← Акыда

Акыда · id 7727

شرح الفتوى الحموية

خالد المصلح

Полный текст (251 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

شرح كلام ربيعة ومالك في هذا الفصل ذكر الشيخ ﵀ نقولاً عن السلف يستبين بها لكل من نظر فيها مذهبهم وطريقهم في باب الأسماء والصفات، وإنما احتاج إلى هذه النقول، وإلى ما سيأتي من النقول؛ لقطع كل ريبة أو شك في أن السلف ﵏ أثبتوا الصفات على الوجه الذي جاء في الكتاب وجاء عن النبي ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل. وفي ثنايا نقله نقل قول ربيعة ومالك في الاستواء، وهو أن الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب. ونقل أيضاً قول بعض السلف في الصفات: أمروها كما جاءت، فلما كان في هذين القولين متمسك لبعض الذين قالوا: إن السلف لم يثبتوا الصفات، وإنما مذهبهم التفويض، استدل بهذا القول على أن السلف ليسوا من أهل التجهيل الذين يقولون: إن نصوص الصفات لا معنى لها. فقال ﵀: (فقول ربيعة ومالك: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، موافق لقول الباقين: أمروها كما جاءت بلا كيف) فلا تعارض بينهما، يقول: (فإنما نفوا علم الكيفية ولم ينفوا حقيقة الصفة) فهذه الأقوال إنما نفى فيها السلف ﵏ علم الكيفية؛ لأن العلم بكيفية الشيء فرع عن العلم به، فلما كان العلم بالذات ممتنعاً فكذلك العلم بكيفية الصفات، إذ إن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات.

стр. 107

الرد على المفوضة من كلام السلف (ولو كان القوم قد آمنوا باللفظ المجرد) أي: بألفاظ نصوص الصفات من غير فهم لمعاني هذه النصوص وهذه الألفاظ على ما يليق بالله؛ لما قالوا: الاستواء غير مجهول؛ لأن مقتضى قولهم: إن الاستواء غير مجهول أنهم علموا المراد بقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] ، وآيات الاستواء الأخرى، فلما قالوا: غير مجهول؛ دل أنهم يثبتون معنى هذه الألفاظ، وأن هذه الألفاظ مرادة المعاني. ثم قال: (ولما قالوا: أمروها كما جاءت بلا كيف، فإن الاستواء حينئذ لا يكون معلوماً بل مجهولاً) يعني: على قول من قال بأنها نصوص لا معاني لها، (يكون الاستواء غير معلوم، بل مجهول بمنزلة حروف المعجم) وذلك كما لو أنك صففت ألفاً وباءً وجيماً ودالاً، أو أنك نظرت في أفرادها ولا معنى لها، فالألف إذا جاءت مجردة عن الكلمة لم يعرف لها معنى، إنما تعرف بما انضافت إليه مما تتركب منه الألفاظ التي تدل على المعاني. قال: (وأيضاً: فإنه لا يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا لم يفهم عن اللفظ المعنى) ، وهذا وجه آخر من الأوجه التي تدل على أن هذه العبارات تدل على أن السلف ﵏ أثبتوا الصفات، (فإنه لا يحتاج إلى نفي علم الكيفية إلا إذا كان للفظ معنى) وإلا لما احتجنا إلى أن ننفي الكيفية، قال: (إنما يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا أثبتت الصفات) .

стр. 108

وجه آخر للرد على المفوضة والمؤولة ثم قال في وجه آخر: (وأيضاً: فإن من ينفي الصفات الجزئية أو الصفات مطلقاً لا يحتاج إلى أن يقول: بلا كيف) ؛ لأنها لا حقيقة لها حتى يحتاج أن ينفي الكيف، فإذا كانت الصفات غير مرادة وهي منفية، إما نفياً جزئياً أو نفياً مطلقاً فذلك لا يحتاج إلى أن يقيد ما جاء في الكتاب والسنة بأن يقال: أمروها كما جاءت بلا كيف، ولا احتاج أن يقول: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول؛ لأن مقتضى قوله هذا أن يكون للصفات معان، وأنها ثابتة. قال: (فمن قال: إن الله ليس على العرش لا يحتاج أن يقول: بلا كيف) ؛ لأنه لا يثبت أصلاً استواءه على العرش حتى يحتاج إلى نفي التكييف، فنفي التكييف فرع عن إثبات الصفة، فلو كان مذهب السلف نفي الصفات في نفس الأمر لما قالوا: بلا كيف، فرد الشيخ بهذا على المؤولة وعلى المفوضة.

стр. 109

إمرار الصفات يقتضي إبقاء دلالتها على الظاهر قال: (وأيضاً: فقولهم: أمروها كما جاءت، يقتضي إبقاء دلالتها على ما هي عليه) وإبقاء دلالتها على ما هي عليه يقتضي إثبات الصفات؛ لأن دلالة الألفاظ تدل على أن لله صفات ثابتة. قال: (فإنها جاءت ألفاظ دالة على معانٍ، فلو كانت دلالتها منتفية لكان الواجب أن يقول: أمروا لفظها مع اعتقاد أن المفهوم منها غير مراد) ، وهذا لم ينقل عن أحدهم مع كثرة النقل عنهم في هذا الباب، فدل ذلك على أن مراد الألفاظ مقصود، وأن اعتقادها هو الذي كان عليه سلف الأمة. أو لقالوا: (أمروا لفظها مع اعتقاد أن الله لا يوصف بما دلت عليه حقيقة، وحينئذ تكون قد أمرت كما جاءت، ولا يقال حينئذ: بلا كيف، إذ نفي الكيف عما ليس بثابت لغو من القول) ، وهذه أدلة قوية بينة في إبطال ما ادعاه هؤلاء من أن السلف ﵏ لم يثبتوا لله الصفات اللائقة به التي جاءت في الكتاب والسنة.

стр. 110

قول ابن الماجشون في صفات الله قال ﵀: [وروى الأثرم في السنة وأبو عبد الله بن بطة في الإبانة وأبو عمرو الطلمنكي وغيرهم بإسناد صحيح عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون وهو أحد أئمة المدينة الثلاثة الذين هم مالك بن أنس وابن الماجشون وابن أبي ذئب وقد سئل عما جحدت به الجهمية: أما بعد: فقد فهمت ما سألت فيما تتابعت الجهمية ومن خلفها في صفة الرب العظيم الذي فاقت عظمته الوصف والتقدير، وكلت الألسن عن تفسير صفته، وانحصرت العقول دون معرفة قدرته، وردت عظمته العقول فلم تجد مساغاً فرجعت خاسئة وهي حسيرة] . هذا كلام سليم وصحيح، فالمرء كذلك مهما بلغ عمله بالله وبأسمائه وبصفاته وبأفعاله جل وعلا. قال: [وإنما أمروا بالنظر والتفكير فيما خلق بالتقدير، وإنما يقال (كيف) لمن لم يكن مرة ثم كان. فأما الذي لا يحول ولا يزول ولم يزل وليس له مثل، فإنه لا يعلم كيف هو إلا هو، وكيف يعرف قدر من لم يبدأ ومن لا يموت ولا يبلى؟ وكيف يكون لصفة شيء منه حد أو منتهى يعرفه عارف، أو يحد قدره واصف؟ على أنه الحق المبين، لا حق أحق منه، ولا شيء أبين منه. الدليل على عجز العقول عن تحقيق صفته عجزها عن تحقيق صفة أصغر خلقه، لا تكاد تراه صغراً يجول ويزول، ولا يرى له سمع ولا بصر؛ لما يتقلب به ويحتال من عقله، أعضل بك وأخفى عليك مما ظهر من سمعه وبصره، فتبارك الله أحسن الخالقين، وخالقهم، وسيد السادة وربهم ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]] . هذا من أعظم الأدلة على أن العقل لا يدرك صفات الله ولا يحيط بها، وإذا كان المخلوق لا يدرك حقيقة بعض المخلوقات على صغرها وإحاطته بها، فكيف بالله رب العالمين؟ قال: [اعرف -رحمك الله- غناك عن تكلف صفة ما لم يصف الرب من نفسه بعجزك عن معرفة قدر ما وصف منها، إذا لم تعرف قدر ما وصف فما تكلفك علم ما لم يصف؟ هل تستدل بذلك على شيء من طاعته، أو تزدجر به عن شيء من معصيته؟] . هذا الكلام مهم جداً، وينبغي الاهتمام به، وهو أن دراسة الأسماء والصفات والنظر فيها إنما هو ليثمر العبادة، فالرسل جاءت معرّفة بالله تمام التعريف؛ حتى يقوم الناس بالعبادة حق القيام، ولذلك قال فيمن طلب صفات لم يصف الله بها نفسه: (إذا لم تعرف قدر ما وصف فما تكلفك علم ما لم يصف؟ هل تستدل بذلك على شيء من طاعته؟) يعني: هل بحثك في هذا يزيدك طاعة له أو تنزجر به عن شيء من معصيته؟ وهذا يفيد أن معرفة الأسماء والصفات إنما هو لأجل تحقيق كمال العبودية لله . قال: [فأما الذي جحد ما وصف الرب من نفسه تعمقاً وتكلفاً فقد ﴿اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ﴾ [الأنعام:٧١] ، فصار يستدل -بزعمه- على جحد ما وصف الرب وما سمى من نفسه بأن قال: لا بد إن كان له كذا من أن يكون له كذا] . هذه من اللوازم التي يقولها المتكلمون: إذا أثبتنا أنه سميع أو أنه بصير أو أثبتنا الصفات؛ فهذا يقتضي الحدوث، ويقتضي أن تحله الحوادث، وما حلته الحوادث فهو حادث، وما إلى ذلك من اللوازم الباطلة، والخيالات الفاسدة. قال: [فعمي عن البين بالخفي، فجحد ما سمى الرب من نفسه] . البين هو ما أثبته الله لنفسه في كتابه، والخفي هو هذه الخيالات والمقدمات الفاسدة التي تنقض من أصلها، فعموا عن البين يعني: عما ذكره الله في كتابه ذكراً بيناً بالخفي الذي استندوا فيه إلى عقولهم الفاسدة. [فجحد ما سمى الرب من نفسه لصمت عما لم يسم منها، فلم يزل يملي له الشيطان حتى جحد قول الله : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢-٢٣]] . جحد أن يراه أهل الإيمان، وهذا عليه أكثر أهل الكلام. [فقال: لا يراه أحد يوم القيامة، فجحد -والله- أفضل كرامة الله التي أكرم بها أولياءه يوم القيامة من النظر إلى وجهه ونضرته إياهم ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر:٥٥] ، قد قضى أنهم لا يموتون، فهم بالنظر إليه ينضرون. إلى أن قال: وإنما جحد رؤية الله يوم القيامة إقامة للحجة الضالة المضلة؛ لأنه قد عرف أنه إذا تجلى لهم يوم القيامة رأوا منه ما كانوا به قبل ذلك مؤمنين، وكان له جاحداً. وقال المسلمون: (يا رسول الله! هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله ﷺ : هل تضارون في رؤية الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا. قال: فهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟ قالوا: لا. قال: فإنكم ترون ربكم يومئذ كذلك) . ] .

стр. 111

شرح الفتوى الحموية [١٤] العصمة في الدين أن تنتهي حيث انتهى بك، ولا تجاوز ما قد حد لك، ومن ذلك إثبات ما أثبته الله لنفسه من الأسماء والصفات، أو أثبته له أعلم الخلق به، رسوله ﷺ ، هذه هي عقيدة السلف الصالح رحمة الله تعالى عليهم، وفي هذه المادة من النقل عن أئمتهم ما يدلك على ذلك.

стр. 112

حث ابن الماجشون على اتباع الكتاب والسنة في الإخبار عن الله بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم. أما بعد: فقال ابن الماجشون رحمه الله تعالى: [وقال رسول الله ﷺ : (لا تمتلئ النار حتى يضع الجبار فيها قدمه فتقول: قط قط، وينزوي بعضها إلى بعض) ، وقال لـ ثابت بن قيس: (لقد ضحك الله مما فعلت بضيفك البارحة) وقال فيما بلغنا: (إن الله تعالى ليضحك من أزلكم وقنوطكم وسرعة إجابتكم، فقال له رجل من العرب: إن ربنا ليضحك؟ قال: نعم، قال لا نعدم من رب يضحك خيراً) ، إلى أشباه هذا مما لا نحصيه. وقال تعالى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] وقال: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور:٤٨] ، وقال تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٩] ، وقال تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [طه:٧٥] ، وقال تعالى: ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧] ، فوالله! ما دلهم على عظم ما يوصفه من نفسه، وما تحيط به قبضته إلا صغر نظيرها منهم عندهم، إن ذلك الذي ألقي في روعهم وخلق على معرفة قلوبهم، فما وصف الله من نفسه وسماه على لسان رسوله ﷺ سميناه كما سماه، ولم نتكلف منه صفة ما سواه، لا هذا ولا هذا، ولا نجحد ما وصف، ولا نتكلف معرفة ما لم يصف] . هذا تكملة لما سبق من كلام ابن الماجشون ﵀، ومراد الشيخ من نقل هذا الكلام عنه ﵀ أن السلف يثبتون الصفات لله ، سواء كانت صفات ذاتية أو فعلية أو خبرية. فقوله: (لا تمتلئ النار حتى يضع الجبار فيها قدمه) هذا فيه إثبات صفة خبرية له . وقوله: (لقد ضحك الله مما فعلت) هذا فيه إثبات صفة فعلية من صفات الله . وقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ هذا فيه إثبات الصفات الذاتية له . وقوله: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ فيه إثبات الصفة الخبرية، وكذا ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ ، ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ، ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ كل هذا فيه إثبات الصفات الخبرية له . ثم قال ابن الماجشون ﵀: (فوالله ما دلهم على عظم ما يوصفه من نفسه) أي: في قوله تعالى: ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (وما تحيط به قبضته إلا صغر نظيرها منهم عندهم) أي: مما جعله الله فيهم عندهم، فما دلهم على عظمة الله وأنه كبير عظيم جل وعلا إلا صغر ما عندهم، ولكن قوله: (إلا صغر نظيرها) لا يعني المماثلة التامة، إنما المقصود بالنظير هنا ما فيه مشاركة ومشابهة من وجه، أما المماثلة فلا، فيد الله ليست كيد المخلوقين، بل يده على ما تليق به، ويد المخلوقين على ما يليق بهم، فلا مماثلة في صفات الله ، وإثبات هذه الصفات له لا يقتضي ما يزعمونه من التشبيه، ولا يقتضي ما يزعمونه من التمثيل والتبعيض له ، فهو كما قال جل وعلا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] . ثم قال: (إن ذلك الذي ألقى في روعهم وخلق على معرفة قلوبهم، فما وصف الله من نفسه وسماه على لسان رسوله سميناه كما سماه) فما وصف به نفسه من الصفات كالسمع والبصر والعين واليد والرجل والقبضة وما إلى ذلك، تسمى كما جاءت ولا تؤول ولا تصرف عن ظاهرها، ولم نتكلف منه صفة ما سواه، يعني: لا نطلب أكثر مما جاءت به النصوص، (لا هذا ولا هذا، ولا نجحد ما وصف، ولا نتكلف معرفة ما لم يصف) ، وهذا فيه غاية العدل، وتمام الامتثال لما في كتاب الله وسنة رسوله، نقف حيث وقف، ونقول كما قال دون زيادة ولا نقصان. وليكن على بالنا أن الغرض من سياق هذه النقول هو بيان مذهب السلف، وأنهم يثبتون لله الأسماء والصفات من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، وأما أفراد ما ذكروا من الصفات فسيأتي لبعضها ذكر فيما نستقبل، وبعضها يكتفي الشيخ ﵀ بما نقله عن السلف فيها.

стр. 113

العصمة في الدين بالوقوف والانتهاء عندما حده الله ورسوله قال ﵀: [اعلم -رحمك الله- أن العصمة في الدين أن تنتهي في الدين حيث انتهى بك، ولا تجاوز ما قد حد لك، فإن من قوام الدين معرفة المعروف وإنكار المنكر، فما بسطت عليه المعرفة، وسكنت إليه الأفئدة، وذكر أصله في الكتاب والسنة، وتوارثت علمه الأمة؛ فلا تخافن في ذكره وصفته من ربك ما وصف من نفسه عيباً؛ ولا تتكلفن بما وصف لك من ذلك قدراً، وما أنكرته نفسك ولم تجد ذكره في كتاب ربك، ولا في حديث عن نبيك من ذكر صفة ربك؛ فلا تكلفن علمه بعقلك، ولا تصفه بلسانك، واصمت عنه كما صمت الرب عنه من نفسه، فإن تكلفك معرفة ما لم يصف من نفسه كإنكارك ما وصف منها، فكما أعظمت ما جحده الجاحدون مما وصف من نفسه، فكذلك أعظم تكلف ما وصفه الواصفون مما لم يصف منها. فقد -والله- عز المسلمون الذين يعرفون المعروف وبمعرفتهم يعرف، وينكرون المنكر وبإنكارهم ينكر؛ يسمعون ما وصف الله به نفسه من هذا في كتابه، وما بلغهم مثله عن نبيه، فما مرض من ذكر هذا وتسميته قلب مسلم، ولا تكلف صفة قدره ولا تسمية غيره من الرب مؤمن، وما ذكر عن رسول الله ﷺ أنه سماه من صفة ربه فهو بمنزلة ما سمي وما وصف الرب تعالى من نفسه. والراسخون في العلم، الواقفون حيث انتهى علمهم، الواصفون لربهم بما وصف من نفسه، التاركون لما ترك من ذكرها، لا ينكرون صفة ما سمي منها جحداً، ولا يتكلفون وصفه بما لم يسم تعمقاً؛ لأن الحق ترك ما ترك، وتسمية ما سمى ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:١١٥] وهب الله لنا ولكم حكماً، وألحقنا بالصالحين] . هذا الكلام الجليل، العظيم الفائدة، فيه خير كبير، وفيه قواعد كثيرة، وفيه صد ورد لمذهب الضالين الذين يدعون أن طريقهم يوصل إلى معرفة الله ومعرفة رسوله. قال ﵀: (اعلم -رحمك الله- أن العصمة في الدين أن تنتهي في الدين حيث انتهى بك) يعني: تقف عند ما وقفت النصوص، لا تزيد على ما جاء في كتاب الله ولا في سنة رسوله ﷺ في شيء من الأمر، لا في باب الغيبيات ولا في غيرها. قال: (ولا تجاوز ما قد حد لك، فإن من قوام الدين معرفة المعروف وإنكار المنكر) ثم قال: (فما بسطت عليه المعرفة وسكنت إليه الأفئدة، وذكر أصله في الكتاب والسنة، وتوارثت علمه الأمة؛ فلا تخافن في ذكره وصفته من ربك ما وصف من نفسه عيباً) وهذا مهم وله شأن، وهو أن تعرف أن ما جاء في الكتاب والسنة لا يمكن أن يلزم عليه لوازم باطلة، فمن ادعى فيما أثبته الله لنفسه وأثبته له رسوله لوازم فإنما أتي من قبل فهمه ورأيه وعقله، وأما ما في الكتاب والسنة فلا تلزم عليه اللوازم الباطلة بحال؛ ولذلك قال: (فلا تخافن في ذكره وإثباته وذكرك من ربك ما وصف من نفسه عيباً) أي: نقصاً، وذلك كما يقولون: إنه يلزم من إثبات الصفة كذا، ويلزم من إثبات كذا كذا، وهذا كله خيالات، ولا تدل عليه النصوص ولا يلزمها، قال: (ولا تتكلفن بما وصف لك من ذلك قدراً) . قال: (وما أنكرته نفسك ولم تجد ذكره في كتاب ربك ولا في حديث عن نبيك من ذكر صفة ربك، فلا تكلفن علمه بعقلك، ولا تصفه بلسانك) وأما منعه أن يتكلف ذلك بالعقل فقد تقدم بيان ذلك، وهو أن العقل لا مجال له في أمور الغيبيات، ودللنا على ذلك وذكرناه. قال: (ولا تصفه بلسانك، واصمت عنه كما صمت الرب عنه من نفسه، فإن تكلفك معرفة ما لم يصف من نفسه كإنكارك ما وصف منها) ؛ لأن الباب واحد، وهو أن الزيادة كالنقص في دين الله، فلذلك جعل الزيادة وتكلف ما لم يَثبُت كالنقص مما ثبت، (فكما أعظمت ما جحده الجاحدون مما وصف من نفسه، فكذلك أعظم تكلف ما وصف الواصفون مما لم يصف منها) . ثم قال: (فقد -والله- عز المسلمون) أي: ندر وقل، (الذين يعرفون المعروف وبمعرفتهم يعرف، وينكرون المنكر وبإنكارهم ينكر، يسمعون ما وصف الله به نفسه من هذا في كتابه، وما يبلغهم مثله عن نبيه، فما مرض من ذكر هذا وتسميته) يعني: إثباته وذكره لله (قلب مسلم) المراد أنه لا يلحق المؤمن بإثباته النصوص شيء من المرض، ولا شيء من الجفوة، ولا شيء من القسوة، بل إثباتها يئول بالمرء إلى تمام المعرفة بالله . قال: [وهذا كله كلام ابن الماجشون الإمام، فتدبره وانظر كيف أثبت الصفات، ونفى علم الكيفية] . مقصود الشيخ من سياق هذا الكلام أن تتدبره. [موافقاً لغيره من الأئمة، وكيف أنكر على من نفى الصفات بأنه يلزمهم من إثباتها كذا وكذا، كما تقول الجهمية: إنه يلزم أن يكون جسماً أو عرضاً فيكون محدثاً] . الجمهية هنا يريد بهم المعطلة بالجملة، ويشمل هذا كل من نفى وعطل صفة من صفات الله ، سواء كان تعطيله كلياً كالجهمية أو جزئياً كغيرهم.

стр. 114

إثبات الإمام أبي حنيفة للصفات قال ﵀: [وفي كتاب الفقه الأكبر المشهور عند أصحاب أبي حنيفة، الذي رووه بالإسناد عن أبي مطيع الحكم بن عبد الله البلخي قال: سألت أبا حنيفة عن الفقه الأكبر فقال: لا تكفرن أحداً بذنب، ولا تنف أحداً من الإيمان به، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولا تتبرأ من أحد من أصحاب رسول الله ﷺ ، ولا توال أحداً دون أحد؛ وأن ترد أمر عثمان وعلي إلى الله . قال أبو حنيفة: الفقه الأكبر في الدين خير من الفقه في العلم، ولأن يفقه الرجل كيف يعبد ربه خير له من أن يجمع العلم الكثير. قال أبو مطيع الحكم بن عبد الله: قلت: أخبرني عن أفضل الفقه؟ قال: تعلم الرجل الإيمان والشرائع والسنن والحدود واختلاف الأئمة، وذكر مسائل الإيمان، ثم ذكر مسائل القدر، والرد على القدرية بكلام حسن ليس هذا موضعه. ثم قال: قلت: فما تقول فيمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فيتبعه على ذلك أناس، فيخرج على الجماعة، هل ترى ذلك؟ قال: لا، قلت: ولم وقد أمر الله ورسوله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو فريضة واجبة؟ قال: هو كذلك، لكن ما يفسدون أكثر مما يصلحون من سفك الدماء، واستحلال الحرام، قال: وذكر الكلام في قتل الخوارج والبغاة. إلى أن قال: قال أبو حنيفة عمن قال: لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض: قد كفر؛ لأن الله يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] ، وعرشه فوق سبع سماوات. قلت: فإن قال: إنه على العرش استوى، ولكنه يقول: لا أدري العرش في السماء أم في الأرض؟ قال: هو كافر؛ لأنه أنكر أن يكون في السماء؛ لأنه تعالى في أعلى عليين، وأنه يدعى من أعلى لا من أسفل -وفي لفظ- سألت أبا حنيفة عمن يقول: لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض. قال: قد كفر. قال لأن الله يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ وعرشه فوق سبع سماوات. قال: فإنه يقول: على العرش استوى، ولكن لا يدري العرش في الأرض أو في السماء؟ قال: إذا أنكر أنه في السماء فقد كفر. ففي هذا الكلام المشهور عن أبي حنيفة عند أصحابه: أنه كفّر الواقف الذي يقول: لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض، فكيف يكون الجاحد النافي الذي يقول ليس في السماء، أو ليس في السماء ولا في الأرض؟ واحتج على كفره بقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ قال: وعرشه فوق سبع سماوات] . وهذا كله في إثبات أن الأئمة ﵏ كانوا على طريقة واحدة في إثبات ما أثبته الله لنفسه من الأسماء والصفات، وكتاب الفقه الأكبر جزم الشيخ ﵀ بنسبته إلى أبي حنيفة ﵀، وفي نسبته نظر عند بعض أهل العلم، فقد تكلم في نسبته إلى أبي حنيفة الذهبي وغيره، وعلى كل حال هو منقول عن أبي حنيفة وإن كان لم يكتبه، إنما هو من أمالي أبي حنيفة لتلاميذه، وقد نقله عنه أبو مطيع الحكم بن عبد الله البلخي، ونقله عنه أيضاً حماد بن أبي حنيفة، فيكون قد جاء من طريقين: جاء من طريق حماد، وجاء من طريق أبي مطيع، وغالبه من كلام أبي حنيفة، إلا أن فيه مسائل ليست من كلامه، بل هي من زيادات الرواة أو من زيادات غيرهم؛ لأنه تكلم في مسائل لم يكن الخلاف قد وقع فيها في عصره ﵀. قال ﵀: [وبين بهذا أن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] يبين أن الله فوق السماوات فوق العرش، وأن الاستواء على العرش دل على أن الله بنفسه فوق العرش، ثم إنه أردف ذلك بتكفير من قال: إنه على العرش استوى، ولكن توقف في كون العرش في السماء أم في الأرض، قال: لأنه أنكر أنه في السماء؛ لأن الله في أعلى عليين؛ وأنه يدعى من أعلى لا من أسفل. وهذا تصريح من أبي حنيفة بتكفير من أنكر أن يكون الله في السماء، واحتج على ذلك بأن الله في أعلى عليين، وأنه يدعى من أعلى لا من أسفل، وكل من هاتين الحجتين فطرية عقلية، فإن القلوب مفطورة على الإقرار بأن الله في العلو، وعلى أنه يدعى من أعلى لا من أسفل] . احتج على ذلك بأن الله في أعلى عليين، هذه الحجة الأولى، والثانية: أنه يدعى من أعلى لا من أسفل، وكل من هاتين الحجتين فطرية عقلية، أما الأولى: فهي فطرية بلا إشكال؛ لأن القلوب تجد ميلاً إلى العلو عند سؤال الله وطلبه، والثانية: عقلية؛ لأنه لو كان الله ليس في العلو لما توجه الداعي إلى جهة العلو، فهي فطرية عقلية.

стр. 115

عقيدة هشام الرازي وابن المديني ويحيى بن معاذ والترمذي في الصفات قال ﵀: [فإن القلوب مفطورة على الإقرار بأن الله في العلو، وعلى أنه يدعى من أعلى لا من أسفل، وقد جاء اللفظ الآخر صريحاً عنه بذلك. فقال: إذا أنكر أنه في السماء فقد كفر. وروى هذا اللفظ بإسناد عنه شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري الهروي في كتاب الفاروق. وروى أيضاً ابن أبي حاتم: أن هشام بن عبيد الله الرازي صاحب محمد بن الحسن قاضي الري حبس رجلاً في التجهم فتاب، فجيء به إلى هشام ليطلقه فقال: الحمد الله على التوبة، فامتحنه فقال: أتشهد أن الله على عرشه بائن من خلقه؟ فقال: أشهد أن الله على عرشه؛ ولا أدري ما بائن من خلقه. فقال: ردوه إلى الحبس فإنه لم يتب. وروى أيضاً عن يحيى بن معاذ الرازي أنه قال: إن الله على العرش بائن من الخلق، وقد أحاط بكل شيء علماً، وأحصى كل شيء عدداً، لا يشك في هذه المقالة إلا جهمي رديء ضليل، وهالك مرتاب، يمزج الله بخلقه، ويخلط منه الذات بالأقذار والأنتان. وروي أيضاً عن ابن المديني لما سئل: ما قول أهل الجماعة؟ قال: يؤمنون بالرؤية والكلام، وأن الله فوق السماوات على العرش استوى، فسئل عن قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة:٧] فقال: اقرأ ما قبلها: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [المجادلة:٧]] . هذا رد لدعوى هؤلاء بأن الله في كل مكان، وأنه ليس على العرش، فرد عليهم بالآية نفسها، حيث أن الآية صدرت بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ ثم ذكر ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ أي: بعلمه جل وعلا، وإلا فهو كما أخبر عن نفسه مستو على عرشه بائن من خلقه. قال ﵀: [وروي أيضاً عن أبي عيسى الترمذي قال: هو على العرش كما وصف في كتابه؛ وعلمه وقدرته وسلطانه في كل مكان. وروي أيضاً عن أبي زرعة الرازي أنه لما سئل عن تفسير قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] فقال: تفسيره كما يقرأ هو على العرش، وعلمه في كل مكان، ومن قال غير هذا فعليه لعنة الله] . كل هذه النقول كما ذكرنا لتأكيد هذه القضية، وهي من أوضح ما يكون؛ ولذلك فأقوى الكتب في الرد على أهل البدع هذا الكتاب؛ لما فيه من النقول الكثيرة الوفيرة الدالة على أن أهل السنة والجماعة يثبتون الأسماء والصفات لله كما جاء في الكتاب والسنة، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. وفيه أيضاً شدة كلام السلف ﵏ في هؤلاء الذين ينكرون علو الله ، وأن إنكار العلو كفر وقوله ﵀: (كفر) يبين عظم هذه البدعة، وأنها من البدع الكبيرة التي تتضمن تكذيب ما في الكتاب وما في السنة، غفر الله للسلف ورحمهم، وصلى الله على نبينا محمد.

стр. 116

شرح الفتوى الحموية [١٥] منهج أهل السنة والجماعة في باب الأسماء والصفات: أنهم يثبتون ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله ﷺ ، وينفون ما نفاه الله عن نفسه أو نفاه عنه رسوله ﷺ ، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. وهم يرون أن الكيف مفوض إلى الله ، دون المعنى الظاهر الحقيقي الذي دلت عليه الصفة، فإنه مراد ومفهوم عند السلف قاطبة.

стр. 117

ذكر بعض الآثار الواردة عن السلف في الصفات بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم. أما بعد:

стр. 118

قول محمد بن الحسن الشيباني فيقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: [وروى أبو القاسم اللالكائي الحافظ الطبري؛ صاحب أبي حامد الإسفرائيني في كتابه المشهور في أصول السنة بإسناده عن محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة قال: اتفق الفقهاء كلهم -من المشرق إلى المغرب- على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاء بها الثقات عن رسول الله ﷺ في صفة الرب : من غير تفسير ولا وصف ولا تشبيه، فمن فسر اليوم شيئاً منها فقد خرج مما كان عليه النبي ﵌ وفارق الجماعة، فإنهم لم يصفوا ولم يفسروا، ولكن أفتوا بما في الكتاب والسنة ثم سكتوا، فمن قال بقول جهم فقد فارق الجماعة؛ لأنه قد وصفه بصفة لا شيء. ومحمد بن الحسن أخذ عن أبي حنيفة ومالك وطبقتهما من العلماء، وقد حكى هذا الإجماع، وأخبر أن الجهمية تصفه بالأمور السلبية غالباً أو دائماً. وقوله (من غير تفسير) ، أراد به تفسير الجهمية المعطلة الذين ابتدعوا تفسير الصفات بخلاف ما كان عليه الصحابة والتابعون من الإثبات] . هذا الكلام من الإمام محمد بن الحسن ﵀، وهو أحد صاحبي أبي حنيفة اللذين تلقيا كلاماً بيناً واضحاً في أن السلف ﵏ جروا في باب الأسماء والصفات على الإثبات لما جاء في الكتاب والسنة، دون تعرض لتأويل هذه الصفات، وتحريف لها عن معناها الظاهر. وأما قوله: (فإنهم لم يصفوا ولم يفسروا) فقد فسره الشيخ ﵀ في كلامه، فالتفسير المنفي عن السلف هو التفسير الذي سلكه الجهمية والمعطلة من التأويل والتحريف للكلم عن مواضعه، بصرفه عن ظاهره المتبادر إلى معانٍ مرجوحة، ولذلك فقوله: (لم يصفوا ولم يفسروا) أي: لم يؤولوا التأويل الباطل الذي سلكه المتكلمون المفارقون لطريقة أهل السنة والجماعة.

стр. 119

قول أبي عبيد القاسم بن سلام [وروى البيهقي وغيره بأسانيد صحيحة عن أبي عبيد القاسم بن سلام قال: هذه الأحاديث التي يقول فيها (ضحك ربنا من قنوط عباده وقرب غيره) ، (وأن جهنم لا تمتلئ حتى يضع ربك فيها قدمه) ، (والكرسي موضع القدمين) وهذه الأحاديث في الرؤية هي عندنا حق حملها الثقات بعضهم عن بعض، غير أنا إذا سئلنا عن تفسيرها لا نفسرها، وما أدركنا أحداً يفسرها] . التفسير المنفي هنا هو تفسير الكيفية، وإلا فالمعاني ظاهرة، وهذه النصوص وأشباهها هي التي تمسك بها المفوضة فيما ذهبوا إليه من عدم إثبات المعاني للأسماء والصفات التي جاءت في الكتاب والسنة، ولا شك -كما تقدم بيانه- أن هذا الطريق ليس هو طريق السلف، بل طريق السلف هو الإثبات، والتفسير المنفي في هذه النقول هو تفسير المبتدعة أو تفسير الكيفية. قال: أبو عبيد أحد الأئمة الأربعة الذين هم: الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو عبيد، وله من المعرفة بالفقه واللغة والتأويل: ما هو أشهر من أن يوصف. [وقد كان في الزمان الذي ظهرت فيه الفتن والأهواء، وقد أخبر أنه ما أدرك أحداً من العلماء يفسرها -أي: تفسير الجهمية] .

стр. 120

قول عبد الله بن المبارك قال: [وروى اللالكائي والبيهقي بإسنادهما عن عبد الله بن المبارك: أن رجلاً قال له: يا أبا عبد الرحمن! إني أكره الصفة -يعني صفة الرب - فقال له عبد الله بن المبارك: وأنا أشد الناس كراهيةً لذلك، ولكن إذا نطق الكتاب بشيء قلنا به، وإذا جاءت الآثار بشيء جسرنا عليه، ونحو هذا. أراد ابن المبارك: أنا نكره أن نبتدئ بوصف الله من ذات أنفسنا حتى يجيء به الكتاب والآثار] . هذا الذي يجب أن يحمل عليه كلام ابن المبارك؛ لأن صفة الرب تعرف الخلق به، فهي من أحب الأشياء إليه؛ لأن فيها مدحه، وهي من أحب الأشياء لعباده المؤمنين؛ لأن بها يعرفون الله ، ولذلك قال النبي ﷺ في الرجل الذي كان يكرر سورة الإخلاص في ختام كل قراءة في كل ركعة وقد ذكر أنه يكررها لأنها صفة الرحمن فيجب أن يكررها: (أخبروه بأن الله يحبه) فدل ذلك على أن محبة الصفات هي الواجبة؛ لأنها تعرف بالله ، ويجب حمل كلام ابن المبارك على ما ذكر الشيخ ﵀؛ لأن كراهية صفة الرب كراهية له، فلا يستقيم الكلام إلا بالمعنى الذي ذكره الشيخ ﵀، وهو أن الذي كرهه ابن المبارك ﵀ هو أن يبتدع الإنسان أو يبتدع المرء في صفات الله ما لم يذكره جل وعلا في كتابه ولا في سنة رسوله. [وروى عبد الله بن أحمد وغيره بأسانيد صحاح عن ابن المبارك أنه قيل له: بماذا نعرف ربنا؟ قال: بأنه فوق سماواته، على عرشه، بائن من خلقه، ولا نقول كما تقول الجهمية إنه هاهنا في الأرض، وهكذا قال الإمام أحمد وغيره. وروى بإسناد صحيح عن سليمان بن حرب الإمام، سمعت حماد بن زيد وذكر هؤلاء الجهمية فقال: إنما يحاولون أن يقولوا: ليس في السماء شيء. وروى ابن أبي حاتم في كتاب الرد على الجهمية عن سعيد بن عامر الضبعي -إمام أهل البصرة علماً وديناً، من شيوخ الإمام أحمد - أنه ذكر عنده الجهمية فقال: أشر قولاً من اليهود والنصارى، وقد اجتمع اليهود والنصارى وأهل الأديان مع المسلمين على أن الله على العرش، وهم قالوا: ليس على شيء] . لأن اليهود والنصارى في إثبات النقص الذي أثبتوه لله -أي: أثبتوه في أسماء الله وصفاته- إنما هو لكونهم شبهوه بالموجودات فقالوا: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة:٦٤] وقالوا مما نسبوه إليه ووصفوه به ما هو في نهاية الأمر أنه تشبيه له بالمخلوقات الموجودات، وأما قول الجهمية فهو إما أن يكون تشبيهاًَ له بالمعدومات أو بالممتنعات، فالذين وصفوا الله من الجهمية بالسلب فقط شبهوه بالمعدومات، والذين نفوا عنه السلب والإيجاب فقالوا: لا نقول موجود ولا نقول: لا موجود، فهؤلاء شبهوه بالممتنعات، وما من شك بأن الذين شبهوه بالموجودات أكمل تنزيهاً من الذين شبههوه بالمعدومات أو بالممتنعات، فليتنبه إلى هذا.

стр. 121

قول ابن خزيمة وابن مهدي وابن أبي حاتم وغيرهما [وقال محمد بن إسحاق بن خزيمة إمام الأئمة: من لم يقل: إن الله فوق سماواته على عرشه، بائن من خلقه، وجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه، ثم ألقي على مزبلة؛ لئلا يتأذى بريحه أهل القبلة ولا أهل الذمة. ذكره عنه الحاكم بإسناد صحيح. وروى عبد الله بن الإمام أحمد بإسناده عن عباد بن العوام الواسطي -إمام أهل واسط من طبقة شيوخ الشافعي وأحمد - قال: كلمت بشراً المريسي وأصحاب بشر، فرأيت آخر كلامهم أن يقولوا: ليس في السماء شيء. وعن عبد الرحمن بن مهدي الإمام المشهور أنه قال: ليس في أصحاب الأهواء شر من أصحاب جهم، يدورون على أن يقولوا: ليس في السماء شيء، أرى والله ألا يناكحوا ولا يوارثوا. وروى عبد الرحمن بن أبي حاتم في كتاب الرد على الجهمية عن عبد الرحمن بن مهدي قال: أصحاب جهم يريدون أن يقولوا: إن الله لم يكلم موسى، ويريدون أن يقولوا: ليس في السماء شيء، وأن الله ليس على العرش، أرى أن يستتابوا فإن تابوا وإلا قتلوا] . هذه الأخبار هي التي جعلت بعض أهل العلم يذهب إلى إخراج الجهمية من الثنتين والسبعين فرقة الذين ذكرهم النبي ﷺ أو الثلاث والسبعين فرقة الذين ذكرهم النبي ﷺ في حديث الافتراق، وجعلوا الجهمية -لشناعة قولهم وتكذيبهم بما جاءت النصوص متوافرة في الدلالة عليه- خارجين عن الثلاث والسبعين فرقة؛ لكونهم كذبوا ما جاء في الكتاب والسنة تكذيباً واضحاً وصريحاً. [وعن الأصمعي قال: قدمت امرأة جهم فنزلت بالدباغين، فقال رجل عندها: الله على عرشه. فقالت: محدود على محدود،فقال الأصمعي: كفرت بهذه المقالة. وعن عاصم بن علي بن عاصم -شيخ أحمد والبخاري وطبقتهما- قال: ناظرت جهماً فتبين من كلامه أن لا يؤمن أن في السماء رباً. وروى الإمام أحمد بن حنبل الشيباني قال: أخبرنا سريج بن النعمان قال: سمعت عبد الله بن نافع الصايغ قال: سمعت مالك بن أنس يقول: الله في السماء، وعلمه في كل مكان، لا يخلو من علمه مكان. وقال الشافعي: خلافة أبي بكر الصديق حق قضاه الله في السماء، وجمع عليه قلوب عباده. وفي الصحيح عن أنس بن مالك قال: كانت زينب تفتخر على أزواج النبي ﷺ تقول: (زوجكن أهاليكن وزوجني الله من فوق سبع سماوات) ، وهذا مثل قول الشافعي، وقصة أبي يوسف صاحب أبي حنيفة مشهورة في استتابته لـ بشر المريسي، حتى هرب منه لما أنكر الصفات، وقال بقول جهم، وقد ذكرها ابن أبي حاتم وغيره] . الشافعي قال: خلافة أبي بكر الصديق حق قضاه الله في السماء أي: على السماء، وكذا في قول أنس بن مالك ﵁ في الحديث الذي ساقه عن زينب كانت تفتخر على أزواج النبي ﷺ تقول: (زوجكن أهاليكن، وزوجني الله من فوق سبع سماوات) .

стр. 122

قول أهل السنة في العرش [وقال أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي زمنين الإمام المشهور من أئمة المالكية في كتابه الذي صنفه في أصول السنة قال فيه: (باب الإيمان بالعرش) قال: ومن قول أهل السنة أن الله خلق العرش واختصه بالعلو والارتفاع فوق جميع ما خلق، ثم استوى عليه كيف شاء كما أخبر عن نفسه في قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الحديد:٤] فسبحان من بعد وقرب بعلمه فسمع النجوى. وذكر حديث أبي رزين العقيلي: (قلت: يا رسول الله! أين كان ربنا قبل أن يخلق السماوات والأرض؟ قال: في عماء، ما تحته هواء، وما فوقه هواء، ثم خلق عرشه على الماء) قال محمد: العماء السحاب الكثيف، المطبق -فيما ذكره الخليل -وذكر آثاراً أخر] . قوله: (باب الإيمان بالعرش) ، هذا من كلام الشيخ ﵀، ومحمد بن عبد الله من أئمة المالكية، وهنا إثبات العرش لله ، وتقدم بيان معنى العرش، وأنه في اللغة سرير المُلك، وأن الله جل وعلا خلق العرش واستوى عليه بعد أن خلق السماوات والأرض، والعرش: هو من أعظم مخلوقات الله جل وعلا، وهو من أولها خلقاً، واختصه بالعلو والارتفاع فوق جميع ما خلق، ثم استوى عليه كيف شاء كما أخبر عن نفسه، واستواؤه حق على حقيقته كما أخبر عن نفسه، ولا نحرف ذلك ولا نؤوله، ومن أثبت هذه الصفة من الأشاعرة ومثبتة الصفات يقولون: إنه استوى على عرشه، ويؤولونه بالاستيلاء، ولا يثبتون الاستواء الذي أثبته أهل السنة والجماعة على المعاني التي سبق ذكرها، وهي المعاني الأربعة وهي: (العلو والاستقرار، والارتفاع، والصعود) . قوله: (ثم استوى عليه كيف شاء كما أخبر عن نفسه في قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [ط:٥] وقوله: ﴿ثم اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الحديد:٤] فسبحان من بعد وقرب بعلمه فسمع النجوى) هذا جمع بين النصوص، وأن قربه من خلقه ليس منافياً لعلوه؛ لأن كثيراً ممن يتكلمون في نفي العلو يقولون: إن النصوص قد دلت على أنه قريب وقربه ينافي علوه، وهذا إنما دُخل عليهم فيه، وأتوا من قبل عقولهم الفاسدة، وإلا فإن الشيء يكون عالياً ويكون قريباً، والقرب الذي أثبته الله لنفسه في كتابه، وأثبته له رسوله ﷺ في سنته هو قرب خاص، فقد قرر ذلك شيخ الإسلام ﵀، فهو ليس قرباً عاماً من جميع المخلوقات، أو من جميع الخلق، بل قربٌ خاص في أحوال خاصة، فهو قريب من الداعي إذا دعاه، وقريب من أهل الموقف في يوم عرفة، وما أشبه ذلك من النصوص التي تفيد قربه. أما معيته فهو جل وعلا كما أخبر عن نفسه: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة:٧] فهو جل وعلا مع كل أحد بعلمه، لا تخفى عليه خافية. ثم قال: (وذكر حديث أبي رزين العقيلي قال: (يا رسول الله! أين كان ربنا قبل أن يخلق السماوات والأرض؟ قال: في عماء) ، وفسر الشيخ ﵀ العماء بأنه السحاب الكثيف: (ما تحته هواء، وما فوقه هواء) والهواء هنا المقصود به الفراغ كقوله جل وعلا: ﴿وأفئدتهم هواء﴾ [إبراهيم:٤٣] أي: خالية فارغة. ثم قال: (ثم خلق عرشه على الماء) ، قال محمد: العماء السحاب الكثيف المطبق فيما ذكره الخليل) ، يعني: في تفسير معنى العماء، (وذكر آثاراً أخر) في إثبات علو الله جل وعلا على خلقه.

стр. 123

شرح الفتوى الحموية [١٦] من الإيمان بالله الإيمان بنزوله إلى السماء الدنيا كيفما شاء، وأن عال على خلقه بائن منهم، وأنه له صفات تليق بجلاله كالوجه والنفس والسمع والرؤية والمعية، والكلام، والأصل في هذا كله أن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات.

стр. 124

عقيدة أهل السنة في الكرسي بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم. أما بعد: فيقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: [قال محمد بن عبد الله: ومن قول أهل السنة أن الكرسي بين يدي العرش، وأنه موضع القدمين. ثم ذكر حديث أنس الذي فيه التجلي يوم الجمعة في الآخرة، وفيه: (فإذا كان يوم الجمعة هبط من عليين على كرسيه، ثم يحف الكرسي على منابر من ذهب مكللة بالجواهر، ثم يجيء النبيون فيجلسون عليها) وذكر ما ذكره: يحيى بن سالم صاحب التفسير المشهور: حدثني العلاء بن هلال عن عمار الدهني، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: (إن الكرسي الذي وسع السموات والأرض لموضع القدمين، ولا يعلم قدر العرش إلا الذي خلقه) . وذكر من حديث أسد بن موسى، ثنا حماد بن سلمة عن زر عن ابن مسعود قال: (ما بين السماء الدنيا والتي تليها مسيرة خمسمائة عام، وبين كل سماء خمسمائة عام، وبين السماء السابعة والكرسي خمسمائة عام، وبين الكرسي والماء خمسمائة عام، والعرش فوق الماء، والله فوق العرش، وهو يعلم ما أنتم عليه) ] . اختلف أهل العلم في الكرسي على قولين: القول المشهور هو المنقول عن ابن عباس ﵁ أنه موضع القدمين، والأثر الذي جاء عن ابن عباس في هذا أثر ضعيف؛ ولذلك قال بعض أهل العلم: إن الكرسي خلق عظيم من مخلوقات الله جل وعلا الله أعلم به، وهو كما وصف الله سبحانه في كتابه: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة:٢٥٥] ولكن هل هو موضع القدمين أم لا؟! هذا جاء في أثر عن ابن عباس وهذا الأثر فيه نظر.

стр. 125

الإيمان بالحجب [ثم قال في باب الإيمان بالحجب قال: ومن قول أهل السنة: إن الله بائن من خلقه، يحتجب عنهم بالحجب، فتعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً﴾ [الكهف:٥] وذكر آثاراً في الحجب] . الحجاب المذكور هو ما ورد في الحديث من أن: (حجابه النور جل وعلا، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه) ، فهو جل وعلا محتجب بهذا الحجاب العظيم الذي ذكره النبي ﷺ في الحديث عنه، ولما سئل ﷺ : (هل رأيت ربك؟ ! قال:نور أنى أراه؟!) .

стр. 126

الإيمان بالنزول [ثم قال في باب الإيمان بالنزول قال: ومن قول أهل السنة أن الله ينزل إلى سماء الدنيا، ويؤمنون بذلك من غير أن يحدوا فيه حداً، وذكر الحديث من طريق مالك وغيره. إلى أن قال: وأخبرني وهب عن ابن وضاح عن الزهري عن ابن عباد قال: ومن أدركت من المشايخ مالك وسفيان وفضيل بن عياض وعيسى بن المبارك ووكيع كانوا يقولون: إن النزول حق، قال ابن وضاح: وسألت يوسف بن عدي عن النزول قال: نعم أومن به، ولا أحد فيه حداً، وسألت عنه ابن معين فقال: نعم أقر به ولا أحد فيه حداً] . ما ذكره أهل السنة هو أن لا يكيفوه بكيفية معينة، وإلا فهم يعلمون معنى النزول الذي أخبر به النبي ﷺ عن ربه، ولكن حد ذلك وحقيقته لا يعلمها إلا الله، والنزول صفة من الصفات الفعلية، وهي لا تستلزم اللوازم الباطلة التي يذكرها المتكلمون، بل يثبتها أهل السنة والجماعة على الوجه الذي يليق به .

стр. 127

ما ورد من الأدلة الدالة على علو الله [قال محمد: وهذا الحديث يبين أن الله على العرش في السماء دون الأرض، وهو أيضاً بين في كتاب الله، وفي غير حديث عن رسول الله ﵌] . فالنزول يقتضي أنه في العلو، ولذلك كان من أدلة علو الله أنه على عرشه. [قال تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة:٥] ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أم أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً﴾ [الملك:١٦-١٧] وقال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠] وقال: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام:١٨] وقال سبحانه: ﴿يا عيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ﴾ [النساء:١٥٨] وقال: ﴿بلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء:١٥٨]] . كل هذا دال على علو الله ، وقد تقدم ذكر أدلة العلو، وأن العلو دل عليه الكتاب والسنة والإجماع والفطرة والعقل، فاجتمعت في إثباته جميع الدلائل، والشيخ ﵀ إنما ذكر بعض الآيات الدالة على علوه ، وإلا فالآيات -كما تقدم في كلام شيخ الإسلام ﵀ أكثر من أن تحصى. [وذكر من طريق مالك قول النبي ﷺ للجارية: (أين الله؟ قالت: في السماء. قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله. قال: فأعتقها) قال: والأحاديث مثل هذا كثيرة جداً، فسبحان من علمه بما في السماء كعلمه بما في الأرض لا إله إلا هو العلي العظيم. وقال قبل ذلك في الإيمان بصفات الله تعالى وأسمائه، قال: واعلم بأن أهل العلم بالله وبما جاءت به أنبياؤه ورسله يرون الجهل بما لم يخبر به عن نفسه علماً] . فمن كمال علمهم بالله أنهم يسكتون عما سكت، وأن العلم فيما لم يذكره الله عن نفسه أو لم يذكره عنه رسوله هو السكوت والجهل، وهو تمام الانقياد والعبودية لله ؛ لأنهم يعلمون أنهم لا يحيطون به علماً، ومن تمام كماله أن عجزت العقول عن إدراك حقيقة ما أخبر، فضلاً عن أن تدرك كل صفاته وأسمائه جل وعلا.

стр. 128

ما ورد من الصفات الثابتة لله قال: [يرون الجهل بما لم يخبر به عن نفسه علماً، والعجز عما لم يدع إليه إيماناً، وأنهم إنما ينتهون من وصفه بصفاته وأسمائه إلى حيث انتهى في كتابه وعلى لسان نبيه.

стр. 129

صفة الوجه وقد قال وهو أصدق القائلين: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨] وقال: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام:١٩]] . صفة الوجه من الصفات الخبرية، والمؤولة يؤولون هذه الصفة يقولون: إن الوجه يراد به الذات فأطلق الوجه وأراد به الذات فيكون الكلام (كل شيء هالك إلا ذاته) وهذا وإن كان صحيحاً أن الوجه يطلق ويراد به الذات، ولكن هذا لا ينفي أن تكون الآية دالة على إثبات صفة الوجه لله ؛ لأنه لا تضاف هذه الصفة إلا لمن كان له وجه، أما من لم يكن له وجه فلا تضاف إليه. وبعضهم قال: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ أي: إلا جهته يعني: كل شيء فان وذاهب إلا ما قصد به الله جل وعلا، هذا من تأويلاتهم وهو معنى صحيح، لكن هذا أيضاً لا ينفي ما فروا منه من إثبات هذه الصفة.

стр. 130

صفة النفس لله [وقال: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام:١٩] وقال: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران:٢٨] ، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحجر:٢٩]] . يؤخذ من قوله: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ إثبات النفس لله ، وقد جاء ذلك في بعض كلام أهل العلم، وبعضهم يقول: إن (نفسه) في هذا الموضوع وأمثاله إنما يراد بها الذات يعني: (يحذركم الله ذاته) .

стр. 131

صفة اليد لله [وقال: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحجر:٢٩] وقال: ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور:٤٨] وقال سبحانه: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٩] وقال تعالى: ﴿وَقَالَتْ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤]] . ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ فيه إثبات التسوية له ، وقد جاءت الآيات مبينة أنه سواه بيده، وفيه إثبات النفخ له . وأما قوله (مِنْ رُوحِي) فـ (من) هنا ليست للتبعيض بل هي (من) البيانية أي: من الأرواح، والإضافة ليست إضافة صفة، وإنما هي إضافة تشريف وإضافة خلق، يعني: من الأرواح التي خلقها. [وقال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤] ، وقال سبحانه: ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر:٦٧] . ] . اليدان يؤولها المؤولة بأنها النعمة، ويجاب عليهم بأن التثنية تنفي هذا المعنى، هذا وجه. الوجه الآخر: أن اليد لا تضاف إلا لمن كان متصفاً بها، فهذان وجهان في بيان دلالة هذه الآية على إثبات صفة اليد لله ، وهي صفة خبرية.

стр. 132

إثبات المعية والسمع والرؤية [وقال تعالى: ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر:٦٧] وقال: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦]] . هذه ثلاث صفات له : المعية، والسمع، والرؤية.

стр. 133

صفة الكلام [وقال تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ [النساء:١٦٤]] دل على أن الله سبحانه تعالى يتكلم، وأكد هذا الفعل بالمصدر لتأكيد معناه، وقد أول أهل التعطيل هذه الآية فذكروا لها نوعين من التأويل: قالوا: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى﴾ فجعلوا المُكِلم هو موسى، والمُكَلم هو الله جل وعلا؛ حتى ينفوا عنه سبحانه صفة الكلام, وأولها آخرون فقالوا: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ أي: جرحه بأظافير الحكمة تجريحاً، فأولوا (كَلَّمَ) وهذا من التأويل المذموم؛ لأنهم حرفوا الكلم عن مواضعه، وحملوا اللفظ على معنىً مرجوح يحتمله النص لغير قرينة، فالأصل أن يحمل الكلام على التكليم، وهم حملوه على الجرح.

стр. 134

إثبات الإحاطة المكانية والزمانية لله تعالى [وقال تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور:٣٥] وقال: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران:١] وقال: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ [الحديد:٣] ومثل هذا في القرآن كثير] . هذه الآية فيها إثبات الإحاطة المكانية والإحاطة الزمانية له جل وعلا، فهو الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، والظاهر الذي ليس فوقه شيء، والباطن الذي ليس دونه شيء، وبهذا يصدق قوله جل وعلا: ﴿والله بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ [فصلت:٥٤] زماناً ومكاناً. قوله: (ومثل هذا في القرآن كثير) أي: الآيات التي فيها إثبات الصفات له .

стр. 135

أصول الفرق الضالة في باب الأسماء والصفات [فهو ﵎ نور السماوات والأرض، كما أخبر عن نفسه، وله وجه، ونفْس، وغير ذلك مما وصف به نفسه، ويسمع ويرى، ويتكلم، هو الأول لا شيء قبله، والآخر الباقي إلى غير نهاية ولا شيء بعده، والظاهر العالي فوق كل شيء، والباطن، بطن علمه بخلقه فقال: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد:٣] قيوم حي لا تأخذه سنة ولا نوم. وذكر أحاديث الصفات ثم قال: فهذه صفات ربنا التي وصف بها نفسه في كتابه، ووصفه بها نبيه ﵌، وليس في شيء منها تحديد ولا تشبيه ولا تقدير: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] لم تره العيون فتحده كيف هو؟ ولكن رأته القلوب في حقائق الإيمان. وكلام الأئمة في هذا الباب أطول وأكثر من أن تسع هذه الفتيا عشره، وكذلك كلام الناقلين لمذهبهم، مثل ما ذكره أبو سليمان الخطابي في رسالته المشهورة في الغنية عن الكلام وأهله، قال: (فأما ما سألت عنه من الصفات، وما جاء منها في الكتاب والسنة، فإن مذهب السلف إثباتها وإجراؤها على ظواهرها، ونفي الكيفية والتشبيه عنها، وقد نفاها قوم فأبطلوا ما أثبته الله، وحققها قوم من المثبتين فخرجوا في ذلك إلى ضرب من التشبيه والتكييف) ] . أصول الفرق الضالة في باب الأسماء والصفات: المعطلة والممثلة، المعطلة نفوا ما أثبته الله لنفسه، فعطلوه جل وعلا عن صفاته، والممثلة غلوا في الإثبات فمثلوه سبحانه بخلقه، وكذبوا بقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ وقالوا: سمعه كسمعنا، وبصره كبصرنا، وما إلى ذلك مما قالوه مما يتعالى الله جل وعلا عنه. والقصد هو ما سلكه أهل السنة والجماعة، الذين قصدوا إثبات ما أثبته الله لنفسه، أو أثبته له رسوله من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، وهذا يبين لك وسطية أهل السنة والجماعة في باب الأسماء والصفات بين الممثلة والمعطلة.

стр. 136

إثبات الصفات فرع عن إثبات الذات [وإنما القصد في سلوك الطريقة المستقيمة بين الأمرين، ودين الله تعالى بين الغالي فيه والجافي والمقصر عنه، والأصل في هذا: أن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات] . هذه قاعدة كلية في باب الأسماء والصفات تأتينا إن شاء الله في التدمرية: أن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، فمن قال لك: كيف صفته؟ قل كيف ذاته؟ [ويحتذى في ذلك حذوه ومثاله، فإذا كان معلوماً أن إثبات الباري تعالى إنما هو إثبات وجود لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات صفاته إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف] . هذا كلام جيد في تفصيل هذه القاعدة والتدليل لها، يقول: فإذا كان معلوماً أن إثبات الباري سبحانه إنما هو إثبات وجوده لا إثبات كيفيته، فالخلق كلهم إلا من شذ يثبتون رباً يعبد، يقصدونه فيما يحتاجون, يثبتون له الملك والرزق والخلق والتدبير، ولكنهم لا يكيفون هذا الوجود، فما منهم أحد قال: كيف وجوده؟ فكذلك أسماؤه وصفاته، وهي فرع عن ذاته جل وعلا، فكما أنه لا يسأل: كيف وجوده؟ فكذلك لا يسأل: كيف أسماؤه وصفاته؛ لأن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات. [فإذا قلنا: يد وسمع وبصر وما أشبهها، فإنما هي صفات أثبتها الله لنفسه، ولسنا نقول: إن معنى اليد القوة أو النعمة، ولا معنى السمع والبصر العلم، ولا نقول: إنها جوارح، ولا نشبهها بالأيدي وبالأسماع وبالأبصار التي هي جوارح وأدوات للفعل، ونقول: إن القول إنما وجب بإثبات الصفات؛ لأن التوقيف ورد بها، ووجب نفي التشبيه عنها؛ لأن الله ليس كمثله شيء، على هذا جرى قول السلف في أحاديث الصفات. هذا كله كلام الخطابي] . كثير من القواعد التي يذكرها شيخ الإسلام ﵀ في باب الأسماء والصفات وفي غيره إنما يحكي فيها قول من سبق، وهذا يفيد طالب العلم في محاجة المبتدعين؛ لأن بعض المبتدعة ينكر هذه القواعد، فإذا قيل له: إن فلاناً من العلماء -الذين يجلهم ويعرف مكانتهم- هو الذي قالها، كان ذلك داعياً إلى قبوله وإلى نزوعه عن الضلال الذي هو فيه، فمعرفة أصول الأقوال والقواعد مهم في مناظرة ومناقشة أهل البدع؛ لأنك لو قلت لهم: قال شيخ الإسلام قد يردونه يردون هذا القول ويقولون: شيخ الإسلام ابتدع وأتى بكلام من عنده كما يقوله بعض المبتدعة، لكن إذا بين أن ما جاء به الشيخ ﵀ من القواعد إنما أخذه من كلام المتقدمين كان ذلك أدعى إلى القبول وأقوى في الحجة. [وهكذا قاله أبو بكر الخطيب الحافظ في رسالة له أخبر فيها أن مذهب السلف على ذلك، وهذا الكلام الذي ذكره الخطابي قد نقل نحواً منه من العلماء من لا يحصى عددهم مثل: أبي بكر الإسماعيلي والإمام يحيى بن عمار السجزي وشيخ الإسلام أبي إسماعيل الهروي صاحب منازل السائرين وذم الكلام، وهو أشهر من أن يوصف، ومثل أبي عثمان الصابوني شيخ الإسلام، وأبي عمر بن عبد البر النمري إمام المغرب، وغيرهم. وقال أبو نعيم الأصبهاني صاحب الحلية في عقيدة له قال في أولها: (طريقتنا طريقة المتبعين الكتاب والسنة وإجماع الأمة] . أهم ما في هذه النقول معرفة أن مذهب السلف هو مذهب واحد في هذا الأمر لا خلاف فيه، بل هم متفقون وإن تنوعت عباراتهم، إلا أن مدلولاتها متفقة في أنهم يثبتون الأسماء والصفات من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل.

стр. 137

شرح الفتوى الحموية [١٧] طريقة أهل السنة والجماعة المتبعين لكتاب الله وسنة رسوله وإجماع الأمة هي إثبات ما أثبته الله لنفسه من الأسماء والصفات أو أثبته له رسوله ﷺ ، ونفي ما نفاه الله سبحانه عن نفسه أو نفاه عنه رسوله ﷺ .

стр. 138

كلام أبي نعيم الأصفهاني في عقيدة السلف بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين. أما بعد: فيقول شيخ الإسلام ﵀ رحمة واسعة: [وقال أبو نعيم الأصبهاني صاحب (الحلية) في عقيدة له قال في أولها: (طريقتنا طريقة المتبعين الكتاب والسنة وإجماع الأمة، قال: فمما اعتقدوه أن الأحاديث التي ثبتت عن النبي ﷺ في العرش واستواء الله يقولون بها، ويثبتونها، من غير تكييف ولا تمثيل ولا تشبيه، وأن الله بائن من خلقه والخلق بائنون منه، لا يحل فيهم ولا يمتزج بهم، وهو مستوٍ على عرشه في سمائه دون أرضه وخلقه) . وقال الحافظ أبو نعيم في كتابه (محجة الواثقين ومدرجة الوامقين) : (وأجمعوا أن الله فوق سماواته، عالٍ على عرشه مستوٍ عليه لا مستولٍ عليه كما تقول الجهمية: إنه بكل مكان؛ خلافاً لما نزل في كتابه: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] ، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر:١٠] ، ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] له العرش المستوي عليه، والكرسي الذي وسع السماوات والأرض، وهو قوله: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة:٢٥٥] وكرسيه جسم، والأرضون السبع والسماوات السبع عند الكرسي كحلقة في أرض فلاة، وليس كرسيه علمه كما قالت الجهمية، بل يوضع كرسيه يوم القيامة لفصل القضاء بين خلقه، كما قاله النبي ﷺ ، وأنه تعالى وتقدس يجيء يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده والملائكة صفاً صفاً، كما قال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ [الفجر:٢٢] . وزاد النبي ﷺ : (وأنه تعالى وتقدس يجيء يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده فيغفر لمن يشاء من مذنبي الموحدين، ويعذب من يشاء، كما قال تعالى: ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [المائدة:١٨] ) ] . هذا هو ما سبق تقريره من كلام السلف ﵏ في إثبات علو الله على خلقه، وأنه مستوٍ على عرشه، وفيه إبطال قول من أول الاستواء بالاستيلاء، حيث قال: (لا مستولٍ عليه كما تقول الجهمية: إنه بكل مكان) ، والسلف يذكرون الجهمية ويريدون بهم المعطلة في الجملة، يعني: كل من أول في الصفات. وقوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ أي: على السماء: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ) فهذه وغيرها من الآيات دالة على علوه واستوائه على عرشه. وقوله: (له العرش المستوي عليه والكرسي الذي وسع السماوات والأرض) ، ذكرنا فيما سبق أن الكرسي هو موضع القدمين في قول، وهذا مبني على أثر ابن عباس، ولكن في ثبوته نظر. والقول الثاني: أنه خلق عظيم، وهو الذي أشار إليه بقوله: (وكرسيه جسم) ولم يذكر ما ورد عن ابن عباس: أنه موضع القدمين. وفيه إثبات الصفات الفعلية له وذلك في قوله سبحانه ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ [الفجر:٢٢] ففيه إثبات المجيء له . وأيضاً إثبات صفة المغفرة، وهي صفة فعلية له ، وذلك في قوله سبحانه: ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران:١٢٩] .

стр. 139

كلام معمر بن أحمد الأصبهاني في عقيدة السلف [وقال الإمام العارف معمر بن أحمد الأصبهاني شيخ الصوفية في حدود المائة الرابعة في بلاده، قال: أحببت أن أوصي أصحابي بوصية من السنة، وموعظة من الحكمة، وأجمع ما كان عليه أهل الحديث والأثر بلا كيف، وأهل المعرفة والتصوف من المتقدمين والمتأخرين قال فيها: (وأن الله استوى على عرشه بلا كيف ولا تشبيه ولا تأويل) ] . وهذه المعاني هي التي تقدم ذكرها، بلا كيف أي: من غير تكييف، ولا تشبيه أي: التمثيل الذي ذكره الشيخ ﵀ في أول هذه الرسالة. والتعبير بالتمثيل أدق من التعبير بالتشبيه؛ لأنه هو الذي ورد به الكتاب كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ، ولأن التشبيه هو الاشتراك ولو بأقل معنى، وهذا موجود بين صفة الخالق وصفة المخلوق، لكن للخالق ما يليق به وللمخلوق ما يليق به من الصفات، وإنما المنفي هو المماثلة لا التشبيه. وقوله: (ولا تأويل) هذا يشمل التحريف والتعطيل؛ لأن المحرف معطل، والمعطل محرف، وكلاهما لم يصل إلى ما وصل إليه من تحريف وتعطيل إلا بالتأويل. (والاستواء معقول والكيف فيه مجهول) يعني: علم حقيقته مجهول، فعلم الحقيقة لا سبيل إليه، وكما تقدم أن الكلام في كيفية الصفات كالكلام في كيفية الذات. قال المؤلف ﵀: [وأنه مستوٍ على عرشه بائن من خلقه والخلق منه بائنون بلا حلول ولا ممازجة، ولا اختلاط ولا ملاصقة؛ لأنه الفرد البائن من الخلق، الواحد الغني عن الخلق. وإن الله سميع بصير، عليم خبير، يتكلم ويرضى، ويسخط ويضحك، ويعجب، ويتجلى لعباده يوم القيامة ضاحكاً، وينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا كيف شاء فيقول: (هل من داع فأستجيب له؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ حتى يطلع الفجر) ونزول الرب إلى السماء بلا كيف ولا تشبيه ولا تأويل، فمن أنكر النزول أو تأول فهو مبتدع ضال، وسائر الصفوة من العارفين على هذا ا. هـ.

стр. 140

نقل كلام للفضيل بن عياض عن الكيف في الصفات وقال الشيخ الإمام أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون الخلال في (كتاب السنة) ، حدثنا أبو بكر الأثرم حدثنا إبراهيم بن الحارث يعني: العبادي حدثنا الليث بن يحيى قال: سمعت إبراهيم بن الأشعث -قال أبو بكر هو صاحب الفضيل - قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول: ليس لنا أن نتوهم في الله كيف هو؛ لأن الله تعالى وصف نفسه فأبلغ فقال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١-٤] ، فلا صفة أبلغ مما وصف به نفسه] . الله تعالى أعلم بنفسه وبغيره، فهو جل وعلا عالم بأوصافه وأسمائه وما يجب له على التمام والكمال، فلا يجوز اجتياز أو تعدي ما أخبر به عن نفسه إلى غيره. قال المؤلف ﵀: [وكل هذا النزول والضحك وهذه المباهاة وهذا الاطلاع كما يشاء أن ينزل، وكما يشاء أن يباهي، وكما يشاء أن يضحك، وكما يشاء أن يطلع، فليس لنا أن نتوهم كيف وكيف؟ فإذا قال الجهمي: أنا أكفر برب يزول عن مكانه. فقل: بل أومن برب يفعل ما يشاء] . يعني: أنه من لوازم النزول عندهم أنه يزول عن مكانه، وهذه لوازم باطلة، والواجب إثبات ما أثبته الله لنفسه دون النظر إلى هذه الإلزامات التي هي خيالات لم يدل عليها الكتاب ولا السنة، والله جل وعلا ليس كمثله شيء، وهو جل وعلا قد تنزه عن النقص، واتصف بالكمال على أتمه وغايته، فلا يلحقه نقص بإثبات شيء مما أثبته لنفسه أو أثبته له رسوله ﷺ . قال المؤلف ﵀: [ونقل هذا عن الفضيل جماعة منهم البخاري في (أفعال العباد) ، ونقله شيخ الإسلام بإسناده في كتابه (الفاروق) ] . هو أبو إسماعيل الهروي. [فقال: حدثنا يحيى بن عمار حدثنا أبي حدثنا يوسف بن يعقوب حدثنا حرمي بن علي البخاري وهانئ بن النضر عن الفضيل. وقال عمرو بن عثمان المكي في كتابه الذي سماه (التعرف بأحوال العباد والمتعبدين) ، قال: (باب ما يجيء به الشيطان للتائبين) ، وذكر أنه يوقعهم في القنوط، ثم في الغرور وطول الأمل، ثم في التوحيد، فقال: من أعظم ما يوسوس في التوحيد بالتشكيك أو في صفات الرب بالتمثيل والتشبيه، أو بالجحد لها والتعطيل، فقال بعد ذكر حديث الوسوسة: واعلم -رحمك الله- أن كل ما توهمه قلبك، أو سنح في مجاري فكرك، أو خطر في معارضات قلبك من حسن أو بهاء، أو ضياء أو إشراق أو جمال، أو شبح مائل، أو شخص متمثل فالله تعالى بغير ذلك، بل هو تعالى أعظم وأجل وأكبر، ألا تسمع لقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] ، وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤] أي: لا شبيه ولا نظير ولا مساوي ولا مثل، أولم تعلم أنه لما تجلى للجبل تدكدك لعظم هيبته، وشامخ سلطانه؟ فكما لا يتجلى لشيء إلا اندك كذلك لا يتوهمه أحد إلا هلك، فرد بما بين الله في كتابه من نفسه عن نفسه التشبيه والمثل، والنظير والكفؤ، فإن اعتصمت بها وامتنعت منه أتاك من قبل التعطيل لصفات الرب تعالى وتقدس في كتابه وسنة رسوله محمد ﷺ فقال لك: إذا كان موصوفاً بكذا، أو وصفته أوجب له التشبيه فأكذبه؛ لأنه اللعين إنما يريد أن يستزلك ويغويك، ويدخلك في صفات الملحدين الزائغين الجاحدين لصفة الرب تعالى. واعلم -رحمك الله تعالى- أن الله تعالى واحد لا كالآحاد، فرد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، -إلى أن قال- خلصت له الأسماء السنية فكانت واقعة في قديم الأزل بصدق الحقائق] . لا كما يقول المعتزلة: إنها أسماء لا معاني لها.

стр. 141

صفات الله أزلية الوجود حادثة الآحاد قال المؤلف ﵀: [لم يستحدث تعالى صفة كان منها خلياً، واسماً كان منه برياً ﵎، فكان هادياً سيهدي، وخالقاً سيخلق، ورازقاً سيرزق، وغافراً سيغفر، وفاعلاً سيفعل، ولم يحدث له الاستواء إلا وقد كان في صفة أنه سيكون ذلك الفعل؛ فهو يسمى به في جملة فعله] . هذا يبين لك معنى قوله: (لم يستحدث صفة كان منها خلياً) يعني: كانت ممتنعة عليه، هذا هو معنى كلامه، وإلا فالاستواء حادث بعد أن لم يكن، لكن لم يكن ممتنعاً عليه، إنما اتصف به لما كان الكمال مقتضياً لاتصافه بهذه الصفة، فليقيد كلامه هنا في قوله: (لم يستحدث سبحانه صفة كان منها خلياً) أي: كانت ممتنعة عليه؛ ولذلك قال: (ولم يحدث له الاستواء إلا وقد كان في صفته أنه سيكون ذلك الفعل) بمعنى: أنه جل وعلا قادر عليه. [كذلك قال الله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ [الفجر:٢٢] بمعنى: أنه سيجيء، فلم يستحدث الاسم بالمجيء، وتخلف الفعل لوقت المجيء، فهو جاء سيجيء، ويكون المجيء منه موجوداً بصفة لا تلحقه الكيفية ولا التشبيه؛ لأن ذلك فعل الربوبية فيستحسر العقل، وتنقطع النفس عند إرادة الدخول في تحصيل كيفية المعبود، فلا تذهب في أحد الجانبين لا معطلاً ولا مشبهاً، وارض لله بما رضي به لنفسه، وقف عند خبره لنفسه مسلماً مستسلماً مصدقاً، بلا مباحثة التنفير ولا مناسبة التنقير] . هي طريقة الممثلة؛ لأنها تنفر العبد عن أن يعبد الله جل وعلا إذا كان الخالق كالمخلوق، فما الذي جعله يستحق العبادة؟! قوله: (ولا مناسبة التنقير) الظاهر أنه يشير إلى طريقة المعطلة الذين ينقرون ويدققون ويتمحلون في أسماء الله وصفاته ليصرفوها عن ظاهرها الذي دلت عليه النصوص والألفاظ. وهذا الكلام من أحسن الكلام، لا سيما النقل الأول الذي فيه مداخل الشيطان على الخلق في باب الأسماء والصفات، فإنه أولاً يأتيهم بالتمثيل، ثم يأتيهم بعد ذلك بالتعطيل، فكلامه ﵀ وغفر له جيد. [إلى أن قال: فهو ﵎ القائل: أنا الله، لا الشجرة، الجائي قبل أن يكون جائياً؛ لا أمره، المتجلي لأوليائه في المعاد، فتبيض به وجوههم، وتفلج به على الجاحدين حجتهم، المستوي على عرشه بعظمة جلاله فوق كل مكان ﵎، الذي كلم موسى تكليماً وأراه من آياته، فسمع موسى كلام الله؛ لأنه قربه نجياً، تقدس أن يكون كلامه مخلوقاً أو محدثاً أو مربوباً] . وهذا بعكس المخلوق الذي لابد أن يكون مربوباً، فكل مخلوق مربوب، ولابد له من خالق يحدثه. [الوارث بخلقه لخلقه، السميع لأصواتهم، الناظر بعينه إلى أجسامهم، يداه مبسوطتان، وهما غير نعمته، خلق آدم ونفخ فيه من روحه -وهو أمره- تعالى وتقدس أن يحل بجسم، أو يمازج بجسم، أو يلاصق به، تعالى عن ذلك علواً كبيراً، الشائي له المشيئة، العالم له العلم] . فيه رد على الذين يثبتون الأسماء دون معانيها، ويقولون: عالم بلا علم, سميع بلا سمع, بصير بلا بصر، فهذا من أجود الكلام في الرد عليهم، رحم الله المؤلف وغفر له. قال المؤلف ﵀: [الباسط يديه بالرحمة، النازل كل ليلة إلى سماء الدنيا ليتقرب إليه خلقه بالعبادة، وليرغبوا إليه بالوسيلة، القريب في قربه من حبل الوريد، البعيد في علوه من كل مكان بعيد، ولا يشبه بالناس -إلى أن قال-: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠] ، القائل: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً﴾ [الملك:١٦-١٧] تعالى وتقدس أن يكون في الأرض كما هو في السماء، جل عن ذلك علواً كبيراً. اهـ

стр. 142

الاعتقاد بعدم حصول النسخ فيما يتعلق بصفات الله وقال الإمام أبو عبد الله الحارث بن إسماعيل بن أسد المحاسبي في كتابه المسمى: (فهم القرآن) قال في كلامه على الناسخ والمنسوخ، وأن النسخ لا يجوز في الأخبار، قال: لا يحل لأحد أن يعتقد] . النصوص جاءت على قسمين: أخبار وأحكام، والأخبار هي: ما أخبر الله به عن نفسه أو ما أخبر عما وقع في سالف الزمان، أو ما سيقع فيما يستقبل من الزمان، وهذه الأخبار لا يجوز فيها النسخ؛ لأن مقتضى النسخ التكذيب لها، وإنما يكون النسخ في الأحكام، فالله يحدث من أمره ما يشاء في الأحكام، أما في الأخبار فقد تمت كلمته جل وعلا صدقاً في الأخبار وعدلاً في الأحكام. [قال: لا يحل لأحد أن يعتقد أن مدح الله وصفاته، ولا أسماءه يجوز أن ينسخ منها شيء -إلى أن قال- وكذلك لا يجوز إذا أخبر أن صفاته حسنة عليا أن يخبر بذلك أنها دنية سفلى، فيصف نفسه بأنه جاهل ببعض الغيب بعد أن أخبر أنه عالم بالغيب، وأنه لا يبصر ما قد كان ولا يسمع الأصوات، ولا قدرة له ولا يتكلم، ولا كلاماً كان منه، وأنه تحت الأرض لا على العرش جل وعلا عن ذلك. فإذا عرفت ذلك واستيقنته: علمت ما يجوز عليه النسخ وما لا يجوز، فإن تلوت آية في ظاهر تلاوتها تحسب أنها ناسخة لبعض أخباره كقوله عن فرعون: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ﴾ [يونس:٩٠] وقال: ﴿حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ [محمد:٣١] وقال: قد تأول قوم: أن الله عنى أن ينجيه ببدنه من النار؛ لأنه آمن عند الغرق، وقال: إنما ذكر الله أن قوم فرعون يدخلون النار دونه وقال: ﴿فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ [هود:٩٨] وقال: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٥] ولم يقل بفرعون. قال: وهكذا الكذب على الله؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأولَى﴾ [النازعات:٢٥] كذلك قوله: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ [العنكبوت:٣] فأقر التلاوة على استئناف العلم من الله عن أن يستأنف علماً بشيء؛ لأنه من ليس له علم بما يريد أن يصنعه لم يقدر أن يصنعه] . يعني: في قوله: ﴿حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ [محمد:٣١] فأقر التلاوة على الاستئناف أو فاقرأ، المقصود أنها تقرأ: (حَتَّى نَعْلَمَ) على الاستئناف، والعلم المذكور في هذه الآية ليس هو العلم الأزلي السابق، فالله جل وعلا عالم بكل شيء قبل حدوثه، وإنما هذا العلم الذي يكون عند حدوث الفعل، فالعلم صفة ذاتية لله أزلاً وأبداً، فهو جل وعلا بكل شيء عليم، لكنه يعلم علماً خاصاً عند حدوث الحدث والواقعة، وهذا لا ينفي أنه الله عالم بالشيء قبل حدوثه. وقال بعض أهل العلم: إن العلم في هذه الآية هو علم الظهور الذي تظهر به مراتب الناس وتحصل به المجازاة، كما في قوله تعالى: ﴿حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ [محمد:٣١] . [لأنه من ليس له علم بما يريد أن يصنعه، لم يقدر أن يصنعه -نجده ضرورة- قال: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤] ، قال: وإنما قوله: ﴿حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ﴾ [محمد:٣١] إنما يريد: حتى نراه، فيكون معلوماً موجوداً] . يسميه بعض أهل التفسير علم الظهور أو علم المجازاة، يعني: العلم الذي تترتب عليه مجازاة. [لأنه لا جائز أن يكون يعلم الشيء معدوماً من قبل أن يكون، ويعلمه موجوداً كان قد كان، فيعلم في وقت واحد معلوماً موجوداً وإن لم يكن، وهذا محال، وذكر كلاماً في هذا في الإرادة] . والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 143

شرح الفتوى الحموية [١٨] صفات الله لا تنسخ، والله سبحانه متصف بها أزلاً وأبداً، ولا يعارض بعضها بعضاً، ومن رام تأويلها وقع في التناقض والاضطراب ولابد؛ لأنه ليس أعلم بالله من الله ولا من رسوله ﷺ ، وهنا ينقل الشيخ كلام الحارث المحاسبي الذي يرد به على أهل البدع.

стр. 144

مواصلة كلام الحارث المحاسبي في عدم النسخ في آيات الصفات ونحوها بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين. أما بعد: فيقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: [وكذلك قوله: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء:١٥] ليس معناه أن يحدث له سمعاً، ولا تكلف بسمع ما كان من قولهم، وقد ذهب قوم من أهل السنة أن لله استماعاً في ذاته، فذهبوا إلى أن ما يعقل من أنه يحدث منهم علم سمع لما كان من قول؛ لأن المخلوق إذا سمع حدث له عقل فهم عما أدركته أذنه من الصوت. وكذلك قوله: ﴿وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة:١٠٥] لا يحدث بصراً محدثاً في ذاته، وإنما يحدث الشيء فيراه مكوناً، كما لم يزل يعلمه قبل كونه. إلى أن قال: وكذلك قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام:١٨] ، وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] وقوله: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] ، وقوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠] . وقال: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنْ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة:٥] ، وقال: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج:٤] ، وقال لعيسى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران:٥٥] وقال: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء:١٥٨] ، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ [الأعراف:٢٠٦] ، وذكر الآلهة: أن لو كان آلهة لابتغوا إلى ذي العرش سبيلاً حيث هو، فقال: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً﴾ [الإسراء:٤٢] أي: طلبه، وقال: ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١] قال أبو عبد الله: فلن ينسخ ذلك لهذا أبداً. كذلك قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف:٨٤] وقوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦] ، وقوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ [الأنعام:٣] ، وقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة:٧] الآية، فليس هذا بناسخ لهذا، ولا هذا ضد لذلك] . هذا النقل عن الحارث المحاسبي له صلة بما تقدم من النقل السابق الذي بدأه ﵀ بقوله: (وأن النسخ لا يجوز في الأخبار) وسبب سياق هذه القاعدة أن بعض المشبهين يتمسكون ببعض النصوص التي يضربون بعضها ببعض، ويحتجون بها على إبطال ما أثبته الله تعالى لنفسه من الصفات. فذكر ﵀ قوله تعالى: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء:١٥] وقوله: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ ثم ذكر آيات العلو التي يثبت بها علو الله ، وذكر ما قد يشكل عليها من الآيات التي قد يفهم منها أن الله غير مستوٍ على عرشه، كقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأرْضِ إِلَهٌ﴾ ، وقوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ التي يستدل بها من يستدل على أنه في كل مكان. ثم بين أن هذه الآيات ليست بناسخة للتي فيها إثبات العلو، أو فيها إثبات أنه بصير وأنه سميع. فإذا كانت ليست بناسخة فيجب أن تفهم على الوجه الذي وردت به، فصفة السمع والبصر صفات ذاتية له ، فهو ما زال سميعاً بصيراً أزلاً وأبداً، وهو السميع البصير في الأزل والأبد، وهو لا ينفك عن هذه الصفة.

стр. 145

السمع صفة ذاتية باعتبار الأصل حادثة عند حدوث المسموع وما أخبر به من استماعه لحديث معين كقوله: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ وكقوله جل وعلا في سورة المجادلة: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ) فهذا كما تقدم بيانه وأن السمع حادث عند حدوث المسموع، فالسمع صفة ذاتية باعتبار الأصل، وأما باعتبار أفراد المسموعات وأفراد المبصرات فإن السمع صفة فعلية، وقد قررنا مثل هذا أيضاً في الإرادة والعلم، وفي غير ذلك من الصفات الذاتية، ولا تنافي بين هذا وبين ما أثبته الله لنفسه مطلقاً، فقوله تعالى: (وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) ، لا ينافي قوله: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ وقوله: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ) وقوله: ﴿وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ وقوله أيضاً: (حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ) وما إلى ذلك من الآيات، فلا تعارض بين هذه الآيات. وأما الآيات التي ذكرها بخصوص العلو فالآيات الدالة على علوه كثيرة، وقد تقدم ذكر أدلة العلو، وأن العلو دل عليه الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة، وأما الآيات التي شغبوا بها على هذه الصفات كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ فلا تعارض بينها وبين بقية الآيات، فهو جل وعلا إله من في السماوات وإله من في الأرض، وقوله: (في) هنا ليست مكانية، يعني: لا تدل على أن الله حالٌّ في الأرض تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، فأنت تقول: زيد أمير البصرة وأمير الكوفة وهو في أحدهما. ولا يفهم من قولك: إنه أمير للبصرة والكوفة أنه حالٌّ في البصرة وحالٌّ في الكوفة، وهذا أسلوب عربي لا إشكال فيه، ولا يبطل ما ثبت في النصوص من أن الله عالٍ على عرشه، بائن من خلقه.
следующие страницы →