← Акыда

Акыда · id 7727

شرح الفتوى الحموية

خالد المصلح

Полный текст (251 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

ليست الفراسة من أمر الفقه قوله: [ومن ادعى أنه يعرف مآل الخلق ومنقلبهم، وعلى ماذا يموتون عليه ويختم لهم -بغير الوحي من قول الله وقول رسوله- فقد باء بغضب من الله، والفراسة حق على أصول ما ذكرناه] . إنما ذكر هذا الكلام؛ لأن بعض الناس يزعم معرفة هذه الأمور، فيزعم أنه يعرف مقامات الخلق ومقاديرهم ومنقلبهم ومآلهم بالفراسة، والفراسة أمر غير علم الغيب، فعلم الغيب لا يعلمه إلا الله جل وعلا، وأما الفراسة: فهي تأمل ونظر وكشف يؤتيه الله بعض خلقه، لكنهم لا يجزمون ولا يدعون علم ما لم يعلمون، بل يستأنسون بها ويعرفون بها بعض أحوال الرجال وأحوال الناس، فهي معرفة الشيء بمقدماته، بخلاف الغيب فلا مقدمات في الغيب، وهذا العلم استأثر الله به، ولذلك قال الرسول ﷺ : (إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها) وذكر العكس ﷺ ، فعلم الغيب أمره إلى الله لا يعلمه أحد. والفراسة: هي نظر في أحوال الناس بمقدمات يستأنس بها لكن لا يجزم بها، وقد ذكرت في كتاب الله تعالى في قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر:٧٥] ، قال المفسرون: للمتفرسين أهل الفراسة، وذكرت في سنة رسول الله ﷺ فيما رواه الترمذي: (اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله) ، وبه يعلم أن الفراسة أمر غير علم الغيب؛ لأنها مستمدة من إلهام الله ، وما يقذفه في قلب العبد، ولا يجزم بها، والحديث هذا اختلف أهل العلم في ثبوته على قولين: منهم من ضعفه، ومنهم من أثبته، وقد حسنه الشوكاني لكثرة طرقه. قوله: [وليس ذلك ما رسمناه في شيء، ومن زعم أن صفاته تعالى بصفاتهم -ويشير في ذلك إلى غير آية العظمة والتوفيق والهداية- وأشار إلى صفاته القديمة: فهو حلولي قائل باللاهوتية والالتحام، وذلك كفر لا محالة] . (من زعم أن صفاته) يعني: صفات الله جل وعلا (بصفاتهم) يعني: مشتركة مع صفات البشر، فالضمير الأول مرجعه إلى الله، والثاني إلى البشر. قوله: (ويشير بذلك إلى آية العظمة والتوفيق والهداية وأشار إلى صفاته القديمة فهو حلولي) يعني: من قال إن صفاته تحل فيه (فهو حلولي، قائل باللاهوت والالتحام) وهو قول النصارى الذين يقولون: إن الله يحل في بعض خلقه. (وذلك كفر لا محالة) نعوذ بالله منهم.

стр. 177

الأرواح مخلوقة وليس من صفات الله شيء مخلوق ولا حال في خلقه قوله: [ونعتقد أن الأرواح كلها مخلوقة، ومن قال: إنها غير مخلوقة فقد ضاهى قول النصارى -النسطورية- في المسيح، وذلك كفر بالله العظيم] . هذه فرقة من فرق النصارى عدلت أئمتهم وبدلت في الإنجيل على حسب أهوائهم وآرائهم، وهم من جملة النصارى الكفار الذين لم يؤمنوا بالنبي ﷺ . قوله: [ومن قال: إن شيئاً من صفات الله حال في العبد، أو قال بالتبعيض على الله فقد كفر، والقرآن كلام الله ليس بمخلوق، ولا حال في مخلوق، وأنه كيفما تلي وقرئ وحفظ فهو صفة الله ، وليس الدرس من المدروس، ولا التلاوة من المتلو؛ لأنه بجميع صفاته وأسمائه غير مخلوق، ومن قال بغير ذلك فهو كافر] .

стр. 178

حكم القراءة الملحنة [ونعتقد أن القراءة الملحنة بدعة وضلالة] . يجيب شيخ الإسلام ﵀ في هذه الرسالة على كثير من بدع الصوفية، ومنها ما ذكره هنا وهي: القراءة الملحنة، وهي التي يعتاضون بها عن كلام الله وعن كلام رسوله، وهي القراءة التي يتكلف لها التلحين، فتكون على إيقاعات معينة وحركات مدروسة، ويتفرغون لذلك ويتعلمونه، وليس المراد: القراءة الملحنة التي ليس فيها تكلف ولا تعلم، وقد تكلم على هذه المسألة ابن القيم ﵀ في زاد المعاد كلاماً مطولاً، وانتهى في نهاية بحثه إلى أن القراءة الملحنة قسمان: الأول: ما لم يكن فيه تكلف ولا تعلم، وإنما هو موافق للسجية والطبيعة فهذا لا بأس به. والثاني: ما فيه تكلف وتعلم وتحديد إيقاعات وحركات معينة، فهذا ممنوع، وقد تكلم على هذا في المجلد الأول، ببحث مفيد. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 179

شرح الفتوى الحموية [٢٢] من بدع الصوفية التعبد بالقصائد والقراءة الملحنة والغناء، ومن المعلوم أن الغناء ينبت النفاق في القلب كما جاء ذلك عن النبي ﵊. ومن ضلالات أهل البدع عموماً: تحريف الصفات عن معناها الحقيقي الذي تدل عليه النصوص، لكن الله ألهم أهل السنة والجماعة السداد في القول، والصواب في الاعتقاد في صفات الله على ما كان عليه سلف الأمة من الصحابة وتابعيهم، وقد نقل ابن عبد البر عن السلف ما يؤكد ذلك.

стр. 180

حكم القصائد والقراءة الملحنة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، أحمده ، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اتبعه بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فيقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في رسالته الحموية: [ونعتقد أن القراءة الملحنة بدعة وضلالة، وأن القصائد بدعة، ومجراها على قسمين: فالحسن من ذلك من ذكر آلاء الله ونعمائه وإظهار نعت الصالحين، وصفة المتقين، فذلك جائز، وتركه والاشتغال بذكر الله والقرآن والعلم أولى به، وما جرى على وصف المرئيات ونعت المخلوقات فاستماع ذلك على الله كفر، واستماع الغناء والربعيات على الله كفر، والرقص بالإيقاع ونعت الرقاصين على أحكام الدين فسق، وعلى أحكام التواجد والغناء لهو ولعب، وحرام على كل من يسمع القصائد والربعيات الملحنة -الجائي بين أهل الأطباع- على أحكام الذكر إلا لمن تقدم له العلم بأحكام التوحيد ومعرفة أسمائه وصفاته، وما يضاف إلى الله تعالى من ذلك وما لا يليق به مما هو منزه عنه فيكون استماعه كما قال: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر:١٨] ، وكل من جهل ذلك، وقصد استماعه على الله على غير تفصيله فهو كفر لا محالة، فكل من جمع القول وأصغى بالإضافة إلى الله فغير جائز، إلا لمن عرف بما وصفت من ذكر الله ونعمائه، وما هو موصوف به مما ليس للمخلوقين فيه نعت ولا وصف، بل ترك ذلك أولى وأحوط، والأصل في ذلك أنها بدعة، والفتنة فيها غير مأمونة على استماع الغناء. والربعيات بدعة، وذلك مما أنكره المطلبي ومالك والثوري ويزيد بن هارون وأحمد بن حنبل وإسحاق، والاقتداء بهم أولى من الاقتداء بمن لا يعرفون في الدين، ولا لهم قدم عند المخلصين، وبلغني أنه قيل لـ بشر بن الحارث: إن أصحابك قد أحدثوا شيئاً يقال له: القصائد. قال: مثل أيش؟ قال: مثل قوله: اصبري يا نفس حتى تسكني دار الجليل فقال: حسن! وأين يكون هؤلاء الذين يستمعون ذلك؟ قال: قلت: ببغداد، فقال: كذبوا والله الذي لا إله غيره لا يسكن ببغداد من يستمع ذلك. قال أبو عبد الله: ومما نقول -وهو قول أئمتنا-: أن الفقير إذا احتاج وصبر ولم يتكفف إلى وقت يفتح الله له كان أعلى، فمن عجز عن الصبر كان السؤال أولى به على قوله ﷺ : (لأن يأخذ أحدكم حبله) الحديث. ونقول: إن ترك المكاسب غير جائز إلا بشرائط موسومة من التعفف والاستغناء عما في أيدي الناس، ومن جعل السؤال حرفة وهو صحيح فهو مذموم في الحقيقة خارج. ونقول: إن المستمع إلى الغناء والملاهي فإن ذلك كما قال ﵇: (الغناء ينبت النفاق في القلب) وإن لم يكفر فهو فسق لا محالة] . فقد تقدم التعليق على هذه الصفحة من كلام ابن الخفيف ﵀، وهو في إبطال ما عليه الصوفية من الإقبال والانكباب على القصائد الملحنة، وعلى الغناء، وجعل ذلك من القربات التي يتقرب بها إلى الله . ولا شك أن ما عليه أهل التصوف من التعبد لله بسماع الغناء والتلحين -وما إلى ذلك- أنه منكر في الدين، وليس مما جاء به المرسلون، بل هو مما أحدثه البطالون من أتباع الهوى الذين شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله، وقد أنكر أهل العلم على هؤلاء قديماً وحديثاً، وبينوا أن الله جل وعلا لم يأمر عباده بأن يتقربوا إليه بالأغاني الملحنة؛ لا بسماعها، ولا بالإقبال عليها، ولا بغير ذلك مما اخترعه هؤلاء وابتدعوه، ويخشى على من اعتقد أن سماع الغناء قربة أن يكون داخلاً في قول الشيخ ﵀: (وكل من جهل ذلك وقصد استماعه على الله) أي: قصد استماعه تقرباً لله جل وعلى (على غير تفصيله؛ فهو كافر لا محالة) . فالواجب على المرء أن يعلم أن الدين ما شرعه الله سبحانه، فإن الله لا يعبد إلا بما شرع، وقد رد على هؤلاء الشيخ ابن القيم ﵀ في كتابه (السماع) وابن رجب وغيرهما من أهل العلم، ردوا على الصوفية هذه البدعة المحدثة، كما أن شيخ الإسلام ﵀ رد عليهم رداً مفصلاً في كتابه (الاستقامة) .

стр. 181

الوسائط بين الله وخلقه نوعان [والذي نختار: قول أئمتنا: إن ترك المراء في الدين والكلام في الإيمان مخلوق أو غير مخلوق، ومن زعم أن الرسول ﷺ واسط يؤدي، وأن المرسل إليهم أفضل؛ فهو كافر بالله، ومن قال بإسقاط الوسائط على الجملة؛ فقد كفر ا. هـ] . هذا قول بعض الصوفية، وهو ضلال وكفر بالله العظيم، حيث زعم هؤلاء المبتدعون أن منهم من يبلغ درجة من التقوى والإيمان يزيد فيه على خير الأنام ﷺ ، وهذا كفر بالله جل وعلا، وتكذيب للنبي ﷺ الذي أقسم بالله فقال مخاطباً خير القرون: (والله إني لأعلمكم بالله، وأتقاكم له) . فالنبي ﷺ أعلم الناس بربه، وهو ﷺ أخشاهم له، ولا يبلغ أحد من الناس -لا من الأولين ولا من الآخرين- ما بلغه ﷺ من خوف الله تعالى وخشيته ومراقبته، والتعبد له بأنواع القربات والعبادات. أما قوله: (من قال بإسقاط الوسائط على الجملة؛ فقد كفر) فهذا صحيح؛ لأن الوسائط بين الله جل وعلا وبين خلقه نوعان: وسائط يجب إثباتها والإيمان بها: وهم الرسل الذين اصطفاهم الله جل وعلا؛ ليبلغوا رسالاته ، ويدلُّوا الناس عليه. والقسم الثاني: هم الوسائط المزعومة الذين اتخذهم أهل الكفر وأهل الشرك، وهم أولئك الذين ذكرهم الله جل وعلا في كتابه: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣] ، فهؤلاء وسائط منكرة أنكرها الله ، بل حرّم الجنة على من اتخذوا وسائط يتوصلون بهم إلى الله جل وعلا بزعمهم، فقال جل وعلا: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة:٧٢] ؛ فالواجب على العبد أن يثبت الوسائط الذين أرسلهم الله للدلالة عليه ولهداية الخلق، وأن يكفر بالوسائط الذين جعلهم هؤلاء المشركون أنداداً من دون الله؛ يتقربون لهم، ويذبحون لهم، ويصرفون لهم أنواع العبادة.

стр. 182

الكلام عن بعض صفات الله تعالى الخبرية [ومن متأخريهم الشيخ الإمام أبو محمد عبد القادر بن أبي صالح الجيلاني، قال في كتاب (الغنية) : أما معرفة الصانع بالآيات والدلالات على وجه الاختصار؛ فهو أن يعرف ويتيقن أن الله واحد أحد. إلى أن قال: وهو بجهة العلو مستو على العرش، محتو على الملك، محيط علمه بالأشياء ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠] ، ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة:٥] ، ولا يجوز وصفه بأنه في كل مكان، بل يقال: إنه في السماء على العرش كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] وذكر آيات وأحاديث. إلى أن قال: وينبغي إطلاق صفة الاستواء من غير تأويل، وأنه استواء الذات على العرش، قال: وكونه على العرش مذكور في كل كتاب أنزل على كل نبي أرسل بلا كيف وذكر كلاماً طويلاً لا يحتمله هذا الموضع، وذكر في سائر الصفات نحو هذا] . قوله ﵀: (محتو على الملك) أي: محيط علمه به، أو أنه منفرد به لا شريك له فيه، وليس معناه أنه قد حل فيه شيء من خلقه، أو أن خلقه فيه، فهذا لا يقوله أحد من أهل الإسلام، وليس مراداً من كلام الشيخ ﵀، إنما المراد هنا بقوله: (محتو على الملك) ، إما أن يقال: إنه محيط به؛ كقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً﴾ [النساء:١٢٦] ، أو إنه منفرد به .

стр. 183

ذكر كلام ابن عبد البر في الصفات [ولو ذكرت ما قاله العلماء في هذا لطال الكتاب جداً. قال أبو عمر ابن عبد البر: روينا عن مالك بن أنس وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة والأوزاعي ومعمر بن راشد في أحاديث الصفات أنهم كلهم قالوا: أمروها كما جاءت، قال أبو عمر: ما جاء عن النبي ﷺ من نقل الثقات، أو جاء عن أصحابه ﵃؛ فهو علم يدان به، وما أحدث بعدهم ولم يكن له أصل فيما جاء عنهم؛ فهو بدعة وضلالة. وقال في (شرح الموطأ) لما تكلم على حديث النزول قال: هذا حديث ثابت النقل صحيح الإسناد، ولا يختلف أهل الحديث في صحته، وهو منقول من طرق سوى هذه من أخبار العدول عن النبي ﷺ ، وفيه دليل على أن الله في السماء ﴿عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] من فوق سبع سماوات كما قالت الجماعة، وهو من حجتهم على المعتزلة في قولهم: إن الله تعالى في كل مكان بذاته المقدسة. قال: والدليل على صحة ما قال أهل الحق قول الله -وذكر بعض الآيات- إلى أن قال: وهذا أشهر وأعرف عند العامة والخاصة من أن يحتاج إلى أكثر من حكايته؛ لأنه اضطرار لم يوقفهم عليه أحد، ولا أنكره عليهم مسلم. قال أبو عمر بن عبد البر أيضاً: أجمع علماء الصحابة والتابعين الذين حمل عنهم التأويل قالوا في تأويل قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة:٧] : هو على العرش، وعلمه في كل مكان، وما خالفهم في ذلك من يحتج بقوله. وقال أبو عمر أيضاً: أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة، والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلا أنهم لا يكيفون شيئاً من ذلك، ولا يحدون فيه صفة محصورة، وأما أهل البدع: الجهمية، والمعتزلة كلها، والخوارج؛ فكلهم ينكرونها، ولا يحملون شيئاً منها على الحقيقة، ويزعمون أن من أقر بها مشبه، وهم عند من أقر بها نافون للمعبود، والحق فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، وهم أئمة الجماعة، فهذا كلام ابن عبد البر إمام أهل المغرب] . ومن هذا يعلم أن علو الله واستواءه على عرشه أنزله الله في كل كتاب أنزله على نبي مرسل، وبه يتبين صدق ما ذكر من أن علو الله جل وعلا دل عليه إجماع الأمم، فإن الأمم أجمعت على علوه ، وهذا أحد الأدلة التي دلت على علوه، وإلا فإن علو الله دل عليه الكتاب السنة، ودل عليه إجماع الأمة -كما دل عليه إجماع الأمم- ودلت عليه الفطرة والعقل. وأما قول المعتزلة وأهل البدع من أن الله في مكان بذاته المقدسة، فهذا قول باطل فاسد، إنما يقوله من لم يقدر الله جل وعلا حق قدره، وذلك أن الكتاب والسنة وإجماع السلف والفطرة والعقل؛ كل هذه الأدلة دلت على علوه جل وعلا، وأنه بائن من خلقه عال عليهم، وأما من قال بأن الله جل وعلا في كل مكان؛ فإنه لم ينزه الله جل وعلا التنزيه الواجب، إذ إن من لازم قوله بأن يكون الله جل وعلا في أحشائه، وأن يكون الله جل وعلا في الحشوش والأماكن المستقذرة، وهذا في غاية الفساد والبطلان، كما أنه يلزم عليه أن يزيد بزيادة المكان وأن ينقص بنقصانه، وهذه كلها لوازم باطلة تدل على فساد هذا القول، وأما إثبات العلو فلا يلزم عليه باطل بوجه من الوجوه، فالواجب إثبات ما أثبته الله لنفسه من العلو وأثبته له رسوله، وأجمع عليه سلف الأمة، ودلت عليه الفطرة والعقل الصحيح، نسأل الله أن يوفقنا إلى العلم النافع والعمل الصالح.

стр. 184

شرح الفتوى الحموية [٢٣] لم يزل الناس ينقلون مذهب الإثبات للصفات عن السلف، حتى من خالفهم في بعض ذلك من المتأخرين، وقد نقل المصنف ﵀ عن البيهقي والقاضي أبي يعلى والأشعري ما يدل على ذلك.

стр. 185

الأشاعرة وتأويل الصفات بين القديم والحديث بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فيقول: شيخ الإسلام رحمه الله تعالى رحمة واسعة: [وفي عصره الحافظ أبو بكر البيهقي مع توليه للمتكلمين من أصحاب أبي الحسن الأشعري وذبه عنهم، قال في كتابه (الأسماء والصفات) : باب ما جاء في إثبات اليدين صفتين -لا من حيث الجارحة- لورود خبر الصادق به، قال الله تعالى: ﴿يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] ، وقال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤] ، وذكر الأحاديث الصحاح في هذا الباب مثل قوله في غير حديث في حديث الشفاعة: (يا آدم! أنت أبو البشر خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه) ومثل قوله في الحديث المتفق عليه: (أنت موسى، اصطفاك الله بكلامه، وخط لك الألواح بيده) وفي لفظ: (وكتب لك التوراة بيده) . ومثل ما في صحيح مسلم: (أنه سبحانه غرس كرامة أوليائه في جنة عدن بيده) ، ومثل قوله ﷺ : (تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يتكفؤها الجبار بيده، كما يتكفأ أحدكم خبزته في السفر؛ نزلاً لأهل الجنة) ، وذكر أحاديث مثل قوله: (بيدي الأمر) ، (والخير في يديك) ، (والذي نفس محمد بيده) (إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل) ، وقوله: (المقسطون عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين) ، وقوله: (يطوي الله السماوات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك! أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين بشماله، ثم يقول: أنا الملك! أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟) ، وقوله: (يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض، فإنه لم يغض ما في يمينه، وعرشه على الماء، وبيده الأخرى القسط، يخفض ويرفع) ، وكل هذه الأحاديث في الصحاح. وذكر أيضاً قوله: (إن الله لما خلق آدم قال له ويداه مقبوضتان: اختر أيهما شئت. قال: اخترت يمين ربي، وكلتا يدي ربي يمين مباركة) ، وحديث: (إن الله لما خلق آدم مسح على ظهره بيده) ، إلى أحاديث أخر ذكرها من هذا النوع. ثم قال البيهقي: أما المتقدمون من هذه الأمة فإنهم لم يفسروا ما كتبنا من الآيات والأخبار في هذا الباب، وكذلك قال في الاستواء على العرش وسائر الصفات الخبرية، مع أنه يحكي قول بعض المتأخرين] . نقل الشيخ ﵀ هذا الكلام عن أبي بكر البيهقي -بعد أن فرغ من النقل عن أئمة أهل السنة والجماعة على اختلاف عصورهم- وهو من الأشاعرة ﵀ وغفر له، وأراد الشيخ بهذا أن يثبت أن إثبات الصفات يلزم من ذهب إلى التأويل وقال به، فإنه مضطر إلى إثبات بعض الصفات، ومن ذلك ما نقل الشيخ ﵀ عن أبي بكر البيهقي في إثبات صفة اليدين، وهي من الصفات الخبرية التي وصف الله بها نفسه، وقد أولها كثير من المتكلمين، إلا أن الأشاعرة -وهم من جملة المتكلمين- سلكوا في هذه الصفات طريقين: فالمتقدمون منهم أثبت هذه الصفات الخبرية التي جاءت في القرآن: كاليدين والعين والوجه. ثم هؤلاء المتقدمون انقسموا إلى فريقين: فمنهم من أثبت معناها، ومنهم من فوَّضها. وأما أصحاب الطريق الثاني، وهو طريق المتأخرين من الأشاعرة -وهو طريق التأويل-: فأولوا هذه الصفات ولم يثبتوها لله ؛ فأولوا اليدين بالنعمة، وأولوا العين بالرعاية والعناية، وأولوا الوجه بأنه الذات أو الجهة، وما أشبه ذلك من التأويلات التي ذكروها في كتبهم. والبيهقي سار في هذه الصفات على طريقة المتقدمين من الأشاعرة، إلا أنه يظهر في آخر النقل عنه أنه فوض معناها، حيث قال: (وأما المتقدمون من هذه الأمة فإنهم لم يفسروا ما كتبنا من الآيات والأخبار في هذا الباب) ، فكأنه أثبتها دون التعرض لمعناها؛ لكونه قد نقل عن المتقدمين عدم تفسيرها. والناظر في كلام أهل السنة من المتقدمين والمتأخرين: يعلم أنهم ﵏ قد فسروا هذه الآيات، وأنهم تكلموا عليها كسائر الآيات التي في كتاب الله ، إلا أنهم أعرضوا عن ذكر الكيفية على القاعدة التي سلكوها في هذا الباب من عدم البحث في الكيفية، وأن الكيفية لا يمكن الوقوف عليها؛ لأن الكلام عن الصفات فرع عن الكلام في الذات، فكما لا تعلم كيفية ذاته جل وعلا؛ فكذا لا تعلم كيفية صفاته.

стр. 186

ذكر كلام بعض من خالف السلف في بعض الصفات [وقال القاضي أبو يعلى في كتاب (إبطال التأويل) : لا يجوز رد هذه الأخبار ولا التشاغل بتأويلها، والواجب حملها على ظاهرها، وأنها صفات الله لا تشبه صفات سائر الموصوفين بها من الخلق، ولا يعتقد التشبيه فيها، لكن على ما روي عن الإمام أحمد وسائر الأئمة. وذكر بعض كلام الزهري ومكحول ومالك والثوري والأوزاعي والليث وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وسفيان بن عيينة والفضيل بن عياض ووكيع وعبد الرحمن بن مهدي والأسود بن سالم وإسحاق بن راهويه وأبي عبيد ومحمد بن جرير الطبري وغيرهم في هذا الباب، وفي حكاية ألفاظهم طول. إلى أن قال: ويدل على إبطال التأويل: أن الصحابة ومن بعدهم من التابعين حملوها على ظاهرها، ولم يتعرضوا لتأويلها ولا صرفوها عن ظاهرها، فلو كان التأويل سائغاً لكانوا أسبق إليه؛ لما فيه من إزالة التشبيه، ورفع الشبهة] . هذا نقل آخر عن بعض المتأخرين الذين خالفوا طريقة السلف في إثبات الصفات، وهو القاضي أبو يعلى ﵀ -وهو من كبراء الحنابلة- إلا أنه في باب الأسماء والصفات لم يسلك مسلك المتقدمين من أهل السنة والجماعة، بل كان له أغلاط ناشئة عن جهله بمعاني الآيات والأحاديث، وفهم طريقة السلف ﵏، وقد نقل عنه الشيخ ﵀ هذا النقل الذي فيه أنه أثبت الصفات، وهو ينزع إلى التفويض أكثر منه إلى التأويل، فمرة يفوض ومرة يؤول، ولكن أكثر كلامه يميل فيه إلى التفويض. وقد يفهم هذا من قوله: (ولم يتعرضوا لتأويلها) ؛ فقد يقول قائل: إن (تأويلها) هنا المراد به تفسيرها، ولكن قد يكون هذا المعنى بعيداً لقوله: (ولا صرفوها عن ظاهرها) أي: بمعنى أنهم أجروها على معناها الظاهر دون تعرض لتأويلها -التأويل الذي سلكه المأولة- من صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر إلى معنى يحتمله النص مرجوح.

стр. 187

عقيدة الأشعري عليه رحمة الله [وقال أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري المتكلم صاحب الطريقة المنسوبة إليه في الكلام في كتابه الذي صنفه في (اختلاف المصلين ومقالات الإسلاميين) ، وذكر فرق الروافض والخوارج والمرجئة والمعتزلة وغيرهم. ثم قال: (ذكر مقالة أهل السنة وأصحاب الحديث) : جملة قول أصحاب الحديث وأهل السنة الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله، وبما جاء عن الله تعالى، وما رواه الثقات عن رسول الله ﷺ لا يردون شيئاً من ذلك، وأن الله واحد أحد فرد صمد، لا إله غيره، لم يتخذ صاحبةً ولا ولداً، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن الجنة حق، وأن النار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأن الله على عرشه كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] ، وأن له يدين بلا كيف كما قال: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] ، وكما قال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤] ، وأن له عينين بلا كيف كما قال: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر:١٤] ، وأن له وجهاً كما قال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧] ، وأن أسماء الله تعالى لا يقال: إنها غير الله كما قالت المعتزلة والخوارج. وأقروا أن لله علماً كما قال: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء:١٦٦] ، وكما قال: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ [فاطر:١١] ، وأثبتوا له السمع والبصر ولم ينفوا ذلك عن الله كما نفته المعتزلة، وأثبتوا لله القوة كما قال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت:١٥] . وذكر مذهبهم في القدر. إلى أن قال: ويقولون: إن القرآن كلام الله غير مخلوق، والكلام في اللفظ والوقف، من قال باللفظ وبالوقف فهو مبتدع عندهم، لا يقال: اللفظ بالقرآن مخلوق، ولا يقال: غير مخلوق، ويقرون أن الله يرى بالأبصار يوم القيامة كما يرى القمر ليلة البدر، يراه المؤمنون ولا يراه الكافرون؛ لأنهم عن الله محجوبون، قال : ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥] . وذكر قولهم في الإسلام والإيمان والحوض والشفاعة وأشياء إلى أن قال: ويقرون بأن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، ولا يقولون: مخلوق، ولا يشهدون على أحد من أهل الكبائر بالنار إلى أن قال: وينكرون الجدل والمراء في الدين والخصومة والمناظرة فيما يتناظر فيه أهل الجدل، ويتنازعون فيه من دينهم، ويسلمون الروايات الصحيحة كما جاءت به الآثار الصحيحة التي جاءت بها الثقات، عدل عن عدل حتى ينتهي ذلك إلى رسول الله ﷺ ، لا يقولون: كيف؟ ولا لم؟ لأن ذلك بدعة عندهم. إلى أن قال: ويقرون أن الله يجيء يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ [الفجر:٢٢] ، وأن الله يقرب من خلقه كيف شاء، كما قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦] إلى أن قال: ويرون مجانبة كل داع إلى بدعة، والتشاغل بقراءة القرآن، وكتابة الآثار، والنظر في الآثار، والنظر في الفقه مع الاستكانة والتواضع، وحسن الخلق مع بذل المعروف، وكف الأذى، وترك الغيبة والنميمة، والسعاية، وتفقد المآكل والمشارب. قال: فهذه جملة ما يأمرون به ويستسلمون إليه ويرونه، وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول وإليه نذهب، وما توفيقنا إلا بالله وهو المستعان] . الأشعري ﵀ وغفر له هو من أصحاب الطرق الكلامية، كان في أول أمره معتزلياً، ثم بعد ذلك عدل عن هذه الطريق وانتقل إلى الرد عليهم، ثم بعد ذلك سلك طريقة أهل السنة، إلا أنه لعدم فهمه ولطول مكثه على طريقة أهل البدع؛ لم يفهم أقوال أهل السنة والجماعة الفهم التام الصحيح، فبقيت عنده رواسب كثيرة ناشئة عن عدم معرفته لمراد أهل السنة والجماعة، فمثلاً ما سيذكره بعد قليل من إثباته العرش أو استوائه على العرش، فهو يثبت الاستواء كما يثبته أهل السنة والجماعة، إلا أنه يفسره بغير ما فسره به أهل السنة والجماعة، من أنه فعل يقوم بالله جل وعلا، فهو فسره بأنه فعل يقوم بالعرش، بخلاف طريقة أهل السنة والجماعة. وما نقله عنه الشيخ في هذا المقطع موافق لأهل السنة والجماعة، وفي آخره ذكره ﵀ (ويرون مجانبة كل داعٍ إلى البدعة، والتشاغل بقراءة القرآن وكتابة الآثار والنظر في الفقه) يعني: والإعراض عن طريق غيرهم ممن اشتغلوا بكلام الفلاسفة واليونان، قال: (مع الاستكانة والتواضع وحسن الخلق مع بذل المعروف وكف الأذى وترك الغيبة والنميمة والسعاية وتفقد المآكل والمشارب) ليبين أيضاً أن طريق السلف ليس فقط مقصوراً على التقرير النظري للأسماء والصفات، بل يشمل أيضاً التقرير العملي لهذه الأسماء والصفات، والتعبد لله بمقتضاها. (فهذه جملة ما يأمرون به ويستسلمون إليه ويرونه، وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول وإليه نذهب، وما توفيقنا إلا بالله.. .. . )

стр. 188

رجوع الأشعري إلى مذهب أهل السنة والجماعة [وقال الأشعري أيضاً في اختلاف أهل القبلة في العرش: قال أهل السنة وأصحاب الحديث: إن الله ليس بجسم، ولا يشبه الأشياء، وإنه استوى على العرش، كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ، ولا نتقدم بين يدي الله في القول، بل نقول: استوى بلا كيف، وأن له وجهاً كما قال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ﴾ ، وأن له يدين كما قال: ((خَلَقْتُ بِيَدَيَّ)) ، وأن له عينين كما قال: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ ، وأنه يجيء يوم القيامة هو وملائكته كما قال: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ ، وأنه تعالى ينزل إلى سماء الدنيا كما جاء في الحديث، ولم يقولوا شيئاً إلا ما وجدوه في الكتاب، أو جاءت به الرواية عن رسول الله ﷺ . وقالت المعتزلة: إن الله استوى على العرش بمعنى استولى، وذكر مقالات أخرى. وقال أيضاً أبو الحسن الأشعري في كتابه الذي سماه (الإبانة في أصول الديانة) : (وقد ذكر أصحابه أنه آخر كتاب صنفه، وعليه يعتمدون في الذب عنه عند من يطعن عليه، فقال: (فصل في إبانة قول أهل الحق والسنة) . فإن قال قائل: قد أنكرتم قول المعتزلة، والقدرية، والجهمية، والحرورية، والرافضة، والمرجئة؛ فعرفونا قولكم الذي به تقولون، وديانتكم التي بها تدينون؛ قيل له: قولنا الذي نقول به وديانتنا التي ندين بها: التمسك بكلام ربنا وسنة نبينا، وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، فنحن بذلك معتصمون، وبما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن حنبل -نضر الله وجهه، ورفع درجته، وأجزل مثوبته- قائلون، ولما خالف قوله مخالفون؛ لأنه الإمام الفاضل، والرئيس الكامل، الذي أبان الله به الحق، ودفع به الضلال، وأوضح به المنهاج، وقمع به بدع المبتدعين، وزيغ الزائغين، وشك الشاكين، فرحمة الله عليه من إمام مقدم، وجليل معظم، وكبير مفهم] وهذا يبين أنه رجع عن قوله السابق الواضح في كلام المتقدمين، إلا أنه ﵀ وغفر له لم يوفق كما ذكرنا إلى إصابة ما كان عليه الإمام أحمد والسلف إصابةً تامةً.

стр. 189

شرح الفتوى الحموية [٢٤] من لازم الإيمان بالله الإيمان بما أخبر به عن نفسه أو أخبر به عنه رسوله ﷺ من الأسماء والصفات، من غير تحريف ولا تأويل، ومن غير تعطيل ولا تمثيل، وقد أثبت الأشعري كثيراً من الصفات التي خالفهم فيها أتباعه فيلزمهم إثباتها.

стр. 190

إلزام الأشاعرة بإثبات الصفات بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فيقول شيخ الإسلام ﵀ رحمة واسعة في سياق نقله لكلام أبي الحسن الأشعري من كتابه الإبانة: [وجملة قولنا: أنا نقر بالله وملائكته وكتبه ورسله، وبما جاءوا به من عند الله، وبما رواه الثقات عن رسول الله ﷺ لا نرد من ذلك شيئاً، وأن الله واحد لا إله إلا هو، فرد صمد، لم يتخذ صاحبةً ولا ولداً، وأن محمداً عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وأن الجنة حق والنار حق، وأن الساعة آتية، وأن الله يبعث من في القبور، وأن الله مستوٍ على عرشه كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] . وأن له وجهاً كما قال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧] ، وأن له يدين بلا كيف كما قال: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] ، وكما قال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة:٦٤] ، وأن له عينين بلا كيف كما قال: ﴿تجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر:١٤] . وأن من زعم أن أسماء الله غيره كان ضالاً، وذكر نحواً مما ذكر في الفرق. إلى أن قال: ونقول: إن الإسلام أوسع من الإيمان، وليس كل إسلام إيماناً، وندين بأن الله يقلب القلوب بين إصبعين من أصابع الله ، وأنه يضع السماوات على إصبع والأرضين على إصبع، كما جاءت الرواية الصحيحة عن رسول الله ﷺ . إلى أن قال: وإن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، ونسلم الروايات الصحيحة عن رسول الله ﷺ التي رواها الثقات عدلاً عن عدل، حتى ينتهي إلى رسول الله ﷺ . إلى أن قال: ونصدق بجميع الروايات التي أثبتها أهل النقل من النزول إلى سماء الدنيا، وأن الرب يقول: (هل من سائل؟ هل من مستغفر؟) وسائر ما نقلوه وأثبتوه خلافاً لما قال أهل الزيغ والتضليل، ونعول فيما اختلفنا فيه إلى كتاب ربنا وسنة نبينا وإجماع المسلمين، وما كان في معناه، ولا نبتدع في دين الله ما لم يأذن لنا به، ولا نقول على الله ما لا نعلم. ونقول: إن الله يجيء يوم القيامة كما قال: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ [الفجر:٢٢] ، وإن الله يقرب من عباده كيف شاء كما قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦] ، وكما قال: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم:٨-٩] إلى أن قال: وسنحتج لما ذكرناه من قولنا وما بقي مما لم نذكره باباً باباً]

стр. 191

الأطوار التي مر بها الأشعري هذا له صلة بما بدأه الشيخ ﵀ من النقل عن أبي الحسن الأشعري في كتابه الذي سماه (الإبانة في أصول الديانة) والشيخ ﵀ لا زال في سياق النقول عن أهل العلم على اختلاف مذاهبهم وطرائقهم، في أن جميعهم يلزمه إثبات ما أثبته الله لنفسه من الأسماء والصفات، ونقله عن أبي الحسن الأشعري ﵀ هو في بيان أن من المتكلمين من التزم منهج أهل السنة والجماعة فيما ذهبوا إليه مما اعتقدوه وقرروه في باب الأسماء والصفات، وأبو الحسن الأشعري ﵀ كان في أول أمره معتزلياً، ثم إنه ترك الاعتزال وتخلى عنه إلى مذهب الكلَّابية، ثم إنه ترك ذلك إلى مذهب السلف، فمر ﵀ وغفر له بثلاثة أطوار، إلا أنه لما كان غير ملم ومدرك لما ذهب إليه السلف وقع في أخطاء في تفصيل وفهم كلام السلف ﵏، وما نقله عنه في كتاب الإبانة وهو من آخر كتبه يبين أنه رجع عما كان يقوله من الاعتزال ومذهب ابن كلاب في باب الأسماء والصفات، وأنه نزع إلى مذهب السلف في آخر أمره ﵀ وغفر له.

стр. 192

من لوازم الإيمان بالله وملائكته الإيمان بالصفات وذكر في جملة ما نقل عنه جملة من الأمور وابتدأها بقوله: (وجملة قولنا أن نقر بالله، وملائكته، وكتبه ورسله) وفي هذا أن الإيمان بالأسماء والصفات وبالأخبار التي ذكرها الله عن نفسه، أو ذكرها عنه رسوله ﷺ أن الإيمان بذلك والاعتقاد به هو من لازم الإيمان بالله جل وعلا وملائكته وكتبه ورسله؛ لأن الله تعالى أخبر عن نفسه، ونقلت ذلك الملائكة، وما أخبر به عن نفسه هو موجود في كتبه، وقد نطقت به رسله وبلغته إلى الخلق، فمن لازم الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله أن نؤمن بما أخبر الله به عن نفسه، أو أخبرت به عنه رسله صلوات الله وسلامه عليهم. وذكر في جملة ما ذكر صفة الاستواء، وأن الله مستوٍ على عرشه، وهذا أمر دلت عليه نصوص الكتاب والسنة دلالة واضحة، والاستواء صفة فعلية ضل فيها من ضل من المتكلمين، وذهب فيها مذاهب باطلة، ومذهب أهل السنة والجماعة أن الاستواء صفة فعلية من صفات الله تليق به، وتفسيرهم لها دائر على أربع كلمات: الصعود، والاستقرار، والارتفاع، والعلو. وأما المؤولة فقد سلكوا في ذلك مسالك، فأولوا الاستواء بالاستيلاء، وأولوا العرش بتأويلات باطلة، وكل هذه التأويلات أولوها ليصدوا الناس عن اعتقاد استواء الله على عرشه. والعرش هو خلق من مخلوقات الله عظيم تقدم الكلام عليه.

стр. 193

بعض الصفات التي أثبتها الأشعري فيلزم أتباعه الإقرار بها بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فيقول شيخ الإسلام ﵀ رحمة واسعة في سياق نقله لكلام أبي الحسن الأشعري من كتابه الإبانة: [وجملة قولنا: أنا نقر بالله وملائكته وكتبه ورسله، وبما جاءوا به من عند الله، وبما رواه الثقات عن رسول الله ﷺ لا نرد من ذلك شيئاً، وأن الله واحد لا إله إلا هو، فرد صمد، لم يتخذ صاحبةً ولا ولداً، وأن محمداً عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وأن الجنة حق والنار حق، وأن الساعة آتية، وأن الله يبعث من في القبور، وأن الله مستوٍ على عرشه كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] . وأن له وجهاً كما قال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧] ، وأن له يدين بلا كيف كما قال: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] ، وكما قال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة:٦٤] ، وأن له عينين بلا كيف كما قال: ﴿تجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر:١٤] . وأن من زعم أن أسماء الله غيره كان ضالاً، وذكر نحواً مما ذكر في الفرق. إلى أن قال: ونقول: إن الإسلام أوسع من الإيمان، وليس كل إسلام إيماناً، وندين بأن الله يقلب القلوب بين إصبعين من أصابع الله ، وأنه يضع السماوات على إصبع والأرضين على إصبع، كما جاءت الرواية الصحيحة عن رسول الله ﷺ . إلى أن قال: وإن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، ونسلم الروايات الصحيحة عن رسول الله ﷺ التي رواها الثقات عدلاً عن عدل، حتى ينتهي إلى رسول الله ﷺ . إلى أن قال: ونصدق بجميع الروايات التي أثبتها أهل النقل من النزول إلى سماء الدنيا، وأن الرب يقول: (هل من سائل؟ هل من مستغفر؟) وسائر ما نقلوه وأثبتوه خلافاً لما قال أهل الزيغ والتضليل، ونعول فيما اختلفنا فيه إلى كتاب ربنا وسنة نبينا وإجماع المسلمين، وما كان في معناه، ولا نبتدع في دين الله ما لم يأذن لنا به، ولا نقول على الله ما لا نعلم. ونقول: إن الله يجيء يوم القيامة كما قال: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ [الفجر:٢٢] ، وإن الله يقرب من عباده كيف شاء كما قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦] ، وكما قال: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم:٨-٩] إلى أن قال: وسنحتج لما ذكرناه من قولنا وما بقي مما لم نذكره باباً باباً]

стр. 194

صفة الوجه واليدين والعينين ومما ذكر أيضاً إثبات صفة الوجه في قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧] ووجه الله صفة له صفة ذاتية خبرية أثبتها لنفسه، ويثبتها أهل السنة والجماعة كما يثبتها بعض المتكلمة، وأن له يدين بلا كيف كما قال: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] ، ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤] وأن له عينين بلا كيف كما قال: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر:١٤] .

стр. 195

هل أسماء الله ذاته أو غيره (وأن من زعم أن أسماء الله غيره كان ضالاً) وهذه المسألة حدثت بعد القرون المفضلة، وأثارها المتكلمة، وهي هل أسماء الله ذاته أو أنها غيره، ومثل هذا الإطلاق لا يطلق لا إثباتاً ولا نفياً، بل يستفصل ويثبت منه المعنى الصحيح، ويُنفى منه المعنى الباطل؛ لأن الألفاظ المجملة يسلك فيها هذا المسلك عند أهل السنة والجماعة.

стр. 196

الإيمان عند أهل السنة وإثبات الأصبع لله قال: (ونقول إن الإسلام أوسع من الإيمان) وليس كل إسلام إيماناً، فالإسلام يشمل الإيمان، وليس كل إسلام إيماناً؛ لأن الإيمان أخص من الإسلام، (وندين بأن الله يقلب القلوب بين إصبعيه) وهذا فيه إثبات صفة الأصبع له ، وهي صفة ذاتية خبرية. (وأنه يضع السماوات على إصبع كما جاءت الرواية الصحيحة عن رسول الله ﷺ إلى أن قال: (وأن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص) وهذا من المسائل التي وقع فيها الخلاف بين أهل السنة وغيرهم، وهي مسألة الإيمان، وقد اختلفوا فيها في عدة أمور: منها تعريف الإيمان، فاختلف أهل السنة مع غيرهم في تعريف الإيمان، والصواب: أن الإيمان قول وعمل، قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح، واختلفوا أيضاً في زيادته ونقصه على أقوال، والصحيح: أن الإيمان يزيد وينقص، وأن زيادته بالطاعة، وأن نقصانه بالزلل.

стр. 197

صفة النزول قال: (ونسلم بالرواية الصحيحة عن رسول الله ﷺ التي رواها الثقات عدلاً عن عدل حتى ينتهي إلى رسول الله ﷺ إلى أن قال: (ونصدق بجميع الروايات التي أثبتها أهل النقل في النزول إلى السماء الدنيا) . وهذه صفة اختلف فيها أيضاً أهل السنة مع غيرهم، أو خالف فيها أهل السنة غيرهم، فأهل السنة يثبتون النزول صفة فعلية له إلى السماء الدنيا، وأولها المؤولون من المتكلمة فحرفوها وقالوا: إن النزول المضاف إلى الله هو نزول أمره، أو نزول قضائه وقدره، أو نزول ملائكته، وما أشبه ذلك. (وأن الرب يقول: (هل من سائل؟ هل من مستغفر؟) ، وسائر ما نقلوه وأثبتوه أي: نصدق بجميع الروايات التي أثبتها أهل النقل من النزول وسائر ما نقلوه وأثبتوه (خلافاً لما قال أهل الزيغ والتضليل، ونعود فيما اختلفنا فيه إلى كتاب ربنا وسنة نبينا، وإجماع المسلمين وما كان في معناه) يعني: ما كان في معنى الإجماع مما توافر عليه النقل ولم يذكر فيه مخالف.

стр. 198

صفة المجيء والقرب قال: (ولا نبتدع في دين الله ما لم يأذن لنا به ولا نقول على الله مالا نعلم، ونقول إن الله يجيء يوم القيامة) وهذا فيه إثبات صفة المجيء وهي صفة فعلية. (كما قال: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ ، وأن الله يقرب من عباده كيف شاء) وهذا فيه إثبات صفة القرب له ، واستدل لها بقوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ ، وهذه الآية فيها أن القرب صفة عامة كالمعية، تكون مع كل إنسان، إلا أن في هذا نظراً؛ لأن القرب على الصحيح ليس صفة عامة، وليس من كل أحد، بل هو قرب خاص، فإن الله قريب من أهل الموقف يوم عرفة، وقريب ممن دعاه، وقريب من العبد حال سجوده، كما قال النبي ﷺ : (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد) فهو قرب خاص وليس قرباً عاماً لكل أحد. وأما قوله: ((وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ)) فقد اختلف أهل العلم في تأويلها على قولين: منهم من جعل الضمير عائداً إلى الله جل وعلا، ومنهم من جعل الضمير عائداً إلى الملائكة، وهذا الثاني هو الصحيح، فالضمير في قوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ عائد إلى الملائكة لا إلى الله جل وعلا، ويدل على هذا ما بعد هذه الآية من الآيات التي تفسر وتبين القرب المذكور، قال تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦] * ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق:١٧] فبين معنى القرب المذكور في هذه الآية، وهو قرب الملائكة التي تسجل وتكتب ما يصدر عن العبد من أقوال. (وكما قال: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم:٨-٩] ) وهذا لو قلنا بدلالته على قربه فإنه ليس عاماً بل هو قرب خاص للنبي ﷺ ، على أن هذه الآية في تأويلها نزاع، فمن أهل العلم من يقول: إن القرب والدنو المذكور في هذه الآية هو قرب النبي من الله جل وعلا، ومنهم من يقول: إن الدنو والقرب المذكور في هذه الآية هو قرب جبريل، وهذا هو الصحيح وأن الذي دنا وتدلى هو جبريل. قوله: (إلى أن قال: وسنحتج لما ذكرنا من قولنا وما بقي مما لم نذكره باباً باباً) هذا أيضاً في إثبات صفة القرب. قال المؤلف ﵀: [ثم تكلم على أن الله يُرى، واستدل على ذلك، ثم تكلم على أن القرآن غير مخلوق واستدل على ذلك، ثم تكلم على من وقف في القرآن وقال: لا أقول: إنه مخلوق ولا غير مخلوق، ورد عليه] أي: وأن هذا ابتداع في الدين وعدم سلوك لطريق أهل السنة والجماعة الذين يثبتون أن القرآن كلام الله منه بدأ وإليه يعود.

стр. 199

إثبات صفة الاستواء عند الأشعري قال المؤلف ﵀: [ثم قال: باب ذكر الاستواء على العرش. فقال: إن قال قائل: ما تقولون في الاستواء؟ قيل له: نقول: إن الله تعالى مستوٍ على عرشه كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] ، وقال سبحانه: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠] ، وقال تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء:١٥٨] ، ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنْ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة:٥] ، وقال تعالى حكاية عن فرعون: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ﴾ [غافر:٣٦] * ﴿أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِباً﴾ [غافر:٣٧] كذَّب موسى في قوله: إن الله فوق السماوات. وقال تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ الأَرْضَ﴾ [الملك:١٦] ، فالسماوات فوقها العرش، ولما كان العرش فوق السماوات قال: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] ؛ لأنه مستوٍ على العرش الذي هو فوق السماوات، وكل ما علا فهو سماء، فالعرش أعلى السماوات، وليس إذا قال: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] يعني: جميع السماوات، وإنما أراد العرش الذي هو أعلى السماوات، ألا ترى أن الله ذكر السماوات فقال تعالى: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً﴾ [نوح:١٦] ولم يرد أن القمر يملأهن وأنه فيهن جميعاً. ورأينا المسلمين جميعاً يرفعون أيديهم إذا دعوا نحو السماء؛ لأن الله على عرشه الذي هو فوق السماوات، فلولا أن الله على العرش لم يرفعوا أيديهم نحو العرش، كما لا يحطونها إذا دعوا إلى الأرض] .

стр. 200

شرح الفتوى الحموية [٢٥] الاستواء صفة فعلية لله ، تواترت النصوص من الكتاب والسنة في إثبات هذه الصفة، وقد أثبتها أهل السنة والجماعة لله على الوجه الذي يليق به ، وقد نقل المصنف ﵀ هنا كلام الأشعري والباقلاني الذي يلزم الأشاعرة اتباعه وعدم مخالفته.

стр. 201

رد الأشعري على الذين أولوا الاستواء بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وآله وصحبه والتابعين، أما بعد: [فصل: وقد قال القائلون من المعتزلة والجهمية والحرورية: إن معنى قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] أنه استولى وقهر وملك، وأن الله في كل مكان، وجحدوا أن يكون الله على عرشه كما قال أهل الحق، وذهبوا في الاستواء إلى القدرة، فلو كان كما ذكروه كان لا فرق بين العرش والأرض السابعة؛ لأن الله قادر على كل شيء، والأرض فالله قادر عليها، وعلى الحشوش وعلى كل ما في العالم، فلو كان الله مستوياً على العرش بمعنى: الاستيلاء -وهو مستولٍ على الأشياء كلها- لكان مستوياً على العرش وعلى الأرض، وعلى السماء وعلى الحشوش والأقذار؛ لأنه قادر على الأشياء مستولٍ عليها، وإذا كان قادراً على الأشياء كلها، ولم يجز عند أحد من المسلمين أن يقول: إن الله مستوٍ على الحشوش والأخلية لم يجز أن يكون الاستواء على العرش الاستيلاء، الذي هو عام في الأشياء كلها، ووجب أن يكون معنى الاستواء يختص بالعرش دون الأشياء كلها، وذكر دلالات من القرآن والحديث والإجماع والعقل] .

стр. 202

ذكر مذهب أهل البدع في الاستواء ذكر المؤلف ﵀ فيما نقله عن أبي الحسن أن المعتزلة والجهمية والحرورية خالفوا فيما تقدم من ذكر الاستواء, والاستواء -كما ذكرنا- صفة فعلية، أثبتها أهل السنة والجماعة لله على الوجه الذي يليق به، وقد دلت على ذلك الأدلة من الكتاب والسنة، بل إن إثبات استواء الله من المتواتر الذي جاءت به النصوص. واستواء الله على العرش ذكرنا أن أهل السنة والجماعة أطلقوا في تفسيره أربع كلمات، وهذه المعاني الأربعة هي: العلو، والصعود, والاستقرار, والارتفاع، هذه الكلمات هي التي وردت عن السلف في تفسير معنى الاستواء، وهي تفسير وليست تأويلاً، أي: وليست تحريفاً للكلم عن مواضعه كما سلك أرباب الكلام. وقد بين الشيخ فيما نقله عن أبي الحسن تأويلات المتكلمين لهذه الصفة فقال: (وقد قال القائلون من المعتزلة والجهمية والحرورية -والحرورية: فرقة من فرق الخوارج- إن معنى قوله: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) أنه استولى وقهر وملك) أي: أن استوى بمعنى استولى وقهر وملك، وهذا تحريف للكلم عن مواضعه؛ لأن استوى جاء تفسيرها في كلام السلف بالمعاني المتقدمة، وأما تأويلها بأنه استولى وقهر وملك فهذا باطل لا يصح من حيث اللغة، ولا من حيث المعنى. ومن تأويلاتهم أيضاً: أن الاستواء بمعنى الإقبال، فقالوا: استوى على العرش بمعنى: أقبل عليه أو أقبل إليه، وكل هذه تأويلات باطلة لم ترد عن السلف، وهي مضادة لما فهم من كلام الله . قال: (وإن الله في كل مكان) وهذا أمر لا يتعلق بالاستواء فحسب، بل يتعلق أيضاً بالعلو، فإن الاستواء دليل خاص من أدلة علو الله على خلقه، ولذلك استدل به أهل السنة على علو الله . وأما أدلة العلو فهي كثيرة، وقد اجتمعت عليه جميع الدلالات من الكتاب والسنة والإجماع والفطرة والعقل، والعلو الذي يثبته أهل السنة والجماعة صفة لله هو علو الذات وعلو القهر وعلو القدر، فعلو القهر وعلو القدر لا خلاف فيهما بين أهل القبلة، فكلهم يثبت علو القهر وعلو القدر، لكنهم اختلفوا في علو الذات، فأثبت أهل السنة والجماعة علو الله بذاته على خلقه، وخالف في ذلك أهل الكلام، فقالوا: إنه سبحانه ليس عالياً على خلقه، وأولوا النصوص التي فيها إثبات علوه بأنها علو القهر أو علو القدر؛ ليفروا من إثبات علو الذات. وهؤلاء الذين نفوا العلو اختلفوا بعد ذلك في: هل الله في كل مكان أو أنه ليس في مكان؟ فمنهم من قال: إنه في كل مكان، وهذا قول المعتزلة والأشاعرة، وقال آخرون: إنه ليس في مكان، وهو مقتضى قول الجهمية الذين يقولون: لا فوق ولا تحت، ولا يمين ولا شمال، ولا داخل العالم ولا خارج العالم، وما إلى ذلك من تفصيلاتهم الباطلة.

стр. 203

إبطال تأويل الاستواء فلما اختلفوا في هذه المسألة ذكرها الشيخ ﵀ في كلامه فقال: (وإن الله في كل مكان، وجحدوا أن يكون على عرشه كما قال أهل الحق) ويلزم على القولين: على قول من نفى أنه داخل العالم وخارجه، وقول من أثبت أنه في كل مكان؛ يلزم على القولين لوازم باطلة، وهم إنما فروا من إثبات العلو؛ لأنهم ادعوا أنه يلزم على إثبات العلو لوازم باطلة، لكن يقال لهم في الجواب: إن ما فررتم إليه من أنه ليس في مكان أو أنه في كل مكان يلزم عليه من اللوازم الباطلة أكثر مما توهتموه في إثبات العلو، فإن إثبات العلو لله لا يلزم عليه أي لازم باطل, إذ إن كلامه هو كما قال عنه سبحانه: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت:٤٢] فكلامه محكم لا باطل فيه. ثم قال الشيخ: (وجحدوا أن يكون الله على عرشه كما قال أهل الحق، وذهبوا في الاستواء إلى القدرة) يعني: في تفسير الاستواء إلى قدرته، (وقالوا: إنه استوى على العرش، يعني: قدر عليه) وهذا معنى قولهم: استولى, ثم قال الشيخ في مناقشة هذا التأويل الباطل: (فلو كان كما ذكروه) يعني: لو كان معنى الاستواء الاستيلاء فـ (لا فرق بين العرش والأرض السابعة؛ لأن الله قادر على كل شيء) أي: على العرش وعلى الأرض السابعة، فهو مستولٍ على العرش وعلى غيره فلا فرق. قال: (فالله قادر عليها وعلى الحشوش وعلى كل ما في العالم، فلو كان مستوياً على العرش بمعنى الاستيلاء -وهو مستولٍ على الأشياء كلها- لكان مستوياً على العرش، وعلى الأرض، وعلى السماء، وعلى الحشوش، وعلى الأقذار؛ لأنه قادر على الأشياء مستولٍ عليها) فلا معنى لتخصيص الاستواء بالعرش في سبع آيات من كتابه. قال: (وإذا كان قادراً على الأشياء كلها، ولم يجز عند أحد من المسلمين أن يقول: -يعني: أن يقول القائل- إن الله مستوٍ على الحشوش والأخلية، لم يجز أن يكون الاستواء على العرش الاستيلاء الذي هو عام في كل شيء، فلما كان من الممكن عند أهل الإسلام أن يقولوا: إن الله مستوٍ على الحشوش وعلى الأخليه دل ذلك على أن معنى الاستواء المذكور في كتابه والذي خص به العرش ليس هو معنى الاستيلاء الذي هو ثابت على كل شيء، ووجب أن يكون معنى الاستواء يختص بالعرش دون الأشياء كلها، وذكر دلالات من القرآن والحديث والإجماع والعقل) يعني: على ما قرره من أن الاستواء ليس معناه: الاستيلاء، وأن تفسير الاستواء بالاستيلاء باطل.

стр. 204

تقرير الأشعري لصفة اليدين والرد على من أولها قال المؤلف ﵀: [ثم قال: باب الكلام في الوجه والعينين والبصر واليدين، وذكر الآيات على ذلك. ورد على المتأولين لها بكلام طويل لا يتسع هذا الموضع لحكايته: مثل قوله: فإن سئلنا أتقولون لله يدان؟ قيل: نقول ذلك، وقد دل عليه قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠] ، وقوله تعالى ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] ، وروى عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله مسح ظهر آدم بيده فاستخرج منه ذريته) وقد جاء في الخبر المذكور عن النبي ﷺ : (إن الله خلق آدم بيده، وخلق جنة عدن بيده، وكتب التوراة بيده، وغرس شجرة طوبى بيده) وليس يجوز في لسان العرب ولا في عادة أهل الخطاب أن يقول القائل: عملت كذا بيدي، ويريد بها النعمة، وإذا كان الله إنما خاطب العرب بلغتها، وما يجري مفهوماً في كلامها ومعقولاً في خطابها، وكان لا يجوز في خطاب أهل البيان أن يقول القائل: فعلت كذا بيدي، ويعني: بها النعمة، بطل أن يكون معنى قوله تعالى: (بِيَدَيَّ) النعمة. وذكر كلاماً طويلاً في تقرير هذا ونحوه] . وهذا كما ذكر في هذا النقل، أن الصواب إثبات هذه الصفة لله وهي صفة اليدين، وهما ثابتتان له على الوجه الذي يليق به، وأما تأويل المؤولين لهذه الصفة بأنها القدرة أو النعمة فهذا تأويل غلط، لا تدل عليه النصوص، بل النصوص دالة على خلافه. وأجاب على تأويل اليدين بالنعمة بأجوبة، فبعد أن ذكر الآيات والنصوص الدالة على إثبات صفة اليدين له قال: (وليس يجوز في لسان العرب ولا في عادة أهل الخطاب أن يقول القائل: عملت كذا بيدي، ويريد بها النعمة) ؛ لأن التثنية لا يراد بها إلا عين المعدود، ومعلوم أن نعمة الله لا حصر لها ولا إحصاء؛ لقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [النحل:١٨] فيستحيل إحصاؤها إن عدت. إذاً: هذا الوجه الأول في إبطال تفسير اليدين بالنعمة: وهو أن اللفظ جاء بصيغة التثنية، والتثنية لا ترد إلا ويقصد منها العدد المذكور، بخلاف الجمع فقد يرد للتعظيم، وبخلاف المفرد فقد يراد به الجنس، ولذلك كانت هذه الصيغة التي وردت في إثبات صفة اليدين من أقوى الأدلة على إثبات هذه الصفة؛ لأنه لا مجال للتأويل فيها، بخلاف الإفراد والجمع، فقد يقال: إن الجمع للتعظيم، وقد يقال: إن الإفراد لجنس النعمة وليس المراد اليد الحقيقية، مع أن الأدلة التي فيها الإفراد والجمع دالة أيضاً على إثبات صفة اليد له ؛ لأنه لا تنسب هذه الصفة إلا لمن له يد، إذ لا تذكر الصفة وتضاف إلى شيء إلا لمن كان متصفاً بها، فلا يقال: هذا ما عمله بيده إلا لمن كان له يد، بل لابد أن يكون من أضيفت إليه اليد موصوفاً بها. قال: (وإذا كان الله إنما خاطب العرب بلغتها وما يجري مفهوماً في كلامها، ومعقولاً في خطابها، وكان لا يجوز في خطاب أهل اللسان أن يقول القائل: فعلت بيدي ويعني بها النعمة, بطل أن يكون معنى قوله تعالى: (بيدي) النعمة. وذكر كلاماً طويلاً في تقرير هذا ونحوه) والكلام في تقرير هذه الصفة طويل، والمراد أن صفة اليد ثابتة لله وقد وردت في كتابه تعالى على ثلاثة أوجه: وردت بالإفراد، ووردت بالتثنية، ووردت بالجمع. الإفراد كقوله: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠] وكقوله: ﴿وَقَالَتْ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة:٦٤] ، والتثنية كقوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] , والجمع كقوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس:٧١] وكلها دالة على إثبات هذه الصفة له .

стр. 205

الباقلاني يثبت من الصفات أكثر مما تثبت الأشاعرة [وقال القاضي أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني المتكلم -وهو أفضل المتكلمين المنتسبين إلى الأشعري، ليس فيهم مثله لا قبله ولا بعده- قال في كتاب (الإبانة) تصنيفه: فإن قال قائل: فما الدليل على أن لله وجهاً ويداً؟ قيل له قوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧] ، وقوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] ، فأثبت لنفسه وجهاً ويداً. فإن قال: فلم أنكرتم أن يكون وجهه ويده جارحة، إن كنتم لا تعقلون وجهاً ويداً إلا جارحة؟ قلنا: لا يجب هذا كما لا يجب إذا لم نعقل حياً عالماً قادراً إلا جسماً، أن نقضي نحن وأنتم بذلك على الله ، وكما لا يجب في كل شيء كان قائماً بذاته أن يكون جوهراً؛ لأنا وإياكم لم نجد قائماً بنفسه في شاهدنا إلا كذلك، وكذلك الجواب لهم إن قالوا: يجب أن يكون علمه وحياته، وكلامه، وسمعه، وبصره، وسائر صفات ذاته عرضاً، واعتلوا بالوجود. وقال: فإن قال: فهل تقولون إنه في كل مكان؟ قيل له: معاذ الله! بل مستوٍ على عرشه، كما أخبر في كتابه فقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] ، وقال الله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠] ، وقال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ [الملك:١٦] . قال: ولو كان في كل مكان لكان في بطن الإنسان وفمه والحشوش والمواضع التي يُرغب عن ذكرها، ولوجب أن يزيد بزيادة الأمكنة إذا خلق منها ما لم يكن، وينقص بنقصانها إذا بطل منها ما كان، ولصح أن يرغب إليه إلى نحو الأرض] . (أن يرغب إليه) معناه: التوجه إليه، وأن يطلب ويدعى، فيسأل ويتوجه إلى الخلف وإلى الأمام وإلى السفل، ومعلوم أن فطر الناس إذا رغبت ودعت وسألت تتوجه إلى العلو. قال ﵀: [وإلى خلفنا وإلى يميننا وإلى شمالنا، وهذا قد أجمع المسلمون على خلافه وتخطئة قائله. وقال أيضاً في هذا الكتاب: صفات ذاته التي لم يزل ولا يزال موصوفاً بها هي: الحياة، والعلم، والقدرة، والسمع، والبصر، والكلام، والإرادة، والبقاء] . هذه صفات المعاني (صفات الذات) . [والوجه، والعينان، واليدان، والغضب، والرضا] . وهذه صفات فعلية، وإنما جعلها في صفات الذات لأن الأشاعرة لا يقرون بالصفات الفعلية، ولا يثبتونها، ولذلك ذكر هذه الصفات الفعلية في صفات الذات. [وقال في كتاب (التمهيد) كلاماً أكثر من هذا -لكن ليست النسخة حاضرة عندي- وكلامه وكلام غيره من المتكلمين في مثل هذا الباب كثير لمن يطلبه] . وهذا من الشيخ ﵀ يدل على أمانته في النقل، وقد وجد هذا الكتاب وحققه بعض أهل الزيغ والضلال، ولم يجد فيه هذا المقطع من الكلام الذي نقله شيخ الإسلام ونقله كذلك ابن القيم عن الباقلاني، وهو من أئمة الأشاعرة، بل هو المجدد الثاني الذي سعى في تقعيد مذهب الأشعري ونشره بين الناس، فقالوا: إن ما نسبه إليه شيخ الإسلام من هذا الكلام ليس صحيحاً وليس موجوداً في كتاب (التمهيد) المذكور، وأبطل الله كيدهم وكذبهم حيث إن الكتاب حققه مستشرق من نسخة أخرى، ووجد فيه ما نقله الشيخ بنصه، وهذا من توفيق الله ونصرته لأهل الحق.

стр. 206

سبب نقل المؤلف لكلام المتكلمين مع أن الكتاب والسنة والإجماع مغنية عن كلام كل أحد قال المؤلف ﵀: [وكلامه وكلام غيره من المتكلمين في مثل هذا الباب كثير لمن يطلبه، وإن كنا مستغنين بالكتاب والسنة وآثار السلف عن كل كلام] . وهذا ليقر به من يعظم هؤلاء من المتكلمة، وهذا احتجاج على هؤلاء بكلامهم؛ لأنك إذا قلت: قال الباقلاني استسلم الخصم؛ لأنه يجله ويقدره، ويعده من كبار الأئمة، وكذلك إذا قلت: قال الجويني أو قال الأشعري تجده يستسلم في هذه الحالة، وما من إنسان ذهب مذهباً من مذاهب المتكلمين إلا وجدت في كلامه ما ينقض قاعدته، ولذلك كان أسلم الطرق وأحكمها وأضبطها وأبعدها عن الاضطراب طريق أهل السنة والجماعة، فهو المطرد في باب أسماء الله وصفاته. قال ﵀: [وملاك الأمر أن يهب الله للعبد حكمة وإيماناً، بحيث يكون له عقل ودين حتى يفهم ويدين، ثم نور الكتاب والسنة يغنيه عن كل شيء، ولكن كثيراً من الناس قد صار منتسباً إلى بعض طوائف المتكلمين، ومحسناً للظن بهم دون غيرهم، ومتوهماً أنهم حققوا في هذا الباب ما لم يحققه غيرهم، فلو أتي بكل آية ما تبعها حتى يؤتى بشيء من كلامهم. ثم هم مع هذا مخالفون لأسلافهم غير متبعين لهم، فلو أنهم أخذوا بالهدى الذي يجدونه في كلام أسلافهم لرجي لهم مع الصدق في طلب الحق أن يزدادوا هدى] . أسلافهم تخبطوا وضلوا، وضربوا في طرق عديدة، ثم رجعوا في آخر أمرهم إلى طريق السلف، فلو أن هؤلاء ابتدءوا من حيث انتهى أئمتهم لكان خيراً لهم، ولو وفقوا مع الصدق في طلب الحق لازدادوا هدىً وخيراً، ولكن هؤلاء أعرضوا عن نهاياتهم وابتدءوا ببداياتهم، أي: ببدايات أئمتهم، فتخبطوا وضلوا، وكان خاتمة كثير منهم أن وصل إلى حيث يبتدىء أهل السنة والجماعة. قال ﵀: [ومن كان لا يقبل الحق إلا من طائفة معينة، ثم لا يتمسك بما جاءت به من الحق ففيه شبه من اليهود الذين قال الله فيهم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٩١] ، فإن اليهود قالوا: لا نؤمن إلا بما أنزل علينا. قال الله تعالى لهم: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي: إن كنتم مؤمنين بما أنزل عليكم، يقول : لا لما جاءتكم به أنبياؤكم تتبعون، ولا لما جاءتكم به سائر الأنبياء تتبعون، ولكن إنما تتبعون أهواءكم، فهذا حال من لم يتبع الحق لا من طائفته ولا من غيرهم، مع كونه يتعصب لطائفته بلا برهان من الله ولا بيان] . رحم الله المؤلف ما أصدق بيانه! وأجمل كلامه! فهو يبين لهؤلاء ويقول لهم: إنكم إذا لم تقبلوا كلام السلف وقلتم إنهم لم يخوضوا بهذه المعاني، فاقبلوا كلام أئمتكم، ولا تكونوا كالذين ذمهم الله بأن تركوا كلام أنبيائهم وتركوا كلام الأنبياء غير أنبيائهم. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 207

شرح الفتوى الحموية [٢٦] الجويني من كبار الأشاعرة، لكنه خطا بالمذهب الأشعري خطوات غير قليلة نحو الاعتزال، ثم لازم مذهب السلف -في نظره- وهو التفويض، وقد نقل عنه المصنف ﵀ ما يقرر مذهب السلف، ويرد على الأشعرية المتأخرين.

стр. 208

ذكر اعتقاد الجويني في الأسماء والصفات الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين، أما بعد: فيقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى رحمة واسعة: [وكذلك قال أبو المعالي الجويني في كتابه (الرسالة النظامية) : اختلف مسالك العلماء في هذه الظواهر، فرأى بعضهم تأويلها، والتزم ذلك في آي الكتاب وما يصح من السنن، وذهب أئمة السلف إلى الانكفاف عن التأويل، وإجراء الظواهر على مواردها، وتفويض معانيها إلى الرب. فقال: والذي نرتضيه رأياً وندين الله به عقيدة: اتباع سلف الأمة، والدليل السمعي القاطع في ذلك إجماع الأمة، وهو حجة متبعة، وهو مستند معظم الشريعة. وقد درج صحب رسول الله ﷺ على ترك التعرض لمعانيها ودرك ما فيها، وهم صفوة الإسلام، والمستقلون بأعباء الشريعة، وكانوا لا يألون جهداً في ضبط قواعد الملة والتواصي بحفظها، وتعليم الناس ما يحتاجون إليه منها، فلو كان تأويل هذه الظواهر مسوغاً أو محتوماً؛ لأوشك أن يكون اهتمامهم بها فوق اهتمامهم بفروع الشريعة، وإذا انصرم عصرهم وعصر التابعين على الإضراب عن التأويل؛ كان ذلك هو الوجه المتبع، فحق على ذي الدين أن يعتقد تنزه الله عن صفات المحدثين، ولا يخوض في تأويل المشكلات، ويكل معناها إلى الرب تعالى، فليجر آية الاستواء والمجيء، وقوله ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] ، ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧] ، وقوله: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر:١٤] ، وما صح من أخبار الرسول كخبر النزول وغيره على ما ذكرناه] . هذا آخر نقل ينقله الشيخ ﵀ من النقول التي حشدها لتقرير مذهب أهل السنة والجماعة، وبيان أن طريقة أهل السنة لازمة حتى للمتكلمين، فإن كثيراً منهم قال فيما كتب وألف كلاماً يوافق فيه الصواب الذي جاء عن السلف الصالح ﵏. والنقل هنا عن أبي المعالي الجويني، وهو من أئمة الأشاعرة الكبار، إلا أنه تميز عن سائر الأشاعرة بأنه خطا بالمذهب الأشعري خطوات غير قليلة نحو الاعتزال، فهو من أئمتهم الذين نزعوا إلى الطريقة الاعتزالية، والذي حمله على ذلك تناقض الطريقة الأشعرية واضطرابها. والجويني كان في أول أمره مؤولاً، أي: محرفاً على طريقة المتكلمين، ثم إنه بعد أن رأى أن طريقته لا توصل إلى معرفة بالله ، ولا إلى علم بما أخبر به عن نفسه؛ انصرف عن هذه الطريقة إلى ما اعتقده أنه طريق السلف وهو التفويض، فترك التأويل إلى التفويض، ولذلك قال: (وذهب أئمة السلف إلى الانكفاف عن التأويل) ومقصوده بالتأويل: التحريف الذي عليه المتكلمون (وإجراء الظواهر على مواردها وتفويض معانيها إلى الرب) ، وهذا غلط منه كما غلط غيره في فهم منهج السلف، حيث ظن أن منهج السلف التفويض، وأن طريقهم عدم التعرض لمعاني هذه الأسماء والصفات، وقد تقدم إبطال هذا الطريق وإبطال هذا الأمر، وبيان أن أهل السنة والجماعة يفسرون كلام الله وكلام رسوله ﷺ على الوجه الذي تحتمله اللغة، والوجه الظاهر منها، والذي يفهمه أهل اللسان، ومع ذلك فهم فيما يثبتونه لله من الأسماء والصفات لا يحرفون ولا يعطلون ولا يمثلون ولا يكيفون، بل يثبتون كل ذلك على قاعدتهم التي أخذوها من كتاب الله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] . ثم قال: (والذي نرتضيه رأياً وندين الله به عقيدة: اتباع سلف الأمة، والدليل السمعي القاطع في ذلك) أي: في صحة هذا وهو وجوب اتباع السلف؛ (إجماع الأمة، وهو حجة متبعة) ، فالأمة أجمعت على أن أفضل الطرق وأن خير السبل في جميع الأبواب العلمية والعملية الاعتقادية؛ هو طريق السلف، فلما كان الإجماع على ذلك، وكان طريقهم في باب أسماء الله وصفاته تختلف عن طريق المؤولين والمتكلمين، وجب الرجوع إليها. ثم قال: (وهم صفوة الإسلام) ذكر بعد ذلك دليلاً عقلياً على صحة طريقهم الذي ثبت، وهو أنهم يثبتون ما أثبتوه لله من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، قال: (درج أصحاب رسول الله ﷺ على ترك التعرض لمعانيها) ، والمقصود الصحيح من هذا الكلام أي: ترك تحريفها، وإلا فهم فسروا آيات الصفات وبينوا معانيها. قال: (وهم صفوة الإسلام، والمستقلون بأعباء الشريعة، وكانوا لا يألون جهداً في ضبط قواعد الملة والتواصي بحفظه) ، ولا شك أن من ظن غير هذا في صحابة رسول الله ﷺ ، وفي التابعين وتابعيهم ﵃ ورحمهم الله؛ فقد كذب قوله ﷺ : (خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) (وتعليم الناس ما يحتاجون إليه منها، فلو كان تأويل هذه الظواهر مسوغاً أو محكوماً؛ لأوشك أن يكون اهتمامهم بها فوق اهتمامهم بفروع الشريعة) ؛ لأن العلم بالصفات هو أصل العلوم، إذ إنه علم بالله ، وإنما جاءت الرسل وبعثت، وأنزلت الكتب لتعريف الخلق بربهم، فإذا كان الصحابة لم يهتموا بهذا -مع شدة الحاجة إليه- كان في ذلك اتهاماً لهم، بل لو كان الطريق الذي سلكه المتكلمون هو الطريق الصحيح؛ لكان اهتمام السلف في بيان صحة هذا الطريق وتقريره أعظم من اهتمامهم بأي أمر آخر. والمتكلمون يعتذرون للصحابة والتابعين عن سلوك طريق المتأخرين، بأنهم كانوا مشغولين بتبليغ الرسالة والدعوة إليها، والجهاد في سبيل الله وما إلى ذلك، فانشغلوا عن الطرق الكلامية والحجج العقلية. وهذا كذب! لأنهم إنما انشغلوا بهذا لدعوة الناس إلى ما جاء به الكتاب والسنة، والكتاب والسنة قد جاءا بما اعتقده الصحابة ﵃، ودعوا إليه من إثبات ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. ثم قال ﵀: (وإذا انصرم عصرهم وعصر التابعين على الإضراب عن التأويل، كان ذلك هو الوجه المتبع، فحق على ذي الدين أن يعتقد تنزه الباري عن صفات المحدثين) يعني: عن كلام المحدثين في باب أسماء الله وصفاته، وغير ذلك من الأبواب الغيبية. قال: (ولا يخوض في تأويل المشكلات، ويكل معناها إلى الرب تعالى) والصواب في هذا أن يقال: وأن يحمل المشكلات على المحكمات، كما هو منهج الراسخين في العلم، الذين أثنى الله على طريقهم وسبيلهم. قال: (فليجر آية الاستواء والمجيء، وقوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ، وقوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِ﴾ ، وقوله: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ ، وما صح من أخبار الرسول؛ كخبر النزول وغيره على ما ذكرناه) ، يعني: ما ذكره من اعتقاده التفويض بمنهج السلف، ونحن نقول على ما سبق تقريره من القاعدة الكلية في هذا الباب؛ إن الحق هو إثبات ما أثبته الله لنفسه، أو أثبته له رسوله من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، وأن يعتقد أن كل كمال فالله به أولى، وأنه لا يلزم على كلام الله ولا على كلام رسوله ﷺ باطل، إذ لو لزم على ذلك باطل لما صدق قوله جل وعلا: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود:١] ، ولما صدق قوله : ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت:٤٢] . المهم أن أهل الكلام أقروا فيما كتبوه وفي آخر أمرهم وبعد تجوالهم في الطرق الكلامية، بسلامة طريق السلف، وأنه هو الطريق الموصل إلى معرفة الله ، وهذا من فضل الله ونعمته، فالحمد لله الذي هدانا لما أضلهم عنه.

стр. 209

الكتاب والسنة هما المرجع والمتبع [قلت: وليعلم السائل أن الغرض -من هذا الجواب- ذكر ألفاظ بعض الأئمة الذين نقلوا مذهب السلف في هذا الباب، وليس كل من ذكرنا شيئاً من قوله -من المتكلمين وغيرهم- يقول بجميع ما نقوله في هذا الباب وغيره، ولكن الحق يقبل من كل من تكلم به، وكان معاذ بن جبل ﵁ يقول في كلامه المشهور عنه الذي رواه أبو داود في سننه: (اقبلوا الحق من كل من جاء به وإن كان كافراً -أو قال: فاجراً- واحذروا زيغة الحكيم! قالوا: كيف نعلم أن الكافر يقول كلمة الحق؟ قال: إن على الحق نوراً -أو قال كلاماً هذا معناه-) . فأما تقرير ذلك بالدليل وإماطة ما يعرض من الشبه، وتحقيق الأمر على وجه يخلص إلى القلب ما يبرد به من اليقين، ويقف على مواقف آراء العباد في هذه المهامه، فما تتسع له هذه الفتوى، فقد كتبت شيئاً من ذلك قبل هذا، وخاطبت ببعض ذلك بعض من يجالسنا، وربما أكتب -إن شاء الله- في ذلك ما يحصل به المقصود] . على ما كتب في تقرير هذا الباب وبيانه، فكتبه ﵀ من أفضل ما كتب في تقرير مسائل الاعتقاد جملة وتفصيلاً، فرحمه الله وجزاه عن الأمة خيراً، والكلام واضح فيما نقله عن أهل العلم، لاسيما المتكلمون الذين لا يوافقون أهل السنة والجماعة، ولا يوافقون ما قرره الشيخ في كل ما قاله وما ذهب إليه، إنما قد يكونون وافقوا في بعض الأمور وخالفوه في البعض الآخر، وهذا فيه فائدة أشار إليها الشيخ: وهي أن الحق يقبل من كل من تكلم به، والحق يعرف بموافقته للكتاب والسنة، وما ذكره معاذ ﵀ ورضي عنه في قوله: (إن على الحق نوراً) ، فهذا النور الذي على الحق هو الذي ذكره الله في وصف كتابه، فإنه وصف كتابه بأنه نور، والنور الذي في الحق هو من نور كتاب الله جل وعلا. قال أجزل الله مثوبته ورحمه: [وجماع الأمر في ذلك: أن الكتاب والسنة يحصل منهما كمال الهدى والنور، لمن تدبر كتاب الله وسنة نبيه، وقصد اتباع الحق، وأعرض عن تحريف الكلم عن مواضعه، والإلحاد في أسماء الله وآياته، ولا يحسب الحاسب أن شيئاً من ذلك يناقض بعضه بعضاً ألبتة] . كلام الله جل وعلا لا تناقض فيه، وهذا مقتضى الإحكام الذي وصفه به : ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود:١] ، أي: صينت وحفظت وأتقنت عن أن يكون فيها شيء من الاضطراب والاختلاف. ثم انظر إلى الشروط التي يحصل بها الاهتداء بالحق، وهذان سطران فيهما إجمال الأسباب التي يهتدي بها الإنسان إلى الصواب. (جماع الأمر في ذلك: أن الكتاب والسنة يحصل منهما كمال الهدى والنور -بشرط:- لمن تدبر كتاب الله وسنة نبيه) ، فالواجب التدبر ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص:٢٩] ، فالتدبر من أفضل ما يعين الإنسان على معرفة وفهم مقاصد الشريعة، والأصول الكلية في هذا الدين العظيم، فإن النية مطية كما قيل، وإنما الأعمال بالنيات، فإذا صدق العبد في نيته وفي طلبه للحق؛ فتح الله له الحق ويسره له، لكن إذا كانت نيته مشوبة، أو غير خالصة؛ فإنه لا يوفق لإصابة الصواب, قال: (وأعرض عن تحريف الكلم عن مواضعه) والصواب: أن يحسن الإنسان النية والقصد. قال: (وأعرض عن تحريف الكلم عن مواضعه، والإلحاد في أسماء الله وآياته) أي: أعرض عن طريق المخالفين لمن فقه هذا الكتاب والسنة، والذين فقهوه هم السلف ﵏، فإذا اجتمع في الطريق: تدبر وحسن قصد، وإعراض عن سبيل المخالفين للكتاب والسنة؛ وفق إلى خير كبير. ثم أعطى قاعدة ليحل بها ما قد يرد على المؤمن من إشكالات في هذا الباب -في باب الأسماء والصفات وفي غيره-: (أن كلام الله جل وعلا لا يضطرب ولا يختلف) ، فإذا حصل اضطراب أو اختلاف فليتهم الإنسان نفسه ورأيه، وإلا فكلام الله لا اضطراب فيه ولا اختلاف، ولذلك قال الله جل وعلا: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [النساء:٨٢] فالله دعا الخلق إلى تدبر هذا الكتاب. ثم أخبر بأن الكتاب لا اختلاف فيه؛ لأنه منه، وهذا يشير إلى أن الاختلاف الذي قد ينقدح في ذهن أحد أو يظنه ظان، إنما أتي وأصيب به من قبل عدم تدبره ونظره ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ ، لكن لما كان من عند الله فلا اختلاف فيه, والسبيل إلى الوقوف على أنه لا اختلاف فيه أن يتدبر الإنسان كلام الله ، ولا يحسب الحاسب أن شيئاً منه يناقض بعضه ألبتة، وبهذا نقف عند هذا المقدار، ثم سيذكر الشيخ مثالاً لذلك لينفي الاضطراب والتناقض. اللهم فقهنا في الدين وعلمنا التأويل.

стр. 210

شرح الفتوى الحموية [٢٧] نصوص الكتاب والسنة لا تناقض فيها، فلا يعارض الاستواء على العرش كون الله معنا، بل كل ذلك حقيقة لا تعارض فيه، كما بينه الشيخ في هذه المادة.

стр. 211

لا تعارض بين معية الله وعلوه بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمداً طيباً مباركاً فيه، وأصلي وأسلم على أشرف الخلق أجمعين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فيقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: [ولا يحسب الحاسب أن شيئاً من ذلك يناقض بعضه بعضاً ألبتة، مثل أن يقول القائل: ما في الكتاب والسنة من أن الله فوق العرش يخالفه الظاهر من قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٤] ، وقوله ﷺ : (إذ قام أحدكم إلى الصلاة فإن الله قبل وجهه) ، ونحو ذلك؛ فإن هذا غلط؛ وذلك أن الله معنا حقيقة، وهو فوق العرش حقيقة، كما جمع الله بينهما في قوله : ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد:٤] ، فأخبر أنه فوق العرش يعلم كل شيء، وهو معنا أينما كنا، كما قال النبي ﷺ في حديث الأوعال: (والله فوق العرش وهو يعلم ما أنتم عليه) . وذلك أن كلمة (مع) في اللغة إذا أطلقت فليس ظاهرها في اللغة إلا المقارنة المطلقة، من غير وجوب مماسة أو محاذاة عن يمين أو شمال، فإذا قيدت بمعنى من المعاني دلت على المقارنة في ذلك المعنى، فإنه يقال: ما زلنا نسير والقمر معنا أو والنجم معنا، ويقال: هذا المتاع معي لمجامعته لك، وإن كان فوق رأسك، فالله مع خلقه حقيقة وهو فوق عرشه حقيقة] . ذكر المؤلف ﵀ بعد أن قال: (ولا يحسب الحاسب أن شيئاً من ذلك يناقض بعضه البعض ألبتة) مثالاً لما قد يتوهم من التناقض فيما أخبر الله به عن نفسه، فقال ﵀: (مثل أن يقول القائل: ما في الكتاب والسنة من أن الله فوق العرش يخالفه الظاهر من قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ ، وقوله ﷺ : (إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الله قبل وجهه) ونحو ذلك) ، يعني: من الأحاديث أو النصوص سواء من الكتاب أو السنة التي تدل على معيته ، قال: (فإن هذا غلط) أي: اعتبار نصوص المعية مخالفة لنصوص العلو والاستواء (وذلك أن الله معنا حقيقة) ، أي: كما أخبر به عن نفسه ، (لا نحتاج في ذلك إلى تأويل) أي: لا نحتاج في ذلك إلى تحريف، بل نثبته كما أثبته لنفسه في كتابه. (وهو فوق العرش حقيقة) أي: كما أخبر في كتابه، وكما أخبر به نبيه ﷺ (كما جمع الله بينهما في قوله سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد:٤] ، فجمع بين هذين المعنيين وبين هاتين الصفتين في آية واحدة, فدل ذلك على أنه لا تعارض بينهما ولا تناقض، بل إثبات علو الله على عرشه لا يناقض أنه مع خلقه حقيقة. ثم قال: (فأخبر أنه فوق العرش) يعني: في هذه الآية، (وهو معنا أينما كنا، كما قال النبي ﷺ في حديث الأوعال) وهو حديث مشهور رواه الترمذي بسند لا بأس به وفيه: (والله فوق العرش، وهو يعلم ما أنتم عليه) . وأضيف الحديث للأوعال؛ لأن فيه ذكر الأوعال, والأوعال: جمع وعل، وهو في اللغة تيس الجبل، ويطلق أيضاً في اللغة على الأشراف والكبراء من كل شيء، ومن ذلك قول النبي ﷺ : (لا تقوم الساعة حتى تعلو السفول وتهلك الوعول، قيل: وما السفول يا رسول الله؟ قال -ما معناه- أنهم أردأ القوم, قيل: وما الوعول يا رسول الله؟ قال: أهل البيوت الصالحة) أي: الأشراف من أهل الخير والصلاح. فالوعول: هم الأشراف وهم من أشرف خلق الله , كما ثبت أنهم ثمانية يحملون العرش في حديث الأوعال. فالله جل وعلا على عرشه، وهو فوقه ، ومع ذلك فهو يعلم ما أنتم عليه، وهذا تفصيل وبيان لمعنى المعية المذكورة في الآية، وأنها ليست المعية التي تقتضي المخالطة والممازجة، بل هي معية العلم كما فسرها بذلك المفسرون من أهل السنة والجماعة. قال: (وذلك أن كلمة (مع) في اللغة إذا أطلقت فليس ظاهرها في اللغة إلا المقارنة المطلقة، من غير وجوب مماسة أو محاذاة عن يمين أو شمال) أو عن أي جهة، فالذي تفيده كلمة (مع) هو المقارنة والمصاحبة، لكن لا يستلزم ذلك وجوب المماسة أو المحاذاة من أي جهة من يمين أو شمال أو فوق أو تحت، (فإذا قيدت بمعنى من المعاني؛ دلت على المقارنة في ذلك المعنى) ولم تفد المحاذاة والمماسة. يقول في ضرب الأمثال على صحة هذه القاعدة وأن (مع) في اللغة تدل على المقارنة المطلقة لا على المحاذاة والمماسة: (مازلنا نسير والقمر معنا) ، ومعلوم أن القمر ليس مخالطاً ولا محاذياً ولا مماساً لمن قالوا بهذا القول، قال: (أو النجم معنا، ويقال: هذا المتاع معي لمجامعته لك، وإن كان فوق رأسك، فالله مع خلقه حقيقة، وهو فوق عرشه حقيقة) ، فلا تعارض بين معنى العلو ومعنى المعية. ولما كان هناك من يفهم من ذلك المعارضة بين هاتين الصفتين؛ جرى كثير من أهل العلم على ذكر الصفتين مقترنتين، فإذا ذكر بحث العلو أو الاستواء ذكر معه بحث المعية؛ ليبين عدم التعارض بين هاتين الصفتين، كما جمع الله بينهما في آية الحديد: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ .

стр. 212

أقسام المعية قال ﵀: [ثم هذه المعية تختلف أحكامها بحسب الموارد، فلما قال: ((يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا)) إلى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ ؛ دل ظاهر الخطاب على أن حكم هذه المعية ومقتضاها: أنه مطلع عليكم، شهيد عليكم، ومهيمن عالم بكم، وهذا معنى قول السلف إنه معهم بعلمه، وهذا ظاهر الخطاب وحقيقته. وكذلك في قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة:٧] الآية، ولما قال النبي ﷺ لصاحبه في الغار: (لا تحزن إن الله معنا) ، كان هذا أيضاً حقاً على ظاهره، ودلت الحال على أن حكم هذه المعية هنا معية الاطلاع والنصر والتأييد. وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨] ، وكذلك قوله لموسى وهارون: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦] هنا المعية على ظاهرها، وحكمها في هذه المواطن النصر والتأييد] .

стр. 213

المعية العامة بعد أن فرغ الشيخ ﵀ من بيان عدم التعارض بين إثبات صفة المعية، وإثبات صفة العلو، بيَّن أن المعية تطلق ويختلف معناها بحسب موردها وبحسب السياق الذي وردت فيه، فهي تدل على معنى مشترك في الجميع، إلا أنها تختص في مواردها بمعان خاصة، فقوله جل وعلا في سورة الحديد: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ ، وفي سورة المجادلة: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ ، فهذه المعية معناها معية العلم، وهي على حقيقتها، وهي التي فسرها النبي ﷺ في حديث الأوعال (والله فوق العرش ويعلم ما أنتم عليه) ، فهي معية العلم التي تقتضي تمام علمه ، وإحاطته بخلقه، وبما يجري منهم، وهذه المعية تسمى (المعية العامة) ، وهو القسم الأول من المعية، وهي مع كل شيء حيث يعلم به, فهو الظاهر والباطن والأول والآخر، وهو بكل شيء محيط.

стр. 214

المعية الخاصة القسم الثاني من أقسام المعية: المعية الخاصة التي تدل على معنى زائد على العلم والإحاطة، وهي معية النصر والتأييد والحفظ، وما إلى ذلك من المعاني التي يدل عليها هذا اللفظ في موارده، فمن ذلك: قول النبي ﷺ لصاحبه كما قص الله في كتابه: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠] ، قال: (كان هذا حقاً على ظاهره لا تأويل فيه ولا تحريف، ودلت الحال على أن حكم هذه المعية يخالف حكم المعية السابقة) ، فإن حكم المعية في الآيتين السابقتين: الإحاطة والعلم، أما هنا فهو أمر زائد على الإحاطة والعلم، وهي معية الاطلاع والنصر والتأييد والحفظ، وما إلى ذلك من المعاني. قال: (وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ ، وقوله: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ قال: (هنا المعية على ظاهرها، وحكمها في هذه المواطن النصر والتأييد) ، وهذا هو القسم الثاني من أقسام المعية، وهي المعية الخاصة التي لا تكون إلا لعباد الله الصالحين؛ من المحسنين، والمتقين، والمرسلين. وهي تختلف باختلاف الإحسان التقوى، فعلى قدر تحقق هذه الأوصاف التي أخبر الله فيها بأنه مع أهلها تتحقق المعية لهم.

стр. 215

اختلاف دلالة المعية بحسب موضعها وسياق ذكرها [وقد يدخل على صبي من يخيفه فيبكي، فيشرف عليه أبوه من فوق السقف فيقول: لا تخف؛ أنا معك، أو أنا هنا، أو أنا حاضر، ونحو ذلك. ينبهه على المعية الموجبة بحكم الحال دفع المكروه، ففرق بين معنى المعية وبين مقتضاها، وربما صار مقتضاها من معناها، فيختلف باختلاف المواضع. فلفظ المعية قد استعمل في الكتاب والسنة في مواضع، يقتضي في كل موضع أموراً لا يقتضيها في الموضع الآخر، فإما أن تختلف دلالتها بحسب المواضع، أو تدل على قدر مشترك بين جميع مواردها، وإن امتاز كل موضع بخاصية؛ فعلى التقديرين ليس مقتضاها أن تكون ذات الرب مختلطة بالخلق، حتى يقال: قد صرفت عن ظاهرها] . أي: سواء قلنا: إن المعية في كل موضع تختص بمعنى خاص، أو: إن المعية تشترك في هذه المواضع كلها بمعنى عام مشترك، وفي كل موضع تختص بمعنى خاص بها مع وجود المعنى العام المشترك، فعلى كلا التقديرين ليست هذه الصفة معارضة لما ثبت من علو الله على خلقه، (وليس مقتضاها أن تكون ذات الرب مختلطة بالخلق، حتى يقال: قد صرفت عن ظاهرها) .
следующие страницы →