Полный текст (2 153 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
حكم من باع ماله قبل الحجر بدين مع بقاء المبيع في ملكه
من وجد ماله عند من أفلس بعينه ولم يتصرف فيه؛ فإنه أولى به، فيأخذه برأس ماله، ومن سلمه عين مال جاهلاً بالحجر أخذ عين ماله إذا الأموال وعوضها كله باق، ولم يتعلق بها حقٌ للغير.
من باع ماله قبل الحجر بدين، ثم حجر عليه وتلك العين التي باعها موجودةٌ في ملكه فإنه أحق بها بشروط: الشرط الأول: ألا تتغير صفتها.
الشرط الثاني: ألا يقبض من ثمنها شيئاً.
الشرط الثالث: ألا يتعلق بها حقٌ للغير.
الشرط الرابع: أن يكون البائع موجوداً.
الشرط الخامس: أن يكون المشتري موجوداً.
وتتضح هذه الشروط بالتمثيل فنقول: إذا اشترى منك كيس قهوة، ونفرض أنه بـ (١٠٠٠) ريال، وبعد نصف شهر حجر عليه، ولما حجر عليه إذا بالكيس موجودٌ في ملكه، فإنك تقول: أنا أحق به؛ لأنه عين مالي، آخذه برأس ماله، فإذا قال الغرماء الآخرون: بل نحن نشاركك في قيمته، وتشاركنا في بقية المال، فإن لك الحق في أن تطالب بعين مالك، فتقول: هذا الكيس مالي، أنا الذي بعته، وما تغير، ولو لم يحجر عليه إلا بعد موتك لم يكن لورثتك المطالبة.
وهذا الكيس لو تغير كما لو أدخله المحامص فحمص، فإنه يكون قد تغيرت حالته، فلا تستحق الرجوع فيه.
وكذلك مثلاً لو رهنه عند زيد، فإنك لا تستحق الرجوع فيه؛ وذلك لأن حق زيد تعلق به، حيث قد رهنه بدين آخر، فلا تستحق الرجوع فيه، فيكون دينك كسائر الغرماء.
وكذلك لو مات المشتري ووجدت عين مالك عند ورثته، فأنت أسوة الغرماء؛ لأن غريمك قد مات، فليس لك إلا ما للغرماء، وكذلك لو غير عين المبيع، فلو كان المبيع مثلاً كيس حنطة، ثم إنه طحنه وتغيرت هيئته وصورته، فيكون البائع أسوة الغرماء، ليس له إلا مثل ما لهم، فيباع الكيس مع بقية ماله، ويكون المشتري أسوة الغرماء، وكذلك أيضاً لو غيره فلو اشترى خشباً مثلاً، ونجرها أبواباً فإنه قد تغير، أو اشترى أقمشة وخاطها ثياباً فإنها قد تغيرت، فتغيرت صفته، فيكون صاحبه أسوة الغرماء، فلا بد من هذه الشروط الخمسة: كون البائع موجوداً، وكون المشتري موجوداً، وكون المبيع لم يتغير، وكون الثمن باقياً لم يقبض منه شيء، وكونه لم يتعلق به حق للغير.
سواءٌ كان هذا المبيع غالياً أو رخيصاً، فلو كان مثلاً سيارة اشتراها منك ديناً بستين ألفاً، ولم يعطك من ثمنها شيئاً، بل ثمنها دين، ثم أفلس وحجر عليه، فطالب بسيارتك، وقل: أنا أحق بها برأس مالها، ولا أكون أسوة الغرماء؛ لأنك إذا كنت أسوة الغرماء فلا يبقى لك إلا مقدار ما حل من الدين، والدين المؤجل لا تعطى من عوضه شيئاً.
وكذلك السيارة إذا رهنها عند آخر، فإنه تعلق بها حق الراهن، فلا تستحق الرجوع فيها، فلا بد أن تكون أنت موجوداً، ولا بد أن يكون المشتري موجوداً، ولا بد أن تكون السيارة لم تتغير، ما صدم بها مثلاً، ولا غير شيئاً من عجلاتها، أو شيئاً من أدواتها، ولا بد ألا تقبض شيئاً من الثمن، ولا بد ألا يرهنها.
ورد في الحديث أنه ﷺ قال: (من وجد عين ماله عند أحدٍ قد أفلس فهو أحق به) أي: بثمنه عند إنسان قد أفلس.
كذلك لو بعته عيناً ماليةً، ولم تدر أنه محجور عليه، ثم علمت بعد ذلك، فلك أن تستعيد تلك العين وتقول: أنا جاهل، ما علمت بأنه محجور عليه، وعين مالي موجودة، سيارتي موجودة مثلاً، أو كيسي موجود، يعني: أنك أحق به؛ لأنك جاهلٌ بالحجر، فتأخذها إذا كانت باقية بحالها، إذا كان عوضها كله باقياً في ذمته، ولم يتعلق بها حق للغير، ما رهنت مثلاً أو نحو ذلك.
ومما يذكرون في تعلق حق الغير: الجناية، لكنها خاصة بالعبد دون البعير والشاة والسيارة ونحوها، فيقولون: إذا اشترى منك عبداً مثلاً بعشرة آلاف، ثم إن العبد جرح إنساناً أو قطع منه إصبعاً، أو شجه في رأسه، أو أتلف شاةً لإنسان، فهذا قد تعلق به حق الغير، وهو المجني عليه، فلا تكون أنت أحق بثمنه، ولا ترجع فيه؛ لأن صاحب المجني عليه يقول: هذا العبد هو الذي جنى علي، فديني في ذمته، أو أرش جنايتي في ذمته، فلا ترجع فيه.
أما إذا كان المبيع شاةً أو بعيراً ثم إن هذا البعير رفس إنساناً فقتله، فهل يكون صاحبه المجني عليه أحق بثمن البعير أو أحق بالبعير بأن يقول: هذا البعير هو الذي قتل أخي، أو ابني؟
الجواب
ليس كذلك؛ وذلك لأن البعير غير مكلف، لقول النبي ﷺ : (العجماء جبار) أي: هدر.
وكذلك الشاة لو دخلت حرثكم فأكلت الزرع مثلاً، فهل تقولون: نحن أحق بها من الغرماء؛ لأنها أكلت زرعنا، نقول: ليس كذلك، ولكن صاحبها يغرم لكم ما أفسدته، وتكونون أسوة الغرماء.
وإذا بعته سيارةً بستين ألفاً ديناً، ثم إنه صدم بها إنساناً فمات، أو صدم بها شجرة أو جداراً، فهل يقول ورثة ذلك الميت: نحن أحق بالسيارة التي صدمت ولدنا؟ الجواب: ليس كذلك؛ لأن السيارة جماد، إنما الذي يحركها هو الذي يغرم، فهو الذي يغرم الدية، وهو الذي يغرم قيمة الجدار مثلاً، أو قيمة الشجرة، فلذلك لا يلحق بمثل جناية العبد؛ لأن العبد مكلف عاقل.
стр. 912
للحاكم بيع مال المفلس وقسمه بين غرمائه إلا ما كان ضرورياً
يقول المؤلف: [ويبيع حاكم ماله ويقسمه على غرمائه] .
أي: بقدر حصصهم، فإذا أحصى المال الذي صفاه ووجده عشرة آلاف، ووجد الديون ثلاثين ألفاً كلها حالة، ننظر نسبة المال إلى نسبة الدين، وهو الثلث، فكل واحدٍ منهم يعطى ثلث دينه، فالذي له ثلاثمائة يعطى مائة، والذي له ثلاثة آلاف يعطى ألفاً، والذي له ألفٌ وخمسمائة يعطى خمسمائة، وهكذا، وبذلك تحصل المساواة بينهم، ويحصل النقص عليهم كلهم.
ولو قال رجل منهم: أنا ديني قديم من عشر سنين، وهؤلاء دينهم جديد، ما أخذوه إلا من سنة، أو من نصف سنة؟
الجواب
الجميع سواء، فكلهم حقهم قد حل، فيستوون في هذا المال.
واعلم أنه لا يجرد المفلس من كل ماله، بل يترك له بيت يسكنه، فإذا كان عنده بيتٌ يساوي مثلاً ثمانمائة ألف، فيبيعه الحاكم ويشتري له بيتاً بمائتين أو بثلاثمائة ليسكنه، ويقول: هذا بيت الفقراء، أما أن تسكن في هذا البيت الذي بثمانمائة ألف أو بمليون، فهذا بيت أثرياء وأغنياء، وأنت فقير، فيشتري بيتاً بمائتين أو بثلاثمائة ويسكنه فيه، ويقسم البقية الزائدة على الغرماء.
وإذا كانت عنده سيارة قيمتها ثمانون ألفاً يبيعها، وإذا قال: أنا لا أستغني عن السيارة.
فتشتري له سيارة بثلاثين ألفاً أو بعشرين ألفاً ولو مستعملة، ويقال: هذه سيارة الفقراء، لا تشترِ سيارة الأثرياء الأغنياء.
وكذلك أيضاً متاع بيته، إذا كان عنده شيءٌ زائد يبيعه، فإذا كان عنده مثلاً عددٌ من الصحون وعددٌ من القدور، وعددٌ من الكئوس، وعددٌ من الفرش وما أشبهها، فيترك له الشيء الضروري، ويبيع البقية ويقسم ثمنها، ويترك له الشيء الذي هو بحاجة إليه، مثل غسالة أو ماكنة خياطة إذا كان خياطاً، أو ثلاجةً صغيرةٌ مثلاً بقدره أو ما أشبه ذلك؛ حتى يبرئ ذمته، وإذا كان صاحب حرفة تركت له آلة حرفته، فإذا كان خياطاً تركت له آلة الخياطة، وقيل: تكسب وأنفق على نفسك، وأوفِ بقية دينك، وإذا كان مثلاً غسالاً فكذلك، وإذا كان حجاماً تركت له آلة حجامته، وإذا كان مثلاً بناءً تركت له آلة بنائه التي يشتغل ويبني بها، وهكذا بقية الحرف، أما إذا كان مثلاً صاحب ماشية، فيبيع من ماشيته ما يستغني عنه، ويترك له غنيمةً يشرب لبنها، ويبيع من نسلها، إلى أن يوفي دينه، وهكذا.
فالحاصل أن هذا دليل على عظم شأن الدين؛ لأنه حق آدمي؛ ولذلك كان النبي ﷺ يستعيذ منه، فيقول في الدعاء المأثور: (اللهم إني أعوذ بك من الهم والهرم، والجبن والبخل، والكسل والحزن، وسوء الأخلاق، وشماتة الأعداء، وضلع الدين، وقهر الرجال) ضلع الدين يعني: ضرره، وهمه، وأثره.
стр. 913
حرمة مطالبة المعسر أو حبسه
يقول: [ومن لم يقدر على وفاء شيءٍ من دينه أو هو مؤجل تحرم مطالبته، ويحرم حبسه، وكذا ملازمته] .
يمكن أن يقسم الناس بالنسبة للدين إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: من ماله أكثر من دينه.
والقسم الثاني: من ماله أقل من دينه.
والقسم الثالث: من ليس له مال، فليس عنده قدرةٌ على الوفاء.
فإذا كان ماله أكثر من دينه أو بقدر دينه، فلا يحبس ولا يحجر عليه، ولكن يكلف أن يوفي دينه، وإذا كان ماله أقل من دينه حجر عليه بطلب غرمائه، وإذا لم يكن له مال لم يحجر عليه؛ وذلك لأنه معسر، بل يؤمر أن يتكسب، وأن يحترف إلى أن يجمع ما يوفي دينه، ويسد حاجته، والدليل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة:٢٨٠] النظرة هي التأخير، أنظروه يعني: أخروه إلى ميسرة، ولا يحل لكم أن تطالبوه وهو معسر.
стр. 914
التنبه لحيل بعض الناس في ادعاء الإعسار
في هذه الأزمنة يكثر الذين يتحملون الديون، ثم يدعون الإعسار، وإذا ادعوا الإعسار أخذوا يتسولون، وأخذوا يطلبون من الأثرياء، ولا شك أن كثيراً من المتسولين ليسوا صادقين، بل أهل حيل، فلذلك فإن القضاة إذا ادعى أحد الإعسار لا يقبلون منه إلا بعد سجنه، فإذا صبر في السجن مثلاً نصف سنةٍ أو سنةً أو نحوها، عرف بذلك صدقه.
وقبل ذلك لابد أن يبحث عن ملكه، ماذا يملك؟ هل عنده عقار يستغني عنه؟ هل له رصيد أو حساب في أحد المصارف؟ هل له غرماء يطلب منهم مالاً؟ أي: عندهم له أموالٌ وديون، لا بد للقاضي أن يستفصل ويبحث.
وإذا أعطى الإنسان زكاته لمن يعتقده فقيراً، وكان في نفس الأمر غنياً، فإنه يعتبر قد برئت ذمته؛ لأن الغارمين لهم حقٌ في الزكاة، فقد جعلهم الله من جملة أهل الزكاة، فلابد للقضاة أن يتثبتوا وأن يتحققوا.
وكثيرٌ من الناس يستدينون أموالاً كثيرة ثم يسرفون، فتجدهم يبنون مبانٍ فاخرة، ويصرفون عليها مئات الألوف، فالأولى بالقاضي مع من كان من هؤلاء أن يقول: نبيع عمارتك هذه التي تساوي مليوناً أو أكثر، ونشتري لك عمارة بثلاثمائة ألف ونحوها، ونوفي الدين، فأنت قد أسرفت، وأخذت أموال الناس وصرفتها في هذه الزينات، وفي هذه الأنواع التي زخرفت بها هذا البناء، فهذا يعتبر من الإسراف، فلا يقبل منه ولا يقول: اسجنوني حتى تؤدي عني الحكومة أو ما أشبه ذلك، بل على القاضي أن يتثبت، وألا يصدق كل من يدعي، فقد يكون هناك كثيرٌ من المحتالين، وقد ظهر لبعض القضاة حيل كثيرٍ منهم، يأتي مثلاً إلى إنسان ويقول: اشتكني وادع أن في ذمتي لك خمسمائة ألف، وأنا سوف أعترف عند القاضي بأنها ثابتة، وبأنها قيمة السيارات، أو قيمة مواد بناء، أو ما أشبه ذلك، فإذا ثبتت في ذمتي أدعيت بعد ذلك الإعسار، فإذا ادعيت لا يضرني إذا سجنت نصف سنة ثم دفعت الحكومة عني، أو دفع الأثرياء، أو دفع من صندوق البر ثلثاها: أربعمائة أو نحوها، ثم أقتسمها أنا وأنت.
وقد ظهرت حيل كثيرة مثل هذه، فعلى القضاة أن يتثبتوا، فإذا ثبت أن هذا مدين، وأنه ليس عنده شيء يوفي به دينه، قل أم كثر فإنه معذور، ولا يجوز حبسه، ولكن يؤمر بأن يوفي دينه مهما استطاع، وإذا كان الدين مؤجلاً فلا يجوز مطالبته؛ لأن الدين لم يحل، ولا يجوز حبسه، ولا تجوز ملازمته، وإن كان عليه دين مؤجل فلا يجوز لأصحاب المؤجل أن يطالبوا بحقوقهم، ويقولون: أعطونا من ماله الذي تقتسمونه، فإن ديننا ثابت، نقول: دينكم مؤجل، فإن حل قبل أن تقسم الأموال أخذتم قسمكم، وإن قسم قبل الحلول فليس لكم مع هؤلاء شيء.
ومن مات وعليه دين مؤجل لم يحل، ويبقى إلى أن يحل، ولكن لو خاف أصحاب الدين المؤجل من الورثة أن يقتسموا الميراث، ويقولون: ما عندنا لك شيء، فلابد للدائن أن يطالبهم فيقول: إما أن تعطوني ديني ولو كان مؤجلاً، أو تعطوني بعضه وأسقط بعضه -على قول من أجاز ذلك- أو تأتوني بكفيل يكفل حقي، ويضمنه عند حلوله، أو ائتوني برهن أتوثق منه، فإذا وثق دينه برهن محرز بقدر الدين، فإنه يكفي أو يضمنه كفيل.
стр. 915
ظهور الغريم بعد قسمة مال المفلس
يقول: [وإن ظهر غريم بعد القسمة رجع على الغرماء بقسطه] .
لو اقتسموا، وبعدما اقتسموا تبيّن غريمٌ يطالبه بدين سابق، وقال: عنده لي دين، وهذه وثائقي، فإنه يرجع إلى الغرماء بقسطه، فإذا كان قسطه له العشر، فيأخذ من كل واحد منهم عُشر ما دفع إليه.
هذا الفصل الذي يتعلق بالدين والحجر عليه، أما الفصل الذي بعده فهو الحجر على السفهاء.
стр. 916
الحجر على الصغير والمجنون والسفيه
قوله: [يحجر على الصغير والمجنون والسفيه لحظهم] أي: لمصلحتهم؛ وذلك لأنهم لا يحسنون التصرف، فيمنعون من التصرف في الأموال، والدليل قوله تعالى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً﴾ [النساء:٥] ، أي: لا تعطوها لهؤلاء السفهاء، فإنهم يفسدونها؛ لأنهم لا يفكرون ولا يعرفون المصالح، وإذا سلطوا على الأموال أتلفوها، فأنت إذا أعطيت طفلاً عمره خمس سنين خمسمائة ريال مثلاً، فإنه لا يدري قيمتها، وربما يشتري بها حلوى أو لعبةً أو نحو ذلك، يعجب بهذه السلعة، ولا يفكر في قيمتها؛ فلذلك لا يسلطون على الأموال، وكذلك المجنون فاقد العقل؛ لأنه لا يدري ما قيمة هذا المال، وكذلك السفيه ولو كان كبيراً، فهناك من يبلغ عشرين أو ثلاثين سنة وهو سفيه ناقص العقل لا يحسن أن يتصرف، فيقال: هذا سفيه، وإذا سلط على الأموال أتلفها، فيذبح ما يقدر عليه من الشياه مثلاً، ويمزق ما يقدر عليه من الثياب أو يشتري غالياً ويبيع رخيصاً، ولا يبالي بذلك، فمثل هؤلاء يمنعون من التصرف، ولو كانت الأموال أموالهم، فالمصلحة تعود إليهم.
قوله: [ومن دفع إليهم ماله بعقدٍ أو لا رجع بما بقي لا ما تلف] ، فإذا اشتريت منهم مثلاً ثوباً رجع به، وذلك لأنهم لم يؤذن لهم أن يشتروا، فشراؤهم هذا يعتبر سفهاً، ولو باعهم قدراً أو كيساً أو نحو ذلك فليس لهم حسن التصرف، فإذا تلف شيءٌ منه فلا يرجع؛ لأنه سلطهم على ماله، وإن بقي منه شيء فإنه يرجع فيه، فلو باعهم ثوبين فأحرقوا واحداً وبقي واحد، فإنه يرجع بالباقي، أو باعهم مأكولاً ثم أكلوا بعضه وبقي بعضه كفاكهة أو نحوها فإنه يرجع بما بقي، أما ما تلف فإنه يذهب عليه؛ لأنه سلطهم على ماله.
أما الجناية فيضمنونها ولكن تتحملها العاقلة إذا بلغت الثلث ونحوه، ولو كانت صغيرة، فلو قاد سيارةً وصدم بها إنساناً فإن العاقلة تتحمل ذلك، أي: أقاربه، وكذلك لو صدم جداراً أو شجرة فإن عاقلته وأهله يغرمون؛ لأنهم سلطوه على هذه السيارة، أو أخذ سكيناً وطعن بها إنساناً فإنهم يغرمون؛ لأنهم مأمورون بأن يحفظوه ولا يعطوه سلاحاً، فيضمنون الجناية ويضمنون إتلاف مال من لا يدفعه لهم، فلو دخل السفيه أو المجنون بيت أناس ثم أتلف شيئاً: أحرقه أو مزقه أو أراق شيئاً من الأطعمة أو الأدهان فإنه يضمن؛ لأن وليه مكلفٌ بأن يأخذ على يديه ويحفظه حتى لا يدخل بيوت الناس.
стр. 917
الحد الذي ينتهي به الحجر على الصغير والمجنون
يقول: [ومن بلغ رشيداً أو مجنوناً ثم عقل ورشد انفك الحجر عنه بلا حكم، وأعطي ماله، لا قبل ذلك بحال] .
يدفع للصغير ماله بهذين الشرطين: البلوغ والرشد، أو العقل والرشد، فإذا كان مجنوناً ثم عقل ورشد دفع إليه ماله، وإذا كان صغيراً فبلغ ورشد دفع إليه ماله، والدليل قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء:٦] ، فذكر أن لذلك شرطين: الأول: بلوغ سن يقارب سن النكاح.
الثاني: اختبارهم بما يناسبهم، فإذا عقل ورشد أو بلغ ورشد دفع إليه ماله، قال الله: ﴿فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَنْ يَكْبَرُوا﴾ [النساء:٦] ، ولا يحتاج إلى حكم حاكم، بل بمجرد بلوغه ورشده يدفع إليه ماله؛ لأنه أحق به، وأما قبل ذلك فلا، ولو بلغ عشرين أو ثلاثين سنة؛ لأنه لا يزال سفيهاً.
بأي شيء يحصل البلوغ؟ البلوغ في الرجل يحصل بثلاثة أشياء: الأول: بالإمناء، أي: بالإنزال، فإذا احتلم فأنزل، أو أنزل باستمناء أو نحوه فقد بلغ، لقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ [النساء:٦] .
الثاني: تمام خمس عشرة سنة، لحديث ابن عمر يقول: (عرضت على النبي ﷺ وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني، وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة فأجازني) .
الثالث: نبات الشعر الخشن حول الفرج.
فهذه علامات البلوغ في الرجل والمرأة، وقد يوجد في الأطفال شعر رقيق، وليس هو علامة على البلوغ، قال عطية القرظي: (عرضنا على النبي ﷺ يوم بني قريظة، فكان من أنبت قتل، ومن لم ينبت خلي سبيله، فكنت ممن لم ينبت فخلي سبيلي) ، يعني: كانوا يكشفون عن عوراتهم فينظرون، فمن أنبت يقتل، ويشبهونه بالرجال.
والأنثى أيضاً بلوغها بالإنزال، إذا احتلمت فأنزلت، أو بتمام خمس عشرة سنة، وبالشعر الخشن، وتزيد أيضاً بالحيض، فإذا حاضت فهو علامة على البلوغ؛ لقول النبي ﷺ : (لا يقبل الله صلاة حائضٍ إلا بخمار) يعني: صلاة من قد حاضت، وكذلك الحمل دليل على الإنزال، فإذا حملت حكم ببلوغها من حين علوقها بالحمل، وهذا دليل على أنها قد بلغت.
стр. 918
اختبار من بلغ الحلم قبل إعطائه ماله
يقول: [ولا يدفع إليه ماله حتى يختبر بما يليق به، ويؤنس رشده، ومحله قبل البلوغ] .
والدليل قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ [النساء:٦] ابتلوهم، يعني: اختبروهم فيما يليق به، فيختبر ولد التاجر مثلاً فيما يناسبه، فيعطى شيئاً يتجر به فينظر، فإذا عرف رشده، فإنه يدفع إليه ماله، وولد البدوي مثلاً يختبر برعيه الغنم أو الإبل ونحوها، وحفظه لها، وهكذا صاحب الحرث ينظر في سقيه للحرث وما أشبهه، وهكذا كل إنسان يختبر بما يناسبه ويليق به.
وقوله: (ومحله قبل البلوغ) .
أي: الاختبار قرب بلوغه، والرشد في قوله: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً﴾ [النساء:٦] هو الصلاح في المال ولو كان فاسداً في دينه؛ لأن الحجر عليه إنما هو في ماله، ومتى يعرف أنه صالحٌ في ماله، مصلح لماله؟ إذا باع واشترى فلم يغبن غبناً فاحشاً، لا يبيع رخيصاً، ويشتري غالياً، ولا يبذل ماله في حرام، أو في غير فائدة، فلا يشتري آلات الملاهي مثلاً، ولا يشتري شيئاً يلعب به أو نحو ذلك مما يتلف بلا فائدة، بل يحفظ ماله، ولا يبذله في أشياء محرمة، ولا في مخدرات، ولا مسكرات، ولا ملهيات، ومن فعل ذلك فإنه سفيه، ولو كان ماله كثيراً.
стр. 919
ولي المحجور عليه للصغر أو الجنون
يقول: [ووليهم حال الحجر الأب] .
وذلك لأنه أولى، فإذا كان الطفل له مالٌ من أمه مثلاً، فإن أباه هو الولي، وهو وكيله ووصيه، ثم بعد ذلك وصي الأب، فإذا أوصى الوالد أن فلاناً وصيي على أطفالي.
فيكون الوصي وكيل الأب، ثم الحاكم إذا لم يكن هناك وصي، وللحاكم أن ينظر من هو الأقرب والأشفق عليه من أخٍ أو قريبٍ أو نحو ذلك، والولي يتصرف لهم في أموالهم، ولكن لا يتصرف إلا بما فيه الحظ لهم، فلا يبيع إلا إذا رأى مصلحة في البيع، ولا يشتري لهم إلا شيئاً تتحقق فائدته ومصلحته، وهو يعتبر أميناً على هذه الأموال، فيقبل قوله بعد فك الحجر، فيقبل قوله: إنه تلف من المال كذا، أو أنفقت منه كذا، أو بعت منه كذا، أو اضطررت إلى كذا وكذا؛ لأنه مأمور في المنفعة التي بذلها، وفي الضرورة التي ألجأته مثلاً إلى البيع، أو ما أشبه ذلك، فإذا قال: بعت شاته أو بعت بعيره لأنفق عليه، أو رأيت مناسبة لبيعها، ولو لم أبعها لفات الموسم، أو ما أشبه ذلك، قبل قوله، أما في دفع المال إليه فلا يقبل إلا ببينة؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء:٦] فإذا دفع بغير شهود وجحد اليتيم، فإنه يغرم الولي إلا إذا كان متبرعاً بالحفظ، فأما إذا كان يحفظ بأجرة فيغرم ما تلف أو لم يدفعه.
بعد ذلك تكلم على دين العبد، فإذا كان العبد مأذوناً له في ذمة سيده فاستدان فإن دينه يتحمله سيده، وأما إذا لم يأذن له فإنه يتعلق برقبته، فيصير صاحب الدين يطالب ويقول: هذا العبد في رقبته لي كذا وكذا مائة أو ألف.
وكذلك لو استودع عند العبد شيئاً فأتلفه، فإنه يطالب السيد فيقول: إما أن تفديه وإما أن يشاركه فيه.
وكذلك أرش جناية العبد، فإذا جنى على إنسان: شجة أو جرحاً فإن المجني عليه يقول لسيده: إما أن تفديه وتعطيني الأرض، وإلا أكون شريكاً لك، ويكون ديني وأرش الجناية في رقبة هذا العبد، وكذلك قيمة متلفه، إذا أتلف العبد شيئاً تعلق برقبته، والله أعلم.
стр. 920
الأسئلة
стр. 921
حجر الأبناء على أبيهم
السؤال
ما هو ضابط حجر الأبناء على أبيهم؟
الجواب
الأصل أن الأبناء يحترمون آباءهم، لكن لو بلغ الأب سن التخريف، وبلغ حالةً لا يفقه فيها، فإن لهم أن يمنعوا الناس ويقولوا: لا تشتروا منه، ولا تبيعوا عليه، فإنه لا يفهم، وإنه لا يفقه المصلحة، فلهم أن يمنعوه، ولكن يعلن ذلك القاضي، فيكون ذلك بواسطة القاضي حتى لا يتعامل معه أحد إلا على بصيرة.
стр. 922
إذا أقر المحجور عليه بمال لقريبه بقرينة عمل بها
السؤال
لو أقر المحجور عليه بأن هذا المال المعين لأخيه مثلاً، ووجدت قرينة على ذلك، فما الحكم؟
الجواب
إذا وجدت قرينة عمل بها، فيكون هذا المال لمن أقر به، لكن إن كانت حيلة فلا تقبل منه، وكثيرٌ من المحجور عليهم أو المدينين إذا طلب منه القضاء يقول: هذه الشاة لامرأتي، وهذه الإبل لأبي، ليس لي منها شيء.
ويريد بذلك التخلص من هؤلاء الغرماء، فلا يقبل منه إلا ببينة أو بقرائن.
стр. 923
بيع دار الميت المدين لسداد دينه
السؤال
رجل توفي وعليه دين قرابة مليونين، وداره لو بيعت تساوي قرابة مليون ومائتين، وليس فيه سوى الزوجة وأربعة أبناء، فهل للغرماء أن يطالبوا ببيع البيت؟
الجواب
يرفع الأمر إلى القاضي، ولا يباع إلا بأمر القاضي؛ وذلك لأن هذا شيء تعلق بذمة هذا الميت، فلابد أنهم يسعوا في إبراء ذمته ببيع داره، وهل يستطيعون أن يستأجروا؟! فينظر القاضي في أمرهم.
стр. 924
حد العاقلة
السؤال
هل صحيح أن حد العاقلة إلى الجد الخامس؟
الجواب
يعبرون عنهم بأنهم الأفخاذ، يمكن إلى الجد الخامس أو إلى العاشر إذا كانوا متقاربين.
стр. 925
حكم أخذ المدين من الزكاة مع قدرته على سداد بعض دينه كل شهر
السؤال
ما حكم من يأخذ من الزكاة وهو مديون بدين يستطيع أن يسدده كل شهر؟
الجواب
لا يحل له إذا كان يستطيع، إلا إذا شدد عليه أهل الدين، وقالوا: لا نخلي سبيلك إلا أن تعطينا الآن.
ولم يوافقوا على التسديد شهرياً.
стр. 926
طلب المحجور الإمهال ليتجر
السؤال
هل للمحجور عليه أن يطلب ممن حجروا عليه أن يمهلوه أن يتّجر بأمواله حتى يسددهم؟
الجواب
له ذلك إذا كانوا يثقون بأنه إذا اتّجر بها ربح، ثم حصل من أرباحه ما يعطيهم أموالهم كلها، ولو أنهم أخذوا الأموال الموجودة ما حصل لهم إلا نصف ديونهم، وهو ذو حرفة ومعرفة، إذا اتّجر ربح في هذه السنة أو نحوها أرباحاً يحصل منها وفاء ديونهم.
стр. 927
من ادعى على ميت مالاً ومعه أوراق غير موثقة
السؤال
لي جدٌ توفي وترك مالاً وديناً، فوفينا عنه دينه، ثم جعلنا الباقي في بناء مسجد، وبعد أربع سنوات جاء رجلٌ يدعي على جدي بدين، مع علمه في تلك المدة بموت جدي، وجاء بأوراق ليست موثقة، فما العمل في هذه الحال؟
الجواب
لا بد من إثباتها عند القاضي، فيرفع الأمر إلى القاضي، فتدّعون أنه لم يتقدم هذه المدة، وهو يشاهدنا نوفي ديونه، ويعلم أننا صرفنا بقية تركته لمسجد، وهذه الأوراق ليست موثقة، وللقاضي أن ينظر في القرائن.
стр. 928
مراعاة أحوال الناس وتقسيط ما ثبت في الذمة
السؤال
لي دين عند أحد الأثرياء، وذلك أن سائقه صدم سيارتي فقال لي: أخصص لك نصف راتب السائق خلال خمس سنوات، وأعطيك نصف المبلغ، فهل يجوز عمله هذا؟
الجواب
يجوز ذلك إذا رضيت أنت، فلك أن تطالب السائق، ولكن إذا عرفت أن السائق ليس عنده شيء، فلك أن ترضى بنصف مرتبه، ولك أن ترضى بنصف الأرش يقدمه لك تبرعاً منه.
стр. 929
حكم أفلام الكرتون للأطفال
السؤال
انتشرت في هذه الأزمنة المتأخرة أجهزة إلكترونية وهي مشتملة على ألعاب مسلية للأطفال، غير أنها تشتمل على بعض الصور ولذوات الأرواح، ومنها أفلام كرتون، وقد تسامح فيها كثيرٌ من الأخيار من أجل حفظ أولادهم، ولأجل مصالح أخرى، فهل هذا جائز؟
الجواب
لا شك أنها داخلة في اسم الصور، ولكن حيث إنها ليست ثابتة، ويمكن مسحها مثلاً والتسجيل عليها، فيخف أمر الصور فيها، لاسيما وأنها تختص بالأطفال الذين دون سن التمييز أو نحوهم، وتحفظهم من العبث الذي لا بد لهم منه، فلعله يتسامح فيها، ولكن لا يتوسع فيها توسعاً بحيث تبذل فيها أموالٌ طائلة، أو تشغل عما هو أهم منها.
стр. 930
رجوع العوام إلى العلماء المعتبرين في المسائل المختلف فيها
السؤال
يحدث بيننا خلاف وجدل بسبب اختلافات الفقهاء والعلماء في بعض المسائل الفقهية، فما هو دور العامي مثلنا حيال ذلك؟
الجواب
لا شك أنه يوجد خلاف كثير بين العلماء، ولكن الواجب على العامة أن يأخذوا بأقوال العلماء المعتبرين فيرجعون إلى العلماء المعتبرين في زمانهم، وإذا نقل لهم عن علماء السلف الذين هم محل قدوة فيقتدون بهم.
стр. 931
استئذان الوكيل لموكله في شراء سيارة لمصلحته
السؤال
شخصٌ وكله آخر باستثمار ماله، وسمح له بسد حاجته منه إن أراد، ويرغب الوكيل بشراء سيارة بقيمة سبعين ألفاً للوكيل، بحيث يسجلها لصالح الموكل بقيمة ثمانين ألفاً، فهل يجوز ذلك؟
الجواب
لا بد من أخذ إذن الموكل؛ لأن هذه قيمة رفيعة، فإذا كانت السيارة لمصلحة الموكل؛ للاتجار في ماله، ولمتابعة الغرماء، ومتابعة التجارة، ومتابعة الإيراد والتصدير، وما أشبه ذلك، وسمح بذلك الموكل؛ جاز ذلك.
стр. 932
حكم صرف الحوالة قبل قبضها
السؤال
جاءتني حوالة من أحد الإخوة، واستلمتها بالعملة التي توجد في البلد، فهل أدفع المبلغ بالعملة التي حولها هو أم بالعملة التي استلمتها في بلدي؟
الجواب
يجوز ذلك ويكون صرفاً لعين وذمة، كأنه يقول: عندكم لنا مثلاً مائة دولار، أريد صرفها بقيمة اليوم بريال سعودي مثلاً يجوز ذلك؛ لحديث ابن عمر: (كنا نبيع الإبل بالبقيع، فنبيع بالدراهم فنأخذ الدنانير وبالعكس، فقال ﷺ : لا بأس ما لم تفترقا وبينكما شيء) ، فتستلم منهم العوض في الحال.
стр. 933
تأثير الرضاع إنما يكون لمن رضع دون إخوته
السؤال
أمي أرضعت ابن أختي الكبير، ومعروف شرعاً أنه أخو خاله من الرضاع، لكن إخوته الذين هم أصغر منه، ولم يرضعوا من أمي التي هي جدتهم، هل يجوز أن أزوجهم من بناتي أم لا، أفتونا مأجورين؟
الجواب
يجوز ذلك، والذي لا تزوجه هو الذي رضع من أمك، وأما إخوته فلا يتأثرون برضاع أخيهم.
стр. 934
حكم الطار
السؤال
ابن خالي سوف يتزوج بعد أيام، وعلمنا بأنه سوف يأتي بفرقة من النساء تزعم أنها تستخدم الطار فقط، وهذه الفرقة سوف تحيي ساعات طويلة من الفرح وغير ذلك، وهذه الفرقة اشترطت أن تأخذ سبعة آلاف ريال، وأنا رفضت طلب والدتي، فهل هذا جائز؟
الجواب
لا يجوز لك تمكين هؤلاء الذين يلعبون هذا اللعب المشتبه والمحرم بما يسمى بالطار أو ما أشبهه، ولا بأس باستعمال الدف على ما ورد في حديث: (أعلنوا النكاح، واضربوا عليه بالدف) ، وشيء من النشيد المباح، وأما هذه الأجهزة الكثيرة وما أشبهها من الأمور الملهية، مع السهر الطويل؛ فلا تجوز.
أحسن الله إليكم، وأثابكم، ونفعنا بعلمكم، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 935
شرح أخصر المختصرات [٣٨]
قد لا يستطيع الإنسان قضاء حوائجه كلها بنفسه، فأجازت له الشريعة أن يوكل غيره في البيع أو الشراء أو الخصام، أو في قبض ديونه ونحو ذلك، فيقوم الوكيل مقام موكله فيما وكله فيه، وللوكالة أحكام بينها الفقهاء.
стр. 936
الوكالة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فصل: وتصح الوكالة بكل قول يدل على إذن، وقبولها بكل قول أو فعل دالٍ عليه، وشرط كونهما جائزي التصرف، ومن له تصرف في شيء فله توكل وتوكيل فيه، وتصح في كل حق آدمي، لا ظهار ولعان وأيمان، وفي كل حق لله تدخله النيابة، وهي وشركة ومضاربة ومساقاة ومزارعة ووديعة وجعالة، عقود جائزة لكل فسخها، ولا يصح بلا إذن بيع وكيل لنفسه، ولا شراؤه منها لموكله، وولده ووالده ومكاتبه كنفسه، وإن باع بدون ثمن مثلٍ أو اشترى بأكثر منه صح، وضمن زيادة أو نقصاً، ووكيل مبيع يسلمه ولا يقبض ثمنه إلا بقرينة، ويسلم وكيل الشراء الثمن، ووكيل خصومة لا يقبض، وقبض يخاصم، والوكيل أمينٌ لا يضمن إلا بتعدٍ أو تفريط، ويقبل قوله في نفيهما وهلاك بيمينه كدعوى متبرع رد العين أو ثمنها لموكل، لا لورثته إلا ببينة.
فصل: والشركة خمسة أضرب: شركة عنان: وهي أن يحضر كل واحد من عدد جائز التصرف من ماله نقداً معلوماً؛ ليعمل فيه كلٌ على أن له من الربح جزءاً مشاعاً معلوماً.
الثاني: المضاربة: وهي دفع مال معين معلوم لمن يتجر فيه بجزء معلوم مشاعٍ من ربحه، وإن ضارب لآخر فأضر الأول حرم، ورد حصته في الشركة، وإن تلف رأس المال أو بعضه بعد تصرف أو خسر جبر من ربح قبل قسمة] .
الفصل الأول: يتعلق بالوكالة.
والفصل الثاني: يتعلق بالشركة.
стр. 937
تعريف الوكالة وحكمة مشروعيتها
الوكالة: مشتقة من وكلت الشيء إلى فلانٍ يعني: فوضته إليه، ويعرفونها اصطلاحاً: استنابة جائز التصرف مثله فيما تدخله النيابة.
فقولهم: (استنابة) يعني: إقامة آخر مقامه، وصريحها أن يقول: وكلتك، أو أنبتك، أو فوضت إليك، أو قم مقامي في كذا.
وسبب شرعيتها أن الإنسان قد لا يقدر على قضاء حوائجه كلها بنفسه، فجاز له أن يوكل غيره، فيوكله ليبيع سلعته، ويوكله ليشتري له سلعةً، ويوكله ليخاصم في دين له أو حق، ويوكل لقبض ديونه أو جمعها، فيقوم الوكيل مقامه فيما وكله فيه.
وقد كان النبي ﷺ يوكل بعض أصحابه لقبض الزكوات وهم العمال، وكذلك ورد أنه قال: (ائت وكيلي بخيبر ليعطيك وسقاً من التمر، فإن طلب منك آية فضع يدك على ترقوته) ، فلم يكن هناك وثائق ولا أختام، فكأنه قال: من جاءك يطلب من التمر زاعماً أني أرسلته، فلا تعطه حتى يضع يده على ترقوتك، وهو العظم الذي بين النحر والكتف، فهذا دليل على أنه كان يوكل أصحابه لجمع الزكوات، ويفرقونها بإذنه.
وكذلك روي (أنه وكل عروة البارقي أن يشتري له شاةً بدينار، فاشترى له شاتين بدينار، وباع إحداهما بدينار، وجاءه بشاة ودينار، فدعا له بالبركة، فكان لو اشترى التراب لربح فيه) ، وفي حديث زيد بن خالد وأبي هريرة في قصة العسيف أنه قال: (اغد -يا أنيس - إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها) ، فوكله في إثبات هذا الحد، ووكله في إقامته، وهذا يدل على أن هذا كله جائز.
ومن المعلوم أن هذه المملكة تحت ولاية الملك، وهو لا يستطيع أن يباشر كل الأعمال بيده، فوكلاؤه يعتبرون نوابه، فالوزراء وكلاء، وقد وكلوا في كل دائرة من يقوم بها، فهذا موكل في هذا النوع من المعاملات، وهذا موكل بالصرف لكذا وكذا، وهذا موكل بالقبض من كذا وكذا، وهؤلاء القضاة موكلون في إثبات الخصومات، وكذلك المنفذون موكَلون بتنفيذ الحدود، وبتنفيذ الأحكام القضائية وأشباه ذلك، هذا من حيث العموم.
أما من حيث الخصوص، فإن كلاً منا قد يكون محتاجاً إلى الوكالة، فأنت مثلاً تحتاج إلى شراء وأنت منشغل، فتوكل من يشتري لك ثوباً أو كيساً أو نحو ذلك، أو توكل من يبيع شاتك أو يبيع دارك، أو ما أشبه ذلك، ويقوم هذا الوكيل مقام الموكل، ولا شك أن هذا ونحوه دليل مشروعية الوكالة، وأن الناس بحاجة إليها، لا يستغنون عن أن يوكل أحدهم صاحبه في قضاء حاجته.
وقد عرفنا أن الوكالة: استنابة جائز التصرف مثله فيما تدخله النيابة.
стр. 938
ما تنعقد به الوكالة من الألفاظ
شروط الوكالة: أولاً: هل يشترط لها صيغة؟ يقول: (تصح الوكالة بكل قول يدل على الإذن) فإذا قال: وكلتك، فوضت إليك، أنبتك، أنت نائب عني، أنت تقوم مقامي، اذهب فبع هذه السلعة، اذهب فاشتر لنا كيساً؛ هذه كلها صيغ تدل على الإذن.
وهل يشترط للقبول عبارة؟ لا يشترط، فلو قال: إن شاء الله، أو سأفعل، أو حباً وكرامة، أو أهلاً وسهلاً، أو قبلت منك هذا التوكيل، جاز ذلك كله، فلا حاجة إلى أن يحدد كلمة خاصة يقول فيها: قبلت، أو ما أشبه ذلك، فيصح قبولها بكل قول أو فعل يدل على القبول، لو قلت له: بع هذا الكيس، فسكت، ولكنه حمله على سيارته ودخل به السوق وباعه؛ صح.
وإذا قلت له: اذهب فاقبض ديني من زيد، فسكت، وذهب وقال لزيد: أنا وكيل في قبض الدين الذي عندك، صح ذلك، ويكون هذا دالاً على القبول.
قوله: (شرط كونهما جائزي التصرف) .
الذي لا يجوز تصرفه مثل المملوك، فليس له التصرف في نفسه ولا في غيره، لكن يجوز لسيده أن يوكله، وكذلك السفيه لا يستحق تصرفه في ماله كما تقدم، فلا يصح توكيله، ولا يصلح توكله، وكذلك الصغير، وكذلك المجنون، فكونهما جائزي التصرف يخرج هؤلاء الأربعة: المملوك، والصغير، والمجنون، والسفيه، فإن هؤلاء لا يصح لأحدهم أن يوكل، ولا يصلح أن يكون وكيلاً، فلا يتوكل ولا يوكل؛ لأنهم لا تصرف لهم في أموالهم، فكذا في غير أموالهم.
واصطلح الفقهاء على أن المالك يسمى موكلاً، وأما النائب فيسمى وكيلاً، ولا يقال (موكَّل) ؛ لأنها قد تشتبه في الكتابة (موكَّل وموكِّل) ، فإذا رأيت كلمة (م وك ل) فاقرأها موكِّل ولا تقرأها موكَّل؛ لأن الموكَّل عبروا عنه بالوكيل، وهو الذي ورد في القرآن: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً﴾ [النساء:٨١] ، فالوكيل: هو النائب عن غيره.
стр. 939
ما يصح التوكيل فيه
يصح التوكيل في كل شيء يصح التصرف فيه، يقول المؤلف: (من له التصرف في شيء فله توكُّل وتوكيلٌ فيه) ، كل شيء يصح تصرفه فيه فإنه يصح أن يكون وكيلاً أو يكون موكِّلاً، فمعلوم أن الإنسان يتصرف في ماله: فيبيع منه، ويهب، ويشتري، ويتصدق، ويسدد، وإذا كان كذلك فله أن يوكِّل، فيقول: وكلتك يا زيد! أن تكتب وثيقة بيتي الفلاني عند القاضي، وكلتك أن تبيع هذه الأرض التي هي ملكي، أو هذه السلعة، وكلتك أن تتصدق من مالي بألف ريال، وكلتك أن تعطي فلاناً أو تهدي إلى فلان شاة، فأنت تتصرف في مالك فلك أن توكل فيه.
ويدخل في ذلك العقود، فيصح للزوج أن يوكل، وكذلك الولي، فإذا كان الزوج بعيداً أرسل لك وكالة وقال: أنت وكيلي في تزوج بنت فلان، فتحضر أنت، فيقول ولي البنت: زوجت موكِّلك فلاناً ابنتي، فتقول: قبلتها لموكلي فلان، يصح ذلك، وهكذا أيضاً الولي يوكلك مثلاً فتقول للزوج: زوجتك بنت موكلي فلانة بنت فلان، فيقول: قبلتها.
وقد يوكلان معاً، يوكل الزوج ويوكل الولي، فيقول وكيل الزوج لوكيل الولي: زوجت موكلك فلاناً فلانة بنت موكلي فلان، فيقول وكيل الزوج: قبلت زواج فلانة لموكلي فلان.
ويصح أيضاً في الطلاق، فيوكلك في طلاق امرأته فتقول: اشهد يا فلان ويا فلان أني طلقت فلانة بوكالة زوجها لي، حيث وكلني على طلاقها، وهكذا المخاصمات، والناس الآن يوكلون من يسمى المحامي، فهذا المحامي وكيل عن فلان، فيأخذ ما عند موكله من الحجج ثم يحتج عند القاضي ويقول: حجتي التي أحتج بها لموكلي كذا وكذا، وموكلي عنده من البينات كذا وكذا، فهذا وكيلٌ أيضاً في الخصومة.
فالحاصل أن الوكالة تصح في كل شيء يملك التصرف فيه، وتصح في كل حقوق الآدميين من الأموال والعقود والفسوخ، فيوكل في البيع، ويوكل في الشراء، ويوكل في القبض، ويوكل في الخصومات، وما أشبه ذلك.
стр. 940
ما لا يصح التوكيل فيه
استثنوا ما لا يصح التوكيل فيه فقال المؤلف: (لا ظهار ولعان وأيمان) ، فهذه لا يصح التوكيل فيها، فلا يصح أن يقول: وكلت من يظاهر من امرأتي، تقول: يا فلانة! أنتِ على فلان كظهر أمه، وذلك لأن الظهار حرام قال الله تعالى ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ اللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنْ الْقَوْلِ وَزُوراً﴾ [المجادلة:٢] وما كان منكراً وزوراً فلا تتوكل فيه، وإذا وكلك وقال: اذهب إلى امرأتي وقل: إن فلاناً يقول: أنتِ علي كظهر أمي، تقول: لا أقول هذا، ولا أفعله؛ لأن الله سماه منكراً وزوراً، فلا أتوكل في منكر، ولا أتوكل في زور.
وكذلك اللعان، لا يصح التوكيل فيه، لأنه يقترن به شهادات وأيمان ودعاء، واللعان ذكره الله تعالى في القرآن، ونسبه إلى الزوجين فقال: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنْ الصَّادِقِينَ * وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنْ الْكَاذِبِينَ﴾ [النور:٦-٧] فلا يصح التوكيل فيه، لا يقول: يا فلان! اذهب فاشهد عني، والعن نفسك عني؛ لأن الزوج يقول: أشهد بالله أن امرأتي هذه زانية، وإني لمن الصادقين، أربع مرات، وكذلك المرأة تقول: أشهد بالله إنه لمن الكاذبين، ثم تقول: غضب الله عليها إن كان من الصادقين، فلا يجوز أن يكون موكلاً في اللعن ولا في الغضب؛ لأن هذا دعاء على النفس، ولا يقول مثلاً: لعنة الله على فلان إن كان من الكاذبين، فهذا شيء يتعلق بما في الضمير، فلا يجوز التوكل فيه.
وكذلك الأيمان لا يجوز التوكل فيها، فلا يقول إذا توجهت إليه يمين في خصومة: يا فلان! وكلتك أن تحلف عني؛ لأن الحلف فيه استحضار عظمة المحلوف به، فالذي يحلف بالله أو بصفة من صفات الله يستحضر عظمة الله، فيحمله هذا الاستحضار على أن يعترف بالحق، وألا يتجرأ على الحلف كاذباً، ويستحضر أنه إذا حلف كاذباً فإن عليه عقوبة شديدة، كما قال ﷺ : (من اقتطع مال امرئ مسلم بيمين صبر هو فيها كاذبٌ لقي الله وهو عليه غضبان) .
стр. 941
حكم التوكيل في العبادات
فالحاصل أن اليمين لا تدخلها النيابة، ولا يحلف أحد عن أحد.
يقول: (وفي كل حق لله تدخله النيابة) أي: من العبادات ما تدخله النيابة، فيجوز التوكيل فيه، فتوكله أن يفرق كفارة النذر أو كفارة اليمين، وتقول: يا فلان! عليّ كفارة يمين إطعام عشرة مساكين، فخذ هذه الدراهم لتشتري طعاماً وتطعمهم، فيجوز هذا، وكذلك مثلاً تعطيه زكاة مالك ليفرقها، فتقول: وكلتك أن تفرق هذه الزكاة على المساكين الذين تعرفهم، وتعرف استحقاقهم، فهذه من العبادات المالية التي يصح التوكيل فيها.
ومن العبادات التي يصح التوكيل فيها الحج والعمرة خاصة، فقد وردت الإنابة فيهما، فيجوز أن يوكل العاجز ويقول: يا فلان خذ هذه النفقة وحج عني أو حج عن أبي الميت، أو وكلتك أن تحج عني أو عن أبي، أو تعتمر وتجعل عمرتك عن أبي أو عن أخي، وتعطيه نفقته.
فهذه العبادات يصح التوكيل فيها، وأما بقية العبادات فلا يصح أن يوكل فيها.
ذكر لي بعض الإخوان الغيورين أنه مر على بعض الشباب المتهاونين فقال لهم: اذهبوا إلى المسجد وأدوا الصلاة مع الجماعة، فقالوا: أنت بالنيابة، يعني: كأنهم يقولون: صل عنا، وهذا من الاستهزاء، ولا شك أن الصلاة عبادة بدنية لا يصح التوكيل فيها، ولا يصح أن يصلي أحد عن أحد؛ لأنها عبادة تتعلق بالبدن، ولا تسقط عن الإنسان إلا إذا أداها بنفسه.
وكذلك الصيام عبادة بدنية، وقد رأيت إنساناً كبيراً لعله مسافر، شرب من الماء والناس ينظرون، فأنكر عليه بعضهم وقال: هذا ما صام! فقال: أنت تصوم عني، ويظهر أنه أراد بذلك الاعتذار، ولو قال: إنني مسافر كان أقرب إلى عذره، مع أن المسافر إذا كان في البلد لا يحل له أن يُظهر الأكل أمام الناس، فعليه أن يمسك ولا يأكل ولا يشرب إلا في خفية؛ لأن الناس يستنكرون أكله أو شربه في رمضان علناً، وعلى كل حال فالعبادات البدنية لا يجوز التوكل فيها.
стр. 942
الوكالة عقد جائز ومثلها الشركة والمساقاة والمزارعة
وحكم الوكالة أنها عقد جائز، فيجوز للوكيل أن يخلع وكالته، ويقول: وكلني فلان على بيع سلعته، واشهدوا أني لا أريد هذه الوكالة، وكلني على قبض دينه مثلاً أو على قبض مكافأة، واشهدوا أني لا أقبضها، فليوكل غيري، فيجوز للوكيل أن يعزل نفسه متى أراد، وكذلك الموكل يجوز أن يعزل وكيله.
وقد تكون الوكالة محددة، ففي بعض الأعمال قد يقول الموكل: يا فلان! أنت وكيلٌ على سقي هذه الأغنام أو سقي هذه الأشجار حتى يأتي زيد من سفره، فإذا جاء بطل توكيلك، أو أنت وكيلٌ على أولادي تنفق عليهم من أموالهم إلى أن يبلغ الكبير منهم الحلم ويكون رشيداً فتنفسخ وكالتك، فهذه تكون وكالةٌ مؤقتة، فإذا قدم زيد انفسخت وصار هو الوكيل، أو إذا بلغ فلان ورشد فهو الوكيل وتنفسخ وكالته، وقد يوكل الموصي أخاه ويقول: حتى يبلغ ابني ويرشد.
فالوكالة عقد جائز، فيصح للوكيل أن يخلع نفسه، ويصح أن يخلعه الموكل، ثم لو تصرف قبل أن يبلغه الخلع فإن تصرفه نافذ، فلو وكله ليطلق امرأته، ولما وكله ذهب الوكيل إلى المحكمة وقال: هذه وكالة لي من فلان بطلاق امرأته.
ولكن ندم الموكل فقال: اشهدوا أني خلعته عن هذه الوكالة، ولم يعلم الوكيل بالخلع حتى ذهب إلى القاضي، وأصدر القاضي صكاً بالطلاق قبل أن يبلغه الخبر بأنه مخلوع، ففي هذه الحال لا شك أنه ينفذ الطلاق؛ لأنه ما بلغه خبر العزل إلا بعدما كتب الطلاق.
وهكذا يقال في البيع، لو قال مثلاً: وكلتك في بيع بيتي مثلاً بخمسمائة.
ثم ندم وقال: من لقي فلاناً فليخبره أني قد عزلته، ولم يلقه أحد ألا بعد البيع وقبض الثمن وكتابة الوثيقة، فإنه ينفذ البيع؛ لأنه تصرف وهو مفوض وموكل.
وشركة العنان وشركة المضاربة كلاهما عقد جائز، يعني: يتمكن أحد الشريكين أن يحل الشركة وأن يطلب القسمة، وكذلك المساقاة والمزارعة، والمساقاة هي أن يقول: اسق هذا النخل سنة بنصف الثمر أو بربعه.
فيصح أن يبطل العقد قبل أن يثمر النخل، ويعطيه أجرة مثله.
والمزارعة أن يقول: ازرع هذه الأرض ولك نصف الزرع، فيصح أن يخلعه ثم يعطيه أجرة ما أنفقه، وكذلك الوديعة؛ إذا أودع عندك إنسان مثلاً ألف ريال فإنه يصح أن يأخذها بعد ساعة أو بعد يوم.
وكذلك الجعالة، فإذا قال: من بنى هذا الجدار فله مائةٌ، فله أن يقول: رجعت عن ذلك؛ وذلك لأنه لم يتفق مع واحد، وهذه كلها عقود جائزة، ولكل واحد فسخها.
стр. 943
لا يصح للوكيل أن يبيع على نفسه أو أقاربه أو يشتري لهم
قال المصنف ﵀: (ولا يصح بلا إذن بيع وكيل لنفسه، ولا شراؤه منها لموكله، وولده ووالده ومكاتبه كنفسه) صورة ذلك إذا قال: وكلتك أن تبيع هذه الدار أو هذه السيارة أو هذا الكيس أو هذه الشاة.
ومعنى ذلك: أنك تدخل بها السوق، وتنظر من يشتري هذه الشاة أو هذا البعير أو هذا الكيس، فهل تقول: أنا أولى به وسأشتريه لنفسي؟ لا يجوز؛ لأنك متهم بالتساهل، فقد يقال: اشتراه لنفسه برخص، ولو أنه دخل به السوق أو صبر عليه لباعه بأكثر.
وهكذا إذا بعته على ولدك أو على والدك أو على مكاتبك؛ لأن المكاتب الذي اشترى نفسه من سيده بثمن مؤجل، لا يزال عبداً ما بقي عليه درهم، فلا يصح للوكيل أن يشتري الشاة لنفسه، بل يبيعها لغيره، وإذا وكلك أن تبيع هذه السيارة فلا تبعها على نفسك أو ما أشبه ذلك مخافة التهمة.
وهكذا الشراء لا يجوز أيضاً، فإذا قال: وكلتك أن تشتري لي كيس بر أو أرز فلا تقل: عندي أكياس وسأشتري له من نفسي إلا إذا كان هناك دلالة تدل على الإذن أو قرينة بأن قال مثلاً: بعني من نفسك أو بصفتك تاجراً فبعني كيساً أو ثوباً أو شاة من غنمك.
فمثل هذا يعتبر قرينة، فأما إذا سكت وقال: اشتر لي كيس تمر أو سيارة صفتها كذا وكذا، أو اشتر لي ثوباً أو شاةً، فلا تشتر ذلك من نفسك ولا من أبيك ولا من أبنك ولا من مكاتبك؛ لأنك قد تزيد في الثمن، فقد يكون الكيس مثلاً بمائة، فتحسبه عليه بمائة وخمسة، أو نحو ذلك، فيدخله الشك.
فالحاصل أن الوكيل لا يشتري من نفسه، ولا يبيع على نفسه، وولده مثله، وأبوه مثله، ومكاتبه مثله.
يقول هنا: (وإن باع بدون ثمن مثلٍ أو اشترى بأكثر منه صح وضمن زيادةً أو نقصاً) صورة ذلك: إذا قال مثلاً: بع هذه الشاة في السوق، فتساهلت وبعتها مثلاً بمائتين، ومثلها يساوي مائتين وخمسين لو صبرت، لكنك بعتها في أدنى السوق، أو بعتها لأول من سامها، فالبيع صحيح، ولكن تضمن النقص؛ لأنها تساوي مائتين وخمسين وأنت بعتها بمائتين.
وكذلك إذا وكلك أن تشتري له شاة، والغنم التي تماثلها تساوي مائتين، ولكنك اشتريت من أدناهم وبدون مراجعة بمائتين وخمسين، فهذا دليل على أنك تريد الحظ لذلك البائع، أو أنك متساهل، فعليك أن تدفع هذه الزيادة، فيقول لك: الناس يشترون بمائتين، فأنا لا أدفع إلا مائتين، والخمسون الزائدة تكون عليك؛ لأنك تساهلت.
وهذا يفيد أن الوكيل عليه أن يجتهد في النصح لموكله سواءً كان بأجرة أو بدون أجرة، ومعلوم أنه إذا قال لك: بع الشاة ولك اثنين في المائة من ثمنها، فإنك سوف تحرص على أن تزيد في الثمن حتى تبيعها بأربعمائة مثلاً، فتكون أجرتك ثمانية مثلاً، وإذا بعتها بثلاثمائة مثلاً فلا يحصل لك إلا ستة.
وهكذا إذا قال: وكلتك أن تشتري لي شاة، ولك أجرةٌ عشرة ريال أو نحو ذلك، فإنك مأمور أن تنصح له، وأن تجتهد في شراء الرخيص، وألا تشتري بثمن مرتفع حتى لا تضره؛ لأنك وكيل وأمين.
فالحاصل أن الوكيل إذا تساهل واشترى غالياً صح الشراء وضمن الزيادة، وإن تساهل وباع رخيصاً صح البيع وضمن النقص.
стр. 944
حكم القبض للثمن من الوكيل
قال المصنف ﵀: (وكيل بيع يسلمه، ولا يقبض ثمن إلا بقرينة) إذا قال مثلاً: وكلتك أن تبيع هذه الدار، أو هذه الأرض فأنت وكيل على البيع، تسلم وثائق الأرض، ومفاتيح الدار، وأما الثمن فقد لا يأمنك عليه، فلا تقبض الثمن إلا إذا كانت هناك قرينة، إذا قال مثلاً: بع هذه الغنم في هذا السوق.
فإنه يأتيك أعرابي ويأتيك حضريٌ ويأتيك جاهلٌ ويأتيك عارف، وتبيع على هذا شاةً وعلى هذا شاتين، فليس لك أن تترك الثمن في هذا الحال، بل تقبض الثمن؛ لأنك لو لم تقبضه لذهب عليه؛ لأنه لا يعرف هؤلاء الذين يشترون، فهذه قرينة تدل على أن الوكيل يقبض الثمن.
فالحاصل أن الوكيل يكون على تسليم المبيع لا على قبض الثمن، وبالأخص إذا كان المشتري معروفاً، إذا قال: وكلتك أن تبيع هذه الشاة على زيد أو تبيع هذا البعير على عمرو أو تبيع هذا البيت على خالد فلا تقبض الثمن، وإنما تسلم المبيع، وأما إذا قال: بعه في السوق فإنك تقبض الثمن.
أما الوكيل في الشراء فإنه يسلم الثمن؛ وذلك لأنه لا يوكلك أحد لتشتري له إلا بثمن، إلا إذا كان الشراء من إنسان يعرفه، فتذهب إلى التاجر وتقول: إن فلاناً وكلني أن أشتري له منك خمسة أكياس أو خمسة أثواب، ولم يعطني الثمن.
فيقول: أهلاً وسهلاً، فلان معروف عندي، فلا حاجة إلى تسليم الثمن مقدماً، فيعطيك السلع كالثياب ونحوها، ولك أن تقول: الثمن يدفعه إليك موكلي.
أما إذا أعطاك الثمن وقال: خذ هذه المائة لتشتري لي بها كيساً أو ثياباً، فإنك تسلم الثمن، وتقبض السلع التي اشتريت.
стр. 945
وكيل الخصومة لا يقبض
قال المصنف ﵀: (ووكيل الخصومة لا يقبض، وقبض يخاصِم) : الوكيل في الخصومة مثل أن تقول للمحامي: وكلتك أن تخلص ديني الذي هو عشرة آلاف، فهذا توكيل على الخصومة، فيخاصم إلى أن يثبت الحق، فأما قبض الدين فلا يقبضه إلا إذا وكل على ذلك، كما إذا قال له: بعد أن تخاصم ويثبت الحق فأنت وكيل على القبض.
والمحامي يأتي بالبينات وبالوثائق وبالقرائن إلى القاضي، فإذا ثبت الحق واعترف به الخصم ولم يكن له عذر، فلا يقبض المحامي منه شيئاً، بل صاحبه هو الذي يقبضه؛ لأنه قد لا يأمن عليه أحداً، فوكيل الخصومة يخاصم ولا يقبض.
وأما وكيل القبض فله أن يخاصم، إذا قال مثلاً: وكلتك أن تقبض ديني من زيد، فجئت إلى زيد وقلت: أنا وكيل من فلان.
فامتنع أن يسلم لك، فإنك تخاصمه، وترفع أمره إلى القاضي، وتطلب منه أن يحكم عليه، وتقول: إن فلاناً أعطاني وكالةً أن أقبض دينه من هذا الرجل، وهذا الرجل امتنع أن يعطيني، فاحكم عليه، ففي هذا الحال يخاصم ويقبض.
стр. 946
الوكيل أمين لا يضمن إلا بتعد أو تفريط
قال المصنف ﵀: يقول: (والوكيل أمين لا يضمن إلا بتعد أو تفريط) : الوكيل مأمون على المال الذي دفع إليه، فلو أعطيته مائةً يشتري لك بها، ثم سرقت منه أو تلفت فلا يضمن؛ لأنه أمين، وكذلك لو وكلته أن يبيع شاة، فقبض الثمن ثم سرق منه، فإنه لا يضمن إلا إذا تعدى أو فرط، والتعدي مثل أن يلبس الثوب فيتخرق فإنه يضمن، والتفريط مثل أن يهمل الشاة التي وكل أن يبيعها أو يحفظها فسرقت فإنه يضمن، هذا التعدي والتفريط.
قوله: (ويقبل قوله في نفيهما وهلاك مع يمينه) فيحلف أنه ما فرط أو ما تعدى، ويقبل قوله مع يمينه في الهلاك، إذا قال مثلاً: احترق الثوب ماتت الشاة هلك البعير، خربت السيارة.
قال المصنف ﵀: (كدعوى متبرع رد العين أو ثمنها لموكل لا لورثته إلا ببينة) : المتبرع هو الذي تبرع بحفظ هذه الشاة، فادعى أنه ردها إلى صاحبها فإنه أو رد ثمنها إلى صاحبها، يقبل قوله بيمينه، أما إذا ادعى أنه ردها إلى الورثة فلا يقبل إلا ببينة، فإذا قال: أعطيتك ثمن الشاة الذي وكلتني فيه.
فأنكر صاحب الشاة، حلف الوكيل أنه أعطاه وسلم، وأما إذا قال: أعطيتكم يا ورثة! ثمن الشاة التي وكلني بها أبوكم.
فلا يقبل إلا ببينة.
стр. 947
الشركة
الشركة مشتقة من الاشتراك الذي هو الاجتماع، ويعرفونها بأنها: اجتماع في استحقاق أو تصرف، هذا تعريف الشركة من حيث العموم، وذكر أنها خمسة أضرب.
стр. 948
شركة العنان
سميت شركة العنان لتساويهما من حيث التصرف ومن حيث رأس المال، مثل المتسابقين على فرسين، فعادة المتسابقين على الخيل أن يمسك كل واحد منهما بعنان فرسه، فإذا تساويا تساوت أعنتهما، فسميت شركة العنان لذلك، وهي أن يحضر كل واحد جائز التصرف من ماله نقداً معلوماً يعمل فيه كل واحد منهم على أن له من الربح جزءاً مشاعاً معلوماً، فهذه شركة العنان.
وهي تصح بين اثنين وبين ثلاثة وبين أربعة إلى عشرة إلى مائة أو أكثر أو أقل، وإذا كانوا كلهم يشتغلون في الشركة فيكون الربح بينهم على قدر النسبة التي يعملونها، وإذا كان العامل واحداً أو العامل غيرهما فالربح على ما يشترط، فلو دفع هذا مائة ألف، وهذا خمسين ألفاً، ولكن صاحب الخمسين يعمل في هذه التجارة عشر ساعات، وصاحب المائة يعمل خمس ساعات، واتفقوا على أن الربح بينهما نصفان، مع أن رأس مال أحدهما أكثر؛ جاز ذلك، ويكون الربح بينهما نصفين، وهذه الشركة كما هو مشاهد: شركة في تجارة، فيجمعون رأس المال ثم يشترون السلع الصغيرة أو الكبيرة ثم يبيعون ويربحون، وهذه السلع قد تكون صغيرة مثل الكئوس والخردوات والإبر والسكاكين والملاعق وما أشبهها، أو كبيرة مثل السيارات أو الماكينات أو الثلاجات أو ما أشبه ذلك، يبيعون مثل هذا، ويشتركون في الربح على ما شرطاه، فهذه الشركة صحيحة.
كذلك شركة المزارعة: إذا دفع هذا مائة ألف وهذا مائة، وهذا مائة، وأحيوا أرضاً أو اشتروها واشتروا ماكنات، واشتروا مضخات ورشاشات وحصادات وأدوات، ففي هذه الحال إذا زرعوا فإن الزرع يكون بينهم على قدر ما يشترطونه.
كذلك أيضاً الشركة المعمارية، إذا اشتركوا على أن يشتروا أدوات العمارة، ثم يكون الربح على ما يتفقون عليه.
فالحاصل أن شركة العنان فيما إذا أحضر كل واحد منهم رأس ماله، هذا مائة ألف، وهذا خمسين، وهذا عشرين، واتفقوا على أن يتجروا فيها، هذا يعمل أكثر، وهذا يعمل أقل، فلا بد أن يكون كل واحد منهم جائز التصرف، فهذه شركة صحيحة، ولا يدخل فيها من كان سفيهاً أو مجنوناً أو صغيراً أو محجوراً عليه، ويكون رأس المال من النقود المعلومة، هذا يحضر مثلاً مائة ألف ريال سعودي، وهذا مثله، ويجوز أن تكون نقوداً غير سعودية، هذا يحضر خمسين ألف دولار وهذا عشرين ألف دولار، وما أشبه ذلك، فيعمل به كل منهما على أن يكون الربح بينهما، ولكن لكل واحد منهما جزء مشاع معلوم، فيقول: لي نصف الربح، ولك نصفه، أو لي ثلثه ولك ثلثاه؛ بصفتك أكثر مالاً، أو ما أشبه ذلك، ولا يجوز أن يشترط لأحدهما شيء معين فلا يقول لك في كل شهر مائة؛ لأنهما قد لا يربحان إلا هذه المائة، أو يقول لك ربح هذا الشهر ولي ربح الذي بعده، لا يجوز ذلك.
стр. 949
شركة المضاربة
الضرب الثاني من الشركة: شركة المضاربة: وهي مشتقة من الضرب في الأرض، وهو السفر قال تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلاةِ﴾ [النساء:١٠١] يعني: سافرتم، وقال تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل:٢٠] وسميت بذلك؛ لأن الغالب في التجار أن يسافر أحدهم لأجل التجارة، فيستجلب سلعاً رخيصةً ثم يحملها فيبيعها في البلد الثاني بثمن أرفع، فيربح في ذلك، فيكون له جزء من الربح، ولصاحب المال جزء من الربح.
وتعريفها: دفع مال معين معلوم لمن يتجر فيه بجزء معلوم مشاع من ربحه، وفي هذه الشركة يكون رأس المال من واحد والتصرف من واحد؛ وذلك لأنك قد تكون محسناً للتجارة قادراً على أن تشتري وعلى أن تبيع، وتعرف كيف يكون الربح، ولكن ليس عندك رأس مال، فتأتي إلى أحد التجار الذين عندهم أموال كثيرة زائدة عن تصرفهم، فتتفق معه على أن يعطيك مائة ألف مثلاً، على أن تتجر فيها، فيكون منك الاتجار والبيع والشراء، ومنه رأس المال، والربح بينكما، يكون نصفين أو أثلاثاً أو أرباعاً، على حسب ما تتفقان عليه.
وهذا مما يحصل به التنمية للأموال، فإن كثيراً من الناس عندهم أموال مرصودة ولا يحتاجون إليها للتصرف، وآخرون لا يجدون مالاً يتصرفون فيه، فيكون من هذا الاتجار، ومن هذا رأس المال، فيحصل لهذا ربح ولهذا ربح، ولا شك أن هذا جائز، ويسمى قراضاً، فكأنهم أقرضوه يعني: أعطوه من المال، وقد عمل بهذا كثير من السلف، وكان حكيم بن حزام إذا أعطى ماله قراضاً لإنسان يشترط عليه فيقول: لا تجعل مالي في كبدٍ رطبة -يعني: لا تشتر به بهائم فإنها قد تموت- ولا تنزل به وادياً -لأنه قد يأتي السيل فيذهب به- ولا تركب به بحراً -مخافة أن يغرق-، فكأنه يشترط عليه شروطاً.
ويذكر أن عبد الله بن عمر وعبيد الله جاءا مرةً من العراق، وكان أمير العراق قد جمع مالاً كثيراً لبيت المال من الجزية ومن الخراج، فأعطاه عبد الله وعبيد الله وقال: هذا مال لبيت المال، ادفعاه لأبيكما، واشتريا به حنطة.
فاشتريا وحملاها على رواحلهما وربحا ربحاً كثيراً، فقال أبوهما عمر ﵁: أعطياني رأس المال والربح، فإنه ما أعطي كل واحد من الجيش مثلكما، فقال عبيد الله: لو خسرنا لدفعناه كله، ولو تلف لدفعناه، وعبد الله سكت، ثم اتفق بعض الصحابة على أن يجعلوه قراضاً، فأخذ منهم نصف الربح وجعله قراضاً.
ولابد أن يكون رأس المال معلوماً، حتى إذا انتهت الشركة رد رأس المال إلى صاحبه ويقتسمان الربح، ولابد أن يكون الربح بينهما جزءاً معلوماً مشاعاً، فلا يقول مثلاً: لي ربح السفر إلى الشام، ولك ربح السفر إلى اليمن، بل يقول: في كل سفرةٍ لي نصف الربح ولك نصفه أو لي ثلثه ولك ثلثاه.
قوله: (وإن ضارب لآخر فأضر بالأول حرم، ورد حصته في الشركة) فمثلاً: لو أعطيته مائة ألف، وهذه المائة تكفيه ليتصرف، ولكن أخذ مائة ألف من تاجر آخر، واتجر بها، فلاشك أن هذه المائة الثانية تقلل من إنتاجه، وتشغله، فيضر بالأول، ففي هذه الحال يرد حصته من المضاربة الثانية في ربح المضارب الأول، ويقسمها مع المضارب الأول؛ لأنك ما أعطيته أولاً إلا وأنت تريد أن يعمل بجهده، وبكل ما يستطيعه، والآن قد صرف بعض جهده للآخر، أما إذا لم يضر فلا حرج؛ لأنه مثلاً قد يقول: أنت أعطيتني عشرة آلاف واشتريت بها ثياباً، والدكان واسع فأخذت من الثاني عشرة آلاف واشتريت بها أحذية، ولا يشغلني بيع الأحذية عن بيع الثياب، فلا حرج عليه والحال هذه.
قوله: (وإن تلف رأس المال أو بعضه بعد تصرف أو خسر جبر من الربح قبل القسمة) ، فلو أنه عزل رأس المال، وعزل الربح قبل القسمة وقال: سأجعل الربح في ثياب وأجعل رأس المال في أكياس، ثم خسر رأس المال الذي في الأكياس، فإنه يجبر رأس المال من الربح الذي في الثياب.
стр. 950
الأسئلة
следующие страницы →