← Акыда

Акыда · id 7727

شرح الفتوى الحموية

خالد المصلح

Полный текст (251 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

القول الفصل في الاستواء ثم بعد أن فرغ من ذكر هاتين البدعتين في هذه الصفة، قرر طريقة أهل السنة والجماعة في هذه الصفة كالممثل بها حتى تقاس بقية الصفات عليها قال: قوله: (والقول الفاصل هو ما عليه الأمة الوسط: من أن الله مستو على عرشه استواءً يليق بجلاله ويختص به) فأهل السنة والجماعة يثبتون الاستواء لله ، لما مر في أول هذه الرسالة من الأدلة الدالة على استواء الله على عرشه. والاستواء في كلام السلف له أربع معان: العلو، والارتفاع، والصعود، والاستقرار، فكلام السلف في تفسير الاستواء المذكور في كتاب الله -الذي هو صفة له- دائر على هذه المعاني الأربع، وهم بذلك يثبتونه على الوجه الذي يليق به دون أن يمثلوا أو يكيفوا أو يعطلوا أو يحرفوا. وذكرنا في شرح العقيدة الواسطية بيان انحرافات المتكلمين في هذه الصفة وأن أكثرهم ينفيها أو يؤولها بالاستيلاء، وأجبنا على أقوالهم في تلك الرسالة.

стр. 72

القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر ثم قال الشيخ: (فكما أنه موصوف بأنه بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير وأنه سميع بصير ونحو ذلك) أي: فكما أن هذه الأوصاف لا يلزم منها تمثيل ولا تعطيل، فكذلك صفة الاستواء، فالاستواء صفة فعلية من صفات الله . وقوله: (كما أنه موصوف بأنه بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير وأنه سميع بصير) ذكر فيه صفات ذاتية: العلم والقدرة والسمع والبصر، وهذا يشير إلى الأصل في باب الأسماء والصفات، وهو: أن القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر، فلا نفرق بين الصفات الفعلية والصفات الذاتية والصفات الخبرية بل قولنا في صفة من الصفات هو كقولنا في سائر الصفات، فكما أننا نقول: بأنه بكل شيء عليم وأنه على كل شيء قدير وأنه سميع بصير، ولا نخترع لوازم باطلة على هذا الإثبات؛ فكذلك في الاستواء؛ لأن القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر. فباب الصفات باب واحد لا نميز بينه في اللوازم فنثبت بعضاً وننفي بعضاً، ولذلك ما سلم من ناحية اللوازم إلا من نفى كل الصفات، أما من أثبت بعضاً ونفى بعضاً فقد احتج عليه المبتدع الذي نفى الجميع، وقال: كيف تثبت بعضاً وتنفي بعضاً مع أن الباب واحد، واللازم فيما نفيت يلزم فيما أثبت؟ فوقع هذا المثبت في اضطراب وخطأ، وعلى هذا فكما نثبت هذه الصفات على الوجه الذي يليق به، فنحن نثبت الاستواء وغيره من الصفات الفعلية على الوجه الذي يليق به. قال: (ولا يجوز أن يثبت للعلم والقدرة خصائص الأعراض التي لعلم المخلوقين وقدرهم، فكذلك هو سبحانه فوق العرش ولا يثبت لفوقيته خصائص فوقية المخلوق على المخلوق وملزوماتها) ، وهذا جيد وبين، أي: فكما أنكم تقولون يلزم على إثبات الاستواء مماثلة المخلوق، فكذلك العلم والقدرة فإن الله وصف المخلوق بالعلم والقدرة والسمع والبصر وغير ذلك من الصفات، فكما أن قيام هذه الصفات في المخلوق لا يلزم منه أن تكون الصفات الثابتة للخالق مماثلة لها، فكذلك في صفة الاستواء وغيرها من الصفات التي نفيتموها، والقاعدة في هذا: أن القول في بعض الصفات كالقول في بقيتها. وبعد أن فرغ الشيخ ﵀ من بيان تلازم شبهتي التعطيل والتمثيل، ناقش الأصل الذي اعتمد عليه هؤلاء وهؤلاء فيما ذهبوا إليه من البدع، وهو اعتمادهم العقل في باب الأسماء والصفات، وسيبين الشيخ ﵀ فيما يأتي أن اعتماد العقل في باب الأسماء والصفات غير صحيح. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 73

شرح الفتوى الحموية [٩] إن من الخطأ اعتماد العقل في باب الأسماء والصفات؛ لأن العقل لا يستقل بمعرفة صفات الله، وإنما هو تابع للسمع في ذلك، لكنه لا يحيل إثبات الصفات إلا إذا كانت المقدمات التي اعتمد عليها فاسدة؛ فإن العقل الصريح لا يناقض النقل الصحيح بل يوافقه.

стр. 74

بطلان اعتماد العقل في باب الأسماء والصفات الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين. أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [واعلم أنه ليس في العقل الصريح ولا في شيء من النقل الصحيح ما يوجب مخالفة الطريق السلفية أصلاً، لكن هذا الموضع لا يتسع للجواب عن الشبهات الواردة على الحق، فمن كان في قلبه شبهة وأحب حلها فذلك سهل يسير. ثم المخالفون للكتاب والسنة وسلف الأمة -من المتأولين لهذا الباب- في أمر مريج، فإن من ينكر الرؤية يزعم أن العقل يحيلها وأنه مضطر فيها إلى التأويل، ومن يحيل أن لله علماً وقدرة، وأن يكون كلامه غير مخلوق ونحو ذلك يقول: إن العقل أحال ذلك فاضطر إلى التأويل، بل من ينكر حقيقة حشر الأجساد والأكل والشرب الحقيقي في الجنة يزعم أن العقل أحال ذلك وأنه مضطر إلى التأويل، ومن يزعم أن الله ليس فوق العرش يزعم أن العقل أحال ذلك وأنه مضطر إلى التأويل. ويكفيك دليلاً على فساد قول هؤلاء: أنه ليس لواحد منهم قاعدة مستمرة فيما يحيله العقل، بل منهم من يزعم أن العقل جوز أو أوجب ما يدعي الآخر أن العقل أحاله، فيا ليت شعري بأي عقل يوزن الكتاب والسنة؟! فرضي الله عن الإمام مالك بن أنس حيث قال: أوكلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما جاء به جبريل إلى محمد ﷺ لجدل هؤلاء] .

стр. 75

وجوه بطلان اعتماد العقل في باب الأسماء والصفات قرر المؤلف ﵀ في هذا المقطع بطلان اعتماد العقل في باب أسماء الله وصفاته، بل وفي سائر أبواب الاعتقاد كما سيذكر ذلك في نهاية كلامه، وبطلان اعتماد العقل في باب الإخبار عن الله بين من ثلاثة وجوه: الوجه الأول: أن المعتمدين على عقولهم في باب الأسماء والصفات في أمر مريج وفي أمر مضطرب، فمن أدلة بطلان اعتماد العقل في باب الأسماء والصفات: الاضطراب والتناقض، والتناقض في الشيء دليل على فساده، ولذلك ذكر الشيخ ﵀ أنهم في أمر مريج، ثم بين اضطرابهم وتناقضهم، وضرب لذلك أمثله من البدع عند أهل الكلام: (فإن من ينكر الرؤية يزعم أن العقل يحيلها -يعني: يمنعها- وأنه مضطر فيها إلى التأويل) إلى أن النصوص التي جاء فيها إثبات الرؤية تؤول، ثم يختلفون في تأويلها، ومن يحيل أن لله علماً وقدرة، وأن يكون كلامه غير مخلوق ونحو ذلك يقول: (إن العقل أحال ذلك فاضطر إلى التأويل) ، كذلك أهل البدع من المعتزلة وغيرهم ممن ينفي هذه الصفات يقولون: إن الذي حملهم على ذلك أن العقل أحال أن يوصف الله بهذه الصفات. والشيخ ﵀ تدرج فبدأ بالرؤية التي ينكرها مثبتة الصفات كالأشاعرة والماتردية والكلابية ومن سار على طريقهم، ثم ذكر بدعة الذين ينفون الصفات بالكلية كالمعتزلة والجهمية، ثم أتى ببدعة مغلظة وهي بدعة الفلاسفة الذين ينكرون البعث. قال: (بل من ينكر حقيقة حشر الأجساد) يعني: من ينكر أن الأجساد تحشر يوم القيامة وتبعث، (والأكل والشرب الحقيقي في الجنة، يزعم أن العقل أحال ذلك!) وكل هذه من أقوال ابن سينا وهي من أقوال الفلاسفة الذين ينكرون البعث ويقولون: ما أخبرت به الرسل مما يقع في الآخرة إنما هي خيالات؛ ليحملوا الناس على الطاعة ويزجروهم عن المعصية، والذي حمل أولئك على هذا قولهم: إن العقل أحال ذلك وهم مضطرون إلى التأويل (ومن يزعم أن الله ليس فوق العرش: يزعم أن العقل أحال ذلك وأنه مضطر إلى التأويل) . ثم قال: (ويكفيك دليلا على فساد قول هؤلاء) وهم الذين اعتمدوا العقل في باب الأسماء والصفات، فأثبتوا ما أثبته العقل؛ ونفوا ما نفاه العقل؛ فيكفيك دليلاً على فساد قولهم: (أنه ليس لواحد منهم قاعدة مستمرة فيما يحيله العقل) فليس هناك قاعدة ثابتة يرجع إليها. (بل منهم من يدعي أن العقل جوز أو أوجب ما يدعي الآخر أن العقل أحاله) فبعضهم يقول: العقل يوجب أن يوصف الله بكذا، ومقابله يقول: العقل يمنع ويحيل أن يوصف الله بكذا، ويأتي ثالث ويقول: إن العقل لا يوجب ولا يحيل، بل العقل يجيز أن يوصف الله بكذا، فعقول الناس متفاوتة، بل الواحد منهم -كما ذكر ذلك بعض أهل العلم- تجده في الكتاب الواحد من كتبه يذكر في موضع أن العقل يوجب أن يوصف الله بكذا، وفي نفس الكتاب يقول: يمتنع عقلاً أن يوصف الله بكذا، فهذا التناقض يدل دلالة واضحة على أنه لا يعتمد العقل فيما يجب لله من الكمال والتنزيه إثباتاً ولا نفياً، بل يرجع في ذلك إلى السمع، ويستضاء بالعقل في فهم ما ورد به السمع، أما أن يستقل العقل فيما يتعلق بالله إثباتاً ونفياً، فهذا ليس بصحيح. ثم قال الشيخ ﵀ بعد أن بين هذا الوجه: (فيا ليت شعري بأي عقل يوزن الكتاب والسنة؟!) فأي العقول التي تحتمل أن يوزن بها كلام الله وكلام رسوله، فقوله: (فيا ليت شعري) أي: ليتني أعلم أي العقول نرجع إليها في فهم كلام الله وكلام رسوله، (فرضي الله عن الإمام مالك بن أنس حيث قال: أوكلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما جاء به جبريل إلى محمد ﷺ لجدل هؤلاء وعقولهم) لا شك أن هذا من الضلال المبين والخطأ العظيم. هذا الوجه الأول من الأوجه التي يبطل بها اعتماد العقل في باب الأسماء والصفات. الوجه الثاني: أن اعتماد العقل في هذا الباب مخالف لطريقة السلف، فالسلف ﵏ اقتصروا في هذا الباب على ما جاء عن الله وعن رسوله، من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل. الوجه الثالث من الأوجه التي تبطل اعتماد العقل في باب الأسماء والصفات: أنه من المحال أن يستقل العقل بمعرفة ما يتعلق بالله ، فالعقل يحيل الاعتماد على العقل في معرفة ما يجب لله من الأسماء والصفات. إذاً: الوجه الثالث هو إحالة العقل أن يكون مستنداً ومعتمداً في معرفة ما يجب لله وما يجوز له وما يمتنع عليه؛ وذلك أن باب الأسماء والصفات من الأمور الغيبية التي لا تدرك بالعقل، فلا يستقل العقل بمعرفة ما يجب لله وما يمتنع عليه. وما يجوز عليه، فهذه ثلاثة أدلة تدل على بطلان اعتماد العقل في باب الأسماء والصفات. ثم بعد أن فرغ الشيخ ﵀ من ذكر أدلة بطلان اعتماد العقل في باب الأسماء والصفات ذكر أن من أدلة البطلان: التناقض الذي وقع فيه المتكلمون.

стр. 76

وجوه نقض أدلة المتكلمين ببعضها قال رحمه الله تعالى: [وكل من هؤلاء مخصوم بما خصم به الآخر وهو من وجوه: أحدها: بيان أن العقل لا يحيل ذلك. والثاني: أن النصوص الواردة لا تحتمل التأويل. والثالث: أن عامة هذه الأمور قد علم أن الرسول ﷺ جاء بها بالاضطرار، كما أنه جاء بالصلوات الخمس وصوم شهر رمضان، فالتأويل الذي يحيلها عن هذا بمنزلة تأويلات القرامطة والباطنية في الحج والصلاة والصوم وسائر ما جاءت به النبوات. الرابع: أن يبين أن العقل الصريح يوافق ما جاءت به النصوص، وإن كان في النصوص من التفصيل ما يعجز العقل عن درك تفصيله، وإنما يعلمه مجملاً إلى غير ذلك من الوجوه. على أن الأساطين من هؤلاء الفحول معترفون بأن العقل لا سبيل له إلى اليقين في عامة المطالب الإلهية، فإذا كان هكذا فالواجب تلقي علم ذلك من النبوات على ما هو عليه] . هذا المقطع بين فيه الشيخ ﵀ أن هؤلاء المختصمين فيما يجب لله في الأسماء والصفات كل منهم اعتمد فيما ذهب إليه على العقل والتأويل، فبين الشيخ ﵀ أن كل واحد من هؤلاء يحتج عليه بما احتج به على صاحبه، فالحجة التي اعتمدها أحدهم في إبطال صفة من الصفات يحتج عليه بهذه الحجج التي استند إليها في إبطاله الصفات في إثبات الصفة التي احتج على إبطالها. فمثلاً من يقول: إن العقل يحيل أن يكون الله جل وعلا مستوياً على العرش، أو أن يكون مريداً، أو موصوفاً بالصفة الفلانية، يقال له: إن إحالتك هذه باطلة ومنقوضة بدليلك، أي: بالدليل الذي استدللت به على إبطالها، فنبين من هذا الدليل أن ما قلته باطل، وهذا من بديع أساليب الرد على الخصوم أن ينقض قولهم من قولهم، ولذلك اعتمد شيخ الإسلام ﵀ على هذا في كثير من ردوده على المنحرفين في هذا الباب، فاعتمد على كلامهم في إبطال كلامهم؛ لأن كلامهم اشتمل على حق وباطل، فهم تمسكوا بالباطل في إبطال ما يجب لله وغفلوا عن الحق الذي في كلامهم، فاستعمل الحق في إبطال كلامهم، وهذا طريق بديع لإقناع الخصم ببطلان ما هو عليه، فمن احتج بهذه التأويلات التي ذكرها الشيخ ﵀ أو احتج بالعقل على إبطال ما يجب لله يقال له: إن اعتمادك على العقل في إبطال هذه الصفات باطل من وجوه:

стр. 77

العقل لا يحيل إثبات الصفات (أحدها: بيان أن العقل لا يحيل ذلك) العقل لا يحيل ما زعمت أنه محال، فالعقل لا يحيل أن الله مستو على العرش، وإنما جاءت الإحالة العقلية عندكم بسبب المقدمات الباطلة الفاسدة التي جعلتموها سبيلاً للتوصل إلى هذه النتيجة، فلما كانت المقدمات -أو بعضها- مقدمات فاسدة غير صحيحة كانت النتائج تابعة لها في الفساد والبطلان، فيقال لهم: إن العقل لا يحيل ما ذكرتم أنه محال، وإنما الإحالة جاءت ناتجة عن مقدمات فاسدة إذا أبطلتموها ورفضتموها زالت الإحالة العقلية. لماذا منعوا الاستواء؟ قالوا: لأن الاستواء يقتضي التمثيل، فإذا قيل لهم: إن الاستواء أصلاً لا يقتضي التمثيل، فإثبات الاستواء لله لا يقتضي المشابهة والتمثيل، فتكون المقدمة التي استدلوا بها على إبطال هذه الصفة منقوضة، فإذا نقضت المقدمة بطلت النتيجة التي توصلوا إليها وهي نفي الاستواء عنه . إذاً: أول هذه الوجوه التي يحتج بها عليهم: أن العقل لا يحيل ذلك.

стр. 78

نصوص الصفات لا تحتمل التأويل (الثاني: أن النصوص الواردة لا تحتمل التأويل) : النصوص الواردة في باب الأسماء والصفات كثيرة يعسر أن تصرف عن ظاهرها، فهي لا تحتمل التأويل ولا تحتمل الصرف، فالاستواء جاء في آيات كثيرة وأحاديث كثيرة، ولم يأت في موضع واحد ما يدل على أنه مصروف عن ظاهره فكيف مع هذه الكثرة نقول إن النص يحتمل التأويل؟!

стр. 79

مشابهة المعطلة للباطنية (الثالث: أن عامة هذه الأمور قد علم أن الرسول ﷺ جاء بها بالاضطرار) لكثرة ما ورد عنه ﷺ في الإخبار عنها وفي ذكرها (كما أنه جاء بالصلوات الخمس وصوم شهر رمضان) يعني: كما جاء النبي ﷺ بالصلوات الخمس وجاء بصيام شهر رمضان وأقررنا بذلك وأثبتناه ولم ندخل في ذلك متأولين، بل ننكر جميعاً على الباطنية الذين يؤولون هذه العبادات بتأويلات فاسدة، فكذلك حالكم في تأويلكم صفات الله ، فكما أنكم أنكرتم على أهل التأويل من القرامطة والباطنية الذين أولوا هذه العبادات بأمور باطلة لم يأت ما يؤيد ما ذهبوا إليه في كتاب الله ولا في سنة رسوله ﷺ ، فكذلك نقول في باب الأسماء والصفات، فالأمر كله من باب واحد. فإذا كنا لا نقبل تأويل القرامطة والباطنية في قولهم: إن الصلوات الخمس ليست على ظاهرها بل يراد بها كذا وكذا، وكذلك الحج لا يراد به ما فهم منه عوام المسلمون بل يراد به كذا وكذا، وكذلك نقول لكم في باب الأسماء والصفات: إنها على ظاهرها ويجب الإيمان بها كما أخبر بها الله وأخبر بها رسوله ﷺ ، فالتأويل الذي يحيلها، أي: التأويل الذي اعتمدتموه في إحالة الأسماء والصفات بمنزلة تأويل القرامطة والباطنية في الحج والصلاة والصوم وسائر ما جاءت به النبوات، فالباب واحد ولا فرق، فكما أنكم تنكرون على أولئك تأويلاتهم الباطلة فيجب عليكم أن تنزعوا عن هذه التأويلات الفاسدة التي أولتم بها نصوص الصفات.

стр. 80

العقل الصريح لا يخالف النقل الصحيح قال: (الرابع: أن يبين أن العقل الصريح يوافق ما جاءت به النصوص) . العقل الصريح السليم يوافق ما جاءت به النصوص الصحيحة الثابتة، وهذه قاعدة ذهبية تحل إشكالات كثيرة، فالعقل الصريح السليم لا يمكن أن يخالف نصاً صحيحاً ثابتاً؛ لأن الشريعة لم تأت بما تحيله العقول، بل جاءت بما تحار فيه العقول، وقد تعجز عن إدراكه إدراكاً تاماً، ولهذا فكل ما تبادر لك من النصوص الصحيحة أنه يخالف العقل الصريح فاعلم أنك إنما أتيت من قبل أمرين: الأمر الأول: فساد في العقل، بأن يكون العقل الذي اعتمدته -في مصادمة النصوص- عقلاً فاسداً، إما في أصله أو في مقدماته، أو أن يكون النص الوارد غير صحيح، فهذان تبريران أو تعليلان للمصادمة التي قد ترد بين العقل والنص. فإما أن يكون سبب ذلك فساداً في العقل أو ضعفاً في النصوص، فإذا اجتمع عقل صريح ونص صحيح فلا يمكن أن تكون معارضة، وقد قرر ذلك شيخ الإسلام ﵀ تقريراً بيناً جلياً في كتابه المبارك: (درء تعارض العقل والنقل) ، وهو كتاب جليل فيه تقعيد لأصول أهل السنة والجماعة في باب أصول الدين والرد على المبتدعة وقواعدهم في هذا الباب. قال: (وإن كان في النصوص من التفصيل ما يعجز العقل عن درك التفصيل وإنما يعلمه مجملاً) وهذا ما ذكرناه قريباً من أن الشريعة قد تأتي بما تحار فيه العقول وتعجز عن إدراكه إدراكاً تاماً، لكن لا يمكن أن تأتي الشريعة بما تحيله العقول وتمنعه، (إلى غير ذلك من الوجوه) في إبطال طريقتهم. (على أن الأساطين من هؤلاء) أي: كبراء القوم وعظماؤهم ومنظروهم (معترفون بأن العقل لا سبيل له إلى اليقين في عامة المطالب الإلهية) ، وذلك أن العقل لا يدرك الغيبيات إدراكاً تاماً، فقد يدركها في الجملة لكن لا يدرك تفاصيل هذه المغيبات، (فإذا كان هكذا فالواجب تلقي علم ذلك من النبوات على ما هو عليه) يعني: على ما جاءت به الرسل من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل, فالواجب الوقوف على ما جاءوا به من غير زيادة ولا نقصان، وأن من دخل في ذلك بعقله فقد ضل ضلالاً مبيناً.

стр. 81

ما اجتمع للنبي ﷺ من كمال بيان ونصح يبطل ما عليه المعطلة قال ﵀: [ومن المعلوم للمؤمنين أن الله تعالى بعث محمداً ﷺ بالهدى ودين الحق؛ ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيداً، وأنه بين للناس ما أخبرهم به من أمور الإيمان بالله واليوم الآخر. والإيمان بالله واليوم الآخر يتضمن الإيمان بالمبدأ والمعاد، وهو الإيمان بالخلق والبعث، كما جمع بينهما في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٨] ، وقال تعالى: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان:٢٨] ، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [الروم:٢٧] . وقد بين الله على لسان رسوله ﷺ من أمر الإيمان بالله واليوم الآخر ما هدى الله به عباده وكشف به مراده. ومعلوم للمؤمنين: أن رسول الله ﷺ أعلم من غيره بذلك، وأنصح من غيره للأمة، وأفصح من غيره عبارة وبياناً، بل هو أعلم الخلق بذلك وأنصح الخلق للأمة وأفصحهم، فقد اجتمع في حقه كمال العلم والقدرة والإرادة. ومعلوم أن المتكلم أو الفاعل إذا كمل علمه وقدرته وإرادته كمل كلامه وفعله، وإنما يدخل النقص إما من نقص علمه، وإما من عجزه عن بيان علمه، وإما لعدم إرادته البيان. والرسول ﵌ هو الغاية في كمال العلم، والغاية في كمال إرادة البلاغ المبين، والغاية في قدرته على البلاغ المبين، ومع وجود القدرة التامة والإرادة الجازمة يجب وجود المراد، فعلم قطعاً أن ما بينه من أمر الإيمان بالله واليوم الآخر حصل به مراده من البيان، وما أراده من البيان فهو مطابق لعلمه، وعلمه بذلك أكمل العلوم. فكل من ظن أن غير الرسول ﵌ أعلم بهذا منه، أو أكمل بياناً منه، أو أحرص على هدى الخلق منه؛ فهو من الملحدين لا من المؤمنين] . هذا الوجه أيضاً يضاف إلى الوجوه السابقة في بيان إبطال ما اعتمده هؤلاء من تأويل أسماء الله وصفاته، فإن النبي ﷺ أخبر عن الله خبراً تاماً اجتمع فيه تمام العلم بالمخبر، وكمال المخبر من حيث البيان، وتمام إرادته للبيان، وهذه الصفات إذا توفرت في المخبر عن الشيء علم أن خبره من أصدق الأخبار؛ لاشتماله على العلم والقدرة على البيان وإرادة البيان. وقد سبق تقرير هذا في أول الرسالة، وأن التأويل غير مقبول في باب الأسماء والصفات؛ لأن الرسل إنما جاءت لبيان ما يجب لله وجاءت بذلك مفصلاً، وقد صدقوا فيما أخبروا وصدقوا من الله جل وعلا في خبرهم، فدل ذلك على سلامة ما جاءوا به وصحته، وأن كل من سلك غير طريقهم فقد ضل ضلالاً مبيناً، وزاغ عن الطريق الذي يوصل إلى معرفة الله ، وهذا الوجه واضح وسبق تقريره. والله تعالى أعلم. وصلى الله على نبينا محمد.

стр. 82

شرح الفتوى الحموية [١٠] اختلفت آراء المنحرفين عن الصراط المستقيم في التعامل مع نصوص الوحي وتشعبت طرقهم، فانقسموا إلى ثلاث فرق رئيسة: أهل التخييل وهم أضل الناس، وأهل التأويل، وأهل التجهيل. أما أهل التخييل فكفرهم أظهر وأشهر، وأما أهل التأويل فقد خالفوا الرسل، وعجزوا عن كسر الفلاسفة، وقد بين الشيخ في هذه المادة ضلال أهل التخييل ومشابهة أهل التأويل لهم في تحريف نصوص التنزيل.

стр. 83

طوائف المنحرفين عن الصراط المستقيم بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم. أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [والصحابة والتابعون لهم بإحسان ومن سلك سبيلهم في هذا الباب على سبيل الاستقامة. وأما المنحرفون عن طريقهم فهم ثلاث طوائف: أهل التخييل، وأهل التأويل، وأهل التجهيل.

стр. 84

الكلام على القسم الأول من المنحرفين عن الصراط المستقيم وهم أهل التخييل فأهل التخييل: هم المتفلسفة ومن سلك سبيلهم من متكلم، ومتصوف، ومتفقه، فإنهم يقولون: إن ما ذكره الرسول من أمر الإيمان بالله واليوم الآخر إنما هو تخييل للحقائق؛ لينتفع به الجمهور، لا أنه بين به الحق ولا هدى به الخلق ولا أوضح به الحقائق. ثم هم على قسمين: منهم من يقول: إن الرسول لم يعلم الحقائق على ما هي عليه، ويقولون: إن من الفلاسفة الإلهية من علمها، وكذلك من الأشخاص الذين يسمونهم الأولياء من علمها، ويزعمون أن من الفلاسفة والأولياء من هو أعلم بالله واليوم الآخر من المرسلين، وهذه مقالة غلاة الملحدين من الفلاسفة والباطنية: باطنية الشيعة وباطنية الصوفية. ومنهم من يقول: بل الرسول علمها لكن لم يبينها، وإنما تكلم بما يناقضها وأراد من الخلق فهم ما يناقضها؛ لأن مصلحة الخلق في هذه الاعتقادات التي لا تطابق الحق. ويقول هؤلاء: يجب على الرسول أن يدعو الناس إلى اعتقاد التجسيم مع أنه باطل، وإلى اعتقاد معاد الأبدان مع أنه باطل، ويخبرهم بأن أهل الجنة يأكلون ويشربون مع أن ذلك باطل. قالوا: لأنه لا يمكن دعوة الخلق إلا بهذه الطريقة التي تتضمن الكذب لمصلحة العباد. فهذا قول هؤلاء في نصوص الإيمان بالله واليوم الآخر. وأما الأعمال فمنهم من يقرها ومنهم من يجريها هذا المجرى ويقول: إنما يؤمر بها بعض الناس دون بعض، ويؤمر بها العامة دون الخاصة، فهذه طريقة الباطنية الملاحدة الإسماعيلية ونحوهم] . عاد الشيخ ﵀ -بعد كلامه السابق- إلى تصنيف الطوائف المنحرفة في باب أسماء الله وصفاته أو في باب الإخبار عنه ، وضم إليه الانحراف في باب ما أخبر به مما يقع في اليوم الآخر، فقال مبيناً منهج السلف: (والصحابة والتابعون لهم بإحسان ومن سلك سبيلهم في هذا الباب) أي: في باب ما يتعلق بالله على سبيل الاستقامة، من غير غلو ولا تفريط. ثم قال: (وأما المنحرفون عن طريقهم فهم ثلاث طوائف في الجملة: أهل التخييل، وأهل التأويل، وأهل التجهيل) ثم شرع ﵀ في الكلام على كل طائفة على سبيل الإجمال؛ لأن هذه القسمة التي ذكرها الشيخ ﵀ هي قسمة عامة تندرج فيها أكثر من فرقة، فمثلا أهل التأويل يدخل فيهم الأشاعرة، والكلابية، ويدخل فيهم المعتزلة، ويدخل فيهم الجهمية، ويدخل فيهم غلاة الجهمية أيضاً. وكذلك أهل التخييل وأهل التجهيل مراتب، فهو يتكلم عن أصول هذه البدع، ويذكر الجامع في كل بدعة.

стр. 85

قول أهل التخييل فيما جاء به الرسل من الأخبار فذكر أولاً: أهل التخييل فقال: (فأهل التخييل: هم المتفلسفة ومن سلك سبيلهم من متكلم ومتصوف ومتفقه) . المتفلسفة هم الذين اشتغلوا بالفلسفة وما جاء عن اليونان، وما ورثوه عن أرسطو وغيره من الضلال. (ومن سلك سبيلهم من متكلم) يعني: ولو لم يكن مصنفاً منهم إلا أنه سلك سبيلهم في بعض ما ذهبوا إليه (ومتصوف ومتفقه) . ثم بين ما يقوله المتفلسفة فقال: (فإنهم يقولون: إن ما ذكر الرسول من أمر الإيمان بالله واليوم الآخر إنما هو تخييل للحقائق لينتفع به الجمهور) . تخييل للحقائق، أي: تصوير وتكييف لأمر لا واقع له، فهم يخيلون حقائق لا واقع لها لينتفع بهذا التخييل الجمهور، وهم عموم الناس، (لا أنه بين به الحق) يعني: لا أنه بين بما جاء به من الإخبار عن الله أو الإخبار عن اليوم الآخر بالحق المبين، إنما جاء بأمور تخييلية لا واقع لها، لا أنه بين به الحق، (ولا هدى به الخلق، ولا أوضح به الحقائق) .

стр. 86

أقسام أهل التخييل في موقفهم من علم الرسل بما أخبروا به ثم هؤلاء الضلال المكذبون لله ورسوله على قسمين: (منهم من يقول: إن الرسول لم يعلم الحقائق على ما هي عليه، ويقولون: إن من المتفلسفة الإلهية من علمها، وكذلك من الأشخاص الذين يسمونهم الأولياء من علمها، ويزعمون أن من الفلاسفة والأولياء من هو أعلم بالله وباليوم الآخر من المرسلين) ، ومن الكفر المبين أن يُجعل هؤلاء الضلال أعلم بالله من الرسل الصادقين المصدقين، (وهذه مقالة غلاة الملحدين من الفلاسفة والباطنية) ، قال: (باطنية الشيعة وباطنية الصوفية) ؛ فالباطنية: منها ما يوجد عند الشيعة ومنها ما يوجد عند الصوفية ومنها ما يوجد عند غيرهم. فمن باطنية الشيعة: الإسماعيلية الذين يقولون إن ما أخبر الله به إنما هو تخييل لا حقيقة له، فلا بعث ولا نشور ولا صحة لما ذكر الرسل عن الله من الأسماء والصفات وغير ذلك من الأقوال الباطلة. وباطنية الصوفية: كـ ابن عربي والحلاج وغيرهم من الذين ضلوا واعتقدوا الكذب من الرسل فيما أخبروا، وأنهم يتلقون عن الله ، وأن ما تخبر به الرسل ليس على الحقيقة إنما هو لأجل نفع الناس. قال: (ومنهم من يقول) وهذا القسم الثاني: (بل الرسول علمها) يعني: علم حقائق ما أخبر الله به عن نفسه أو أخبر به سبحانه وتعالى عما يكون في اليوم الآخر، (لكن لم يبينها وإنما تكلم بما يناقضها) وهذا من أعظم الافتراء والكذب على الرسل، وهذه بدعة مغلظة، وهي أشد من الأولى؛ لأن الأولى فيها تهمة الأنبياء بعدم العلم، والثانية فيها تهمتهم بالعلم والتضليل، وهذا هو سبيل المغضوب عليهم الذين علموا وكتموا ولم يعملوا بما علموا، وأما القسم الأول فهو سبيل الضالين الذين لم يعلموا. والأنبياء منزهون عن هذين الطريقين، فطريقهم تام العلم تام العمل؛ ولذلك شرع الله لأهل الإيمان أن يسألوه أن يهديهم صراطه المستقيم ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٦-٧] ، وهم الرسل والأنبياء والصالحون والشهداء، ولتوضيح هذا السبيل استثنى طريقين، فالمغضوب عليهم: هم الذين علموا ولم يعملوا، والضالون: هم الذين عملوا بلا علم، فالفلاسفة جعلوا الأنبياء والرسل إما من المغضوب عليهم أو من الضالين، وهذا فيه أعظم التكذيب لهم والفرية عليهم، والتنقص لله جل وعلا الذي أقر هؤلاء وأيدهم ونصرهم.

стр. 87

تعليل أهل التخييل ما زعموه من كذب الأنبياء أنه للمصلحة ثم قال: (وأراد من الخلق فهم ما يناقضها) أي: الرسول، (لأن مصلحة الخلق في هذه الاعتقادات التي لا تطابق الحق) وأي مصلحة يزعمون؟! إنما هي خيالات وشبه! قال: (ويقول هؤلاء: يجب على الرسول أن يدعو الناس إلى اعتقاد التجسيم مع أنه باطل، وإلى اعتقاد معاد الأبدان مع أنه باطل) أي مع أنه لن يكون وأنه كذب، (ويخبرهم بأن أهل الجنة يأكلون ويشربون مع أن ذلك باطل، قالوا: لأنه لا يمكن دعوة الخلق) هذا بيان للمصلحة التي زعموها (لأنه لا يمكن دعوة الخلق إلا بهذه الطريقة التي تتضمن الكذب لمصلحة العباد) ، فلو جاءت الرسل تدعو إلى الله وتبين للناس حقائق الأمور على ما هي عليه دون هذه الكذبات ودون هذه الافتراءات التي زعموها؛ لما صدقهم أحد ولما تبعهم أحد، فكذب الرسل في الإخبار بأن الله يبعث الناس، وأن أهل الجنة يتنعمون بالأكل والشرب وغير ذلك؛ إنما كان لمصلحة كبرى، وهي أن ينقاد الناس إلى الخير وينصرفوا عن الشر. قال: (فهذا قول هؤلاء في نصوص الإيمان بالله واليوم الآخر) يعني: فيما يتعلق بالعقائد. (وأما الأعمال) أي: وأما ما جاءت به الرسل من الأعمال: كالأمر بالصلاة، والأمر بالزكاة، والصوم، والحج، وغير ذلك من العبادات، (فمنهم من يقرها) ويثبتها على ما جاءت (ومنهم من يجريها هذا المجرى) أي: مجرى الأمور الخبرية الاعتقادية فيقول فيها: إن الرسل قد ضللوا، وإنما أمروا بهذا لمصلحة العباد، وإلا فإن المقصود بالصلاة ليست الصلاة التي بينها النبي ﷺ لأمته، إنما هي أمور باطنة لا يعلمها إلا الخواص! وهذا من أعظم النقض والكذب على الشريعة. قوله: (ويقول: إنما يؤمر بها بعض الناس دون بعض، يؤمر بها العوام) ، أي: أما الخواص الذين يفهمون معنى هذه العبادات على حقيقتها، فيفهمون معنى الحج ومعنى الصيام ومعنى الزكاة ومعنى الصلاة الحقيقي، فلا حاجة إلى أن يصلوا ولا أن يحجوا ولا أن يصوموا ولا أن يزكوا الزكاة التي فرضت على العامة. ثم قال: (ويؤمر بها العامة دون الخاصة، فهذه طريقة الباطنية الملاحدة: الإسماعيلية ونحوهم) وهذه الطريق مستنكرة مكذبة مكروهة، ظاهرة البطلان عند كل من يؤمن بالله واليوم الآخر؛ ولذلك لم يطل الشيخ ﵀ في نقض هذه الطريق وإنما اكتفى بذكر طريقتهم دون النقض لها؛ لأنها بينة العوار لا تلتبس على من في قلبه إيمان بالله واليوم الآخر.

стр. 88

الكلام على القسم الثاني من المنحرفين عن الصراط المستقيم وهم أهل التأويل ثم انتقل الشيخ ﵀ إلى الطائفة الثانية فقال: [وأما أهل التأويل فيقولون: إن النصوص الواردة في الصفات لم يقصد بها الرسول أن يعتقد الناس الباطل، ولكن قصد بها معاني، ولم يبين لهم تلك المعاني ولا دلهم عليها، ولكن أراد أن ينظروا فيعرفوا الحق بعقولهم، ثم يجتهدوا في صرف تلك النصوص عن مدلولها! ومقصوده: امتحانهم وتكليفهم وإتعاب أذهانهم وعقولهم في أن يصرفوا كلامه عن مدلوله ومقتضاه، ويعرفوا الحق من غير جهته. وهذا قول المتكلمة والجهمية والمعتزلة ومن دخل معهم في شيء من ذلك -يعني: مثبتة الصفات- والذين قصدنا الرد عليهم في هذه الفتيا هم هؤلاء؛ إذ كان نفور الناس عن الأولين مشهوراً، بخلاف هؤلاء فإنهم تظاهروا بنصر السنة في مواضع كثيرة وهم في الحقيقة لا للإسلام نصروا، ولا للفلاسفة كسروا] .

стр. 89

صحة القصد وحفظ جناب الرسالة مع الضلال بين الشيخ ﵀ قول أهل التأويل فقال عنهم: (فيقولون: إن النصوص الورادة في الصفات لم يقصد بها الرسول أن يعتقد الناس الباطل) ، فهؤلاء حفظوا جانب الرسالة من التضليل والكذب، يقولون: إن الرسل لم تبين هذه المعاني بياناً واضحاً لا لقصد التضليل، ولكن لتعبد الناس بالوصول إلى هذا المقصود، ولذلك قال: (ولكن قصد بها معاني ولم يبين لهم تلك المعاني، ولا دلهم عليها، ولكن أراد أن ينظروا) يعني بأنفسهم ويستقلوا بعقولهم في معرفة المراد (فيعرفوا الحق بعقولهم ثم يجتهدوا في صرف تلك النصوص عن مدلولها) إلى ذلك الحق المراد. وفي هذا طعن في الرسل من جهة أنهم لم يبينوا للناس الهدى، وإنما أتوا بما زادهم التباساً واضطراباً؛ لأن العقول إذا كانت تستقل بمعرفة ما يجب لله من الأسماء والصفات، فما الحاجة إلى الإتيان بالنصوص؟! فالإتيان بالنصوص التي ظواهرها يخالف المراد منها في الحقيقة زيادة عناء وتطويل وتعب وتضليل، ولا فائدة في هذا، وهذا فيه تنقص للرسل من هذه الجهة، فهم سلموا من اتهام الرسل بكونهم من المغضوب عليهم أو الضالين، لكنهم لم يسلموا من أن جعلوا الرسل سبباً في حيرة الناس وتناقضهم واضطرابهم واختلافهم والتباس الأمر عليهم. قال: (ومقصوده امتحانهم) أي: تعبدهم، (وتكليفهم وإتعاب أذهانهم وعقولهم في أن يصرفوا كلامه عن مدلوله ومقتضاه ويعرفوا الحق من غير جهته) أي: من غير الجهة التي يجب أن يعرف منها، وهي جهة الرسل. (وهذا قول المتكلمة والجهمية والمعتزلة) ؛ لأنهم من أضل الناس في باب الأسماء والصفات، وهم من أعتى أهل التأويل ضلالاً وأشدهم بعداً عن طريق أهل السنة والجماعة. ثم قال: (ومن دخل معهم في شيء من ذلك) ويريد من ذلك مثبتة الصفات الذين دخلوا معهم في بعض ما ذهبوا إليه من البدع، بإنكار بعض ما وصف الله به نفسه، أو بتأويله عن الحق.

стр. 90

مخالفة أهل التأويل للأنبياء وعجزهم عن الظهور على الفلاسفة قال: (والذين قصدنا الرد عليهم في هذه الفتيا هم هؤلاء) ؛ لأن شبهتهم مضللة تلتبس على الناس وقد تقبلها بعض العقول، بخلاف أصحاب التخييل الذين عوارهم وضلالهم، وبعدهم عن الحق وتكذيبهم للرسل ظاهر بين، (إذ كان نفور الناس عن الأولين مشهوراً، بخلاف هؤلاء فإنهم تظاهروا بنصر السنة في مواضع كثيرة) يعني: بالرد على أهل التخييل وغيرهم من أهل البدع المغلظة. قوله: (وهم في الحقيقة لا للإسلام نصروا ولا للفلاسفة كسروا) يعني: لا نصروا الإسلام الذي جاءت به الرسل؛ لأنهم اضطروا إلى مخالفة الرسل في بعض ما جاءوا به، (ولا للفلاسفة كسروا) أي: بينوا ضلال طريقهم؛ لأنهم أخذوا عنهم في جوانب كثيرة مما يتعلق بصفات الله . ويبين عدم كسرهم للفلاسفة بقوله: [لكن أولئك الفلاسفة ألزموهم في نصوص المعاد نظير ما ادعوه في نصوص الصفات] فأهل التأويل أولوا نصوص الصفات وأثبتوا نصوص المعاد على ما جاءت دون تأويل، وأهل التخييل أولوا نصوص المعاد وأولوا نصوص الصفات، فاحتج أهل التخييل على أهل التأويل بقولهم: أنتم أولتم في الصفات فلماذا لا تؤولون في المعاد؟ فهم شاركوهم في بعض ضلالهم، فألزموهم بأن يطردوا القاعدة في جميع النصوص حتى يسلموا من التناقض؛ لأن التناقض دليل الفساد، وأي قول تجد فيه تناقضاً فهو دليل على فساده، فهؤلاء تناقضوا فأولوا شيئاً، وأثبتوا شيئاً فدل ذلك على فساد طريقهم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 91

شرح الفتوى الحموية [١١] ألزم الملاحدة منكري الصفات أن ينكروا المعاد على قواعد مذهبهم، وهذا يدل على بطلان إنكار الصفات الثابتة، فإن بطلان اللازم يدل على بطلان الملزوم. ثم إن هناك فرقة شريرة تدعي على رسول الله وعلى جبريل الجهل بمعاني آيات الصفات، وتنسب ذلك إلى السلف، وقد بين الشيخ مخالفتها للسلف وجهالتها فيما تذهب إليه.

стр. 92

ألزام الملاحدة لمنكري الصفات بإنكار المعاد بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وبعد: فيقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: [لكن أولئك الملاحدة ألزموهم في النصوص -نصوص المعاد- نظير ما ادعوه في نصوص الصفات، فقالوا لهم: نحن نعلم بالاضطرار أن الرسول جاء بمعاد الأبدان، وقد علمنا فساد الشبهة المانعة منه، وأهل السنة يقولون لهؤلاء: ونحن نعلم بالاضطرار أن الرسل جاءت بإثبات الصفات، ونصوص الصفات في الكتب الإلهية أكثر وأعظم من نصوص المعاد، ويقولون لهم: معلوم أن مشركي العرب وغيرهم كانوا ينكرون المعاد، وقد أنكروه على الرسول وناظروه عليه؛ بخلاف الصفات فإنه لم تكن العرب تنكرها، فعلم أن إقرار العقول بالصفات أعظم من إقرارها بالمعاد، وأن إنكار المعاد أعظم من إنكار الصفات، فكيف يجوز مع هذا أن يكون ما أخبر به من الصفات ليس كما أخبر به، وما أخبر به من المعاد هو على ما أخبر به؟] . بعد أن فرغ الشيخ ﵀ من ذكر الطائفتين، وبين أن أهل التأويل لم يأتوا بما يردوا به على أهل التخييل في ضلالهم، وإنما شاركوهم في بعض الضلال الذي سلط عليهم أهل التخييل فألزموهم إلزامات باطلة، فقال الشيخ ﵀: (لكن أولئك الملاحدة ألزموهم في النصوص -نصوص المعاد- نظير ما ادعوه في نصوص الصفات) أي: من التأويل، فلما أول أهل التأويل نصوص الصفات ألزمهم أولئك في نصوص المعاد ما فعلوه في نصوص الصفات. وبين رد أهل التأويل على هذا الإلزام فقال: (فقالوا لهم: نحن نعلم بالاضطرار أن الرسول جاء بمعاد الأبدان، وقد علمنا فساد الشبهة المانعة منه، وأهل السنة يقولون لهؤلاء: ونحن نعلم بالاضطرار أن السنة جاءت بإثبات الصفات) فإذا كانت السنة قد جاءت بإثبات الصفات، وجاءت بإثبات المعاد، وتبين لنا ولكم يا أهل التأويل فساد الشبهة التي جعلت أهل التخييل يؤولون نصوص المعاد، فكذلك الأمر في نصوص الصفات، فكما أن الشبهة التي اعتمدها أهل التخييل في تأويل نصوص المعاد باطلة، فكذلك الشبهة التي اعتمدتموها في تأويل نصوص الصفات. ثم أضاف أمراً آخر يبين أن الذين أولوا في الصفات وقعوا في خطأ أكبر من أولئك الذين أولوا في نصوص المعاد، من حيث إن نصوص المعاد تحتمل التأويل أكثر من نصوص الصفات، وبيان ذلك في قوله: (ونصوص الصفات في الكتب الإلهية أكثر وأعظم من نصوص المعاد) فالكتب الإلهية ذكرت نصوص الصفات أكثر وأعظم من ذكرها لنصوص المعاد، ومع ذلك لم يؤول أهل الكتاب في نصوص الصفات، فإذا كانت هذه النصوص مع كثرتها ومجيء الرسل بها في جميع شرائعهم لم تقبل التأويل؛ فكذلك هي في هذه الشريعة لا تقبل التأويل، وتأويل من أول في نصوص المعاد أقرب من تأويل من أول في نصوص الصفات، أي: أقرب إلى الاحتمال، وإن كان الجميع باطلاً، لكن نحن نلزمهم على قاعدتهم في التأويل. ثم بين وجهاً آخر يبطل تأويل هؤلاء لنصوص الصفات فقال: (معلوم أن مشركي العرب وغيرهم كانوا ينكرون المعاد، وقد أنكروه على الرسول، وناظروه عليه، بخلاف الصفات فإنه لم تكن العرب تنكرها) مع أنهم طلبوا إبطال دعوة النبي ﷺ وإبطال رسالته، وطلبوا تكذيبه ﷺ بكل طريق ومن كل سبيل، ومع ذلك لم يؤولوا نصوص الصفات، وإنما تسلط تكذيبهم وإنكارهم على نصوص المعاد. قال: (فعلم أن إقرار العقول بالصفات أعظم من إقرارها بالمعاد، وأن إنكار المعاد أعظم من إنكار الصفات) تبين من هذين الوجهين أن إقرار العقول بالصفات أعظم من إقرارها بالمعاد، وأن إنكار المعاد أعظم من إنكار الصفات، وما هما الوجهان؟ الوجه الأول: أن الشرائع جاءت بنصوص الصفات أكثر وأعظم من مجيئها بنصوص المعاد. الوجه الثاني: أن مشركي العرب وغيرهم لم ينكروا نصوص الصفات كما أنكروا نصوص المعاد. ثم قال: (فكيف يجوز مع هذا أن يكون ما أخبر به من الصفات ليس كما أخبر به؟) يعني: ليس على الوجه الذي أخبر به، وإنما يؤول أو يعطل، أو يقال كما في البدعة الثالثة: إنه لا معنى له. (وما أخبر به في المعاد هو على ما أخبر به) فالواجب على هؤلاء أن يلتزموا في الصفات ما التزموه في نصوص المعاد، حتى تطرد قاعدتهم وتسلم من التناقض.

стр. 93

تصديق النبي لما ذكره أهل الكتاب من الصفات الثابتة لله قال ﵀: [وأيضاً فقد علم أنه ﷺ قد ذم أهل الكتاب على ما حرفوه وبدلوه، ومعلوم أن التوراة مملوءة من ذكر الصفات، فلو كان هذا مما بدل وحرف لكان إنكار ذلك عليهم أولى، فكيف وكانوا إذا ذكروا بين يديه الصفات ضحك تعجباً وتصديقاً لها، ولم يعبهم قط بما تعيب النفاة أهل الإثبات على لفظ التجسيم والتشبيه ونحو ذلك؛ بل عابهم بقولهم: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة:٦٤] ، وقولهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران:١٨١] ، وقولهم: إنه استراح لما خلق السماوات والأرض فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق:٨] ، والتوراة مملوءة من الصفات المطابقة للصفات المذكورة في القرآن، فإذا جاز أن تتأول الصفات التي اتفق عليها الكتابان فتأويل المعاد الذي انفرد به أحدهما أولى، والثاني مما يعلم بالاضطرار من دين الرسول أنه باطل، فالأول أولى بالبطلان] . استمراراً في إلزامهم بطريقتهم قال الشيخ ﵀: (وأيضاً فقد علم أنه ﷺ قد ذم أهل الكتاب على ما حرفوه وبدلوه) ومع ذلك لم يرد أنه ذمهم في نصوص الصفات إلا من حيث إنهم نسبوا إلى الله النقص فقالوا: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ وقالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ ، وقالوا: إن الله لما خلق السماوات والأرض استراح في اليوم السابع، أما ماعدا ذلك فإنه لم ينكر عليهم، فدل ذلك على أنه لم يقع في نصوص الصفات التي جاءت في كتب الأنبياء السابقين وفي التوراة خاصة تحريف، ولم يقع تبديل، بل كان النبي ﷺ يقرهم على ما يذكرونه من الصفات التي توافق الحق، فكيف وكانوا إذا ذكروا بين يديه الصفات الثابتة حقاً له ضحك إقراراً لهم، وتعجباً من إثباتهم إياها، وتصديقاً لهم، وذلك كما في الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ أن حبراً من أحبار يهود جاء إلى النبي ﷺ فقال: (يا محمد! إن الله يمسك السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والخلائق على إصبع. فضحك النبي ﷺ تعجباً منه، ثم قرأ قوله تعالى ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر:٦٧] ) فأقره ﷺ على هذا، فلما أقره على إثبات الصفات، ولم ينكر عليه ذلك، دل أن نصوص الصفات يجب أن تثبت دون تحريف ولا تعطيل، ودون تكييف ولا تمثيل.

стр. 94

أهل التجهيل (المفوضة) وهم القسم الثالث ممن انحرف عن الصراط المستقيم قال ﵀: [وأما الصنف الثالث وهم أهل التجهيل، فهم كثير من المنتسبين إلى السنة وأتباع السلف، يقولون: إن الرسول ﷺ لم يعرف معاني ما أنزل الله إليه من آيات الصفات، ولا جبريل يعرف معاني الآيات، ولا السابقون الأولون عرفوا ذلك. وكذلك قولهم في أحاديث الصفات: إن معناها لا يعلمه إلا الله، مع أن الرسول تكلم بها ابتداء، فعلى قولهم تكلم بكلام لا يعرف معناه] . وهذا القسم الثالث من الطوائف الضالة في باب العلم بالله وأسمائه وصفاته، فهم أهل التجهيل، وهم المفوضة الذين قالوا: إن نصوص الصفات لا يعقل معناها ولا يعلم، بل تقرأ دون علم لما تضمنته من المعاني، هؤلاء بين الشيخ أنهم: (كثير من المنتسبين إلى السنة واتباع السلف) وذلك أن هؤلاء ظنوا أن مذهب السلف هو التفويض، وهو الجهل بمعاني النصوص، وتعطيل النصوص عن معانيها، والألفاظ عن دلالاتها. ومستند هؤلاء فيما ذهبوا إليه ما سيذكره الشيخ ﵀ فيما يأتي، والمراد والمقصود في هذا بيان هذه الطائفة وماذا تقول.

стр. 95

إنكار المفوضة لمعاني آيات وأحاديث الصفات قال: (يقولون: إن الرسول ﷺ لم يعرف معاني ما أنزل الله إليه من آيات الصفات، ولا جبريل يعرف معاني الآيات) فنفوا معرفة ذلك عن النبي ﷺ وهو أكمل البشر، وعن جبريل الذي هو أشرف الملائكة، فإذا كان النبي ﷺ لا يعرف ذلك، ولا جبريل يعرف ذلك فمن يعرفه؟ لا يعرفه أحد، فالواجب -إذاً- الوقوف على الألفاظ دون النظر إلى معانيها ولا إلى دلالاتها. قال: (ولا السابقون الأولون عرفوا ذلك) ؛ لأن السابقين الأولين تلقوا عن النبي ﷺ ، وعن القرآن الذي جاء به جبريل من رب العالمين، فإذا كان جبريل والنبي ﷺ لا يعرفان ذلك، فالسابقون المتلقون عن الكتاب والسنة لم يعرفوا ذلك. ثم قال: (وكذلك قولهم في أحاديث الصفات: إن معناها لا يعلمه إلا الله مع أن الرسول تكلم بها ابتداء) يعني: تكلم بها ابتداء في وصف الله ، فذكر في الحديث ما لم يذكره القرآن، وذكر في السنة من صفات الله ما لم يأت به القرآن، هذا معنى قوله: (تكلم بها ابتداء) ، فعلى قولهم يكون قد تكلم بكلام لا يعرف معناه، ولا يعرف دلالاته. وإنما أضاف هذا ليبين أنه إذا ساغ أن نقول: إنه لم يعرف ما نقله جبريل إليه، فكيف يسوغ أن نقول: إنه تكلم بكلام في وصف الله ابتداءًَ ثم لا يعرف معناه، فهذا أغلظ في التهمة للنبي ﷺ ؛ لأنه في المرتبة الأولى يسوغ على قولهم أن يكون النبي ﷺ قد نقل وبلغ ما لم يعلم معناه، لكن كيف يبتدئ كلاماً في وصف الله ، وهو لا يعقل هذه المعاني التي يتكلم بها؟ وهذا فيه أعظم الفرية على النبي ﷺ ؛ ولذلك وصف شيخ الإسلام ﵀ أهل التجهيل بأنهم من شر أهل البدع؛ لأن مقتضى بدعتهم أن الله خاطب الناس، وأن الرسول ﷺ تكلم في حق الله ، بما لا يعقل معناه ولا يفهم ولا يعرف، وأن الكتاب لم يأت هدىً ولا بياناً ولا موعظةً ولا إرشاداً للناس، إنما جاء لتضليلهم والتضييق عليهم، ومخاطبتهم وتكليفهم بما لا يعقلون ولا يعرفون.

стр. 96

شبهة المفوضة ثم ذكر ﵀ بعد ذلك دليل هؤلاء فيما ذهبوا إليه فقال: [وهؤلاء يظنون أنهم اتبعوا قوله تعالى ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧] ، فإنه وقف أكثر السلف على قوله: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ﴾ ، وهو وقف صحيح، لكن لم يفرقوا بين معنى الكلام وتفسيره، وبين التأويل الذي انفرد الله تعالى بعلمه؛ وظنوا أن التأويل المذكور في كلام الله تعالى هو التأويل المذكور في كلام المتأخرين، وغلطوا في ذلك] أشار ﵀ في هذا المقطع إلى أصل ضلال هؤلاء، فهؤلاء لما لم تعقل عقولهم النصوص، واعتقدوا منها خلاف الحق، وظنوا أن فيها نسبة الباطل والنقص لله ؛ قالوا: إن النصوص لا يعلم معناها إلا الله، واستدلوا لهذا بقوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧] . والآية في سورة آل عمران قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران:٧] ، وقد اختلف السلف ﵏ في الوقف في قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ﴾ ، فبعضهم وقف على قوله: (إِلا اللَّه) ، وهو قول جمهور أهل العلم، وقال آخرون: الوقف على قوله: (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) ، والقول الثاني هو قول جماعة من السلف، وكلا القولين في الوقف حق كما قال شيخ الإسلام ﵀، لكن الذي أورد الإشكال عند هؤلاء هو الاشتراك في معنى التأويل، فمن رأى أن الوقوف على قوله: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ) فإنه يحمل نفي العلم في هذه الآية على ما استأثر الله بعلمه من علم حقائق الأمور، وما تئول إليه وترجع، وهذا لا شك أنه لا يعلمه إلا الله، فحقائق الأمور وما تئول إليه الأخبار، هذا لا يعلمه إلا الله. فمثلاً: أخبر الله جل وعلا عن يوم القيامة بأخبار كثيرة، ونحن نعلم ما أخبر به ، لكن حقيقة ما أخبر به واقعاً هل نعلمه؟ لا نعلمه، الله ذكر نعيم أهل الجنة في كتابه من الأكل والشرب والنكاح والنظر إليه وغير ذلك، لكن حقيقة هذا لا نعلمه؛ ولذلك جاء في القرآن قوله : ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُن﴾ [السجدة:١٧] أي: لا تعلمه علماً واقعاً وحقيقةً وتاماً؛ لأنه لا يعلمه إلا الله، وقوله ﷺ في الحديث الإلهي: (أعددت لعبادي مالا عينٌ رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر) فالعلم المنفي على قول جمهور أهل العلم هو علم حقائق المغيبات وكنهها، سواء في الأخبار التي تتعلق بالله ، أو في الأخبار التي تتعلق باليوم الآخر، وعلى هذا يكون الوقف صحيحاً.

стр. 97

شرح الفتوى الحموية [١٢] التأويل له معانٍ كثيرة، وقد أخطأ المفوضة في مذهبهم في الصفات بسبب عدم تفريقهم بين معنى الكلام وتفسيره، وبين التأويل الذي انفرد الله بعلمه، وظنوا أن التأويل المذكور في القرآن هو التأويل المذكور في كلام المتأخرين.

стр. 98

معنى التأويل ووجه ضلال أهل التجهيل بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: فيقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: [فالتأويل في اصطلاح كثير من المتأخرين هو: صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن بذلك، فلا يكون معنى اللفظ الموافق لدلالة ظاهره تأويلاً على اصطلاح هؤلاء؛ وظنوا أن مراد الله تعالى بلفظ التأويل ذلك، وأن للنصوص تأويلاً يخالف مدلولها لا يعلمه إلا الله، ولا يعلمه المتأولون. ثم كثير من هؤلاء يقولون: تجرى على ظاهرها، فظاهرها مراد مع قولهم: إن لها تأويلاً بهذا المعنى لا يعلمه إلا الله، وهذا تناقض وقع فيه كثير من هؤلاء المنتسبين إلى السنة من أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم. والمعنى الثاني: أن التأويل هو تفسير الكلام -سواء وافق ظاهره أو لم يوافقه- وهذا هو التأويل في اصطلاح جمهور المفسرين وغيرهم، وهذا التأويل يعلمه الراسخون في العلم، وهو موافق لوقف من وقف من السلف عند قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران:٧] ، كما نقل ذلك عن ابن عباس ومجاهد ومحمد بن جعفر بن الزبير ومحمد بن إسحاق وابن قتيبة وغيرهم، وكلا القولين حق باعتبار كما قد بسطناه في موضع آخر؛ ولهذا نقل عن ابن عباس هذا وهذا، وكلاهما حق. والمعنى الثالث: أن التأويل هو الحقيقة التي يئول الكلام إليها وإن وافقت ظاهره، فتأويل ما أخبر الله به في الجنة من الأكل والشرب واللباس والنكاح وقيام الساعة وغير ذلك؛ هو الحقائق الموجودة أنفسها، لا ما يتصور من معانيها في الأذهان، ويعبر عنه باللسان، وهذا هو التأويل في لغة القرآن كما قال تعالى عن يوسف أنه قال: ﴿يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً﴾ [يوسف:١٠٠] ، وقال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف:٥٣] ، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [النساء:٥٩] ، وهذا التأويل هو الذي لا يعلمه إلا الله. وتأويل الصفات هو الحقيقة التي انفرد الله تعالى بعلمها، وهو الكيف المجهول، فالاستواء معلوم يعلم معناه، ويفسر ويترجم بلغة أخرى، وهو من التأويل الذي يعلمه الراسخون في العلم، وأما كيفية ذلك الاستواء فهو التأويل الذي لا يعلمه إلا الله تعالى] . قد تقدم الكلام على أول هذا المقطع المترابط في بيان معنى التأويل، والذي ساق الشيخ ﵀ إلى ذكر هذا هو أن الذين أولوا في صفات الله، والذين قالوا: إن صفات الله لا يعلم معناها؛ اعتمدوا واستدلوا على باطلهم بقوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ فذكر الشيخ ﵀ الخلاف في الوقف في هذه الآية، وأن كلا القولين في الآية حق، ولكن المعنى في كل قراءة يختلف عن القراءة الأخرى، فقوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ إذا وقف على هذا فيكون معناه: لا يعلم حقيقة ما يئول إليه إلا الله ، كما ذكره الشيخ ﵀ في بيان هذا المعنى، وسيأتي المزيد من التفصيل في المقطع القادم. وأما الوقف الثاني: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران:٧] فعلى هذا الوقف يكون معنى الآية: ما يعلمه إلا الله والراسخون في العلم يعلمونه، وتميزوا عن غيرهم برسوخهم في العلم، فعلموا ما جهله غيرهم، فيكون هذا من المتشابه الإضافي، يعني: المتشابه النسبي الذي يعلمه أناس ولا يعلمه آخرون، فيعلمه الراسخون في العلم ولا يعلمه غيرهم.

стр. 99

التأويل في اصطلاح المتأخرين ثم ذكر الشيخ ﵀ أن التأويل في كلام السلف يراد به ثلاثة معان: الأول: ما ذكره بقوله: (فالتأويل في اصطلاح كثير من المتأخرين هو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن بذلك) ، هذا التأويل هو الذي استعمله أكثر المتأخرين، والأصل في الألفاظ أن تجرى على ظاهرها، وأن تؤخذ دلالاتها من ألفاظها، والأصل إعمال اللفظ على ظاهره والمتبادر منه، لكن إذا جاء دليل يدل على أن ظاهر اللفظ غير مراد، ففي هذه الحالة يصرف اللفظ عن ظاهره المتبادر إلى المعنى المرجوح الذي يحتمله اللفظ لهذه القرينة أو لهذا الدليل الصارف، لكن الأصل في اللفظ أن يعمل على ظاهره، وألا يصرف عن ظاهره إلى معنى مرجوح يحتمله النص إلا بدليل. يقول: (فلا يكون معنى اللفظ الموافق لدلالة ظاهره تأويلاً على اصطلاح هؤلاء) يعني: المعنى المفهوم من ظاهر اللفظ لا يكون تأويلاً، فإذا نظرت إلى قوله تعالى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل:٦٥] ، فظاهر هذه الآية يدل على أنه لا يعلم الغيب إلا الله تعالى، وهذا تفسير وليس تأويلاً على كلام هؤلاء؛ لأنهم جعلوا التأويل هو صرف اللفظ عن ظاهره، أي: عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل، فلا يكون على قول هؤلاء تفسير القرآن تأويلاً؛ لأن التأويل عندهم هو صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر أو الراجح إلى المعنى المرجوح لدليل يقترن به. (وظنوا أن مراد الله تعالى بلفظ التأويل ذلك) أي: في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ بمعنى: أنهم هم الذين يعلمون أن المراد باللفظ غير ظاهره الراجح، وأن المراد ظاهره المرجوح لدليل يقترن به، ولا يفهم هذه الأدلة ولا يعرفها إلا الراسخون في العلم. يعني: يظن أهل التجهيل أن مراد الله تعالى في قوله ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ﴾ أي: لا يعلم معناه المرجوح إلا الله ، وعلى ذلك يقفون عند قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ﴾ ؛ لأنهم يقولون: لا يعلم تأويل كلام الله إلا هو ولا يعلمه أحد. قال: (وأن للنصوص تأويلاً يخالف مدلولها لا يعلمه إلا الله، ولا يعلمه المتأولون) فنفوا العلم عن المتأولين، وأثبتوه لله ، وهذا على قراءة الوقف. ثم قال: (ثم كثير من هؤلاء يقولون: تجرى على ظاهرها، فظاهرها مراد مع قولهم: إن لها تأويلاً بهذا المعنى لا يعلمه إلا الله) أي أنهم يقولون: لها معنى وتجرى على ظاهرها، لكن لا يعلم معناها إلا الله، فهؤلاء وقعوا في التناقض، حيث يقولون: إن لها معنى وهو غير معلوم، فعندهم أنه لا يدرى ولا يعلم معنى كلام الله ، فهؤلاء وقعوا في التناقض حيث أثبتوا لها معنى ونفوا علم هذا المعنى، مع أن الكلام كلام عربي مبين، ومقتضى كونه مبيناً أن يفهمه كل من تكلم بهذا اللسان؛ ولذلك قال: (وهذا تناقض وقع فيه كثير من هؤلاء المنتسبين إلى السنة من أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم) ومراده بهذا الكلام أهل التفويض وهم أهل التجهيل. الآن عرفنا المعنى الأول الذي يقصد به التأويل، وهو صرف اللفظ عن ظاهره الراجح إلى معناه المرجوح لدليل يقترن به.

стр. 100

التأويل في اصطلاح المفسرين المعنى الثاني: أن التأويل هو تفسير الكلام سواء وافق ظاهره أم لم يوافق، قال: (وهذا هو معنى التأويل في اصطلاح جمهور المفسرين وغيرهم) يعني إذا قال المفسرون: تأويل هذه الآية، فمعنى كلامهم تفسيرها، وليس مرادهم بذلك صرف اللفظ عن ظاهره إلى معنى مرجوح يحتمله النص لدليل. قال: (وهذا التأويل يعلمه الراسخون في العلم، وهو موافق لوقف من وقف من السلف على قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ ) ، فالراسخون في العلم يعلمون تأويله، ولكن العطف هنا لا يقتضي المشاركة من كل وجه في العلم، بل علم الله تام لا يلحقه نقص، وأما علم الراسخون في العلم فهو علم قاصر، يشتمل على علم المعاني دون علم الحقائق الذي يشير إليه في المعنى الثالث. يقول: (كما نقل ذلك عن ابن عباس ومجاهد ومحمد بن جعفر بن الزبير ومحمد بن إسحاق وابن قتيبة وغيرهم، وكلا القولين حق) مقصوده كلا القولين في الوقف: فمن وقف على قوله: ((وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ)) أصاب ومن وقف على قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ أصاب، لكن الأول هو قول الجمهور وقول أكثر السلف، والثاني قال به بعضهم. قال الشيخ: (وكلا القولين حق باعتبار) يعني: بالنظر إلى جانب (كما بسطناه في موضع آخر؛ ولهذا نقل عن ابن عباس هذا وهذا) يعني: نقل عنه الوقف على لفظ الجلالة، ونقل عنه الوقف على قوله: (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) ، وكلاهما حق، فما المعنى الصحيح في قوله: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ) ؟ العلم المثبت لله وحده دون غيره هو علم الأمور على حقائقها، وكيفيتها، وما تئول إليه وترجع، وعلى القول الآخر في الوقف يكون معنى العلم التفسير، ومنه قول النبي ﷺ لـ ابن عباس في دعائه له (اللهم! فقهه في الدين، وعلمه التأويل) أي: علمه التفسير.

стр. 101

التأويل في لغة القرآن الكريم قال: (والمعنى الثالث: أن التأويل هو الحقيقة التي يئول الكلام إليها، وإن وافقت ظاهره، فتأويل ما أخبر الله به في الجنة من الأكل والشرب واللباس والنكاح وقيام الساعة وغير ذلك هو الحقائق الموجودة أنفسها) وهذا لا يعلمه إلا الله ، أي: حقائق هذه المخبرات من الأكل والشرب والنعيم في الجنة ورؤية الله ، وجميع ما أخبر به الله عن اليوم الآخر لا يعلم حقيقة ذلك إلا الله . قال: (لا ما يتصور معانيها في الأذهان ويعبر عنه باللسان) فهذا شيء آخر. قال: (وهذا هو التأويل في لغة القرآن) أي: التأويل في لغة القرآن هو ما يئول إليه الأمر ويرجع، يعني: حقيقة ما يئول إليه الكلام، واستدل لذلك بقوله: ﴿يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ﴾ [يوسف:١٠٠] ، يعني: هذا حقيقة ما رأيت، ومآل ما رأيت، وهذا لما سجد له أبوه وإخوته قال: ﴿يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً﴾ [يوسف:١٠٠] ، وفي قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ [الأعراف:٥٣] يعني: يوم يأتي حقيقة ما وعدوا به ويقع ما أخبروا به ﴿يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف:٥٣] ؛ لأنه تطابق الخبر مع المخبر فقالوا: ﴿قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ . وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [النساء:٥٩] أي: أحسن عاقبة. ثم قال: (وهذا التأويل هو الذي لا يعلمه إلا الله) . قال: (وتأويل الصفات هو الحقيقة التي انفرد الله بعلمها) ، تأويل الصفات يعني حقيقتها، وأما تفسيرها ومعرفة معانيها الظاهرة فهذا يعرفه كل صاحب لسان. (وهو الكيف المجهول، فالاستواء معلوم يعلم معناه، ويفسر ويترجم بلغة أخرى، وهو من التأويل الذي يعلمه الراسخون في العلم، وأما كيفية ذلك الاستواء فهو التأويل الذي لا يعلمه إلا الله) ، وبهذا يتبين المعنى الصواب على كلا الوقفين. نلخص ما مضى: التأويل له ثلاث معان: المعنى الأول: صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل. المعنى الثاني: تفسير الكلام وبيان معناه. المعنى الثالث: حقيقة ما يئول إليه معنى الكلام. وهذا الاصطلاح الأخير هو لغة القرآن.

стр. 102

تفسير القرآن على أربعة أوجه قال ﵀: [وقد روي عن ابن عباس ما ذكره عبد الرزاق وغيره في تفسيرهم عنه أنه قال: تفسير القرآن على أربعة أوجه: تفسير تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله ، فمن ادعى علمه فهو كاذب، وهذا كما قال تعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧] ، وقال النبي ﷺ : (يقول الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر) ، وكذلك علم وقت الساعة ونحو ذلك، فهذا من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله تعالى. وإن كنا نفهم معاني ما خوطبنا به، ونفهم من الكلام ما قصد إفهامنا إياه، كما قال تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤]] . فالقرآن له معان تفهم وتدرك؛ ولذا عاتب الله من لا يتدبر القرآن في قوله: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ فلما كان له معان ظاهرة تدرك وينتفع بها أنكر الله على من ترك التدبر، والقرآن إنما نزل ليتدبر ويتأمل فيه وينظر ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبَابِ﴾ [ص:٢٩] ، فالمقصود من إنزال القرآن التدبر، فمن عطل القرآن عن هذا فقد عطله عما أنزل لأجله.

стр. 103

الحث على تدبر القرآن ومعرفة معانيه ومنها صفات الله سبحانه قال ﵀: [وقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ [المؤمنون:٦٨] فأمر بتدبر القرآن لا بتدبر بعضه. وقال أبو عبد الرحمن السلمي: حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن عثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي ﷺ عشر آيات لم يتجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل. قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعاً. وقال مجاهد: عرضت المصحف على ابن عباس ﵄ من فاتحته إلى خاتمته، أوقفه عند كل آية وأسأله عنها. وقال الشعبي: ما ابتدع أحد بدعة إلا وفي كتاب الله بيانها. وقال مسروق: ما سئل أصحاب محمد ﷺ عن شيء إلا وعلمه في القرآن، ولكن علمنا قصر عنه. وهذا باب واسع قد بسط في موضعه. والمقصود هنا: التنبيه على أصول المقالات الفاسدة التي أوجبت الضلالة في باب العلم والإيمان بما جاء به الرسول ﷺ ، وأن من جعل الرسول غير عالم بمعاني القرآن الذي أنزل إليه، ولا جبريل جعله غير عالم بالسمعيات، ولم يجعل القرآن هدى ولا بياناً للناس. ثم هؤلاء ينكرون العقليات في هذا الباب بالكلية، فلا يجعلون عند الرسول وأمته في باب معرفة الله لا علوماً عقلية ولا سمعية، وهم قد شاركوا الملاحدة من وجوه متعددة] . الذين ينكرون العقليات هم أهل التجهيل، فهم لا يعتمدون النصوص والسمع في إثبات ما أخبر الله عن نفسه، أو أخبر به رسوله ﷺ عنه؛ لأنهم يقولون: هي نصوص لا معاني لها، ولا يعتمدون العقل؛ لأن العقل ليس بحجة في النظر في باب الغيبيات، فهؤلاء أغلقوا الباب بالكلية، فهم ينكرون العقليات في هذا الباب بالكلية، يعني: لا تبعاً للنص ولا استقلالاً، بخلاف أهل التأويل الذين اعتمدوا العقليات، وجعلوها حججاً قاطعة تحكم على النصوص، فكلا الفريقين وقع في ضلال، أولئك عطلوا النصوص واعتمدوا العقل، وهؤلاء عطلوا النصوص وعطلوا العقول. والصواب هو ما عليه أهل السنة والجماعة من النظر في النصوص واعتمادها والرجوع إليها، وجعل العقل تابعاً لها في الإثبات، وفي إدراك معانيها، فهم لم يعطلوا العقول ولم يعطلوا النصوص. قال: [وهم مخطئون فيما نسبوا إلى الرسول ﷺ وإلى السلف من الجهل، كما أخطأ في ذلك أهل التحريف والتأويلات الفاسدة، وسائر أصناف الملاحدة] : أهل التأويل جهّلوا النبي ﷺ والسلف في آيات الصفات وغيرها، وهؤلاء أيضاً جهلوا النبي ﷺ والسلف في آيات الصفات وفي جميع السمعيات والغيبيات، فهم متفقون على ذم صدر هذه الأمة.

стр. 104

شرح الفتوى الحموية [١٣] مذهب السلف في صفات الله إثباتها من غير تمثيل ولا تكييف، ومن غير تحريف ولا تعطيل، وقد تواتر النقل عنهم بذلك، وفي معرفة أقوالهم في الصفات زيادة طمأنينة ويقين على صحة معتقد أهل السنة في باب الأسماء والصفات، وقد نقل الشيخ ابن تيمية عنهم ما يبرهن على ذلك.

стр. 105

نقل مذهب السلف في الصفات والرد على المفوضة والمؤولة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: شرع الشيخ ﵀ في ذكر النقول الكثيرة المستفيضة التي تدل دلالة لا مرية فيها على أن أهل السنة والجماعة كانوا يثبتون الأسماء والصفات، وسائر ما يتعلق بالله من العلوم من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، وأنهم فهموا وعقلوا معاني الكتاب والسنة، فقال رحمه الله تعالى: [ونحن نذكر من ألفاظ السلف بأعيانها، وألفاظ من نقل مذهبهم إلى غير ذلك من الوجوه، بحسب ما يحتمله هذا الموضع؛ ما يعلم به مذهبهم. روى أبو بكر البيهقي في الأسماء والصفات بإسناد صحيح عن الأوزاعي قال: كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله تعالى ذكره فوق عرشه، ونؤمن بما وردت فيه السنة من صفاته. وقد حكى الأوزاعي -وهو أحد الأئمة الأربعة في عصر تابعي التابعين الذين هم مالك إمام أهل الحجاز، والأوزاعي إمام أهل الشام، والليث إمام أهل مصر، والثوري إمام أهل العراق- حكى شهرة القول في زمن التابعين بالإيمان بأن الله تعالى فوق العرش وبصفاته السمعية. وإنما قال الأوزاعي هذا بعد ظهور مذهب جهم المنكر لكون الله فوق عرشه والنافي لصفاته؛ ليعرف الناس أن مذهب السلف كان يخالف هذا. وروى أبو بكر الخلال في كتاب السنة عن الأوزاعي قال: سئل مكحول والزهري عن تفسير الأحاديث فقالا: أمروها كما جاءت. وروى أيضاً عن الوليد بن مسلم قال: سألت مالك بن أنس وسفيان الثوري والليث بن سعد والأوزاعي عن الأخبار التي جاءت في الصفات فقالوا: أمروها كما جاءت، وفي رواية: قالوا: أمروها كما جاءت بلا كيف. فقولهم ﵃: أمروها كما جاءت، رد على المعطلة؛ وقولهم: بلا كيف رد على الممثلة. والزهري ومكحول هما أعلم التابعين في زمانهم، والأربعة الباقون أئمة الدنيا في عصر تابعي التابعين، ومن طبقتهم حماد بن زيد وحماد بن سلمة وأمثالهما. وروى أبو القاسم الأزجي بإسناده عن مطرف بن عبد الله قال: سمعت مالك بن أنس إذا ذكر عنده من يدفع أحاديث الصفات يقول: قال عمر بن عبد العزيز: سن رسول الله ﷺ وولاة الأمر بعده سنناً، الأخذ بها تصديق لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله، ليس لأحد من خلق الله تعالى تغييرها، ولا النظر في شيء خالفها، من اهتدى بها فهو مهتدٍ، ومن استنصر بها فهو منصور، ومن خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيراً. وروى الخلال بإسناد كلهم أئمة ثقات عن سفيان بن عيينة قال: سئل ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] كيف استوى؟ قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ومن الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ المبين، وعلينا التصديق. وهذا الكلام مروي عن مالك بن أنس تلميذ ربيعة بن أبي عبد الرحمن من غير وجه. ومنها: ما رواه أبو الشيخ الأصبهاني وأبو بكر البيهقي عن يحيى بن يحيى قال: كنا عند مالك بن أنس فجاء رجل فقال: يا أبا عبد الله! ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ كيف استوى؟ فأطرق مالك برأسه حتى علاه الرحضاء، ثم قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا مبتدعاً، فأمر به أن يخرج. فقول ربيعة ومالك: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، موافق لقول الباقين: أمروها كما جاءت بلا كيف. فإنما نفوا علم الكيفية ولم ينفوا حقيقة الصفة، ولو كان القوم قد آمنوا باللفظ المجرد من غير فهم لمعناه على ما يليق بالله لما قالوا: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ولما قالوا: أمروها كما جاءت بلا كيف؛ فإن الاستواء حينئذ لا يكون معلوماً بل مجهولاً بمنزلة حروف المعجم. وأيضاً: فإنه لا يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا لم يفهم عن اللفظ معنى؛ إنما يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا أثبتت الصفات. وأيضاً: فإن من ينفي الصفات الجزئية أو الصفات مطلقاً لا يحتاج إلى أن يقول: بلا كيف، فمن قال: إن الله ليس على العرش، لا يحتاج أن يقول: بلا كيف، فلو كان مذهب السلف نفي الصفات في نفس الأمر لما قالوا: بلا كيف. وأيضاً: فقولهم أمروها كما جاءت، يقتضي إبقاء دلالتها على ما هي عليه، فإنها جاءت ألفاظ دالة على معنى، فلو كانت دلالتها منتفية لكان الواجب أن يقال: أمروا لفظها مع اعتقاد أن المفهوم منها غير مراد، أو أمروا لفظها مع اعتقاد أن الله لا يوصف بما دلت عليه حقيقة، وحينئذ تكون قد أمرت كما جاءت، ولا يقال حينئذ: بلا كيف؛ إذ نفي الكيف عما ليس بثابت لغو من القول] .

стр. 106

شرح كلام ربيعة ومالك في هذا الفصل ذكر الشيخ ﵀ نقولاً عن السلف يستبين بها لكل من نظر فيها مذهبهم وطريقهم في باب الأسماء والصفات، وإنما احتاج إلى هذه النقول، وإلى ما سيأتي من النقول؛ لقطع كل ريبة أو شك في أن السلف ﵏ أثبتوا الصفات على الوجه الذي جاء في الكتاب وجاء عن النبي ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل. وفي ثنايا نقله نقل قول ربيعة ومالك في الاستواء، وهو أن الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب. ونقل أيضاً قول بعض السلف في الصفات: أمروها كما جاءت، فلما كان في هذين القولين متمسك لبعض الذين قالوا: إن السلف لم يثبتوا الصفات، وإنما مذهبهم التفويض، استدل بهذا القول على أن السلف ليسوا من أهل التجهيل الذين يقولون: إن نصوص الصفات لا معنى لها. فقال ﵀: (فقول ربيعة ومالك: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، موافق لقول الباقين: أمروها كما جاءت بلا كيف) فلا تعارض بينهما، يقول: (فإنما نفوا علم الكيفية ولم ينفوا حقيقة الصفة) فهذه الأقوال إنما نفى فيها السلف ﵏ علم الكيفية؛ لأن العلم بكيفية الشيء فرع عن العلم به، فلما كان العلم بالذات ممتنعاً فكذلك العلم بكيفية الصفات، إذ إن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات.

стр. 107

الرد على المفوضة من كلام السلف (ولو كان القوم قد آمنوا باللفظ المجرد) أي: بألفاظ نصوص الصفات من غير فهم لمعاني هذه النصوص وهذه الألفاظ على ما يليق بالله؛ لما قالوا: الاستواء غير مجهول؛ لأن مقتضى قولهم: إن الاستواء غير مجهول أنهم علموا المراد بقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] ، وآيات الاستواء الأخرى، فلما قالوا: غير مجهول؛ دل أنهم يثبتون معنى هذه الألفاظ، وأن هذه الألفاظ مرادة المعاني. ثم قال: (ولما قالوا: أمروها كما جاءت بلا كيف، فإن الاستواء حينئذ لا يكون معلوماً بل مجهولاً) يعني: على قول من قال بأنها نصوص لا معاني لها، (يكون الاستواء غير معلوم، بل مجهول بمنزلة حروف المعجم) وذلك كما لو أنك صففت ألفاً وباءً وجيماً ودالاً، أو أنك نظرت في أفرادها ولا معنى لها، فالألف إذا جاءت مجردة عن الكلمة لم يعرف لها معنى، إنما تعرف بما انضافت إليه مما تتركب منه الألفاظ التي تدل على المعاني. قال: (وأيضاً: فإنه لا يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا لم يفهم عن اللفظ المعنى) ، وهذا وجه آخر من الأوجه التي تدل على أن هذه العبارات تدل على أن السلف ﵏ أثبتوا الصفات، (فإنه لا يحتاج إلى نفي علم الكيفية إلا إذا كان للفظ معنى) وإلا لما احتجنا إلى أن ننفي الكيفية، قال: (إنما يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا أثبتت الصفات) .

стр. 108

وجه آخر للرد على المفوضة والمؤولة ثم قال في وجه آخر: (وأيضاً: فإن من ينفي الصفات الجزئية أو الصفات مطلقاً لا يحتاج إلى أن يقول: بلا كيف) ؛ لأنها لا حقيقة لها حتى يحتاج أن ينفي الكيف، فإذا كانت الصفات غير مرادة وهي منفية، إما نفياً جزئياً أو نفياً مطلقاً فذلك لا يحتاج إلى أن يقيد ما جاء في الكتاب والسنة بأن يقال: أمروها كما جاءت بلا كيف، ولا احتاج أن يقول: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول؛ لأن مقتضى قوله هذا أن يكون للصفات معان، وأنها ثابتة. قال: (فمن قال: إن الله ليس على العرش لا يحتاج أن يقول: بلا كيف) ؛ لأنه لا يثبت أصلاً استواءه على العرش حتى يحتاج إلى نفي التكييف، فنفي التكييف فرع عن إثبات الصفة، فلو كان مذهب السلف نفي الصفات في نفس الأمر لما قالوا: بلا كيف، فرد الشيخ بهذا على المؤولة وعلى المفوضة.

стр. 109

إمرار الصفات يقتضي إبقاء دلالتها على الظاهر قال: (وأيضاً: فقولهم: أمروها كما جاءت، يقتضي إبقاء دلالتها على ما هي عليه) وإبقاء دلالتها على ما هي عليه يقتضي إثبات الصفات؛ لأن دلالة الألفاظ تدل على أن لله صفات ثابتة. قال: (فإنها جاءت ألفاظ دالة على معانٍ، فلو كانت دلالتها منتفية لكان الواجب أن يقول: أمروا لفظها مع اعتقاد أن المفهوم منها غير مراد) ، وهذا لم ينقل عن أحدهم مع كثرة النقل عنهم في هذا الباب، فدل ذلك على أن مراد الألفاظ مقصود، وأن اعتقادها هو الذي كان عليه سلف الأمة. أو لقالوا: (أمروا لفظها مع اعتقاد أن الله لا يوصف بما دلت عليه حقيقة، وحينئذ تكون قد أمرت كما جاءت، ولا يقال حينئذ: بلا كيف، إذ نفي الكيف عما ليس بثابت لغو من القول) ، وهذه أدلة قوية بينة في إبطال ما ادعاه هؤلاء من أن السلف ﵏ لم يثبتوا لله الصفات اللائقة به التي جاءت في الكتاب والسنة.

стр. 110

قول ابن الماجشون في صفات الله قال ﵀: [وروى الأثرم في السنة وأبو عبد الله بن بطة في الإبانة وأبو عمرو الطلمنكي وغيرهم بإسناد صحيح عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون وهو أحد أئمة المدينة الثلاثة الذين هم مالك بن أنس وابن الماجشون وابن أبي ذئب وقد سئل عما جحدت به الجهمية: أما بعد: فقد فهمت ما سألت فيما تتابعت الجهمية ومن خلفها في صفة الرب العظيم الذي فاقت عظمته الوصف والتقدير، وكلت الألسن عن تفسير صفته، وانحصرت العقول دون معرفة قدرته، وردت عظمته العقول فلم تجد مساغاً فرجعت خاسئة وهي حسيرة] . هذا كلام سليم وصحيح، فالمرء كذلك مهما بلغ عمله بالله وبأسمائه وبصفاته وبأفعاله جل وعلا. قال: [وإنما أمروا بالنظر والتفكير فيما خلق بالتقدير، وإنما يقال (كيف) لمن لم يكن مرة ثم كان. فأما الذي لا يحول ولا يزول ولم يزل وليس له مثل، فإنه لا يعلم كيف هو إلا هو، وكيف يعرف قدر من لم يبدأ ومن لا يموت ولا يبلى؟ وكيف يكون لصفة شيء منه حد أو منتهى يعرفه عارف، أو يحد قدره واصف؟ على أنه الحق المبين، لا حق أحق منه، ولا شيء أبين منه. الدليل على عجز العقول عن تحقيق صفته عجزها عن تحقيق صفة أصغر خلقه، لا تكاد تراه صغراً يجول ويزول، ولا يرى له سمع ولا بصر؛ لما يتقلب به ويحتال من عقله، أعضل بك وأخفى عليك مما ظهر من سمعه وبصره، فتبارك الله أحسن الخالقين، وخالقهم، وسيد السادة وربهم ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]] . هذا من أعظم الأدلة على أن العقل لا يدرك صفات الله ولا يحيط بها، وإذا كان المخلوق لا يدرك حقيقة بعض المخلوقات على صغرها وإحاطته بها، فكيف بالله رب العالمين؟ قال: [اعرف -رحمك الله- غناك عن تكلف صفة ما لم يصف الرب من نفسه بعجزك عن معرفة قدر ما وصف منها، إذا لم تعرف قدر ما وصف فما تكلفك علم ما لم يصف؟ هل تستدل بذلك على شيء من طاعته، أو تزدجر به عن شيء من معصيته؟] . هذا الكلام مهم جداً، وينبغي الاهتمام به، وهو أن دراسة الأسماء والصفات والنظر فيها إنما هو ليثمر العبادة، فالرسل جاءت معرّفة بالله تمام التعريف؛ حتى يقوم الناس بالعبادة حق القيام، ولذلك قال فيمن طلب صفات لم يصف الله بها نفسه: (إذا لم تعرف قدر ما وصف فما تكلفك علم ما لم يصف؟ هل تستدل بذلك على شيء من طاعته؟) يعني: هل بحثك في هذا يزيدك طاعة له أو تنزجر به عن شيء من معصيته؟ وهذا يفيد أن معرفة الأسماء والصفات إنما هو لأجل تحقيق كمال العبودية لله . قال: [فأما الذي جحد ما وصف الرب من نفسه تعمقاً وتكلفاً فقد ﴿اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ﴾ [الأنعام:٧١] ، فصار يستدل -بزعمه- على جحد ما وصف الرب وما سمى من نفسه بأن قال: لا بد إن كان له كذا من أن يكون له كذا] . هذه من اللوازم التي يقولها المتكلمون: إذا أثبتنا أنه سميع أو أنه بصير أو أثبتنا الصفات؛ فهذا يقتضي الحدوث، ويقتضي أن تحله الحوادث، وما حلته الحوادث فهو حادث، وما إلى ذلك من اللوازم الباطلة، والخيالات الفاسدة. قال: [فعمي عن البين بالخفي، فجحد ما سمى الرب من نفسه] . البين هو ما أثبته الله لنفسه في كتابه، والخفي هو هذه الخيالات والمقدمات الفاسدة التي تنقض من أصلها، فعموا عن البين يعني: عما ذكره الله في كتابه ذكراً بيناً بالخفي الذي استندوا فيه إلى عقولهم الفاسدة. [فجحد ما سمى الرب من نفسه لصمت عما لم يسم منها، فلم يزل يملي له الشيطان حتى جحد قول الله : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢-٢٣]] . جحد أن يراه أهل الإيمان، وهذا عليه أكثر أهل الكلام. [فقال: لا يراه أحد يوم القيامة، فجحد -والله- أفضل كرامة الله التي أكرم بها أولياءه يوم القيامة من النظر إلى وجهه ونضرته إياهم ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر:٥٥] ، قد قضى أنهم لا يموتون، فهم بالنظر إليه ينضرون. إلى أن قال: وإنما جحد رؤية الله يوم القيامة إقامة للحجة الضالة المضلة؛ لأنه قد عرف أنه إذا تجلى لهم يوم القيامة رأوا منه ما كانوا به قبل ذلك مؤمنين، وكان له جاحداً. وقال المسلمون: (يا رسول الله! هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله ﷺ : هل تضارون في رؤية الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا. قال: فهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟ قالوا: لا. قال: فإنكم ترون ربكم يومئذ كذلك) . ] .
следующие страницы →