Полный текст (2 153 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
الصلح
стр. 877
تعريفه وفضله
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فصل: والصلح في الأموال قسمان: أحدهما على الإقرار، وهو نوعان: الصلح على جنس الحق مثل أن يقر له بدين أو عين، فيضع أو يهب له البعض ويأخذ الباقي، فيصح ممن يصح تبرعه بغير لفظ صلح بلا شرط.
الثاني: على غير جنسه، فإن كان بأثمان عن أثمان فصرف، وبعرض عن نقد وعكسه فبيع.
القسم الثاني: على الإنكار.
بأن يدعي عليه فينكر أو يسكت ثم يصالحه، فيصح ويكون إبراءً في حقه وبيعاً في حق مدع، ومن علم كذب نفسه فالصلح باطل في حقه.
فصل: وإذا حصل في أرضه أو جداره أو هوائه غصن شجرة غيره أو غرفته لزم إزالته وضمن ما تلف به بعد طلب، فإن أبى لم يجبر في الغصن ولواه، فإن لم يمكنه فله قطعه بلا حكم، ويجوز فتح باب لاستطراق في درب نافذ، لا إخراج جناح وساباط وميزاب إلا بإذن إمام مع أمن الضرر، وفعل ذلك في ملك جار ودرب مشترك حرام بلا إذن مستحق، وكذا وضع خشب إلا ألا يمكن تسقيف إلا به، ولا ضرر فيجبر، ومسجد كدار، وإن طلب شريك في حائط أو سقف انهدم شريكه للبناء معه أجبر كنقض خوف سقوط، وإن بناه بنية الرجوع رجع، وكذا نهر ونحوه] .
ذكر المؤلف في الفصل الأول: الصلح، وفي الفصل الثاني ما يلحق بالصلح من اصطلاح على الطرق وما أشبهها.
والصلح: معاقدة يتوصل بها إلى إصلاح بين المتخاصمين.
وقد حث الله تعالى على الصلح في آيات عامة في أماكن عامة وأماكن خاصة، فمن العموم قول الله تعالى: (وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال:١] أي: احرصوا على أن تصلحوا ما يحدث بينكم.
أي: بين إخوانكم.
وقال الله تعالى: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء:١١٤] ، فجعل من الخير الإصلاح بين الناس، وقد أمر الله تعالى بالإصلاح بين المتقاتلين، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات:٩] إلى قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات:١٠] ، فإذا أدى الخصام بين المتخاصمين إلى القتال أو إلى النزاع فعلى المسلمين أن يسعوا إلى الإصلاح بينهما، وذكرهم الله بالأخوة فقال: ((إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)) أي: جميعهم.
ولو تقاتلوا فإنهم لا يخرجون بذلك عن الأخوة الإيمانية، فاحرصوا على الإصلاح بينهما، وذكروا كلاً بالإخوة الإسلامية، وبالأخوة الدينية، فإنهم متى تذكروا هذه الأخوة رجعوا عما هم عليه، وحرصوا على أن يصطلحوا فيما بينهم، سيما إذا كان الشقاق والنزاع على أمور دنيوية لا أهمية لها.
وكذلك أيضاً ذكر الله الصلح بين الزوجين في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقْ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء:٣٥] يعني: إذا حصل شقاق ونزاع فأراد المسلمون الإصلاح بين الزوجين بعثوا حكمين، فإن حرص الحكمان على أن يصلحا بينهما يوفق الله بينهما.
فهذا من حرص الشريعة على الإصلاح العام والإصلاح الخاص، وكذلك قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً﴾ [النساء:١٢٨] وفي قراءة: ﴿أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ ، فيصطلحان على إسقاط بعض الحقوق حتى تأتلف القلوب، فتسقط الزوجة بعض حقها إذا خشيت أنه يميل عنها أو يطلقها، وكذلك هو أيضاً يسقط بعض حقه إذا رأى منها نفرة وخشي أن تنشز عنه، ويتدخل بينهما أولياؤهما حتى يصطلحا.
стр. 878
أهميته
من أهمية الصلح أن الله تعالى أباح فيه الكذب للمصلحة، فقال النبي ﷺ : (لا يصلح الكذب إلا في ثلاث: الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل زوجته وحديث المرأة زوجها) فأباح الكذب إذا أراد الإنسان أن يصلح بين اثنين، فيأتي إلى هذا ويقول له: إن صاحبك يريد الخير ويريد الصلح، وإنه قد ندم على ما فعل، وإنه محب لأن تأتلف القلوب وأن تتبدل البغضاء بالمودة والمحبة، وإنه قد تنازل عن بعض حقه.
ثم يأتي إلى الثاني ويرغبه أيضاً في الصلح، ويقول له مثل ذلك حتى يتقاربا ويصطلحا وتزول بينهما العداوة، وكل هذا من حيث العموم.
والباب هذا معقود للصلح في الأموال، والغالب أنه يحصل بسببها نزاع وشقاق، ويحصل بسببها بغضاء وشنآن وتهاجر، وقد يدوم الهجران مدة طويلة، فقد يتهاجر الإخوان أو الأقارب ويبقون متهاجرين أشهراً أو سنين، مع أن الأصل في ذلك أمور دنيوية لا تساوي هذا التهاجر، فالواجب أن يصلحا بينهما، وأن يسعى ذوو الوجاهة للصلح بينهما، ولو تحملوا أموالاً لهؤلاء أو لهؤلاء، كما في حديث قبيصة بن مخارق لما تحمل حمالة فأتى النبي ﷺ يستعينه فقال: (يا قبيصة! إن المسألة لا تحل إلا لثلاثة: رجل تحمل حمالة) يعني أن قبيصة وجد قبيلتين بينهما عداوة وبينهما قتال أو ما يقرب من القتال، فجاء إلى هؤلاء فقال: ماذا تنقمون؟ فقالوا: إنهم أخذوا مالنا، وإنهم قتلوا منا كذا وكذا.
فقال: أنا أتحمل ما أخذوه من المال، وأنا أتحمل الديات التي تدعونها عليهم.
ثم جاء إلى الآخرين فقال لهم: ماذا تنقمون؟ فقالوا: إنهم نهبوا منا، وإنهم جرحوا، وإنهم قتلوا.
فيقول: أنا أتحمل ما تدعون به.
فهذا الذي تحمل لهؤلاء ولهؤلاء يحل له أن يأخذ من الزكاة ويدخل في الغارمين، وما ذاك إلا أنه مصلح ومحسن: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة:٩١] ، ولو كلف أن يدفع من ماله لأجحف ذلك به، فلذلك جعل له حق في الزكاة، وهو أحق الغارمين؛ لأن الغارمين قسمان: غارم لإصلاح ذات البين، وغارم لنفسه، أي: مدين لحاجات نفسه الضرورية.
فقدم الغارم لإصلاح ذات البين، وجعل له حقاً في الزكاة المفروضة.
والباب الذي عندنا هنا في الصلح في الأموال، وأما الصلح في الدماء فذكروه في كتاب القصاص، فالصلح في الأموال قسمان: صلح على إقرار، وصلح إلى إنكار.
стр. 879
الصلح على الإقرار وقسماه
الصلح على الإقرار هو: أن يعترف بحقك، يقول: نعم أنا معترف أن له عندي مالاً: إما دين وإما قرض، وإما قيمة متلف، أنا الذي هدمت جداره، أو قطعت شجره، أو أنا استقرضته وعندي له مال.
стр. 880
الصلح على جنس الحق
الصلح على الإقرار هو أن يعترف بحقك، فيقول: أنا معترف أن له عندي مالاً إما دين، وإما قرض، وإما قيمة متلف، فأنا الذي هدمت جداره، أو قطعت شجره، أو أنا استقرضته وعندي له مال.
والصلح على الإقرار نوعان: صلح على جنس الحق، وصلح على غير جنسه.
فقد يقول: أنا أعترف أن عندي له غنماً، أو أن عندي له إبلاً، ولكن لي فيها حق، فأنا أنقذتها -مثلاً- من الضياع، أو أنا علفتها، أو حفظتها مدة طويلة فلي فيها حق وصاحب الغنم أو الإبل يقول: ما وكلتك لتحفظها، ولا وكلتك لتنقذها، فأعطني دوابي وأولادها.
فيتنازعان، ففي هذه الحال يسعى أهل الخير للصلح بينهما، فإذا قالوا: لك نصفها -أيها المحسن- لأنك حفظتها.
أو: لك ربعها.
أو: لك واحدة منها مقابل تعبك ومقابل علفك وحفظك فلك جزء منها فهذا صلح على جنس الحق.
ومثل أن يقر له بدراهم دين أو يقر له بعين مثل الأغنام، فهذا عين مال، أو يقر له بأكياس، ويقول: هذه الأكياس له، ولكني وجدتها في البرية، وخفت عليها أن تسرق فنقلتها على سيارتي وأتيت بها من مكان بعيد، فلي حق فيها وصاحبها يقول: ما وكلتك لتنقلها، وأنا أعرف مكانها، وأعرف أنها كانت في مكان مأمون، فلماذا تنقلها؟ فيتنازعان هذا يقول: لا حق لك فيها لأنك تجرأت ونقلتها.
وهذا يقول: لي حق فيها لأني نقلتها وأنقذتها من الطيور -مثلاً-، أو أنقذتها من اللصوص، أو أنقذتها من الدواب.
فيدعي فيها حقاً.
فالصلح صفته أن يضع له من الدين، أو يهب له بعضه ويأخذ الباقي، يقول: عندي له -مثلاً- عشرون ألفاً، ولكنه غلبني وزاد علي في الثمن أو: إن فيها شبهة في المبايعة بالربا أو بيع الغرر أو ما أشبه ذلك.
فيدعي شبهة فيها، فيصطلحان ويقول: أضع عنك ألفين وأعطني الباقي ثمانية عشر ألفاً.
ويسمى هذا صلحاً عن دين مع الإقرار، فهو مقر بالدين ولكن يدعي أن له حقاً.
أو أن له شبهة، فيقول: إنك ظلمتني حيث بعتني غالياً.
أو: خدعتني حيث أوقعتني في شيء لا فائدة فيه ومدحت السلعة وهي ليست جيدة.
أو: بعتني بيعاً فيه شيء من الشبهة، وهو أن هذا البيع إما بيع مجهول وإما بيع قبل القبض أو ما أشبه ذلك فالحاصل أنه يدعي شبهة، ففي هذه الحال يصطلحان على إسقاط شيء من ذلك الدين.
وكذلك العين، كأن يدعي غنماً أو إبلاً، ويعترف الآخر بأنها له، أو أكياساً -مثلاً- أو ثياباً، فقال: أقر أن له عندي هذه العشرة من الثياب، ولكني وجدتها ساقطة وأخذتها.
فيقول: أنا تركتها في ذلك المكان وسأعود إليها.
فيدعي شبهة.
فالحاصل أن الإقرار بالدين هو الإقرار بأموال نقود، والإقرار بالعين هو أن يقر له بهذه الأغنام، أو بهذه الإبل، أو بهذه الأكياس، أو بهذه الثياب، أو بهذه القدور، أو ما أشبه ذلك، فالصلح في هذه الحال أن يضع عنه شيئاً من الدين، فيقول: أعطني ألفين وأسقط عنك ألفاً.
أعطني ثمانية وأسقط عنك ألفين.
أو يهب له فيقول: وهبتك هذه الشاة وأعطني الباقي.
وهبت لك هذا البعير وأعطني الباقي.
وهبت لك نصف كيل، وهبت لك ثوباً، ويأخذ الباقي، فهذا يصح.
стр. 881
شروط الصلح على جنس الحق
يشترط لهذا الصلح شروط: الشرط الأول: أن يكون المصالح ممن يصح تبرعه.
فإذا كان المالك سفيهاً أو مجنوناً فلا يصح صلحه، وذلك لأنه محجور عليه لا يصح أن يتصرف ولا أن يتبرع، وهذا قد تبرع -مثلاً- بألف أو بألفين أو بشاة أو ناقة، فلا بد أن يكون ممن يصح تبرعه، وهو الحر المكلف الرشيد، فالمملوك لا يصح تصرفه فلا يصح تبرعه، والصغير لا يصح تبرعه، والمجنون لا يصح تبرعه، والسفيه لا يصح تبرعه.
الشرط الثاني: أن لا يكون بلفظ الصلح بل بلفظ الإسقاط أو بلفظ الإبراء، فيقول -مثلاً- أبرأتك من نصف الدين أو ثلثه أو: أسقط عنك كذا وكذا.
فلا يكون بلفظ الصلح؛ لأنه إذا كان بلفظ الصلح يكون فيه شيء من الإجبار، فيقولون: يشترط ألا يكون بلفظ الصلح، بل بلفظ الإبراء أو الهبة أو الوضع، أي: أن يضع عنه كذا.
الشرط الثالث: أن لا يكون هناك شرط، كأن يقول: لا أقر لك بدينك إلا إذا أسقطت عني نصفه أو ربعه.
فيقول: أنا أعترف أن لك عندي عشرة آلاف، ولكن ليس لك بينة، وليس عندك وثيقة، وأنا سوف أجحدك وأنكر هذا الدين إذا أتينا عند القاضي ولا أقر بذلك، ولا أعترف عند الشهود، ولا أكتب لك وثيقة إلا إذا أسقطت عني نصفه أو ثلثه أو ربعه أو عشره.
فيقول: سوف آتي بشهود، واعترف أمام الشهود بالدين الذي هو عشرة آلاف وأنا أسقط عنك منه ألفين -مثلاً- أو ألفاً، ولكن أنت الآن تلتزم بالاعتراف، فأنا ما عندي بينة ولا كتبت عليك، بل وثقت بذمتك ووثقت بأمانتك وأعطيتك مالي، ولم أشعر بأنك ستجحدني.
فيقول: أنا أجحدك، ولا أعترف أمام الشهود إلا إذا أسقطت عني النصف أو الثلث أو ما أشبه ذلك فيقول: سوف آتي بالشهود واعترف أمامهم أن عندك لي عشرة، أو أن عندك لي هذه الأمانة مثلاً، أو هذه الأغنام أو ما أشبهها، فاعترف أمام الشهود، وفيما بيني وبينك أعطيك منها ألفاً أو شاة أو ما أشبه ذلك.
فجاء بالشهود واعترف وكتبوا شهادتهم: إن فلاناً مدين لهذا بعشرة ألاف.
أو: إن هذه الأغنام له أو هذه الأكياس أو هذه الأعيان، ثم قال: ولكنه التزم بأن يعطيني منها كذا وكذا مقابل الاعتراف! فالمالك يقول: أنت لا تستحق، وذلك لأنك خائن لم تعترف إلا بعد أن التزمت لك بذلك، فأنت لا تستحق شيئاً الآن، وثقت ديني أمام هذين الشاهدين باعتراف منك، فلا حق لك فيما وعدتك، ما وعدتك إلا لأجل أن تعترف.
فيقول: كيف تعدني وتخلف ما وعدتني؟ فيقول: ما وعدتك إلا لأجل أن تقر أمام الشاهدين مخافة أن تجحد.
هذه شروط هذا الصلح: الشرط الأول: أن يكون ممن يصح تبرعه.
الشرط الثاني: أن لا يكون بلفظ الصلح.
الشرط الثالث: أن لا يمنعه حقه بدونه.
فلا يقول: لا أعترف لك إلا بشرط أن تعطيني منه كذا.
فهذا صلح على جنس الحق يعني: على إسقاط شيء من الدراهم أو شيء من الأغنام أو ما أشبه ذلك.
стр. 882
صلح على غير جنس الحق
النوع الثاني: صلح على غير جنس الحق، بل على جنس آخر، فإذا كان الدين دراهم قال: أنا لا أجد الدراهم، ولكن أصطلح معك على دنانير.
لا أجد الريالات ولكن نصطلح على جنيهات.
يقول المؤلف: إن كان بأثمانها فصرف، وذلك لأن الريالات أثمان والجنيهات أثمان، فيكون صرفاً.
وإذا قلت: أليس الصرف يكون يداً بيد؟ قلنا: بلى.
ولكن يصح الصرف عن نقد بذمة، أي أن الصرف يصير عيناً بذمة، ودليله حديث ابن عمر، يقول: (كنا نبيع الإبل بالبقيع، نبيع بالدراهم ونأخذ الدنانير، ونبيع بالدنانير ونأخذ الدراهم) فأقرهم النبي ﷺ ، وسموا هذا صرفاً بعين وذمة، فهو يقول: نعم عندي لك مائة ألف، ولكن نصطلح على أن أعطيكها جنيهات ذهباً.
ففي هذه الحال يصير صرفاً، فلا بد أن يكون بسعر يومه، ولا بد أن يتقابضا قبل التفرق، فإذا قالوا: نقدر المائة الألف بعشرين جنيهاً، فسلم الجنيهات الآن في المجلس قبل التفرق يكون هذا صرفاً بعين وذمة.
وكذلك أيضاً لو اصطلحا على نقد آخر غير النقد السعودي، فإذا قال: عندي لك -مثلاً- عشرة آلاف ريال، ولكن نصطلح على أن أعطيك -مثلاً- ستة آلاف دولار.
فيصير هذا صرفاً، فلا يتفرقا إلا بعد التقابض كما هو شرط الصرف.
أما إذا كان الصلح بعرض عن نقد فإننا نسميه بيعاً، أو بنقد عن عرض فإننا نسميه بيعاً، وهذا أيضاً صلح، وصورة ذلك إذا اعترف وقال: نعم عندي لك -مثلاً- ألف ريال، ولكن لا أجده، فنصطلح على أن أعطيك هذه الأكياس من الأرز أو من البر، فتأخذ مني عشرة أكياس أو ثمانية أكياس عن الألف.
فنسمي هذا بيعاً، وكذلك مثلاً عكسه، فإذا قال: صحيح أن عندي لك مائة صاع من البر، ولا أجدها الآن، فنصطلح على أن أعطيك ثمنها من الريالات، قيمة كل صاع -مثلاً- ريالان، فأعطيك مائتي ريال.
فنسمي هذا أيضاً بيعاً، كأنه قال: المائة الصاع التي في ذمتي بعنيها بمائتي ريال.
أو يقول بالعكس: أبيعك مائة صاع عن المائتين التي في ذمتي، في ذمتي لك مائتي ريال ولا أجدها، ولكن أبيعك مائة صاع من البر.
فيسمى هذا صلحاً، ولكنه في الحقيقة بيع.
ولو قال -مثلاً-: عندي لك خمسون ألفاً ولا أجدها، ولكن أبيعك أو أعطيك بدلها نصف هذه الأرض التي هي بيني وبين زيد نصفان، فخذ نصفي بالخمسين ألفاً التي لك، فأخذها، وعلم زيد فله أن يشفع فيقول: شريكي أعطاكها عن خمسين ألفاً، وأنا أشفع عليه لأني شريكه، فخذ الخمسين التي اشتريتها بها وتكون الأرض كلها لي.
فيجوز ذلك.
стр. 883
الصلح على الإنكار
القسم الثاني: الصلح على الإنكار، وصلح الإنكار أن يأتيك إنسان ويدعي عليك ديناً فيقول: عندك لي خمسة آلاف وأنت لا تتذكر، إما أنك تنكر وتقول: أبداً ما عندي لك شيء.
وإما أنك تقول: لا أتذكر، نسيت أن عندي لك شيئاً.
فالصلح في هذه الحال من المدعى عليه، كأنه يشتري سمعته فيقول: أنت الآن تدعي علي بخمسة آلاف وأنا لا أتذكرها، فأشتري سمعتي حتى لا يقال: إن فلاناً جحد ديناً عليه.
أو حتى لا أتعرض للمرافعات ولا للشكاوي ولا للمحاكم، فأشتري سمعتي، فأنت الآن تدعي علي بخمسة، فأنا أعطيك أربعة واسمح لي في الباقي.
فيسمى هذا الصلح على إنكار، بمعنى أنه كان منكراً ولكن يشتري سمعته، ففي هذه الحال يصح أن يدعى عليه فينكر أو يسكت ثم يصالحه، والمدعى عليه إما أنه نسي وإما أنه أنكر وهو يعلم أنه لاشيء عليه، فعند ذلك اصطلحا لأجل قطع المنازعات.
стр. 884
الفرق بين المدعى عليه والمدعي في الصلح على الإنكار
يقول: [يكون في حق المدعى عليه ابراءً، وفي حق المدعي بيعاً] .
قوله: [في حق المدعي بيعاً] فلو ادعى عليك بألف وقلت: لا أذكر شيئاً، ولكن خذ هذا البعير عن دعواك فأخذ البعير وكأنه اشتراه منك بالألف؛ لأنَ أقصى ما يدعي عليك ألف، ولما ذهب بالبعير وجده أعور أو مريضاً فله أن يرده، فيقول: أنا أخذته عن الألف وحسبته سليماً، ثم تبين أنه مريض، فلا أقبله.
فينفسخ الصلح والحال هذه، وكذلك لو ادعى عليك رجل بعشرة آلاف وأنت منكر، ولكن تشتري سمعتك فتقول: أعطيك نصف الأرض التي بيني وبين زيد بعشرة آلاف، فلما قبض الأرض شفع عليه شريكك الذي هو زيد وقال: أنت تدعي أنك اشتريتها بدينك الذي هو عشرة آلاف، وأنا شريكه، فأنا سوف أنتزعها وأعطيك العشرة الآلاف التي أنت تدعيها، ولا تدعي أكثر من عشرة آلاف، فكأنك اشتريت نصف هذه الأرض بدينك الذي هو عشرة آلاف، فخذها وأعطني الأرض حتى تكون الأرض كلها لي؛ لأني لا أرغب في الشريك، وأحب أن تكون هذا الأرض كلها سالمة لي.
فله أن يشفع، وذلك لأن المدعي يدعي أنه اشتراها عن دينه الذي هو عشرة آلاف، وإذا كان يدعي أنه اشتراها ثبتت الشفعة، وأما المدعى عليه فإنها تكون إبراءً لذمته، فلا رد ولا شفعة، فلو ادعى عليك نصف البعير، أو نصف الأرض، ولما ادعاه قلت: سوف أعطيك خمسمائة عن دعواك بهذا البعير.
فأعطيته خمسمائة وذهب، فوجدت البعير بعد ذلك أعور وهو ملكك، فهل لك أن تسترد الخمسمائة ليس لك ذلك؛ لأنك ما اشتريت البعير، أنت تدعي أنه ملكك، وإنما تخلصت من دعواه، وأردت بذلك أن ينقطع النزاع، ففي هذه الحال ليس لك أن تسترد الخمسمائة، بل إنما دفعتها ابراءً لذمتك، وتخلصاً من المرافعة، وكذلك لو ادعى عليك نصف الأرض، فقال: نصف أرضك هذه أو ثلثها لي.
فلما ادعى عليك أعطيته عن دعواه -مثلاً- عشرة آلاف وقلت: أشتري سمعتي، فخذ عشرة آلاف واسمح لي.
فعلم شريكك، فهل له أن يشفع فيقول: قد اشتريت هذه الأرض؟ ما له شفعة، وذلك لأنك تقول: ما اشتريت هذه الأرض، الأرض أرضي، لكن هذا ادعى علي وضايقني فأعطيته هذه العشرة لتنقطع الدعوى ولتنقطع الخصومة، والأرض لي ليس له فيها شيء فلا تثبت الشفعة والحال هذه.
стр. 885
من علم كذب نفسه فالصلح باطل في حقه
يقول: [ومن علم كذب نفسه فالصلح باطل في حقه] .
سواءً المدعي أو المدعى عليه، إذا كذب أحدهما فما أخذه حرام، فهذا المدعي إذا كان كاذباً، فجاء إليك وهو يعلم كذب نفسه وأنه مبطل، وإنما أراد أن تعفيه، وقال: عندك لي دين عشرة آلاف.
أو: أنا أدعي عليك نصف هذا البعير أو نصف هذه الدار.
فاشتريت سمعتك وأعطيته خمسة آلاف، أو أعطيته شاة أو نحو ذلك لقطع نزاعه لا شك أنه أكل حراماً؛ لأنه يعرف كذب نفسه، فما أخذه حرام.
وكذلك العكس، فلو أن المدعى عليه أنكر وكان عالماً بصدق المدعي، ولكنه قال: هذا إنسان ليس عنده بينة، وسوف أجحده، وإذا جحدته أعطيته نصف ماله الذي يدعيه أو ربعه حتى يترك لي الباقي، فأنا أعرف أن عندي له عشرة آلاف، ولكن سوف أجحدها حتى يقنع بخمسة آلاف أو بثلاثة آلاف.
فهذا حرام، فأنت تعترف في باطن الأمر، فأعطيته نصفها والباقي حرام عليك؛ لأنك جحدته وأنت تعرف أنه محق في دعواه.
فهذا ما يتعلق بالصلح، والفصل الذي بعده تابع للصلح، ويسمى أحكام الجوار، وأحكام المتجاورين والمشتركين في بعض الأعيان.
стр. 886
أحكام المتجاورين
стр. 887
الضرر يزال
قال رحمه الله تعالى: [إذا حصل في أرضه أو داره أو هوائه غصن شجرة غيره أو على غرفته لزم إزالته] .
الجاران قد يكون بينهما شجر، وهذه الشجرة قد يمتد غصنها إذا كانت تمتد -مثلاً- على الأرض مثل نبات القرع والبطيخ، فإن امتد الغصن حتى صار في أرض جارك فعليك أن تزيله؛ لأنه شغل أرض جارك، وكذلك الشجر الذي يكون على ساق، فإذا تدلى غصن النخلة أو غصن السدر أو الرمان أو الأترج على جارك، وشغل هواء جارك وهو يملك أرضه ويملك هواءها، فيلزمك أن تزيله، وكذلك لو امتد على سقف الغرفة، أو دخل من نافذة من النوافذ إلى الغرفة، ففي هذه الحال على صاحب الشجرة أن يزيل ذلك الغصن.
وإذا أتلف شيئاً فإنه يضمنه، فلو أن عروق الشجرة امتدت تحت الجدار وسقط من أجلها فعلى الجار صاحب الشجرة بناء ذلك الجدار، وكذلك لو أن غصن الشجرة خرق الجدار، أو أتلف شيئاً منه أو هدم بعضاً منه فإنه يغرم ما أتلفه.
ولا بد قبل ذلك أن صاحب الأرض يطالبه، أما إذا سكت عنه فإنه يعتبر قد أذن له، فيطالبه قبل ذلك ويقول: أزل هذا الغصن.
أو: اقطع هذا العرق الذي امتد في أرضيّ فإذا امتنع فإنه يزيله فيلويه، فإذا لم يلتو ولم يزل باقياً فله أن يقطعه.
قال رحمه الله تعالى: [فإن أبى لم يجبره في الغصن ولواه، فإن لم يمكنه فله قطعه بلا حكم] .
ولا يحتاج إلى حكم حاكم؛ لأن هذا ضرر، والضرر يزال، وهذا كله يتعلق بالغصن، ويلحق به العرق.
قال رحمه الله تعالى: [ويجوز فتح باب لاستطراق في درب نافذ] .
قوله: [لاستطراق] يعني: للدخول معه والخروج معه.
ويكون هذا في الدرب النافذ، والدرب النافذ هو الذي له مدخل من كل جهة، يدخل الناس من الشرق ومن الغرب، يعني أنه نافذ، وأما غير النافذ فهو الذي له نهاية وليس بنافذ، بل نهايته مسدودة، وهذا الدرب إذا كان جدارك عليه وهو طريق مسلوك يجوز لك أن تفتح باباً آخر، فأنت قد فتحت عليه الباب الأول، فيجوز لك أن تفتح باباً ثانياً، وذلك لأنك تملك المرور معه، والناس يمرون معه، وفتحك لهذا الباب لا يضايق الناس؛ لأنك فتحته على جدار من جدرانك وعلى طريق مسلوك ليس خاصاً بأحد، وليس لأحد أن يمنعك منه، فهذا فتح الباب للاستطراق.
стр. 888
حكم إخراج جناح وساباط وميزاب من البيت
قال رحمه الله تعالى: [لا إخراج جناح وساباط وميزاب إلا بإذن إمام مع أمن الضرر] .
الجناح: هو أن يمد على جداره شبه مظلة ويسقفها، وينتفع بهواء الطريق، فيقول: هذا الطريق لا أضيقه، ولكن أنا بحاجة إلى أن أمد أخشابي -مثلاً- أو أمد الصبة وآخذ من الهواء متراً أو متراً ونصف أسقفه وأنتفع به، وأتوسع به في داري.
ويسمى هذا جناحاً ويسمى روشناً، فلا يجوز ذلك إلا بإذن الإمام أو بإذن المسئول، وفي هذه الأزمنة المسئولون هم البلدية، والعادة أنهم يأخذون مقابلاً من أصحاب العمارات على ذلك، فأصحاب العمارات يجعلون الدور الأرضي على حد المأذون لهم، ثم في الدور الثاني يمدون الصبات فتأخذ من الطريق متراً أو نحوه، فهذا المتر يسمى جناحاً ويسمى روشناً، فيؤخذ عليهم مال مقابل ذلك، بشرط ألا يضيقوا الطريق، أما إذا كان ذلك يضيق الطريق بأن كان نازلاً بحيث لو مرت سيارة لاصطدمت به فإنه لا يحق لهم.
وأما الساباط فهو تسقيف الطريق كله، إذا كان الطريق -مثلاً- خمسة أمتار وهو طريق نافذ، فيتفق صاحب هذا الجدار مع جاره المقابل له على أن يسقفا الطريق، فيقول: أنا أبني على الطريق غرفة، وأنت تبني عليه غرفة.
وأجعل صبتي على جدارك وأنت كذلك.
فهل لهما ذلك؟ قديماً كان هذا موجوداً في القرى، وإلى الآن موجود في المباني القديمة داخل البلد، تجد الطريق مسقوفاً كله، والناس يمرون على الطريق وهو مسقوف، وفوقه غرفة أو غرفتين، ويسمى هذا ساباطاً، فلا يجوز هذا؛ لأنه تملك لشيء مشترك وهو هواء هذا الطريق الذي هو للمارة، لكن يجوز بإذن الإمام.
فأما الميزاب الذي يصب معه السيل ويسمى ثعباناً أو مثعباً.
فهذا ضروري للناس، إذا جاء السيل وصب من الدار يصب على الطريق، وهل يجوز جعل هذه الميازيب تصب في الطريق؟ يجوز بإذن الإمام إذا لم يكن فيها ضرر، وأما إذا كان فيها ضرر أو لم يأذن فيها الإمام فلا يجوز في هذه الحال، والناس في هذه الأزمان يجعلون على بيوتهم الأنابيب التي تمتد من السطح إلى الأرض، ولا يكون فيها ضرر، وأما الميازيب التي تصب في وسط الطريق فإنه قد يكون فيها ضرر، فقد تصب مياهاً أو سيلاً أو نحو ذلك فيتضرر المشاة، فإذا أذن فيها الإمام ولم يكن فيها ضرر من سعة الطريق جاز، وأما إذا تضرروا ففي إمكانهم أن يحفروا طرف السطح إلى إن يصل إلى الأرض لينصب الماء من السطح مع ذلك المكان المحفور في وسط الجدار إلى الأرض، فلا يكون في ذلك ضرر.
وهذا كله إذا كان الدرب نافذاً، وذلك لأنه مشترك بين المسلمين.
ومما يلحق بذلك منع أخذ شيء من الطريق، وذلك لأن الطريق مشترك، ونجد أن بعض الناس يأخذون من الطريق -مثلاً- متراً عتبة أو ثلاث عتبات من الطريق، وهذا خطأ، فالطريق مشترك بين الناس ولو كان واسعاً، وقد تضايق الناس هذه العتبات التي تأخذ متراً، وربما يصطدم فيها إنسان، وربما تصطدم فيها سيارة، فلذلك تزال، لكن إن كان الطريق واسعاً كبيراً فلا بأس بذلك، سيما إذا كان هناك أرصفة في أطراف الطريق، فلا تحصل مضايقة على أهل السيارات ونحوها.
وكانوا قديماً يأخذون من الطريق نحو ذراع اليد، ويجعلونه كالكرسي ويسمونه حبساً، ويجلسون عليه كما يجلسون على الكراسي، وهذا يجوز إذا كان الطريق واسعاً، وإلا فالأصل أنه إذا كان ضيقاً فلا يجوز.
يقول: [وفعل ذلك في ملك جار ودرب مشترك حرام بلا إذن مستحق] .
لا يجوز للجار أن يخرج جناحاً أو ميزاباً أو ساباطاً، وذلك لأنه تملك لملك الغير إذا كانت هذه الأرض التي فتحت عليه في ملك جاره، وكذلك الدرب المشترك الذي تقدم في الدرب النافذ، وأما الدرب المشترك المسدود آخره.
فلا يجوز أن يفتح به باباً أو ساباطاً أو جناحاً إلا بإذن المستحق، فيشترط أن يأذن له الأهل كلهم، أو الذين يطرقونه، أما الذين لا يأتي إليهم فإنهم لا ضرر عليهم، فإذا كان الدرب المشترك فيه خمسة أبواب من هنا وخمسة أبواب من هنا، وهو مسدود في نهايته، فصاحب الباب الثالث أراد أن يجعل دكة أو يجعل ساباطاً أو يجعل جناحاً أو ميزاباً فمن الذي يمنعه؟ يمنعه الذين وراءه، وأما الذين قبله فليس لهم أن يمنعوه، فإذا أذن له أهل البيتين اللذين في أقصى الطريق فإنه يجوز له.
стр. 889
لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبه في جداره
قال رحمه الله تعالى: [وكذا وضع خشب إلا أن لا يمكن التسقيف إلا به.
ولا ضرر فيجبر] .
ورد في هذا الحديث المشهور عن أبي هريرة: (لا يمنعن جار جاره أن يغرز خشبه في جداره) ، ثم يقول أبو هريرة: (ما لي أراكم عنها معرضين؟ والله لأرمين بها بين أكتافكم.
يعني: بهذه السنة.
فإذا لم يقدر أن يضع السقف إلا على جدار جاره فليس للجار أن يمنعه بموجب هذا الحديث إذا لم يتضرر الجدار ونحوه.
قال: [ومسجد كدار] .
لو كان بيته ملاصقاً للمسجد، واضطر إلى أن يضع خشباً على جدار المسجد فإنه لا يمنع من ذلك.
قال: [وإن طلب شريك في حائط أو سقف انهدم طلب شريكه للبناء معه أجبر] .
إذا كان الجدار بين اثنين وانهدم، فطلب أحدهما من الآخر أن يشاركه في عمارته أجبر عليه؛ لأنه يتضرر فيصير لا فاصل بينهما، فيجبر على أن يساعده، وكذلك إذا كان السقف بين اثنين وانهدم السقف، فطلب أحدهما من الآخر أن يساعده فإنه يجبر على عمارة هذا السقف.
قال رحمه الله تعالى: [وكنقض خوف السقوط] .
لو كان هذا الجدار أو السقف بينهما فتصدع وخيف أنه ينهدم، وإذا انهدم تضرر أو أتلف أحداً، ففي هذه الحال إذا قال أحدهما: هلم ننقض هذا الجدار ونبنيه من جديد فإنه يجبر عليه، وذلك لأنهم لو تركوه انتقض وأتلف نفساً أو ما دون النفس، ولو حصل ذلك فإنهما يضمنان، وذلك لأنهما يعلمان بأنه خطر ولم يتلافيا ذلك الخطر، وإذا بناه أحدهما بنية الرجوع على شريكه رجع؛ لأن نفعه وملكه لهما جميعاً.
قال: [وهكذا نهر ونحوه] .
إذا كان بينهما ساقي ماء يمشي فتعطل، وكلاهما يسقي منه، فعمره أحدهما وأصلحه رجع على الآخر بقسطه، والله أعلم.
стр. 890
الأسئلة
стр. 891
إحياء الأرض من غير إذن الحاكم
السؤل: إذا كنت قد أحييت أرضاً وأنا في طور الإحياء فجاءني من يطلب مالاً حتى يسكت عني، وإلا يخبر عني ويكيد لي، فهل أعطيه من المال؟
الجواب
لا يجوز في هذه الحال تملك شيء إلا من جهة رسمية، فإذا كان مالكاً لهذه الأرض أو سابقاً إليها وعنده إذن فيها فله أن يتملكها، فكونه يقول: لا تفضحوني، ولكن اتركوني وأعطيكم مالاً فلا يجوز لهم أن يأخذوا هذا المال، ولا يجوز له أن يدفع، ولا يجوز له أن يحيي هذه الأرض إلا بإذن رسمي.
стр. 892
حضور الحائض للدروس في المسجد
السؤال
بعض النساء يحضرن المسجد لحضور دروس العلم، وقد تصاب المرأة بالحيض، وتقول: إن في مؤخرة المسجد في مصلى النساء مكاناً من ضمن سور المسجد، ولكن لا يصلى فيه؛ لأنه مكان لمرور الناس ولوضع الأحذية، فهل يجوز لها أن تجلس في هذا المكان وهي حائض لتستفيد من الدروس؟
الجواب
ورد نهي الحائض أن تدخل المسجد، وعلل ذلك للخوف من تلويثها، ولذلك فإذا أمنت من التلويث فإنه جائز لها الدخول، فقد أذن النبي ﷺ لـ عائشة أن تناوله خمرة من المسجد -أي: سجادة كان يصلي عليها- فقالت: إني حائض قال: (إن حيضتك ليست في يدك) وإذا كان كذلك فلا بأس أن تجلس في هذا المكان الذي ليس هو محل صلاة، إنما هو محل وضع أحذية أو ما أشبهه.
стр. 893
الهدية للموظف مكافأة له
السؤال
أعمل في إحدى الوظائف، وجاءني أحدهم فقضيت له حاجة في مؤسستي التي أعمل فيها، ثم بعد ما التقيت به أهدى إلي هدية، فهل تلك الهدية من الرشوة؟
الجواب
لا بأس بذلك إذا لم تكن قاصداً لهذه الهدية، ولم تقض حاجته لأجل أن يهدي إليك، وهو أيضاً ما أهدى إليك لتقدمه على غيره، وإنما أراد مكافأتك على فعل فعلته، فلا بأس بذلك.
стр. 894
وضع مظلة للسيارة على أرض بدون إذن صاحبها
السؤال
بجوار منزلي أرض خالية، ووضعت فيها مظلة للسيارة بدون استئذان صاحب الأرض، فهل علي إثم في ذلك؟
الجواب
لا بأس بذلك حتى يأتيك صاحبها ويأمرك بإزالة هذه المظلة؛ لأنك لا تملك بها.
стр. 895
إذن الإمام بشيء فيه ضرر
السؤال
لو وضع شيء بإذن الإمام ولكنه يضر بالمارة، فهل للمتضررين المطالبة بإزالة الضرر مع العلم بأن هذا يحصل كثيراً؟
الجواب
نعم.
ولو كان بإذن الإمام؛ لأن الإمام قد يستأذن لأشياء ظاهرها أنه صالح، ولكن إذا كان فيها ضرر فلا يجوز، فيطالبون بإزالة ذلك الشيء الذي فيه ضرر من الطريق مثلاً أو من الأرض أو نحوها.
стр. 896
لا تنزع العين الاصطناعية عند الاغتسال
السؤال
هل يلزم من يغتسل للجنابة أن ينزع العين الاصطناعية عند اغتساله أم لا؟
الجواب
لا يلزم إذا مر الماء عليها؛ فإنها قد تكون ضرورية.
стр. 897
حكم ركوب السيارة المرهونة بنفقتها
السؤال
هل تدخل السيارات المرهونة في حكم ما يركب بنفقته الذي ورد في الحديث؟
الجواب
لا تدخل؛ لأن النفقة ليست ضرورية لها، بخلاف بهيمة الأنعام، فإنها إذا تركت النفقة عليها هلكت.
стр. 898
حكم الكفالة الحضورية
السؤال
ما حكم الكفالة الحضورية المعمول بها حالياً؟
الجواب
جائزة؛ لأن الكفالة -كما تقدم- هي التزام إحضار هذا الإنسان عند حلول الدين أو أي حق مالي، فإذا أحضره برئ الكفيل.
стр. 899
زكاة الأرض الموروثة إذا عرضت للبيع
السؤال
هل الأرض الموهوبة أو الموروثة لا تجب فيها الزكاة حتى ولو نويت للبيع؟
الجواب
هكذا ذكر الفقهاء أنه إذا وهبت له أرض ثم نواها للزكاة لم يزك عنها حتى يبيعها، ثم يجعلها في تجارة أو نحوه، ولا يبدأ حولها حتى يبيعها، ومن العلماء من يقول: إذا باعها أخرج زكاة سنة واحدة.
стр. 900
بيع الحبحب بشرط القطع
السؤال
في هذه الأيام يكثر بيع الحبحب بشرط أن يكون صالحاً، فما حكم ذلك؟
الجواب
لا بأس بذلك؛ لأنه شيء خفي لا يعرف نضجه إلا بعد شقه، فإذا شقه ووجده غير ناضج فله أن يرده.
стр. 901
جعل ولي المرأة شيئاً من مهرها مقابل قضاء دينه
السؤال
شخص مدين طالبه صاحب الدين، ولا يوجد لديه مال، فقال له: أزوج إحدى بناتي بقيمة هذا الدين فهل هذا جائز؟
الجواب
لا شك أن المهر من حق الزوجة، ولكن والدها له حق أن يتملك من مهرها ما لا يضرها، فعلى هذا إذا كان سوف يعطيها شيئاً من حقها والبقية يسقطه من دينه فلا بأس بذلك.
стр. 902
نصيحة لمن زوج أخته برجل قليل الدين
السؤال
لي أخت زوجتها قبل أربعة أعوام من رجل ضعيف الدين، فكنت دائماً أنصحه وأوجهه إلى الخير، وقد فوجئت بأنه قد أدخل الدش في بيته، وأختي لديها الآن ثلاثة أطفال منه، وأختي عندما كانت عندنا لم تر التلفاز؛ لأنه لم يكن موجوداً لدينا أصلاً، فما النصح والتوجيه في ذلك؟
الجواب
عليكم نصيحته وتحذيره، وتهددونه بأنكم سوف تأخذون أولاده أو تحاولون فسخ النكاح تهديداً له وإن كنتم لا تقدرون على ذلك عادة، لكن لعل الله أن يهديه.
стр. 903
حكم من أخرج جناحاً من داره بدون إذن الحاكم
السؤال
رجل بنى عمارة، وجعل في الدور الأول جناحاً بدون استئذان من ولاة الأمر، فماذا عليه أن يفعل الآن؟
الجواب
إذا كان في داخل سوره فلا حرج عليه، وأما إذا كان هذا الجناح على الطريق فلا بد أن يأخذ عليه إذناً، وإذا كان في مدينة من المدن المشهورة فإنه لا يسمح له إلا بعد إذن وبعد إخراج مخطط لذلك المبنى وموافقة من البلدية عليه، وبعد ما يسمى بالفسخ وما أشبه ذلك.
стр. 904
صلاة النساء جماعة في البيت
السؤال
هل تجوز صلاة النساء في البيت جماعة؟
الجواب
لا بأس بذلك، فإذا اجتمعن وصلت بهن إحداهن فلا مانع.
стр. 905
صلاة النافلة جماعة
السؤال
هل تجوز صلاة النافلة في البيت جماعة؟
الجواب
لا حرج في ذلك، كما صلى النبي ﷺ بـ ابن عباس في ليلة من الليالي نافلة.
стр. 906
نصائح لطلاب العلم الشرعي في الدورات الشرعية
السؤال
يا شيخ نبغي بعض نصائح لشبابنا حتى يسيروا للعلا فلقد أتوا للدرس ملء قلوبهم حباً لعلم الشرع فالقلب تلا لكن نخاف عليهمو أن يفتروا فالدرب صعب كالمسير على الفلا
الجواب
نتناصح فيما بيننا جميعاً على أن نجد ونجتهد في تلك الدورات، وأن نواظب عليها، وأن نحرص على التزود منها، وذلك لأمور: أولاً: فيها علوم شرعية دينية نافعة.
ثانياً: مدة الدورة قصيرة، فهي عشرون يوماً أو نحوها.
ثالثاً: عندنا فراغ ووقت متسع، فلا نضيعه في لهو ونفرط في مثل هذه الأيام.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله صحبه أجمعين.
стр. 907
شرح أخصر المختصرات [٣٧]
جاءت الشريعة بجلب المصالح للخلق، ودفع المفاسد عنهم، ومن أحكامها التي فيها مصالح للعباد: الحجر على المفلس، والحجر على الصغير والمجنون والسفيه، صيانة للحقوق والأموال من الضياع والتلف، وقد بين أهل العلم تفاصيل ذلك.
стр. 908
الحجر
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فصل: ومن ماله لا يفي بما عليه حالاً وجب الحجر عليه بطلب بعض غرمائه، وسُنَّ إظهاره، ولا ينفذ تصرفه في ماله بعد الحجر ولا إقراره عليه، بل في ذمته، فيطالب بعد فك حجر.
ومن سلمه عين مال جاهل الحجر أخذها إن كانت بحالها، وعوضها كله باق ولم يتعلق بها حق للغير.
ويبيع حاكم ماله ويقسمه على غرمائه، ومن لم يقدر على وفاء شيء من دينه، أو هو مؤجل تحرم مطالبته وحبسه، وكذا ملازمته.
ولا يحل مؤجل بفَلَس، ولا بموتٍ إن وثَّق الورثة برهن محرز أو كفيل مليء، وإن ظهر غريم بعد القسمة رجع على الغرماء بقسطه.
فصل: ويحجر على الصغير والمجنون والسفيه لحظهم، ومن دفع إليهم ماله بعقد أو لا رجع بما بقي لا ما تلف، ويضمنون جناية وإتلاف ما لم يدفع إليهم، ومن بلغ رشيداً أو مجنوناً ثم عقل ورشد انفك الحجر عنه بلا حكم، وأعطي ماله، لا قبل ذلك بحال.
وبلوغ ذكر بإمناء، أو بتمام خمس عشرة سنة، أو بنبات شعر خشن حول قبله، وأنثى بذلك وبحيض، وحملها دليل إمناء.
ولا يدفع إليه ماله حتى يختبر بما يليق به ويؤنس رشده، ومحله قبل بلوغ، والرشد هنا إصلاح المال، بأن يبيع ويشتري فلا يغبن غالباً، ولا يبذل ماله في حرام وغير فائدة.
ووليهم حال الحجر الأب، ثم وصيه، ثم الحاكم، ولا يتصرف لهم إلا بالأحظ، ويقبل قوله بعد فك حجرٍ في منفعة، وضرورة، وتلفٍ، لا في دفع مالٍ بعد رشدٍ إلا من متبرع، ويتعلق دين مأذون له بذمة سيد، ودين غيره وأرش جناية قنٍ وقيم متلفاته برقبته] .
الفصل الأول: يتعلق بمن يحجر عليه لأجل الدين.
والفصل الثاني: يتعلق بمن يحجر عليه لأجل قصر النظر، فالحجر على الأول لمصلحة الغرماء، والحجر على الثاني لمصلحته هو، لئلا يفسد ماله، والحجر على الأول إذا كان مديناً، والدين يعم قيم السلع وعوض المتلفات، ويعم أيضاً الدين بالصداق الحال أو ما أشبهه.
стр. 909
التحذير من التهاون في قضاء الديون
ورد التحذير من التهاون بديون الناس التي تتعلق بالذمة، فثبت أنه ﷺ قال: (من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله) يعني: من أخذها ديناً أو قرضاً أو أخذها ليتاجر فيها، وهو يريد إتلافها أتلفه الله، وإن كان ناصحاً وفقه الله لأدائها.
ولا شك أن الدين غرم يتعلق بذمة الإنسان، ولذلك قال الله تعالى: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ * إِنَّا لَمُغْرَمُونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [الواقعة:٦٥-٦٧] ، والمغرمون هم المدينون، يقول الله: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً﴾ [الواقعة:٦٥] يعني: زرعكم، ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ [الواقعة:٦٥] يعني: تتكلمون وتقولون: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ * بَلْ نَحْن مَحْرُومُونَ﴾ [الواقعة:٦٦-٦٧] فدل على أن الغرم من جملة ما يتألم لأجله.
وورد أنه ﷺ كان يستعيذ في آخر صلاته فيقول: (اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم، فقيل له: ما أكثر ما تستعيذ من المغرم! فقال: إن الرجل إذا غرم حدّث فكذب ووعد فأخلف) ، وهذا حق، فالإنسان إذا كان عليه دين، وجاءه صاحبه اضطر إلى أن يكذب ويقول: سأعطيك بعد قليل، أو سأعطيك، فيكذب بذلك، أو يعده شهراً أو نصف شهر ثم لا يستطيع، فيخلف الوعد.
وقد عدّ النبي ﷺ خلف الوعد والكذب من خصال المنافقين، فعلى هذا يستعاذ بالله من المغرم، أي: من تحمل ديون الناس وحقوقهم، ولذلك ورد أنه ﷺ لما رأى أحداً قال: (ما أحب أن لي مثل أحد ذهباً، يأتي عليّ ثلاثة أيام وعندي منه دينار، إلا ديناراً أرصده لدين) يعني: لوفاء دين، وثبت أن رجلاً قال: (يا رسول الله! إن قتلت في سبيل الله هل يغفر لي؟ فقال: إن قتلت في سبيل الله صابراً محتسباً، مقبلاً غير مدبر، غفر الله لك، ثم قال: إلا الدين فإن جبريل أخبرني به) أي: لا تغفره الشهادة في سبيل الله؛ وذلك لأنه حق لآدمي، وحقوق الآدميين مبنية على المشاحة والمضايقة، فلا بد من قضائها، فتؤخذ من حسناته إذا مات وهو لم يوفها مفرطاً، فحقوق الآدميين لا بد من وفائها، وهي من الديوان الذي لا يترك الله منه شيئاً، ففي الحديث الذي في المسند أن النبي ﷺ قال: (الدواوين ثلاثة: ديوان لا يغفره الله، وهو الشرك بالله، وديوان لا يعبأ الله به، وهو ظلم الإنسان نفسه، وديوان لا يترك الله منه شيئاً، وهو مظالم العباد فيما بينهم) فهذه لابد فيها من القصاص لا محالة.
إذا عرف هذا فإذا كان على الإنسان دين وعنده مال فإنه يؤمر بوفائه، ويكلف أن يعطي الناس حقوقهم، ولا يجوز له أن يؤخر الوفاء، ويعتبر ذلك ظلماً، وورد فيه قول النبي ﷺ : (مطل الغني ظلم) ، والمطل هو التأخير، يعني: تأخيره للوفاء ظلم منه لأصحاب الأموال، وفي حديث آخر قال ﷺ : (ليُّ الواجد يحل عرضه وعقوبته) والواجد: هو القادر على الوفاء، وليُّه: يعني تلويته لأصحاب الحقوق، وعدم إيفائها، وعدم إعطاء الناس حقوقهم، (يحل عرضه وعقوبته) ، عرضه، أي: شكواه، وعقوبته: حبسه؛ وذلك لأنه أخر الحق عن أصحابه، فلهم أن يرفعوا بأمره، ولهم أن يشتكوه إلى من يأخذ حقهم منه، فإذا كان ماله بقدر دينه أو أكثر، حرم عليه التأخير، ولم يجز حبسه بل يكلف ويؤمر أن يعطي الناس ما في ذمته لهم حتى تبرأ ذمته، وحتى يعطي كل ذي حقٍ حقه، فإن أخر ذلك فلهم شكواه، ولهم عقوبته.
стр. 910
الحجر على المدين
إذا كان عنده مال، ولكن ماله أقل من دينه، عنده مثلاً ما يساوي عشرة آلاف: أمتعة وعروض ونقود وسلع، والديون التي في ذمته تساوي عشرين ألفاً، ففي هذه الحال يحجر عليه، أي: يمنع من التصرف في هذا المال الذي في يده، ويمنع أن يبيعه أحداً أو يشتري منه، فتوقف أمواله التي في يده فلا يبيع شيئاً منها، لا شاةً ولا بعيراً، لا كيساً ولا ثوباً ولا قدراً، ولا شيئاً مما في يده، فيقال: لا أحد يشتري منه، ولا أحد يبيعه بدين، وتحصر ديونه التي في ذمته، وإذا حصرت وكانت -مثلاً- عشرين ألفاً كلها حالة، وأهلها يطالبون بها، ففي هذه الحال يحجر عليه إذا طلبوا وقالوا: احجر عليه يا حاكم، وامنعه من أن يتصرف في ماله.
ويسن إعلان الحجر، أي: إظهاره وإشهاره وإعلانه؛ حتى يتوقف الناس عن البيع له، أو عن الشراء منه، ولا يمكن تصرفه في ماله بعد الحجر، ولو باع كيساً أو شاةً ما نفذ البيع، بل يرد البيع، ويقال: لا يجوز لك أن تبيع، ولا يجوز لكم أن تشتروا منه، وكذلك لا يقبل إقراره عليه، فلو قال مثلاً: هذه الشاة لزوجتي، وهذا البعير لأبي، وهذه الأكياس لأخي، وليس لي منها شيء، فلا يقبل منه ذلك، إذ الأصل أن ما في يده فإنه ملكه، أما إذا اعترف في ذمته، فقال: في ذمتي لزيد مائة، وفي ذمتي لخالد مائتان، فاعترافه بعد الحجر يثبت، ولكن هؤلاء الذين اعترف لهم لا يعطون من هذه الأموال الموجودة، مخافة أنه ما أراد بالاعتراف إلا إضرار الغرماء حيث اشتكوه، وحيث كلفوا الحاكم أن يحجر عليه، فهذا بلا شك ضرر عليه، وضرر على غرمائه، فيحجر عليه ثم تصفى أمواله.
ثبت أن معاذ بن جبل ﵁ كان جواداً سخياً كريماً، فكان ينفق ما عنده من الأموال، فكثر دينه، وقلت أمواله، فعند ذلك طلب النبي ﷺ من غرمائه أن يضعوا عنه أو يسمحوا عنه، فلو كانوا تاركين لأحدٍ شيئاً لتركوا لـ معاذ لشفاعة النبي ﷺ ، ولكنهم امتنعوا؛ لأنهم ذوو حاجة؛ ولأن أموالهم عواري أو بضائع لغيرهم، أو شركات، أو لأموات، أو لأيتام، فلم يضعوا شيئاً، ولم يتسامحوا عنه بشيء، فعند ذلك حجر النبي ﷺ أمواله التي في يده كلها وباعها، ووزعها على الغرماء بالنسبة، ثم بعد ذلك أراد أن يجبره فبعثه على الزكاة والجزية إلى اليمن؛ ليصيب من سهم العاملين عليها، فبعثه لجبرانه لما حصل عليه.
فهذا دليل على أن من كثر دينه فإن لأهل الدين أن يمنعوه من التصرف بواسطة الحاكم، وأن للحاكم أن يمنعه من أن يتصرف في أمواله التي في يده، ثم يجمعها ويعرضها للبيع، ويبيعها.
стр. 911
حكم من باع ماله قبل الحجر بدين مع بقاء المبيع في ملكه
من وجد ماله عند من أفلس بعينه ولم يتصرف فيه؛ فإنه أولى به، فيأخذه برأس ماله، ومن سلمه عين مال جاهلاً بالحجر أخذ عين ماله إذا الأموال وعوضها كله باق، ولم يتعلق بها حقٌ للغير.
من باع ماله قبل الحجر بدين، ثم حجر عليه وتلك العين التي باعها موجودةٌ في ملكه فإنه أحق بها بشروط: الشرط الأول: ألا تتغير صفتها.
الشرط الثاني: ألا يقبض من ثمنها شيئاً.
الشرط الثالث: ألا يتعلق بها حقٌ للغير.
الشرط الرابع: أن يكون البائع موجوداً.
الشرط الخامس: أن يكون المشتري موجوداً.
وتتضح هذه الشروط بالتمثيل فنقول: إذا اشترى منك كيس قهوة، ونفرض أنه بـ (١٠٠٠) ريال، وبعد نصف شهر حجر عليه، ولما حجر عليه إذا بالكيس موجودٌ في ملكه، فإنك تقول: أنا أحق به؛ لأنه عين مالي، آخذه برأس ماله، فإذا قال الغرماء الآخرون: بل نحن نشاركك في قيمته، وتشاركنا في بقية المال، فإن لك الحق في أن تطالب بعين مالك، فتقول: هذا الكيس مالي، أنا الذي بعته، وما تغير، ولو لم يحجر عليه إلا بعد موتك لم يكن لورثتك المطالبة.
وهذا الكيس لو تغير كما لو أدخله المحامص فحمص، فإنه يكون قد تغيرت حالته، فلا تستحق الرجوع فيه.
وكذلك مثلاً لو رهنه عند زيد، فإنك لا تستحق الرجوع فيه؛ وذلك لأن حق زيد تعلق به، حيث قد رهنه بدين آخر، فلا تستحق الرجوع فيه، فيكون دينك كسائر الغرماء.
وكذلك لو مات المشتري ووجدت عين مالك عند ورثته، فأنت أسوة الغرماء؛ لأن غريمك قد مات، فليس لك إلا ما للغرماء، وكذلك لو غير عين المبيع، فلو كان المبيع مثلاً كيس حنطة، ثم إنه طحنه وتغيرت هيئته وصورته، فيكون البائع أسوة الغرماء، ليس له إلا مثل ما لهم، فيباع الكيس مع بقية ماله، ويكون المشتري أسوة الغرماء، وكذلك أيضاً لو غيره فلو اشترى خشباً مثلاً، ونجرها أبواباً فإنه قد تغير، أو اشترى أقمشة وخاطها ثياباً فإنها قد تغيرت، فتغيرت صفته، فيكون صاحبه أسوة الغرماء، فلا بد من هذه الشروط الخمسة: كون البائع موجوداً، وكون المشتري موجوداً، وكون المبيع لم يتغير، وكون الثمن باقياً لم يقبض منه شيء، وكونه لم يتعلق به حق للغير.
سواءٌ كان هذا المبيع غالياً أو رخيصاً، فلو كان مثلاً سيارة اشتراها منك ديناً بستين ألفاً، ولم يعطك من ثمنها شيئاً، بل ثمنها دين، ثم أفلس وحجر عليه، فطالب بسيارتك، وقل: أنا أحق بها برأس مالها، ولا أكون أسوة الغرماء؛ لأنك إذا كنت أسوة الغرماء فلا يبقى لك إلا مقدار ما حل من الدين، والدين المؤجل لا تعطى من عوضه شيئاً.
وكذلك السيارة إذا رهنها عند آخر، فإنه تعلق بها حق الراهن، فلا تستحق الرجوع فيها، فلا بد أن تكون أنت موجوداً، ولا بد أن يكون المشتري موجوداً، ولا بد أن تكون السيارة لم تتغير، ما صدم بها مثلاً، ولا غير شيئاً من عجلاتها، أو شيئاً من أدواتها، ولا بد ألا تقبض شيئاً من الثمن، ولا بد ألا يرهنها.
ورد في الحديث أنه ﷺ قال: (من وجد عين ماله عند أحدٍ قد أفلس فهو أحق به) أي: بثمنه عند إنسان قد أفلس.
كذلك لو بعته عيناً ماليةً، ولم تدر أنه محجور عليه، ثم علمت بعد ذلك، فلك أن تستعيد تلك العين وتقول: أنا جاهل، ما علمت بأنه محجور عليه، وعين مالي موجودة، سيارتي موجودة مثلاً، أو كيسي موجود، يعني: أنك أحق به؛ لأنك جاهلٌ بالحجر، فتأخذها إذا كانت باقية بحالها، إذا كان عوضها كله باقياً في ذمته، ولم يتعلق بها حق للغير، ما رهنت مثلاً أو نحو ذلك.
ومما يذكرون في تعلق حق الغير: الجناية، لكنها خاصة بالعبد دون البعير والشاة والسيارة ونحوها، فيقولون: إذا اشترى منك عبداً مثلاً بعشرة آلاف، ثم إن العبد جرح إنساناً أو قطع منه إصبعاً، أو شجه في رأسه، أو أتلف شاةً لإنسان، فهذا قد تعلق به حق الغير، وهو المجني عليه، فلا تكون أنت أحق بثمنه، ولا ترجع فيه؛ لأن صاحب المجني عليه يقول: هذا العبد هو الذي جنى علي، فديني في ذمته، أو أرش جنايتي في ذمته، فلا ترجع فيه.
أما إذا كان المبيع شاةً أو بعيراً ثم إن هذا البعير رفس إنساناً فقتله، فهل يكون صاحبه المجني عليه أحق بثمن البعير أو أحق بالبعير بأن يقول: هذا البعير هو الذي قتل أخي، أو ابني؟
الجواب
ليس كذلك؛ وذلك لأن البعير غير مكلف، لقول النبي ﷺ : (العجماء جبار) أي: هدر.
وكذلك الشاة لو دخلت حرثكم فأكلت الزرع مثلاً، فهل تقولون: نحن أحق بها من الغرماء؛ لأنها أكلت زرعنا، نقول: ليس كذلك، ولكن صاحبها يغرم لكم ما أفسدته، وتكونون أسوة الغرماء.
وإذا بعته سيارةً بستين ألفاً ديناً، ثم إنه صدم بها إنساناً فمات، أو صدم بها شجرة أو جداراً، فهل يقول ورثة ذلك الميت: نحن أحق بالسيارة التي صدمت ولدنا؟ الجواب: ليس كذلك؛ لأن السيارة جماد، إنما الذي يحركها هو الذي يغرم، فهو الذي يغرم الدية، وهو الذي يغرم قيمة الجدار مثلاً، أو قيمة الشجرة، فلذلك لا يلحق بمثل جناية العبد؛ لأن العبد مكلف عاقل.
стр. 912
للحاكم بيع مال المفلس وقسمه بين غرمائه إلا ما كان ضرورياً
يقول المؤلف: [ويبيع حاكم ماله ويقسمه على غرمائه] .
أي: بقدر حصصهم، فإذا أحصى المال الذي صفاه ووجده عشرة آلاف، ووجد الديون ثلاثين ألفاً كلها حالة، ننظر نسبة المال إلى نسبة الدين، وهو الثلث، فكل واحدٍ منهم يعطى ثلث دينه، فالذي له ثلاثمائة يعطى مائة، والذي له ثلاثة آلاف يعطى ألفاً، والذي له ألفٌ وخمسمائة يعطى خمسمائة، وهكذا، وبذلك تحصل المساواة بينهم، ويحصل النقص عليهم كلهم.
ولو قال رجل منهم: أنا ديني قديم من عشر سنين، وهؤلاء دينهم جديد، ما أخذوه إلا من سنة، أو من نصف سنة؟
الجواب
الجميع سواء، فكلهم حقهم قد حل، فيستوون في هذا المال.
واعلم أنه لا يجرد المفلس من كل ماله، بل يترك له بيت يسكنه، فإذا كان عنده بيتٌ يساوي مثلاً ثمانمائة ألف، فيبيعه الحاكم ويشتري له بيتاً بمائتين أو بثلاثمائة ليسكنه، ويقول: هذا بيت الفقراء، أما أن تسكن في هذا البيت الذي بثمانمائة ألف أو بمليون، فهذا بيت أثرياء وأغنياء، وأنت فقير، فيشتري بيتاً بمائتين أو بثلاثمائة ويسكنه فيه، ويقسم البقية الزائدة على الغرماء.
وإذا كانت عنده سيارة قيمتها ثمانون ألفاً يبيعها، وإذا قال: أنا لا أستغني عن السيارة.
فتشتري له سيارة بثلاثين ألفاً أو بعشرين ألفاً ولو مستعملة، ويقال: هذه سيارة الفقراء، لا تشترِ سيارة الأثرياء الأغنياء.
وكذلك أيضاً متاع بيته، إذا كان عنده شيءٌ زائد يبيعه، فإذا كان عنده مثلاً عددٌ من الصحون وعددٌ من القدور، وعددٌ من الكئوس، وعددٌ من الفرش وما أشبهها، فيترك له الشيء الضروري، ويبيع البقية ويقسم ثمنها، ويترك له الشيء الذي هو بحاجة إليه، مثل غسالة أو ماكنة خياطة إذا كان خياطاً، أو ثلاجةً صغيرةٌ مثلاً بقدره أو ما أشبه ذلك؛ حتى يبرئ ذمته، وإذا كان صاحب حرفة تركت له آلة حرفته، فإذا كان خياطاً تركت له آلة الخياطة، وقيل: تكسب وأنفق على نفسك، وأوفِ بقية دينك، وإذا كان مثلاً غسالاً فكذلك، وإذا كان حجاماً تركت له آلة حجامته، وإذا كان مثلاً بناءً تركت له آلة بنائه التي يشتغل ويبني بها، وهكذا بقية الحرف، أما إذا كان مثلاً صاحب ماشية، فيبيع من ماشيته ما يستغني عنه، ويترك له غنيمةً يشرب لبنها، ويبيع من نسلها، إلى أن يوفي دينه، وهكذا.
فالحاصل أن هذا دليل على عظم شأن الدين؛ لأنه حق آدمي؛ ولذلك كان النبي ﷺ يستعيذ منه، فيقول في الدعاء المأثور: (اللهم إني أعوذ بك من الهم والهرم، والجبن والبخل، والكسل والحزن، وسوء الأخلاق، وشماتة الأعداء، وضلع الدين، وقهر الرجال) ضلع الدين يعني: ضرره، وهمه، وأثره.
стр. 913
حرمة مطالبة المعسر أو حبسه
يقول: [ومن لم يقدر على وفاء شيءٍ من دينه أو هو مؤجل تحرم مطالبته، ويحرم حبسه، وكذا ملازمته] .
يمكن أن يقسم الناس بالنسبة للدين إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: من ماله أكثر من دينه.
والقسم الثاني: من ماله أقل من دينه.
والقسم الثالث: من ليس له مال، فليس عنده قدرةٌ على الوفاء.
فإذا كان ماله أكثر من دينه أو بقدر دينه، فلا يحبس ولا يحجر عليه، ولكن يكلف أن يوفي دينه، وإذا كان ماله أقل من دينه حجر عليه بطلب غرمائه، وإذا لم يكن له مال لم يحجر عليه؛ وذلك لأنه معسر، بل يؤمر أن يتكسب، وأن يحترف إلى أن يجمع ما يوفي دينه، ويسد حاجته، والدليل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة:٢٨٠] النظرة هي التأخير، أنظروه يعني: أخروه إلى ميسرة، ولا يحل لكم أن تطالبوه وهو معسر.
стр. 914
التنبه لحيل بعض الناس في ادعاء الإعسار
في هذه الأزمنة يكثر الذين يتحملون الديون، ثم يدعون الإعسار، وإذا ادعوا الإعسار أخذوا يتسولون، وأخذوا يطلبون من الأثرياء، ولا شك أن كثيراً من المتسولين ليسوا صادقين، بل أهل حيل، فلذلك فإن القضاة إذا ادعى أحد الإعسار لا يقبلون منه إلا بعد سجنه، فإذا صبر في السجن مثلاً نصف سنةٍ أو سنةً أو نحوها، عرف بذلك صدقه.
وقبل ذلك لابد أن يبحث عن ملكه، ماذا يملك؟ هل عنده عقار يستغني عنه؟ هل له رصيد أو حساب في أحد المصارف؟ هل له غرماء يطلب منهم مالاً؟ أي: عندهم له أموالٌ وديون، لا بد للقاضي أن يستفصل ويبحث.
وإذا أعطى الإنسان زكاته لمن يعتقده فقيراً، وكان في نفس الأمر غنياً، فإنه يعتبر قد برئت ذمته؛ لأن الغارمين لهم حقٌ في الزكاة، فقد جعلهم الله من جملة أهل الزكاة، فلابد للقضاة أن يتثبتوا وأن يتحققوا.
وكثيرٌ من الناس يستدينون أموالاً كثيرة ثم يسرفون، فتجدهم يبنون مبانٍ فاخرة، ويصرفون عليها مئات الألوف، فالأولى بالقاضي مع من كان من هؤلاء أن يقول: نبيع عمارتك هذه التي تساوي مليوناً أو أكثر، ونشتري لك عمارة بثلاثمائة ألف ونحوها، ونوفي الدين، فأنت قد أسرفت، وأخذت أموال الناس وصرفتها في هذه الزينات، وفي هذه الأنواع التي زخرفت بها هذا البناء، فهذا يعتبر من الإسراف، فلا يقبل منه ولا يقول: اسجنوني حتى تؤدي عني الحكومة أو ما أشبه ذلك، بل على القاضي أن يتثبت، وألا يصدق كل من يدعي، فقد يكون هناك كثيرٌ من المحتالين، وقد ظهر لبعض القضاة حيل كثيرٍ منهم، يأتي مثلاً إلى إنسان ويقول: اشتكني وادع أن في ذمتي لك خمسمائة ألف، وأنا سوف أعترف عند القاضي بأنها ثابتة، وبأنها قيمة السيارات، أو قيمة مواد بناء، أو ما أشبه ذلك، فإذا ثبتت في ذمتي أدعيت بعد ذلك الإعسار، فإذا ادعيت لا يضرني إذا سجنت نصف سنة ثم دفعت الحكومة عني، أو دفع الأثرياء، أو دفع من صندوق البر ثلثاها: أربعمائة أو نحوها، ثم أقتسمها أنا وأنت.
وقد ظهرت حيل كثيرة مثل هذه، فعلى القضاة أن يتثبتوا، فإذا ثبت أن هذا مدين، وأنه ليس عنده شيء يوفي به دينه، قل أم كثر فإنه معذور، ولا يجوز حبسه، ولكن يؤمر بأن يوفي دينه مهما استطاع، وإذا كان الدين مؤجلاً فلا يجوز مطالبته؛ لأن الدين لم يحل، ولا يجوز حبسه، ولا تجوز ملازمته، وإن كان عليه دين مؤجل فلا يجوز لأصحاب المؤجل أن يطالبوا بحقوقهم، ويقولون: أعطونا من ماله الذي تقتسمونه، فإن ديننا ثابت، نقول: دينكم مؤجل، فإن حل قبل أن تقسم الأموال أخذتم قسمكم، وإن قسم قبل الحلول فليس لكم مع هؤلاء شيء.
ومن مات وعليه دين مؤجل لم يحل، ويبقى إلى أن يحل، ولكن لو خاف أصحاب الدين المؤجل من الورثة أن يقتسموا الميراث، ويقولون: ما عندنا لك شيء، فلابد للدائن أن يطالبهم فيقول: إما أن تعطوني ديني ولو كان مؤجلاً، أو تعطوني بعضه وأسقط بعضه -على قول من أجاز ذلك- أو تأتوني بكفيل يكفل حقي، ويضمنه عند حلوله، أو ائتوني برهن أتوثق منه، فإذا وثق دينه برهن محرز بقدر الدين، فإنه يكفي أو يضمنه كفيل.
стр. 915
ظهور الغريم بعد قسمة مال المفلس
يقول: [وإن ظهر غريم بعد القسمة رجع على الغرماء بقسطه] .
لو اقتسموا، وبعدما اقتسموا تبيّن غريمٌ يطالبه بدين سابق، وقال: عنده لي دين، وهذه وثائقي، فإنه يرجع إلى الغرماء بقسطه، فإذا كان قسطه له العشر، فيأخذ من كل واحد منهم عُشر ما دفع إليه.
هذا الفصل الذي يتعلق بالدين والحجر عليه، أما الفصل الذي بعده فهو الحجر على السفهاء.
следующие страницы →