← Акыда

Акыда · id 7727

شرح الفتوى الحموية

خالد المصلح

Полный текст (251 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

صفات الله أزلية الوجود حادثة الآحاد قال المؤلف ﵀: [لم يستحدث تعالى صفة كان منها خلياً، واسماً كان منه برياً ﵎، فكان هادياً سيهدي، وخالقاً سيخلق، ورازقاً سيرزق، وغافراً سيغفر، وفاعلاً سيفعل، ولم يحدث له الاستواء إلا وقد كان في صفة أنه سيكون ذلك الفعل؛ فهو يسمى به في جملة فعله] . هذا يبين لك معنى قوله: (لم يستحدث صفة كان منها خلياً) يعني: كانت ممتنعة عليه، هذا هو معنى كلامه، وإلا فالاستواء حادث بعد أن لم يكن، لكن لم يكن ممتنعاً عليه، إنما اتصف به لما كان الكمال مقتضياً لاتصافه بهذه الصفة، فليقيد كلامه هنا في قوله: (لم يستحدث سبحانه صفة كان منها خلياً) أي: كانت ممتنعة عليه؛ ولذلك قال: (ولم يحدث له الاستواء إلا وقد كان في صفته أنه سيكون ذلك الفعل) بمعنى: أنه جل وعلا قادر عليه. [كذلك قال الله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ [الفجر:٢٢] بمعنى: أنه سيجيء، فلم يستحدث الاسم بالمجيء، وتخلف الفعل لوقت المجيء، فهو جاء سيجيء، ويكون المجيء منه موجوداً بصفة لا تلحقه الكيفية ولا التشبيه؛ لأن ذلك فعل الربوبية فيستحسر العقل، وتنقطع النفس عند إرادة الدخول في تحصيل كيفية المعبود، فلا تذهب في أحد الجانبين لا معطلاً ولا مشبهاً، وارض لله بما رضي به لنفسه، وقف عند خبره لنفسه مسلماً مستسلماً مصدقاً، بلا مباحثة التنفير ولا مناسبة التنقير] . هي طريقة الممثلة؛ لأنها تنفر العبد عن أن يعبد الله جل وعلا إذا كان الخالق كالمخلوق، فما الذي جعله يستحق العبادة؟! قوله: (ولا مناسبة التنقير) الظاهر أنه يشير إلى طريقة المعطلة الذين ينقرون ويدققون ويتمحلون في أسماء الله وصفاته ليصرفوها عن ظاهرها الذي دلت عليه النصوص والألفاظ. وهذا الكلام من أحسن الكلام، لا سيما النقل الأول الذي فيه مداخل الشيطان على الخلق في باب الأسماء والصفات، فإنه أولاً يأتيهم بالتمثيل، ثم يأتيهم بعد ذلك بالتعطيل، فكلامه ﵀ وغفر له جيد. [إلى أن قال: فهو ﵎ القائل: أنا الله، لا الشجرة، الجائي قبل أن يكون جائياً؛ لا أمره، المتجلي لأوليائه في المعاد، فتبيض به وجوههم، وتفلج به على الجاحدين حجتهم، المستوي على عرشه بعظمة جلاله فوق كل مكان ﵎، الذي كلم موسى تكليماً وأراه من آياته، فسمع موسى كلام الله؛ لأنه قربه نجياً، تقدس أن يكون كلامه مخلوقاً أو محدثاً أو مربوباً] . وهذا بعكس المخلوق الذي لابد أن يكون مربوباً، فكل مخلوق مربوب، ولابد له من خالق يحدثه. [الوارث بخلقه لخلقه، السميع لأصواتهم، الناظر بعينه إلى أجسامهم، يداه مبسوطتان، وهما غير نعمته، خلق آدم ونفخ فيه من روحه -وهو أمره- تعالى وتقدس أن يحل بجسم، أو يمازج بجسم، أو يلاصق به، تعالى عن ذلك علواً كبيراً، الشائي له المشيئة، العالم له العلم] . فيه رد على الذين يثبتون الأسماء دون معانيها، ويقولون: عالم بلا علم, سميع بلا سمع, بصير بلا بصر، فهذا من أجود الكلام في الرد عليهم، رحم الله المؤلف وغفر له. قال المؤلف ﵀: [الباسط يديه بالرحمة، النازل كل ليلة إلى سماء الدنيا ليتقرب إليه خلقه بالعبادة، وليرغبوا إليه بالوسيلة، القريب في قربه من حبل الوريد، البعيد في علوه من كل مكان بعيد، ولا يشبه بالناس -إلى أن قال-: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠] ، القائل: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً﴾ [الملك:١٦-١٧] تعالى وتقدس أن يكون في الأرض كما هو في السماء، جل عن ذلك علواً كبيراً. اهـ

стр. 142

الاعتقاد بعدم حصول النسخ فيما يتعلق بصفات الله وقال الإمام أبو عبد الله الحارث بن إسماعيل بن أسد المحاسبي في كتابه المسمى: (فهم القرآن) قال في كلامه على الناسخ والمنسوخ، وأن النسخ لا يجوز في الأخبار، قال: لا يحل لأحد أن يعتقد] . النصوص جاءت على قسمين: أخبار وأحكام، والأخبار هي: ما أخبر الله به عن نفسه أو ما أخبر عما وقع في سالف الزمان، أو ما سيقع فيما يستقبل من الزمان، وهذه الأخبار لا يجوز فيها النسخ؛ لأن مقتضى النسخ التكذيب لها، وإنما يكون النسخ في الأحكام، فالله يحدث من أمره ما يشاء في الأحكام، أما في الأخبار فقد تمت كلمته جل وعلا صدقاً في الأخبار وعدلاً في الأحكام. [قال: لا يحل لأحد أن يعتقد أن مدح الله وصفاته، ولا أسماءه يجوز أن ينسخ منها شيء -إلى أن قال- وكذلك لا يجوز إذا أخبر أن صفاته حسنة عليا أن يخبر بذلك أنها دنية سفلى، فيصف نفسه بأنه جاهل ببعض الغيب بعد أن أخبر أنه عالم بالغيب، وأنه لا يبصر ما قد كان ولا يسمع الأصوات، ولا قدرة له ولا يتكلم، ولا كلاماً كان منه، وأنه تحت الأرض لا على العرش جل وعلا عن ذلك. فإذا عرفت ذلك واستيقنته: علمت ما يجوز عليه النسخ وما لا يجوز، فإن تلوت آية في ظاهر تلاوتها تحسب أنها ناسخة لبعض أخباره كقوله عن فرعون: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ﴾ [يونس:٩٠] وقال: ﴿حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ [محمد:٣١] وقال: قد تأول قوم: أن الله عنى أن ينجيه ببدنه من النار؛ لأنه آمن عند الغرق، وقال: إنما ذكر الله أن قوم فرعون يدخلون النار دونه وقال: ﴿فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ [هود:٩٨] وقال: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٥] ولم يقل بفرعون. قال: وهكذا الكذب على الله؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأولَى﴾ [النازعات:٢٥] كذلك قوله: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ [العنكبوت:٣] فأقر التلاوة على استئناف العلم من الله عن أن يستأنف علماً بشيء؛ لأنه من ليس له علم بما يريد أن يصنعه لم يقدر أن يصنعه] . يعني: في قوله: ﴿حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ [محمد:٣١] فأقر التلاوة على الاستئناف أو فاقرأ، المقصود أنها تقرأ: (حَتَّى نَعْلَمَ) على الاستئناف، والعلم المذكور في هذه الآية ليس هو العلم الأزلي السابق، فالله جل وعلا عالم بكل شيء قبل حدوثه، وإنما هذا العلم الذي يكون عند حدوث الفعل، فالعلم صفة ذاتية لله أزلاً وأبداً، فهو جل وعلا بكل شيء عليم، لكنه يعلم علماً خاصاً عند حدوث الحدث والواقعة، وهذا لا ينفي أنه الله عالم بالشيء قبل حدوثه. وقال بعض أهل العلم: إن العلم في هذه الآية هو علم الظهور الذي تظهر به مراتب الناس وتحصل به المجازاة، كما في قوله تعالى: ﴿حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ [محمد:٣١] . [لأنه من ليس له علم بما يريد أن يصنعه، لم يقدر أن يصنعه -نجده ضرورة- قال: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤] ، قال: وإنما قوله: ﴿حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ﴾ [محمد:٣١] إنما يريد: حتى نراه، فيكون معلوماً موجوداً] . يسميه بعض أهل التفسير علم الظهور أو علم المجازاة، يعني: العلم الذي تترتب عليه مجازاة. [لأنه لا جائز أن يكون يعلم الشيء معدوماً من قبل أن يكون، ويعلمه موجوداً كان قد كان، فيعلم في وقت واحد معلوماً موجوداً وإن لم يكن، وهذا محال، وذكر كلاماً في هذا في الإرادة] . والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 143

شرح الفتوى الحموية [١٨] صفات الله لا تنسخ، والله سبحانه متصف بها أزلاً وأبداً، ولا يعارض بعضها بعضاً، ومن رام تأويلها وقع في التناقض والاضطراب ولابد؛ لأنه ليس أعلم بالله من الله ولا من رسوله ﷺ ، وهنا ينقل الشيخ كلام الحارث المحاسبي الذي يرد به على أهل البدع.

стр. 144

مواصلة كلام الحارث المحاسبي في عدم النسخ في آيات الصفات ونحوها بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين. أما بعد: فيقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: [وكذلك قوله: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء:١٥] ليس معناه أن يحدث له سمعاً، ولا تكلف بسمع ما كان من قولهم، وقد ذهب قوم من أهل السنة أن لله استماعاً في ذاته، فذهبوا إلى أن ما يعقل من أنه يحدث منهم علم سمع لما كان من قول؛ لأن المخلوق إذا سمع حدث له عقل فهم عما أدركته أذنه من الصوت. وكذلك قوله: ﴿وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة:١٠٥] لا يحدث بصراً محدثاً في ذاته، وإنما يحدث الشيء فيراه مكوناً، كما لم يزل يعلمه قبل كونه. إلى أن قال: وكذلك قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام:١٨] ، وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] وقوله: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] ، وقوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠] . وقال: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنْ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة:٥] ، وقال: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج:٤] ، وقال لعيسى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران:٥٥] وقال: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء:١٥٨] ، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ [الأعراف:٢٠٦] ، وذكر الآلهة: أن لو كان آلهة لابتغوا إلى ذي العرش سبيلاً حيث هو، فقال: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً﴾ [الإسراء:٤٢] أي: طلبه، وقال: ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١] قال أبو عبد الله: فلن ينسخ ذلك لهذا أبداً. كذلك قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف:٨٤] وقوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦] ، وقوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ [الأنعام:٣] ، وقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة:٧] الآية، فليس هذا بناسخ لهذا، ولا هذا ضد لذلك] . هذا النقل عن الحارث المحاسبي له صلة بما تقدم من النقل السابق الذي بدأه ﵀ بقوله: (وأن النسخ لا يجوز في الأخبار) وسبب سياق هذه القاعدة أن بعض المشبهين يتمسكون ببعض النصوص التي يضربون بعضها ببعض، ويحتجون بها على إبطال ما أثبته الله تعالى لنفسه من الصفات. فذكر ﵀ قوله تعالى: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء:١٥] وقوله: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ ثم ذكر آيات العلو التي يثبت بها علو الله ، وذكر ما قد يشكل عليها من الآيات التي قد يفهم منها أن الله غير مستوٍ على عرشه، كقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأرْضِ إِلَهٌ﴾ ، وقوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ التي يستدل بها من يستدل على أنه في كل مكان. ثم بين أن هذه الآيات ليست بناسخة للتي فيها إثبات العلو، أو فيها إثبات أنه بصير وأنه سميع. فإذا كانت ليست بناسخة فيجب أن تفهم على الوجه الذي وردت به، فصفة السمع والبصر صفات ذاتية له ، فهو ما زال سميعاً بصيراً أزلاً وأبداً، وهو السميع البصير في الأزل والأبد، وهو لا ينفك عن هذه الصفة.

стр. 145

السمع صفة ذاتية باعتبار الأصل حادثة عند حدوث المسموع وما أخبر به من استماعه لحديث معين كقوله: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ وكقوله جل وعلا في سورة المجادلة: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ) فهذا كما تقدم بيانه وأن السمع حادث عند حدوث المسموع، فالسمع صفة ذاتية باعتبار الأصل، وأما باعتبار أفراد المسموعات وأفراد المبصرات فإن السمع صفة فعلية، وقد قررنا مثل هذا أيضاً في الإرادة والعلم، وفي غير ذلك من الصفات الذاتية، ولا تنافي بين هذا وبين ما أثبته الله لنفسه مطلقاً، فقوله تعالى: (وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) ، لا ينافي قوله: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ وقوله: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ) وقوله: ﴿وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ وقوله أيضاً: (حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ) وما إلى ذلك من الآيات، فلا تعارض بين هذه الآيات. وأما الآيات التي ذكرها بخصوص العلو فالآيات الدالة على علوه كثيرة، وقد تقدم ذكر أدلة العلو، وأن العلو دل عليه الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة، وأما الآيات التي شغبوا بها على هذه الصفات كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ فلا تعارض بينها وبين بقية الآيات، فهو جل وعلا إله من في السماوات وإله من في الأرض، وقوله: (في) هنا ليست مكانية، يعني: لا تدل على أن الله حالٌّ في الأرض تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، فأنت تقول: زيد أمير البصرة وأمير الكوفة وهو في أحدهما. ولا يفهم من قولك: إنه أمير للبصرة والكوفة أنه حالٌّ في البصرة وحالٌّ في الكوفة، وهذا أسلوب عربي لا إشكال فيه، ولا يبطل ما ثبت في النصوص من أن الله عالٍ على عرشه، بائن من خلقه.

стр. 146

الكلام على نصوص قرب العباد من الله وقوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ هذه الآيات اختلف أهل التفسير في مرجع الضمير هنا، هل هو عائد إلى الله جل وعلا أم إلى ملائكته؟ والراجح عوده إلى الملائكة، وأن قوله: (ونحن) هنا للتعظيم وهو قرب العبيد، كقوله في الآيات التي أخبر فيها بإرجاع الضمير إليه والفاعل فيها غيره . ويدل على هذا التوجيه أن القرب هنا مقيد، فالآية التي سبقتها هي قوله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق:١٦-١٧] أي: والعامل في الظرف (إذ) هو في الجملة: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ ، فإذا كان كذلك فإن هذا القرب قرب خاص، وهو قرب الملائكة الذين أخبر الله عنهم أنهم يكتبون على العبد ويحصون عليه أعماله. والقرب المذكور في كتابه وفي سنة رسوله ليس كالمعية، فالمعية معية عامة، كما جاء ذلك في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ﴾ [المجادلة:٧] ، وأما القرب فهو قرب خاص، وهو قرب في أحوال محددة وفي أوصاف محددة، فمن الأحوال التي يكون جل وعلا فيها قريباً لعبيده: قربه من أهل الموقف يوم عرفة، وأما قرب الأوصاف فكقربه من الداعي، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:١٨٦] فهو قريب من الداعي، وكقربه أيضاً من الساجد، كما في قوله ﷺ : (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد) وكقربه أيضاً من المستغفر، كما في قوله تعالى: ﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ [المائدة:٦١] ، فهذه الآيات والنصوص كلها تدل على أن القرب الذي أثبته الله لنفسه قرب خاص وليس قرباً عاماً. وهذه الآية فيها أنه قرب عام، وهذا ليس له ، وإنما لجنده من الملائكة الذين يحصون ويكتبون ما يحصل ويكون من الخلق، فلا تعارض هذه الآية دلالة النصوص الأخرى الدالة على علوه جل وعلا. وكذلك قوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ [الأنعام:٣] على القول بوصل القراءة وأن الوقف فيها في آخرها ليس في قوله: (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ) ؛ لأن بعض القراء يقف على قوله: (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ) ثم يقول (وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ) ، وبعضهم يقول: الوقف عند قوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ وعلى كلا القراءتين لا إشكال، والثانية قد بين معنى كونه جل وعلا في الأرض، وأنه مع الخلق في الأرض بعلمه جل وعلا، وأما هو فهو العالي على خلقه البائن منهم. وكذا في قوله: (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ) هذه آية المعية، وهي معية العلم، كما فسرها بذلك سلف الأمة.

стр. 147

آيات المعية لا تنسخ آيات العلو ولا توجب أن الله في كل مكان قال ﵀: [واعلم أن هذه الآيات ليس معناها أن الله أراد الكون بذاته فيكون في أسفل الأشياء، أو ينتقل فيها لانتقالها، ويتبعض فيها على أقدارها، ويزول عنها عند فنائها جل وعز عن ذلك] فمقتضى كونه جل وعلا في كل مكان أن يكون متبعضاً، وأن ينتقل فيها بانتقالها، ويتبعض فيها على أقدارها، ويزول عنها عند فناءها. وهذا من لوازم القول بأنه في كل مكان، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً، ولذلك اشتد نكير أئمة السلف على من قال: إن الله جل وعلا في كل مكان، وجعلوه من الأقوال الكفرية البينة؛ لتكذيبه ما في القرآن وما في السنة، ولما يلزم عليه من اللوازم الباطلة. قال ﵀: [وقد نزع بذلك بعض أهل الضلال، فزعموا أن الله تعالى في كل مكان بنفسه كائناً كما هو على العرش، لا فرقان بين ذلك، ثم أحالوا في النفي بعد تثبيت ما يجوز عليه في قولهم ما نفوه؛ لأن كل من يثبت شيئاً في المعنى ثم نفاه بالقول لم يغن عنه نفيه بلسانه، واحتجوا بهذه الآيات أن الله تعالى في كل شيء بنفسه كائناً، ثم نفوا معنى ما أثبتوه فقالوا: لا كالشيء في الشيء] . أي: أنهم يقولون: إن الله في كل مكان، ثم يقولون: هو في كل مكان لا كالشيء في الشيء؛ حتى يتخلصوا من أن تحله الحوادث أو أن يحل الحوادث، ولذلك لما تناقضوا في قولهم كان تناقضهم دليلاً على فساد قولهم. قال المؤلف ﵀: [قال: أبو عبد الله لنا قوله: (حَتَّى نَعْلَمَ) وقوله: (فَسَيَرَى اللَّهُ) وقوله: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ إنما معناه حتى يكون الموجود فيعلمه موجوداً، ويسمعه مسموعاً ويبصره مبصراً، لا على استحداث علم ولا سمع ولا بصر] هذا معناه: لا على استحداث علم ولا سمع ولا بصر. قال المؤلف ﵀: [وأما قوله: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا﴾ [الإسراء:١٦] إذا جاء وقت كون المراد فيه. وأن قوله: (عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ) ، (أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ) ، (إِذاً لابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً) فهذا وغيره مثل قوله: (تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ) ، (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ) هذا منقطع يوجب أنه فوق العرش، فوق الأشياء كلها، منزه عن الدخول في خلقه لا يخفى عليه منهم خافية؛ لأنه أبان في هذه الآيات أنه أراد أنه بنفسه فوق عباده؛ لأنه قال: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ الأَرْضَ﴾ [الملك:١٦] يعني: فوق العرش، والعرش على السماء؛ لأن من قد كان فوق كل شيء على السماء في السماء] . يريد أن يبين أن (في) في قوله: (أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ) بمعنى (على) . قال ﵀: [وقد قال مثل ذلك في قوله: ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ﴾ [التوبة:٢] يعني: على الأرض؛ لا يريد الدخول في جوفها، وكذلك قوله: ﴿يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ﴾ [المائدة:٢٦] يعني: على الأرض، لا يريد الدخول في جوفها، وكذلك قوله: ﴿وَلأصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه:٧١] يعني: فوقها عليها. وقال: (أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ) ثم فصل فقال: (أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ الأَرْضَ) ولم يصل، فلم يكن لذلك معنى -إذا فصل قوله: (مَنْ فِي السَّمَاءِ) ثم استأنف التخويف بالخسف- إلا أنه على عرشه فوق السماء] لو كان في الأرض كما هو في السماء على قولهم: إنه في كل مكان لكان مخسوفاً به، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً. هذا معنى قوله: (أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ) ثم فصل فقال: (أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ الأَرْضَ) فذكر جل وعلا علوه ثم ذكر تهديده، وهو خسفه لمن خالف أمره. ثم قال ﵀: [وقال تعالى: (يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنْ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ) وقال: (تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ) فبين عروج الأمر وعروج الملائكة، ثم وصف وقت صعودها بالارتفاع صاعدة إليه فقال: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج:٤] فقال: صعودها إليه، وفصله من قوله ((إليه)) كقول القائل: أصعد إليّ فلان في ليلة أو يوم، وذلك أنه في العلو، وأن صعودك إليه في يوم، فإذا صعدوا إلى العرش فقد صعدوا إلى الله وإن كانوا لم يروه، ولم يساووه في الارتفاع في علوه، فإنهم صعدوا من الأرض وعرجوا بالأمر إلى العلو، قال تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ ولم يقل: عنده] . لو كان سبحانه في غير العلو لما احتاجت الملائكة إلى الصعود، ولا الأعمال إلى صعود، ولا أن يقول جل وعلا: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ إذا كان في كل مكان.

стр. 148

تناقض أهل البدع المؤولين لصفة العلو قال المؤلف ﵀: [وقال فرعون: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِباً﴾ [غافر:٣٦-٣٧] ثم استأنف الكلام فقال: (وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِباً) فيما قال لي: إن إلهه فوق السماوات، فبين الله أن فرعون ظن بموسى أنه كاذب فيما قال، وعمد لطلبه حيث قاله مع الظن بموسى أنه كاذب، ولو أن موسى قال: إنه في كل مكان بذاته لطلبه في بيته أو في بدنه أو حشه -فتعالى الله عن ذلك- ولم يجهد نفسه ببنيان الصرح. قال أبو عبد الله: وأما الآي التي يزعمون أنها قد وصلها، ولم يقطعها كما قطع الكلام الذي أراد به أنه على عرشه فقال: ((أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ)) [المجادلة:٧] فأخبر بالعلم، ثم أخبر أنه مع كل مناجٍ، ثم ختم الآية بالعلم بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة:٧]] . هذه الآية فيها أنه أخبر عن نفسه بأنه مع كل مناج فقال: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة:٧] فبدأ هذه الآية التي فيها الإخبار بمعيته لكل مناجٍ بالعلم فقال: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) وختمها بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فدل ذلك على أن المعية المذكورة في هذه الآية هي معية العلم. قال المؤلف ﵀: [فبدأ بالعلم وختم بالعلم، فبين أنه أراد أنه يعلمهم حيث كانوا لا يخفون عليه، ولا يخفى عليه مناجاتهم، ولو اجتمع القوم في أسفل وناظرٌ إليهم في العلو فقال: إني لم أزل أراكم وأعلم مناجاتكم لكان صادقاً، ولله المثل الأعلى أن يشبه الخلق] . أي: إذا كان هذا ليس ممتنعاً في حق الخلق فكيف نقول: إنه يمتنع في حق الخالق؟ قال ﵀: [فإن أبوا إلا ظاهر التلاوة وقالوا: هذا منكم دعوى، خرجوا عن قولهم في ظاهر التلاوة] . الآن يلزمهم على قولهم بأن الآية تدل على أنه في كل مكان، فبعد أن أجاب بالمنع الآن يجيب بالتسليم، فيقول:نسلم أن الآية تدل على ما تقولون، ثم يناقشهم فيقول: [خرجوا عن قولهم في ظاهر التلاوة؛ لأن من هو مع الاثنين فأكثر هو معهم لا فيهم، ومن كان مع شيء خلا جسمه، وهذا خروج من قولهم] . أي: أن كونه مع الشيء لا يستلزم أن يخالطه وأن يكون ممازجاً له، فقد يكون مع الشيء وهو بعيد عنه، فعلى قولكم بأن الآية تدل على هذا نقول: إن ظاهر التلاوة يدل على أنه في كل مكان، بل هو مع كل أحد إلا أنه بعيد عنه . وكذلك قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦] ؛ لأن ما قرب من الشيء ليس هو في الشيء، ففي ظاهر التلاوة على دعواهم أنه ليس في حبل الوريد، وكذلك قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ﴾ لم يقل: (فِي السَّمَاءِ) ثم قطع كما قال: (أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ) ثم قطع فقال: (أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ) فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ﴾ ] . وقوله: (ومن كان مع شيء خلا جسمه) هناك كلام بعد هذا، وهذه النقول موجودة في (درء تعارض العقل والنقل) المجلد الثاني والثالث، فلو يؤتى بها أو أحد يتكفل بمراجعة بعضها، فما زال الكلام للحارث المحاسبي أبي عبد الله فيراجع المقطع هذا لعله يتبين لنا ما سقط. ظاهر التلاوة: (ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) وما قرب من الشيء ليس هو في الشيء. فقرب الشيء من الشيء لا يلزم حلوله فيه، وهم قد ادعوا أن ظاهر التلاوة يدل على أنه في كل شيء، لكنه ما قال: إنه في حبل الوريد، بل هو قد أخبر على القول بأن المقصود بالضمير هو الله جل وعلا أنه أقرب إليه من حبل الوريد، ولم يقل إنه في حبل الوريد كما يزعمون؛ لأن من لازم قولهم: إنه في كل شيء، أن يكون في حبل الوريد أيضاً. ثم فسر الآية فقال: [يعني: إله أهل السماء وإله أهل الأرض، وذلك موجود في اللغة، تقول: فلان أمير في خراسان وأمير في بلخ وأمير في سمرقند، وإنما هو في موضع واحد، ويخفى عليه ما وراءه، فكيف العالي فوق الأشياء؟! لا يخفى عليه شيء من الأشياء يدبره، فهو إله فيهما إذ كان مدبراً لهما، وهو على عرشه، وفوق كل شيء، تعالى عن الأشباه والأمثال] تبين بهذا أن الآيات التي شبهوا بها في إنكار ما أثبته الله لنفسه لا تدل على ما ذهبوا إليه من التأويل، وإنما هي خيالات تمسكوا لتقريرها بشبه، وقد قال الله : ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران:٧] فالواجب التمسك بالمحكم، وحمل المتشابه عليه، لا يجوز الإعراض عن المحكم والتمسك بالمتشابه، فإن هذا سبيل الذين زاغت قلوبهم، كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧] . والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 149

شرح الفتوى الحموية [١٩] اتفقت أقوال السلف الصالح من المهاجرين والأنصار في توحيد الله ، ومعرفة أسمائه وصفاته، فلم يختلفوا في مسائل الاعتقاد كاختلافهم في مسائل الفروع، فجاء من بعدهم خلف فارقوهم في المنهج مخالفة للآثار ولما تقتضيه العقول الصحيحة، فوجب على المسلم اتباع السلف ومجانبة هؤلاء الخلف، وقد نقل الشيخ هنا من كلام ابن خفيف ما يبين ذلك.

стр. 150

نقل كلام أبي عبد الله محمد بن خفيف في مذهب السلف بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 151

اتفاق المهاجرين والأنصار في التوحيد نقل المؤلف رحمه الله تعالى قائلاً: [وقال الإمام أبو عبد الله محمد بن خفيف في كتابه الذي سماه: (اعتقاد التوحيد بإثبات الأسماء والصفات) . قال في آخر خطبته: فاتفقت أقوال المهاجرين والأنصار في توحيد الله ومعرفة أسمائه وصفاته وقضائه قولاً واحداً وشرعاً ظاهراً، وهم الذين نقلوا عن رسول الله ﷺ ذلك حتى قال: (عليكم بسنتي) ، وذكر الحديث. وحديث: (لعن الله من أحدث حدثاً) ، قال: فكانت كلمة الصحابة على الاتفاق من غير اختلاف، وهم الذين أمرنا بالأخذ عنهم إذ لم يختلفوا بحمد الله تعالى في أحكام التوحيد وأصول الدين من الأسماء والصفات كما اختلفوا في الفروع، ولو كان منهم في ذلك اختلاف لنقل إلينا، كما نقل سائر الاختلاف، فاستقر صحة ذلك عند خاصتهم وعامتهم، حتى أدوا ذلك إلى التابعين لهم بإحسان، فاستقر صحة ذلك عند العلماء المعروفين، حتى نقلوا ذلك قرناً بعد قرن؛ لأن الاختلاف كان عندهم في الأصل كفر ولله المنة] . فكلام الشيخ ﵀ في هذا بين واضح أن السلف لم يختلفوا في مسائل الاعتقاد كاختلافهم في مسائل الفروع، وهذا لا إشكال فيه، فإن أهل السنة والجماعة من السلف الصالحين من الصحابة التابعين ومن بعدهم ﵃ كانوا على اتفاق في باب الاعتقاد، ولم ينقل عنهم خلافه، وهذا من حيث الأصل، وإلا فهناك بعض المسائل التي لا تعد من أصول الاعتقاد وقع فيها اختلاف، كرؤية النبي ﷺ ربه في الدنيا. هذا وقع فيه اختلاف بين الصحابة ﵃، فقال بعضهم: بأنه رآه. وقال بعضهم: بأنه لم يره. وهذا الخلاف لا يعد شيئاً، فإنهم اتفقوا في مسائل الاعتقاد وأصول الدين ولم يقع بينهم خلاف، وإنما الخلاف في بعض المسائل الفرعية التي لا يعد الخلاف فيها مؤثراً على اتفاقهم في جملة ما يجب لله من الأسماء والصفات، ومن الكمال الواجب له . قال ﵀: [ثم إني قائل -وبالله أقول-: إنه لما اختلفوا في أحكام التوحيد، وذكر الأسماء والصفات على خلاف منهج المتقدمين من الصحابة والتابعين، فخاضوا في ذلك من لم يعرفوا بعلم الآثار، ولم يعقلوا قولهم بذكر الأخبار، وصار معوّلهم على أحكام هوى النفس المستخرجة من سوء الظن به، على مخالفة السنة والتعلق منهم بآيات لم يسعدهم فيها ما وافق النفوس؛ فتأولوا على ما وافق هواهم، وصححوا بذلك مذهبهم. احتجت إلى الكشف عن صفة المتقدمين، ومأخذ المؤمنين، ومنهاج الأولين؛ خوفاً من الوقوع في جملة أقاويلهم، التي حذر رسول الله ﷺ أمته، ومنع المستجيبين له حتى حذرهم] . ما ذكره ﵀ تقدم لنا في بيان مفارقة منهج المتأخرين لمنهج المتقدمين في باب الإيمان وأحكام التوحيد والدين، ولا حاجة للتعليق عليه، إلا أنه تأكيد لما تقدم من مخالفة هؤلاء للآثار، ولما تقتضيه العقول الصحيحة من إثبات ما أثبته الله تعالى لنفسه، أو إثبات ما أثبته له رسوله ﷺ . قال ﵀: [ثم ذكر أبو عبد الله خروج النبي ﷺ وهم يتنازعون في القدر وغضبه، وحديث: (لا ألفين أحدكم) ، وحديث: (ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة) ، فإن الناجية ما كان عليه هو وأصحابه؛ ثم قال: فلزم الأمة قاطبة معرفة ما كان عليه الصحابة، ولم يكن الوصول إليه إلا من جهة التابعين لهم بإحسان، المعروفين بنقل الأخبار ممن لا يقبل المذاهب المحدثة، فيتصل ذلك قرناً بعد قرن ممن عرفوا بالعدالة والأمانة، الحافظين على الأمة ما لهم وما عليهم من إثبات السنة. إلى أن قال: فأول ما نبتدئ به ما أوردنا هذه المسألة من أجله: ذكر أسماء الله في كتابه، وما بين ﷺ من صفاته في سنته، وما وصف به مما سنذكر قول القائلين بذلك، مما لا يجوز لنا في ذلك أن نرده إلى أحكام عقولنا بطلب الكيفية بذلك، ومما قد أمرنا بالاستسلام له] .

стр. 152

إثبات صفة النفس لله تعالى [إلى أن قال: ثم إن الله تعرف إلينا بعد إثبات الوحدانية والإقرار بالألوهية أن ذكر تعالى في كتابه بعد التحقيق بما بدأ من أسمائه وصفاته، وأكد ﵇ بقوله: فقبلوا منه كقبولهم لأوائل التوحيد من ظاهر قوله لا إله إلا الله -إلى أن قال-: بإثبات نفسه بالتفصيل من المجمل] . بعد أن فرغ الشيخ ﵀ من النقل الأول انتقل إلى أن ذكر صلة كلامه في أن الله تعرف لعباده، بعد أن أقروا بتوحيد الإلهية وتوحيد الربوبية، بأسمائه وصفاته فبينها لهم، وبين ما يجب له من الأسماء وما يجب له من الصفات؛ لأنه بها يكتمل تحقيق العبودية له كما تقدم ذكر ذلك. ثم قال (إلى أن قال) فبدأ بذكر صفة جاءت النصوص بذكرها فقال: (بإثبات نفسه) أي: بإثبات صفة النفس له، كما يقول الشيخ وسنذكر الخلاف في هذا. [إلى أن قال بإثبات نفيه بالتفصيل من المجمل فقال: لموسى ﵇: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه:٤١] ، وقال: ﴿وَيُحَذِّرُكُمْ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران:٢٨] ، ولصحة ذلك واستقرار ما جاء به المسيح ﵇ فقال: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة:١١٦] ، وقال : ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام:٥٤] . وأكد ﵇ صحة إثبات ذلك في سنته فقال: (يقول الله : من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي) ، وقال: (كتب كتاباً بيده على نفسه: إن رحمتي غلبت غضبي) ، وقال: (سبحان الله رضا نفسه) ، وقال في محاجة آدم لموسى: (أنت الذي اصطفاك الله واصطنعك لنفسه) ، فقد صرح بظاهر قوله: أنه أثبت لنفسه نفساً، وأثبت له الرسول ذلك. فعلى من صدق الله ورسوله اعتقاد ما أخبر به عن نفسه، ويكون ذلك مبنياً على ظاهر قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]] . إثبات هذه الصفة التي ذكرها الشيخ ﵀ واستدل لها بالآيات السابقة، يجب أن يكون على حد قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ، فعلى القول أن النفس صفة لذاته ، فإنها ليست كنفوس المخلوقين ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] فهي كسائر الصفات يثبتها من أثبتها من أهل السنة من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. إلا أن صفة النفس اختلف أهل العلم من أهل السنة في إثباتها على قولين:

стр. 153

اختلاف أهل السنة في إثبات صفة النفس القول الأول: أن النفس المذكورة في الآيات هي الذات نفسها، وليست صفة لها، فقوله سبحانه: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ أي: تعلم ما عندي ولا أعلم ما عندك. ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ أي: لي، ((وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ)) أي: يحذركم الله ذاته، وهذا ليس من التأويل حتى يقال: كيف تؤولون؟ لكن يقال: إن لسان العرب يطلق النفس ويريد به الذات، فتقول: سقط الجدار نفسه، ومعلوم أن الجدار ليس له نفس والمقصود ذاته. فهذا جار على لسان العرب، أن يطلق لفظ النفس ويراد به الذات نفسها، وهذا القول مال إليه شيخ الإسلام ﵀ وقال: إنه قول جماهير أهل العلم. والقول الثاني: أن النفس صفة للذات كالسمع والبصر وغيرها من الصفات. وهذا القول قال به جمع من أهل السنة، من أبرزهم إمام الأئمة ابن خزيمة ﵀ في كتابه: التوحيد، وكذا الشيخ ابن خفيف ﵀ في كلامه. فهذان قولان في المسألة، والراجح منهما القول الأول، وهو قول الجماهير كما قال شيخ الإسلام ﵀.

стр. 154

إثبات صفة النور لله وذكر الاختلاف فيها قال ﵀: [ثم قال: فعلى المؤمنين خاصتهم وعامتهم قبول كل ما ورد عنه ﵇، بنقل العدل عن العدل؛ حتى يتصل به ﷺ . وإن مما قضى الله علينا في كتابه، ووصف به نفسه، ووردت السنة بصحة ذلك، أن قال: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [النور:٣٥] ثم قال عقيب ذلك: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ [النور:٣٥] ، وبذلك دعاه ﷺ : (أنت نور السموات والأرض) ، ثم ذكر حديث أبي موسى: (حجابه النور -أو النار- لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه) ، وقال: سبحات وجهه جلاله ونوره، نقله عن الخليل وأبي عبيد. وقال: قال عبد الله بن مسعود: نور السموات نور وجهه] . النور صفة لله ، وهو يذكر في كتابه وفي سنة رسوله ﷺ على نحوين: النور المضاف إلى الله نوعان في الكتاب والسنة: نور يضاف إليه وهو صفته ، ونور يضاف إليه وهو خلقه. وهذا معنى قول من فسر قوله جل وعلا: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) أي: منور، فجعل النور المضاف هنا إضافة خلق لا إضافة صفة، فيضاف النور إلى الله جل وعلا ويراد صفته، ويضاف إليه النور ويراد به خلقه.

стр. 155

إثبات الصفات الخبرية [ثم قال: ومما ورد به النص أنه حي، وذكر قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران:١] والحديث: (يا حي يا قيوم! برحمتك أستغيث) . قال: ومما تعرف الله إلى عباده أن وصف نفسه أن له وجهاً موصوفاً بالجلال والإكرام، فأثبت لنفسه وجهاً، وذكر الآيات. ثم ذكر حديث أبي موسى المتقدم، فقال في هذا الحديث: من أوصاف الله لا ينام موافق لظاهر الكتاب: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥] ، وأن له وجهاً موصوفاً بالأنوار، وأن له بصراً كما علمنا في كتابه أنه سميع بصير. ثم ذكر الأحاديث في إثبات الوجه، وفي إثبات السمع والبصر، والآيات الدالة على ذلك. ثم قال: ثم إن الله تعالى تعرف إلى عباده المؤمنين أن قال: له يدان قد بسطهما بالرحمة، وذكر الأحاديث في ذلك، ثم ذكر شعر أمية بن أبي الصلت، ثم ذكر حديث: (يلقى في النار وتقول: هل من مزيد؟ حتى يضع فيها رجله) ، وهي رواية البخاري، وفي رواية أخرى: (يضع عليها قدمه) . ثم ما رواه مسلم البطين عن ابن عباس: أن الكرسي موضع القدمين، وأن العرش لا يقدر قدره إلا الله، وذكر قول مسلم البطين نفسه، وقول السدي، وقول وهب بن منبه، وأبي مالك، وبعضهم يقول: موضع قدميه، وبعضهم يقول: واضع رجليه عليه. ثم قال: فهذه الروايات قد رويت عن هؤلاء من صدر هذه الأمة موافقة لقول النبي ﷺ ، متداولة في الأقوال، ومحفوظة في الصدر، ولا ينكر خلف عن السلف، ولا ينكر عليهم أحد من نظرائهم، نقلتها الخاصة والعامة مدونة في كتبهم، إلى أن حدث في آخر الأمة من قلل الله عددهم، ممن حذرنا رسول الله ﷺ عن مجالستهم ومكالمتهم، وأمرنا أن لا نعود مرضاهم، ولا نشيع جنائزهم، فقصد هؤلاء إلى هذه الروايات فضربوها بالتشبيه، وعمدوا إلى الأخبار فعملوا في دفعها إلى أحكام المقاييس وكفر المتقدمين، وأنكروا على الصحابة والتابعين، وردوا على الأئمة الراشدين، فضلوا وأضلوا عن سواء السبيل] . ما ذكره في الروايات السابقة غالبه في الصفات الخبرية، وهي الصفات التي أخبر الله بها عن نفسه، وهي كالوجه، والأصابع، واليدين، والأنامل، والقدم أو الرجل، وما أشبه ذلك من الصفات التي جاءت الأخبار بها، أثبتها أهل السنة والجماعة له على الوجه الذي يليق به، وليس في ذلك تنقص؛ لأن ما جاء في الكتاب والسنة أحق أن يتبع، ولا يلحقه نقص بوجه من الوجوه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] . المهم أن الشيخ ﵀ أخبر بأن سلف الأمة المتقدمين ومن تبعهم ممن سار على طريقهم من المتأخرين يثبتون هذه الصفات الخبرية، ويثبتون أيضاً الصفات التي فيها نفي النقص عنه جل وعلا، فالصفات جاءت على نحوين: صفات مثبتة، وصفات منفية. الصفات المثبتة: جاءت مفصلة وجاءت مجملة، لكن الأكثر في صفات الإثبات التفصيل كقوله تعالى: ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ﴾ [الحشر:٢٢] كل هذه صفات ثبوتية مفصلة، وغيرها كثير في كتاب الله . وأما الصفات المنفية: فجاءت مجملة وجاءت مفصلة، والأكثر فيها الإجمال؛ لأن التفصيل في صفات النفي لا يدل على الكمال، وإنما أتى النفي إما لبيان كمال الصفة، أو لنفي ما نسب إليه من النقص، وإلا فالأصل في صفات النفي أن تأتي مجملة: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤] ، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ [مريم:٦٥] ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ، أما قوله: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥] فهذا نفي مفصل لإثبات كمال الحياة والقيومية ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥] فهنا لبيان كمال الصفة المذكورة، وكنفي العجز عنه ، فنفي العجز لبيان كمال قدرته جل وعلا. والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

стр. 156

شرح الفتوى الحموية [٢٠] عقيدة أهل السنة والجماعة: إثبات صفات الله كما جاءت في الكتاب والسنة من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل، وقد خالف في ذلك كثير من أهل الفرق الضالة.

стр. 157

إثبات ابن خفيف صفة الصورة لله جل وعلا بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فيقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في سياق نقله لكلام أبي عبد الله بن خفيف: [ثم ذكر المأثور عن ابن عباس ﵄ وجوابه لـ نجدة الحروري، ثم حديث الصورة، وذكر أنه صنف فيه كتاباً مفرداً، واختلاف الناس في تأويله] . حديث الصورة هو حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : (إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته) ، مرجع الضمير في قوله ﷺ : (صورته) هل هو إلى آدم أو إلى الله جل وعلا؟ الصحيح أنه عائد إلى الله ، وإثبات الصورة لله كإثبات سائر الصفات التي جاءت في الكتاب والسنة من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، ولا يقتضي إثبات الصورة ما ادعاه المؤولة من أنه جسم أو ما شابه ذلك من التأويلات التي يقولونها. والذي جعل أهل العلم يختلفون في مرجع الضمير أن هذه الصفة ليست كسائر الصفات التي جاء ذكرها في الكتاب والسنة كالوجه والعين واليد، وقبلها أهل العلم ولم يكن عندهم إشكال فيها كسائر الصفات، وأما صفة الصورة فلم يأت لها ذكر في كتاب الله جل وعلا، وإنما جاء ذكرها في الحديث، فاختلفوا في مرجع الضمير، والصواب رجوعه إلى الله، وأن له صورة جل وعلا، وهو في صورته وفي سائر صفاته ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] .

стр. 158

ذكر ابن خفيف جملة من أصول السنة المخالفة لأهل الزيغ والضلال ثم قال ﵀: [وسنذكر أصول السنة وما ورد من الاختلاف فيما نعتقده فيما خالفنا فيه أهل الزيغ، وما وافقنا فيه أصحاب الحديث من المثبتة إن شاء الله. ثم ذكر الخلاف في الإمامة واحتج عليها، وذكر اتفاق المهاجرين والأنصار على تقديم الصديق، وأنه أفضل الأمة. ثم قال: وكان الاختلاف في (خلق الأفعال) هل هي مقدرة أم لا؟ قال: وقولنا فيها: إن أفعال العباد مقدرة معلومة، وذكر إثبات القدر. ثم ذكر الخلاف في أهل الكبائر، ومسألة الأسماء والأحكام] . الأسماء: مؤمن, فاسق, كافر. والأحكام: ما يترتب على هذه الأسماء من الأحكام في الدنيا والآخرة، ومسألة الأسماء والأحكام من مباحث الإيمان.

стр. 159

الرد على المعتزلة في جملة من المسائل وقال ﵀: [قولنا فيها: أنهم مؤمنون على الإطلاق، وأمرهم إلى الله إن شاء عذبهم وإن شاء عفا عنهم. وقال: أصل الإيمان موهبة يتولد منها أفعال العباد، فيكون أصل التصديق والإقرار والأعمال، وذكر الخلاف في زيادة الإيمان ونقصانه. وقال: قولنا أنه يزيد وينقص. قال: ثم كان الاختلاف في القرآن مخلوقاً وغير مخلوق، فقولنا وقول أئمتنا: إن القرآن كلام الله غير مخلوق، وإنه صفة الله منه بدأ قولاً وإليه يعود حكماً. ثم ذكر الخلاف في الرؤية وقال: قولنا وقول أئمتنا فيما نعتقد: أن الله يرى في القيامة، وذكر الحجة. ثم قال: اعلم رحمك الله أني ذكرت أحكام الاختلاف على ما ورد من ترتيب المحدثين في كل الأزمنة، وقد بدأت أن أذكر أحكام الجُمل من العقود. فنقول ونعتقد أن الله له عرش، وهو على عرشه فوق سبع سماوات بكل أسمائه وصفاته، كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] ، ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة:٥] ولا نقول: إنه في الأرض كما هو في السماء على عرشه؛ لأنه عالم بما يجري على عباده ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ . إلى أن قال: ونعتقد أن الله تعالى خلق الجنة والنار، وأنهما مخلوقتان للبقاء لا للفناء. إلى أن قال: ونعتقد أن النبي ﷺ عرج بنفسه إلى سدرة المنتهى. إلى أن قال: ونعتقد أن الله قبض قبضتين فقال: (هؤلاء للجنة وهؤلاء للنار) ، ونعتقد أن للرسول ﷺ حوضاً، ونعتقد أنه أول شافع وأول مشفع، وذكر الصراط والميزان والموت، وأن المقتول قتل بأجله واستوفى رزقه] خلافاً للمعتزلة في هذه المسألة لأنهم قالوا بأن المقتول قطع أجله، وإلا فأجله الذي كتبه الله هو وقت موته بدون قتل، لكن القاتل قطع أجل المقتول، وهذا مبني على قولهم بأن الله لم يخلق أفعال العباد، وأن الله لم يعلم ما الخلق عاملون إلا بعد أن يعملوه.

стр. 160

إثبات صفة النزول واليد لله قال ﵀: [إلى أن قال: ومما نعتقد أن الله ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا في ثلث الليل الآخر، فيبسط يده فيقول: (ألا هل من سائل) الحديث] علوه جل وعلا فيه إثبات نزوله، وفيه إثبات صفة اليد، وأنه يبسط يده، وأنه جل وعلا يتكلم؛ كل هذا في هذا الحديث. [وليلة النصف من شعبان، وعشية عرفة، وذكر الحديث في ذلك] ، ذكر ليلة النصف من شعبان بناء على الأحاديث التي وردت، وهي أحاديث ضعيفة لا تثبت، وأما نزوله جل وعلا عشية عرفة فهذا ثابت في صحيح مسلم.

стр. 161

إثبات صفة الخلة قال ﵀: [قال: ونعتقد أن الله تعالى كلم موسى تكليماً، واتخذ إبراهيم خليلاً، وأن الخلة غير الفقر، لا كما قال أهل البدع] . يعني: أن الخلة التي نثبتها له لا يلزم فيها نقص وحاجة، ومقصوده بالفقر: حاجة الخليل إلى خليله. إذاً: الخلة صفة له نثبتها -وأنه اتخذ إبراهيم خليلاً- دون أن نثبت ما يذكرونه من لوازم، فإنه لا يلزم على كلام الله نقص، ولا على كلام نبيه ﷺ شيء من ذلك ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] .

стр. 162

رؤية النبي ﷺ لربه سبحانه قال ﵀: [ونعتقد أن الله تعالى خص محمداً ﷺ بالرؤية، واتخذه خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً] قوله: (نعتقد أن الله تعالى خص محمداً ﷺ بالرؤية) هذا يحتمل أنه يقول بأن النبي ﷺ رأى ربه بعينه التي في رأسه ﷺ في الدنيا. وهذا القول قول مرجوح، فإنه لم يثبت أن النبي ﷺ رأى ربه، وإنما رأى جبريل عند سدرة المنتهى على الصفة التي خلقه الله عليها دون أن يتمثل له بهيئة غير الهيئة التي خلقه الله عليها، وهذا هو القول الصحيح في رؤية النبي ﷺ ربه، فإنه لم يره بعينه وإنما رآه بفؤاده ورآه في المنام حيث قال ﷺ : (رأيت ربي البارحة في أحسن صورة) .

стр. 163

اختصاص الله بمفتاح خمس من الغيب قال ﵀: [ونعتقد أن الله تعالى اختص بمفتاح خمس من الغيب لا يعلمها إلا الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان:٣٤] الآية. ونعتقد المسح على الخفين ثلاثا للمسافر ويوماً وليلة للمقيم] . هذه المسألة من مسائل الفروع، وإنما ذكرها الشيخ ﵀ وغيره من المصنفين في الاعتقاد مخالفة لما عليه المبتدعة من الروافض الذين لا يرون ذلك، فذكرها لأنها من علامات أهل السنة، وإلا فهي ليست من مسائل الأصول بل هي من مسائل الفروع.

стр. 164

الصبر على السلطان وعدم الخروج عليه قال ﵀: [ونعتقد الصبر على السلطان من قريش؛ ما كان من جور أو عدل ما أقام الصلاة من الجمع والأعياد، والجهاد معهم ماض إلى يوم القيامة] . قوله (الصبر على السلطان) خلافاً للخوارج والمعتزلة الذين يرون الخروج على السلاطين إذا رأوا منهم الجور والظلم. قال ﵀: [والصلاة في الجماعة حيث ينادى لها واجب إذا لم يكن عذر أو مانع، والتراويح سنة، ونشهد أن من ترك الصلاة عمداً فهو كافر، والشهادة والبراءة بدعة، والصلاة على من مات من أهل القبلة سنة، ولا ننزل أحداً جنة ولا ناراً حتى يكون الله ينزلهم] قوله: (لا ننزل أحداً) ظاهر كلامه أنه يشمل أهل القبلة وغيرهم، وغير أهل القبلة هم الكفار كاليهود والنصارى وغيرهم، فظاهر قوله: (ولا ننزل أحداً جنة ولا ناراً) أي: بعينه. فلا نجزم أن هذا من أهل الجنة أو أن هذا من أهل النار، وفي بعض كلام أهل العلم تقييد ذلك بأهل القبلة كما في السنة للإمام أحمد، وغيره من أهل العلم، أي: لا ننزل أحداً من أهل القبلة لا جنةً ولا ناراً حتى يكون الله ينزله. أي: حتى يأتينا النص بأن فلاناً من أهل الجنة وأن فلاناً من أهل النار، وكلام أهل السنة في هذا محتمل، فيحتمل العموم. يعني: لا يشهد لأحد بعينه أنه من أهل النار حتى ولو كان من الكفار.

стр. 165

المراء والجدل في الدين بدعة قال ﵀: [والمراء والجدال في الدين بدعة] . ويعني به: المراء والجدال بالباطل، وإلا فإن مقارعة أهل البدع والرد عليهم وبيان بطلان أقوالهم ليس من البدع، بل قد يكون واجباً، وقد قال الله في شأن كتابه في أهل الكتاب: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت:٤٦] فنهى عن الجدال السيئ، وأمر بالجدال الذي يكون بالحسنى، وهذا الذي يوصل إلى الحق ويدفع الباطل.

стр. 166

السكوت عما شجر بين الصحابة وعن الاسم والمسمى واللفظ والملفوظ قال ﵀: [ونعتقد أن ما شجر بين أصحاب رسول الله ﷺ أمرهم إلى الله، ونترحم على عائشة ونترضى عنها؛ والقول في اللفظ والملفوظ، وكذلك في الاسم والمسمى بدعة] . هذه المسائل أحدثها المتكلمون فيما بعد القرون المفضلة: هل لفظي بالقرآن مخلوق أو لا؟! وهذه لم تكن في عهد الصحابة ولا في القرون المفضلة من التابعين وتابعيهم، وإنما حدثت بعد بدعة الجهمية في إنكار كلام الله ، والأولى الصد عن هذا وعدم الحديث فيه. وكذا الاسم والمسمى: هل الاسم عين المسمى أم زائد عليه، كل هذا إنما حدث بعد ما أدخله المتكلمون على أهل الإسلام من بدعة الكلام، واتباع الفلاسفة والآراء الباطلة في باب أسماء الله وصفاته.

стр. 167

نسبة خطأ الفرد إلى الجملة ظلم منهي عنه قال ﵀: [والقول في الإيمان مخلوق أو غير مخلوق بدعة، واعلم أني ذكرت اعتقاد أهل السنة على ظاهر ما ورد عن الصحابة والتابعين مجملاً من غير استقصاء، إذ تقدم القول من مشايخنا المعروفين من أهل الإبانة والديانة، إلا أني أحببت أن أذكر عقود أصحابنا المتصوفة فيما أحدثته طائفة نسبوا إليهم ما قد تخرصوا من القول بما نزه الله تعالى المذهب وأهله من ذلك. إلى أن قال: وقرأت لـ محمد بن جرير الطبري في كتاب سماه: التبصير، كتب بذلك إلى أهل طبرستان في اختلاف عندهم، وسألوه أن يصنف لهم ما يعتقده ويذهب إليه، فذكر في كتابه اختلاف القائلين برؤية الله تعالى، فذكر عن طائفة إثبات الرؤية في الدنيا والآخرة. ونسب هذه المقالة إلى الصوفية قاطبة لم يخص طائفة، فبين أن ذلك على جهالة منه بأقوال المخلصين منهم، وكان من نسب إليه ذلك القول -بعد أن ادعى على الطائفة- ابن أخت عبد الواحد بن زيد، والله أعلم بمحله عند المخلصين، فكيف بابن أخته، وليس إذا أحدث الزائغ في نحلته قولاً نسب إلى الجملة] . هذه مسألة مهمة تفيد طالب العلم في التعامل مع الطوائف والفرق والقبائل وأهل البلدان، أنه إذا أحدث أحد منهم خطأً فإنه لا ينسب إلى الجملة، بل النسبة إلى الجملة من الظلم الذي ينهى عنه.

стр. 168

الاهتمام بمعرفة مصطلحات العلوم قال ﵀: [كذلك في الفقهاء والمحدثين ليس من أحدث قولاً في الفقه، وليس فيه حديث يناسب ذلك ينسب ذلك إلى جملة الفقهاء والمحدثين. واعلم أن لفظ الصوفية وعلومهم تختلف، فيطلقون ألفاظهم على موضوعات لهم، ومرموزات وإشارات تجري فيما بينهم، فمن لم يداخلهم على التحقيق، ونازل ما هم عليه رجع عنهم وهو خاسئ وحسير] . يعني: لم يفهم مرادهم، وينصرف عنهم وعما عندهم من خير. هذا معنى قوله: (رجع عنهم وهو خاسئ وحسير) . وعلى كل حال فالواجب على كل من دخل في هذه العلوم على تنوعها أن يتقن مصطلحات القوم ومرادهم بألفاظهم وكلماتهم؛ لأن الحكم على أقوالهم فرع عن فهمها وتصورها وإدراكها، ولا يتأتى ذلك إلا بمعرفة اصطلاحاتهم ومرادهم من هذه الألفاظ التي يستعملونها.

стр. 169

الرد على من زعم أن الصوفية يقولون برؤية الله في الدنيا قال ﵀: [ثم ذكر إطلاقهم لفظ الرؤية بالتقييد، فقال: كثيراً ما يقولون: رأيت الله. يقول: وذكر عن جعفر بن محمد قوله لما سئل: هل رأيت الله حين عبدته؟ قال: رأيت الله ثم عبدته. فقال السائل: كيف رأيته؟ فقال: لم تره الأبصار بتحديد الأعيان، ولكن رؤية القلوب بتحقيق الإيقان. ثم قال: وإنه تعالى يرى في الآخرة كما أخبر في كتابه وذكره رسوله ﷺ ] . هذا يبين أن الصوفية الذين يدافع عنهم ويبين طريقهم لا يقولون بنفي الرؤية، وأنهم يثبتونها ولا يفهم من قول هذا الذي سئل أنه لم تره الأبصار بتحديد الأعيان، ولكن رؤية القلوب بتحقيق الإيقان أن هذا نفي للرؤية، بل هذا مراده في الدنيا، ولا شك أن الدنيا لا يمكن أن يرى فيها جل وعلا، كما قال الله لموسى ﵇: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] ، ولكنه يرى رؤية قلبية، يرى في قلب العبد، وتكون هذه الرؤية بحسب ما عنده من الإيمان، ولهذا كانت أعلى مراتب الدين: الإحسان (وهو أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) .

стр. 170

إثبات الصفات لله دون الشطط فيها من منهج السلف قال ﵀: [هذا قولنا وقول أئمتنا دون الجهال من أهل الغباوة فينا. وإن مما نعتقده أن الله حرم على المؤمنين دماءهم وأموالهم وأعراضهم، وذكر ذلك في حجة الوداع، فمن زعم أنه يبلغ مع الله إلى درجة يبيح الحق له ما حظر على المؤمنين -إلا المضطر على حال يلزمه إحياء للنفس لو بلغ العبد ما بلغ من العلم والعبادات- فذلك كفر بالله، وقائل ذلك قائل بالإباحة، وهم المنسلخون من الديانة. وإن مما نعتقده ترك إطلاق تسمية العشق على الله تعالى، وبين أن ذلك لا يجوز لاشتقاقه ولعدم ورود الشرع به. وقال: أدنى ما فيه أنه بدعة وضلالة، وفيما نص الله من ذكر المحبة كفاية. وإن مما نعتقده: أن الله لا يحل في المرئيات، وأنه المتفرد بكمال أسمائه وصفاته، بائن من خلقه مستو على عرشه، وأن القرآن كلامه غير مخلوق -حيث ما تلي ودرس وحفظ- ونعتقد أن الله تعالى اتخذ إبراهيم خليلاً، واتخذ نبينا محمداً ﷺ خليلاً وحبيباً، والخلة لهما منه، على خلاف ما قاله المعتزلة: إن الخلة الفقر والحاجة. إلى أن قال: والخلة والمحبة صفتان لله هو موصوف بهما، ولا تدخل أوصافه تحت التكييف والتشبيه، وصفات الخلق من المحبة والخلة جائز عليها الكيف، فأما صفاته تعالى فمعلومة في العلم، وموجودة في التعريف، قد انتفى عنهما التشبيه، فالإيمان به واجب، واسم الكيفية عن ذلك ساقط] . ﵀ وغفر له، وهذا كلام جيد، وتحقيق هذه المنقولات فيها خير كثير؛ لأن كثيراً من المبتدعين لا يقبلون ما يذكره أئمة أهل السنة كشيخ الإسلام ابن تيمية ومن بعده، يقولون: هذا مذهب محدث ولا يعضده نقل عن السلف، ولكن مثل هذه النقول تؤكد لكل من طلب الحق أن طريق السلف هو إثبات الصفات، وتنزيه الله ، وأنه مخالف لطريق المبتدعين المؤولين الذين يصدق عليهم قوله جل وعلا: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام:٩١] .

стр. 171

شرح الفتوى الحموية [٢١] على المسلم أن يسلك طريق الكتاب والسنة في كل شيء، من فروع أو أصول، وقد انحرف عن هذا الطريق كثير من المتأخرين من الصوفية وغيرهم، رغم أن متقدميهم كانوا متمسكين بالكتاب والسنة، وقد نقل شيخ الإسلام عن أئمة الصوفية المتقدمين ما يدل على ضلال المتأخرين فيما انتهجوه.

стр. 172

تابع كلام ابن خفيف في اعتقاد السلف

стр. 173

الاعتقاد الصحيح في المكاسب والتجارات بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فيقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في سياق نقله لكلام أبي عبد الله بن خفيف: [ومما نعتقده: أن الله تعالى أباح المكاسب والتجارات والصناعات، وإنما حرم الله الغش والظلم، وأما من قال بتحريم تلك المكاسب فهو ضال مضل مبتدع؛ إذ ليس الفساد والظلم والغش من التجارات والصناعات في شيء، إنما حرم الله ورسوله الفساد، لا الكسب والتجارات، فإن ذلك على أصل الكتاب والسنة، جائز إلى يوم القيامة. وإن مما نعتقده أن الله تعالى لا يأمر بأكل الحلال ثم يعدمهم الوصول إليه من جميع الجهات؛ لأن ما طالبهم به موجود إلى يوم القيامة، والمعتقد أن الأرض تخلو من الحلال، والناس يتقلبون في الحرام فهو مبتدع ضال، إلا إنه يقل في موضع ويكثر في موضع، لا أنه مفقود من الأرض. ومما نعتقده: أنا إذا رأينا من ظاهره جميل لا نتهمه في مكسبه وماله وطعامه، جائز أن يؤكل طعامه، والمعاملة في تجارته، فليس علينا الكشف عما قاله، فإن سأل سائل على سبيل الاحتياط؛ جاز إلا من داخل الظلمة، ومن ينزع عن الظلم وأخذ الأموال بالباطل ومعه غير ذلك، فالسؤال والتوقي، كما سأل الصديق غلامه، فإن كان معه من المال سوى ذلك مما هو خارج عن تلك الأموال فاختلطا فلا يطلق عليه الحلال ولا الحرام، إلا أنه مشتبه، فمن سأل استبرأ لدينه كما فعل الصديق، وأجاز ابن مسعود وسلمان الأكل منه وعليه التبعة، والناس طبقات، والدين: الحنيفية السمحة] . هذا المقطع فيه بيان ما يتعقد في المكاسب والتجارات، وأن الله تعالى أباحها، ولا شك في هذا، والأصل في المعاملات الحل، دل على ذلك الكتاب والسنة وأقوال أهل العلم، ومصادر التحريم في المعاملات ثلاثة: الربا والغرر والظلم، ويضاف أمر رابع وهو: كل ما أدى إلى هذه الأمور من المعاملات فإنه يمنع؛ لأنه وسيلة إلى المحرم، ووسيلة المحرم محرمة، وإنما ذكر الشيخ ﵀ هذا؛ ليرد على بعض الصوفية الذين يتورعون عن أكل أموال الناس من سبيل مشروع مباح، ويعتذرون في التنزه عن أموال الناس بأنها محرمة، أو أنه امتنع الحلال في هذه الأعصار؛ لكثرة المعاملات المحرمة في زمانهم، وفي زماننا من باب أولى. لكن هذا الكلام غير صحيح، فالأصل في أموال الناس الإباحة، أي: أنها مباحة ويباح التعامل معهم فيها بالتجارات وغيرها، ولكن إذا علم أن المال الفلاني محرم، كأن يكون قد غصبه أو سرقه، فحينئذٍ لا يجوز التعامل معه لعلمه بتحريم هذا المال. وأما من اشتبه ماله فاختلط فيه الحلال والحرام فالأصل إباحة معاملته إلا إذا علم أن المعاملة تقوم على محرم، كأن يدفع إليه عوضاً من مال يعلم أنه كسبه من محرم، فهنا يمتنع من أخذه، على أن بعض أهل العلم كما ذكر الشيخ ﵀ أجاز معاملتهم حتى فيما علم أنهم كسبوه من محرم؛ لأن إثم كسب المحرم عليهم، وأما هذا فقد أخذه من طريق مباح قال الله فيها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٢٩] ، فلم يتشرط في التجارات وفي سائر المعاوضات إلا أن تكون على التراضي، وذكر هذا في هذه الرسالة استطراداً، وإلا فليس له صلة في باب الاعتقاد، إلا في الرد على من اعتقد تحريم المكاسب، فهو يبين له أنه مخطئ.

стр. 174

لا تسقط التكاليف عن أحد في دار الدنيا ما دام عاقلاً قادراً قوله: [وإن مما نعتقد: أن العبد ما دام أحكام الدار جارية عليه فلا يسقط عنه الخوف والرجاء، وكل من ادعى الأمن فهو جاهل بالله، وبما أخبر به عن نفسه ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٩] ، وقد أفردت كشف عورات من قال بذلك. ونعتقد: أن العبودية لا تسقط عن العبد ما عقل وعلم ما له وما عليه، فيبقى على أحكام القوة والاستطاعة؛ إذ لم يسقط الله ذلك عن الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، ومن زعم أنه قد خرج عن رق العبودية إلى فضاء الحرية بإسقاط العبودية، والخروج إلى أحكام الأحدية المسدية بعلائق الآخرية؛ فهو كافر لا محالة، إلا من اعتراه علة أو رأفة فصار معتوهاً أو مجنوناً أو مبرسماً، وقد اختلط عقله] . يتكلم الشيخ ﵀ في هذا المقطع في الرد على الصوفية الغلاة الذين يقولون: إن الإنسان يبلغ درجة من العبودية يسقط فيها عنه التكليف، وهذا كذب وبهتان، فالتكليف لا يسقط عن أحد، بل لقد قال الله لنبيه الذي غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩] ، أي: حتى يأتيك الموت، فالعبادة لا تنقطع إلا بانقطاع الأجل، أما ما دام العرق ينبض والعين تلحظ، والنفس يتردد فإن العبادة لازمة للعبد لا ينفك عنها بحال، (ومن ادعى أنه يخرج عن العبودية إلى فضاء الحرية) يعني: إلى عدم العبادة فهو كافر بإجماع أهل العلم. وأما قوله: (إلى أحكام الأحدية) فهذا ما يعتقده بعض الصوفية من اتحاد الله جل وعلا ببعض خلقه، فيكون العابد معبوداً والمعبود عابداً، وهذا كذب وبهتان وضلال مبين، نسأل الله السلامة والعافية. قوله: [وقد اختلط عقله أو لحقه غشية يرتفع عنه بها أحكام العقل، وذهب عنه التمييز والمعرفة، فذلك خارج عن الملة مفارق للشريعة] . أي: ومن ادعى سقوط أحكام الشريعة عمن توفرت فيه شروط التكليف: فذلك خارج عن الملة.

стр. 175

لا يعلم الغيب إلا الله قوله: [ومن زعم الإشراف على الخلق: يعلم مقاماتهم ومقدارهم عند الله بغير الوحي المنزل من قول رسول الله ﷺ فهو خارج عن الملة] . لا شك أنه كفر؛ لأن من ادعى علم مقامات الخلق ومقاديرهم فقد ادعى علم الغيب، وقد قال الله جل وعلا: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل:٦٥] ، فعلم الغيب لله وحده لا شريك له، إلا ما أظهره وبينه فهذا يرجع فيه إلى بيانه وما أخبر به نبيه ﷺ ، وإلا فالواجب الوقوف في ذلك على ما أخبر به .

стр. 176

ليست الفراسة من أمر الفقه قوله: [ومن ادعى أنه يعرف مآل الخلق ومنقلبهم، وعلى ماذا يموتون عليه ويختم لهم -بغير الوحي من قول الله وقول رسوله- فقد باء بغضب من الله، والفراسة حق على أصول ما ذكرناه] . إنما ذكر هذا الكلام؛ لأن بعض الناس يزعم معرفة هذه الأمور، فيزعم أنه يعرف مقامات الخلق ومقاديرهم ومنقلبهم ومآلهم بالفراسة، والفراسة أمر غير علم الغيب، فعلم الغيب لا يعلمه إلا الله جل وعلا، وأما الفراسة: فهي تأمل ونظر وكشف يؤتيه الله بعض خلقه، لكنهم لا يجزمون ولا يدعون علم ما لم يعلمون، بل يستأنسون بها ويعرفون بها بعض أحوال الرجال وأحوال الناس، فهي معرفة الشيء بمقدماته، بخلاف الغيب فلا مقدمات في الغيب، وهذا العلم استأثر الله به، ولذلك قال الرسول ﷺ : (إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها) وذكر العكس ﷺ ، فعلم الغيب أمره إلى الله لا يعلمه أحد. والفراسة: هي نظر في أحوال الناس بمقدمات يستأنس بها لكن لا يجزم بها، وقد ذكرت في كتاب الله تعالى في قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر:٧٥] ، قال المفسرون: للمتفرسين أهل الفراسة، وذكرت في سنة رسول الله ﷺ فيما رواه الترمذي: (اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله) ، وبه يعلم أن الفراسة أمر غير علم الغيب؛ لأنها مستمدة من إلهام الله ، وما يقذفه في قلب العبد، ولا يجزم بها، والحديث هذا اختلف أهل العلم في ثبوته على قولين: منهم من ضعفه، ومنهم من أثبته، وقد حسنه الشوكاني لكثرة طرقه. قوله: [وليس ذلك ما رسمناه في شيء، ومن زعم أن صفاته تعالى بصفاتهم -ويشير في ذلك إلى غير آية العظمة والتوفيق والهداية- وأشار إلى صفاته القديمة: فهو حلولي قائل باللاهوتية والالتحام، وذلك كفر لا محالة] . (من زعم أن صفاته) يعني: صفات الله جل وعلا (بصفاتهم) يعني: مشتركة مع صفات البشر، فالضمير الأول مرجعه إلى الله، والثاني إلى البشر. قوله: (ويشير بذلك إلى آية العظمة والتوفيق والهداية وأشار إلى صفاته القديمة فهو حلولي) يعني: من قال إن صفاته تحل فيه (فهو حلولي، قائل باللاهوت والالتحام) وهو قول النصارى الذين يقولون: إن الله يحل في بعض خلقه. (وذلك كفر لا محالة) نعوذ بالله منهم.

стр. 177

الأرواح مخلوقة وليس من صفات الله شيء مخلوق ولا حال في خلقه قوله: [ونعتقد أن الأرواح كلها مخلوقة، ومن قال: إنها غير مخلوقة فقد ضاهى قول النصارى -النسطورية- في المسيح، وذلك كفر بالله العظيم] . هذه فرقة من فرق النصارى عدلت أئمتهم وبدلت في الإنجيل على حسب أهوائهم وآرائهم، وهم من جملة النصارى الكفار الذين لم يؤمنوا بالنبي ﷺ . قوله: [ومن قال: إن شيئاً من صفات الله حال في العبد، أو قال بالتبعيض على الله فقد كفر، والقرآن كلام الله ليس بمخلوق، ولا حال في مخلوق، وأنه كيفما تلي وقرئ وحفظ فهو صفة الله ، وليس الدرس من المدروس، ولا التلاوة من المتلو؛ لأنه بجميع صفاته وأسمائه غير مخلوق، ومن قال بغير ذلك فهو كافر] .

стр. 178

حكم القراءة الملحنة [ونعتقد أن القراءة الملحنة بدعة وضلالة] . يجيب شيخ الإسلام ﵀ في هذه الرسالة على كثير من بدع الصوفية، ومنها ما ذكره هنا وهي: القراءة الملحنة، وهي التي يعتاضون بها عن كلام الله وعن كلام رسوله، وهي القراءة التي يتكلف لها التلحين، فتكون على إيقاعات معينة وحركات مدروسة، ويتفرغون لذلك ويتعلمونه، وليس المراد: القراءة الملحنة التي ليس فيها تكلف ولا تعلم، وقد تكلم على هذه المسألة ابن القيم ﵀ في زاد المعاد كلاماً مطولاً، وانتهى في نهاية بحثه إلى أن القراءة الملحنة قسمان: الأول: ما لم يكن فيه تكلف ولا تعلم، وإنما هو موافق للسجية والطبيعة فهذا لا بأس به. والثاني: ما فيه تكلف وتعلم وتحديد إيقاعات وحركات معينة، فهذا ممنوع، وقد تكلم على هذا في المجلد الأول، ببحث مفيد. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 179

شرح الفتوى الحموية [٢٢] من بدع الصوفية التعبد بالقصائد والقراءة الملحنة والغناء، ومن المعلوم أن الغناء ينبت النفاق في القلب كما جاء ذلك عن النبي ﵊. ومن ضلالات أهل البدع عموماً: تحريف الصفات عن معناها الحقيقي الذي تدل عليه النصوص، لكن الله ألهم أهل السنة والجماعة السداد في القول، والصواب في الاعتقاد في صفات الله على ما كان عليه سلف الأمة من الصحابة وتابعيهم، وقد نقل ابن عبد البر عن السلف ما يؤكد ذلك.

стр. 180

حكم القصائد والقراءة الملحنة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، أحمده ، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اتبعه بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فيقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في رسالته الحموية: [ونعتقد أن القراءة الملحنة بدعة وضلالة، وأن القصائد بدعة، ومجراها على قسمين: فالحسن من ذلك من ذكر آلاء الله ونعمائه وإظهار نعت الصالحين، وصفة المتقين، فذلك جائز، وتركه والاشتغال بذكر الله والقرآن والعلم أولى به، وما جرى على وصف المرئيات ونعت المخلوقات فاستماع ذلك على الله كفر، واستماع الغناء والربعيات على الله كفر، والرقص بالإيقاع ونعت الرقاصين على أحكام الدين فسق، وعلى أحكام التواجد والغناء لهو ولعب، وحرام على كل من يسمع القصائد والربعيات الملحنة -الجائي بين أهل الأطباع- على أحكام الذكر إلا لمن تقدم له العلم بأحكام التوحيد ومعرفة أسمائه وصفاته، وما يضاف إلى الله تعالى من ذلك وما لا يليق به مما هو منزه عنه فيكون استماعه كما قال: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر:١٨] ، وكل من جهل ذلك، وقصد استماعه على الله على غير تفصيله فهو كفر لا محالة، فكل من جمع القول وأصغى بالإضافة إلى الله فغير جائز، إلا لمن عرف بما وصفت من ذكر الله ونعمائه، وما هو موصوف به مما ليس للمخلوقين فيه نعت ولا وصف، بل ترك ذلك أولى وأحوط، والأصل في ذلك أنها بدعة، والفتنة فيها غير مأمونة على استماع الغناء. والربعيات بدعة، وذلك مما أنكره المطلبي ومالك والثوري ويزيد بن هارون وأحمد بن حنبل وإسحاق، والاقتداء بهم أولى من الاقتداء بمن لا يعرفون في الدين، ولا لهم قدم عند المخلصين، وبلغني أنه قيل لـ بشر بن الحارث: إن أصحابك قد أحدثوا شيئاً يقال له: القصائد. قال: مثل أيش؟ قال: مثل قوله: اصبري يا نفس حتى تسكني دار الجليل فقال: حسن! وأين يكون هؤلاء الذين يستمعون ذلك؟ قال: قلت: ببغداد، فقال: كذبوا والله الذي لا إله غيره لا يسكن ببغداد من يستمع ذلك. قال أبو عبد الله: ومما نقول -وهو قول أئمتنا-: أن الفقير إذا احتاج وصبر ولم يتكفف إلى وقت يفتح الله له كان أعلى، فمن عجز عن الصبر كان السؤال أولى به على قوله ﷺ : (لأن يأخذ أحدكم حبله) الحديث. ونقول: إن ترك المكاسب غير جائز إلا بشرائط موسومة من التعفف والاستغناء عما في أيدي الناس، ومن جعل السؤال حرفة وهو صحيح فهو مذموم في الحقيقة خارج. ونقول: إن المستمع إلى الغناء والملاهي فإن ذلك كما قال ﵇: (الغناء ينبت النفاق في القلب) وإن لم يكفر فهو فسق لا محالة] . فقد تقدم التعليق على هذه الصفحة من كلام ابن الخفيف ﵀، وهو في إبطال ما عليه الصوفية من الإقبال والانكباب على القصائد الملحنة، وعلى الغناء، وجعل ذلك من القربات التي يتقرب بها إلى الله . ولا شك أن ما عليه أهل التصوف من التعبد لله بسماع الغناء والتلحين -وما إلى ذلك- أنه منكر في الدين، وليس مما جاء به المرسلون، بل هو مما أحدثه البطالون من أتباع الهوى الذين شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله، وقد أنكر أهل العلم على هؤلاء قديماً وحديثاً، وبينوا أن الله جل وعلا لم يأمر عباده بأن يتقربوا إليه بالأغاني الملحنة؛ لا بسماعها، ولا بالإقبال عليها، ولا بغير ذلك مما اخترعه هؤلاء وابتدعوه، ويخشى على من اعتقد أن سماع الغناء قربة أن يكون داخلاً في قول الشيخ ﵀: (وكل من جهل ذلك وقصد استماعه على الله) أي: قصد استماعه تقرباً لله جل وعلى (على غير تفصيله؛ فهو كافر لا محالة) . فالواجب على المرء أن يعلم أن الدين ما شرعه الله سبحانه، فإن الله لا يعبد إلا بما شرع، وقد رد على هؤلاء الشيخ ابن القيم ﵀ في كتابه (السماع) وابن رجب وغيرهما من أهل العلم، ردوا على الصوفية هذه البدعة المحدثة، كما أن شيخ الإسلام ﵀ رد عليهم رداً مفصلاً في كتابه (الاستقامة) .
следующие страницы →