Полный текст (2 153 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
أن يكون الأجل معلوماً
الشرط الرابع: أن يكون مؤجلاً بأجل له وقع في الثمن، فلا يصح حالاً؛ لأن الأصل أنه مؤجل، ولو كان حالاً حاضراً لما احتيج إلى أن يسمى سلماً، فإذا كان البر عنده فإنه يبيعه ويدفعه للمشتري في حينه، وكذلك التمر ونحوه، فلابد أن يكون مؤجلاً، ولا يسمى سلماً إلا إذا كان مؤجلاً بأجل له وقع في الثمن، بحيث يرخص فيه لأجل الأجل، فمثلاً: بدل أن يكون الصاع بريالين يشتري الصاع بريال؛ لأنه غائب ينتظره إلى أن يأتيه أجله، وقدره بعضهم بشهر، وقدره بعضهم بأكثر، والصحيح أنه لا حد له، بل إذا كان الأجل له وقع في الثمن يرخص في الثمن لأجله صح، ولا يصح حالاً، وإذا كان يأخذ منه شيئاً كل يوم يصح، مثاله: أن تتفق مع الخباز الذي يبيع الأربع من الخبز بريال، فتقول: أنا أشتري منك الخمس بريال لمدة ستين يوماً أو تسعين يوماً وأعطيك الثمن الآن، أعطيك تسعين ريالاً نقداً على أن تعطيني كل يوم خمس، وأنا بحاجة إليهن كل يوم ففي هذه الحال يصح، وذلك لأنه مؤجل، وإن كان الأجل متعدداً، ففي كل يوم تأتيه ويعطيك خمسة أرغفة إلى أن تتم تسعون يوماً، وقد أعطيته الثمن مقدماً.
وهكذا لو اتفقت مع القصاب الذي يبيع اللحم، يبيع الكيلو من لحم الغنم بعشرة ريال، فتقول: أنا أشتري منك مائة كيلو، وأنقدك الثمن الآن كل كيلو بثمانية ريال أسلم لك المال حالاً، وآخذ منك كل يوم كيلو إلى أن أتم مائة يوم فمثل هذا يجوز، ويسمى سلماً مؤجلاً، ولكن الأجل متعدد.
стр. 807
أن يوجد غالباً في محله وقت حلوله
الشرط الخامس: أن يوجد غالباً في محله وقت حلوله.
وذلك يعرف بالعادة، فمثلاً: الرطب لا يوجد في الشتاء وكذلك العنب ونحوه، فإذا أسلم في الرطب في الشتاء لم يصح؛ لأنه غير موجود، وكذلك العنب ونحوه، وهكذا أيضاً إذا أسلم في شيء يتعذر وجوده في وقت الحلول، ولو قدر أنه أسلم في شيء ولكن تعذر وقت حلوله، إما أصابته آفة سماوية أو لم يجد شيئاً أو تعذر لضعفه؛ ففي هذه الحال للمشتري الخيار أن يصبر إلى السنة القادمة -مثلاً- أو يطالب برأس ماله، وليس له إلا ذلك، ولا يقول: أعطني بدله، أو يقول: الذي عندك الآن -مثلاً- مائة صاع، أبيعكها على أن تعطيني ثمنها كل صاع بريالين، ولو كنت اشتريته نقداً فبريال، فهذا لا يجوز، بل يصبر إلى أن يعطيه السنة القادمة أو يأخذ رأس ماله.
стр. 808
قبض الثمن في مجلس العقد
الشرط السادس: قبض الثمن في مجلس العقد.
أي: أن يقبض الثمن في المجلس قبل أن يتفرقا؛ حتى لا يكون بيع دين بدين، وقد ورد في الحديث: (نهى عن بيع الكالئ بالكالئ) ، والكالئ هو الغائب، فلا يجوز أن يؤخر الثمن، بل يستلم الثمن في المجلس ويكتب في ذمته المثمن.
стр. 809
أن يكون السلم في الذمة
الشرط السابع: أن يكون السلم في الذمة، فلا يصح في عين ولا ثمرة شجرة معينة، بل يكون في ذمته، دليل ذلك ما ذكره جابر أو غيره من الصحابة: كان يأتينا أنباط من أنباط الشام، فنسلفهم في الحنطة لشهرين أو لأربعة أشهر.
يقول الراوي: فقلت: هل كان لهم زروع؟ فقال: ما كنا نسألهم.
يأتون يجلبون البر، فيقال لأحد التجار: أشتري منك في ذمتك مائة صاع تأتيني بها بعد شهرين أو ثلاثة أشهر ويستلم التاجر الثمن ثم يذهب، فهذا النبطي -وهو من الزارعين- يشتري منه الصاع بريال، وهو هناك يشتري الصاع بنصف ريال، ثم يأتي إليك بها في بلدك، وتبيع الصاع بريالين، فأنت اشتريت بريال، وهو اشتراه بنصف ريال، وأنت بعت بريالين، فكل منهما منتفع، ولو قال -مثلاً-: لا أشتري منك إلا من ثمرة هذه النخلة فلا يجوز؛ لأنها قد يفسد ثمرها، وقد لا تنبت، وكذلك لو قال: لا أقبل إلا من ثمر هذا البستان أو من زرع هذه الأرض، لا يجوز، بل يقول: في ذمتك لي مائة صاع من البر سواء زرعت أو لم تزرع، وإذا حل الأجل فإنك تحضر لي مائة صاع تشتريها أو تحصدها أو ما أشبه ذلك، هذا معنى قولهم: إنه لا يصح في عين ولا في ثمرة شجرة معينة، مخافة أنها لا يصلح منها ثمر.
стр. 810
الأسئلة
стр. 811
صرف الشيك بأقل مما فيه مقابل تعجيل الدفع
السؤال
نستلم رواتبنا من البنك، ويتم استلام الشيكات في يوم ثلاثة وعشرين من الشهر، ولكن لا يتم الصرف إلا في يوم خمسة وعشرين، فيقوم بعضهم بصرف الشيك في مؤسسات صرف قبل مدة استحقاقه مقابل مبلغ قدره خمسون ريالاً يُخصم من المبلغ الموجود في الشيك، فهل هذا العمل صحيح؟
الجواب
غير صحيح، وذلك لأنه بيع مال بمال متفاوتاً، دراهم حاضرة بدراهم غائبة أقل منها، فيقول -مثلاً-: أعطوني ثلاثة آلاف وخمسمائة وأعطيكم بعد يومين ثلاثة آلاف وخمسمائة وخمسين فيربحون خمسين ريالاً في يومين، ولا شك أن هذا ربا، وهذه زيادة دراهم بدراهم أكثر منها، فيكون هذا ربا، فيصبر الإنسان ويتحمل يومين أو يقترض بقدر حاجته حتى يسلم من الربا، ويأتيه راتبه كاملاً.
стр. 812
معنى قول المؤلف: (إلا الخشب فلا، ويشتركان فيها)
السؤال
يقول: ما معنى قول المؤلف: إلا الخشب فلا، ويشتركان فيها؟
الجواب
كلمة (إلا الخشب فلا) جملة معترضة، وأما قوله: (يشتركان فيها) ، فيريد به: يشتركان في الزيادة، فإذا باع -مثلاً- البطيخ وهو صغير ثم تركه المشتري ولما تركه زاد فإنهما يشتركان في هذه الزيادة، وأما الخشب فإن زيادته يسيرة.
стр. 813
معنى قول المؤلف: (وعلى بائع سقي ولو تضرر أصل)
السؤال
قول المؤلف ﵀: وعلى بائع سقي ولو تضرر أصل، ألا يخالف هذا قول النبي ﷺ (لا ضرر ولا ضرار) ؟
الجواب
لا يخالفه، وما ذلك إلا لأنه ملزم بسقي شجره، فيقول: الشجر لي وسوف أسقيه، وأنت اشتريت مني الثمرة، فإن شئت فاستلمها في الحال، وإن شئت فاتركها حتى يتم نضجها، فكوني أتضرر لمصلحتك فهذا عليّ فيه ضرر فالشجر إذا لم يسق تضرر وضمر.
стр. 814
الخلاف في ضمان الثمر الذي أصابته جائحة
السؤال
اختلفوا إذا تلف الزرع بآفة سماوية، فالإمام أحمد يقول: الضمان على البائع.
فما هو دليل القول الآخر؟
الجواب
أدلتهم عموم المبايعات، فإن النبي ﵇ رخص في بيعه، ونهى أن يباع الثمر حتى يبدو صلاحه، فهذا دليل على أنه دخل في ملك المشتري، وفي الحديث: (نهى أن تباع الثمار حتى يبدو صلاحها، نهى البائع والمبتاع) ، فدخلت في ملك المشتري، فإذا أصابتها هذه الجائحة ذهبت على المشتري، والمشتري قد قبضها بالتخلية، والبائع قد استلم الثمن وانقطعت علاقته بها، هذا دليل كل منهم.
стр. 815
حكم تفريط المشتري بالسلعة أثناء خيار الشرط
السؤال
يقول: اشتريت سيارة، واشترطت أن أجربها لمدة أسبوع، فبعد يومين تعطلت السيارة بتفريط من المشتري، فمن الذي يتحمل تلف السيارة البائع أو المشتري؟
الجواب
إذا كان لك الخيار في تلك الأيام بتجربتها، ثم كان تعطلها بسبب آفة داخلية فيها، فإنك تردها على البائع، وأما إذا كان التعطل بسبب منك أنك -مثلاً- خاطرت بها أو أسرعت، أو انقلبت بك، أو حدث منك تهور أو تفحيط أو ما شابه ذلك حتى حصل هذا الخلل فأنت الذي تضمنه ولو رددت السيارة.
стр. 816
حرمة السفر إلى بلاد الغرب للسياحة مع عدم أمن الفتنة
السؤال
زوجي يسافر بنا سنوياً للسياحة في إحدى البلاد التي تباع فيها الخمور ويكثر فيها التبرج والسفور، ولاحظت على أبنائي وبناتي انحرافاً أخلاقياً ونبذاً للحجاب وقتلاً للغيرة ودفناً للحياء، لذلك فقد عصيته في هذا العام في مسألة السفر، ومنعت أبنائي وبناتي من السفر، آمل توجيه نصيحة، وهل أنا آثمة؟
الجواب
أحسنت هذه المرأة بما فعلت من الامتناع، ولاشك أن السفر إلى تلك البلاد التي يكثر فيها التبرج وتباع فيها الخمور وتكثر فيها المنكرات وسيلة من وسائل الانحراف، فأولاده إذا رأوا هذه المنكرات تخلقوا بها، وهان أمرها عندهم ذكوراً وإناثاً، ففي هذه الحالة نرى أنها على خير إذا عصته؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وعليها نصحه، وعلى من يعرفه أن ينصحه وأن يحذره من هذه الأسباب، وفي بلاده من المنتزهات ما يغنيه عن السفر الذي يكلفه أموالاً ويسبب الضرر له ولأولاده.
стр. 817
استلاف مال من شخص للتجارة به
السؤال
يقول: استلفت من شخص مبلغاً من المال لمدة سنة، ثم أعطيته بعضه، وبعضه الآخر أنفقته في التجارة، مع أن الشخص الذي استلفت منه قال: متى ما توفر المبلغ لديك فائتني به فهل يجوز الانتفاع بهذا المبلغ أو يجب رده على صاحبه؟
الجواب
إذا لم يطالبك به وقال: مباح لك أن تتصرف فيه إلى أن يتوفر لديك فلك أن تتجر به، وربحه وخسرانه عليك، واعتبره كدين في ذمتك، فأما إذا اتفقت معه على أن يكون مضاربة ويكون له جزء من الربح فاعتبره كمضاربة، واعتبر أن خسرانه عليكما وربحه بينكما.
стр. 818
إغراء الشركات للزبائن بجوائز في بعض بضائعها مع الزيادة في السعر
السؤال
يقول: يوجد في السوق أنواع من المناديل، يوضع في داخل المنديل نقودٌ، فيباع هذا في السوق بخمسة وستين ريالاً، وهناك مناديل من نفس النوع ليس فيها نقود تباع بستين ريالاً، علماً بأن الكرتون الذي بداخله نقود لا نعرف هل في داخله نقود أو لا، فيشتريه الإنسان وهو لا يعلم، فهل هذا جائز؟
الجواب
ما أرادوا بذلك إلا اجتلاب أموال الناس، فجعلوا في واحد -مثلاً- خمسة ريالات، وأرادوا بذلك أن يشتري هذه الكراتين حتى يحظى بواحد منها، وربما لا تكون النقود إلا في واحد أو اثنين، فنقول: إن هذا خطأ من هذه الشركة التي جعلت نقوداً في داخل هذه المناديل، وعليها ألا تتسبب في اجتلاب أموال الناس بمثل هذه الحيل، والإنسان الذي بحاجة إلى شراء هذه المناديل يشتريها على حالتها.
стр. 819
إظهار المحل بشكل جاذب للزبائن
السؤال
قلتم بأن الهدايا التي تقدمها المحلات التجارية لا تجوز؛ لأنها تغري الناس بالتعامل مع هذه المحلات، فكيف هذا وشكل المحل ونظافته والدعاية الموجودة فيه كلها تغري الناس بالتعامل مع هذا المحل، فكيف نقيس هذا على ذاك؟
الجواب
معلوم أنهم ما قصدوا إلا مصالحهم الخاصة، ولم يقصدوا نفع الشعوب، ولا نفع الأفراد، ولو أرادوا ذلك لتصدقوا بهذه الهدايا ونحوها ولأنفقوها في أوجه الخير، ولكن أرادوا بذلك أولاً أن يشتهر متجرهم، وأن يتحدث الناس به، ويكون ذلك كالدعايات التي يُعلن عنها، وأرادوا ثانياً أن الناس إذا تسامعوا بهذه الهدايا ونحوها تهافتوا من كل مكان وتكلفوا وتجشموا المشقة، وبذلوا أموالاً حتى يحصلوا عليها، فيحصلون من الناس أموالاً كثيرة يربحون بها عشرات أمثال تلك الهدايا، فنحن نقول: لا تشجعهم على هذه الدعايات، وعليك أن تشتري ممن تيسر لك، ولا تتكلف الشراء بتشجيعهم، فربما كانت هذه الهدايا لا تحصل لك، وتكون قد تكلفت تكلفاً زائداً بمجيئك من بعيد، فاقنع بما ترزق، واقتصر على ما تيسر.
وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 820
شرح أخصر المختصرات [٣٣]
الإسلام يدعو إلى التعاون على البر والتقوى، وهذا من أسباب المودة والمحبة، ومن ذلك القرض، فقد رغب الإسلام فيه، وأوجب على المقترض أن يرد مثل ما أخذ بلا زيادة مشترطة، وفي القرض أحكام كثيرة بينها أهل العلم ﵏.
стр. 821
وجوب الوفاء بالسلم في موضع العقد
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويجب الوفاء موضع العقد إن لم يشرط في غيره، ولا يصح بيع مسلم فيه قبل قبضه، ولا الحوالة به ولا عليه، ولا أخذ رهن وكفيل به، ولا أخذ غيره عنه.
فصل: وكل ما صح بيعه صح قرضه إلا بني آدم، ويجب رد مثل فلوس ومكيل وموزون، فإن فُقد فقيمته يوم فقده، وقيمة غيرها يوم قبضه، ويحرم كل شرط يجر نفعاً، وإن وفاه أجود أو أهدى إليه هدية بعد وفاء بلا شرط فلا بأس] .
شروط السلم السبعة زائدة على شروط البيع، فالشروط السبعة التي في أول باب البيع لابد منها هنا، فلابد من التراضي بينهما، ولابد أن يكون العاقدان جائزي التصرف، وأن يكون المبيع مالاً، وأن يكون مقدوراً على تسليمه، وأن يكون الثمن معلوماً، وأن يكون المبيع معلوماً إلى آخر ما تقدم.
وذكر هنا أنه يجب الوفاء موضع العقد إن لم يشترط في غيره، وذلك لأنهما عندما تعاقدا كان الأصل أنه يسلم المبيع في الموضع الذي تعاقدا عليه، صورة ذلك: إذا تعاقدا -مثلاً- في الرياض، والمزارع في القصيم أو في الأفلاج أو في الأحساء، وجاء صاحب الزرع أو صاحب الثمر واشتريت منه في ذمته مائة صاع أو مائة كيلو تحل بعد نصف سنة، ودفعت إليه الثمن، فإذا حل الوفاء فعليه أن يأتي به على بعيره أو على سيارته ليحضره لك في موضع العقد، أي في البلد الذي تعاقدا فيه؛ لأن العادة أن المبيع يسلم في مكان التبايع، هكذا ذكروا أنه يسلم في مكان التعاقد، ويجوز شرطه في غيره، فلو قال البائع: بشرط أن ترسل إليّ في الأحساء من يستلم التمر جاز ذلك، أو قال صاحب الأفلاج أو الخرج: أنا لا أنقله، فأرسل من يستلمه في البلد الذي أنا فيه؛ فنقله صعب عليّ فإن المشتري يرسل من يستلمه، أما لو تعاقدا مثلاً في صحراء برية أو تعاقدا في لجة بحر فلابد أن يحددا موضع التسليم؛ لأن مكان العقد ليس محلاً للوفاء مثل لجة البحر، فيحددان أين يكون التسليم في البلاد الفلانية، سواءٌ أكانت بلد المشتري أم بلد البائع.
стр. 822
حكم التصرف في المسلم فيه قبل قبضه
مسألة: ما حكم التصرف في المسلم فيه قبل قبضه؟
الجواب
لا يجوز، وذلك لأنه لا يدخل في ملك المُسْلِم المشتري إلا بالقبض، وقد ذكرنا أن القبض في جميع المبيعات شرط لصحة التصرف، فمن اشترى شيئاً بالكيل فلا يتصرف به إلا بعد كيله، ومن اشترى شيئاً بالوزن فلا يتصرف فيه إلا بعد وزنه، وهكذا ما في الذمة، فإذا اشتريت في ذمة هذا المزارع مائة صاع تحل -مثلاً- في رجب وسلمته ثمنها في المحرم كل صاع بريالين، ثم بعد شهر أو نصف شهر جاءك إنسان وقال: بعني دينك الذي في ذمة فلان الذي هو مائة صاع والذي يحل في رجب فهل يجوز أن تبيعه؟ لا تبعه قبل قبضه، وذلك لأنه ما يزال من ضمان البائع الذي هو المزارع إلى أن تقبضه، فلا يزال في ذمة البائع إلى أن يستوفيه المشتري، فيدخل حينئذ في ملكيته.
ومن التصرف أيضاً الحوالة به أو الحوالة عليه، فإذا فرضنا أن صاحب الدراهم اسمه سعد، وصاحب الزرع أو النخل اسمه سعيد، والتمر أو الزرع يحل في رجب، فصاحب الدراهم إن جاءه إنسان يطالبه بدينه فقال: عندك لي مائة صاع أوفها لي الآن.
فهل يقول: أحيلك على سعيد؛ فإن عنده لي مائة صاع تحل في رجب؟ لا يصح؛ لأنها لم تدخل في ملك سعد إلا بالقبض، فلا يحيل عليها.
وإذا جاء رجب وحلّت في ذمة سعيد، وجاءه سعد وقال: أوفني مائة صاع فقد حلت.
فقال سعيد: أُحيلك على خالد فإن عنده لي مائة صاع هل يصح؟ لا يصح، وذلك لأن الذي في ذمة خالد لم يدخل في ذمة سعيد، فلا تدخل في ذمته إلا بالقبض، فلا يحيل عليها قبل قبضها، وقبضها يكون بالكيل، وأجاز بعض العلماء الحوالة إذا حُددت، وقال: إنّ قبض كل شيء بحسبه، وإن المحال يكون كالوكيل.
أي: إذا جاءك يستوفيك فقال: أعطني مائة صاع التي في ذمتك فقد حلّت فكأنك توكله عندما تقول: في ذمة خالد لي مائة صاع أو مائة كيلو، وكلتُك أن تستلمها.
فلعل هذا لا مانع منه، وذلك لقيام الوكيل مكان الموكل.
стр. 823
حكم أخذ الرهن والكفيل في السلم
يقول: [ولا يصح أخذ رهن وكفيل به] قالوا: لأن دين الرهن عرضة للفسخ.
وذلك أنه قد لا يتيسر.
وذكر المؤلف في الشرط السادس أنه إن تعذر أو بعضه صبر أو أخذ رأس ماله، فأخذ رأس ماله دليل على أن دين السلم عرضة للفسخ، وإذا كان عرضة للفسخ فليس هو ديناً ثابتاً، فليس مثل قيمة الوديع ما دام أنه ليس له إذا تعذر إلا رأس ماله، فهو دليل على أنه عرضة للفسخ، فإذا كان كذلك فليس له أن يطلب رهناً ولا أن يطلب كفيلاً؛ لأن الرهن والكفيل إنما يصح التزامه في الشيء الذي لا يتأتى عليه الفسخ، ويمكن أن نقول: يصح الرهن والكفيل على رأس المال، فأنت دفعت إليه -مثلاً- مائتين من الدراهم على أن يعطيك مائة صاع في رجب، ثم تخشى أن يماطل إما أن لا يعطيك مائة صاع وإما أن لا يقدر على ذلك، فتقول: أعطني رهناً وأنا أسلمك مائتين أو أعطني كفيلاً، فإذا لم تعطني مائة صاع فعلى الأقل رأس المال، فإذا جاء رجب ولم تزرع ولم تغرس -مثلاً- فعلى الأقل أعطني رأس المال الذي هو مائتان.
فالصحيح أنه يجوز أخذ رهن أو كفيل حتى يوفيه إذا حل إما نفس الدين الذي هو مائة الصاع وإما رأس المال الذي هو مائة ريال، فالوثيقة منه أن ترهن هذا البعير أو هذا السيف، ويقول: إذا حل الدين في رجب أبيع البعير إذا لم توفني، وآخذ دراهمي، أو الكفيل يحضر لي الدين الذي هو مائة صاع.
стр. 824
عدم صحة أخذ غير المسلم فيه عنه
قوله: [ولا أخذ غيره عنه] صورة ذلك إذا قال: حلت المائة الصاع، وأنا لم أزرع، والبر غال، وليس عندي مائة صاع، ولا أستطيع أن أشتريها لك، ولكن أعطيك تمراً أو شعيراً أو ثياباً بدل المائة الصاع.
فهل هذا يصح؟ لا يصح ذلك؛ لأنه تصرف فيه قبل قبضه، إذاً ليس لك إلا رأس المال أو تصبر.
стр. 825
أحكام القرض
стр. 826
تعريفه وفضله
القرض: هو دفع مال لمن ينتفع به ويرد بدله.
ويكون القصد منه الإرفاق والتوسعة على المستقرض، والعادة أنه لا يقترض إلا من حاجة، والمقترض هو الذي يأتي فيقول: أقرضني.
والعامة يعبرون عنه بالسلف، فيقول: سلفني ألف ريال.
أو: سلفني عشرة آصع من البر.
أو: سلفني عشرة أذرع من القماش الفلاني.
هذا هو القرض، ورد فيه حديث ذكره صاحب بلوغ المرام وغيره: (ما من مسلم يقرض مسلماً مرتين إلا كان كصدقة عليه مرة) أي: له أجر الصدقة.
فإذا أقرضته مائتين فكأنك تصدقت عليه بمائة، مع أنه سوف يرد عليك المائتين؛ لأنها قرض سيردها عليك، ولكن لك أجر؛ لأنك وسعت عليه، حتى قال بعض العلماء: إن أجر القرض أعظم من أجر الصدقة.
وذلك لأن المستقرض محتاج، فلا يأتي إليك ويقول: أقرضني.
إلا وقد اشتدت حاجته، فهو في حاجة شديدة حيث لا يستطيع أن يشتري حاجته هذه، ولا يجد لها ثمناً، فكان إقراضه توسعة عليه، وهذا يدخل في قول النبي ﷺ : (من يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة) ، فالمقرض محسن على المستقرض، والاستقراض لا يعد من المسألة المنهي عنها، التي ورد فيها الحديث: (لا تزال المسألة بالرجل حتى يقوم يوم القيامة وليس على وجهه بضعة لحم) ، فله أن يستقرض ولا يلحقه عيب؛ لأنه قد تشتد به الحاجة، ويمكن أن يكون له دين وتأخر وفاؤه فيستقرض حتى يحل الدين، أو نزل به ضيف واحتاج إلى إكرامه، فلابد أن يستقرض إلى أن يأتيه ماله أو نحو ذلك، فعرف بذلك أن الاستقراض ليس من السؤال المنهي عنه.
стр. 827
كل ما صح بيعه صح قرضه إلا الرقيق
ما الذي يصح قرضه وما هو الذي لا يصح؟ كل ما صح بيعه صح قرضه إلا بني آدم، فيصح القرض في كل شيء يصح بيعه، مثلاً: تقرضه شاة أو كبشاً ويرد عليك مثله، وتقرضه بعيراً ويرد عليك مثله، وتقرضه ثوباً، وتقرضه صاعاً من بر فيرد مثله، أو من شعير أو من تمر، وهكذا لو أقرضته نقوداً فيرد مثلها ريالات أو دولارات أو دنانير أو جنيهات أو ما أشبهها، فعليه أن يرد مثلها، وهكذا كل الأشياء التي ينتفع بها وتملك، أما الأشياء التي لا تملك فلا يصح قرضها.
ولا يصح بيعها، وقد تقدم في أول البيع أنه لا يصح بيع الكلب فلا يصح قرضه، وكذلك الحشرات لا يصح قرضها، واستثنوا من الحشرات دودة القز والنحل، وذلك لأنه ينتفع بنسيج دودة القز، وينتفع بما يخرج من بطون النحل، فهذا يصح قرضه.
وأما النجاسات فلا يصح بيعها ولا يصح قرضها، ولو كان فيها منفعة، والأسمدة التي يحكم بأنها طاهرة يجوز قرضها وبيعها، فصاحب المزرعة قد يحتاج من جاره -مثلاً- إلى عشرة أكياس من الأسمدة التي تسمد بها الأرض، وإذا اقترضها رد مثلها، وذلك لأنها مما يصح بيعه، وأما إذا كانت نجسة كروث الحمر وما أشبه ذلك من النجاسات فلا يصح بيعها، ولا يصح قرضها.
واستثنوا بني آدم، أي: المماليك، فلا يصح أن يقرض عبداً، ولا أن يقرض أمة، وذلك لأنه قد يقترض أمة ليطأها ثم يردها، ومعلوم أنه لا يحل الوطء إلا بعقد نكاح أو بملك يمين، فلو أنه استقرض الأمة ليردها فيمكن أن تدخل في ملكه فيرد بدلها، وقد لا يتأتى مماثلاً لها من كل وجه، فلذلك لا يصح قرض العبيد.
стр. 828
تأجيل القرض
هل القرض يتأجل؟ معلوم أن الذي أقرضك أحسن إليك، فما ربح في بيعك ولا ربح في القبض، ولا استفاد من ذلك، وإنما وسع على المقترض، فهذا القرض يعتبر حالاً غير مؤجل، فلو أنه أقرضك ألف ريال ثم قال: أعطني الألف بعد يوم فحق عليك الوفاء؛ لأنه ما ربح، لكن لو أجل القرض فينبغي له أن يفي بوعده، فلو قال: أقرضك الألف وأُمهلك مدة شهر فطلبه قبل الشهر فنقول له: لك حق؛ لأنك ما ربحت، ولكن ننصحك أن تفي بوعدك، فأنت قد أمهلته شهراً، فليس لك أن تضايقه، بل تصبر إلى أن يمضي هذا الشهر الذي أمهلته وأخرته فيه.
فهذا هو الصحيح، وهو أنه ينبغي له أن يفي بالوعد، فإذا وعده لا يضايقه قبل ذلك.
وذكرنا في تعريف القرض أنه: دفع مال إلى من ينتفع به ويرد بدله، وهذا دليل على أن المال الذي اقترضه يخرج من ملك المقرض ويدخل في ملك المقترض، فيصبح له حق التصرف فيه، فإذا اقترض شاة خرجت من ملك المالك الأول ودخلت في ملك المقترض، فله أن يحجزها، وله أن يجزها، وله أن يذبحها، ويثبت بدلها شاة مثلها في ذمته مماثلة للتي دخلت في ملكه.
стр. 829
رد القرض بمثله
إذا قبض المقترض العين المقرضة فتلفت في يده فإنها تذهب عليه، وليست كالأمانة، بل يرد بدلها إذا تلفت، فلو أقرضك إنساناً ألفاً، ولما خرجت بها سرقت منك فالدين ثبت في ذمتك، وأنت الذي تغرم هذا الألف الذي ذهب عليك؛ لأن صاحبه أثبته في ذمتك، وعند الرد يرد المثل بالمثليات، وترد القيمة بغير المثليات، فالفلوس التي تسمى (الهلل) يرد مثلها، وإن بقيت عند الذي اقترضها ردها بعينها، والمكيل كذلك، فإذا اقترض صاع بر أو صاع ملح فإنه يرد مثله، وكذلك المعدود، ويحدث كثيراً بين الجيران أنهم يقترضون أشياءً ثم يتسامح فيها ولو كانت متقاربة، وقد لا تكون متماثلة، فيقترضون لطعامهم شيئاً من الطماطم أو الباذنجان أو القرع ما يُصلحون به طعامهم، وكذلك قد يقترضون بعض الأشياء من الصابون أو المناديل التي هم بحاجة إليها، يقترضونها ويردون بدلها، والتفاوت بينها يسير، فيرد المثلي بمثله.
والموزون كذلك، فإذا اقترض منه -مثلاً- قدر كيلو من لحم الإبل رد مثله، أو من لحم السمك رد مثله، أو دجاجة رد مثلها، فإن عدم المثل رجع إلى القيمة، ومتى يقومها؟ يوم الرد، فمثلاً: أقرضك مائة كيلو من التمر السكري، ولما طلبها لم يوجد هذا النوع من التمر، وفي هذه الحال له قيمته، فمتى يقوّم هذا القرض؟ نفرض أنه أقرضك في محرم، وقيمة السكري يومها -مثلاً- الكيلو بعشرة، وطلبه منك في شهر رمضان وعُدم، ولو وجد لكانت قيمته الكيلو بعشرين، فترد عليه الكيلو بعشرين، وذلك لأنه وقت الطلب ووقت وجوب الدفع ووقت وجوب الوفاء.
ويحدث كثيراً أن بعض الناس من خارج البلاد يقترض منك -مثلاً- ألف ريال، وهو سوداني مثلاً، وفي ذلك الوقت كان الريال السعودي يساوي جنيهين سودانيين، وبعد خمس سنين قال: أعطني ألف ريال.
فقال: في هذا الوقت ليس عندي إلا جنيهات سودانية، والجنيه الآن قيمته عُشر ما كان عليه في ذلك الزمان، وصار الريال يساوي عشرين جنيهاً، وأنت الآن تطلب قيمته، فهل قيمته يوم فقده أو يوم طلبه؟ في هذه الحال نقول: هو أقرضك ألف ريال فرد عليه ألف ريال أو قيمة الألف عند الطلب، ولو كانت قيمته في ذلك الوقت -مثلاً- ألفي جنيه والآن قيمته عشرة آلاف أو أكثر أو أقل، فرد عليه قيمة ما أقرضك؛ لأنه موجود.
وهكذا لو اتفقا في الاسم، فلو أن بعض الإخوان اليمنيين أقرض أحد أصدقائه ألف ريال سعودي، وذلك المقترض حولها إلى ثلاثة آلاف ريال يمني، ثم بعد خمس سنين طالبه من اليمن فقال: أعطني ألف ريال سعودي، فقال: في ذلك الوقت كانت تساوي ثلاثة آلاف، فأعطيك الآن ثلاثة آلاف ريال يمني.
وفي هذا الوقت تساوي -مثلاً- مائة ألف ريال يمني أو قريباً منها، فنقول: لا، بل أعطه ألف ريال سعودي أو قيمتها بالريال اليمني؛ وذلك لأن على المقترض أن يرد مثلما أقرض، أو قيمته وقت الطلب.
أما ما ليس له مثل فيرد بقيمته يوم قبضه، فبعض الأشياء لا يوجد لها مثل، مثل بعض الفواكه، فلو اقترض -مثلاً- بعض البطيخ أو بعض الفواكه والخضار وما أشبه ذلك مما لا يوجد لها مثل فإنه يرد قيمتها يوم القبض، فعندما قبضته كم كانت قيمته؟ قيمته ألف أو نصف الألف.
أما إذا طالبك بها في بلد آخر، كأن أقرضك في الرياض ألفاً وطلبه في مكة فعليك أن تقضيه؛ لأنه ليس في حمله مئونة عليك، أما إذا أقرضك -مثلاً- عشرة كيلو تمر في الرياض، وطلبه منك في الأحساء فهل ترده؟
الجواب
ترده؛ لأنه خفف عليك قيمته وحمله إليه، وقد تكون قيمته أنقص، ولو كان الأمر بالعكس، فلو أقرضك في الأحساء عشرة كيلو وطلبها منك في الرياض.
فإنك تعطيه قيمتها في الأحساء؛ لأنه إذا أعطيته هناك فكأنك نقلتها له وأسقطت عنه أجرتها، وقد تكون قيمتها هناك أكثر، فلذلك قالوا: إذا كانت في بلد القرض أرخص فإنه يعطيه قيمتها.
стр. 830
كل قرض جر نفعاً فهو ربا
يقول: [ويحرم كل قرض يجر نفعاً] .
كل قرض جر نفعاً فهو ربا، كأن يشترط المقترض على المقرض فيقول: أقرضك مثلاً عشرة آصع في الرياض، بشرط أن تقضيني إياها في القصيم أو في الحجاز، وأراد بذلك أن تسقط عنه أجرة نقلها، فهذا شرط جر نفعاً، فلا يجوز، وكل قرض جر منفعة فهو ربا، ويدخل في ذلك جميع المنافع، فلو قال -مثلاً-: أقرضك خمسة آلاف بشرط أن تعطيني سيارتك خمسة أيام استعملها، فهذا القرض جر نفعاً، ويحدث في بعض البلاد أن إنساناً يقرض إنساناً -مثلاً- مائة ألف، ثم يقول له: أعطني مزرعتك أستغلها حتى ترد عليّ قرضي، فيأخذ مزرعته أو بئره وماكنته ثم يستغلها ويزرعها ويغرس فيها ويأخذ غلتها، وقد تبقى معه خمس سنين أو عشراً وهو يستغلها ويقول: لا أسلمها لك إلا إذا رددت عليّ المائة ألف التي هي قرض، ومن أين يردها؟ فليرد عليه أرضه حتى يستغلها ويعطيه من غلتها، فهذا قرض جر نفعاً، وقد لا يسمونه قرضاً وإنما يسمونه ديناً، كما لو قال: أقرضك مائة بشرط أن تبيعني هذه الشاة بمائة، وهي شاة تساوي مائة وعشرين، فقد يكون محتاجاً إلى المائتين، وشاته تساوي مائة وعشرين، فيقول: نعم، أبيعك الشاة بمائة لأجل إقراضك لي مائة أخرى؛ لأني محتاج، فنقول: هذا قرض جر منفعة فهو ربا.
стр. 831
حكم الجمعية التعاونية بين الموظفين
يسأل كثيراً عن الجمعية التي يفعلها الموظفون الذين يكونون في دائرة واحدة كمدرسة أو إدارة خاصة، فإذا دخلت السنة اجتمعوا على أن كل واحد منهم يقتطع من راتبه -مثلاً- ألفاً أو ألفين، فيجمعونه في كل شهر فيكون عشرين أو ثلاثين ألفاً، ويعطونها في الشهر الأول واحداً منهم، ثم يجمعونها في الشهر الثاني ويعطونها آخر، ثم يعطون ثالثاً في الشهر الثالث، إلى أن يدور الدور عليهم كلهم في السنة أو في السنتين، ويسمونها (جمعية الموظفين) ، فهل هذه الجمعية جائزة أم لا؟ منعها بعض المشايخ مثل صالح بن فوزان وغيره، وعرضت على هيئة كبار العلماء فأصدروا فيها فتوى بالجواز، والأكثر من أعضاء الهيئة وافقوا على ذلك، وبعض الذين خالفوا لم يوقعوا، وكتبوا: أنا مخالف أو أنا متوقف ولم يعتبروا خلافهم، وعللوا قولهم بالمنع بأن فيها منفعة، ولكن ليس فيها منفعة للمقرض، وإنما المنفعة للمقترض، ففيها مصلحة، وكأنهم يقولون: أنت -يا هذا- بحاجة إلى أن نعطيك في هذا الشهر ثلاثين ألفاً تؤثث منزلك -مثلاً- أو توفي ديناً حل عليك، ولو لم نعطك لاقترضت أو لاستدنت فتضررت بالدين، وفي الشهر الثاني يكون الآخر أشد حاجة فنعطيها له، وهكذا، فكل واحد يقرضك شهراً، ثم إذا جاءت النوبة رد عليه ما اقترضه، فكأنه أقرضه ثم رد عليه، فلا يكون فيها زيادة، ولا يكون فيها منفعة للمقرض، وإنما المنفعة للمقترضين كلهم، فلا تدخل في قرض جر منفعة.
стр. 832
جواز الزيادة في قضاء الدين بلا شرط
يقول: [وإن وفاه أجود أو أهدى إليه هدية بعد وفاء بلا شرط فلا بأس] ورد أنه ﷺ استسلف من رجل بكراً، فجاءه يستوفيه فلم يجد إلا خياراً رباعياً فأعطاه وقال: (إن خيركم أحسنكم وفاءً) ، والبكر هو ولد الناقة الذي قد تم له سنة، والأنثى بكرة، فاحتاج النبي ﷺ مرة إلى هذا البكر، فأقرضه هذا الرجل بكراً، فرده رباعياً، والرباعي أكبر من البكر، فالبكر ابن سنة، والرباعي لعله ابن ثلاث سنين، فهذا دليل على أنه يجوز الوفاء بأحسن، فإذا أقرضك أحد شاة متوسطة وأعطيته شاة أحسن منها فلا بأس، وهكذا لو أقرضك ثوباً متوسطاً وأعطيته ثوباً جديداً أجود من غير شرط فلا حرج في ذلك.
وكذلك إذا أهدى لك بعد الوفاء فإنك تقبل الهدية إذا لم يكن هناك شرط، أقرضته مثلاً ألفاً أو عشرة آلاف، وبعدما أوفاك أهدى إليك ثوباً أو فاكهة أو عسلاً أو سمناً أو شيئاً مما يهدى عادة، وأنت لم تشترط عليه، واعتبر ذلك مكافأة لك على كونك أحسنت إليه، فلا بأس بقبول ذلك إذا لم يكن هناك شرط.
стр. 833
شرح أخصر المختصرات [٣٤]
جاءت الشريعة بجلب المصالح ودفع المضار عن العباد، سواء في العبادات أو المعاملات أو غيرها، ومن المعاملات التي يتبين فيها ذلك الأمر: الرهن، وهو توثقة عين بدين يمكن استيفاؤه منها أو من ثمنها، وله أحكام كثيرة بينها أهل العلم.
стр. 834
الرهن
стр. 835
تعريفه
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فصل: وكل ما جاز بيعه جاز رهنه، وكذا ثمر وزرع لم يبد صلاحهما، وقن دون ولده ونحوه، ويلزم في حق راهن بقبض، وتصرف كل منهما فيه بغير إذن الآخر باطل إلا عتق راهن، وتؤخذ قيمته منه رهناً، وهو أمانة في يد مرتهن، وإن رهن عند اثنين فوفى أحدهما أو رهناه فاستوفى من أحدهما انفك في نصيبه] .
الرهن في اللغة: الثبوت.
يقال: ماء راهن: أي: راكد.
ولزوم الشيء مكانه يسمى رهناً، قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر:٣٨] ، ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور:٢١] ، وفي الحديث: (كل غلام مرتهن بعقيقته) ، وعرفوا الرهن اصطلاحاً بأنه: توثقة عين بدين يمكن استيفاؤه منها أو من ثمنها.
فهو من الوثائق، ومعروف أن الدين هو ما يكون في الذمة، مثلاً في ذمتك مائة ريال أو ألف ريال لفلان نسميها ديناً؛ لأنها ليست عيناً معينة، فإذا أعطيته من فئة خمسمائة أو أعطيته من فئة العشرة فإنه يقبل ذلك، ولا يقول: إنه يلزم أن يعطيني كذا وكذا، فكل ذلك جائز.
فقولهم: (توثقة عين بدين) العين هي الرهن، فإذا رهنته -مثلاً- هذا الكيس فهو عين، أو رهنته هذا البعير، أو هذه الأرض، أو هذا البستان، أو هذه الدار، أو هذه الشاة فهذه عين معينة.
وقولهم: (بدين يمكن استيفاء الدين منها) .
لو قدر أن رجلاً قال: أقرضني خمسة آصع من الأرز وأرهنك هذا الكيس من الأرز، وهذا الكيس ما أحب أنني آخذ منه شيئاً؛ لأني أريد أن أبيعه عند الحلول أو نحو ذلك، ولا أحب أن آخذ منه.
فأقرضته أو بعته خمسة آصع بمائة ريال، فإذا حلّ الدين فإما أن تبيع هذا الكيس فتستوفي دراهمك، وإما أن تأخذ دينك منه فتأخذ من الكيس الخمسة الآصع.
стр. 836
كل ما جاز بيعه جاز رهنه
يقول: [كل ما جاز بيعه جاز رهنه] .
كل ما جاز بيعه جاز رهنه، حتى المماليك، فيجوز رهن العبد، ويجوز رهن الأمة، وذلك لأنه يجوز بيعها، وهناك ما يجوز رهنه دون بيعه، فقد تقدم أنه لا يجوز بيع الثمر في رؤوس النخل إلا إذا بدا صلاحه، ولكن رهنه يجوز، فيجوز أن تقول: رهنتك ثمرة هذه النخلة.
وهي لا تزال بسراً، وذلك لأنه قد يكون الدين لا يحل إلا بعد خمسة أشهر، فإذا حل الدين كان البسر قد صار رطباً أو تمراً فيجوز بيعه، وكذلك لو قال: رهنتك هذا الزرع.
وهو ما يزال نابتاً صغيراً، ومعلوم أنه لا يجوز بيع الزرع نابتاً صغيراً إلا بشرط القطع في الحال، ولا يجوز بيع الحب في سنبله إلا بعد أن يشتد، ومع ذلك يجوز رهنه، وذلك لأنه عادة يمكن تأخيره إلى أن يشتد الحب، فعند ذلك يجوز البيع.
قوله: [وكذلك ثمر] يعني: كالنخل والعنب [وزرع لم يبد صلاحهما] أي: يجوز رهنهما ولا يجوز بيعهما، ولا يجوز بيع القن دون ولده، فإذا كان عند الإنسان أمة مملوكة ولها ولد مملوك صغير فهل يجوز بيع الأمة دون ولدها، أو بيع الولد دون أمه؟ لا يجوز، يقول النبي ﷺ : (من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته) ، ومع ذلك يجوز رهن الأمة دون ولدها، ويجوز رهن الولد دون أمه، وإذا حل الدين فإننا نقول له: بعهما جميعاً وأوف الدين ولا تبع أحدهما، وإذا بيعا فثمن الأمة يأخذه الغريم، وثمن الولد يأخذه السيد الذي هو الراهن.
стр. 837
هل الرهن عقد لازم أم جائز ؟
هل الرهن عقد لازم، أو عقد جائز، أو فيه تفصيل؟ يقولون: لازم في حق الراهن وجائز في حق المرتهن، فالمرتهن لو قال: ارهني الكيس ثم رهنته الكيس فلا تقدر أن ترجع، ولا تقول: ارجع لي كيسي حتى توفيه الدين، أما هو فلو رده عليك وقال: وثقت بذمتك ولا حاجة لي إلى وثيقة فأنا راض بذمتك فخذ كيسك ومتى حلّ ديني أوفني ففي هذه الحال يجوز، فيصير لازماً في حق الراهن، وغير لازم في حق المرتهن.
стр. 838
قبض الرهن
هل يشترط القبض؟ كثير من العلماء قالوا: يشترط القبض، فلا يلزم إلا بالقبض، فإذا قلت -مثلاً-: أرهنك العشرة الأكياس التي عندي في بيتي فلم يقبضها المرتهن فإنك تقدر على بيعها، أما إذا استلمها وأودعها في بيته أو في مخزنه فإنك لا تقدر على بيعها حتى توفي الدين، أو تباع ويوفى الدين منها، والدليل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تجِدُوا كَاتِباً فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة:٢٨٣] ، فدل على أنه لا بد من قبضها.
أو أخرجه المرتهن إلى الراهن بطل اللزوم، فلو قال الراهن: أنا رهنتك الكتاب الفلاني وأنا محتاج إليه، فأعطنيه لأطالع فيه وأقرأ فيه فدفعته إليه بطل الرهن، وجاز له أن يبيعه، أو قال -مثلاً-: أعطني السيف لأقاتل به فأعطاه بطل رهنه وجاز له أن يبيعه، وآخرون قالوا: لا يشترط القبض.
وفي هذه الأزمنة يكتفون بقبض الوثائق ونحوها، فإذا رهنه السيارة قال: أعطني رقمها الذي يسمى الاستمارة، فيقبض وثيقتها هذه حتى لا يتمكن من بيعها؛ لأنه يقول: الرهن يبقى -مثلاً- نصف سنة، فهل من المصلحة أن نعطل السيارة واقفة نصف سنة أو سنة؟ ليس هذا من المصلحة، بل نستغلها، فإن إيقافها ينقص قيمتها، وهكذا لو رهنك داراً، فهل من المصلحة أن تغلق الدار سنة أو سنتين حتى يوفيك الدين؟ ليس من المصلحة إضاعة منفعتها، بل عليه أن يؤجرها أو نحو ذلك، فعرف بذلك أنه لا يشترط القبض بل يكفي قبض الوثيقة، قبض ما يسمى بحجة الاستحكام أو ما يسمى بالاستمارة.
стр. 839
عدم الانتفاع بالرهن إلا ما استثني
يقول: [وتصرف كل منهما فيه بغير إذن الآخر باطل إلا عتق راهن] ، فلا يجوز للراهن أن يبيع العين المرهونة؛ لأنه يبطل حق المرتهن، ولا يصح للمرتهن أيضاً أن ينتفع بها، فلا يلبس الثوب المرهون ولا يستعمل الأشياء المرهونة استعمالاً يضر بها.
ويقولون: إذا كان الرهن مما يخشى فساده فإنه يباع، فلو رهنه شيئاً يفسد كالفواكه ونحوها فله أن يبيعها ويحتفظ بثمنها أو يقتضيه من دينه.
وكذلك التصرفات مثل البيع والهبة والوقف، فلو قال الراهن: قد وقفت هذه الدار بطل الوقف، وكذلك لو قال: قد وقفت هذا الكتاب المرهون أو هذه الأسلحة المرهونة بطل الوقف؛ لأنه قد تعلق بها حق للغير، وكذلك الهبة، فلو قال: وهبتك الكيس الذي هو عند فلان رهن لم تصح الهبة، وأشباه ذلك، واستثنوا من ذلك العتق فإنه يصح، فإذا كان الرهن عبداً وأعتقه الراهن هل يصح العتق أم لا؟ المؤلف يرى أن عتق الراهن يصح، وتؤخذ قيمته منه رهناً، والقول الثاني أنه لا يصح، وذلك لأنه تعلق به حق للمرتهن، فكيف يبطل حق غيره؟! فلو كان عنده قيمة لأوفى بها الدين، فإذا أعتقه فمن أين تؤخذ القيمة؟! فقد يقول: ما عندي شيء أرهنه أو أدفعه قيمة ولكنهم قالوا: تؤخذ قيمته ولو أمتعة، أو كان عنده عبد آخر جعل بدله، ولو كان عنده -مثلاً- سيارة أو دواب من الأنعام أخذها رهناً مكانه.
وقوله: [وهو أمانة في يد مرتهن] أي: الرهن فإذا كان المرتهن قد قبضه فإنه أمانة عند المرتهن، فلو تلف عنده ذهب على الراهن، فيكون من ضمان الراهن كما أن منفعته للراهن، فلو أجر البيت فأجرته للراهن، ولو احتاج الرهن إلى أجرة فهي على الراهن، فإذا كان الرهن بعيراً فعلفه على الراهن، وكذلك أجرة الراعي على الراهن، وإذا كان الرهن أكياساً تحتاج إلى مخزن فاستأجر له مخزناً فالأجرة على الراهن، وإذا زاد فزيادته للراهن، فإذا ولدت الشاة فولدها رهن معها، وثمرة الشجرة رهن معها، وأجرة الدار رهن معها، وإذا نقص فنقصه على الراهن، وهكذا.
وإن رهن عند اثنين فوفى أحدهما انفك نصيبه، فإذا رهن شاة عند اثنين، اشترى من هذا ثياباً واشترى من هذا طعاماً وقال: الشاة رهن عندكما.
ثم إنه أوفى واحداً منهما جاز أن يبيع الآخر نصف الشاة، وذلك لأنه قد أوفى نصفها فانفك في نصيبه، وكذلك العكس، فإذا كانت مثلاً شاة لاثنين، وجاءا إليك وقالا: هذه شاتنا ونحن بحاجة.
فاشترى أحدهما طعاماً بمائة واشترى الآخر ثياباً بمائة وقالا: نرهنك هذه الشاة التي هي بيننا نصفان.
فأوفى أحدهما نصيبه جاز أن يتصرف بنصف الشاة.
وكذلك لو كان مما ينقسم، فلو اشترى أحدهما فواكه والثاني اشترى لحماً ورهناك هذا الكيس وهو بينهما نصفان فأوفى أحدهما دينه وقال: أعطني نصفي فإنك تقسمه وتعطيه نصفه، والنصف الثاني يبقى للآخر.
стр. 840
الأسئلة
стр. 841
إعارة الخادم للخدمة
السؤال
بعض الناس يقرض خادمة أو يقترض خادمة من صديق له لمدة ثلاثة أشهر أو أربعة أشهر نظراً لحاجته إليها واستغناء كفيلها عنها، فهل هذا جائز؟
الجواب
الخادمة هذه ليست مملوكة، وإنما هي كالأجير، فأنت تستأجر إنساناً ويسمى الأجير الخاص مدة شهر يخدمك بألف ريال، ثم قد تستغني عنه لسفرك أسبوعاً فتأجره وتقول: يا فلان! أجرتك خادمي هذا ليخدم عندك وإن لم يكن بمثل خدمته عندي.
فيجوز ذلك، أو تعيره وتقول لصديقك: يخدم عندك هذا الأجير وقت حاجتك ثم ترده إلي.
ويكون عمله عنده في العمل الذي يحسنه ويعمله عندك بشرط الأمانة، وبشرط أن لا يكون هناك خطر.
стр. 842
رهن الرهن
السؤال
هل يجوز رهن العين المرهونة؟
الجواب
يقول العلماء في تعليل منع ذلك: المشغول لا يشغل.
فإذا كانت مرهونة فلا ترهن مرة ثانية حتى للمرتهن، فلو أن خالداً ارتهن هذا الكيس من مدينه بمائة، والكيس قد يساوي خمسمائة، ثم إن صاحبه استدان من آخر مائة أخرى وقال: رهنتك الكيس الذي عند خالد ففي هذه الحال الكيس قد انشغل بالمائة الأولى التي لخالد، فيقولون: المشغول لا يشغل.
فلا يرهنه آخر وقد تعلقت به الديون الأولى، ولو كان يقاوم ذلك.
стр. 843
إعارة كلب الصيد
السؤال
هل يجوز إعارة كلب صيد؟
الجواب
تجوز إعارته، وذكروا في باب الغصب أنه إذا غصب كلب صيد فإنه يرده، ويكون استحقاقه له، فكلب الصيد الذي بيده هو أملك به؛ لأنه صاحبه، وله أن يعيره، وأما الإجارة والبيع فلا.
стр. 844
مسألة ضع وتعجل
السؤال
علي دين عشرة الآلف ريال مؤجلة، وقلت لصاحب الدين: أعطيك تسعة آلاف نقداً وتسامحني في ألف، فهل هذا جائز؟
الجواب
هذه مسألة (ضع وتعجل) ، فإذا وجدت الدين قبل أن يحل أجله فهل يجوز لك أن تقضيه قبل حلول أجله ويسقط عنك بعضه؟ في ذلك خلاف، والأقرب أنه جائز، ولا يسمى بيع أجل كما يقول ذلك من منعه، وإنما يكون هذا من باب الإسقاط، كأنه أسقط شيئاً من الدين، وكأنه أحسن إليك بهذا الإسقاط.
стр. 845
حكم قرض من يريد المال لحرام
السؤال
هل يصح أن أمتنع عن إقراض من جاءني ليقترض مني ليستخدمه في حرام؟
الجواب
نعم.
لك أن تمتنع من إقراضه ومن الصدقة عليه إذا عرفت أنه يدفع المال في حرام، كأن يشتري به آلات لهوٍ كأفلام مثلاً، أو أجهزة يغلب عليها الحرام، أو يشتري خمراً أو دخاناً، فلا تقرضه.
следующие страницы →