Полный текст (2 153 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
دخول مكة من أعلاها والخروج من أسفلها
يسن للمحرم أن يكون دخوله مكة من أعلاها، أعلاها هو شرقها، وقالوا: إن النبي ﷺ دخل من أعلاها وخرج من أسفلها -أي: من جهة الغرب- أعلاها طريق يقال له: كَداء وهو ما يسمى الآن (بالحجون) ، وأسفلها طريق يقال له: كُدى، ويعرف الآن بالريع، وكان كَداء طريقاً صعباً ثم إنه سهل في أزمنة متفرقة إلى أن سهلته الحكومة فأصبح سهلاً صعوده، وكذلك كُدى.
وعلى كل حال يدخل الحاج والمعتمر من أي طريق تيسر له، فلا نلزمه أن يذهب حتى يخرج من أسفلها من كُدى، ويدخل من أعلاها من كَداء، وذلك لأن هذا ليس عبادة.
стр. 492
دخول المسجد الحرام من باب بني شيبة
قوله: (والمسجد من باب بني شيبة) : كان هذا الباب صغيراً في شرق المسجد محاذياً لبئر زمزم من جهة الشمال، والمسجد في ذلك الوقت كانت مساحته ما بين محاذاة بئر زمزم وما أحاط به من حوله، ثم لما وسع المسجد هدم باب بني شيبة، وهدم ما حوله وجعلت عليه التوسعة القديمة التي هي الآن صحن، ثم بنيت البنايات في عهد الترك التي لا تزال موجودة، وجعل الترك في الجانب الشرقي مدخلاً سموه باب بني شيبة، ثم جاءت هذه التوسعة الكبيرة في عهد حكومتنا أيدها الله، وجعلوا باباً محاذياً وراء المسعى سموه باب بني شيبة، ولا شك أن تكليف الناس كلهم أن يدخلوا من ذلك الباب فيه شيء من الصعوبة، ولو كان محاذياً لباب بني شيبة القديم، فدخوله ﷺ من باب بني شيبة كان من باب المصادفة، فإن تيسر لك أن تدخل منه وإلا فلا حرج.
стр. 493
رفع اليدين والدعاء عند رؤية البيت الحرام
قوله: (فإذا رأى البيت رفع يديه وقا ما ورد) : رفع اليدين يسن في كل دعاء، قيل: إن رفع اليدين هناك كرفعهما في تكبيرة الإحرام، وقيل: إنه يرفعهما يدعو، وأثر من الدعاء أنه يقول: (اللهم أنت السلام، ومنك السلام، فحينا ربنا بالسلام، اللهم زد هذا البيت تعظيماً وتشريفاً وتكريما ومهابة وبراً، وزد من عظمه وشرفه ممن حجه أو اعتمره تعظيماً وتشريفاً وتكريماً ومهابة وبراً) .
ويقول: (الحمد لله حمداً كثيراً كما هو أهله، وكما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله) .
ويقول: (الحمد لله الذي بلغني بيته ورآني لذلك أهلاً، الحمد لله على كل حال، اللهم إنك دعوت إلى حج بيتك الحرام وقد جئتك لذلك، اللهم تقبل مني، واعف عني، وأصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت) ، أو ما تيسر من هذا الدعاء، هذا روي بعضه وبعضه قالوه استحساناً، ويرفع بذلك صوته إن كان رجلاً، والمرأة تخفض صوتها.
стр. 494
الاضطباع في الطواف
قوله: (ثم طاف مضطبعاً) : بعد ذلك يطوف مضطبعاً للعمرة المعتمر، وللقدوم غير المعتمر يعني: كالقارن والمحرم، والاضطباع: أن يجعل وسط الرداء تحت منكبه الأيمن -أي: تحت إبطه- وطرفيه على عاتقه الأيسر، فيبدي ضبعه وكتفه الأيمن، ويستر الأيسر.
стр. 495
استلام الحجر الأسود عند بدء الطواف
الطواف أن يبدأ من الحجر الأسود، وإن تيسر له قبّله، والتقبيل: أن يضع شفتيه عليه من غير تصويت، فإن لم يتيسر له استلمه بيده وقبلها، وإن لم يتيسر ذلك استلمه بعصا إن كان معه عصا أو محجن وقبلها، وإن شق ذلك عليه اكتفى بالإشارة ولا يقبل شيئاً، يحاذيه ويكبر ويسير.
وعندما يستلمه أو يقف عنده يدعو بما ورد، ومما ورد أن يقول: باسم الله والله أكبر، اللهم إيماناً بك وتصديقاً بكتابك، ووفاء بعهدك، واتباعاً لسنة نبيك ﷺ .
يسن أن يقول ذلك كلما استلم الحجر أو حاذاه.
стр. 496
استحباب الرمل في طواف القدوم
يرمل الأفقي في هذا الطواف ثلاثة أشواط ويمشي أربعاً، والرمل هو: إسراع المشي مع مقاربة الخطا، وأول ما شرع في عمرة القضية، لما اتفق المشركون مع الصحابة على أن يرجعوا في الحديبية سنة ست قبل أن يكملوا عمرتهم، على أن يعتمروا في ذي القعدة سنة سبع، فجاءوا سنة سبع، فلما قدموا كان المشركون من أهل مكة يحقدون عليهم، فقالوا: إنه يقدم عليكم قوم قد وهنتهم حمى يثرب -المدينة- يريدون بذلك أن يقللوا من شأنهم أمام سفهائهم حتى لا يكون لهم قدر، وحتى لا يهابونهم، فبلغت هذه المقالة النبي ﷺ ، فأمر أصحابه بالرمل ليظهروا بذلك قوتهم وجلدهم.
فوقف المشركون عند جبل قعيقعان في الجانب الشمالي، فصاروا ينظرون إليهم وهم يرملون، فقالوا: كيف تقولون: إنهم وهنتهم الحمى؟ ما هم إلا كالغزلان يعني: في رملهم ثلاثة أشواط.
ثم في سنة عشر حج النبي ﷺ ، ولما طاف أول طواف رمل ثلاثة أشواط ومشى أربعاً، ولعله أراد بذلك إحياء تلك السنة، وتذكر قولة المشركين القدامى، والحرص على غيظ المشركين.
فإذا تيسر للحاج أن يرمل فعل ذلك، فإذا لم يتيسر ذلك للزحام فإنه يسير، وإذا تيسر أن يرمل إذا طاف بعيداً في طرف الطائف فهو أفضل، فإن شق عليه طاف بدون رمل.
يطوف سبعة أشواط ويدعو بما تيسر، وليس لكل شوط دعاء مخصوص، والأدعية المذكورة في بعض المناسك: دعاء الشوط الأول دعاء الشوط الثاني ليست إلزامية، وهي أدعية لا بأس بها، وبعضها مأثورة، ولكن يجوز الدعاء بها ويجوز الدعاء بغيرها.
стр. 497
صلاة ركعتين خلف مقام إبراهيم ﵇
بعدما ينتهي الطائف من السبعة الأشواط، يسن أن يصلي خلف مقام إبراهيم، ومقام إبراهيم في جهة الشرق، وكانت عليه بناية ومظلة يصلون تحتها في شدة الحر، ولكن لشدة الزحام والمضايقة أزيلت تلك البناية، وبقي المقام عليه هذا الزجاج الذي يحميه، وصار الناس يصلون خلفه وإن لم تكن هناك مظلة، وجعلت الحكومة في الرحبة كلها (الصحن) بلاطاً أبيض لا يكتسب الحرارة، ولا يحس من يطوف عليه بشيء من الحرارة، فيستحب أن يصلي الطائف خلف المقام، فإن لم يتيسر ذلك صلى ولو بعيداً، ولو قرب مدخل زمزم أو نحو ذلك في جهة الشرق.
والصلاة خلف المقام ليست واجبة في الحج أو العمرة ولكنها من السنن المؤكدة، وقد دل عليها قول الله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة:١٢٥] ، وفي حديث جابر الطويل لما طاف النبي ﷺ تأخر قبل المقام وقرأ بهذه الآية: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة:١٢٥] فصلى هناك ركعتين.
стр. 498
السعي بين الصفا والمروة وما يستحب فيه
بعد الطوف يبدأ بالسعي، وذكروا أنه بعد أن يصلي ركعتين يرجع إلى الحجر الأسود فيستلمه، وهذه السنة قد هجرت، ولكن يفعلها الإنسان إذا استطاع، أو يحاذي الحجر ثم يشير إليه ثم يخرج إلى الصفا، وكان هناك باب محاذ للحجر في جهة الجنوب الشرقي يسمى باب الصفا، يدخلون منه ثم يتوجهون إلى الصفا، وكان الصفا والمروة خارجاً عن حد المسجد -يعني: لهما حمى خاص- وفي هذه التوسعة الكبيرة أدخلا فيه، وجعل سور المسجد وراء المسعى، فإذا خرج من هذا الباب -أي: من جهة باب الصفا- توجه نحو الصفا ثم بدأ بالسعي، ويبدأ بالصفا فيرقاه حتى يرى البيت، وقد لا يراه بسبب البنايات وبسبب العمد والسواري، فإذا رآه استقبله وكبر ثلاث تكبيرات متوالية، ثم يقول ما ورد، وقد ورد أنه يقول: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده) وإن زاد قوله: (ولا شيء قبله ولا بعده) فلا بأس، ويدعو بما أحب، ويستحب عند التوجه إلى الصفا أن يقرأ الآية: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٥٨] الآية، ثم يقول: (نبدأ بما بدأ الله به) ، فإذا دعا على الصفا وتوجه إلى المروة ماشياً حتى يحاذي العلم الأخضر، كان هناك علمان مثل العمود الأخضر، والآن جعلا في أصل الحائط، وجعل فيها نجفات خضر، وهذان العلمان كانا مهبط وادٍ، أدركناه قبل خمسين سنة، وكانوا إذا نزلوا فيه يسرعون فيه لكونه مجرى واد، والحكومة صرفت الأودية، وجعلت لها مجارياً، وجعلت الطريق مستوياً، ولكن من باب إحياء السنة يستحب أن يسعى بين العلمين ولو لم يكن منهبطاً، ويسعى بين العلمين سعياً شديداً إذا استطاع وإذا وجد سعة، فإن كان هناك زحام أو لا يستطيع مشى بقدر ما يستطيع، فما بين العلمين محل جري.
وبعد ذلك يمشي من العلم الثاني إلى المروة، فيرقى على المروة ويقول ما قاله على الصفا من التهليل والتكبير ونحو ذلك، ثم ينزل متوجهاً إلى الصفا، فإذا جاء إلى ما بين العلمين سعى، ويمشي في موضع مشيه ويسعى في موضع سعيه.
والسعي سبعة أشواط، ذهابه شوط ورجوعه شوط، يبدأ بالصفا ويختم بالمروة، ولو بدأ بالمروة لم يحتسب بذلك الشوط.
وبعدما ينتهي يكون قد أنهى عمرته إذا كان متمتعاً أو كان معتمراً.
والأفضل أن المتمتع الذي ليس معه هدي قد قلده يقصر شعره، ويترك الحلق حتى يحلقه للحج، وإن حلق فلا بأس.
стр. 499
تحلل من ساق الهدي
إذا كان مع المتمتع هدي فإنه يدخل الحج على العمرة، ويبقى على إحرامه حتى يتحلل منهما معاً؛ لأن الهدي يمنعه من التحلل؛ وذلك لأنه ﷺ قدم مكة هو وأصحابه، وكان بعضهم معه هدي مثل أكابر الصحابة كـ أبي بكر وعمر وعثمان وطلحة وأبي طلحة وغيرهم من أثرياء الصحابة، بعضهم كان معه خمسون بدنة، وبعضهم خمس، وبعضهم عشر، وبعضهم كان معهم غنم قد قلدوها، وأكثرهم ليس معهم هدي، فلما قدم الذين معهم هدي منعهم هديهم من التحلل، والذين ليس معهم هدي أمرهم النبي ﷺ بالتحلل مع أنهم أحرموا مفردين، فقال لهم: (اجعلوا إحرامكم عمرة) وسمي هذا الفسخ فسخ الحج إلى العمرة، فأمرهم أن يطوفوا ويسعوا ويتحللوا في اليوم الرابع من شهر ذي الحجة، فبقوا متحللين: اليوم الرابع والخامس والسادس والسابع، وأول اليوم الثامن أحرموا بالحج، ثم توجهوا إلى منى كما سيأتي.
والذين معهم هدي لم يتحللوا إما لأنهم أحرموا قارنين بالحج والعمرة، أو لأنهم أحرموا بالعمرة ثم منعهم الهدي من التحلل فأدخلوا عليها الحج، أو أنهم أحرموا مفردين وبقوا على إفرادهم، ويكون هذا الهدي هدي تطوع؛ لأن المفرد ليس عليه فدية.
والحاصل أن الذي معه هدي لا يتحلل، بل يبقى على إحرامه، لكن يمكن إذا قدم مبكراً أن ينحر هديه؛ لأنه يجوز سوق الهدي في غير الحج، فلو اعتمر -مثلاً- في رمضان وساق معه هدياً بدنة أو بدنتين أو عشراً أو غنماً أو بقراً، فإنه إذا انتهى من عمرته ذبحها وتصدق بلحمها وأكل منه وأطعم، لقوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج:٣٦] .
فالحاصل أن الذي لا هدي معه يتحلل بعد سعي العمرة، والذي معه هدي يبقى على إحرامه إلا إذا قدم مبكراً، فلو قدر أن إنساناً جاء إلى مكة في شهر شوال ومعه هدي: خمس من الإبل أو من البقر، أو عشر من الغنم أو عشرون وقد جعل في رقابها قلائد على أنه أهداها إلى الله تعالى، فإذا طاف وسعى للعمرة هل نلزمه بأن يبقى محرماً من شهر شوال إلى شهر ذي الحجة؟ قد يكون في هذا مشقة، فنقول له: انحر هديك، وتحلل تحلل عمرة، فإن هديك قد بلغ محله، فيكون قوله تعالى: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة:١٩٦] أي: الوقت الذي يحل فيه ذبحه، وهو إن كان في أيام الحج يوم النحر، وإن كان في العمرة فبعد الفراغ منها، والذي يعتمر -مثلاً- في شهر شوال قد ينحر هديه مثلاً، ثم يرجع إلى أهله ثم يأتي للحج في أيام الحج.
والمتمتع يقطع التلبية إذا بدأ بالطواف، والحاج يقطع التلبية إذا أخذ في الرمي؛ وذلك لأنه شرع في أسباب التحلل، والتلبية علامة على الإحرام، فشروعه في أسباب التحلل يكون سبباً في التوقف عنها، والله أعلم.
стр. 500
الأسئلة
стр. 501
لا يشترط في التوكيل للرمي أن يكون الوكيل حاجاً
السؤال
إذا كان الحاج غير قادر على الرمي بنفسه، فوكل غيره، هل يشترط أن يكون الموكل حاجاً؟
الجواب
لا يشترط، ولابد أن يكون الوكيل الذي يرمي عنك من الذين يرمون عن أنفسهم، فلا يوكل غيره.
стр. 502
من مس طيباً ولم يقصد فعليه أن يمسحه
السؤال
هناك من يضع الطيب على الحجر الأسود، فإذا علق الطيب بيدي هل علي شيء؟
الجواب
تطييب الحجر الأسود من الخطأ، والصحيح أنه لا يجوز ذلك؛ لأنه يسبب أن كثيراً من المحرمين يتلطخون بهذا الطيب، وإذا قدر أنه دهن على الحجر الأسود أو على الركن اليماني طيب ومسه أحد وهو لا يدري فلا فدية عليه، ولكن يمسح يده إذا علم ذلك، ولو أن يمسحه بطرف الكعبة.
стр. 503
صوم الحج يجوز فيه التفرقة والتتابع
السؤال
بالنسبة لصيام الثلاثة الأيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، هل هذا الصيام يكون متتابعاً أو متفرقاً؟
الجواب
يجوز متفرقاً ويجوز متتابعاً، والأولى أن يتابعه حتى يبرأ منه بسرعة.
стр. 504
من تجاوز الميقات وكان قاصداً غير مكة فميقاته ميقات البلد الذي قصده
السؤال
خرجنا من اليمن قاصدين العمرة في رمضان، وقبل وصولنا إلى الميقات بثلاث ساعات قلنا: نذهب أولاً إلى المدينة، وتجاوزنا الميقات بدون إحرام ثم أحرمنا للعمرة من ذي الحليفة، هل فعلنا هذا صحيح؟
الجواب
صحيح إن شاء الله، إذا قصدتم المدينة فميقاتكم ميقات أهل المدينة.
стр. 505
من تجاوز الميقات من غير إحرام عاد إلى أقرب ميقات وأحرم منه
السؤال
إذا نويت العمرة ونويت أيضاً زيارة أقاربي في جدة، فهل يجوز لي تجاوز ميقات أهل نجد بلا إحرام وأبقى في جدة حلالاً ثم أحرم من مكاني؟
الجواب
إذا تجاوزت الميقات ووصلت إلى جدة وأردت الإحرام، فلابد أن ترجع إلى أحد المواقيت، فإن كنت -مثلاً- من اليمن، وشق عليك الرجوع إلى ميقات اليمن لبعده، فترجع إلى ميقات أهل الشام وهو الجحفة أو ميقات أهل نجد.
стр. 506
الإحرام في العمرة عن الغير
السؤال
من كان من أهل اليمن، وبعد أن انتهى من عمرته أراد أن يعتمر عن أمه التي لم تعتمر لعدم القدرة، هل يحرم من مكة أم من التنعيم أم من مكانه؟
الجواب
يفضل له أن يحرم من أحد المواقيت، فإذا شق عليه أو منع فإنه يحرم من التنعيم، وقد ذكرنا أن تكرار العمرة غير مشروع، لكن مثل هؤلاء قد يكونون معذورين؛ لأنهم جاءوا من أماكن بعيدة، ولهم أقارب لم يتيسر لهم حج ولا عمرة؛ فيريدون أن يعتمروا عنهم، فله أن يهدي لأمه أو لأبيه أو نحوهما ثواب هذه العمرة وإن كانت قاصرة.
стр. 507
حكم الجماع في الحج
السؤال
رجل جامع امرأته قبل التحلل الأول، فهل يعيد الحج من العام المقبل حتى ولو كان ذلك الحج نفلاً؟
الجواب
نعم، حتى ولو كان نفلاً؛ لأن النفل يجب عليه إتمامه؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦] ، وليس هناك شيء من الأعمال يجب إتمامه ولو كان نفلاً إلا الحج والعمرة، فيجب عليه الحج من قابل كما ذكرنا.
стр. 508
حكم من لم يتم العمرة جهلاً
السؤال
أنا شاب اعتمرت قبل سنتين وقد كنت بالغاً، وقد طفت ستة أشواط فقط جهلاً مني، فماذا علي؟ وهل تصح عمرتي؟
الجواب
بقي عليك شوط، وهذا الشوط لا تتم العمرة إلا به، فنقول: إنك لم تتم عمرتك، فلابد أن تعيد هذه العمرة، ولو كنت قد فعلت شيئاً من المحظورات فتفدي عن المحظورات بصيام خمسة عشر يوماً مثلاً أو إطعام ثلاثين مسكيناً أو نحوها.
стр. 509
صفة السعي
السؤال
هل يشترط في السعي الصعود إلى الصفا والمروة أو يكفي مجرد وصوله إلى الصفا والمروة بدون أن لا يصعد عليهما؟
الجواب
إن صعد فهو أفضل، والواجب أن يصل إلى أدنى الصفا وإلى أدنى المروة.
стр. 510
حكم لبس حزام الإحرام وفيه خياطة
السؤال
ما حكم الحزام الذي يستخدمه المحرم لمسك إحرامه من السقوط، مع العلم أن هذا الحزام فيه المخيط، بارك الله فيكم؟
الجواب
لا بأس به للحاجة، وقد رخص العلماء قديماً في لبس ما يسمى بالكمر والمنطقة التي تجعل فيها النفقة، وقالوا: هذه الخياطة ليست خياطة مقصودة، إنما هي شبه الخرازة، فلا بأس بالحزام عند الحاجة.
стр. 511
إذا وصل المسافر في نهار رمضان وجامع فيه فعليه كفارة
السؤال
أحسن الله إليك، يقول: إذا قدم المسافر إلى بلدته في نهار رمضان بعد غيبة طويلة، فوقع بأهله، هل عليه كفارة أم لا مع العلم أنه كان مفطراً، أفتونا مأجورين؟
الجواب
عليه كفارة؛ لأنه إذا قدم ووصل إلى بلده وجب عليه الإمساك في بقية ذلك النهار، فإذا وطئ فيه فإنه قد وطئ في نهار يلزمه الإمساك فيه، ولو أنه سوف يقضيه، فعليه كفارة للوقت والله أعلم.
стр. 512
تقديم صلاة الجنازة على الفريضة
السؤال
إذا دخل شخص متأخر المسجد ووجد أناساً يصلون على جنازة، ووجد جماعة متأخرون يصلون في آخر المسجد، فمع من يصلي؟
الجواب
ننصحه أن يصلي على الجنازة؛ لأنها سوف تفوت، ثم بعد ذلك يصلي الفرض، وقد يلقى جماعة آخرين يصلي معهم.
стр. 513
حكم استخدام حبوب منع الحمل
السؤال
تزوجت مرتين وطلقت، وأنجبت لكل زوج طفلاً، وأنا الآن على وشك الزواج من الثالث، وأخشى أيضاً هذه المرة من عدم التوفيق؛ لذا لا أريد الإنجاب منه، حتى لا يتفرق أبنائي عند كل زوج طفل، فهل يجوز لي أن آخذ حبوب منع الحمل لمدة سنة أو أقل حتى تتضح الأمور دون علم زوجي، أفتونا مأجورين؟
الجواب
لا يجوز ذلك إلا بإذن من الزوج وبتقرير من الأطباء بعدم ضررها؛ وذلك لأن الولد حق للأبوين، وليس من حقها وحدها، وعليها أن تفعل الأسباب التي تكون سبباً في التأليف بينها وبين الزوج حتى لا يتكرر طلاقها مرة ثالثة، وقد يكون هذا بسببها؛ لأنه غالباً يقع الطلاق بسبب يصدر من النساء.
стр. 514
تجب الصلاة على النفساء إذا انقطع الدم
السؤال
هل تجب الصلاة على المرأة النفساء بعد انقطاع الدم أم لابد من انقضاء مدة النفاس، جزاكم الله خيراً؟
الجواب
إذا انقطع الدم فإنها تصلي ولو بعد الولادة بيوم أو يومين؛ لأن المانع إنما هو الدم، فإذا توقف لزمتها الصلاة، فإذا انقطع الدم وبقيت سوائل، وهذه السوائل فيها شيء من صفرة أو كدرة أو نحو ذلك فإنها لا تصلي حتى تنقطع من مرة، أو لا يبقى إلا شيء طاهر ليس شبيهاً بالدم ولا بالحمرة ولا بالصفرة، فعند ذلك تصلي.
стр. 515
حكم من اعتمر ونسي التقصير
السؤال
أنا سوداني أقيم في الرياض منذ سنة، اعتمرت أنا وزوجتي وأولادي، ولكن بعد الانتهاء من العمرة خرجنا من مكة ولم نقصر، ورجعنا إلى الرياض، والآن أنوي أن أعتمر عمرة أخرى، فهل علي شيء أم أعذر بالنسيان، وجزاكم الله خيراً؟
الجواب
إذا تذكرتم وقصرتم في الطريق أو قصرتم في أي مكان فإنه يكفي، فإذا لم تقصر حتى وطئت زوجتك فإن عليك وعلى زوجتك التي لم تقصر عن كل واحد فدية، وهي: ذبيحة تذبح في الحرم، ولا يمنعك ذلك من إعادة العمرة.
والأولاد عليهم فدية أيضاً إذا كانوا ما قصروا، ويمكن التقصير لهم الآن، فالأولاد يجوز التقصير لهم ولو بعد شهر وبعد أشهر؛ لأنهم ما زالوا محرمين، ولا يطرأ عليهم ما يفسد الإحرام وهو الوطء.
стр. 516
حكم من صاد الجراد في الحرم أو هو محرم
السؤال
في إحدى السنين حججت مع أبي، وقمنا بصيد كميات من الجراد، فهل هذا من قتل الصيد؟ وماذا يجب علينا، أفتونا مأجورين؟
الجواب
ذكر أكثر العلماء أن الجراد من الصيد، فإذا صيد داخل الحرم، أو صاده قوم محرمون فلابد أن يتصدقوا عن كل جرادة تمرة.
стр. 517
من عجز عن الحج أناب من يحج عنه
السؤال
عجوز لا تستطيع الذهاب للحج؛ لأنها إذا ركبت في السيارة أغمي عليها، فهل يجوز أن تكلف من يحج عنها وهي على قيد الحياة؟
الجواب
نعم، ويعتبر هذا عذر، فلها أن توكل من يحج عنها من بلدها.
стр. 518
كيفية استقبال الحجر الأسود
السؤال
إذا حاذى الحاج أو المعتمر الحجر الأسود، فهل يستقبله بوجهه أو يكتفي بجعله عن يساره، وجزاكم الله خيراً؟
الجواب
يلتفت إليه بوجهه، ويكبر، ويشير بيده، ولا يستقبله بصدره.
стр. 519
حكم المسعى
السؤال
هل المسعى اليوم له حكم المسجد من حيث جواز جلوس الحائض فيه أم لا؟
الجواب
نعم، له حكم المسجد؛ لأن الزيادة لها حكم المزيد، فقد أصبح الآن داخل سور المسجد، فلا يجوز للحائض أن تسكن في داخله، أما التوسعة التي وراءه فلا بأس أن تدخلها.
стр. 520
لا تجب صلاة الجماعة في المسجد إذا كان بعيداً
السؤال
نحن شباب نخرج يوماً من أيام الأسبوع إلى الاستراحة، ونقضي فيها ذلك اليوم، وعندما يحين موعد الصلاة نسمع المؤذن، وبيننا وبين المسجد حوالى كيلو، ويقول المسئول عنا: نصلي في الاستراحة وليس في ذلك شيء، فما حكم فعلنا هذا؟ وإذا ذهبت إلى المسجد وتركت أصحابي فهل في ذلك شيء؟
الجواب
الأولى أنكم تصلون في المسجد، ولكن حيث إنه يبعد مسافة كيلو، فهذه المسافة قد يكون فيها مشقة عليكم في ذهابكم جميعاً، فلا بأس أن تصلوا في مكانكم لأجل الوقت.
стр. 521
من حرم حلالاً فعليه الكفارة
السؤال
زوجة قالت لزوجها: يحرم علي أخذ شيء منك، فماذا يترتب على ذلك إذا أخذت منه شيئاً؟
الجواب
من حرم شيئاً من الحلال فعليه كفارة اليمين، قال تعالى: (لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم:١] ثم قال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم:٢] يعني: الكفارة.
стр. 522
شرح أخصر المختصرات [٢١]
لقد أمرنا الله جل وعلا بحج بيته الحرام، وجعله من أركان الإسلام، وخرج النبي ﷺ في حجة الوداع حاجاً ليبين للناس مناسك الحج وصفاته، ولذا قال: (خذوا عني مناسككم) ، فعلى من أراد الحج أو العمرة أن يعرف الأحكام التي تخصه في حجه وعمرته، حتى يؤديها كما أمر الله تعالى.
стр. 523
صفة الحج والعمرة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فصل في صفة الحج والعمرة.
يسن لمحل بمكة الإحرام بالحج يوم التروية، والمبيت بمنى، فإذا طلعت الشمس سار إلى عرفة، وكلها موقف إلا بطن عُرَنَةَ، وجمع فيها بين الظهر والعصر تقديماً، وأكثر الدعاء مما ورد، ووقت الوقوف من فجر عرفة إلى فجر النحر، ثم يدفع بعد الغروب إلى مزدلفة بسكينة، ويجمع فيها بين العشاءين تأخيراً، ويبيت بها، فإذا صلى الصبح أتى المشعر الحرام فرقاه ووقف عنده، وحمد الله وكبر وقرأ: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ [البقرة:١٩٨] الآيتين، ويدعو حتى يسفر، ثم يدفع إلى منى، فإذا بلغ محسراً أسرع رمية حجر، وأخذ حصى الجمار سبعين أكبر من الحمص ودون البندق، فيرمي جمرة العقبة وحدها بسبع، يرفع يمناه حتى يرى بياض إبطه، ويكبر مع كل حصاة، ثم ينحر ويحلق أو يقصر من جميع شعره، والمرأة قدر أنملة، ثم قد حلّ له كل شيء إلا النساء، ثم يفيض إلى مكة فيطوف طواف الزيارة الذي هو ركن، ثم يسعى إن لم يكن سعى وقد حل له كل شيء.
وسن أن يشرب من زمزم لما أحب، ويتضلع منه ويدعو بما ورد، ثم يرجع فيبيت بمنى ثلاث ليال، ويرمي الجمار في كل يوم من أيام التشريق بعد الزوال وقبل الصلاة، ومن تعجل في يومين إن لم يخرج قبل الغروب لزمه المبيت والرمي من الغد.
وطواف الوداع واجب يفعله، ثم يقف في الملتزم داعياً بما ورد، وتدعو الحائض والنفساء على باب المسجد، وسن زيارة قبر النبي ﷺ وقبري صاحبيه.
وصفة العمرة أن يحرم بها من بالحرم من أدنى الحل، وغيره من دويرة أهله إن كان دون ميقات وإلا فمنه، ثم يطوف ويسعى ويقصر] .
стр. 524
الإحرام من الأبطح أو منى يوم التروية
تذكر صفة الحج مع الاختصار، وذلك لأن الحجاج عادة يأتون ثم ينزلون بالأبطح، والأبطح وما حوله في تلك الأزمنة كان فيه متسع، ولم تمتد إليه المباني، فكان الحجاج ينزلون هناك.
فإذا جاؤوا -مثلاً- في اليوم الرابع أو في اليوم الخامس أنهوا عمرتهم إذا كانوا متمتعين، وبنوا لهم خياماً أو استظلوا تحت شجر وأقاموا هناك إلى اليوم الثامن، ويسمى يوم التروية، فإذا كان يوم التروية أحرموا بالحج.
لماذا سمي يوم التروية؟ لأنهم يرتوون فيه من المياه -أي: يملئون- ما معهم من القرب والمزادات التي جاؤوا بها من بلادهم، يملئونها من الماء، حيث لم يكن يوجد في تلك الأزمنة الماء في منى، ولا في مزدلفة ولا في عرفة غالباً، فسموه يوم التروية.
ولعله في القرن الثاني أو الثالث عشر وجدت المياه بعمليات كان لها تأثير، واحتيج فيها إلى أتعاب ومشقة، إلى أن أوصل الماء إلى تلك الأماكن ضمن جداول يسير فيها، ويكون فيها فتحات إلى أن يمر بالمشاعر كلها، يمر بمنى وبمزدلفة وبعرفة، هذا في القديم.
ثم في عهد الحكومة اعتنت بالمياه في تلك الأماكن، وأمنتها في أيام المناسك بواسطة الأنابيب التي امتدت وصارت في كل الأماكن، والحمد لله.
وفي يوم التروية الذين كانوا قد تحللوا يحرمون بالحج، والذين بقوا على إحرامهم فما تحللوا -كالمفرد والقارن- إذا كانوا نازلين بالأبطح يتوجهون مع الحجاج إلى منى، وفي تلك الأزمنة كانت منى خالية ليس فيها أحد إلا يوم التروية وما بعده، أما في هذه الأزمنة فالمشاهد أن الأبطح وما حوله لم يبق فيه مساكن للحجاج، بل قد امتدت المباني والعمارات إلى أن وصلت إلى منى أو تجاوزت منى من الجهات الأخرى، إلا أنه منع من البناء في المشاعر، فهذه الأماكن أصبحت مملوكة، وأصبح الحجاج الذين يأتون -حتى ولو في أول الشهر- يستقرون في منى في مخيمات لهم يبنونها من حين يأتون من أول الشهر أو من اليوم الثاني أو الرابع أو الخامس، حتى الذين يأتون في اليوم السابع أو الثامن يأتون إلى منى ويستقرون فيها هذه الأيام كلها.
فعلى هذا لا يكون ليوم التروية ميزة عن الأيام التي قبله لمن كان مفرداً أو قارناً، وأما من كان متمتعاً فإنه يحرم من منى بدل أن يكان يحرم من الأبطح؛ لأنهم في منى مستقرون.
وبعض العلماء قال: يستحب أن يحرم تحت الميزاب -يعني ميزاب الكعبة-.
ولكن الصواب أنه لا حاجة إلى ذلك، وأن هذا لم يرد، وأن فيه مشقة على الناس، والميزاب لا يتسع إلا لواحد أو لاثنين، فكيف يكلف مئات الآلاف أن يذهبوا إلى تحت الميزاب فيحرمون منه، والصحابة أحرموا من رحالهم وأماكنهم التي كانوا فيها.
ثم ذكروا أنه عند هذا الإحرام يفعل مثل ما فعله عند الميقات، أي: إذا تيسر له اغتسل وتنظف وتطيب، وأخذ من شعر شاربه وأظفاره إذا خاف أنها تطول وتؤذيه، وقد ذكرنا أن هذا التنظف يفعل عند الحاجة، فإذا كانت أظافره طويلة، وكذا شعر شاربه أو عانته فإنه يتعاهدها عند الإحرام، وذكرنا أن الإحرام في تلك الأزمنة كانت تطول مدته، فيخشى أن تطول هذه الأشعار والأظفار فتؤذيه، وأما في هذه الأزمنة فإن مدة الإحرام لا تطول بالعمرة، إنما هو نصف يوم أو نحوه، فإذا لم تكن طويلة فلا حاجة إلى تعاهدها، ويقال كذلك عند الإحرام بالحج.
ولا شك أنه يستحب الاغتسال؛ لأنه من باب النظافة، وقد تقدم في الأغسال المستحبة في كتاب الغسل أنه يسن الاغتسال عند الأعمال الصالحة، فقالوا: يسن الاغتسال عند الميقات، والاغتسال عند دخول مكة، والاغتسال عند إرادة الطواف بالبيت، والاغتسال عند الإحرام بالحج، والاغتسال عند الوقوف بعرفة -أي: عند دخول الوقت-، والاغتسال للوقوف بمزدلفة، والاغتسال لدخول منى، والاغتسال لرمي الجمار، والاغتسال لطواف الإفاضة، ونحو ذلك كما تقدم في باب الغسل.
وقد عرفنا أن الحكمة في الاغتسال هي النظافة، فإذا كان البدن نظيفاً والإنسان حديث عهد بنظافة فلا حاجة إلى هذه الاغتسالات، ويمكن أنهم كانوا يستحبونها لأنهم في ذلك الوقت في شدة حر لا توجد معهم مكيفات ولا مراوح كهربائية، فيشق عليهم الوقوف في شدة الشمس، فيحتاجون إلى أن يغتسلوا ليخففوا الحرارة عليهم، فهذا هو السبب، وهو أن تلك الأماكن كانت شديدة الحر، فمنى ومزدلفة وعرفة الحر فيها شديد، والشمس فيها حارة وقت الصيف، وحتى في وقت الشتاء، فلذلك أكثر الأغسال المستحبة للمشاعر.
والحاصل أنهم يحرمون في يوم التروية كإحرامهم عند الميقات، فقبل الإحرام يصلي ركعتين إذا لم يكن في وقت نهي، وينوي بها سنة وضوء أو نحو ذلك، ويسن أن يحرموا في الضحى حتى تأتي عليهم الصلوات الخمس بمنى وهم محرمون.
стр. 525
المبيت بمنى
وأما مبيتهم بمنى ليلة عرفة فقد اختلف في حكمه، والصحيح أنه مستحب ومؤكد، وذهب بعض العلماء إلى أنه ركن، وقالوا: إن النبي ﷺ وصحابته باتوا بمنى ليلة عرفة، توجهوا إلى منى كلهم من الأبطح، ونزل بمنى كل الحجاج الذين معه، وأقاموا بمنى حتى طلعت الشمس في اليوم التاسع، ثم توجهوا إلى عرفة، وهو ﷺ كان يقول لهم: (خذوا عني مناسككم) يعلمهم ذلك دائماً.
ولا شك أن هذا دليل على أن أفعاله التي فعلها من مشاعر الحج، فلذلك قال بعض العلماء: إن المبيت بمنى من الأركان، ولا يتم الحج إلا به.
القول الثاني أنه من الواجبات التي تجبر بدم، فمن ترك المبيت بمنى يوم التروية وليلة عرفه فعليه دم؛ لأنه ترك واجباً.
والقول الثالث أنه من السنن المؤكدة، والذين جعلوه من السنن -كما هو المشهور عند أحمد، حيث لم يذكر في الأركان ولا في الواجبات- كأنهم استدلوا بقوله ﷺ : (الحج عرفة) ، فمن فاته الوقوف بعرفة فاته الحج، واستدلوا -أيضاً- بحديث عروة بن مضرس الذي قال فيه النبي ﷺ : (من شهد صلاتنا هذه -يعني: بمزدلفة- ووقف معنا حتى ندفع، وكان قد وقف قبل ذلك بعرفة ساعة من ليل أو نهار فقد تم حجه وقضى تفثه) ، وهو حديث مشهور صحيح، لكن لعله عندما لم يذكر المبيت بمنى أراد أن هذا شيء معهود ومعروف مشهور، ومع آكديته والخلاف فيه نرى كثيراً يتساهلون بهذه الليلة أو بهذا اليوم -يوم الثامن- وبالأخص المطوفون، نشاهد أنهم يأخذون حجاجهم من مساكنهم لمكة في اليوم الثامن، ويتوجهون بهم إلى عرفة، ويستقرون بعرفة اليوم الثامن وليلة التاسع واليوم التاسع إلى أن تغرب الشمس في اليوم التاسع، ثم يذهبون بهم إلى منى، وهذا تساهل، أي: ترك هذا الركن أو هذا الواجب أو هذه السنة المؤكدة التي هي الإقامة بمنى في ذلك اليوم، فننتبه إلى أنه من آكد السنن -إذا قلنا: إنه سنة- أو أنه من الواجبات.
فمنى يقيمون فيها وهم محرمون، والأعمال في ذلك اليوم هي أعمال المحرمين، فيكثرون من التلبية؛ لأنهم محرمون بالحج، وكذلك يصلون فيها الرباعية قصراً ركعتين؛ لأنهم على أهبة السفر، ولا يجمعون، بل يصلون كل صلاة في وقتها، ويأتون بما أمروا به من شعائر الحج، فمن ذلك التلبية بعد كل صلاة، فعندما ينتهون من أية صلاة يرفعون أصواتهم بالتلبية، ومن ذلك -أيضاً- كثرة الذكر والدعاء؛ لأنهم قد تلبسوا بهذا الإحرام الذي هو عمل من أعمالهم الذي جاؤوا به، فلذلك يكثرون من التلبية والدعاء والذكر.
стр. 526
الذهاب إلى عرفة بعد طلوع شمس يوم عرفة للوقوف بها
إذا طلعت الشمس صبح يوم عرفة -اليوم التاسع- توجهوا إلى عرفة، وفي طريقهم يذكرون الله تعالى ويلبون.
ثم يقفون بعرفة، وكل عرفة موقف إلا بطن عُرَنَةَ، وعرفة واسعة جداً، فهي تمتد في جهة الشمال نحو أربعة كيلو متر شمال الجبل الذي هو جبل الرحمة، ومن الجهة الجنوبية نحو اثنين أو ثلاثة كيلو متر، ومن الجهة الغربية نحو ثلاثة كيلو متر، وشرق الجبل -أيضاً- قد يصل إلى الجبال الطويلة.
واختلف في نمرة هل هي من عرفة أم لا؟ فأكثر العلماء يقولون: إنها ليست من عرفة، وذلك لأنها اختصت بهم أن اسمها نمرة.
القول الثاني -ولعله الأرجح- أنها جزء من أجزاء عرفة، وقد ورد ما يدل على ذلك، فمن ذلك قوله في حديث جابر الطويل: (فلما طلعت الشمس سار حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد بنيت بنمرة) فقوله: (أتى عرفة) يعني: دخل حدود عرفة.
ولا شك أن هذا دليل على أنه وصل إليها، وتكون القبة فيها وفي جزء من أجزائها يقال له: نمرة.
وهناك حديث -أيضاً- مشهور، يقولون فيه: إنه نزل بنمرة، وهو الموقف الذي يقف فيه أو ينزل فيه الإمام في عرفة.
وهذا في حديث صحيح مروي في السنن وفي المسند وغيرها.
ويدل على أنها من عرفة استثناء بطن عُرَنَةَ في قوله ﷺ : (عرفة كلها موقف إلا بطن عُرَنَةَ) فعرنة -أيضاً- من عرفة، إلا ما كان من البطن -يعني مجرى الوادي- فإنه ليس من عرفة فلا يوقف فيه، وفي حديث آخر قال: (عرفة كلها موقف، وارفعوا عن بطن عرنة) يعني: ارتفعوا عنه.
فعرنة ممتدة غرباً، فهي وراء نمرة التي فيها المسجد المشهور مسجد نمرة، فنمرة بين عرفة وعرنة، فقال: (ارفعوا عن بطن عرنة) ولم يقل: وارفعوا عن نمرة.
وإنما استثنى بطن عرنة، فهو دليل على أن عرفة واسعة، ويستثنى فقط البطن -أي: الوادي- الذي هو منخفض الآن، فهذا هو الذي لا يوقف فيه، وأما ما وراءه ولو مسيرة كيلو متر أو نحوه في جهة مكة وكذلك في الجهات الأخرى فإنه موقف.
والناس يتضايقون كثيراً بسبب الحدود التي قد حددت في هذه الأزمنة، ففيها شيء من التضييق، وقد حددت من جهة الجنوب، ومن جهة الغرب، ومن جهة الشمال والشرق، فصار فيها شيء من الضيق، وجعلوها من باب الاحتياط، فيأتي الناس مبكرين -قبل يوم عرفة بخمسة أيام أو بعشرة أيام- ثم يتقاسمون تلك البقعة التي هي داخل الحدود، ويبقى بقية الناس ليس لهم أماكن، فنقول: إن عرفة واسعة، وإذا لم يجد مكاناً داخل الحدود وقف ولو بعد الحدود، كما يفعلون ذلك في منى، فيقفون وراء الحدود ولا حرج عليهم؛ لأن عرفة واسعة، ولأن هذه الحدود جعلت من باب الاحتياط، ولأنهم معذورون حيث لم يجدوا مكاناً، فلذلك يرخص لهم ولا يشددوا على أنفسهم، ولا يكلفوا أنفسهم بالدخول في داخل الحدود مع عدم الحصول على أماكن متسعة لهم.
ولا يسكنون في الوادي المنخفض فقط، فأما ما حوله فلا حرج في ذلك.
стр. 527
الإكثار من الدعاء والتكبير والتلبية في عرفة
إذا وصلوا إلى عرفة واستقروا فيها فإنهم يكثرون من الدعاء والذكر والتكبير والتلبية ونحو ذلك، فإذا دخل وقت الظهر بعد زوال الشمس صلوا الظهر والعصر جمعاً وقصراً في وقت الظهر جمع تقديم، وهكذا فعل النبي ﷺ ، جمع في وقت الظهر ليطول وقت الوقوف، وذلك لأنه قبل أن يصلي خطب خطبة طويلة، علم الناس فيها الأحكام والشرائع، وبين لهم كثيراً من الأحكام، فلأجل ذلك يسن أن يخطب إمامهم وأن يعلمهم الأحكام التي تتعلق بالمناسك، وكذلك الأحكام التي تتعلق بالأوامر والنواهي مما قد يخفى عليهم، فإنه ﵊ وضع ربا الجاهلية، قال: (كل ربا الجاهلية موضوع) يعني: ساقط.
ووضع دماء الجاهلية في خطبته، وكذلك حثهم على الكثير من الأحكام، وعلمهم الحلال والحرام، فهكذا تكون الخطبة في ذلك.
ثم بعد ذلك وقف على ناقته القصواء، واستمر واقفاً عليها حتى غربت الشمس، وهو رافع يديه يدعو الله تعالى، وكان وقوفه شرق الجبل الذي يقال له: (جبل الرحمة) عند الصخرات الكبار، وقال: (وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف) ، وأرسل إلى بعض الصحابة الذين كانوا في مكان بعيد، وقال لهم: (الزموا أماكنكم، فإنكم على إرث من إرث أبيكم إبراهيم) ، فأقرهم على أماكنهم رغم أنهم بعيدون من جبل الرحمة، وذلك من باب التسهيل عليهم حتى لا يزدحموا في أماكن يضايق بعضهم بعضاً.
ويوم عرفة أفضل الأيام، يجتمع فيه الحجاج بعرفة، وكلهم في حالة واحدة، قد ارتدوا هذه الأكسية التي هي أكسية الإحرام، وقد كشف الرجال رءوسهم، ولبسوا هذا اللباس الموحد الذي هو أشبه بلباس الموتى، الذي هو إزار ورداء، وكذلك قد اتحدوا على هذا اللباس، وليس هناك فرق بين الغني والفقير، وبين الصغير والكبير، وبين الشريف والوضيع، وبين الأحمر والأسود والأبيض ونحوهم، بل كلهم على حالة واحدة، وفي موقف واحد، والحكمة في ذلك: أن يشعروا بأنهم سواسية، يجمعهم دين واحد، ويعبدون رباً واحداً، ويقصدون مقصداً واحداً وهو ثواب الله تعالى ورضاه وجنته والسلامة والنجاة من عذابه، فلا جرم أمروا بأن يكثروا من الأدعية التي تتيسر لهم، وليس شرطاً أن تكون مأثورة ومنقولة، بل يدعون بما أحبوا، ومعلوم أن النبي ﷺ استمر يدعو رافعاً يديه، واستمر في الدعاء من الساعة الواحدة -أو قريباً منها- إلى الساعة السادسة والنصف أو السابعة وهو يدعو، فست ساعات أو نحوها وهو يدعو.
وهل نقل لنا دعاؤه كله في الست الساعات؟ ما نقل لنا، مما دل على أنه أباح لكل منهم أن يدعو لنفسه، وأن يدعو بما تيسر له في هذه الحالة، فيدعو الله تعالى ويسأله خيري الدنيا والآخرة، وكذلك يكثر من التلبية -أي: يكرر التلبية- حيناً بعد حين، وكذلك يكثر من التكبير، والمأثور: (الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله) إلخ، وهكذا -أيضاً- يتلو الآيات التي فيها تمجيد الله تعالى، والثناء عليه، وذكر صفاته، مثل آخر سورة الحشر، وأول سورة الحديد، وكذلك آية الكرسي، والآيتان من آخر سورة البقرة، ونحو ذلك، ويكثر من الأدعية التي في القرآن، ويرددها، ويكثر -أيضاً- مما يحفظه من الأدعية المأثورة التي في السنة، كذلك -أيضاً- يرفع يديه، وذلك لأن رفع اليدين سبب من أسباب إجابة الدعاء كما في حديث سلمان أن النبي ﷺ قال: (إن ربكم حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفراً) يعني: خاليتين.
وثبت في حديث أنه ﷺ (كان رافعاً يديه يدعو وخطام الناقة بيده اليمنى، فسقط منه الخطام) ، يقول الراوي: (فرأيته رافعاً يده اليسرى وقد مد يده اليمنى ليتناول الخطام) ، مما يدل على أنه استمر في رفع يديه، أي: طوال ذلك الوقوف كان رافعاً يديه، وقد عرفنا أنه من أسباب إجابة الدعاء.
كذلك -أيضاً- يكثر من التلبية؛ لأنها شعار الحج، ويكثر من التكبير وما أشبه ذلك، وفي هذه الأزمنة قد لا يتيسر لهم ركوب الدواب، وقد فاتنا أن نحج على الرواحل، ولكن حدثنا آباؤنا الذين كانوا يحجون على الإبل أن الإبل يصفونها في ذاك المكان، وأنهم من طول مقامهم يدعون ويبكون في دعائهم، وأن الإبل يسيل من أعينها الدموع -أي: تدمع في ذلك الموقف- ويشاهدون ذلك، فإما أن الله تعالى ألقى عليها الهيبة والخشوع، وإما أن هذا بسبب من الأسباب.
стр. 528
استحباب إظهار الحاجة والفقر إلى الله يوم عرفة
وفي هذا الموقف الذي هو يوم عرفة ينبغي للحجاج أن يظهروا حاجتهم وفاقتهم وفقرهم إلى الله تعالى، ويظهروا الخشوع والاستكانة والاستضعاف بين يدي ربهم رجاء أن يقبل منهم، وقد ورد في الحديث: (أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي عشية عرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير) ، ولما روى بعض الصحابة هذا الحديث سأله أحد تلامذته فقال: هذا ليس بدعاء، هذا ثناء على الله، فكيف وقد قال ﷺ : (أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة) ؟ فأجابه بأن الثناء يقوم مقام الدعاء، واستدل بقول الشاعر يمدح ابن جدعان: أأذكر حاجتي أم قد كفاني حباؤك إن شيمتك الحباء إذا أثنى عليك المرء يوماً كفاه من تعرضه الثناء كأنهم يستحبون أن يأتوا بهذا الدعاء أو بهذا الشعر لأن فيه استضعافاً بين يدي الله تعالى، ولو كان الشاعر وجهه إلى آدمي، فأنت إذا قلت: يا رب! لا حاجة إلى أن أذكر حاجتي، فأنت أعلم بحاجتي، وأنت أعلم بما أحتاجه وبما أطلبه، فأعطني حاجتي من غير سؤال، فأنا أثني عليك وأذكرك وأمدحك بما أنت أهله، فيكفيني أن أمدحك وأثني عليك، ويكفي ذلك لإعطائي حاجاتي وفي قضاء حوائجي التي أنا بحاجة إليها في دنياي وفي أخراي.
ويُسمع كثير منهم ينشدون أبياتاً -أيضاً- فيها شيء من التذلل والاستضعاف، مثل قول بعضهم: يا من يرى مد البعوض جناحها في ظلمة الليل البهيم الأليل ويرى مناط عروقها في نحرها والمخ من تلك العظام النحل امنن علي بتوبة تمحو بها ما كان مني في الزمان الأول فلا شك أن هذا موطن دعاء، وأنه الذي يباهي الله تعالى فيه بهم ملائكته، كما ورد في الحديث أن الله تعالى يقول: (يا ملائكتي! انظروا إلى عبادي، أتوني شعثاً غبراً، ضاحين من كل فج عميق، يدعونني، يرجون رحمتي ويخافون عذابي، أشهدكم أني قد غفرت لهم ووهبت مسيئهم لمحسنهم، انصرفوا مغفوراً لكم) أو كما ورد، فوصفوا أنهم شعث غبر، أي: أنهم من طول بعدهم عن التنعم والترفه صارت رءوسهم منتفشة، وصارت وجوههم مغبرة، فصاروا شعثين، فكان ذلك أقرب إلى انكسار قلوبهم وإلى رغبتهم في فضل ربهم .
واستطردنا هنا لأنه مما يغلط فيه كثير من الناس، ونشاهد أن الكثير في يوم عرفة كأنهم في بلادهم، يخوضون ويتكلمون فيما بينهم، ويضحكون، وليس لهم إلا أنهم عاكفون، وكأن هذا الموقف كسائر المواقف، ولا شك أن هذا خطأ، وأن الواجب عليهم أن يجعلوه يوم عبادة، لا يوم عادة، ولا يوم ضحك، ولا يوم خوض في الشيء الذي لا أهمية له ولا فائدة فيه، بل من حين يصلون صلاة الظهر إلى أن تغرب الشمس يشتغل كل فرد بنفسه، فيدعو بما تيسر من الأدعية، ويدعو بما يحفظه، وكتب الأدعية متوافرة والحمد لله، أعني الكتب التي فيها أدعية وأذكار، مثل الكلم الطيب لـ ابن تيمية، والوابل الصيب -أيضاً- لـ ابن القيم، والأذكار للنووي، وغيرها من الكتب التي تذكر فيها الأدعية العامة والخاصة، ومثلها -أيضاً- كتب متأخرة، وأفضلها الذكر الذي جمعه واختاره الملك عبد العزيز، ويسمى "الورد المصفى المختار" يبدأ منه بما تيسر.
ووقت الوقوف بعرفة من فجر يوم عرفة إلى فجر يوم النحر، فمن جاء فوقف في أول النهار بعد الفجر صدق عليه أنه وقف بعرفة، ودليل هذا في حديث عروة بن مضرس قوله: (وقد وقف قبل ذلك بعرفة ساعة من ليل أو نهار) هكذا ذكر: (ساعة من ليل أو نهار) كلمة (أو نهار) تعم النهار كله، أي: من طلوع الشمس إلى غروبها.
وكذلك قوله: (من ليل) تعم ليلة النحر كلها، أي: من غروب الشمس إلى طلوع الفجر.
فمن وقف في هذا كله ولو ساعة فإنه يعتبر قد وقف بعرفة.
وقد بالغ العلماء في ذلك حتى قال بعضهم: لو مر بعرفة وهو محرم ولكنه غافل لم يشعر بأنها عرفة، سار منها حتى قطعها في ليلة النحر، أو في يوم عرفة صح وقوفه بها، حتى ولو كان نائماً أو غافلاً إذا كان قد عقد الإحرام.
وهناك قول آخر: أن وقت الوقوف من الزوال، أي: بعد زوال الشمس يكون الوقوف.
وهذا القول يستدلون عليه بأنه ﷺ ما وقف إلا بعد الزوال وبعدما صلى الصلاتين، وهذا القول هو الذي نصره كثير من المتأخرين، وقالوا: من وقف بعرفة في أول النهار فلا يعتد بوقوفه إذا خرج منها قبل أن تزول الشمس، ولا يكون كأنه وقف فيها، ولا يكون قد تم حجه.
ولكن لعل القول الأول هو الأولى، أن يوم عرفة كله من طلوع الشمس إلى طلوع الفجر يوم النحر، وأن الجميع كله وقت للوقوف؛ لما ذكرنا من حديث عروة بن مضرس وغيره.
стр. 529
الدفع إلى مزدلفة بعد غروب الشمس
ثم بعد ذلك يدفعون بعد الغروب إلى مزدلفة، وقد ثبت أنه ﷺ والحجاج معه لما غربت الشمس توجهوا إلى مزدلفة، وكان يقول لهم: (أيها الناس! السكينة السكينة!) ، وكانوا يسرعون فيحصل منهم مضايقة في بعض الأماكن الضيقة، وكان ﷺ يسير على ناقته، وقد أخذ بزمامها يجد السير، فكان إذا أتى حبلاً من الحبال المرتفعة أرخى لها، وكان -كما يقال- يسير العنق -أي: قدر العنق- فإذا وجد متسعاً نصَّ، أي: أسرع.
وكانت المسافة بين عرفة ومزدلفة تستغرق بسير الأقدام أو بسير الإبل ساعتين، ومع السير المتوسط ساعتين ونصف، فكانوا يسيرون سيراً سريعاً أو سيراً متوسطاً، فلما وصلوا كان قد دخل وقت العشاء؛ إذ وصلوا بعد ساعتين من غروب الشمس أو بعد ساعتين ونصف، فجمعوا بين العشاءين جمع تأخير، ولعل السبب أنهم قد طال وقوفهم، وأحبوا المبيت لطول المسافة ومشقة السير؛ لأنهم على رواحلهم من الساعة الواحدة بعد الظهر حتى الساعة التاسعة من الليل تقريباً، ولا شك أن هذا زمن طويل، فهو ثمان ساعات شقوا على أنفسهم فيها، فلما وصلوا إلى مزدلفة أناخوا رواحلهم وحطوا رحالهم، ثم صلوا العشاءين وأراحوا أنفسهم.
وفي هذه الأزمنة يحصل اختلاف عما كانوا عليه في الزمان القديم، والواقع أن بعض الناس يسيرون سيراً سريعاً من عرفة، ففي مدة أربع أو خمس دقائق يصلون إلى مزدلفة، فكيف يصلون؟ نقول: يصلون جمع تقديم، ولا يلزمهم أن يؤخروا إلى وقت العشاء؛ لأنه ورد أنهم يُصلُّون ساعة أن يَصِلُوا.
وآخرون بضد ذلك، فمن شدة الزحام قد لا يصلون إلا نصف الليل أو بعد مضي ثلث الليل أو في آخر الليل، فيصلون -أيضاً- إذا وصلوا، ويمكن أن بعضهم قد يخشون طلوع الفجر وما وصلوا، فهؤلاء يصلون في الطريق، ومن المشايخ من يقول: يصلون في الطريق إذا خشوا أن يفوت وقت الاختيار.
يعني: إذا مضى نصف الليل وهم ما وصلوا فيصلون في الطريق.
وكيف يصلون والسيارات مزدحمة أمامهم وخلفهم وعن الجانبين؟ المشاهد أنهم قد يقفون في الموقف الواحد نصف ساعة أو ثلث ساعة ثم يتحركون، والمشاهد -أيضاً- أنهم في نصف الساعة يقطعون مسافة عشرة أمتار أو نحوها، فإذا وقفوا في هذه الوقفة نزلوا ذكوراً وإناثاً، والأرض واسعة، فيصلون فيها الصلاة جمعاً أو قصراً الصلاة، حتى لا يؤخروها عن وقتها.
والسائق إذا رجعوا نزل وقاد السيارة واحد غيره إلى أن يصلي مع من بقي، هذا هو الذي أفتى به مشايخنا، فالحاصل أنهم إذا أَمَّلوُا أن يصلوا قبل نصف الليل أو بعد نصف الليل بقليل -وقيل: إلى ثلثي الليل- أخروها إلى أن يصلوا، وإلا صلوها في الطريق حتى لا يفوت وقتها.
стр. 530
المبيت بمزدلفة
المبيت بمزدلفة واجب من الواجبات كما سيأتي، وذهب بعضهم إلى أنه ركن، واستدلوا بقول الله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٩٨] والمشعر الحرام هو مزدلفة، فهذا الأمر يدل على الوجوب: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٩٨] (عنده) يعني: فيه.
والأكثرون على أنه من الواجبات التي إذا تركت جبرت بدم.
والآن يحصل أن كثيراً يفوتهم المبيت بمزدلفة لأجل الزحام، فيتوجهون من عرفة، ولشدة الزحام قد لا يصلون إلى مزدلفة إلا بعد الصباح، فهل عليهم دم والحال هذه؟ نرى أنه لا دم عليهم، وذلك لأنهم بذلوا وسعهم وتوجهوا كما توجه غيرهم، ولم يستطيعوا فعل أكثر مما حصل، وإذا كان بعضهم أقوياء يستطيعون مواصلة السير إذا رأوا أن السير يتأخر بهم فاستطاعوا أن يواصلوا السير بأقدامهم مسيرة ساعة أو ساعة ونصف حتى يصلوا إلى مزدلفة فهو أفضل، والعجزة والنساء ونحوهم يسقط عنهم بقدر ما بذلوه من الجهد.
وفي مزدلفة يقع خطأ من كثير من الذين يتعجلون، وهو أن كثيراً منهم يجلسون فيها ساعة أو ساعة ونصفاً، ثم يسيرون إلى منى، وهذا خطأ، وكثير من الناس إذا كان نصفهم أو ثلثهم نساء ادعوا أن لهم عذراً، فيجلسون ساعة أو ساعة ونصفاً ثم يتوجهون إلى منى، ولا شك أنه قد وردت الرخصة للنساء والعجزة كما جاء: (أن النبي ﷺ رخص لـ أم سلمة ولـ سودة أن تدفعا في آخر الليل) وهذه الرخصة خاصة بمن هذه حالته، أما بقية الصحابة وأمهات المؤمنين فإنهم بقوا.
كذلك رخص لبعض الشباب أن يذهبوا مع بعض النساء، ومنهم ابن عباس ﵁، يقول: إنه من جملة الذين أذن لهم أن ينفروا آخر الليل، ولكنه جعل يضرب أفخاذه ويقول: (أي بني! لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس) فدل على أنه رخص لهؤلاء، ولا تكون الرخصة عامة للناس كلهم، فيتنبه إلى أن الأصل المبيت بمزدلفة إلى الصباح، كما فعله النبي ﷺ والمسلمون معه.
следующие страницы →