← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 7725

شرح أخصر المختصرات لابن جبرين

ابن جبرين

Полный текст (2 153 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

الذهاب إلى عرفة بعد طلوع شمس يوم عرفة للوقوف بها إذا طلعت الشمس صبح يوم عرفة -اليوم التاسع- توجهوا إلى عرفة، وفي طريقهم يذكرون الله تعالى ويلبون. ثم يقفون بعرفة، وكل عرفة موقف إلا بطن عُرَنَةَ، وعرفة واسعة جداً، فهي تمتد في جهة الشمال نحو أربعة كيلو متر شمال الجبل الذي هو جبل الرحمة، ومن الجهة الجنوبية نحو اثنين أو ثلاثة كيلو متر، ومن الجهة الغربية نحو ثلاثة كيلو متر، وشرق الجبل -أيضاً- قد يصل إلى الجبال الطويلة. واختلف في نمرة هل هي من عرفة أم لا؟ فأكثر العلماء يقولون: إنها ليست من عرفة، وذلك لأنها اختصت بهم أن اسمها نمرة. القول الثاني -ولعله الأرجح- أنها جزء من أجزاء عرفة، وقد ورد ما يدل على ذلك، فمن ذلك قوله في حديث جابر الطويل: (فلما طلعت الشمس سار حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد بنيت بنمرة) فقوله: (أتى عرفة) يعني: دخل حدود عرفة. ولا شك أن هذا دليل على أنه وصل إليها، وتكون القبة فيها وفي جزء من أجزائها يقال له: نمرة. وهناك حديث -أيضاً- مشهور، يقولون فيه: إنه نزل بنمرة، وهو الموقف الذي يقف فيه أو ينزل فيه الإمام في عرفة. وهذا في حديث صحيح مروي في السنن وفي المسند وغيرها. ويدل على أنها من عرفة استثناء بطن عُرَنَةَ في قوله ﷺ : (عرفة كلها موقف إلا بطن عُرَنَةَ) فعرنة -أيضاً- من عرفة، إلا ما كان من البطن -يعني مجرى الوادي- فإنه ليس من عرفة فلا يوقف فيه، وفي حديث آخر قال: (عرفة كلها موقف، وارفعوا عن بطن عرنة) يعني: ارتفعوا عنه. فعرنة ممتدة غرباً، فهي وراء نمرة التي فيها المسجد المشهور مسجد نمرة، فنمرة بين عرفة وعرنة، فقال: (ارفعوا عن بطن عرنة) ولم يقل: وارفعوا عن نمرة. وإنما استثنى بطن عرنة، فهو دليل على أن عرفة واسعة، ويستثنى فقط البطن -أي: الوادي- الذي هو منخفض الآن، فهذا هو الذي لا يوقف فيه، وأما ما وراءه ولو مسيرة كيلو متر أو نحوه في جهة مكة وكذلك في الجهات الأخرى فإنه موقف. والناس يتضايقون كثيراً بسبب الحدود التي قد حددت في هذه الأزمنة، ففيها شيء من التضييق، وقد حددت من جهة الجنوب، ومن جهة الغرب، ومن جهة الشمال والشرق، فصار فيها شيء من الضيق، وجعلوها من باب الاحتياط، فيأتي الناس مبكرين -قبل يوم عرفة بخمسة أيام أو بعشرة أيام- ثم يتقاسمون تلك البقعة التي هي داخل الحدود، ويبقى بقية الناس ليس لهم أماكن، فنقول: إن عرفة واسعة، وإذا لم يجد مكاناً داخل الحدود وقف ولو بعد الحدود، كما يفعلون ذلك في منى، فيقفون وراء الحدود ولا حرج عليهم؛ لأن عرفة واسعة، ولأن هذه الحدود جعلت من باب الاحتياط، ولأنهم معذورون حيث لم يجدوا مكاناً، فلذلك يرخص لهم ولا يشددوا على أنفسهم، ولا يكلفوا أنفسهم بالدخول في داخل الحدود مع عدم الحصول على أماكن متسعة لهم. ولا يسكنون في الوادي المنخفض فقط، فأما ما حوله فلا حرج في ذلك.

стр. 527

الإكثار من الدعاء والتكبير والتلبية في عرفة إذا وصلوا إلى عرفة واستقروا فيها فإنهم يكثرون من الدعاء والذكر والتكبير والتلبية ونحو ذلك، فإذا دخل وقت الظهر بعد زوال الشمس صلوا الظهر والعصر جمعاً وقصراً في وقت الظهر جمع تقديم، وهكذا فعل النبي ﷺ ، جمع في وقت الظهر ليطول وقت الوقوف، وذلك لأنه قبل أن يصلي خطب خطبة طويلة، علم الناس فيها الأحكام والشرائع، وبين لهم كثيراً من الأحكام، فلأجل ذلك يسن أن يخطب إمامهم وأن يعلمهم الأحكام التي تتعلق بالمناسك، وكذلك الأحكام التي تتعلق بالأوامر والنواهي مما قد يخفى عليهم، فإنه ﵊ وضع ربا الجاهلية، قال: (كل ربا الجاهلية موضوع) يعني: ساقط. ووضع دماء الجاهلية في خطبته، وكذلك حثهم على الكثير من الأحكام، وعلمهم الحلال والحرام، فهكذا تكون الخطبة في ذلك. ثم بعد ذلك وقف على ناقته القصواء، واستمر واقفاً عليها حتى غربت الشمس، وهو رافع يديه يدعو الله تعالى، وكان وقوفه شرق الجبل الذي يقال له: (جبل الرحمة) عند الصخرات الكبار، وقال: (وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف) ، وأرسل إلى بعض الصحابة الذين كانوا في مكان بعيد، وقال لهم: (الزموا أماكنكم، فإنكم على إرث من إرث أبيكم إبراهيم) ، فأقرهم على أماكنهم رغم أنهم بعيدون من جبل الرحمة، وذلك من باب التسهيل عليهم حتى لا يزدحموا في أماكن يضايق بعضهم بعضاً. ويوم عرفة أفضل الأيام، يجتمع فيه الحجاج بعرفة، وكلهم في حالة واحدة، قد ارتدوا هذه الأكسية التي هي أكسية الإحرام، وقد كشف الرجال رءوسهم، ولبسوا هذا اللباس الموحد الذي هو أشبه بلباس الموتى، الذي هو إزار ورداء، وكذلك قد اتحدوا على هذا اللباس، وليس هناك فرق بين الغني والفقير، وبين الصغير والكبير، وبين الشريف والوضيع، وبين الأحمر والأسود والأبيض ونحوهم، بل كلهم على حالة واحدة، وفي موقف واحد، والحكمة في ذلك: أن يشعروا بأنهم سواسية، يجمعهم دين واحد، ويعبدون رباً واحداً، ويقصدون مقصداً واحداً وهو ثواب الله تعالى ورضاه وجنته والسلامة والنجاة من عذابه، فلا جرم أمروا بأن يكثروا من الأدعية التي تتيسر لهم، وليس شرطاً أن تكون مأثورة ومنقولة، بل يدعون بما أحبوا، ومعلوم أن النبي ﷺ استمر يدعو رافعاً يديه، واستمر في الدعاء من الساعة الواحدة -أو قريباً منها- إلى الساعة السادسة والنصف أو السابعة وهو يدعو، فست ساعات أو نحوها وهو يدعو. وهل نقل لنا دعاؤه كله في الست الساعات؟ ما نقل لنا، مما دل على أنه أباح لكل منهم أن يدعو لنفسه، وأن يدعو بما تيسر له في هذه الحالة، فيدعو الله تعالى ويسأله خيري الدنيا والآخرة، وكذلك يكثر من التلبية -أي: يكرر التلبية- حيناً بعد حين، وكذلك يكثر من التكبير، والمأثور: (الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله) إلخ، وهكذا -أيضاً- يتلو الآيات التي فيها تمجيد الله تعالى، والثناء عليه، وذكر صفاته، مثل آخر سورة الحشر، وأول سورة الحديد، وكذلك آية الكرسي، والآيتان من آخر سورة البقرة، ونحو ذلك، ويكثر من الأدعية التي في القرآن، ويرددها، ويكثر -أيضاً- مما يحفظه من الأدعية المأثورة التي في السنة، كذلك -أيضاً- يرفع يديه، وذلك لأن رفع اليدين سبب من أسباب إجابة الدعاء كما في حديث سلمان أن النبي ﷺ قال: (إن ربكم حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفراً) يعني: خاليتين. وثبت في حديث أنه ﷺ (كان رافعاً يديه يدعو وخطام الناقة بيده اليمنى، فسقط منه الخطام) ، يقول الراوي: (فرأيته رافعاً يده اليسرى وقد مد يده اليمنى ليتناول الخطام) ، مما يدل على أنه استمر في رفع يديه، أي: طوال ذلك الوقوف كان رافعاً يديه، وقد عرفنا أنه من أسباب إجابة الدعاء. كذلك -أيضاً- يكثر من التلبية؛ لأنها شعار الحج، ويكثر من التكبير وما أشبه ذلك، وفي هذه الأزمنة قد لا يتيسر لهم ركوب الدواب، وقد فاتنا أن نحج على الرواحل، ولكن حدثنا آباؤنا الذين كانوا يحجون على الإبل أن الإبل يصفونها في ذاك المكان، وأنهم من طول مقامهم يدعون ويبكون في دعائهم، وأن الإبل يسيل من أعينها الدموع -أي: تدمع في ذلك الموقف- ويشاهدون ذلك، فإما أن الله تعالى ألقى عليها الهيبة والخشوع، وإما أن هذا بسبب من الأسباب.

стр. 528

استحباب إظهار الحاجة والفقر إلى الله يوم عرفة وفي هذا الموقف الذي هو يوم عرفة ينبغي للحجاج أن يظهروا حاجتهم وفاقتهم وفقرهم إلى الله تعالى، ويظهروا الخشوع والاستكانة والاستضعاف بين يدي ربهم رجاء أن يقبل منهم، وقد ورد في الحديث: (أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي عشية عرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير) ، ولما روى بعض الصحابة هذا الحديث سأله أحد تلامذته فقال: هذا ليس بدعاء، هذا ثناء على الله، فكيف وقد قال ﷺ : (أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة) ؟ فأجابه بأن الثناء يقوم مقام الدعاء، واستدل بقول الشاعر يمدح ابن جدعان: أأذكر حاجتي أم قد كفاني حباؤك إن شيمتك الحباء إذا أثنى عليك المرء يوماً كفاه من تعرضه الثناء كأنهم يستحبون أن يأتوا بهذا الدعاء أو بهذا الشعر لأن فيه استضعافاً بين يدي الله تعالى، ولو كان الشاعر وجهه إلى آدمي، فأنت إذا قلت: يا رب! لا حاجة إلى أن أذكر حاجتي، فأنت أعلم بحاجتي، وأنت أعلم بما أحتاجه وبما أطلبه، فأعطني حاجتي من غير سؤال، فأنا أثني عليك وأذكرك وأمدحك بما أنت أهله، فيكفيني أن أمدحك وأثني عليك، ويكفي ذلك لإعطائي حاجاتي وفي قضاء حوائجي التي أنا بحاجة إليها في دنياي وفي أخراي. ويُسمع كثير منهم ينشدون أبياتاً -أيضاً- فيها شيء من التذلل والاستضعاف، مثل قول بعضهم: يا من يرى مد البعوض جناحها في ظلمة الليل البهيم الأليل ويرى مناط عروقها في نحرها والمخ من تلك العظام النحل امنن علي بتوبة تمحو بها ما كان مني في الزمان الأول فلا شك أن هذا موطن دعاء، وأنه الذي يباهي الله تعالى فيه بهم ملائكته، كما ورد في الحديث أن الله تعالى يقول: (يا ملائكتي! انظروا إلى عبادي، أتوني شعثاً غبراً، ضاحين من كل فج عميق، يدعونني، يرجون رحمتي ويخافون عذابي، أشهدكم أني قد غفرت لهم ووهبت مسيئهم لمحسنهم، انصرفوا مغفوراً لكم) أو كما ورد، فوصفوا أنهم شعث غبر، أي: أنهم من طول بعدهم عن التنعم والترفه صارت رءوسهم منتفشة، وصارت وجوههم مغبرة، فصاروا شعثين، فكان ذلك أقرب إلى انكسار قلوبهم وإلى رغبتهم في فضل ربهم . واستطردنا هنا لأنه مما يغلط فيه كثير من الناس، ونشاهد أن الكثير في يوم عرفة كأنهم في بلادهم، يخوضون ويتكلمون فيما بينهم، ويضحكون، وليس لهم إلا أنهم عاكفون، وكأن هذا الموقف كسائر المواقف، ولا شك أن هذا خطأ، وأن الواجب عليهم أن يجعلوه يوم عبادة، لا يوم عادة، ولا يوم ضحك، ولا يوم خوض في الشيء الذي لا أهمية له ولا فائدة فيه، بل من حين يصلون صلاة الظهر إلى أن تغرب الشمس يشتغل كل فرد بنفسه، فيدعو بما تيسر من الأدعية، ويدعو بما يحفظه، وكتب الأدعية متوافرة والحمد لله، أعني الكتب التي فيها أدعية وأذكار، مثل الكلم الطيب لـ ابن تيمية، والوابل الصيب -أيضاً- لـ ابن القيم، والأذكار للنووي، وغيرها من الكتب التي تذكر فيها الأدعية العامة والخاصة، ومثلها -أيضاً- كتب متأخرة، وأفضلها الذكر الذي جمعه واختاره الملك عبد العزيز، ويسمى "الورد المصفى المختار" يبدأ منه بما تيسر. ووقت الوقوف بعرفة من فجر يوم عرفة إلى فجر يوم النحر، فمن جاء فوقف في أول النهار بعد الفجر صدق عليه أنه وقف بعرفة، ودليل هذا في حديث عروة بن مضرس قوله: (وقد وقف قبل ذلك بعرفة ساعة من ليل أو نهار) هكذا ذكر: (ساعة من ليل أو نهار) كلمة (أو نهار) تعم النهار كله، أي: من طلوع الشمس إلى غروبها. وكذلك قوله: (من ليل) تعم ليلة النحر كلها، أي: من غروب الشمس إلى طلوع الفجر. فمن وقف في هذا كله ولو ساعة فإنه يعتبر قد وقف بعرفة. وقد بالغ العلماء في ذلك حتى قال بعضهم: لو مر بعرفة وهو محرم ولكنه غافل لم يشعر بأنها عرفة، سار منها حتى قطعها في ليلة النحر، أو في يوم عرفة صح وقوفه بها، حتى ولو كان نائماً أو غافلاً إذا كان قد عقد الإحرام. وهناك قول آخر: أن وقت الوقوف من الزوال، أي: بعد زوال الشمس يكون الوقوف. وهذا القول يستدلون عليه بأنه ﷺ ما وقف إلا بعد الزوال وبعدما صلى الصلاتين، وهذا القول هو الذي نصره كثير من المتأخرين، وقالوا: من وقف بعرفة في أول النهار فلا يعتد بوقوفه إذا خرج منها قبل أن تزول الشمس، ولا يكون كأنه وقف فيها، ولا يكون قد تم حجه. ولكن لعل القول الأول هو الأولى، أن يوم عرفة كله من طلوع الشمس إلى طلوع الفجر يوم النحر، وأن الجميع كله وقت للوقوف؛ لما ذكرنا من حديث عروة بن مضرس وغيره.

стр. 529

الدفع إلى مزدلفة بعد غروب الشمس ثم بعد ذلك يدفعون بعد الغروب إلى مزدلفة، وقد ثبت أنه ﷺ والحجاج معه لما غربت الشمس توجهوا إلى مزدلفة، وكان يقول لهم: (أيها الناس! السكينة السكينة!) ، وكانوا يسرعون فيحصل منهم مضايقة في بعض الأماكن الضيقة، وكان ﷺ يسير على ناقته، وقد أخذ بزمامها يجد السير، فكان إذا أتى حبلاً من الحبال المرتفعة أرخى لها، وكان -كما يقال- يسير العنق -أي: قدر العنق- فإذا وجد متسعاً نصَّ، أي: أسرع. وكانت المسافة بين عرفة ومزدلفة تستغرق بسير الأقدام أو بسير الإبل ساعتين، ومع السير المتوسط ساعتين ونصف، فكانوا يسيرون سيراً سريعاً أو سيراً متوسطاً، فلما وصلوا كان قد دخل وقت العشاء؛ إذ وصلوا بعد ساعتين من غروب الشمس أو بعد ساعتين ونصف، فجمعوا بين العشاءين جمع تأخير، ولعل السبب أنهم قد طال وقوفهم، وأحبوا المبيت لطول المسافة ومشقة السير؛ لأنهم على رواحلهم من الساعة الواحدة بعد الظهر حتى الساعة التاسعة من الليل تقريباً، ولا شك أن هذا زمن طويل، فهو ثمان ساعات شقوا على أنفسهم فيها، فلما وصلوا إلى مزدلفة أناخوا رواحلهم وحطوا رحالهم، ثم صلوا العشاءين وأراحوا أنفسهم. وفي هذه الأزمنة يحصل اختلاف عما كانوا عليه في الزمان القديم، والواقع أن بعض الناس يسيرون سيراً سريعاً من عرفة، ففي مدة أربع أو خمس دقائق يصلون إلى مزدلفة، فكيف يصلون؟ نقول: يصلون جمع تقديم، ولا يلزمهم أن يؤخروا إلى وقت العشاء؛ لأنه ورد أنهم يُصلُّون ساعة أن يَصِلُوا. وآخرون بضد ذلك، فمن شدة الزحام قد لا يصلون إلا نصف الليل أو بعد مضي ثلث الليل أو في آخر الليل، فيصلون -أيضاً- إذا وصلوا، ويمكن أن بعضهم قد يخشون طلوع الفجر وما وصلوا، فهؤلاء يصلون في الطريق، ومن المشايخ من يقول: يصلون في الطريق إذا خشوا أن يفوت وقت الاختيار. يعني: إذا مضى نصف الليل وهم ما وصلوا فيصلون في الطريق. وكيف يصلون والسيارات مزدحمة أمامهم وخلفهم وعن الجانبين؟ المشاهد أنهم قد يقفون في الموقف الواحد نصف ساعة أو ثلث ساعة ثم يتحركون، والمشاهد -أيضاً- أنهم في نصف الساعة يقطعون مسافة عشرة أمتار أو نحوها، فإذا وقفوا في هذه الوقفة نزلوا ذكوراً وإناثاً، والأرض واسعة، فيصلون فيها الصلاة جمعاً أو قصراً الصلاة، حتى لا يؤخروها عن وقتها. والسائق إذا رجعوا نزل وقاد السيارة واحد غيره إلى أن يصلي مع من بقي، هذا هو الذي أفتى به مشايخنا، فالحاصل أنهم إذا أَمَّلوُا أن يصلوا قبل نصف الليل أو بعد نصف الليل بقليل -وقيل: إلى ثلثي الليل- أخروها إلى أن يصلوا، وإلا صلوها في الطريق حتى لا يفوت وقتها.

стр. 530

المبيت بمزدلفة المبيت بمزدلفة واجب من الواجبات كما سيأتي، وذهب بعضهم إلى أنه ركن، واستدلوا بقول الله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٩٨] والمشعر الحرام هو مزدلفة، فهذا الأمر يدل على الوجوب: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٩٨] (عنده) يعني: فيه. والأكثرون على أنه من الواجبات التي إذا تركت جبرت بدم. والآن يحصل أن كثيراً يفوتهم المبيت بمزدلفة لأجل الزحام، فيتوجهون من عرفة، ولشدة الزحام قد لا يصلون إلى مزدلفة إلا بعد الصباح، فهل عليهم دم والحال هذه؟ نرى أنه لا دم عليهم، وذلك لأنهم بذلوا وسعهم وتوجهوا كما توجه غيرهم، ولم يستطيعوا فعل أكثر مما حصل، وإذا كان بعضهم أقوياء يستطيعون مواصلة السير إذا رأوا أن السير يتأخر بهم فاستطاعوا أن يواصلوا السير بأقدامهم مسيرة ساعة أو ساعة ونصف حتى يصلوا إلى مزدلفة فهو أفضل، والعجزة والنساء ونحوهم يسقط عنهم بقدر ما بذلوه من الجهد. وفي مزدلفة يقع خطأ من كثير من الذين يتعجلون، وهو أن كثيراً منهم يجلسون فيها ساعة أو ساعة ونصفاً، ثم يسيرون إلى منى، وهذا خطأ، وكثير من الناس إذا كان نصفهم أو ثلثهم نساء ادعوا أن لهم عذراً، فيجلسون ساعة أو ساعة ونصفاً ثم يتوجهون إلى منى، ولا شك أنه قد وردت الرخصة للنساء والعجزة كما جاء: (أن النبي ﷺ رخص لـ أم سلمة ولـ سودة أن تدفعا في آخر الليل) وهذه الرخصة خاصة بمن هذه حالته، أما بقية الصحابة وأمهات المؤمنين فإنهم بقوا. كذلك رخص لبعض الشباب أن يذهبوا مع بعض النساء، ومنهم ابن عباس ﵁، يقول: إنه من جملة الذين أذن لهم أن ينفروا آخر الليل، ولكنه جعل يضرب أفخاذه ويقول: (أي بني! لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس) فدل على أنه رخص لهؤلاء، ولا تكون الرخصة عامة للناس كلهم، فيتنبه إلى أن الأصل المبيت بمزدلفة إلى الصباح، كما فعله النبي ﷺ والمسلمون معه.

стр. 531

صلاة الصبح وإتيان المشعر الحرام وإذا صلى الصبح أتى المشعر الحرام، والمشعر هو الجبل الصغير الذي عنده المسجد، ولكن تسمى مزدلفة كلها بالمشعر الحرام، فيقف عنده ويحمد الله ويكبر، ويذكر ويقرأ قول الله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ [البقرة:١٩٨] الآية. ويكثر من الدعاء حتى يسفر، وإذا لم يتيسر لبعد المكان فإن مزدلفة كلها موقف؛ لقوله ﷺ : (وقفت هاهنا وجمع كلها موقف) و (جمع) هي مزدلفة، يعني أن كلاً منهم وقف في مكانه، فيصلون في أماكنهم، ويدعون الله تعالى حتى يسفروا، وكان المشركون يقفون بمزدلفة إلى أن تشرق الشمس على ثبير -الجبل المرتفع الذي يقع شرق شمال مزدلفة- فيقولون: أشرق ثبير كيما نغير. فخالفهم النبي ﷺ ، وأفاض من مزدلفة قبل أن تشرق الشمس، أي: بعدما أسفر جداً.

стр. 532

السير إلى منى ثم بعدها يتوجه من مزدلفة إلى منى، ويسير -أيضاً- كما يسير من عرفة إلى مزدلفة سيراً معتاداً، وإن كان في هذه الأزمنة الناس يسيرون على السيارات، والسير على السيارات يختلف عن السير على الرواحل. فإذا وصلوا إلى وادي محسر أسرعوا رمية حجر، ووادي محسر حاجز وفاصل بين منى ومزدلفة، وليس هو من المشاعر، وقدر رمية الحجر يمكن أنه -مثلاً- عشرة أمتار، والآن قد حددوه، ولكن زعموا أنه أربعون متراً من باب الاحتياط، وإلا فهو قدر رمية حجر، أي: قدر ما يأخذ الإنسان حجراً ويرمي به. والعادة أنه إذا رمى به يمتد نحو عشرة أمتار أو خمسة عشر متراً، فهم من باب الاحتياط جعلوا له حدوداً من جهتيه. إذاً النبي ﵊ أسرع فيه السير براحلته، وذلك لأنه الوادي الذي تحسر فيه فيل أبرهة، والذي أنزل عليهم فيه الطير الأبابيل تحمل حجارة من سجيل، فهذا واد قد نزل فيه هذا العذاب، ولكن مع ذلك الناس في هذه الأزمنة لشدة زحامهم يسكنون فيه، ويكون مستقراً لكثير منهم لعدم المساكن، فيعذرون بذلك، وأيضاً لا يتيسر الإسراع فيه، وذلك لشدة الزحام، لا إسراع السيارة ولا إسراع الراجلين. قوله: [وأخذ حصى الجمار سبعين، أكبر من الحمص ودون البندق] . حصى الجمار تؤخذ من أي مكان، ولكن كثيراً من الفقهاء ينصون على أنه يؤخذ من مزدلفة، فكانوا يأخذون من مزدلفة سبعين حصاة، سبعاً ليوم العيد، والثلاثة الأيام التي بعدها لكل يوم إحدى وعشرون، والصحيح أنه يؤخذ من كل مكان، والنبي ﷺ ما أخذ من مزدلفة إلا سبعاً، قال للفضل بن عباس: (ناولني سبع حصيات. يقول: فناولته حصيات مثل حصى الخذف -أو هن حصى الخذف- فقال: بمثل هذا فارموا عباد الله، وإياكم والغلو في الدين؛ فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين) ، وحصى الخذف هي الحصاة التي يجعلها بين إصبعين ثم يخذف بها، أي: يرمي بها صيداً أو نحو ذلك كالعصفور أو نحوه، وهو الذي ورد فيه أنه ﷺ (نهى عن الخذف، وقال: إنها لا تصيد صيداً ولا تنكأ عدواً، ولكنها تفقأ العين وتكسر السن) . فحصى الخذف: الحصيات التي هي قدر نواة التمر أو أصغر، أو قدر حبة الفول أو قريباً منها. والحمص هو المعروف الذي يؤكل، ويسمى القريض، والبندق نبت أكبر منه، وهو نبت شيء من الشجر عليه قشرة. فيكون هذا مقدار الحصى التي يرمى بها.

стр. 533

الوصول إلى منى ورمي الجمار وإذا وصل إلى منى فإن تحيتها الرمي، هكذا يقول العلماء: تحية منى رمي جمرة العقبة، يرميها بسبع حصيات كما هو معروف، ويقتصر على رمي جمرة العقبة فلا يرمي غيرها. والرمي قيل: إنه من سنة إبراهيم أو إسماعيل. وسببه -كما ذكر في مسند أحمد -: أن الشيطان اعترض لإبراهيم عند الجمرة الكبرى لما أراد أن يذبح ولده، فرجمه، ثم اعترض لإسماعيل عند الجمرة الوسطى فرجمه، ثم اعترض هاجر أم إسماعيل عند الجمرة الصغرى فرجمته، هكذا ورد في ذلك الحديث. ورجمنا لهذه الحجارة المنصوبة ليس هو رجم للشيطان كما يعتقده بعض العامة، وإنما هو لتذكر عداوة الشيطان، إذا عرفنا عداوته لأبينا آدم ثم لأبينا إبراهيم فإننا نأخذ حذرنا من إغوائه لنا ومن طواعيته، ومع ذلك فإن شرعية هذا الرمي لإقامة ذكر الله، هكذا ورد في حديث عن عائشة قالت: (إنما جعل الطواف بالبيت وبالصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله) ولأجل ذلك يكبر مع كل حصاة حال الرمي في يوم العيد وفي الأيام التي بعده، فكلما رمى حصاة كبر معها بقوله: (الله أكبر) . وقيل: إنه يسمي. أي: باسم الله، الله أكبر. وبعضهم يقول: غضباً للشيطان. أو: نعوذ بالله من الشيطان. وما أشبه ذلك، ولكن التكبير هو الذي ورد. وذكروا أنه يرفع يمناه حتى يرى بياض إبطه؛ لأنه لم يزل محرماً، فيرفع يده من تحت الرداء، فإذا ارتفعت ارتفع الرداء، فيرى بياض إبطه من شدة رفعه.

стр. 534

نحر الهدي بعدما يرمي جمرة العقبة إن كان معه هدي نحر هديه، أو إذا كان عليه فدية نحر فديته أو ذبحها.

стр. 535

الحلق أو التقصير بعد ذلك يحلق أو يقصر، والحلق أو التقصير يعتبر نسكاً وعبادة من العبادات وطاعة وقربة، وليس هو عادة، فلابد أن يحلق رأسه -وهو أفضل- أو يقصر منه، وإذا اقتصر على التقصير فلابد أن يدور على رأسه ويأخذ منه كله، وإن لم يكن من كل شعرة. والمرأة تقصر من كل ضفيرة قدر أنملة، وقد كان النساء يجعلن رءوسهن ضفائر -أي: قروناً-، فقد يكون رأسها -مثلاً- ثلاثة قرون أو خمسة أو ستة، فتمسك كل قرن وتقص منه قدر أنملة، أي: قدر خصلة من خصال الإصبع، ويكون هذا هو التقصير في حقها. وليس على النساء حلق، وإنما عليهن التقصير، وأما الرجل فإن الحلق أفضل، وقد ثبت أنه ﷺ دعا للمحلقين ثلاث مرات، والمقصرين واحدة. فإذا رمى جمرة العقبة وحلق أو قصر حل له كل شيء إلا النساء، ويسمى هذا التحلل الأول، والتحلل الأول يدخل بفعل اثنين من ثلاثة، وفي يوم العيد يفعل أربعة أشياء: الرمي، والنحر، والحلق، والطواف، ولم يعدوا النحر من أسباب التحلل؛ لأنه ليس عاماً، وكثير من الناس ليس عليهم هدي إذا كانوا مفردين، فيكون عليهم الرمي والحلق والطواف؛ ولأجل ذلك جعلت هذه الثلاثة هي أسباب التحلل، فإذا فعل اثنين منها فقد تحلل التحلل الأول، وإذا رمى وحلق بقي عليه الطواف، فإذا فعل الثلاثة حل التحلل كله، ولو بدأ بالطواف ثم بالحلق وبقي عليه الرمي فقد حل التحلل الأول، كذلك لو رمى وطاف ولم يحلق أحل له كل شيء إلا النساء، فإذا فعل الثلاثة حل له كل شيء حتى النساء.

стр. 536

طواف الإفاضة والسعي وطواف الإفاضة هو طواف الحج، ويسمى: (طواف الإفاضة) ، و (طواف الزيارة) ، و (طواف الحج) ، ويسن أن يكون في يوم العيد كما فعل النبي ﷺ ، فقد أفاض في ذلك اليوم، ولكن في هذه الأزمنة يحصل مشقة وصعوبة، فلا بأس بتأخيره، فلو أخره إلى اليوم الحادي عشر ليلاً أو نهاراً أجزأ ذلك، وكذلك لو أخره إلى ما بعد أيام التشريق أجزأه ذلك، فوقته واسع، ومن العلماء من حدد وقته إلى آخر الشهر، ومنهم من حدده إلى آخر أيام التشريق، والصحيح أنه يجوز تأخيره. وطواف الزيارة معروف أنه ركن من أركان الحج كما يأتي، وإذا كان عليه سعي فإنه يسعى، والمتمتع لا شك أن عليه سعيين: سعي مع طواف العمرة، وسعي مع طواف الحج. وأما القارن والمفرد فليس عليهما إلا سعي واحد، فإن قدمه بعد طواف القدوم سقط عنه بعد طواف الزيارة، وإن لم يسعَ بعد طواف القدوم بقي عليه السعي، فيأتي به بعد طواف الزيارة -أي: طواف الإفاضة-، ولا يصح السعي إلا بعد طواف مشروع، ويجوز الفصل بينهما فصلاً يسيراً كنصف يوم، فلو طاف في أول النهار في الساعة السابعة صباحاً مثلاً، ولم يسع إلا في الساعة الثانية عشرة أو الثالثة عصراً أجزأه ذلك، وأما إذا أخره إلى الليل فالمشهور أنه يعيد الطواف حتى يكونا متواليين. وهل يجوز تقديم السعي على الطواف؟ أجاز ذلك بعض المشايخ، والجمهور على أنه لا يجوز، وكان مشايخنا الأولون يشددون فيقولون: لا يجوز تقديم السعي على الطواف اقتداءً بفعل النبي ﷺ أنه طاف ثم سعى.

стр. 537

الشرب من ماء زمزم وبعد ذلك يسن أن يشرب من زمزم لما أحب، ويتضلع منه، ويدعو بما ورد. وبئر زمزم هي البئر القديمة التي نبعت على عهد أم إسماعيل، وورد أن (ماء زمزم لما شرب له) يعني: إذا شربه المسلم ونوى به شفاءً أو علماً أو رزقاً أو نحو ذلك فإن الله يعطيه ما نواه، ومما ورد من الأدعية أن يقول: اللهم! اجعله لنا علماً نافعاً، ورزقاً واسعاً، ورياً وشبعاً، وشفاءً من كل داء، واغسل به قلبي، واملأه من خشيتك وحكمتك أو ما أشبه ذلك، يدعو بهذا أو يدعو بغيره.

стр. 538

المبيت بمنى ثلاث ليال وبعد ذلك يرجع إلى منى، فيبيت بها ثلاث ليال، أي: ليلة اليوم الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر، فيبيت مساء يوم العيد، ثم ليلتين بعده، وهذا لمن لم يتعجل، ومن تعجل فإنه يبيت فيها ليلتين ويقيم فيها يومين بعد يوم العيد. وفي أيام منى ذكر الحديث: (أيام منى أيام أكل وشرب وذكر لله ومنع من صيامها إلا لمن لم يجد الهدي كما تقدم، وفي أيام منى -أيضاً- يكثر الحجاج من الذكر والتكبير، فيكبرون بعد كل صلاة التكبير المقيد، وكان بعض الصحابة ومنهم عمر ﵁ يكبرون فيها تكبيراً مطلقاً، فكان إذا كان في خيمته رفع صوته بالتكبير حتى ترتج منى تكبيراً.

стр. 539

رمي الجمار الثلاث أيام منى ومن الأعمال التي يقوم بها الحجاج في أيام منى الرمي، والرمي هو رمي الجمرات الثلاث بعد الزوال، ويسن قبل صلاة الظهر وبعد الزوال، وإن شق أخره إلى قرب الغروب. وهذا الرمي واجب -كما سيأتي- من الواجبات، وفي هذه الأيام يرمي كل جمرة بسبع حصيات، يبدأ بالصغرى التي تلي مسجد الخيف، ثم الوسطى، ثم جمرة العقبة. يقول: الرمي وقته من الزوال إلى غروب الشمس. هذا هو المجمع عليه، واختلفوا في الرمي ليلاً، وأجاز ذلك بعض العلماء المتأخرين، فأجازوا أن يرمي يوم العيد ليلاً إذا لم يتمكن من الرمي في النهار ولو إلى آخر الليل، وفي اليوم الحادي عشر أن يرمي ولو في آخر الليل، وأما في اليوم الثاني عشر فإن كان سوف يتعجل فإنه يرمي قبل غروب الشمس، ويخرج قبل غروب الشمس حتى لا يلزمه المبيت، وإن كان لا يتعجل فله أن يؤخر الرمي إلى الليل، وله أن يرميه طوال الليل، وأما اليوم الثالث عشر فلا يجوز تأخيره إلى ما بعد الغروب، بل يرميه قبل أن تغرب الشمس؛ لأن أيام التشريق تنتهي بغروب الشمس في اليوم الثالث عشر، وبها ينتهي أعمال الحج. ومن تعجل في يومين خرج قبل غروب الشمس في اليوم الثاني عشر، فإن غربت عليه الشمس بعدما ركب الطريق فله أن يواصل خروجه. مثاله: لو حمل رحله وخيمته على سيارته ثم سار، ولشدة الزحام غربت الشمس وهو لم يخرج من منى، نقول له: اخرج. فأما إذا غربت عليه الشمس ورحله ما يزال في الأرض فإننا نقول له: بت هذه الليلة، وارمِ الجمرة في اليوم الثالث عشر؛ فإنك ما تعجلت، وقد أدركتك ليلة الثالث عشر.

стр. 540

طواف الوداع وآخر ما يعمله الحاج طواف الوداع، وهو من الواجبات، يفعله بعدما ينتهي من رمي الجمرات في اليوم الثاني عشر أو الثالث عشر، أو متى عزم على الخروج، فقد أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت. ولو أخر طواف الزيارة وطافه عند الخروج بالنية كفاه عن طواف الوداع، حيث صدق عليه أنه جعل آخر عهده بالبيت.

стр. 541

الوقوف بالملتزم بعد طواف الوداع ثم بعدما ينتهي من طواف الوداع إذا تيسر له وقف بالملتزم داعياً بما تيسر، والملتزم: هو ما بين الحجر الأسود والباب. روي أنه تستجاب فيه الدعوة، وصفة التزامه أن يضع يديه عليه، وإذا قدر وضع صدره أو خده عليه، ثم يدعو بما ورد، ومما ورد أنه يقول: (اللهم! هذا بيتك، وأنا عبدك وابن عبدك وابن أمتك، حملتني على ما سخرت لي من خلقك، وسيرتني في بلادك حتى بلغتني بنعمتك إلى بيتك، وأعنتني على أداء نسكي، فإن كنت رضيت عني فازدد عني رضاً، وإلا فمُنَّ عليّ الآن قبل أن تنأى عن بيتك داري، وهذا وقت انصرافي إن أذنت لي، غير مستبدل بك سواك، اللهم! فأصحبني العافية في بدني، والصحة في جسمي، والعصمة في ديني، وأحسن منقلبي، وارزقني طاعتك ما أبقيتني، واجمع لي بين خيري الدنيا والآخرة؛ إنك على كل شيء قدير) . ويصلي على النبي ﷺ ، ويأتي الحطيم الذي هو تحت الميزاب، فيدعو ثم يشرب من ماء زمزم، ثم يخرج. وعندما يخرج لا يلزمه أن يمشي القهقرى كما يفعل بعضهم، بل يمشي على حالته. والحائض لا تدخل البيت ولكن تقف بالباب وتدعو بما تيسر، فالحائض والنفساء ممنوعتان من دخول المسجد.

стр. 542

زيارة مسجد النبي ﷺ أما زيارة المدينة فأكثر الفقهاء يقولون: الزيارة لقبر النبي ﷺ وقبري صاحبيه. ولكن الصحيح أن الزيارة للمسجد، فينوي بزيارة المدينة مسجد النبي ﷺ ، وذلك لأنه الذي تضاعف فيه الصلوات، فالصلاة فيه بألف صلاة فيما سواه، فإذا سار إلى المدينة فلا ينوي زيارة القبر، بل ينوي زيارة المسجد. والأحاديث التي وردت في زيارة القبر ضعيفة أو موضوعة، وما ثبت شيء منها، وقد ثبت أنه ﷺ قال: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى) يعني: لا تشد إلى بقعة رجاء فضيلتها فإذا جاء إلى المسجد بدأ فصلى فيه تحيته، ثم بعد ذلك يزور القبر، ويسلم على النبي ﷺ وعلى صاحبيه، وكذلك يزور قبور البقيع والشهداء، ويسن -أيضاً- أن يصلي في مسجد قباء؛ لأنه ﷺ كان يصلي فيه، وأما بقية المزارات فلا أصل لها.

стр. 543

صفة العمرة العمرة صفتها أن يحرم بها إما من الميقات كالذي يأتي من الآفاق، وإما من أدنى الحل إذا كان من أهل مكة، فيخرج المكي إلى أدنى الحل ليحرم، ثم يطوف ويسعى ويقصر، وتنتهي عمرته، وأما ما روي أن إتمامها أن يحرم بها من دويرة أهله إن كان دون الميقات فهذا خاص بمن هم دون المواقيت، أما الذين في المواقيت أو ما وراء المواقيت فيحرمون بها من الميقات. هذه صفة العمرة.

стр. 544

الأسئلة

стр. 545

حكم من لم يستطع الحج حتى مات السؤال أبي لم يستطع الحج في شبابه لقلة المال لديه، فلما كبر سنه ما استطاع، ثم مات ولم يحج، ولم يحج عنه أبناؤه، فهل عليه أو على أبنائه إثم، علماً بأن أمي كذلك؟ الجواب إذا كان قدر أحد أولاده أو قدرت أنت فحج عن أبيك، وهو معذور أولاً للفقر، ثم للكبر، وكان عليه بعدما قدر أن يوكل من يحج عنه، ولكن حيث إنه لم يتيسر له فلعل أولاده أن يحجوا عنه أو يوكلوا من يحج عنه.

стр. 546

حكم من مات ولم تقسم تركته لمدة عشر سنوات السؤال رجل يعمل ببلاد بعيدة، فمات، وكان يضع أمواله في أحد البنوك، فوكل أهل الميت أحد أصدقائه بالإشراف على أمواله، فأخذ يرسل لهم ما يطلبون من غير تقسيم للتركة، فيرسل للأم والأبناء الصغار، أما الكبار فهم يعملون ولا يرسل لهم، علماً بأنهم لم يقسموا التركة الباقية، فهم يسكنون ويعيشون مع بعضهم في منزل واحد وطعامهم واحد، فهل عليهم إثم في عدم تقسيم التركة؟ وقد بقي هذا المال عشر سنوات ولم يزك، فهل في ذلك شيء؟ الجواب لابد أن يؤخذ رضا الإخوة الكبار الذين يعملون، حيث إن لهم حقاً في هذه التركة بعد موت مورثهم، فإذا سمحوا بما أنفقه إخوتهم الصغار وأمهم سقط حقهم، ونشير عليهم بأن يقتسموها من الآن إذا أرادوا أن تعرف جميع الحقوق، حتى يعرف حق القاصرين -مثلاً- وحق الباقين الذين مع أمهم، وحتى ينفق عليهم مما يخصهم. أما الزكاة فلا تسقط إذا كان المال موفراً، ولكن ينظر في نصيب كل واحد منهم، فإذا بلغ نصيب كل واحد النصاب فعليه الزكاة، فإن كان نصيب كل واحد أقل من النصاب فلا زكاة عليهم ولو كان مجموعه يبلغ النصاب.

стр. 547

حكم بقاء المرأة مع زوج لا يصلي السؤال أنا امرأة متزوجة منذ ثلاثة عشر عاماً، وعندي أربعة أولاد، وملتزمة ولله الحمد، وزوجي شارب للخمر تارك للصلاة، له سبع سنين لم يشهد صلاة الفجر، ونصحته مراراً وتكراراً إلا أنه أصر على ما يفعله، والآن أنا طالبة منه الطلاق لأني سأحس بالراحة إذا طلقني، فما رأي فضيلتكم في هذا؟ الجواب لا يجوز البقاء معه إذا كان لا يصلي؛ لأن ترك الصلاة والإصرار على تركها وعدم التقبل للنصيحة يعتبر كفراً كما أفتى بذلك المشايخ، فلابد أن تطلب منه أن يخلي سبيلها، وتحرص على أن يكون الأولاد معها حتى لا يتربون عنده فيأخذون ما أخذه.

стр. 548

حكم السفر إلى بلد فيه اختلاط وتبرج للدراسة السؤال أنا شاب فلسطيني، انتهيت من دراسة الثانوية ولم أقبل في الجامعات السعودية، فهل يجوز لي السفر إلى أحد البلدان العربية المسلمة مع ما يوجد هناك من الاختلاط داخل الجامعة وغيرها علماً بأن الوالدين مصران على سفري، وأن البقاء بلا جامعة سيضر بي اقتصادياً واجتماعياً؟ الجواب لا بأس بأن تطيع الأبوين إذا أصرا على أنك تسافر، ولو كان في البلاد الأخرى سفور واختلاط وفتن، وبإمكانك أن تغض بصرك وتحفظ نفسك.

стр. 549

حكم ما فعله النبي ﷺ في حجه السؤال هل كل ما فعله الرسول ﷺ في حجه واجب لقوله: (خذوا عني مناسككم) ، وكذا الصلاة لقوله: (صلوا كما رأيتموني أصلي) ؟ الجواب لا شك أن أفعاله في الحج وفي الصلاة منها ما هو ركن ومنها ما هو واجب ومنها ما هو سنة، ولا يلزم التقيد بكل فعل فعله ويقال: إنه من الواجبات. وذلك لأنه أقر على إسقاط كثير منها، كما في حديث عروة بن مضرس وغيره.

стр. 550

وجوب طاعة الأم إذا طلبت أن يحج بها ابنها السؤال رجل تطلب منه والدته دائماً أن يحج بها، مع أنها قد حجت حجة الإسلام، ولكنها تريد الحج رغبة في الأجر، وهو يرفض لما في الحج في هذه الأزمنة من الزحام الشديد والمشقة، خصوصاً على النساء، فهل له ذلك أم يجب عليه أن يطيعها؟ الجواب لا يعتذر بعذر الزحام، فالزحام يمكنه أن يتحمله، فيتحين الأوقات التي يجد فيها فراغاً للطواف بأمه، وبقية المشاعر ليس فيها زحام، فيطيع أمه وله أجر إن شاء الله.

стр. 551

شرح أخصر المختصرات [٢٢] للحج والعمرة أركان وواجبات يجب على من أراد أحدهما أن يتعلم أحكامه ومسائله، وقد بين ذلك أهل العلم ﵏، ومما بينوه: أنواع الذبائح التي تتعلق بالحج والعمرة، من الهدي ودم التمتع ودم الجبران وجزاء الصيد، وكذلك بينوا أحكام الأضاحي التي تشرع لمن لم يحجوا؛ ليشاركوا الحجاج في التقرب إلى الله بالذبائح والأكل والتصدق منها.

стр. 552

مقدمة في بيان كيفية الترجيح بين المسائل الخلافية في الحج قرأنا في صفة الحج متى يحرم المحلون بالحج، وحكم المبيت بمنى ليلة عرفة، ومتى يذهبون إلى عرفة، وبيان الموقف في عرفة، وكيف يصلون الظهرين، وبيان وقت الوقوف بعرفة، ومتى يدفعون إلى مزدلفة، وكيف يكون الدفع، وكيف تصلى المغرب والعشاء هناك، وما المراد بالمشعر الحرام، وماذا يفعل عنده، ومتى يدفع إلى منى، وماذا يفعل الحاج إذا بلغ محسراً، ومن أين يأخذ حصى الجمار، ومقدار الحصى، وكيف يرمي، وماذا يدعو به عند الرمي، وأعمال يوم النحر، وكيف يرتبها، ومقدار ما تأخذه المرأة من الشعر تقصيراً، وبيان التحلل الأول، ومتى يفيض الحاج إلى مكة، واستحباب الشرب من ماء زمزم والدعاء، وحكم المبيت بمنى ليالي منى، وكيف يرمي الجمرات، ومتى ينفر من تعجل في يومين، وحكم من غربت عليه الشمس في اليوم الثاني عشر قبل أن ينفر من منى، وحكم طواف الوداع، ومشروعية الوقوف بالملتزم، وما تفعل الحائض والنفساء التي سقط عنها طواف الوداع، وحكم زيارة قبر النبي ﷺ وقبر صاحبيه، وبينا أن الزيارة تكون للمسجد لا للقبر، وأن السلام يكون بعد أداء صلاة تحية المسجد، وذكرنا صفة العمرة، ومن أين يحرم بها إذا كان من أهل مكة، ومتى يتحلل من العمرة. وقد أكثر العلماء قديماً وحديثاً من الكتابة حول مناسك الحج، وبينوا ماذا يفعل الحاج في هذه المشاعر، ولا شك أن فيها شيئاً من الاختلاف بين العلماء، ولكن لكل اجتهاده، وأصح الأقوال ما وافق الدليل، والأدلة واضحة، والسنة محفوظة قولاً وفعلاً، والاختلافات التي وقعت بين الصحابة ومن بعدهم فيها مجال للاجتهاد. فمن الاختلافات: الاختلاف في أي الأنساك أفضل؟ فالإمام أحمد يختار أن أفضل الأنساك التمتع؛ لأنه آخر الأمرين من النبي ﷺ . والإمام مالك يختار القران. والشافعي يختار الإفراد، وفي رواية عنه القران. وسبب ذلك: أن الصحابة ﵃ اختلفوا، فـ ابن عباس يرى التمتع ويلزم الحاج به، حتى إنه يقول: من طاف بالبيت، وسعى بين الصفا والمروة، فقد حل شاء أم أبى، فهو يوجب التمتع، حتى على من أحرم مفرداً، ويسمى هذا فسخ الحج إلى العمرة، واختلفوا في حكمه: هل يجوز إذا أحرم بحج أن يفسخه ويجعله عمرة؟ في ذلك خلاف كبير، وسبب ذلك أنه ثبت عن النبي ﷺ أنه أمر سبعة عشر صحابياً بالتحلل وقد كانوا مفردين، حيث لم يكن معهم هدي، وامتنع الذين معهم الهدي أن يتحللوا، فلذلك رجح بعض العلماء الفسخ، بل بعضهم يلزم به، ومنهم ابن القيم في زاد المعاد، فإنه لما ساق الأحاديث التي في الأمر بالفسخ قال: ليس لأحد عذر في تركها؛ فإنها صريحة في الأمر بالفسخ، ومع ذلك فالمسألة محتملة للأقوال، وذلك لأن أكابر الصحابة كـ أبي بكر وعمر وعثمان كانوا يلزمون الناس بالإفراد، وكان عمر ينهى عن التمتع، ويأمرهم بأن يعتمروا في سفر مستقل؛ خوفاً من تعطل الحرم من الطائفين، هكذا اعتذروا عنه؛ فإنه لا يخفى عليه أن النبي ﷺ أمر الصحابة أن يتحللوا، ولكن مع ذلك يقول: إذا أمرناهم بالعمرة في هذا السفر سافروا سفراً واحداً، وقضوا فيه حجاً وعمرة، واكتفوا بهذا السفر عن سفر آخر للعمرة، وتعطل البيت بقية السنة، فإذا منعوا فإنهم يقتصرون على الحج في سفرتهم، ويأتي بعضهم في شهر صفر للعمرة، وبعضهم في شهر ربيع، وبعضهم في جمادى، وبعضهم في رجب، وبعضهم في رمضان، فيبقى البيت الحرام معموراً بالزوار، هذا عذره. ولكن إذا ثبت الفعل من النبي ﷺ فإنه مقدم على قول كل أحد، فـ ابن عباس ﵄ يرى أن من أتى البيت فطاف به وسعى فقد حل، ولو لم ينوِ التحلل، فاحتجوا عليه بأن أبا بكر وعمر ينهون عن التمتع، وينهون عن العمرة مع الحج، فاشتهر عنه أنه قال: (يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء! أقول: قال رسول الله ﷺ ، وتقولون: قال أبو بكر وعمر!) بمعنى: أن سنة النبي ﷺ مقدمة على قول كل أحد. وهناك خلافات أخرى في كثير من المناسك، ولكن إذا اتضح الدليل فالمسلم يتبع الدليل مع من كان، ولا يتعصب لمذهب من المذاهب.

стр. 553

أركان الحج قال المصنف رحمه الله تعالى: [فصل أركان الحج أربعة: إحرام، ووقوف، وطواف، وسعي. وواجباته سبعة: إحرام مار على ميقات منه، ووقوف إلى الليل إن وقف نهاراً، ومبيت بمزدلفة إلى بعد نصفه إن وافاها قبله، وبمنى لياليها، والرمي مرتباً، وحلق أو تقصير، وطواف وداع. وأركان العمرة ثلاثة: إحرام، وطواف، وسعي. وواجبها اثنان: الإحرام من الحل، والحلق أو التقصير. ومن فاته الوقوف فاته الحج وتحلل بعمرة، وهي إن لم يكن اشترط، ومن منع البيت أهدى ثم حل، فإن فقده صام عشرة أيام، ومن صد عن عرفة تحلل بعمرة ولا دم. فصل: والأضحية سنة يكره تركها لقادر، ووقت الذبح بعد صلاة عيد أو قدرها إلى آخر ثاني التشريق، ولا يعطى جازر أجرته منها، ولا يباع جلدها ولا شيء منها، بل ينتفع به. وأفضل هدي وأضحية إبل، ثم بقر، ثم غنم، ولا يجزئ إلا جذع ضأن أو ثني غيره، فثني إبل ما له خمس سنين، وبقر سنتان، وتجزئ الشاة عن واحد، والبدنة والبقرة عن سبعة، ولا تجزئ هزيلة، وبينة عور أو عرج، ولا ذاهبة الثنايا أو أكثر أذنها أو قرنها. والسنة نحر إبل قائمة معقولة يدها اليسرى، وذبح غيرها، ويقول: (باسم الله، اللهم هذا منك ولك) . وسن أن يأكل ويهدي ويتصدق أثلاثاً مطلقاً، والحلق بعدها، وإن أكلها إلا أوقية جاز، وحرم على مريدها أخذ شيء من شعره وظفره وبشرته في العشر. وتسن العقيقة، وهي عن الغلام شاتان، وعن الجارية شاة، تذبح يوم السابع، فإن فات ففي أربعة عشر، فإن فات ففي إحدى وعشرين، ثم لا تعتبر الأسابيع، وحكمها كأضحية] . هكذا لخص الفقهاء باب الحج، وقسموه إلى ثلاثة أقسام: أركان، وواجبات، وسنن. الأركان جمع ركن، وركن الشيء: جانبه الأقوى الذي لا يتم إلا به، أو ركن الشيء جزء ماهيته -أي: البعض منه- وباجتماع الأركان تتم الماهية، وأركان الحج أربعة: الإحرام، والوقوف، والطواف، والسعي.

стр. 554

الإحرام الإحرام ركن بلا خلاف؛ وذلك لأنه نية النسك، وليس الإحرام هو اللباس، بل الإحرام هو النية، يعني: أن ينوي بقلبه الدخول في النسك، ثم بعد دخوله فيه يشعر بأنها حرمت عليه المحظورات، وأنه تلبس بهذه العبادة، فهو مثل الإحرام بالصلاة، ومعلوم أنه إذا أحرم بالصلاة حرم عليه الالتفات، وحرمت عليه الحركة والمشي، وحرم عليه الأكل والشرب، وحرم عليه الضحك، وحرم عليه الانصراف عن القبلة وأشباه ذلك، فكذلك نقول: إذا دخل في النسك -أي: في الحج أو العمرة- فإنها تحرم عليه هذه المحظورات، فيحرم عليه تغطية الرأس، ولبس المخيط، والتطيب، وقص الشعر، وتقليم الأظافر إلخ، فالإحرام هو النسك، وهو أن يعزم بقلبه أنه دخل في الإحرام. وقد تقدم جواز الإحرام قبل أن يأتي الميقات، وذكرنا أنه إذا أحرم بالحج قبل أن تدخل أشهره -كما لو أحرم في آخر رمضان بالحج، وبقي محرماً إلى يوم النحر- فإن ذلك جائز مع الكراهة. والصحيح أنه ينعقد الإحرام قبل الميقات، وقد روي أن عبد الله بن معمر لما انتصر المسلمون في وقعة نهاوند نذر أن يحرم منها إلى مكة، فعقد الإحرام من خراسان، وجاء محرماً مسيرة أكثر من شهر، إلى أن حل إحرامه بالعمرة بعدما تحلل، وكان ذلك في عهد عثمان، ولكن عثمان لامه لأنه شق على نفسه، وغيره كثير من الذين أحرموا قبل الميقات بمدة، وقد تقدم قول بعضهم: يحرم من دويرة أهله إن كان دون الميقات، لكن قد روي عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦] قال: (إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك) وظاهره أنه يحرم من حين يخرج من بيته مسافراً، ولكن ابن عباس ومن قال بهذا أرادوا أن تنشئ لهما سفراً، وأن يكون سفرك من بيتك إلى الحرم لأجل الحج أو لأجل العمرة، فهذا هو الذي يكون أجره كاملاً، وأما الذي يسافر لغرض ثم يعتمر في طريقه، فهو وإن كانت عمرته مجزئة لكنها أنقص أجراً ممن لم يسافر إلا للعمرة، فالذين يسافرون لغرض كتجارة أو زيارة أو احتفال، أو لحضور مناسبة في مكة أو في جدة أو في الطائف، ثم يقولون: إذا وصلنا ذلك المكان نأخذ عمرة، نقول: عمرتهم مجزئة؛ ولكن ليست مثل عمرة الذي ما حمله على السفر إلا أداء العمرة، فهذا عمرته أكثر أجراً.

стр. 555

الوقوف بعرفة الوقوف بعرفة ركن، ودليله قوله ﷺ : (الحج عرفة) وذلك لأن الحجاج يجتمعون في عرفة يوم عرفة، فالذين يفوتهم الوقوف بعرفة يفوتهم الحج، وآخره إذا طلع الفجر يوم النحر، فإذا طلع الفجر فقد فات وقت الوقوف، فمن جاء بعد ذلك فقد فاته الحج.

стр. 556

الطواف الطواف ركن بلا خلاف، ودليله قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٢٩] والمراد: طواف الإفاضة، ويسمى طواف الزيارة، فهذا ركن. وأما طواف القدوم فإنه سنة في حق المفرد والقارن، فيسن لهما إذا قدما، وذلك الطواف يعتبر تحية المسجد أو تحية مكة.

стр. 557

السعي بين الصفا والمروة السعي بين الصفا والمروة فيه خلاف: هل هو ركن أو واجب، أو سنة؟ اختار الإمام أحمد في المشهور عنه أنه ركن، واستدل بقول النبي ﷺ : (اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي) (كتبه) يعني: فرضه، وكذلك فعل النبي ﷺ . وقال الذين قالوا: إنه واجب: إن الله تعالى نفى الجناح عمن لم يفعله، ونفي الجناح لا يدل على الركنية، وذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة:١٥٨] وقد استشكل هذه الآية عروة ﵀، فقال لـ عائشة: ما أرى السعي واجباً؛ لأن الله قال: (فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ) أي: فلا حرج عليه إذا تطوف بينهما، فكأن التقدير: لا حرج عليك إذا تطوفت، فلم يكن فيها أمر بالتطوف، وأجابت عائشة بقولها: لو كان ذلك كذلك لقال: فلا جناح عليه ألا يطوف بهما. وأيضاً استدل على الركنية بأن الله تعالى جعل الصفا والمروة من شعائر الله، والشعائر هي المعالم التي لها أعمال، أي: التي لها أعمال تختص بها، فكل مشعر من المشاعر له عبادة تخصه، فإن المشاعر والشعائر تنقسم إلى أقسام، فنقول -مثلاً-: عرفة مشعر من مشاعر الحج، ولكنه ليس بحرم، ومنى ومزدلفة مشعران وحرمان، ووادي محسر حرم وليس بمشعر، وادي عُرَنَةَ ليس حرماً ولا مشعراً، فهذه المشاعر لكل مشعر منها عبادة، فمشعر عرفة له عبادة، ومشعر مزدلفة له عبادة، ومشعر منى له عبادة، فكذلك مشعر الصفا والمروة لها عبادة، وعبادتها السعي بينهما. والحكمة في السعي إحياء ما فعلته أم إسماعيل، فإنها لما نفد عليها الماء رقت على الصفا ونظرت، ثم سعت ووصلت إلى المروة، ثم نظرت وهكذا حتى تمت سبعة أشواط، يقول النبي ﷺ : (فلأجل ذلك شرع السعي بينهما سبعة أشواط) . وأما نفي الحرج في الآية فسببه: أن المشركين كانوا قد جعلوا صنمين على الصفا والمروة، صنم على الصفا يقال له: إساف، وعلى المروة صنم يقال لها: نائلة، فكانوا يطوفون ويتمسحون بهذين الصنمين، فلما أسلم المسلمون ظنوا أن الطواف بهما كان لأجل هذين الصنمين، فبين الله أنهما مشعران، والمشعر لابد له من عبادة، فعبادتهما هو هذا السعي، وهو عبادة لما فيه من الامتثال، ولما فيه من هذا التعب ونحوه. هذه أدلة من يرى أن السعي ركن. ومن يقول: السعي واجب يستدل بأن الله تعالى رفع الحرج بقوله: (فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا) ويقول: هذا لا يدل على الركنية، وإنما يدل على الوجوب، وهذا رواية عن الإمام أحمد، وهو أنه واجب من الواجبات التي تجبر بدم. ونحن نفتي من أحرم فنقول: يجب عليك ويلزمك أن تسعى، ثم إذا قدر أنه ترك السعي عجزاً أو ترك بعضه، ثم تحلل وخرج، وصعب عليه الرجوع، وفعل المحظورات؛ تساهلنا معه، وأفتيناه بأن السعي واجب، يجبر بدم؛ لمشقة الرجوع. كثيراً ما ترد أسئلة، فيها أن أناساً سعى بعضهم أربعة أشواط ثم عجز وتحلل، أو سعى ثلاثة أشواط أو خمسة أشواط ثم عجز وتحلل ورجع إلى أهله، فمثل هذا نقول: إنه قد ألغى إحرامه، وقد فعل المحظورات، ولبس المخيط وتطيب، ووطئ أهله، وفعل كل المحظورات، فكيف نلزمه مع ذلك ونقول: ارجع لأجل أن تكمل عمرتك، وعليك فدية عن اللبس وتغطية الرأس وعن الطيب والتقليم وما أشبه ذلك؟! في ذلك شيء من المشقة، وكثيراً ما يحصل أنه يتزوج بعدما يرجع، أو تتزوج المرأة بعد أن ترجع، وربما ولد لهما أولاد، فلو قلنا: هذا عقد باطل، والأولاد ليسوا على ولادة صحيحة، ففي ذلك شيء من المشقة، فلذلك نتساهل ونقول لمن تساهل وترك السعي: اجعله كأنه من الواجبات التي تجبر بدم، وأما قبل أن يقع فإننا نلزمه بإتمامه.

стр. 558

واجبات الحج

стр. 559

الإحرام من الميقات واجبات الحج سبعة: الواجب الأول: الإحرام من الميقات. إذا مر على الميقات وجب عليه أن يحرم منه، فإذا جاوز الميقات وأحرم بعدما جاوزه فعليه دم؛ لأنه ترك الإحرام من الميقات. وكثيراً ما يقع السؤال عن الذين يذهبون إلى جدة، ثم يحرمون منها، فهؤلاء عليهم دم؛ حيث إنهم تجاوزوا الميقات، سواء كان سفرهم براً أو جواً، فيلزمهم أن يحرموا من الميقات، فيحرم -مثلاً- في الطائرة من الميقات، ولو تقدمه بخمس أو عشر دقائق جاز، ويحرم من كان في سيارة إذا مر بالميقات، وإذا قدر أنه تجاوز الميقات ووصل إلى جدة، ثم أراد أن يحرم؛ لزمه أن يرجع حتى يحرم من الميقات، فمن لم يرجع وأحرم بعدما جاوز الميقات فعليه دم، ولا يفيده رجوعه بعد الإحرام، فلو وصل -مثلاً- إلى الزيمة، ثم أحرم منها، ورجع بعد ما أحرم إلى السيل ما سقط عنه الدم، أما إذا رجع قبل أن يحرم فإن عليه أن يحرم من الميقات ولا دم عليه، وهكذا إذا وصلوا إلى جدة عن طريق الجو ولم يحرموا، نقول لهم: ارجعوا إلى الميقات، وإن أحرمتم من جدة فعليكم الدم لمجاوزة الميقات.

стр. 560

الوقوف بعرفة إلى غروب الشمساً الواجب الثاني: الوقوف بعرفة إلى الليل إن وقف نهاراً. قال الفقهاء: إن النبي ﷺ وقف بعرفة نهاراً، ولم يدفع حتى غربت الشمس، فجمع فيها بين نهار وليل، فالذي ينصرف قبل أن تغرب الشمس يكون قد خالف السنة، وترك واجباً، فعليه دم عن تعجله، فإذا وصل إلى عرفة -مثلاً- وقت الضحى، ثم لما وصل إليها قام فيها، ولما صلى العصر خرج منها، نقول: إن رجع في الليل -يعني: بعدما غربت الشمس- إلى عرفة، وهكذا إذا جاء عرفة في النهار من مكة قبل أن تغرب الشمس فلا شيء عليه، وأما إذا استمر في ذهابه ولم يرجع فإن عليه دم جبران، أما من لم يأت عرفة إلا في الليل فلا شيء عليه؛ لحديث عروة بن مضرس. وهذه مسألة من المسائل الاجتهادية، وينبغي الاقتداء بفعل النبي ﷺ .

стр. 561

المبيت بمزدلفة الواجب الثالث: المبيت بمزدلفة إلى بعد نصفه إن وافاها قبله. إذا جاء الحاج إلى مزدلفة قبل نصف الليل فليس له أن ينفر منها إلا بعد انتصاف الليل، فمن نفر منها قبل نصف الليل فعليه دم جبران، وأما إذا لم يأتها إلا بعد نصف الليل فلا شيء عليه، وقد ذكرنا أنه يرخص للظعن والضعفة، ولكن الرخصة إنما كانت في آخر الليل، فكان الظعن والضعفة ينفرون إذا غاب القمر، والقمر في تلك الليلة -التي هي ليلة العاشر- لا يغيب إلا قرب آخر الليل، حين يبقى ربع الليل أو أقل فيغيب، فهذا هو الذي رخص له. وقد ذكرنا أن الرخصة ليست عامة، وإنما هي للضعفة، والناس قد تساهلوا في المبيت بمزدلفة في هذه الأزمنة.

стр. 562

المبيت بمنى ليالي منى الواجب الرابع: المبيت بمنى ليالي منى، وهي: ليلة إحدى عشرة، وليلة اثنتا عشرة لمن تعجل، وليلة ثلاثة عشر لمن لم يتعجل، والمبيت بمنى هو البقاء بها طوال الليل، وهذا هو الأصل، وبعض العلماء يرخص في الاكتفاء بمبيت نصف الليل، فنرى كثيراً من الحجاج في أول الليل يفرشون لهم سجاداً على الرصيف، ويجلسون يتحدثون، ثم إذا مكثوا خمس ساعات أو أربع ساعات ركبوا سياراتهم ودخلوا مكة، وهم مستقرون هناك، فنقول: هؤلاء ما باتوا، وأصل المبيت هو النوم ليلاً، وقد يتعللون أنهم لا يجدون مكاناً في منى، وأن منى امتلأت، والجواب أن نقول لهم: اضربوا خيامكم في أقرب مكان تجدوه، سواء من جهة مكة أو من جهة مزدلفة، ولكم رخصة في ذلك، حيث إنكم فعلتم ما استطعتم، فأما أن تستأجروا شققاً أو فللاً، وتقيمون فيها نهاركم كله، وتأتون في الليل أربع ساعات أو نحوها، ثم ترجعون فيها بقية نهاركم وبقية ليلكم؛ فما أنصفتم، هذه الأيام اسمها: أيام منى، يجلس الحجاج فيها في منى ليلهم ونهارهم؛ لأنهم في هذا المشعر، فهو مشعر من المشاعر يعمر بالذكر والتلبية قبل التحلل وبعده، كما يعمر برمي الجمار والأذكار ونحوها، فكونهم يرجعون إلى مساكنهم إذا كانوا من أهل مكة، أو إلى أماكن استأجروها وكانوا من الآفاقيين؛ فهذا فيه تساهل، ونحن نفتي هؤلاء بأنهم أخطئوا، ولكن نتسامح معهم، فلا نوجب عليهم فدية.

стр. 563

الرمي الواجب الخامس: رمي الجمار مرتباً وقد ذكرنا أنه من السنن المأثورة عن إبراهيم وإسماعيل وأم إسماعيل، وأن النبي ﷺ فعله وقال: (خذوا عني مناسككم) . وترتيبه: أن يبدأ بالصغرى التي تلي مسجد الخيف، ثم بالوسطى، ثم بجمرة العقبة، ويجب أن يرمي كل واحدة منها بسبع حصيات، وأن تكون السبع متعاقبات، فلا يرميها دفعة واحدة، فلو رماها دفعة واحدة كانت عن رمية واحدة فقط، ولابد أن تكون متعاقبة. وقت الرمي في يوم العيد النهار كله، وآخر ليلة العيد للظعن، والرمي في الليل ترخص فيه بعض المشايخ نظراً للزحام، وأما في أيام التشريق فاليوم الحادي عشر من الزوال إلى الغروب، ورخص بعض مشايخنا -أيضاً- في الرمي ليلاً، وفي اليوم الثاني عشر من تعجل يرمي قبل أن تغرب الشمس حتى يخرج إذا كان متعجلاً، وأما إذا لم يكن متعجلاً فرخصوا له أن يرمي في الليل، وأما في اليوم الثالث عشر فلا يمتد الرمي إلى ليلة أربعة عشر، بل ينتهي بغروب الشمس في اليوم الثالث عشر.

стр. 564

الحلق أو التقصير الواجب السادس: الحلق أو التقصير. وقد ذكرنا أن الحلق أفضل، وأن التقصير مجزئ، ولكن لابد أن يعم الرأس، فيدور عليه كله، وإن لم يأخذ من كل شعرة.

стр. 565

طواف الوداع الواجب السابع والأخير: طواف الوداع، وهو واجب إلا أنه يسقط عن الحائض والنفساء. هذه الواجبات التي من ترك واجباً منها فعليه دم.
следующие страницы →