← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 7725

شرح أخصر المختصرات لابن جبرين

ابن جبرين

Полный текст (2 153 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

إعارة الخادم للخدمة السؤال بعض الناس يقرض خادمة أو يقترض خادمة من صديق له لمدة ثلاثة أشهر أو أربعة أشهر نظراً لحاجته إليها واستغناء كفيلها عنها، فهل هذا جائز؟ الجواب الخادمة هذه ليست مملوكة، وإنما هي كالأجير، فأنت تستأجر إنساناً ويسمى الأجير الخاص مدة شهر يخدمك بألف ريال، ثم قد تستغني عنه لسفرك أسبوعاً فتأجره وتقول: يا فلان! أجرتك خادمي هذا ليخدم عندك وإن لم يكن بمثل خدمته عندي. فيجوز ذلك، أو تعيره وتقول لصديقك: يخدم عندك هذا الأجير وقت حاجتك ثم ترده إلي. ويكون عمله عنده في العمل الذي يحسنه ويعمله عندك بشرط الأمانة، وبشرط أن لا يكون هناك خطر.

стр. 842

رهن الرهن السؤال هل يجوز رهن العين المرهونة؟ الجواب يقول العلماء في تعليل منع ذلك: المشغول لا يشغل. فإذا كانت مرهونة فلا ترهن مرة ثانية حتى للمرتهن، فلو أن خالداً ارتهن هذا الكيس من مدينه بمائة، والكيس قد يساوي خمسمائة، ثم إن صاحبه استدان من آخر مائة أخرى وقال: رهنتك الكيس الذي عند خالد ففي هذه الحال الكيس قد انشغل بالمائة الأولى التي لخالد، فيقولون: المشغول لا يشغل. فلا يرهنه آخر وقد تعلقت به الديون الأولى، ولو كان يقاوم ذلك.

стр. 843

إعارة كلب الصيد السؤال هل يجوز إعارة كلب صيد؟ الجواب تجوز إعارته، وذكروا في باب الغصب أنه إذا غصب كلب صيد فإنه يرده، ويكون استحقاقه له، فكلب الصيد الذي بيده هو أملك به؛ لأنه صاحبه، وله أن يعيره، وأما الإجارة والبيع فلا.

стр. 844

مسألة ضع وتعجل السؤال علي دين عشرة الآلف ريال مؤجلة، وقلت لصاحب الدين: أعطيك تسعة آلاف نقداً وتسامحني في ألف، فهل هذا جائز؟ الجواب هذه مسألة (ضع وتعجل) ، فإذا وجدت الدين قبل أن يحل أجله فهل يجوز لك أن تقضيه قبل حلول أجله ويسقط عنك بعضه؟ في ذلك خلاف، والأقرب أنه جائز، ولا يسمى بيع أجل كما يقول ذلك من منعه، وإنما يكون هذا من باب الإسقاط، كأنه أسقط شيئاً من الدين، وكأنه أحسن إليك بهذا الإسقاط.

стр. 845

حكم قرض من يريد المال لحرام السؤال هل يصح أن أمتنع عن إقراض من جاءني ليقترض مني ليستخدمه في حرام؟ الجواب نعم. لك أن تمتنع من إقراضه ومن الصدقة عليه إذا عرفت أنه يدفع المال في حرام، كأن يشتري به آلات لهوٍ كأفلام مثلاً، أو أجهزة يغلب عليها الحرام، أو يشتري خمراً أو دخاناً، فلا تقرضه.

стр. 846

رد القرض بنفس العملة ولو رخصت السؤال اقترضت من شخص ألف جنيه سوداني قبل خمس سنوات، وكانت مبلغاً كبيراً آنذاك، والآن لا تساوي شيئاً، فهل أردها له ألف جنيه سوداني أم أقارنها بالعملات الأجنبية التي لم تتغير قيمتها؟ الجواب تردها كما اقترضت، فإذا اقترضت ألف جنيه سوداني فترد ألف جنيه سوداني؛ لأنه ما يزال الاستعمال بها جارياً، ولو نقصت قيمتها بالنسبة إلى الريال السعودي.

стр. 847

إيجار البيت للوالد السؤال أنا شاب متزوج، ولدي أولاد، وقد اشتريت منزلاً في خارج الرياض بعد ديون وبيع سيارة وغيرها، ثم انتقلت إلى الرياض لطبيعة عملي، واستأجرت منزلاً بأحد عشر ألف ريال، ولما أردت أن أؤجر المنزل الذي اشتريته في بلدي قال والدي: سوف أستأجر منك البيت. قلت: لا بأس. وخصمت نصف قيمته، ومضى إلى الآن ما يقارب السنتين ولم يعطني ريالاً واحداً، مع أن المال متوفر عنده، ولكنه يصرفه في أمور كمالية كفرش وغيره في أقل من سنة، وقد يصرفه في أمور محرمة كشراء دش وغيره، وكل هذا ليس في المنزل الذي فيه والدتي؛ لأنه متزوج بأخرى، مع النظر إلى قلة مرتبي وحاجتي إلى المال، وراتبي ضعيف، فهو ألفا ريال فلا يكفيني للمعيشة، فكيف وعلي ديون أخرى، والإيجار حال علي، فبم تنصحونني؟ الجواب أنت ومالك لأبيك، وننصحك بأن تطلب منه برفق وتقول: يا والدي! إنني بحاجة، وأريد أن أبيع هذا البيت لأوفي منه ديني وأدفع منه حاجاتي، أو أؤجره وأطلب من المؤجر أن يدفع لي الأجرة لأستأجر بها في الرياض أو غير ذلك، تطلب منه برفق؛ لأن الوالد له أن يتملك من مال ولده الأشياء التي لا تتعلق بها حاجة الولد ما لم يضره أو كان يحتاجه.

стр. 848

العلة في عدم جواز إقراض العبد السؤال ما هي العلة في عدم إقراض العبد؟ الجواب يقال: لأنه قد لا يوجد مثله؛ لأن الآدميين يختلفون، فيختلفون في السن، ويختلفون في الأخلاق، ويختلفون في الديانة، ويختلفون في الأمانة، وما أشبه ذلك. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 849

شرح أخصر المختصرات [٣٥] الاستيثاق في الحقوق أمر تدعو إليه حاجة الناس، خصوصاً عند خراب الذمم، ولهذا الاستيثاق صور شرعية معينة؛ كالرهن، والضمان، والكفالة، وكل واحد منها له خصوصيته وأحكامه في الشرع.

стр. 850

بيع الرهن إذا حل الدين ولم يحصل الوفاء قال المصنف رحمه الله تعالى: [وإذا حل الدين وامتنع من وفائه فإن كان إذن لمرتهن في بيعه باعه، وإلا أجبر على الوفاء أو بيع الرهن، فإن أبى حبس أو عزر، فإن أصر باعه حاكم ووفى دينه، وغائب كممتنع، وإن شرط أن لا يباع إذا حل الدين، أو إن جاءه بحقه في وقت كذا وإلا فالرهن له بالدين لم يصح الشرط، ولمرتهن أن يركب ما يركب ويحلب ما يحلب بقدر نفقته بلا إذن، وإن أنفق عليه بلا إذن راهن مع إمكانه لم يرجع، وإلا رجع بالأقل مما أنفقه، ونفقة كفله إن نواه، ومعار ومؤجر ومودع كرهن، ولو خرب فعمره رجع بآلته فقط. فصل: ويصح ضمان جائز التصرف ما وجب أو سيجب على غيره لا الأمانات بل التعدي فيها، ولا جزية، وشرط رضاء ضامن فقط، ولرد حق المطالبة من شاء منهما، وتصح الكفالة ببدن من عليه حق مالي، وبكل عين يصح ضمانها، وشرط رضاء كفيل فقط، فإن مات أو تلفت العين بفعل الله تعالى قبل طلب برئ، وتجوز الحوالة على دين مستقر إن اتفق الدينان جنساً ووقتاً ووصفاً وقدراً، وتصح بخمسة على خمسة من عشرة وعكسه، ويعتبر رضا محيل ومحتال على غير مليء] . الحكمة من شرعية الرهن التوثق لصاحب الدين، حتى إذا حل دينه ولم يوفه الراهن تمكن من بيع الرهن وأخذ دينه من ثمنه، وورد في الحديث: (لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه، له غنمه وعليه غرمه) يعني أن الرهن لا يخرج من ملك الراهن، بل هو باق في ملكه فله غنمه وعليه غرمه، وغنمه فائدته، فإذا أجر الرهن وكان سيارة أو بيتاً فإن الأجرة للراهن، وكذلك لو كان له ثمرة كحمل شجر مرهون أو ولد بهيمة مرهونة فإنه للراهن؛ لأنه لم يخرج من ملكه، وكذلك عليه غرمه، فعليه أجرة مخزنه إذا احتاج إلى خزانة، وعليه نفقته وأجرة الرعاة ونحوهم (له غنمه وعليه غرمه) . فإذا حل الدين فإن المرتهن يطالبه ويقول: أوف الدين فإذا امتنع من الوفاء وأصر ولم يوف، أو عجز عن الوفاء، فلا يخلو إما أن يكون الراهن قال للمرتهن: إذا حل الدين ولم أوفك فلك أن تبيع الرهن وتستوفي دينك فيبيعه ويأخذ دينه ويرد باقي ثمنه على الراهن. وكذلك إذا كان قد وكل وكيلاً أن يبيعه عند حلول الدين ويعطي المرتهن دينه ويعطي بقيته للراهن؛ لأنه عين ماله، وكل يستحق ما يستحقه، فيبيعه ذلك الوكيل. فإن امتنع من بيعه ولم يأذن للمرتهن ولم يوكل ففي هذه الحال يتدخل الحاكم فيجبره على الوفاء أو بيع الرهن، فيقول: إما أن توفي دينك وتأخذ عين مالك الذي هو الرهن، وإما أن تبيع عين المرهون وتوفي الدين من قيمة الرهن. فإذا امتنع من البيع وامتنع من الوفاء وامتنع من التوكيل تدخل الحاكم حينئذ فحبسه أو عزره بتعذيب أو نحوه إلى أن يوفي دينه أو يبيع الرهن، فإن أصر ولم يتأثر بالحبس تدخل الحاكم وباعه ووفى الدين، والحاكم في هذا الموضع هو القاضي، ومعلوم أن القاضي في هذه الأزمنة ليس هو الذي يتولى ذلك بنفسه غالباً، ولكنه يحكم فيقول: بصفة أن فلاناً امتنع عن الوفاء، وامتنع من بيع عين الرهن، وامتنع من التوكيل على بيعه فقد حكمت ببيعه واستيفاء الدين للمرتهن. والذي إليه التنفيذ هو أمير البلد، فيقوم بتنفيذه، فيبيعه ويوفي الدين، ويحفظ بقية ثمنه لصاحبه الراهن.

стр. 851

الغائب كالممتنع قال: [وغائب كممتنع] . إذا كان الراهن غائباً بعيداً بحيث لا يدرى أين هو، فهل هو متغيب أو مستخف، أو بعيد لا تصله المكالمات والخطابات، وحل الدين ويوجد رهن فالشرع نهى عن الضرر، ولا شك أن المرتهن سيتضرر بتأخير وفائه حقه، فللحاكم أن يتدخل ويحكم ببيع العين المرهونة لحلول الدين ولغيبة المالك، فإذا حكم بذلك فالذي ينفذه أمير البلد الذي يكون منفذاً للأحكام.

стр. 852

الشروط الباطلة في الرهن هناك شروط باطلة في الرهن، فإذا شرط أن لا يباع إذا حل الدين فالشرط باطل؛ لأنه ما الرهن إلا وثيقة، وإذا كان وثيقة فإنه عند حلول الدين يباع، وكونه بشرط أن لا يباع فيقول: رهنتك هذه الأكياس في مائة ريال بشرط أنك ما تبيعها، أو هذا الثمر مثلاً، أو هذا الكتاب، أو هذا الثوب بشرط أنك ما تبيعه إذا حل الدين فما الفائدة؟ هذا شرط باطل، وإذا حل الدين فإنه يباع إذا امتنع من الوفاء. وكذلك لو شرط: إن جئتك بحقك في وقت كذا وإلا فالرهن لك مقابل الدين. فالشرط أيضاً باطل، وذلك لأن الرهن داخل في ملكية الراهن، فكونه يقول: الرهن لك بدينك يخالف النص الذي ذكرنا، وهو قوله في الحديث: (لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه، له غنمه وعليه غرمه) فلا يملكه المرتهن، ولو كان الرهن ثوباً والدين عشرين، ولما حل الدين ولم يوفه عرض للبيع بالمزاد العلني، فاشتراه المرتهن وقال: أشتريه. وما زاد أحد عليه، فاشتراه بدينه الذي هو عشرون أو أكثر أو أقل جاز ذلك؛ لأنه ما عرض للبيع إلا للمزيد، فالمرتهن رأى أنه أحق به أو أنه يساوي هذه القيمة.

стр. 853

للمرتهن ركوب ما يركب، وحلب ما يحلب بقدر نفقته قال: [وللمرتهن أن يركب ما يركب وأن يحلب ما يحلب بقدر نفقته بلا إذن] . هذه مسألة خلافية، ذهب الإمام أحمد إلى أنه يركب البعير المركوب، وتحلب الشاة المرهونة التي فيها لبن مقابل نفقته على البعير وعلى الشاة، واستدل بحديث صحيح مروي عند البخاري والإمام أحمد، ولفظه أن النبي ﷺ قال: (الظهر يركب إذا كان مرهوناً، ولبن الدر يشرب إذا كان مرهوناً، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة) ، فالإمام أحمد قال: لا عذر لنا في ترك هذا الحديث، فإنه حديث ثابت -والحديث صحيح في صحيح البخاري- فكيف لا نعمل به؟! وأما الأئمة الثلاثة فخالفوا في ذلك وقالوا: لا يركبه إلا بأجرة مثله، ولا يحلب الشاة المرهونة أو البقرة إلا بأجرة مثلها. فيقولون: في هذه الحال إذا أنفق على البعير حسب النفقة عليه وزادها في الدين وقال: إني دفعت أجرة الراعي -مثلاً- كل شهر ثلاثين، وإني اشتريت له علفاً كل شهر بثلاثين فهي ستون يضيفها إلى دينه، وإذا باعه فإنه يأخذها من الراهن أو يطلبها من الراهن، فإذا احتاج وركب البعير -مثلاً- حسب أجرته، فإن ركب من كذا إلى كذا وأجرة مثله خمسون أو مائة يسقطها من دينه أو يسقطها من النفقة، هكذا ذكروا. فإذا كان الرهن بعيراً، فقديماً كانوا يركبونه لا يجدون ما يركبون غيره قبل وجود المراكب الجديدة، وكذلك الحصان والحمر الأهلية، فالإبل والخيل والحمر والبغال تركب، وكذلك السفن والزوارق تركب، فإذا ركبها فإنه يحسب لها أجرة، ويسقطها من دينه، هذا عند الأئمة الثلاثة، وأما عند الإمام أحمد فإذا كان ينفق على الفرس أو على الحمار أو البغل أو البعير فركبه فإن ركوبه يكون مقابل النفقة، وإذا كان ينفق على الشاة أو البقرة أو الناقة وفيها لبن فيقول الإمام أحمد: يشرب لبنها، ويكون مقابل النفقة والأئمة الثلاثة يعملون بالحديث الذي ذكرنا: (لا يغلق الرهن من صاحبه، له غنمه وعليه غرمه) فغرمه النفقة عليه، وغنمه لبنه أو أجرة ركوبه، والإمام أحمد جعل هذا مستثنى، وقد برر بعضهم مذهب أحمد فقال: إذا كان الرهن يشترط قبضه ولابد أن يكون في يد المرتهن كما إذا كان من الإبل فهذه الإبل فيها منفعة، فالناقة فيها لبن مثلاً، والبعير يركب، فلا تضيع هذه المنفعة، بل يحرص على استغلالها، وقد يشق عليه أن يستأذن المالك كلما أراد أن يشتري لها علفاً، ولا يجوز تركها بلا علف، وذلك لأنها محترمة، وإذا لم تعلف فإنها تموت، وكذلك أيضاً إذا كان فيها منفعة الركوب فلا تضيع منفعتها، فيكون إنفاقه بقدر ركوبه، وركوبه وإنفاقه متقاربان، فيركب البعير وينفق عليه، وكذلك ينفق على البقرة أو الناقة ويشرب لبنها، والأمران متقاربان، وكذلك الشاة ينفق عليها ويشرب لبنها ويكون اللبن مقارباً لعلفها ونحو ذلك، ولكل اختياره، وكل منهما عمل بحديث، فالإمام أحمد عمل بحديث خاص، وقال: هذا يخصص الأحاديث العامة، وهو حديث: (الظهر يركب إذا كان مركوباً، ولبن الدر يشرب إذا كان مرهوناً، وعلى الذي يشرب ويركب النفقة) فلا عذر عن العمل بهذا الحديث.

стр. 854

الإنفاق على الرهن بغير إذن الراهن قال: [وإن أنفق على الرهن بلا إذن الراهن مع إمكانه لم يرجع] . إذا كان الرهن يحتاج إلى نفقة، وكان -مثلاً- ليس فيه منفعة، مثل الثور فإنه لا يركب ولا يحلب ولكن يحتاج إلى نفقة العلف، فأنفق عليه بلا إذن مع إمكان أن يستأذنه فإنه لا يرجع، فإذا أذن له الراهن وقال: أنفق عليه واحسب علي نفقته وصار ينفق عليه كل يوم بريال علفاً فإنه يرجع به على الراهن، وأما إذا لم يستأذن مع قدرته على الاستئذان فلا يرجع، بل يذهب عليه ما أنفقه، وذلك لأنه أنفق عليه حماية لماله، يقول: لو لم أنفق عليه فإنه سيموت، وإذا مات ضاع مالي، فأنا ما حفظته إلا كوثيقة لعله إذا حل ديني أبيعه وأستوفي من ثمنه ديني. وهكذا إذا أنفق على الرهن وهو ليس حيواناً، مثل شجر يحتاج إلى سقي، فأنفق عليه مع إمكان استئذان الراهن فلا يرجع، وكذلك لو كان الرهن شيئاً يسرع فساده كالخضار مثلاً، ففي هذه الحال يبيعه إذا خشي أن يفسد ويحتفظ بثمنه، فيبيع الفواكه ويبيع الخضار إذا خشي أنها تتلف، وكذلك لو كان الرهن مثلاً أكياساً وكانت في مستودع بأجرة، فإن الأجرة على الراهن، فلو خشي أن هذا المستودع يسقط فأتى بعمال ونقلوه من هذا المكان إلى مكان آخر مأمون ففي هذه الحال عليه قبل ذلك أن يستأذن الراهن ويقول: ائذن لي أن آتي بعمال وآتي بحمالين ينقلونه حتى لا يذهب؛ فإني أخشى عليه من سيل -مثلاً-، أو من غرق، أو من هدم. فإذا نقله ولم يستأذن المالك فلا أجرة له، ولا يرجع بهذه النفقة، أما إذا لم يقدر على الاستئذان، كما لو كان الراهن بعيداً ولا يمكن استئذانه، أو جاء أمر باغت كسيل -مثلاً- وكان لا بد أن ينقل هذا المستودع إلى مكان آخر قبل أن يدخل عليه السيل، أو وقع حريق مثلاً وخشي أن يناله فنقله إلى مكان آخر واستأجر عمالاً، ففي هذه الحال يرجع، وبأي شيء يرجع؟ يرجع بالأقل مما أنفق، أو من أجرة المثل أو نفقة المثل، فإذا قال: إني استأجرت عمالاً خوف الحرق والغرق بمائتين حتى لا يتلف المال فنظرنا وإذا أجرة النقل العادية لا تزيد عن مائة فنقول: إنك تسرعت، ولو طلبت من ينقله بمائة لوجدت، فأنت تسرعت فلك مائة وإن وجدنا أنه لا ينقل مثله إلا بثلاثمائة وقد نقله بمائتين فليس له إلا المائتان، ولا يقول: إني أستحق ثلاثمائة؛ لأنك ما دفعت إلا مائتين وفي هذه الحال أيضاً لا يرجع إلا إذا أنفقه وفي نيته أن يرجع إلى الراهن، وأما إذا لم ينو فلا حق له في الرجوع.

стр. 855

المعار والمؤجر والمودع كالرهن قال: [ومعار ومؤجر ومودع كرهن] . يعني: مع النية. فالعارية ليس لها أجرة، وصاحبها محسن إليك، فإذا أعارك -مثلاً- كتاباً وهو أوراق متفرقة، ولكنك أنفقت عليه وأتيت بمن رتبه ومن أصلح ما فيه من الأخطاء ومن خاطه ومن غلفه بغلاف جيد حتى لا يبلى فهذه النفقة على هذا الكتاب لا ترجع فيها إلا إذا لم يمكنك أن تستأذن، كأن يكون صاحبها الراهن غائباً، وخشيت على الأوراق أن تأكلها الأرضة مثلاً، أو أن يتمزق الكتاب أو يتلف، فأردت أن تنفق عليه حتى يبقى، ولم تقدر على استئذان المالك، وهو عارية عندك، فأعطيته الكتاب فجلده لك فلك أن ترجع إذا كنت ناوياً الرجوع، وبأي شيء ترجع؟ بالأقل مما أنفقته أو من أجرة المثل، فإذا كان الناس يجلدون الكتاب بعشرين وأنت جلدته بثلاثين فليس لك إلا العشرون، وإذا كانوا يجلدون العشرين وأنت وجدت من يجلده بعشرة فليس لك إلا العشرة؛ لأنها التي أنفقتها. وهكذا العارية إذا احتاجت إلى نفقة، أعارك إنسان مثلاً شاة لتحلبها، ثم انتهى اللبن الذي فيها ولم تجد صاحبها لتردها إليه، وأنفقت عليها أجرة الراعي وقيمة العلف، فإن نويت أن ترجع فلك الرجوع، وإن لم تنو وتبرعت بالنفقة فليس لك الرجوع، وإذا نويت الرجوع فلا ترجع إلا بالأقل من نفقة المثل أو ما أنفقته، فإذا كانت نفقة المثل في الشهر عشرة وأنت أنفقت عشرين فليس لك إلا عشرة، وإذا كانت نفقة المثل عشرة، وأنت أنفقت خمسة فليس لك إلا الخمسة، وكذلك المؤجر، فلو استأجرت سيارة لمدة يومين، وبعد ما استأجرتها احتاجت إلى تغيير زيت مثلاً أو احتاجت إلى تشحيم مثلاً، أو احتاجت إلى أدوات ففي هذه الحال لا تنفق عليها إلا بإذن الراهن، فإن لم تستأذنه وأنفقت عليها وأنت تقدر على الاستئذان فلا أجرة لك، وإن لم تقدر على استئذانه فإنك تستحق ما أنفقته أو أجرة المثل على الأقل منهما. وهكذا الوديعة التي يودعها عندك إنسان لتحفظها، فإذا أنفقت على الشاة الوديعة، أو أنفقت على الكتاب، أو أنفقت على البر كأن خشيت عليه الآكلة فطحنته -مثلاً- أو اشتريت له أكياساً لتحفظه، أو نقلته إلى الشمس حتى تموت الدابة التي فيه وخسرت عليه -مثلاً- عشرة، فإن كنت نويت الرجوع عليه فإنك ترجع، وإن كنت لم تنو فلا ترجع، ويكون الرجوع كما ذكرنا بالأقل مما أنفقته من أجرة المثل.

стр. 856

حكم الرهن إذا خرب فعمره المرتهن قال: [ولو خرب الرهن فعمره رجع بآلته فقط] . إذا كان الرهن داراً فعمره وركب عليه أبواباً ونوافذ -مثلاً- وعمره ببلاط أو بلبن بلك أو لبن الطين المعروف قديماً ففي هذه الحال يرجع بآلته فقط، يرجع باللبن البلك أو الطين، ويرجع بالبلاط إذا أمكن قلعه مع عدم تأثره، ويرجع بالأبواب وبالنوافذ -مثلاً- وبالأنوار والمكيفات وما أشبهها، وبالفرش وما أشبهها، يرجع بعين ماله، فإذا قال: أنا أعطيت العمال أجرة على هذا قلنا: ليس لك ذلك، لا تعمره إلا بإذن المالك.

стр. 857

الضمان الفصل الذي بعد الرهن فيه ثلاثة أبواب: باب الضمان، وباب الشهادة، وباب الحوالة، وجمعها المؤلف في فصل واحد لتقاربها. والضمان: مشتق من الضمن، وكون شيء في ضمن شيء أي: في جملته. ويعرفونه اصطلاحاً بأنه: التزام جائز التصرف ما وجب على غيره وما قد يجب. فقولهم: (التزام جائز التصرف) يعني الحر المكلف الرشيد، (ما وجب على غيره) من الأموال ونحوها، (وما قد يجب) كأن يقول لصاحب البقالة: دين فلان الذي لك أنا أضمنه، أنا ضامن له، فإذا لم يوفك فاطلبني. أو قال لصاحب البقالة -مثلاً- ما أخذ منك فلان أو استدان فأنا ضمين به. ففي هذه الحال يصح الضمان، ويكون ضامناً.

стр. 858

خطورة الضمان لابد أن يكون الضمان من جائز التصرف، وهو الحر المكلف الرشيد، فلا يضمن الصغير، ولا يضمن السفيه، ولا يضمن المملوك، ولا شك أن الضامن يكلف نفسه، وأنه قد يتضرر؛ لأن الضامن إذا لم يوف المضمون عنه فإنه يطالبه صاحب المال فيقول له: إما أن يوفيني المضمون عنه وإما أن توفيني، فديني أنت الذي ضمنته. وقد يعجز المضمون عنه، فيكلف الضامن ويقال: إما أن تضمن وإلا حبست. وهذا يدل على أن الضمان فيه مخاطرة، وقد يؤدي إلى حبس الضامن، ولذلك ذكر العنقري في حاشيته على الروض بيتاً يقول فيه: ضاد الضمان بصاد الصك ملتصق فإن ضمنت فحاء الحبس في الوسط فكم من ضامن تعرض للحبس مع أنه محسن، يقول: أحسنت إلى رفيقي وصديقي لما قال: اضمني في دين علي فاستحييت منه فضمنته، وكان الدين كثيراً وكنت أعهده صاحب وفاء وأعهده من أهل الأمانة، ولكن أخلف ظني فهرب بالدين الذي في ذمته، أو عجز وأصبح مفلساً لا يستطيع. وفي هذه الحال يرجعون إلى الضامن ويقال: أنت الذي التزمت بوفاء الدين.

стр. 859

اشتراط الأهلية في الضامن قال رحمه الله تعالى: [يصح ضمان جائز التصرف] . أي: الحر المكلف الرشيد. فلا يضمن العبد؛ لأنه ليس له مال، ولا يضمن المجنون؛ لأنه لا يتصرف، ولا الصغير؛ لأنه غير مكلف، ولا المحجور عليه الذي ماله محجور عليه، ولا السفيه الذي ماله محجور عليه لسفهه. قوله: (ما وجب) أي: ما قد ثبت من الدين. [وما سيجب] أي: ما سوف يأخذه. كأن تقول -مثلاً- لصاحب الدكان: دينك الذي لك على فلان أنا أضمنه، والذي سوف يأخذه فلان أنا أضمنه.

стр. 860

حكم ضمان الأمانات قال ﵀: [ولا يصح ولا يشترط ضمان الأمانات بل التعدي فيها] . ضمان الأمانات لا حاجة إليه، والأمانة: هي الوديعة التي يودعها صاحبها عند من يحفظها. سواءٌ أكانت من النقود أم من غيرها، فإذا أودعت عند إنسان ألفاً فلا تحتاج إلى ضمان، ولا تقول: أودعك بشرط أن تأتيني بضمين. فإنه سيقول: أنا متبرع بحفظها. فكيف أضمنها؟ وكيف آتي بضمين؟ لو تلفت عندي وأنا ما فرطت فيها فإني لا أضمنها، فلا مصلحة لي في حفظها، أنا أحفظها لك تبرعاً، فإن أردت ذلك وإلا فأودعها عند غيري. وكذلك لو أودعت عند إنسان أكياساً أو طعاماً أو ثياباً أو قدوراً أو أواني فهو متبرع بحفظها ليحفظها لك مجاناً وديعة أو أمانة، فكيف تقول: ائتني بضمين يضمنها لي إذا تلفت عندك؟ فإنه يقول: خذها ولا تودع عندي شيئاً إذا كنت تطلب مني ضميناً. فالأمانات إذا تلفت لا تضمن إلا في حالتين: إذا فرط، أو تعدى، والتفريط هو الإهمال، والتعدي هو الاستعمال، فهذا المودع حفظ الوديعة في حرز مثلها ثم سرقت أو احترقت، فلا ضمان عليه، لكن إن فرط: فترك الأبواب مفتوحة، وجاء لص واختطفها فهذا التفريط يضمن به، مثلاً: أودعته شاة فأهملها حتى افترسها السبع، فإنه يضمن؛ لأنه في هذه الحال فرط، وفي هذه الحال لك أن تطلب ضميناً، فتقول: ائتني بضمين عن التفريط. والتعدي هو الاستعمال، فإذا أعطى مفاتيح السيارة لأحد الأولاد وهي مودعة، ثم حصل حادث وتكسرت فإنه يضمنها المودع، وفي هذه الحال لصاحبها أن يطلب ضميناً فيقول: ائتني بضمين، فإذا استعملتها أنت أو أحد أولادك فإنك تغرم قيمتها أو تغرم إصلاحها وهكذا لو لبس الثوب، أو حل وثاق الدهن فانسكب، أو فتح باب المخزن فدخلت البقر أو نحوها فأكلت من البر أو من التمر مثلاً، أو طبخ في القدر فاحترق ففي هذه الحال يضمن، وفي هذه الحال لصاحبها أن يطلب ضميناً فيقول: أريد ضميناً عن التعدي فيها. ولا تضمن الجزية التي هي ضريبة تؤخذ على الذمي من اليهود أو النصارى أو المجوس، فتؤخذ منهم الجزية، ولكن هل يقال لصاحبها: ائتنا بضمين؟! لا يلزم؛ لأن الجزية تسقط عن الفقير كما ذكر في كتاب الجهاد.

стр. 861

اشتراط رضا الضامن يشترط رضا الضامن فقط، فالضامن متبرع فيشترط رضاه، فلا يجوز إجباره على الضمان، بل لا يضمن إلا برضاه وبموافقته، أما المضمون عنه فلا يشترط رضاه، فلو قال -مثلاً-: لا أرضى أن فلاناً يضمني. وقال الضامن: أنا أضمنه ولو لم يرض فقد يقول: ما أحب أن يكون له منة علي، فلا أحب أن يضمني ولكن صاحب المال قال: لا أطلقك إلا بضمين. فجاء هذا الضامن وقال: أنا أضمنه ولو لم يرض. ورضي الضامن ورضي المضمون له فيصح الضمان وإن لم يرض المضمون عنه. قال: [ولرب الحق مطالبة من شاء منهما] . صاحب الدين له أن يطالب المضمون عنه، وله أن يطالب الضامن، وذلك لأن الحق استهلكه المضمون عنه وتحمله الضامن، فإذا حل الدين جاء إلى المضمون عنه وقال: حل الدين الذي في ذمتك، فأعطني ديني. فإذا ماطل وأخر الوفاء أو كان معسراً رجع إلى الضامن وقال: أنت ضمنت ديني، وفلان ما أوفاني، فأنا أطالبك لأنك التزمت بالوفاء وقلت: إذا لم يوفك فإني أوفي عنه. فله مطالبة من شاء منهما، وإذا مات المضمون عنه فإن أوفى ورثته فله مطالبتهم وله مطالبة الضامن، ولو مات الضامن فله أن يطالب ورثته ويقول: إن مورثكم ضمن ديني عند فلان. وإذا قال للضامن: أعفيتك من الضمان فهل يسقط الدين؟ الجواب لا يسقط؛ لأن الدين في ذمة المضمون عنه، أما إذا قال للمضمون عنه: أعفيتك من الدين فإنه لا يطالب الضامن، فإذا سقط الدين الذي في ذمة المضمون عنه فلا حاجة إلى الضمان، وإذا برئت ذمة المضمون عنه برئت ذمة الضامن، وأما إذا أبرأ الضامن فإن المضمون عنه يبقى مطالباً.

стр. 862

الكفالة الكفالة: هي التزام إحضار من عليه حق مالي من جائز التصرف. فالكفالة تتعلق بالأبدان، وأما الضمان فإنه يتعلق بالذمة، والحقوق التي تلزم الإنسان إما أن تكون حقوقاً مالية وإما أن تكون حقوقاً بدنية، فالحق المالي مثل الديون والأمانات والعواري ونحو ذلك، فإذا قال -مثلاً-: أعرني الثوب، أو القدر أطبخ فيه، أو السيارة أركبها، أو البعير أركبه، أو الشاة أحلبها فقال: لا بد من كفيل فيصح، وذلك لأن هذا حق مالي، فلو أن الكفيل عجز عن إحضار المكفول فإنه يطالب، فيقال: إما أن تحضر لنا السيارة التي ضمنت صاحبها، وإما أن تغرم قيمتها، وكذلك الثوب أو ما أشبه ذلك، فيطالبونه إما بإحضار المال وإما بالغرامة، وإما بإحضار المستعير أو المستدين، يقولون: أحضر غريمنا حتى تبرأ وإلا طالبناك بما عليه، أما إذا كان عليه حق بدني فلا تصح الكفالة، والحق البدني كأن يكون عليه مثلاً حد قذف الآدمي، أو حد جلد في زنا، أو حد سرقة بقطع اليد، أو حد قصاص بقتل النفس بالنفس. فقال: من يكفلني؟ أمهلوني أذهب يوماً أو يومين حتى أوصي أو أعهد، فمن يكفلني؟ فهل يصح أن يكفله أحد؟ لا يصح؛ لأنه لو لم يحضره الكفيل فهل نقتل الكفيل ونقول: النفس بالنفس؟! الكفيل ليس هو الجاني، وهل نقطع يده. ونقول: أحضره وإلا قطعنا يدك؟ الكفيل ليس هو السارق، فلا تجوز الكفالة في الحقوق البدنية مثل حد الزنا وحد القصاص وحد السرقة وحد القذف وحد الخمر، فهذه حدود تتعلق بالبدن، فليس لأحد أن يكفل صاحبها؛ لأنها لا تؤخذ إلا من ذلك الجاني. وأما الديون والأمانات والعارية فإنها أموال فتصح الكفالة فيها، فيقول: أنا أكفلك في دينك، أنا أكفلك في عاريتك، أنا أكفلك في العين التي استأجرها فلان، إما أن أحضر ذلك المكفول أو أحضر دينك أو أحضر أداتك التي استعارها أو استأجرها، أو أن أغرمها. فتصح الكفالة لمن عليه حق مالي، وكلمة (حق مالي) . تخرج الحق البدني كما ذكرنا. قال ﵀: [وبكل عين يصح ضمانها] . مثاله: العارية فإنها مضمونة، فلو استعار منك قدراً يطبخ فيه وأتلفه ضمن، فإذا قلت: لا أعيرك إلا إذا أتيتني بكفيل فإن الكفيل إما أن يأتي بالعين المرهونة كالقدر مثلاً وإما أن يغرمها. وكذلك المغصوب، فلو اغتصب الإنسان منك شاة أو جملاً فجاء إنسان وقال: أنا كفيل بأن أحضر ذلك الغاصب، أو أحضر الجمل أو الشاة جازت كفالته، فإذا لم يحضر ذلك فإنه يضمن قيمة البعير، أو قيمة الشاة، أو الثوب، أو القدر.

стр. 863

اشتراط رضا الكفيل قال: [وشرط رضا كفيل] . الكفيل متبرع فيشترط رضاه، وأما المكفول الذي في ذمته الحق فلا يشترط رضاه، وهكذا المكفول له صاحب الحق لا يشترط رضاه إذا كان الكفيل مليئاً قادراً، فإن مات برئ الكفيل؛ لأنه يقول: أنا أحضر لك زيداً لتأخذ دينك من ذمته، فإذا مات برئ الكفيل؛ لأنه ما التزم إلا بإحضاره حياً، وإذا تلفت العين بإذن الله تعالى قبل الطلب برئ، والعين مثل الشاة، فإذا ماتت وهو ما فرط فيها، أو غرقت، أو احترقت، وكذلك الثوب إذا احترق في حريق عام برئ الكفيل في هذه الحالة.

стр. 864

الحوالة قال رحمه الله تعالى: [تجوز الحوالة على دين مستقر] . الحوالة: مأخوذة من التحول. وهو أن يتحول فلان من كذا إلى كذا، وتعريفها: نقل الدين من ذمة إلى ذمة وقد دل عليها قول النبي ﷺ : (لي الواجد يحل عرضه وعقوبته، ومن أتبع على مليء فليتبع) ، وفي حديث آخر: (مطل الغني ظلم، ومن أحيل على مليء فليحتل) . صورة ذلك: إذا كان لك دين عند عمرو وعليك دين لزيد، فجاء زيد يطالبك بدينه فقلت: لي دين عند عمرو، أحلتك عليه لتقبضه في الدين الذي علي لك. فلا مانع، ويسمى هذا حوالة، فعمرو سيقضي دينك إما لك وإما لوكيلك، فكأنك وكلت زيداً على أن يقبضه وقلت: اقبضه وخذ دينك الذي علي هذه هي الحوالة.

стр. 865

شروط الحوالة للحوالة شروط: الشرط الأول: أن يكون دين المحال عليه مستقراً، أما إذا لم يكن مستقراً فلا تصح الحوالة عليه، مثاله: صداق المرأة قبل الدخول، فهو عرضة للفسخ، ويمكن أن يسقط نصفه بالطلاق أو كله بالفسخ أو بالعيب أو نحو ذلك، فليس لها أن تحيل عليه، فلو جاءها غريم فقالت: أحلتك على زوجي قبل أن يدخل بي فاطلب منه صداقي فالدين هاهنا غير مستقر، وهو الصداق. مثال ثان: دين الكتابة، فالعبد الذي يشتري نفسه من سيده بثمن مؤجل يثبت هذا الدين في ذمته، ولكنَّه غير مستقر، فلو كان عند سيده دين لك، فجئت تطالبه فقال: أحلتك على دين الكتابة الذي عند عبدي سعيد فلا يصح؛ لأن سعيداً يمكن أن يعجز ويعود قناً، ومثلوا أيضاً بدينك له، فإنه عرضة للفسخ، فلا تصح الحوالة إلا على دين مستقر. الشرط الثاني: أن يتفق الدينان جنساً ووصفاً ووقتاً وقدراً، فإذا كان أحد الدينين دراهم والآخر دنانير ففي هذه الحال يمكن أن يقال: إنه يصح أن يكون صرفاً. ولكن أكثرهم يقولون: لا يصح؛ لأن الدينين مختلفان، وكذلك لو كان الدين الذي عليك تمراً وعند زيد لك بر، فلا تحيل بالبر على التمر لعدم اتفاق الدينين. وكذلك الوقت، مثلاً: دينك الذي في ذمتك قد حل، والدين الذي لك ما حل، فلا تقل: أحلتك بدينك عندي بديني على زيد. فإن دينك على زيد لن يحل إلا بعد سنة أو نصف سنة، ففي هذه الحال لا تصح الحوالة، فلا بد بأن يكونا حالين. وكذلك يتفقان وصفاً، فإذا كان أحد الدينين من جنس والآخر من جنس، كأن يكون أحدهما تمر برني، والآخر تمر عجوة لم يتفقا في الوصف، أو الدين الذي في ذمتك ذهب والذي لك فضة، فلا بد أن يتفقا وصفاً. وكذلك قدراً، فلا تحيله مثلاً بعشرة على خمسة؛ لأنك ما أعطيته حقه، ففي هذا يقول: [تصح بخمسة على خمسة من عشرة] أي: إذا كان في ذمتك له خمسة ودينك عشرة فتقول: أحلتك بخمستك على خمسة من الذي لي وتبقى الخمسة باقية عند الآخر، فيأتي إليه ويقول: أحالني فلان بخمسة عليك وأنت عندك له عشرة فيدفع له خمسة، وكذلك عكسه، فإذا جاءك وقال: عندك لي عشرة فقلت: نعم. أحلتك بخمسة منها على زيد يجوز ذلك، والخمسة الباقية تبقى في ذمتك. الشرط الثالث: رضا المحيل، وذلك لأنه هو صاحب الحق، فلا بد أن يرضى، فلا تأت إلى غريمه وتقول: أعطني المال الذي عندك وفاءً عن فلان، فهو يقول: هل أحالك علي؟ فإذا ما أحالك فلا أعطيك؛ لأنه لا يرضى. الشرط الرابع: رضا المحتال على غير مليء، فلا بد أن يكون المحال عليه مليئاً، فمن أحيل على مليء فليحتل، والمليء: هو القادر على الوفاء. قالوا: مليء بماله ومليء ببدنه. فإذا كان ممن لا يمكن أخذ الحق منه كأن يكون رئيساً أو وزيراً، أو أميراً كبيراً لا تمكن شكايته ولا تمكن مخاصمته ولا يمكن لأحد أن يطلب منه ففي هذه الحال لا يقال: إن الحوالة عليه جائزة.

стр. 866

الأسئلة

стр. 867

حكم زراعة الشعر في الرأس طبياً السؤال انتشرت في الآونة الأخيرة طرق عدة لزراعة الشعر، ومن هذه الطرق طريقة تعتمد على وضع شعر طبيعي مكان الشعر المتساقط، حيث يكون هذا الشعر مماثلاً للشعر المتساقط من حيث اللون وطبيعة الشعر، ويتم الحصول على هذا الشعر مما يسمى ببنك الشعر، وهو شبيه بما يعرف اليوم ببنك الدم، علماً بأن الشعر المزروع يتم تثبيته باستخدام شبكة، وهي عبارة عن طبقة شفافة مماثلة للون بشرة الرأس، وينفذ من خلالها الماء والهواء، فما الحكم في هذا؟ الجواب نرى أنه لا يجوز، وذلك لكثرة الأحاديث التي فيها لعن الواصلة والمستوصلة، والواصلة هي التي تصل شعر الناس. والمستوصلة التي تطلب وتقول: يا فلانة! أوصلي شعري بشعر. ويدخل الجميع في اللعن، والعياذ بالله، واللعن لا يكون إلا على كبيرة، ولو كان مماثلاً للشعر الأصلي، ولو كان يمكن تثبيته وزرعه وترسيخه في جلدة الرأس، فإن هذا يعتبر كله غشاً وتدليساً.

стр. 868

حكم شراء العجلات الجديدة بقديمة مع دفع الفارق السؤال ما حكم شراء عجلات السيارات الجديدة من صاحب محل يبيع عجلات جديدة ويستبدل قديمة بجديدة، ثم يخصم قيمة العجلات القديمة ويدفع له الفرق، فما حكم هذا العمل؟ الجواب لا بأس بذلك، لأنها ليست ربوية، فيجوز أن تباع بالعدد، فلا حرج أن يشتري القديمة مثلاً بعشرين ويبيع الجديدة بمائة أو بمائتين، ويخصم منها ثمن القديمة.

стр. 869

حكم الرهن إذا رخص سعره وصار أقل من الدين السؤال لو رهن رجل سيارة بعشرين ألفاً لدين بخمسة عشرة ألفاً، ولما حلّ الدين امتنع الراهن من الوفاء، وأراد بيع الرهن، فصار سعره قد نقص فصار بثلاثة عشر ألفاً، فما العمل في هذه الحالة؟ الجواب ليس له إلا ما تباع به، تباع السيارة بثلاثة عشر ألفاً فيأخذها المرتهن ويطالبه ببقية الدين.

стр. 870

حكم تأخير القسمة ومستغلات التركة السؤال توفي رجل وله ولدان وبنت، وخلف بيتاً، ولم يرث الابن الأكبر والبنت شيئاً لمدة عشر سنين، وذلك لأن الابن الأصغر يسكن في هذا البيت، وهم غير راضين بذلك، فهل عندما يباع البيت يعطى الابن الأكبر والبنت دون الابن الأصغر؛ لأنه عاش في البيت لمدة عشر سنين؟ الجواب لا شك أنهم لهم حق في أجرة هذه المدة، فالذين لم يسكنوا يطالبون الذي سكنه بأجرته؛ لأن لهم حقاً فيه حيث إنهم من الورثة.

стр. 871

أرباح الأسهم المرهونة السؤال لمن تكون أرباح الأسهم المرهونة في دين؟ وكذلك لمن تكون الزيادة في رأس مال الشركة، أي: الأسهم الإضافية هل هي للراهن أو للمرتهن؟ الجواب قد ذكرنا حديث: (لا يغلق الرهن من صاحبه) فأرباح الأسهم تكون للراهن، فإن قبضها استوفى منها دينه، وزيادتها ونقصها كل ذلك على الراهن، فنقصها أو غلاؤها كل ذلك من نصيب الراهن.

стр. 872

حكم رهن الأرض بشرط تملكها عند العجز السؤال رجل رهن أرضه، وقال للمرتهن: إذا لم أستطع الوفاء بالدين فالأرض لك. وهذا الرجل توفي ولم يستطع الوفاء بالدين، بالإضافة إلى أن الأرض قيمتها أقل من الدين، فأخذ المرتهن الأرض ولم يتصرف فيها، ولكنه توفي بعد فترة أيضاً، وقسمت الأرض على ورثة المرتهن، وبعد سنوات تقارب العشرين سنة أتى أبناء الراهن يطالبون بالأرض، والأرض قد قسمت بين الورثة، والنظام الموجود في هذه البلدة نظام قبلي لا يطبقون فيه الشريعة، فما نصيحتكم لهؤلاء؟ الجواب نرى أنها تقدر في ذلك الزمان الذي أخذها المرتهن قبل وفاته، يقدرونها وينظرون كم قدرها، ثم يخصم الدين الذي في ذمة الراهن، فإذا كانت أقل من الدين فإنه يأخذها كلها ويطالب الورثة ببقية الدين، فإن كانت قيمتها أكثر من الدين فإن البقية يردونه على الورثة، فهي كما ذكرنا لم تخرج من ملك الراهن.

стр. 873

حكم ركوب الثور السؤال يذكر أن الثور لا يركب ولا يحلب، فهل عدم الركوب لنهي شرعي، أم لعدم وجوده في هذه الديار؛ لأننا في بلادنا نركب الثور ونحمل عليه، وهو أفضل من الحمار في وقت الأمطار الكثيرة؟ الجواب جاء في حديث: (أن رجلاً كان قد ركب بقرة، وأن الله أنطقها وقالت: إنا ما خلقنا الركوب، إنما خلقنا للحرث) ، والعادة أن البقرة والثور لا يركبان، وإذا كان في بعض البلاد يركبونهما فلعله لأنهم لم يجدوا غيرهما.

стр. 874

حكم أخذ مبلغ مقابل فاتورة الماء ثم رد الباقي بحسب الفاتورة السؤال صاحب المكتب العقاري يأخذ أحياناً مائتي ريال ويقول: هذه للماء، فإن كان في الحساب في الفاتورة أقل أخذناها، وإن كانت أكثر دفعناها عنك، فما الحكم في ذلك؟ الجواب يعتبرها كحرز مثلاً، فيقول: إن الماء قد يسرف فيه ويصرف منه شيء كثير، فنأخذ عليك المائتين ونمسكها، فإذا خرجت الفاتورة وفيها مائتان أو أقل حسبناها مما عندنا وأعطيناك الباقي، وإن كان فيها أكثر طالبناك بالزيادة. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 875

شرح أخصر المختصرات [٣٦] من مقاصد الشريعة: تقوية أواصر المحبة والإخاء بين المسلمين، ولذا رغبت في الإصلاح بينهم، وأخبر الله في كتابه أن الصلح خير، وقال ﵊: (الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً حرم حلالاً أو أحل حراماً) ، وقد بين أهل العلم أنواع الصلح وأحكامه.

стр. 876

الصلح

стр. 877

تعريفه وفضله قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فصل: والصلح في الأموال قسمان: أحدهما على الإقرار، وهو نوعان: الصلح على جنس الحق مثل أن يقر له بدين أو عين، فيضع أو يهب له البعض ويأخذ الباقي، فيصح ممن يصح تبرعه بغير لفظ صلح بلا شرط. الثاني: على غير جنسه، فإن كان بأثمان عن أثمان فصرف، وبعرض عن نقد وعكسه فبيع. القسم الثاني: على الإنكار. بأن يدعي عليه فينكر أو يسكت ثم يصالحه، فيصح ويكون إبراءً في حقه وبيعاً في حق مدع، ومن علم كذب نفسه فالصلح باطل في حقه. فصل: وإذا حصل في أرضه أو جداره أو هوائه غصن شجرة غيره أو غرفته لزم إزالته وضمن ما تلف به بعد طلب، فإن أبى لم يجبر في الغصن ولواه، فإن لم يمكنه فله قطعه بلا حكم، ويجوز فتح باب لاستطراق في درب نافذ، لا إخراج جناح وساباط وميزاب إلا بإذن إمام مع أمن الضرر، وفعل ذلك في ملك جار ودرب مشترك حرام بلا إذن مستحق، وكذا وضع خشب إلا ألا يمكن تسقيف إلا به، ولا ضرر فيجبر، ومسجد كدار، وإن طلب شريك في حائط أو سقف انهدم شريكه للبناء معه أجبر كنقض خوف سقوط، وإن بناه بنية الرجوع رجع، وكذا نهر ونحوه] . ذكر المؤلف في الفصل الأول: الصلح، وفي الفصل الثاني ما يلحق بالصلح من اصطلاح على الطرق وما أشبهها. والصلح: معاقدة يتوصل بها إلى إصلاح بين المتخاصمين. وقد حث الله تعالى على الصلح في آيات عامة في أماكن عامة وأماكن خاصة، فمن العموم قول الله تعالى: (وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال:١] أي: احرصوا على أن تصلحوا ما يحدث بينكم. أي: بين إخوانكم. وقال الله تعالى: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء:١١٤] ، فجعل من الخير الإصلاح بين الناس، وقد أمر الله تعالى بالإصلاح بين المتقاتلين، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات:٩] إلى قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات:١٠] ، فإذا أدى الخصام بين المتخاصمين إلى القتال أو إلى النزاع فعلى المسلمين أن يسعوا إلى الإصلاح بينهما، وذكرهم الله بالأخوة فقال: ((إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)) أي: جميعهم. ولو تقاتلوا فإنهم لا يخرجون بذلك عن الأخوة الإيمانية، فاحرصوا على الإصلاح بينهما، وذكروا كلاً بالإخوة الإسلامية، وبالأخوة الدينية، فإنهم متى تذكروا هذه الأخوة رجعوا عما هم عليه، وحرصوا على أن يصطلحوا فيما بينهم، سيما إذا كان الشقاق والنزاع على أمور دنيوية لا أهمية لها. وكذلك أيضاً ذكر الله الصلح بين الزوجين في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقْ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء:٣٥] يعني: إذا حصل شقاق ونزاع فأراد المسلمون الإصلاح بين الزوجين بعثوا حكمين، فإن حرص الحكمان على أن يصلحا بينهما يوفق الله بينهما. فهذا من حرص الشريعة على الإصلاح العام والإصلاح الخاص، وكذلك قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً﴾ [النساء:١٢٨] وفي قراءة: ﴿أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ ، فيصطلحان على إسقاط بعض الحقوق حتى تأتلف القلوب، فتسقط الزوجة بعض حقها إذا خشيت أنه يميل عنها أو يطلقها، وكذلك هو أيضاً يسقط بعض حقه إذا رأى منها نفرة وخشي أن تنشز عنه، ويتدخل بينهما أولياؤهما حتى يصطلحا.

стр. 878

أهميته من أهمية الصلح أن الله تعالى أباح فيه الكذب للمصلحة، فقال النبي ﷺ : (لا يصلح الكذب إلا في ثلاث: الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل زوجته وحديث المرأة زوجها) فأباح الكذب إذا أراد الإنسان أن يصلح بين اثنين، فيأتي إلى هذا ويقول له: إن صاحبك يريد الخير ويريد الصلح، وإنه قد ندم على ما فعل، وإنه محب لأن تأتلف القلوب وأن تتبدل البغضاء بالمودة والمحبة، وإنه قد تنازل عن بعض حقه. ثم يأتي إلى الثاني ويرغبه أيضاً في الصلح، ويقول له مثل ذلك حتى يتقاربا ويصطلحا وتزول بينهما العداوة، وكل هذا من حيث العموم. والباب هذا معقود للصلح في الأموال، والغالب أنه يحصل بسببها نزاع وشقاق، ويحصل بسببها بغضاء وشنآن وتهاجر، وقد يدوم الهجران مدة طويلة، فقد يتهاجر الإخوان أو الأقارب ويبقون متهاجرين أشهراً أو سنين، مع أن الأصل في ذلك أمور دنيوية لا تساوي هذا التهاجر، فالواجب أن يصلحا بينهما، وأن يسعى ذوو الوجاهة للصلح بينهما، ولو تحملوا أموالاً لهؤلاء أو لهؤلاء، كما في حديث قبيصة بن مخارق لما تحمل حمالة فأتى النبي ﷺ يستعينه فقال: (يا قبيصة! إن المسألة لا تحل إلا لثلاثة: رجل تحمل حمالة) يعني أن قبيصة وجد قبيلتين بينهما عداوة وبينهما قتال أو ما يقرب من القتال، فجاء إلى هؤلاء فقال: ماذا تنقمون؟ فقالوا: إنهم أخذوا مالنا، وإنهم قتلوا منا كذا وكذا. فقال: أنا أتحمل ما أخذوه من المال، وأنا أتحمل الديات التي تدعونها عليهم. ثم جاء إلى الآخرين فقال لهم: ماذا تنقمون؟ فقالوا: إنهم نهبوا منا، وإنهم جرحوا، وإنهم قتلوا. فيقول: أنا أتحمل ما تدعون به. فهذا الذي تحمل لهؤلاء ولهؤلاء يحل له أن يأخذ من الزكاة ويدخل في الغارمين، وما ذاك إلا أنه مصلح ومحسن: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة:٩١] ، ولو كلف أن يدفع من ماله لأجحف ذلك به، فلذلك جعل له حق في الزكاة، وهو أحق الغارمين؛ لأن الغارمين قسمان: غارم لإصلاح ذات البين، وغارم لنفسه، أي: مدين لحاجات نفسه الضرورية. فقدم الغارم لإصلاح ذات البين، وجعل له حقاً في الزكاة المفروضة. والباب الذي عندنا هنا في الصلح في الأموال، وأما الصلح في الدماء فذكروه في كتاب القصاص، فالصلح في الأموال قسمان: صلح على إقرار، وصلح إلى إنكار.

стр. 879

الصلح على الإقرار وقسماه الصلح على الإقرار هو: أن يعترف بحقك، يقول: نعم أنا معترف أن له عندي مالاً: إما دين وإما قرض، وإما قيمة متلف، أنا الذي هدمت جداره، أو قطعت شجره، أو أنا استقرضته وعندي له مال.

стр. 880

الصلح على جنس الحق الصلح على الإقرار هو أن يعترف بحقك، فيقول: أنا معترف أن له عندي مالاً إما دين، وإما قرض، وإما قيمة متلف، فأنا الذي هدمت جداره، أو قطعت شجره، أو أنا استقرضته وعندي له مال. والصلح على الإقرار نوعان: صلح على جنس الحق، وصلح على غير جنسه. فقد يقول: أنا أعترف أن عندي له غنماً، أو أن عندي له إبلاً، ولكن لي فيها حق، فأنا أنقذتها -مثلاً- من الضياع، أو أنا علفتها، أو حفظتها مدة طويلة فلي فيها حق وصاحب الغنم أو الإبل يقول: ما وكلتك لتحفظها، ولا وكلتك لتنقذها، فأعطني دوابي وأولادها. فيتنازعان، ففي هذه الحال يسعى أهل الخير للصلح بينهما، فإذا قالوا: لك نصفها -أيها المحسن- لأنك حفظتها. أو: لك ربعها. أو: لك واحدة منها مقابل تعبك ومقابل علفك وحفظك فلك جزء منها فهذا صلح على جنس الحق. ومثل أن يقر له بدراهم دين أو يقر له بعين مثل الأغنام، فهذا عين مال، أو يقر له بأكياس، ويقول: هذه الأكياس له، ولكني وجدتها في البرية، وخفت عليها أن تسرق فنقلتها على سيارتي وأتيت بها من مكان بعيد، فلي حق فيها وصاحبها يقول: ما وكلتك لتنقلها، وأنا أعرف مكانها، وأعرف أنها كانت في مكان مأمون، فلماذا تنقلها؟ فيتنازعان هذا يقول: لا حق لك فيها لأنك تجرأت ونقلتها. وهذا يقول: لي حق فيها لأني نقلتها وأنقذتها من الطيور -مثلاً-، أو أنقذتها من اللصوص، أو أنقذتها من الدواب. فيدعي فيها حقاً. فالصلح صفته أن يضع له من الدين، أو يهب له بعضه ويأخذ الباقي، يقول: عندي له -مثلاً- عشرون ألفاً، ولكنه غلبني وزاد علي في الثمن أو: إن فيها شبهة في المبايعة بالربا أو بيع الغرر أو ما أشبه ذلك. فيدعي شبهة فيها، فيصطلحان ويقول: أضع عنك ألفين وأعطني الباقي ثمانية عشر ألفاً. ويسمى هذا صلحاً عن دين مع الإقرار، فهو مقر بالدين ولكن يدعي أن له حقاً. أو أن له شبهة، فيقول: إنك ظلمتني حيث بعتني غالياً. أو: خدعتني حيث أوقعتني في شيء لا فائدة فيه ومدحت السلعة وهي ليست جيدة. أو: بعتني بيعاً فيه شيء من الشبهة، وهو أن هذا البيع إما بيع مجهول وإما بيع قبل القبض أو ما أشبه ذلك فالحاصل أنه يدعي شبهة، ففي هذه الحال يصطلحان على إسقاط شيء من ذلك الدين. وكذلك العين، كأن يدعي غنماً أو إبلاً، ويعترف الآخر بأنها له، أو أكياساً -مثلاً- أو ثياباً، فقال: أقر أن له عندي هذه العشرة من الثياب، ولكني وجدتها ساقطة وأخذتها. فيقول: أنا تركتها في ذلك المكان وسأعود إليها. فيدعي شبهة. فالحاصل أن الإقرار بالدين هو الإقرار بأموال نقود، والإقرار بالعين هو أن يقر له بهذه الأغنام، أو بهذه الإبل، أو بهذه الأكياس، أو بهذه الثياب، أو بهذه القدور، أو ما أشبه ذلك، فالصلح في هذه الحال أن يضع عنه شيئاً من الدين، فيقول: أعطني ألفين وأسقط عنك ألفاً. أعطني ثمانية وأسقط عنك ألفين. أو يهب له فيقول: وهبتك هذه الشاة وأعطني الباقي. وهبت لك هذا البعير وأعطني الباقي. وهبت لك نصف كيل، وهبت لك ثوباً، ويأخذ الباقي، فهذا يصح.
следующие страницы →