا لا أقدر على سداده يختفي، ففي هذه الحال تقبل شهادة الفرع، فيوكل ويقول: اشهد على شهادتي.
ويشترط ثانياً: دوام عدالتهما، يعني: عدالة الأصل والفرع، فيقول الشاهد الأصل: اشهد على شهادتي، ثم نسأل: هل تعرف ياقاضي شاهد الأصل؟ فقال: نعم، أعرفه وأعرف عدالته، وشاهد الفرع هذا هل تعرفه؟ قال: نعم، فإذا قال: لا أعرف الفرع ولا أعرف الأصل، فكيف نفعل؟ يكلف صاحب الحق المدعي أن يزكي شاهدي الأصل والفرع.
ويشترط ثالثاً: الاسترعاء، يعني: التحميل، وهو استرعاء الأصل للفرع أو استرعاؤه لغيره وهو يسمع، كأن يقول: اشهد بأني أشهد أن فلان بن فلان أشهدني على نفسه أو أقر عندي بكذا ونحوه.
وكذلك إذا قال: اشهد على شهادتي فإن عندي شهادة أن فلاناً باع كذا، أو اشترى كذا، أو ابتاع كذا، أو أوقف كذا، أو أجر كذا، أو حفر، أو غرس، أو عمر، أنا أشهد على هذا، وأنا أخشى من الموت، فاشهد على شهادتي، فهذا يسمى استرعاء.
كذلك إذا سمعته يحمل غيرك، فأنت مثلاً اسمك إبراهيم، سمعت صاحب الأصل يقول: يا سعيد! اشهد على شهادتي، فإني أشهد أن البيت الفلاني وقف، أو أن البئر الفلاني وقف على المسجد أو أن هذه الأرض الفلانية وقف للمقبرة، فيشهد سعيداً، فأنت يا إبراهيم تقول: نعم، أشهد أني سمعته يقول: يا سعيد احمل شهادتي واشهد أني أشهد بكذا وكذا، هذا هو الاسترعاء، تقول: أشهد أني أشهد أن فلان بن فلان أشهدني على نفسه، أو أقر عندي بدين، أو أقر بالقبض، أو أقر بالبيع، أو أقر بوقف أو نحو ذلك.
وهكذا إذا سمعته يشهد عند الحاكم، فيقول: ياحاكم! عندي شهادة، ولكن الحاكم مثلاً تغافل ولم يكتب شهادته، فشهدت أنت بشهادته، وكذلك إذا سمعته يعزوها إلى سبب كبيع وقرض، يقول: نعم، أنا أشهد أن فلاناً استقرض من فلان ألف ريال، ثم مات الشاهد الأول وأنكر المقترض، وأنت سمعت ذلك الشاهد، ففي هذه الحال لك أن تشهد وتقول: إني سمعت فلاناً يشهد بهذا القرض ويعترف به، في هذه الحال لك أن تشهد، فإذا قلت مثلاً: إن فلاناً أشهدني على نفسه، أو أقر عندي بكذا ونحوه، أو سمعته يشهد عند الحاكم، أو سمعته يعزوها إلى سبب، قال مثلاً: عندي دين لفلان ثمن البيت، أو ثمن الأرض، أو ثمن البستان، أو ثمن الطعام، عندي بيت، عندي دين، أقرضني زيد، فإذا سمعته فلك أن تشهد على شهادته.
يقول: (وتأدية فرع بصفة تحمله) ، هذا أيضاً من الشروط، كيف تؤدي وأنت الفرع؟ تؤدي بصفة التحمل، أنت تحملت عن إنسان متحمل، وذلك أنه حملك الشهادة، فأد بصفة ما حملك ولا تزد ولا تغير، فتقول مثلاً: أشهدني على البيع ولم يشهدني على قيمة الثمن، ولكن أشهدني أن فلاناً باع هذه الدار على فلان دون أن يشهدني على قدر الثمن، فتشهد بصفة التحمل.
ومن الشروط أيضاً: تعيينه الأصل، أي: أن يسمي أصله، فإذا كان الأصل الشاهد اسمه إبراهيم، والفرع اسمه سعيد، فهو يقول: أنا سعيد، أشهد على شهادة إبراهيم، ويسميه حتى يعرف، وهذا معناه تعيينه لأصل بحيث يتعين، فلا يقول: سمعت رجلاً أو سمعت واحداً من أهل هذه البلد أو أشهدني إنسان لا أعرفه بكذا وكذا، فلابد من تعيين الأصل.
ومن الشروط: ثبوت عدالة الجميع.
فالشروط هي: الأول: تعذر شهود الأصل، الشرط الثاني: دوام العدالة، فإذا كان عدلاً وقتاً ثم صار غير عدل بطلت.
الشرط الثالث: الاسترعاء والتحميل، أن يقول: اشهد أن أشهد أن عند فلان كذا وكذا.
الشرط الرابع: تأدية الفرع بصفة ما تحمله.
الشرط الخامس: تعيين الأصل، أن يقول: أشهد بشهادة فلان.
الشرط السادس: ثبوت عدالة الجميع عند القاضي، فلابد أن يتثبت.
стр. 2126
حكم رجوع الشهود
يقول: (إذا رجع شهود مال قبل الحكم لم يحكم، وبعده لم ينقض، ويضمنون) ، وكذلك أيضاً دية ما فات بسببهم، فإذا قالوا مثلاً: يا قاضي! نحن شهدنا أن فلاناً عنده دين لفلان، والآن تراجعنا، لا ندري يمكن أنه فلان ويمكن أنه غيره، ففي هذه الحال لا شك أنه لا يحكم الحاكم، فالشاهدان قد تراجع كل منهما عن شهادته.
وأما بعد الحكم فالحكم لا ينقض؛ وذلك لأنه بني على بينة، ولكن هذا الشاهد الذي بني على شهادته يغرم ما حصل بشهادته، كيف يغرم؟ إذا قالوا مثلاً: نشهد أن هذا هو القاتل الذي قتل فلاناً، ثم إن ذلك الشخص قتل ثم ندموا وقالوا: كذبنا ليس هو القاتل، القاتل ولا نعرفه، أو القاتل غيره، فما الحل؟ يقتلون إلا أن يقبل أولياء المقتول الدية؛ لأنهم تسببوا في قتل هذا الإنسان، وإذا شهدوا عليه في قطع يد، وقالوا: نشهد أن هذا هو الذي قطع يد زيد، وقطعت يده قصاصاً، وبعد ذلك تراجعوا وقالوا: ندمنا، نحن لا ندري، أو ليس هو ولكنه غيره، فيضمنون اليد؛ لأنهم السبب في قطعها؛ ولأن تراجعهم وقع بعدما تم الحكم.
وهكذا أيضاً إذا كان المشهود به مالاً، إذا شهد شاهدان أن فلاناً عنده ألف لزيد، وألزمه الحاكم ودفعها، ولما دفعها تراجع الشاهدان وقالا: رجعنا، هل الحاكم ينقض الحكم فيقول: يا فلان! رد الألف فإنها ليست لك، شهودك كانوا شهود زور وقد تراجعوا؟ ليس له نقضه، وليس له رده؛ ولكن يضمنان، فالشاهدان هما السبب، فيغرمان هذا المال، فالحاكم يبني حكمه على شهادتهما.
كان شريح يقول لبعض من يوصيهم: القضاء جمرة، فإياك أن تمسها إلا بعودين، والعودان هما الشاهدان، يعني: قدر هذه القضية جمرة، فلو مسستها بيدك أحرقتك، ولكن لو قبضتها بعودين ورفعتها ما أحسست بذلك، فالشاهدان هما العودان.
стр. 2127
ضمان المفتي والقاضي إذا بان خطؤهما لمخالفة نص قاطع
بعد ذلك ذكر المؤلف الخطأ في الفتوى أو في القضاء، يقول: (إذا بان خطأ المفتي أو خطأ القاضي في إتلاف لمخالفة قاطع ضمنا) : المفتي هو الذي يتحمل الفتوى بشيء من العلم الذي عنده، لكن كان القضاة هم الذين يفتون، وفي هذه الأزمنة نصب المفتي ونصب القاضي، فإذا أخطأ المفتي فإنه يضمن، أخطأ مثلاً وأفتى بحل هذا النكاح وتبين خطؤه، وكان الرجل قد دخل بالمرأة وأزال بكارتها، فالمفتي هو الذي يضمن؛ لأن هذا ليس بنكاح صحيح.
قوله: بإتلاف يعني: إتلاف شيء بسبب فتواه، لمخالفة قاطع: أي: لمخالفة شيء ضروري قطعي الثبوت.
стр. 2128
شرح أخصر المختصرات [٨٨]
الإقرار سيد الأدلة، وهو مقدم على غيره، وله أحكام كثيرة بينها أهل العلم، والقضاة من أعلم الناس بها لحاجتهم إليها في فصل الخصومات بين الناس، وإيصال الحقوق إلى ذويها.
стр. 2129
الإقرار
قال المصنف ﵀: [كتاب الإقرار: يصح من مكلف مختار بلفظ أو كتابة، أو إشارة من أخرس، لا على الغير إلا من وكيل وولي ووارث.
ويصح من مريض مرض الموت لا لوارث إلا ببينة أو إجازة، ولو صار عند الموت أجنبياً.
ويصح لأجنبي ولو صار عند الموت وارثاً.
وإعطاء كإقرار.
وإن أقرت أو وليها بنكاح لم يدعه اثنان قبل.
ويقبل إقرار صبي له عشر أنه بلغ باحتلام.
ومن ادعي عليه بشيء فقال: "نعم" أو "بلى" ونحوهما أو "اتزنه" أو"خذه" فقد أقر، لا "خذ" أو "اتزن" ونحوه.
ولا يضر الإنشاء فيه.
وله علي ألف لا يلزمني، أو ثمن خمر ونحوه يلزمه الألف.
وله أو كان علي ألف قضيته أو برئت منه فقوله.
وإن ثبت ببينة أو عزاه لسبب فلا.
وإن أقر وأنكر سبب الحق، ثم ادعى الدفع ببينة لم يقبل.
ومن أقر بقبض أو إقباض أو هبة ونحوها، ثم أنكر، ولم يجحد إقراره ولا بينة، وسأل إحلاف خصمه لزمه.
ومن باع أو وهب أو أعتق، ثم أقر بذلك لغيره لم يقبل، ويغرمه لمقر له.
وإن قال: لم يكن ملكي، ثم ملكته بعد، قبل ببينة ما لم يكذبها بنحو قبضت ثمن ملكي.
ولا يقبل رجوع مقر إلا في حد لله.
وإن قال: له علي شيء، أو كذا، أو مال عظيم ونحوه، وأبى تفسيره، حبس حتى يفسره، ويقبل بأقل مال، وبكلب مباح، لا بصبية أو خمر أو قشر جوزة ونحوه.
وله تمر في جراب أو سكين في قراب، أو فص في خاتم، ونحو ذلك يلزمه الأول.
وإقرار بشجر ليس إقراراً بأرضه، وبأمة ليس إقراراً بحملها، وببستان يشمل أشجاره.
وإن ادعى أحدهما صحة العقد، والآخر فساده فقول مدعي الصحة.
والله أعلم بالصواب] .
آخر الكتاب هو الإقرار، وهو أحد ما يحكم به الحكام؛ لأن القاضي يحكم بالشهود ويحكم بالإقرار، يعني: الاعتراف، أي: يعترف إنسان بشيء، ويقولون: لا عذر لمقر، ذكر أن شريحاً القاضي كان يجلس للقضاء، فجاءه رجلان فقال أحدهما: إني تزوجت امرأة وإنها شرطت دارها، فقال: الشرط أوثق، فقالا: احكم بيننا، قال: قد فعلت، فقال: على من حكمت؟ قال: على ابن أمك، يعني: عليك أنت؛ لأنك اعترفت بأنها شرطت والشرط أوثق، فأنت لما اعترفت بهذا الشرط ألزمناك بموجبه.
стр. 2130
من يصح إقراره
قال: (يصح إقرار من مكلف مختار بلفظ أو كتابة أو إشارة من أخرس) : الإقرار هو الاعتراف، لابد أن يكون المقر مكلفاً، المكلف هو البالغ العاقل، فلا يقبل إقرار الصبي واعترافه؛ لأنه غير مكلف، ولا إقرار المجنون؛ لأنه فاقد للعقل فلا يقبل إقراره، وكذلك لا يعمل بإقرار المكره، فإذا أكره وقيل: اعترف وإلا ضربناك، في هذه الحال إذا اعترف فإنه لا يلزم بهذا الاعتراف؛ ولذلك إذا أنكر بعد ذلك فإنه لا يقام عليه حد أو نحو ذلك، لكن إذا ثبت أن إقراره بدون إكراه فلا يقبل رجوعه.
وكثير من المتهمين يقبض عليهم الجنود، ويدخلونهم السجن، وقد يضربونهم ثم يعترف أحدهم بأنه القاتل، أو بأنه السارق، أو بأنه القاطع، أو بأنه المتهم بكذا والفاعل كذا، ثم إذا حضر عند القاضي وقد وقع عند الشرطة أنكر، فالقاضي لا يؤاخذه؛ لأنه يقول: إنني ما أقررت إلا تحت الجلد، ما أقررت إلا بعدما ضربوني وآلموني ألماً شديداً، فلم أستطع أن أتحمل فاعترفت للتخلص من ضربهم، فإن كان صادقاً فإنه لا يقبل اعترافه ولا يؤاخذ به، إلا إذا ذكر الشرط أنه اعترف باختياره ثم جاء من لقنه وقال له: أنكر حتى لا تؤاخذ، فأنكر عند القاضي، وقد كان اعترف طائعاً مختاراً، فلا يقبل إنكاره.
والإقرار يكون بالكلام، أي: بالتلفظ، يقول: أقر وأعترف بأن عندي لزيد ديناً أو ألفاً، أو أقر وأعترف بأني بعته بيتي بكذا وكذا، أو أقر وأعترف بأني الذي قطعت يده أو قتلت ابنه، أو الذي قلعت شجرته.
أو بكتابة، فإذا كتب على نفسه بخط يده، وكان هناك من يشهد أن هذا خط يده وتوقيعه، فإن ذلك يقبل منه.
وكذلك إذا كان أخرس لا يتكلم، ولكن إشاراته مفهومه، يشير بيده كذا وكذا فيفهمه الحاضرون، فإذا اعترف على نفسه فإنه يؤخذ على إقراره.
وأما إذا شهد على غيره وأقر على غيره فإنه لا يقبل، وكل أحد إذا أقر على غيره لا يقبل إقراره إلا الوكيل والولي والوارث.
فالإنسان الذي يقر على نفسه يقول: عندي دين، أما أن يقول: عند أخي أو عند أبي فهذه شهادة، ولا تكون إقراراً، لكن تقبل من الوكيل إذا قال: أنا وكيل لهؤلاء الأيتام، أقر بأني بعت ملكهم بكذا، بعت عقارهم أو بعت غنمهم بكذا؛ لأني موكل من قبل القاضي، فيقبل إقراره.
وكذلك ولي المرأة في النكاح إذا اعترف وقال: أقر بأني قد عقدت لها؛ لأني ولي أمرها، أنا أخوها، أو ابن أخيها وقد رضيت وعقدت لها.
وكذلك الوارث: إذا مات إنسان وخلف ورثة، واعترفوا وقالوا: نقر ونعترف بأن مورثنا مدين بكذا، عنده لفلان مائة أو ألف، أو أنه الذي وهب كذا، أو وقف كذا، أو ما أشبه ذلك، فيقبل إقرار الورثة.
هل يصح إقرار المريض؟ يصح ولو كان مريضاً مرض الموت، فيصح إقراره على نفسه، لكن لا يصح إقراره لوارث إلا ببينة أو إجازة؛ وذلك لأنه متهم بإضرار الورثة، فإذا اعترف عند الموت وقال: أعترف بأن بيتي هذا لزوجتي، ويريد بذلك أن يضر زوجته الثانية، أو يضر أولاده الآخرين؛ فلا يقبل إقراره، أو قال: أعترف بأني قد وهبت ابني الأرضية الفلانية أو السيارة الفلانية وأنكر ذلك بقية أولاده فلا يقبل؛ لأنه متهم بإضرارهم، والوالد عليه أن يسوي بين أولاده، فإذا أقر لوارث فلا يصح إلا ببينة أو إجازة.
البينة أن يقول شاهدان: نشهد أنه قد أقر عندنا قبل المرض بأن البيت الفلاني ليس له، وإنما هو لزوجته أو لولده الأكبر أو ما أشبه ذلك.
وكذلك إجازة الهبة أو الوقف أو نحو ذلك، إذا قال في مرض موته: قد أجزت عطيتي لفلان، أو هو وقف لكذا وكذا، أو أجزت لفلان أن يسكن في البيت كذا وكذا، لأنه كان قد طلبني وتوقفت، ولكن الآن قد أجزت، فلا تقبل للوارث حتى لو صار عند الموت أجنبياً، مثلاً: أقر به له لأنه عمه، وقبل الموت ولد له ولد فحجب العم، وأصبح العم أجنبياً، وتصح له الوصية ولكن العبرة أنه في حالة الوصية كان متهماً.
ويصح الإقرار لأجنبي ولو صار عند الموت وارثاً، وصورة ذلك أن يقول: أقر على نفسي أن ابن عمي فلاناً يطالبني بألف أو عندي له خمسة آلاف، أو أنه أعارني البيت الفلاني، وليس بملك لي، ففي مثل هذه الحال يقبل؛ لأنه في حالة الإقرار ليس بمتهم، وليس بوارث، ولا يريد أن يورثه، لكن لو قدر أن ابن عمه هذا أصبح وارثاً له؛ بأن مات ابنه الذي كان حاجباً له، وورث ابن العم، فيقبل إقراره ولو كان عند الموت وارثاً.
стр. 2131
العطية كالإقرار
يقول: (وإعطاء كإقرار) ، العطية كالإقرار لا تصح في مرض الموت، فلا يصح في مرض الموت أن يوصي بأكثر من الثلث، ولا يصح في مرض الموت أن يقول مثلاً: أعطيت زوجتي كذا، أعطيت ولدي الأكبر كذا، أعطيت بنتي كذا؛ لأن المال قد تعلقت به حقوق الورثة الباقين، فلهم حق، فإذا أعطاهم أعطى الآخرين، فلا تصح الوصية في مرض الموت إلا لأجنبي.
стр. 2132
الإقرار بنكاح لم يدعه اثنان
قال: (وإن أقرت أو وليها بنكاح لم يدعه اثنان قبل) أي: إذا اعترفت وقالت: نعم، أنا أقر أني زوجة فلان، ولم يدع زوجيتها إلا واحد، بأن قال: أنت زوجتي، فقالت: نعم، أقر بأني زوجتك، صح أما إذا جاء اثنان وكل واحد منهم يقول: هذه زوجتي هذه زوجتي، فأقرت لأحدهما لم يصح؛ وذلك لأن كل واحد منهما يدعي الزوجية، فلا يصح، ولكن في هذه الحال تفسخ من زوجها، وتزوج بمن شاءت.
стр. 2133
إقرار الصبي
متى يقبل إقرار الصبي؟ إذا بلغ بالاحتلام، وقد يحتلم وهو ابن عشر، فإذا كان محتلماً -يعني: بالغاً- ففي هذه الحال يقبل ما أقر به، إذا قال مثلاً: نعم، أنا الذي فقأت عين فلان، أنا الذي جرحته، أنا الذي صدمت سيارته، قبل إقراره؛ لأنه ليس بسفيه؛ ولأنه يعتبر مكلفاً.
стр. 2134
تأثير الألفاظ في الإقرار
قال: (من ادعي عليه بشيء فقال: نعم، أو بلى، أو نحوهما، أو اتزنه، أو خذه، فقد أقر) إذا قال له: عندك لي ألف، قال: نعم، أو قال: أليس لي عندك ألف؟ فقال: بلى، هل يؤاخذ؟ نعم يؤاخذ بهذا الإقرار ويلزم به.
وكذلك لو قال مثلاً: عندك لي عشرة آصع بر، أو عشرة كيلو لحم، فقال: خذه أو اتزنه أو اكتله، فمعنى ذلك: أنه عنده، ويقول: خذه، أي: قرب مكيالاً أو قرب ميزاناً وخذه، فهذا يعتبر إقراراً، فإذا أنكر بعد ذلك لم يقبل منه.
لكن لو قال: خذ أو اتزن، فإن هذا لا يكون إقراراً بهذا المقدار، أي: لو قال: عندك لي عشرة آصع، فقال: خذ، فقد يقول: ما أردت بخذ إلا صاعاً واحداً، أو قال: اتزن، ثم قال: ما أردت بالاتزان إلا كيلو واحداً، فلا يكون إقراراً بكيل الجميع.
قال: (ولا يضر الإنشاء فيه) الإنشاء هو الابتداء، أن يبتدئ ويقول: أنا عندي لفلان كذا، هذا إنشاء، يعني: ابتداء الكلام.
(وإذا قال: له علي ألف لا يلزمني، أو) له علي ألف (ثمن خمر) ، أو ثمن خنازير، (يلزمه الألف) ، أي: يطالب بالإلف؛ وذلك لأن إقراره بالألف اعتراف، ثم قوله بأن هذا ثمن خمر هذه دعوى، والمدعي لا تقبل دعواه إلا ببينة، فإذا أتى ببينة أن هذا ثمن خمر سقطت عنه؛ لأن الخمر لا قيمة لها.
وأما قوله: لا يلزمني، فإن هذه دعوى، كيف تقول عندك لي ألف ثم تقول: لا يلزمني؟ ما السبب؟ إذا كانت عندك فإنها تلزمك؛ لكن إذا قال: له علي ألف قد قضيته أو كان علي ألف قضيته، أو ألف وبرئت منه، أو أبرأني، أو أسقطه عني، فإنه يقبل قوله بيمينه.
أنت الآن اعترفت بهذا الألف، وأنكر هو أنه قد قضي أو أنه أبرأك منه، فاحلف على هذا.
لكن إذا ثبت ببينة أو عزاه لسبب فلا يقبل إلا ببينة، إذا قال مثلاً: نعم، عندي له ألف وثبت ببينة، وشهدت الشهود أن الألف ثابت، ثم ادعى بعد ذلك أنه قد قضاه؛ فلا يقبل منه إلا ببينة على القضاء، وكذلك إذا قال: عندي له ألف قرضاً أو عندي له ألف بقية ثمن سيارة أو ثمن دار، فعيَّن الثمن أو ذكر السبب بأنه قرض أو أجرة دار أو نحو ذلك؛ فلا يقبل قوله بالإسقاط وبالقضاء إلا ببينة.
стр. 2135
من أنكر سبب الحق ثم ادعى الدفع ببينة
يقول: (وإن أنكر سبب الحق ثم ادعى الدفع ببينة لم يقبل) ، إنكار سبب الحق كأن يقول: ما شريت منك، ولا استأجرت منك، ولا اقترضت منك أبداً، وبعد ذلك ثبت الشراء، ولما ثبت الشراء قال: صحيح أنني قد اشتريت منك، لكن عندي بينة أنني قد قضيتك، وأحضر من يشهدون بالقضاء وبالوفاء، ففي هذه الحال لا تقبل؛ لأنه أنكر الأصل.
يقولون: لا يقبل قوله حتى ولو أتى ببينة، ويوجد قول ثانٍ ولعله أقرب وهو: أنها تقبل إذا ادعى النسيان، إذا قال: أنا نسيت أني اشتريت منك سيارة، أو نسيت أني اشتريت منك الطعام، ولكن تذكرت الآن، وعندي بينة أنني قضيتك، وهي بينة عادلة، فجاء بالبينة بأنه قد قضاه، ففي هذه الحال تقبل البينة، والقول الأول يقول: تكذب البينة؛ لأنه جاحد يقول: ما اشتريت منه، ولا استأجرت منه، ولا أعرفه، ولا اقترضت منه، ولا شيء عندي له أبداً.
ثم ثبت ذلك الدين، ثم ادعى وقال: إني قد قضيته.
وكان ذلك بعد أن أنكر، فيقولون: لا يقبل قوله ولو بالبينة؛ لأنه يكذب البينة، ولكن إذا ادعى النسيان فالصحيح أنه يقبل منه ببينة.
стр. 2136
حكم من أقر بقبض ثم أنكر ولم يجحد إقراره
قال: (ومن أقر بقبض أو إقباض ببينة أو هبة ونحوها، ثم أنكر ولم يجحد إقراره ولا بينة وسأل إحلاف خصمه لزمه) : صورة ذلك أن يقول: أنا أعترف بأني اقترضت منك ألفاً أو وهبتك ألفاً أو أقبضتك الهبة، أعترف بأني قد وهبتك مثلاً شاة وأنك استلمتها، أو وهبتك مائة وسلمتها لك، أو أعترف أنك أقبضتني مثلاً ألفاً، أو قبضت منك ألفاً أو نحو ذلك، أو وهبتني كذا ولكني ما قبضت، أو قبضت ولكني ما أثبتك على شيء من ذلك.
ثم أنكر ولم يجحد إقراره، أي: أنكر بعد ذلك أن يكون مديناً بألف أو بنصف ألف، لكن ما جحد إقراره، فهو معترف بأنه قبض أو أقبض أو وهب، وما وجد بينة، ولكن قال: احلف يا خصم أني ما أقبضتك الألف، احلف أنك أقبضتني الألف، احلف أنك وهبتني أو أني وهبت لك.
فيحلف الخصم.
стр. 2137
حكم من باع أو أعتق ثم أقر به لغيره
يقول: (ومن باع أو وهب أو أعتق ثم أقر بذلك لغيره لم يقبل، ويغرمه لمقر له) : صورة ذلك أن يبيع شاة ويستلم ثمنها أو يهب كيساً أو يعتق عبداً على أن هذه كلها ملكه، وبعد ذلك اعترف وقال: أعترف الآن أن العبد الذي أعتقته ليس لي، ولكنه لابن أخي، أو لأخي أو لابن عمي، فهل يقبل منه؟ لا يقبل منه، بمعنى: أنه لا يرجع العبد عبداً، بل يبقى على حريته.
وكذلك أيضاً: هل تسترد الهبة التي وهبها ثم ادعى أنها شاة لابن عمه أو لجاره؟ لا ترد.
وكذلك لا يرد البيع، إذا قال: أنا بعتك ولكني ما ذكرت لك أن البيت ليس لي، إنما هو لجاري، وبعته ظناً أنه سيجيز البيع، والآن أريد أن أرده.
فلا يرد؛ لأنه قد لزم.
وفي هذه الأحوال يلزمه الغرامة لمن أقر له، فإذا قال: العبد لجاري، يقال: اغرمه لأنك أعتقته واعترفت بأنه ليس لك، أو قال مثلاً: الشاة التي وهبتك ليست لي وإنما لزيد، فيقال: اغرمها لزيد، والهبة لا ترد.
стр. 2138
حكم من قال: لم يكن ملكي ثم ملكته بعد
يقول: (وإن قال: لم يكن ملكي ثم ملكته بعد، قبل ببينة ما لم يكذبها بنحو: قبضت ثمن ملكي) ، إذا قال: هذا الكيس وهذه الشاة وهذا العبد الذي بعته أو وهبته أو أعتقته لم يكن في ملكي ثم ملكته بعدما أعتقته، حيث وهبه لي صاحبه، أو ملكت الشاة أو ملكت الكيس بعد الهبة وبعد التصرف؛ فإنه يقبل ببينة، فالبينة إذا شهدت بأنه ملكه قبل منه، ففي هذه الحال يمضي البيع وتمضي الهبة.
لكن إذا كذب البينة بقوله: قبضت ثمن ملكي، فإن هذا دليل أنها ملكه قبل البيع، فقوله: إني ملكتها بعد البيع يكذب نفسه، أي: إذا قال: بعتك الكيس، ثم قال: أعترف أني قبضت ثمن الكيس الذي هو ملكي، ثم ادعى بعد ذلك أن الكيس ليس ملكه، ولكن صاحبه قد باعه منه أو وهبه بعد ذلك، فإذا قال: إني قبضت ثمن ملكي، فهو يكذب البينة.
стр. 2139
رجوع المقر عن إقراره
قال: (ولا يقبل رجوع المقر إلا في حد لله) ، فمن أقر إقراراً كاملاً بشيء عليه، سواء أقر بدين أو أقر بعتق أو أقر أنه تصدق بكذا أو أقر بأنه وقف كذا وكذا، ثم قال: رجعت، ندمت، تراجعت، لا أريد وقف الدار، أو لا أريد الهبة، ولا أريد البيع، فهل يقبل رجوعه؟ لا يقبل؛ لأنه قد تعلق به حق آدمي، أما إذا كان حقاً لله فإنه يقبل.
وحق الله تعالى مثل: حد الزنا، فإذا قال: إني قد زنيت، ثم قال: رجعت عن إقراري، وكذلك حد السرقة، وحد شرب الخمر.
حد السرقة فيه حق للآدمي الذي سُرق، فإذا رده وقال: إني ما سرقته ولكنه أعطانيه، أو سرقه غيري، أو وجدته ملقى في الطريق؛ فتراجع عن السرقة، فيسقط عنه القطع، لكن يلزمه رد المال.
أما حد الشرب فحق لله تعالى، فإذا اعترف وقال: إني شربت وسكرت، ثم تراجع وقال: ما سكرت؛ قُبِل رجوعه؛ لأنه حق لله تعالى.
وحد القذف حق لآدمي، فإذا اعترف وقال: إني أعترف بأني رميت فلاناً بأنه زانٍ أو رميت فلانة بأنها زانية، ثم تراجع بعد ذلك، فهذا حق آدمي، فإذا قال المقذوف: أنا لا أتسامح، فإنه قد قذفني، واعترف بهذا عند القاضي، واعترف بهذا عند الشهود، والآن تراجع وينكر، وأنا لا أسامحه، بل أطالب بحقي في هذا، فإنه يجلد حد القذف.
стр. 2140
الإقرار بالمجمل
إذا أقر إنسان بشيء مجمل، فقال: له علي شيء، فكلمة (شيء) مجملة يدخل فيها الكبير والصغير، يدخل فيها مثلاً: له علي سيارات، له علي إبرة أو ملعقة أو سكين ونحو ذلك، فماذا نفعل إذا قال: له علي شيء؟ يقولون: يحبس حتى يفسره، فنقول: أخبرنا بذلك الشيء الذي أقررت به، لأنه لا يعرف إلا من قبلك أنت، فأنت اعترفت بأن له عندك شيئاً، هذا الشيء ما هو؟ فإذا فسره بشيء يقبل أن يكون شيئاً قبل منه ولو كان شيئاً يسيراً، فإذا قال مثلاً: نعم، له علي حد قذف، يعني: قد قذفته، أو إني قد اغتبته؛ قبل منه لأن هذا شيئاً، أو قال: إني اقترضت منه درهماً واحداً أو هللة، أو وهبته شيئاً ولم أعطه هذه الهبة قبل منه.
وكذا إذا قال: له علي كذا - كاف وذال وألف- ثم سكت، فيقال: ما هو الذي عليك؟ أخبرنا به.
ويحبس إذا لم يعترف.
وإذا قال: له علي مال عظيم ونحوه، فقد يستعظم الشيء الكثير، فينظر في حالته، فعند الفقراء مثلاً عشرة دراهم مال عظيم، والأثرياء المال العظيم عندهم الذي يكون ألفاً أو خمسة آلاف أو مائة ألف، فإذا كان من الضعفاء والفقراء وقال: له علي مال عظيم، وفسره بعشرة أو عشرين؛ قبل ذلك منه وبرئ بدفعها، وإذا أبى أن يفسر هذا المجمل حبس حتى يفسره، فإذا فسره بأقل مال قبل منه، وإذا قال مثلاً: هذا المال الذي عندي هو ثوب مستعمل أو نعل مستعملة أو قلنسوة، أو فسره بشيء يستعمل كقدر يطبخ فيه أو صحن يأكل فيه، أو سكين يذبح بها أو نحو ذلك من أقل مال؛ فإنه يقبل ولو قال: إنه عظيم.
وإذا قال: له علي مال عظيم.
ثم فسره وقال: عندي له كلب صيد، أو كلب ماشية، أو كلب حرث، أي: كلب مباح قبل منه؛ وذلك لأنه قد يطلق عليه أنه مال، أو أنه شيء يمتلك، وإن كان لا يجوز بيعه، فيقبل تفسيره بكلب أو بجلد ميتة؛ لأنه قد ينتفع به.
وإذا فسره بصبية، بأن قال: عندي له مال، ويعني: طفلة، فالطفلة (الصبية الحرة) لا تسمى مالاً فلا يقبل، أما إذا قال: عندي بعض أهله أو عندي أحد منهم أو عندي منهم، ثم فسره بطفلة أو بطفل يقبل.
وإذا قال مثلاً: له علي شيء ثم فسره بخمر، هل يقبل؟ الخمر ليس بمال، فلا يقبل، وإذا فسره بقشر جوزة لم يقبل أيضاً، فالشيء التافه مثل قشرة برتقالة أو قشرة موزة لا يتمول ولا يملك في العادة وليس له قيمة، وقد يكون له قيمة في بعض الأحيان حيث يتخذ علفاً لبعض الدواب، لكن هذا ليس دائماً.
وكذلك لو قال: عندي شيء.
ثم فسره بنوى التمر (حبات التمر) ، وقد كانت تتخذ علفاً للنواضح، حيث كانوا يطبخونها ويعلفونها للنواضح، والنواضح السواني التي يسنى عليها، ففي هذه الحال قد يقبل إذا كان شيئاً مما يتمول.
следующие страницы →