← Акыда

Акыда · id 7727

شرح الفتوى الحموية

خالد المصلح

Полный текст (251 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

لا تعارض بين معية الله وعلوه بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمداً طيباً مباركاً فيه، وأصلي وأسلم على أشرف الخلق أجمعين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فيقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: [ولا يحسب الحاسب أن شيئاً من ذلك يناقض بعضه بعضاً ألبتة، مثل أن يقول القائل: ما في الكتاب والسنة من أن الله فوق العرش يخالفه الظاهر من قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٤] ، وقوله ﷺ : (إذ قام أحدكم إلى الصلاة فإن الله قبل وجهه) ، ونحو ذلك؛ فإن هذا غلط؛ وذلك أن الله معنا حقيقة، وهو فوق العرش حقيقة، كما جمع الله بينهما في قوله : ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد:٤] ، فأخبر أنه فوق العرش يعلم كل شيء، وهو معنا أينما كنا، كما قال النبي ﷺ في حديث الأوعال: (والله فوق العرش وهو يعلم ما أنتم عليه) . وذلك أن كلمة (مع) في اللغة إذا أطلقت فليس ظاهرها في اللغة إلا المقارنة المطلقة، من غير وجوب مماسة أو محاذاة عن يمين أو شمال، فإذا قيدت بمعنى من المعاني دلت على المقارنة في ذلك المعنى، فإنه يقال: ما زلنا نسير والقمر معنا أو والنجم معنا، ويقال: هذا المتاع معي لمجامعته لك، وإن كان فوق رأسك، فالله مع خلقه حقيقة وهو فوق عرشه حقيقة] . ذكر المؤلف ﵀ بعد أن قال: (ولا يحسب الحاسب أن شيئاً من ذلك يناقض بعضه البعض ألبتة) مثالاً لما قد يتوهم من التناقض فيما أخبر الله به عن نفسه، فقال ﵀: (مثل أن يقول القائل: ما في الكتاب والسنة من أن الله فوق العرش يخالفه الظاهر من قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ ، وقوله ﷺ : (إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الله قبل وجهه) ونحو ذلك) ، يعني: من الأحاديث أو النصوص سواء من الكتاب أو السنة التي تدل على معيته ، قال: (فإن هذا غلط) أي: اعتبار نصوص المعية مخالفة لنصوص العلو والاستواء (وذلك أن الله معنا حقيقة) ، أي: كما أخبر به عن نفسه ، (لا نحتاج في ذلك إلى تأويل) أي: لا نحتاج في ذلك إلى تحريف، بل نثبته كما أثبته لنفسه في كتابه. (وهو فوق العرش حقيقة) أي: كما أخبر في كتابه، وكما أخبر به نبيه ﷺ (كما جمع الله بينهما في قوله سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد:٤] ، فجمع بين هذين المعنيين وبين هاتين الصفتين في آية واحدة, فدل ذلك على أنه لا تعارض بينهما ولا تناقض، بل إثبات علو الله على عرشه لا يناقض أنه مع خلقه حقيقة. ثم قال: (فأخبر أنه فوق العرش) يعني: في هذه الآية، (وهو معنا أينما كنا، كما قال النبي ﷺ في حديث الأوعال) وهو حديث مشهور رواه الترمذي بسند لا بأس به وفيه: (والله فوق العرش، وهو يعلم ما أنتم عليه) . وأضيف الحديث للأوعال؛ لأن فيه ذكر الأوعال, والأوعال: جمع وعل، وهو في اللغة تيس الجبل، ويطلق أيضاً في اللغة على الأشراف والكبراء من كل شيء، ومن ذلك قول النبي ﷺ : (لا تقوم الساعة حتى تعلو السفول وتهلك الوعول، قيل: وما السفول يا رسول الله؟ قال -ما معناه- أنهم أردأ القوم, قيل: وما الوعول يا رسول الله؟ قال: أهل البيوت الصالحة) أي: الأشراف من أهل الخير والصلاح. فالوعول: هم الأشراف وهم من أشرف خلق الله , كما ثبت أنهم ثمانية يحملون العرش في حديث الأوعال. فالله جل وعلا على عرشه، وهو فوقه ، ومع ذلك فهو يعلم ما أنتم عليه، وهذا تفصيل وبيان لمعنى المعية المذكورة في الآية، وأنها ليست المعية التي تقتضي المخالطة والممازجة، بل هي معية العلم كما فسرها بذلك المفسرون من أهل السنة والجماعة. قال: (وذلك أن كلمة (مع) في اللغة إذا أطلقت فليس ظاهرها في اللغة إلا المقارنة المطلقة، من غير وجوب مماسة أو محاذاة عن يمين أو شمال) أو عن أي جهة، فالذي تفيده كلمة (مع) هو المقارنة والمصاحبة، لكن لا يستلزم ذلك وجوب المماسة أو المحاذاة من أي جهة من يمين أو شمال أو فوق أو تحت، (فإذا قيدت بمعنى من المعاني؛ دلت على المقارنة في ذلك المعنى) ولم تفد المحاذاة والمماسة. يقول في ضرب الأمثال على صحة هذه القاعدة وأن (مع) في اللغة تدل على المقارنة المطلقة لا على المحاذاة والمماسة: (مازلنا نسير والقمر معنا) ، ومعلوم أن القمر ليس مخالطاً ولا محاذياً ولا مماساً لمن قالوا بهذا القول، قال: (أو النجم معنا، ويقال: هذا المتاع معي لمجامعته لك، وإن كان فوق رأسك، فالله مع خلقه حقيقة، وهو فوق عرشه حقيقة) ، فلا تعارض بين معنى العلو ومعنى المعية. ولما كان هناك من يفهم من ذلك المعارضة بين هاتين الصفتين؛ جرى كثير من أهل العلم على ذكر الصفتين مقترنتين، فإذا ذكر بحث العلو أو الاستواء ذكر معه بحث المعية؛ ليبين عدم التعارض بين هاتين الصفتين، كما جمع الله بينهما في آية الحديد: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ .

стр. 212

أقسام المعية قال ﵀: [ثم هذه المعية تختلف أحكامها بحسب الموارد، فلما قال: ((يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا)) إلى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ ؛ دل ظاهر الخطاب على أن حكم هذه المعية ومقتضاها: أنه مطلع عليكم، شهيد عليكم، ومهيمن عالم بكم، وهذا معنى قول السلف إنه معهم بعلمه، وهذا ظاهر الخطاب وحقيقته. وكذلك في قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة:٧] الآية، ولما قال النبي ﷺ لصاحبه في الغار: (لا تحزن إن الله معنا) ، كان هذا أيضاً حقاً على ظاهره، ودلت الحال على أن حكم هذه المعية هنا معية الاطلاع والنصر والتأييد. وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨] ، وكذلك قوله لموسى وهارون: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦] هنا المعية على ظاهرها، وحكمها في هذه المواطن النصر والتأييد] .

стр. 213

المعية العامة بعد أن فرغ الشيخ ﵀ من بيان عدم التعارض بين إثبات صفة المعية، وإثبات صفة العلو، بيَّن أن المعية تطلق ويختلف معناها بحسب موردها وبحسب السياق الذي وردت فيه، فهي تدل على معنى مشترك في الجميع، إلا أنها تختص في مواردها بمعان خاصة، فقوله جل وعلا في سورة الحديد: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ ، وفي سورة المجادلة: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ ، فهذه المعية معناها معية العلم، وهي على حقيقتها، وهي التي فسرها النبي ﷺ في حديث الأوعال (والله فوق العرش ويعلم ما أنتم عليه) ، فهي معية العلم التي تقتضي تمام علمه ، وإحاطته بخلقه، وبما يجري منهم، وهذه المعية تسمى (المعية العامة) ، وهو القسم الأول من المعية، وهي مع كل شيء حيث يعلم به, فهو الظاهر والباطن والأول والآخر، وهو بكل شيء محيط.

стр. 214

المعية الخاصة القسم الثاني من أقسام المعية: المعية الخاصة التي تدل على معنى زائد على العلم والإحاطة، وهي معية النصر والتأييد والحفظ، وما إلى ذلك من المعاني التي يدل عليها هذا اللفظ في موارده، فمن ذلك: قول النبي ﷺ لصاحبه كما قص الله في كتابه: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠] ، قال: (كان هذا حقاً على ظاهره لا تأويل فيه ولا تحريف، ودلت الحال على أن حكم هذه المعية يخالف حكم المعية السابقة) ، فإن حكم المعية في الآيتين السابقتين: الإحاطة والعلم، أما هنا فهو أمر زائد على الإحاطة والعلم، وهي معية الاطلاع والنصر والتأييد والحفظ، وما إلى ذلك من المعاني. قال: (وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ ، وقوله: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ قال: (هنا المعية على ظاهرها، وحكمها في هذه المواطن النصر والتأييد) ، وهذا هو القسم الثاني من أقسام المعية، وهي المعية الخاصة التي لا تكون إلا لعباد الله الصالحين؛ من المحسنين، والمتقين، والمرسلين. وهي تختلف باختلاف الإحسان التقوى، فعلى قدر تحقق هذه الأوصاف التي أخبر الله فيها بأنه مع أهلها تتحقق المعية لهم.

стр. 215

اختلاف دلالة المعية بحسب موضعها وسياق ذكرها [وقد يدخل على صبي من يخيفه فيبكي، فيشرف عليه أبوه من فوق السقف فيقول: لا تخف؛ أنا معك، أو أنا هنا، أو أنا حاضر، ونحو ذلك. ينبهه على المعية الموجبة بحكم الحال دفع المكروه، ففرق بين معنى المعية وبين مقتضاها، وربما صار مقتضاها من معناها، فيختلف باختلاف المواضع. فلفظ المعية قد استعمل في الكتاب والسنة في مواضع، يقتضي في كل موضع أموراً لا يقتضيها في الموضع الآخر، فإما أن تختلف دلالتها بحسب المواضع، أو تدل على قدر مشترك بين جميع مواردها، وإن امتاز كل موضع بخاصية؛ فعلى التقديرين ليس مقتضاها أن تكون ذات الرب مختلطة بالخلق، حتى يقال: قد صرفت عن ظاهرها] . أي: سواء قلنا: إن المعية في كل موضع تختص بمعنى خاص، أو: إن المعية تشترك في هذه المواضع كلها بمعنى عام مشترك، وفي كل موضع تختص بمعنى خاص بها مع وجود المعنى العام المشترك، فعلى كلا التقديرين ليست هذه الصفة معارضة لما ثبت من علو الله على خلقه، (وليس مقتضاها أن تكون ذات الرب مختلطة بالخلق، حتى يقال: قد صرفت عن ظاهرها) .

стр. 216

الألفاظ المتواطئة تشترك في أصل المعنى وإن اختلفت بحسب المورد

стр. 217

الربوبية العامة والربوبية الخاصة قال: [ونظيرها من بعض الوجوه: (الربوبية، والعبودية) ، فإنهما وإن اشتركتا في أصل الربوبية والعبودية، فلما قال: ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف:١٢١-١٢٢] ؛ كانت ربوبية موسى وهارون لها اختصاص زائد على الربوبية العامة للخلق، فإن من أعطاه الله من الكمال أكثر مما أعطى غيره؛ فقد ربه ورباه ربوبية وتربية أكمل من غيره] . أي أن إضافة معنى الربوبية إلى جميع الخلق ليس كإضافته إلى بعض الخلق، فإن الربوبية هي الإصلاح والرعاية والتنمية والتدبير، وربوبية الله للعالمين ليست على درجة واحدة، فربوبيته لعموم الخلق ليست كربوبيته لموسى وهارون ولأوليائه الصالحين من عباده المتقين، بل هي متفاوتة، فكذلك المعية، وهذا وجه ذكر الربوبية هنا، وهو تنظير المعية بها، فالمعية معناها العام مشترك، لكنها تختص في كل موضع بمعنى يقتضيه ذلك المورد أو ذلك الموضع؛ فكذلك الربوبية كما في قوله: ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ، وقوله: ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ فالربوبية هنا في موسى وهارون ليست هي الربوبية التي أضيفت للعالمين على العموم، بل هي أمر زائد على ذلك المعنى.

стр. 218

العبودية العامة والعبودية الخاصة قال ﵀: [وكذلك قوله: ﴿عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً﴾ [الإنسان:٦] ، وقوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً﴾ [الإسراء:١] فإن العبد تارة يعنى به المعبَّد فيعم الخلق] . وذلك كما يقال: طريق معبَّدة أي: مذللة، فالخلق كلهم عبيد لله بهذا المعنى العام، أي: أنهم ذليلون لله لا مناص لهم ولا إمكانية أن يخرجوا عن أحكامه القدرية الكونية. قال: [كما في قوله: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً﴾ [مريم:٩٣] ،وتارة يعنى به العابد؛ فيختص، ثم يختلفون] . المراد: العابد بالأمر الشرعي الديني، لا العابد بالأمر الكوني القدري، فالعابد بالأمر الكوني القدري يدخل في مثل قوله: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً﴾ ، ويدخل في ذلك الكفار والمشركون وأهل الكتاب والنصارى، والمحادون لله ورسوله، لكن المعنى الخاص في مثل قوله: ﴿عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً﴾ المقصود: أهل العبادة الشرعية الدينية الذين امتثلوا أمر الله الشرعي فقاموا به، وكذا قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً﴾ فهنا العبودية التي وصف بها النبي ﷺ هي أعلى أنواع العبادة الدينية الشرعية التي تطلق ويراد بها العابد. قال: [فمن كان أعبد علماً وحالاً كانت عبوديته أكمل، فكانت الإضافة في حقه أكمل مع أنها حقيقة في جميع المواضع، ومثل هذه الألفاظ يسميها بعض الناس (مشككة) ؛ لتشكك المستمع فيها هل هي من قبيل الأسماء المتواطئة أو من قبيل المشتركة في اللفظ فقط؟] . الأسماء المتواطئة هي: ما اتحد لفظه ومعناه، كالإنسان يطلق على زيد وعمرو ومحمد وعلي بمعنى واحد، فاللفظ واحد والمعنى واحد، أو من قبيل المشتركة في اللفظ فقط دون المعنى، فهي مشتركة في اللفظ لكن معناها يختلف باختلاف الأفراد، فتقول مثلاً: نور القمر ونور الشمس ونور المصباح، فمعنى النور في هذه الإضافات مختلف، وذلك من جهة القوة والشدة والضعف، وما إلى ذلك. [والمحققون يعلمون أنها ليست خارجة عن جنس المتواطئة] . لأن اللفظ المشكِكِ داخل في الأسماء المتواطئة، وهي ما اتحد لفظه ومعناه. [إذ واضع اللغة إنما وضع اللفظ بإزاء القدر المشترك، وإن كانت نوعاً مختصاً من المتواطئة، فلا بأس بتخصيصها بلفظ] . فالعبودية فيها معنى مشترك وهو الذلة، لكن هذا المعنى يختلف، فالعابد لله شرعاً تحقق فيه كمال العبودية القدرية التي يشترك فيها جميع المخلوقات، وتحقق فيه العبادة الخاصة وهي العبادة الشرعية التي يتميز بها عباد الله، فالمعنى المشترك موجود بين من تعبد لله شرعاً، وبين من لم يتعبد له شرعاً، أي: أن الكافر والمؤمن يشتركان في أنهما عبدان لله، من جهة أن أمر الله الكوني القدري يمضي عليهما، لكن المؤمن تميز بأنه تعبد لله شرعاً: أطاع أمره ونهيه، فتميزه بالعبادة الشرعية لا يخرجه عن وصف العبودية؛ هذا معنى كلامه.

стр. 219

إضافة المعية إلى المخلوقات والاستواء إلى العرش قال ﵀: [ومن علم أن المعية تضاف إلى كل نوع من أنواع المخلوقات -كإضافة الربوبية مثلاً- وأن الاستواء على الشيء ليس إلا للعرش] . فالاستواء لا يضاف إلا للعرش، لكن المعية والربوبية والعبودية تضاف إلى عموم الخلق. [وأن الله يوصف بالعلو والفوقية الحقيقية، ولا يوصف بالسفول ولا بالتحتية قط لا حقيقة ولا مجازاً؛ علم أن القرآن على ما هو عليه من غير تحريف] . فإثبات هذه الصفات على الوجه الذي دلت عليه ألفاظ الكتاب والسنة، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، وأنه لا اضطراب بينها ولا تناقض بينها في إثبات ما أثبتته، وما حوته من معان هو الواجب. فاللفظ المتواطئ هو: ما اتحد لفظه ومعناه مثل الإنسان، أنا ذكرت لكم النور في المشترك، وهذا غلط، النور في المتواطئ؛ لأنه متحد لفظاً ومعنىً لكن القدر مختلف، لكن المثال الصحيح للمشترك هو المشتري أو العين, المشتري يطلق على الذي أخذ الشيء بثمن، ويطلق على الكوكب، فاللفظ واحد والمعنى مختلف، والعين تطلق على الذهب، وتطلق على الماء، وتطلق على العين الباصرة, فاللفظ واحد والمعنى مختلف. إذاً: المشترك ما اتحد لفظه فقط، وأما المتواطئ فهو ما اتحد لفظه ومعناه مثل الإنسان، ومثل النور. نقف على هذا والله تعالى أعلم.

стр. 220

شرح الفتوى الحموية [٢٨] عقيدة أهل السنة والجماعة الإيمان بأن الله مستو على عرشه حقيقة، واستواءه لا ينافي معيته لخلقه، ومنهج السلف في صفات الله عموماً نفي الكيف وتفويضه، وإثبات المعنى المتبادر إثباتاً يليق بجلال الله ، ومن ادعى غير ذلك فهو مخطئ أو كاذب. وقد انتشرت حكاية عن مذهب السلف وهي: (أمروها كما جاءت) وفهم منها غير مرادهم، وقد بين شيخ الإسلام خطأ من يظن أن السلف مفوضة أو مؤولة.

стр. 221

استواء الله على العرش وكونه في السماء لا يفهم منه الحصر والاحتواء بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فيقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في سياق كلامه على المعية: [ثم من توهم أن كون الله في السماء بمعنى أن السماء تحيط به وتحويه فهو كاذب إن نقله عن غيره، وضال إن اعتقده في ربه، وما سمعنا أحداً يفهم هذا من اللفظ، ولا رأينا أحداً نقله عن واحد، ولو سئل سائر المسلمين: هل تفهمون من قول الله ورسوله (إن الله في السماء) أن السماء تحويه، لبادر كل أحد منهم إلى أن يقول: هذا شيء لعله لم يخطر ببالنا! وإذا كان الأمر هكذا، فمن التكلف أن يجعل ظاهر اللفظ شيئاً محالاً لا يفهمه الناس منه، ثم يريد أن يتأوله، بل عند المسلمين أن الله في السماء وهو على العرش واحد، إذ السماء إنما يراد به العلو، فالمعنى أن الله في العلو لا في السُفل، وقد علم المسلمون أن كرسيه وسع السماوات والأرض] . المؤلف ﵀ يجيب على ما قد أثاره بعض المتكلمين، أو شكك فيه بعض المشككين، من أن السماء تحويه أو تحيط به إذا قيل بالاستواء، أو أنه تعالى في السماء، فبين أن المقصود أنه في العلو، فقوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] أي: أأمنتم من في العلو؛ لأن السماء اسم جنس لما علا، ولذلك قال المؤلف ﵀: (إذ السماء إنما يراد به العلو) وليس المراد ما توهمه المتوهمون من أنه تحيط به السماء، أو ما إلى ذلك من الظنون الكاذبة والأقوال الباطلة. ثم إن هذا الظاهر الذي يزعمونه في قوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ لا يأتي إلا على آراء هؤلاء المشككين، أما أهل اللسان وأهل الإسلام فإنهم لا يقولون بهذا، ولا يوردون هذا على ظنونهم ولا على آرائهم؛ لأن الله العلي الكبير، فلا يحيط به شيء، بل هو جل وعلا محيط بكل شيء. قال: [وقد علم المسلمون أن كرسيه وسع السماوات والأرض، وأن الكرسي في العرش كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وأن العرش خلق من مخلوقات الله لا نسبة له إلى قدرة الله وعظمته، فكيف يتوهم بعد هذا أن خلقاً يحصره ويحويه؟] . مخلوقاته جل وعلا تحيط بالسماوات والأرض كما قال في الكرسي: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة:٢٥٥] ، وكرسيه إلى عرشه كحلقة ملقاة بأرض فلاة، فكيف به جل وعلا وهو الكبير المتعال؟ فتعالى الله عن هذه الظنون التي ظنها هؤلاء علواً كبيراً، فإنه أبطل هذا المعنى بأنه -أولاً- لا يرد على أذهان أهل الإسلام، بل لو سألت سائر أهل الإسلام لما ورد على أذهانهم هذا. ثانياً: أن اللغة لا تدل عليه، إذ أنه في اللغة يراد بالسماء العلو. ثالثاً: أنه إذا كان بعض مخلوقاته وسع السماوات والأرض فكيف به . [وقد قال سبحانه: ﴿وَلأصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه:٧١] ، وقال: ﴿فَسِيرُوا فِي الأرْضِ﴾ [آل عمران:١٣٧] بمعنى (على) ونحو ذلك، وهو كلام عربي حقيقة لا مجازاًَ، وهذا يعلمه من عرف حقائق معاني الحروف، وأنها متواطئة في الغالب لا مشتركة] . هذا هو المعنى الثاني الذي يمكن أن تفسر به الآية: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ أي: أأمنتم من على السماء، وليس المراد أن السماء تحويه كقوله: ﴿وَلأصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ ومعلوم أنه لم يشق النخل ويضعهم فيها، وإنما علقهم عليها، وهكذا قوله: ﴿فَسِيرُوا فِي الأرْضِ﴾ والمراد سيروا عليها لا بداخلها.

стр. 222

الكلام على قول السلف (أمروها كما جاءت) ونحو ذلك قال: [وكذلك قوله ﷺ : (إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الله قبل وجهه فلا يبصق قبل وجهه) الحديث حق على ظاهره، وهو سبحانه فوق العرش، وهو قبل وجه المصلي، بل هذا الوصف يثبت للمخلوقات، فإن الإنسان لو أنه يناجي السماء، أو يناجي الشمس والقمر، لكانت السماء والشمس والقمر فوقه، وكانت أيضاً قبل وجهه. وقد ضرب النبي ﷺ المثل بذلك -ولله المثل الأعلى- ولكن المقصود بالتمثيل بيان جواز هذا وإمكانه، لا تشبيه الخالق بالمخلوق، فقال النبي ﷺ : (ما منكم من أحد إلا سيرى ربه مخلياً به، فقال له أبو رزين العقيلي: كيف يا رسول الله! وهو واحد ونحن جميع؟ فقال النبي ﷺ : سأنبئك بمثل ذلك في آلاء الله، هذا القمر كلكم يراه مخلياً به، وهو آية من آيات الله؛ فالله أكبر) أو كما قال النبي ﷺ . وقال: (إنكم سترون ربكم كما ترون الشمس والقمر) فشبه الرؤية بالرؤية، وإن لم يكن المرئي مشابهاً للمرئي، فالمؤمنون إذاً رأوا ربهم يوم القيامة وناجوه، كل يراه فوقه قبل وجهه كما يرى الشمس والقمر، ولا منافاة أصلاً. ومن كان له نصيب من المعرفة بالله، والرسوخ في العلم بالله يكون إقراره للكتاب والسنة على ما هما عليه أوكد. واعلم أن من المتأخرين من يقول: مذهب السلف إقرارها على ما جاءت به، مع اعتقاد أن ظاهرها غير مراد، وهذا اللفظ مجمل، فإن قوله: ظاهرها غير مراد يحتمل أنه أراد بالظاهر نعوت المخلوقين وصفات المحدثين، مثل أن يراد بكون أن الله قبل وجه المصلي أنه مستقر في الحائط الذي يصلي إليه، و (إن الله معنا) ظاهره أنه إلى جانبنا ونحو ذلك، فلا شك أن هذا غير مراد، ومن قال: إن مذهب السلف أن هذا غير مراد فقد أصاب في المعنى، لكن أخطأ بإطلاق القول بأن هذا ظاهر الآيات والأحاديث، فإن هذا المحال ليس هو الظاهر على ما قد بيناه في غير هذا الموضع. اللهم إلا أن يكون هذا المعنى الممتنع صار يظهر لبعض الناس، فيكون القائل لذلك مصيباً بهذا الاعتبار معذوراً في هذا الإطلاق، فإن الظهور والبطون قد يختلف باختلاف أحوال الناس وهو من الأمور النسبية، وكان أحسن من هذا أن يبين لمن اعتقد أن هذا هو الظاهر أن هذا ليس هو الظاهر؛ حتى يكون قد أعطى كلام الله وكلام رسوله حقه لفظاً ومعنى] .

стр. 223

المعنى الأول المغلوط في الحكاية عن السلف بأن ظاهر نصوص الصفات غير مراد هذا المعنى الأول من قول القائل: إن مذهب السلف إقرار النصوص على ما جاءت به، مع اعتقاد أن ظاهرها غير مراد, والشيخ ﵀ فصل الإطلاق في قول القائل: (ظاهرها غير مراد) فإن هذا لفظ مجمل يحتاج إلى تفصيل، وهذا هو شأن الشيخ ﵀ في كثير من الألفاظ المجملة التي تحتمل حقاً وباطلاً، هذا معنى قوله: (مجمل) أي: أنه يشتمل على حق وباطل، ففي مثل هذه الألفاظ المجملة يجب الاستفصال، فلا تُثبت مطلقاً، ولا تنفى مطلقاً، بل يفصل. قال: (فإن قوله: ظاهرها) أي: نصوص الصفات (غير مراد، يحتمل أنه أراد بالظاهر نعوت المخلوقين وصفات المحدثين) يعني: يحتمل أن مراده بظاهرها ما يفهم من هذه النصوص من أنها كصفات المخلوقين، فالسمع الذي أثبته الله لنفسه والبصر الذي أثبته الله لنفسه إذا كان ظاهرها الذي يشير إليه صاحب هذه المقولة أنها كسمع الناس وبصرهم، فلاشك أن إطلاقه صحيح، ثم يقال: يناقش في هل هذا هو ظاهر النصوص أو لا؟ فهذا الذي عناه ليس هو ظاهرها، مع أنه إذا كان هذا مراده فهل هذا إطلاق صحيح أم لا؟ إذا كان يراد أن ظاهر النصوص -في قوله: (وظاهرها غير مراد) - المماثلة فإن نفيه صحيح، أي: فقوله: (ظاهرها غير مراد) صحيح، لكن يناقش في أمرين: يناقش أولاً: في أن هذا لفظ مجمل ينبغي ألا يطلق، بل يفصل ويبين المعنى المراد. ويناقش ثانياً: في أن هذا اللفظ هل ظاهره يقتضي المماثلة أو لا؟ ولا شك أن ظاهر النصوص لا تقتضي المماثلة؛ لأن الخالق له ما يناسبه، والمخلوق له ما يناسبه، وقد بين ذلك بياناً واضحاً في قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] . (مثل أن يراد بكون الله قبل وجه المصلي أنه مستقر في الحائط الذي يصلي إليه، و (أن الله معنا) ظاهره أنه إلى جانبنا ونحو ذلك، فلاشك أن هذا غير مراد، ومن قال: إن مذهب السلف أن هذا غير مراد فقد أصاب المعنى) . انظر إلى دقة كلام الشيخ: (أصاب في المعنى ولم يصب في اللفظ) ، يعني: لم يصب في قوله: (ظاهرها غير مراد) ؛ لأن هذا لفظ مجمل يحتمل حقاً وباطلاً، لكن الخطأ بإطلاق القول بأن هذا ظاهر الآيات والأحاديث. غير مراد، فإن هذا المحال ليس هو الظاهر على ما قد بيناه في غير هذا الموضع. ثم استدرك الشيخ ﵀ فقال: (اللهم إلا أن يكون هذا المعنى الممتنع صار يظهر لبعض الناس) كأن يكون هذا في بعض البلدان أو في بعض الأماكن أو في بعض الجماعات، فيظهر لهم من هذا اللفظ ما ذكروه، فهنا يكون الإطلاق صائباً باعتبار؛ لأنه ظاهر بالنسبة لهم، ولذلك قال: (فيكون القائل لذلك مصيباً بهذا الاعتبار معذوراً في هذا الإطلاق، فإن الظهور والبطون قد يختلف باختلاف أحوال الناس، وهو من الأمور النسبية، فيخفى على شخص ما يظهر لغيره، ويظهر له ما يخفى على غيره) وكان أحسن من هذا أن يبين أن هذا ليس هو الظاهر، ولا تطلق مثل هذه العبارات حتى يكون قد أعطى كلام الله وكلام رسوله حقه لفظاً ومعنى.

стр. 224

المعنى الثاني لما يحكى عن السلف من قولهم (ظاهرها غير مراد) [وإن كان الناقل عن السلف أراد بقوله: الظاهر غير مراد عندهم، أن المعاني التي تظهر من هذه الآيات والأحاديث مما يليق بجلال الله وعظمته، ولا يختص بصفة المخلوقين، بل هي واجبة لله أو جائزة عليه جوازاً ذهنياً، أو جوازاً خارجياً غير مراد، فهذا قد أخطأ فيما نقله عن السلف، أو تعمد الكذب، فما يمكن لأحد قط أن ينقل عن واحد من السلف ما يدل -لا نصاً ولا ظاهراً- أنهم كانوا يعتقدون أن الله ليس فوق العرش، ولا أن الله ليس له سمع ولا بصر ولا يد حقيقة. وقد رأيت هذا المعنى ينتحله بعض من يحكيه عن السلف، ويقولون: إن طريقة أهل التأويل هي في الحقيقة طريقة السلف؛ بمعنى أن الفريقين اتفقوا على أن هذه الآيات والأحاديث لم تدل على صفات الله ، ولكن السلف أمسكوا عن تأويلها، والمتأخرون رأوا المصلحة في تأويلها لمسيس الحاجة إلى ذلك، ويقولون: الفرق بين الطريقين: أن هؤلاء قد يعينون المراد بالتأويل، وأولئك لا يعينون لجواز أن يراد غيره. وهذا القول على الإطلاق كذب صريح على السلف. أما في كثير من الصفات فقطعاً: مثل أن الله تعالى فوق العرش، فإن من تأمل كلام السلف المنقول عنهم -الذي لم يحك هنا عشره- علم بالاضطرار أن القوم كانوا مصرحين بأن الله تعالى فوق العرش حقيقة، وأنهم ما اعتقدوا خلاف هذا قط، وكثير منهم قد صرح في كثير من الصفات بمثل ذلك] . هذا الاحتمال الثاني لهذا الإطلاق الظاهر غير المراد عندهم, وهو: (أن المعاني التي تظهر من هذه الآيات والأحاديث مما يليق بجلال الله وعظمته، ولا تختص بصفة المخلوقين، بل هي واجبة) يعني: أن النصوص التي احتوت الصفات التي لا نقص فيها بوجه من الوجوه، وأنها تليق بالله ، وهي من صفاته الواجبة أو من صفاته الجائزة, من قال: إن هذه النصوص التي احتوت هذه الصفات أن ظاهرها غير مراد فقد أخطأ وقد ضل، لأن ظاهر النصوص في مثل هذا لاشك أنه مراد؛ لأن الله خاطب الناس بلسان عربي مبين، فلا يجوز لأحد أن يصرف هذا الظاهر ويقول: إن ظاهر النصوص غير مراد، بل ظاهر النصوص مراد يجب الإيمان به، وإلا لما كان في كلام الله ولا في كلام رسوله ﷺ فائدة، إذا كان ظاهر كلامه وكلام رسوله ﷺ غير مراد.

стр. 225

خطأ من يظن أن السلف مؤولة لكن لم يتكلموا لاحتمال غير تأويلهم إذاً: فهمنا المعنى الباطل من قوله: (الظاهر غير مراد) أي: أن المعاني الصحيحة التي اشتملت عليها هذه الآيات وهذه الصفات غير صحيحة, هذا المعنى الباطل الذي احتملته هذه اللفظة والسلف منه براء، ولذلك قال: (فهذا قد أخطأ فيما نقله عن السلف أو تعمد الكذب) وهذا من العدل، أن تذكر جميع الاحتمالات، إما أن يكون أخطأ فيما نقله بأن وقف على نصوص فهم منها أن السلف لم يتطرقوا للمعاني ولم يثبتوا ظاهرها، أو أنه كذب عليهم بعد مطالعته لما ذكروه ﵏ من إثبات معاني الصفات, فما يمكن لأحد قط أن ينقل عن واحد من السلف ما يدل لا نصاً ولا ظاهراً أنهم كانوا يعتقدون أن الله ليس فوق العرش، ولا أن الله ليس له سمع وبصر ويد حقيقة, فذكر ﵀ الصفات الذاتية، وذكر الصفات الخبرية، وذكر الصفات الفعلية, فقوله: (أنهم كانوا يعتقدون أن الله ليس فوق العرش) هذا فيه إثبات الصفات الفعلية؛ لأنه استوى على العرش بعد أن لم يكن (ولا أن الله ليس له سمع ولا بصر) وهذا في الصفات الذاتية، ويد حقيقة هذه من الصفات الخبرية. [وقد رأيت هذا المعنى ينتحله بعض من يحكيه عن السلف، ويقولون: إن طريقة أهل التأويل هي في الحقيقة طريقة السلف] وهذا ليس بصحيح, طريقة أهل التأويل طريقة محدثة مبتدعة، نهى عنها السلف، وهي لا توصل إلى علم ولا إلى معرفة بالله قال: [بمعنى: أن الفريقين اتفقوا على أن هذه الآيات والأحاديث لم تدل على صفات الله ] لكنهم اختلفوا في كيفية التعامل مع هذه النصوص، فالمتأخرون خاضوا في هذه النصوص وأولوها وصرفوها عن ظاهرها، وأما السلف -على قول هذا- فإنهم أمسكوا عن هذه النصوص ومعانيها، وفوضوها دون نظر إلى معانيها، وإنما قالوا: الظاهر غير مراد. يقول: [ولكن السلف سكتوا عن تأويلها -وهو مذهب المفوضة- والمتأخرون رأوا المصلحة في تأويلها لمسيس الحاجة إلى ذلك، ويقولون: الفرق بين الطريقين أن هؤلاء قد يعينون المراد بالتأويل، وأولئك لا يعينون لجواز أن يراد غيره، وهذا القول على الإطلاق كذب صريح على السلف] وهذا الكلام من الشيخ ﵀ عود على بدء، عود على ما تقدم في أول الرسالة من إبطال قول من قال: إن السلف يسلكون مسلك التفويض في باب الأسماء والصفات. قال ﵀: [وهذا القول على الإطلاق كذب صريح على السلف، أما في كثير من الصفات فقطعاً] لأنه ورد عنهم ﵏ تفسير هذه الصفات, فلما ورد عنهم تفسير هذه الصفات علم منه أن السلف يثبتون هذه الصفات ويثبتون معانيها، وأن من قال: إن السلف أولوا ولم يخوضوا في المعاني فهذا كذب عليهم، وضرب أمثلة لما فسره الصحابة والتابعون ﵃، قال: [مثل أن الله تعالى فوق العرش، فإن من تأمل كلام السلف المنقول عنهم -الذي لم يحك هنا عشره- علم بالاضطرار أن القوم كانوا مصرحين بأن الله فوق العرش حقيقة، وأنهم ما اعتقدوا خلاف هذا قط، وكثير منهم قد صرح في كثير من الصفات بمثل ذلك] . يعني: صرحوا بحقيقة معانيها وأن معانيها مرادة. نسأل الله أن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح.

стр. 226

شرح الفتوى الحموية [٢٩] التزم السلف الصالح رضوان الله عليهم في باب الأسماء والصفات بما جاء في الكتاب والسنة، غير مؤولين ولا محرفين، ومع ذلك اتهموا بالعظائم زوراً من قبل أهل البدع، وما ضرهم ذلك.

стр. 227

الواجب في باب الأسماء والصفات بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: قال رحمه الله تعالى: [والله يعلم أني بعد البحث التام، ومطالعة ما أمكن من كلام السلف ما رأيت كلام أحد منهم يدل -لا نصاً ولا ظاهراً ولا بالقرائن- على نفي الصفات الخبرية في نفس الأمر، بل الذي رأيته أن كثيراً من كلامهم يدل -إما نصاً وإما ظاهراً- على تقرير جنس هذه الصفات، ولا أنقل عن كل واحد منهم إثبات كل صفة، بل الذي رأيته أنهم يثبتون جنسها في الجملة، وما رأيت أحداً منهم نفاها، وإنما ينفون التشبيه، وينكرون على المشبهة الذين يشبهون الله بخلقه، مع إنكارهم على من ينفي الصفات أيضاً، كقول نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري: من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس ما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيهاً. وكانوا إذا رءوا الرجل قد أغرق في نفي التشبيه من غير إثبات الصفات قالوا: هذا جهمي معطل، وهذا كثير جداً في كلامهم، فإن الجهمية والمعتزلة إلى اليوم يسمون من أثبت شيئاً من الصفات مشبهاً، كذباً منهم وافتراءً، حتى إن منهم من غلا ورمى الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم بذلك، حتى قال ثمامة بن الأشرس من رؤساء الجهمية: ثلاثة من الأنبياء مشبهة: موسى حيث قال: ﴿إِنْ هِيَ إِلا فِتْنَتُكَ﴾ [الأعراف:١٥٥] ، وعيسى حيث قال: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة:١١٦] ومحمد ﷺ حيث قال: (ينزل ربنا) وحتى إن جل المعتزلة تدخل عامة الأئمة: مثل مالك وأصحابه، والثوري وأصحابه، والأوزاعي وأصحابه، والشافعي وأصحابه، وأحمد وأصحابه، وإسحاق بن راهويه، وأبي عبيد وغيرهم في قسم المشبهة] . هذا المقطع الذي سمعناه، فيه أن الشيخ ﵀ لم يقف على من نفى الصفات الخبرية من السلف ﵏، وذلك في جميع ما أثر وجاء عنهم، لا في نص كلامهم ولا ظاهره، ولا بالقرائن التي تحتف بالنصوص، فمذهب السلف ﵏ هو إثبات هذه الصفات لله ، وهي الصفات الخبرية، كمذهبهم في الصفات الفعلية والذاتية، ونص على الصفات الخبرية؛ لأن كثيراً من المتكلمين يشغبون على أهل السنة والجماعة في إثباتها، ويسمونهم بما وسموهم به ووصفوهم به من التشبيه والتمثيل؛ لأنهم لم يعقلوا من تلك الصفات الخبرية كالوجه واليدين والعين والقدم والأصابع إلا ما عرفوه من المخلوق، فقالوا: إن إثباتها يقتضي التشبيه والتجسيم، ويقتضي التركيب، هذه شبهتهم الكبرى التي صرفتهم عن إثبات هذه النصوص، فلما اعتقدوا أن هذه النصوص تقتضي التجسيم والتركيب، وأنها تقتضي التشبيه أو التمثيل، نفوها وسموا من أثبتها مجسمة أو مشبهة أو حشوية، أو غير ذلك من الأسماء التي سموا بها أهل السنة والجماعة. وأهل السنة والجماعة ﵏ كما أنهم أثبتوا الصفات على الوجه الذي يليق بالله ، وكما أخبر في كتابه، وأخبر نبيه ﷺ في سنته، فإنهم أنكروا على الممثلة الذين قالوا بأن صفات الخالق كصفات المخلوق, أنكروا عليهم ذلك أشد الإنكار، فهم جمعوا في عقدهم الذي دانوا به رب العالمين في باب الأسماء والصفات بين الإثبات الموصوف بأنه من غير تعطيل ولا تأويل، ومن غير تكييف ولا تمثيل, فهم نفوا هاتين البدعتين، فهم ﵏ وسط بين الممثلة وبين المعطلة، ونقل عن نعيم بن حماد هذا القول: من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، فكلا هذين السبيلين ضلال عن سواء السبيل، وأخذ بنصيب من البدعة في باب الأسماء والصفات، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيهاً، بل تثبت على الوجه الذي وردت به من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، هذا الواجب في باب الأسماء والصفات. ثم قال عنهم ﵏: (وكانوا إذا رءوا الرجل قد أغرق في نفي التشبيه من غير إثبات الصفات، قالوا: هذا جهمي معطل) وهذا الوصف يصف به أهل السنة والجماعة جميع المتكلمة، فاسم الجهمية يطلقه السلف على كل من عطل في باب الأسماء والصفات، سواء كان تعطيله كلياً كالجهمية الذين ينفون الأسماء والصفات، أو كالمعتزلة الذين ينفون الصفات ويثبتون الأسماء, أو كالأشاعرة الذين يثبتون الأسماء وبعض الصفات، فقولهم: هذا جهمي معطل، أي: هذا متكلم ضل عن طريق السلف في باب الأسماء والصفات، فأول وحرف، ويقولون هذا كثيراً جداً في كلامهم، وذلك أن الجهمية كانوا يغلون في نفي التشبيه، ولكنهم لا يثبتون الصفات، فاستدل أهل السنة والجماعة على من سلك هذه الطريق أنه جهمي معطل. قال: (فإن الجهمية والمعتزلة) ومقصوده بالجهمية هنا من نفى الأسماء والصفات؛ لأنه قرنهم بالمعتزلة، والمعتزلة الذين نفوا الصفات إلى اليوم يسمون من أثبت شيئاً من الصفات مشبهاً؛ كذباً منهم وافتراء (حتى إن منهم من غلا ورمى الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم بذلك -أي: بالتشبيه- حتى قال ثمامة بن الأشرس: ثلاثة من الأنبياء مشبهة) فإذا كان طريق الأنبياء هو التشبيه باعترافهم فلا طريق يوصل إلى مرضاة رب العالمين إلا الطريق الذي سلكه الرسل صلوات الله وسلامه عليهم؛ إذ أنهم الأدلاء على الله جل وعلا، فهم الذين دلوا الخلق على ربهم، وعرفوهم به . ثم ذكر أن جل المعتزلة يعد أئمة الإسلام الكبار من المشبهة, فدل ذلك على أن المعتزلة يقرون بأن طريق السلف طريق الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وطريق أئمة الدين هو ما كان عليه السلف ﵏ من إثبات الصفات من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل.

стр. 228

ما اتُّهم به أهل السنة من قِبَل أهل البدع قال: [وقد صنف أبو إسحاق إبراهيم بن عثمان بن درباس الشافعي جزءاً أسماه: تنزيه أئمة الشريعة عن الألقاب الشنيعة، ذكر فيه كلام السلف وغيرهم في معاني هذا الباب، وذكر أن أهل البدع كل صنف منهم يلقب أهل السنة بلقب افتراه -يزعم أنه صحيح على رأيه الفاسد- كما أن المشركين كانوا يلقبون النبي بألقاب افتروها. فالروافض تسميهم نواصب، والقدرية يسمونهم مجبرة، والمرجئة تسميهم شكاكاً، والجهمية تسميهم مشبهة، وأهل الكلام يسمونهم حشوية، ونوابت، وغثاء، وغثراً، إلى أمثال ذلك. كما كانت قريش تسمي النبي ﷺ تارة مجنوناً، وتارة شاعراً، وتارة كاهناً، وتارة مفترياً. قالوا: فهذه علامة الإرث الصحيح، والمتابعة التامة، فإن السنة هي ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه اعتقاداً واقتصاداً، وقولاً وعملاً، فكما أن المنحرفين عنه يسمونهم بأسماء مذمومة مكذوبة -وإن اعتقدوا صدقها بناءً على عقيدتهم الفاسدة- فكذلك التابعون له على بصيرة الذين هم أولى الناس به في المحيا والممات، باطناً وظاهراً. وأما الذين وافقوه ببواطنهم وعجزوا عن إقامة الظواهر، والذين وافقوه بظواهرهم وعجزوا عن تحقيق البواطن، والذين وافقوه ظاهراً وباطناً بحسب الإمكان فلابد للمنحرفين عن سنته أن يعتقدوا فيهم نقصاً يذمونهم به، ويسمونهم بأسماء مكذوبة -وإن اعتقدوا صدقها- كقول الرافضي: من لم يبغض أبا بكر ﵁ وعمر فقد أبغض علياً؛ لأنه لا ولاية لـ علي إلا بالبراءة منهما، ثم يجعل من أحب أبا بكر وعمر ناصبياً، بناء على هذه الملازمة الباطلة التي اعتقدها صحيحة أو عاند فيها وهو الغالب. وكقول القدري: من اعتقد أن الله أراد الكائنات، وخلق أفعال العباد، فقد سلب من العباد القدرة والاختيار، وجعلهم مجبورين كالجمادات التي لا إرادة لها ولا قدرة. وكقول الجهمي: من قال: إن الله فوق العرش فقد زعم أنه محصور، وأنه جسم مركب محدود، وأنه مشابه لخلقه. وكقول الجهمية المعتزلة: من قال: إن لله علماً وقدرةً، فقد زعم أنه جسم مركب، وأنه مشبه؛ لأن هذه الصفات أعراض، والعرض لا يقوم إلا بجوهر متحيز، وكل متحيز جسم مركب أو جوهر فرد، ومن قال ذلك فهو مشبه؛ لأن الأجسام متماثلة. ومن حكى عن الناس المقالات وسماهم بهذه الأسماء المكذوبة -بناء على عقيدته التي هم مخالفون له فيها- فهو وربه، والله من ورائه بالمرصاد: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر:٤٣]] . في هذا المقطع ذكر الشيخ ﵀ التهم التي اتهم بها أهل السنة والجماعة؛ بسبب استقامتهم على الصراط المستقيم في هذه الأبواب التي ذكرها ﵀ فقال: (ذكر فيه) يعني: في كتاب أبي إسحاق (كلام السلف وغيرهم في معاني هذا الباب، وذكر أن أهل البدع كل صنف منهم يلقب أهل السنة بلقب افتراه، يزعم أنه صحيح على رأيه) ثم شبه حال هؤلاء مع أهل السنة بحال المشركين مع النبي ﷺ , وأن ما وصف به أهل السنة والجماعة من هذه الألقاب التي تشمئز منها النفوس وتكرهها وتنفر منها ليس دليلاً على ضلال طريقهم، وخطأ سبيلهم، بل طريقهم صواب، ومقياس ذلك ومعياره هو كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .

стр. 229

الرافضة تسمي أهل السنة ناصبة قال ﵀: (فالروافض تسميهم) أي: تسمي أهل السنة (نواصب) يزعمون أن أهل السنة ناصبوا أهل البيت العداء، فسموهم بذلك أي: سموهم بهذا السبب نواصب.

стр. 230

القدرية يسمون أهل السنة مجبرة (والقدرية يسمونهم مجبرة) لأن أهل السنة والجماعة وسط بين القدرية الذين يقولون: إن الأمر أنف، وإن الله لم يخلق أفعال العباد، ولما كانت المجبرة تقابلهم فتقول: إن كل ما يصدر عن المرء مجبر عليه لا خيار له فيه ولا إرادة, فلما كان أهل السنة وسطاً بين القولين نسب القدرية أهل السنة والجماعة إلى المجبرة وهم من يقابلهم.

стр. 231

المرجئة تسمي أهل السنة شكاكاً (والمرجئة تسميهم شكاكاً) ؛ لأن المرجئة عندهم الإيمان مجرد المعرفة، ولما كان أهل السنة والجماعة يدخلون الأعمال في الإيمان فإنهم سموهم بالشكاك؛ لأن الإيمان لا يكمل إلا بالعمل، هذا وجه. ووجه آخر لأن أهل السنة والجماعة يجيزون الاستثناء في الإيمان إذا كان للتبرك، أو إذا كان بالنظر إلى العاقبة والخاتمة، فإنه لا يدري ما يختم له به هل يختم له بالإيمان أو لا، فيستثني، ففي هاتين الحالتين يجوز الاستثناء عند أهل السنة والجماعة, أما المرجئة فلا يجوز عندهم الاستثناء، ولما أجاز أهل السنة والجماعة الاستثناء في هاتين الحالتين سموهم شكاكاً، أي: أنهم شكوا في حصول الإيمان منهم.

стр. 232

الجهمية تسمي أهل السنة مشبهة قال: (والجهمية تسميهم مشبهة) ومقصوده بالجهمية هنا المعطلة من أهل الكلام عموماً من الأشاعرة والمعتزلة والجهمية وغيرهم على اختلاف درجاتهم, قال: (وأهل الكلام يسمونهم حشوية) والحشوية من الحشو وهو الفضل الذي لا خير فيه, كذا (نوابت) النوابت: جمع نابت وهو النبت الصغير مما لا نفع فيه أيضاً (وغثاء) وهو الرديء من كل شيء (وغثراً) أي: جهالاً لا يفهمون ولا يفقهون إلى أمثال ذلك (كما كانت قريش تسمي النبي ﷺ تارة مجنوناً، وتارة شاعراً، وتارة كاهناً، وتارة مفترياً) .

стр. 233

اتهام أهل البدع لأهل السنة دليل على صحة مذهبهم ثم قال ﵀: (فهذه) أي: تسمية هؤلاء الضلال لأهل السنة والجماعة بما سموهم به ورموهم به، كل هذا دليل على صحة طريقهم وسلامته، فهذا (علامة الإرث الصحيح والمتابعة التامة) ؛ لأن من صدق في متابعة النبي ﷺ والتزم بسنته فإنه مصيبه ما أصابه. قال: (فإن السنة هي ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه اعتقاداً واقتصاداً) (اعتقاداً) يعني: بالعقل (واقتصاداً) أي: استقامة في السلوك والعمل (وقولاً وعملاً, فكما أن المنحرفين عنه يسمونه بأسماء مذمومة مكذوبة وإن اعتقدوا صدقها بناء على عقيدتهم الفاسدة، وكذلك التابعون له على بصيرة، الذين هم أولى الناس به في المحيا والممات باطناً وظاهراً) أي: كذلك هم في رميهم وسبهم ونسبتهم وتسميتهم بهذه الأسماء القبيحة.

стр. 234

أقسام الناس في متابعة النبي ﷺ ثم إن الشيخ ﵀ قسم الناس في اتباعهم للنبي ﷺ إلى أقسام: منهم من يتابع النبي ﷺ في الباطن والظاهر، ومنهم: من يتابعه في الباطن دون الظاهر، ومنهم: من يتابعه في الظاهر دون الباطن، وأردأ هذه الأقسام هو من تابعه في الظاهر دون الباطن. ثم قال: (والذين وافقوه ظاهراً وباطناً بحسب الإمكان) أي: بحسب ما تبين لهم مع عدم إصابتهم لما كان عليه ﷺ , يعذرون فيما أخطئوا فيه، ويؤجرون فيما أصابوا فيه، ويكونوا من المجتهدين الذين تدور حالهم بين الأجر والأجرين, قال: (فلابد للمنحرفين عن سنته أن يعتقدوا فيهم نقصاً يذمونهم به، ويرمونهم به، ويسمونهم بأسماء مذمومة) كما ذكر ﵀. ثم فصل ما أجمل فيما تقدم فقال: (كقول الروافض: من لم يبغض أبا بكر ﵁ وعمر ﵁ فقد أبغض علياً؛ لأنه لا ولاية لـ علي إلا بالبراءة منهما) وهذا كذب وتلازم باطل، فالصحابة وأهل السنة والتابعون لهم بإحسان إلى يوم الدين يحبون أبا بكر وعمر، ويحبون علياً ولا تعارض في الجمع بين محبة هؤلاء. (ثم يجعل من أحب أبا بكر وعمر ناصبياً بناءً على هذه الملازمة الباطلة التي اعتقدها صحيحة أو عاند فيها وهو الغالب، وكقول القدرية: من اعتقد أن الله أراد الكائنات وخلق أفعال العباد فقد سلب من العبد الاختيار والقدرة، وجعلهم مجبورين كالجمادات التي لا إرادة لها ولا اختيار) والصواب خلاف هذا كما مر معنا في العقيدة الواسطية، فأهل السنة والجماعة يثبتون أن للمخلوق إرادة، ولكن هذه الإرادة لا تخرج عما أراده الله ، والمخلوق له إرادة معتبرة ليست كالجمادات، وهذه الإرادة لا تخرج عما أراده الله جل وعلا وقدره. قال: (وكقول الجهمي: من قال: إن الله فوق العرش فقد زعم أنه محصور) ؛ لأنه فوق العرش، وما كان فوق العرش فلا بد أن يكون محصوراً على زعمه، (وأنه جسم) لأن إثبات الاستواء يقتضي التجسيم, قال: (جسم مركب محدود) ؛ لأن العرش مركب محدود (وأنه مشابه لخلقه) ؛ كل هذه لوازم باطلة وخيالات فاسدة، إنما ألقاها في روعهم الشيطان الرجيم، الذي شبه عليهم بهذه الشبهات حتى يبعدهم عن طريق المرسلين (وكقول الجهمية المعتزلة: من قال: إن لله علماً وقدرة فقد زعم أنه جسم) ؛ لأنه لا يوصف بهذه الصفات إلا ما كان جسماً، (مركب) يعني: من أجزاء, وأنه مشبه، قال: (لأن هذه الصفات) وهذا تعليل ما ذكروه من لازم على إثبات العلم والقدرة، وسائر الصفات، (لأن هذه الصفات أعراض، والعرض لا يقوم إلا بجوهر متحيز، والجوهر هو حقيقة الشيء وذاته، والعرض هو ما ينتابه ويزول عنه) . ثم قال: (وكل متحيز جسم مركب، أو جوهر فرد) يعني: كل جوهر ينقسم إلى قسمين مركب أو جوهر فرد, المركب: هو المركب من أجزاء، وهو ما كان من جوهرين فردين فما فوق، هذا المركب في اصطلاح المتكلمين, وأما الجوهر الفرد: فهو الشيء الذي لا يقبل القسمة, يعني: إذا جئت بجسم فقسمته وقسمته حتى وصلت إلى جزء لا يقبل القسمة فهذا يسمى عند المتكلمين جوهراً فرداً، يعني: لا يقبل القسمة (ومن قال ذلك فهو مشبه؛ لأن الأجسام متماثلة) . ثم قال (ومن حكى عن الناس المقالات، وسماهم بهذه الأسماء المكذوبة، بناء على عقيدتهم التي هم مخالفون فيها فهو وربه) يعني: الله حسيبه، والله جل وعلا على ما يقول رقيب، وهو على ما يقول شهيد، وينبغي على العبد أن يتأنى، وأن يطلب الصواب، وألا يتهم الآخرين الموافقين للكتاب والسنة بهذه التهم الباطلة. ثم قال: (والله من ورائه بالمرصاد ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلابِأَهْلِهِ﴾ وهذا واقع، فإن الذين اتهموا أهل السنة بما اتهموهم به رجعوا إلى طريق أهل السنة والجماعة، هذا في أئمتهم فضلاً عن صغارهم الذين يعدون من الأتباع، ولا عبرة بهم. نقف على هذا، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

стр. 235

شرح الفتوى الحموية [٣٠] الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، فكما أن لله ذاتاً حقيقية لا تشبه ذوات المخلوقين، كذلك له صفات حقيقة لا تشبه صفات المخلوقين ، وإذا كان هناك بعض المخلوقات لم يعرف حقيقتها ولا كنهها كالجنة وما فيها من نعيم، والروح التي تحل في جسد المخلوق؛ فمن باب أولى أن ذات الله وصفاته لا يعلم حقيقتها إلا هو سبحانه.

стр. 236

أقسام الطوائف تجاه الصفات بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين. أما بعد: قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى رحمة واسعة: [وجماع الأمر: أن الأقسام الممكنة في آيات الصفات وأحاديثها ستة أقسام، كل قسم عليه طائفة من أهل القبلة: قسمان يقولان: تجرى على ظواهرها. وقسمان يقولان: هي على خلاف ظاهرها. وقسمان يسكتون. أما الأولون فقسمان: أحدهما من يجريها على ظاهرها ويجعل ظاهرها من جنس صفات المخلوقين، فهؤلاء المشبهة، ومذهبهم باطل أنكره السلف، وإليه توجه الرد بالحق. الثاني: من يجريها على ظاهرها اللائق بجلال الله كما يجري ظاهر اسم العليم، والقدير، والرب، والإله، والموجود، والذات، ونحو ذلك، على ظاهرها اللائق بجلال الله، فإن ظواهر هذه الصفات في حق المخلوق إما جوهر محدث وإما عرض قائم به، فالعلم، والقدرة، والكلام، والمشيئة، والرحمة، والرضا، والغضب، ونحو ذلك في حق العبد أعراض، والوجه، واليد، والعين، في حقه أجسام، فإذا كان الله موصوفاً عند عامة أهل الإثبات بأن له علماً وقدرة وكلاماً ومشيئة -وإن لم يكن ذلك عرضاً يجوز عليه ما يجوز على صفات المخلوقين- جاز أن يكون وجه الله، ويداه صفات ليست أجساماً يجوز عليها ما يجوز على صفات المخلوقين. وهذا هو المذهب الذي حكاه الخطابي وغيره عن السلف، وعليه يدل كلام جمهورهم، وكلام الباقين لا يخالفه، وهو أمر واضح] .

стр. 237

من يجعل ظاهر الصفات من جنس صفات المخلوقين في ختام هذه الرسالة أجمل الشيخ ﵀ الفرق في باب الأسماء والصفات, فقال: (وجماع الأمر أن الأقسام الممكنة في آيات الصفات وأحاديثها ستة أقسام، كل قسم عليه طائفة من أهل القبلة) أي: من أهل الإسلام الذين ينتسبون إليه، الذين يتوجهون إلى القبلة، وهذه من أوسع الألفاظ التي تشمل الفرق المنتسبة إلى الإسلام (أهل القبلة) كل من توجه للقبلة بغض النظر عما اعتقده في باب الأسماء والصفات، وغيرها من العقائد. (قسمان يقولان: تجرى على ظواهرها) أي: تجرى الأسماء والصفات وآياتها وأحاديثها على ظواهرها، (وقسمان يقولان: هي على خلاف ظاهرها, وقسمان يسكتون) ويأتي تفصيل ذلك فيما سمعنا بعضه، (أما الأولون فقسمان: أحدهما من يجريها على ظاهرها، ويجعل ظاهرها من جنس صفات المخلوقين، فهؤلاء المشبهة) أي: هؤلاء الممثلة الذين يقولون: صفات الله جل وعلا كصفات خلقه لا فرق بينها، فالسمع الذي أثبته الله لنفسه كالسمع الذي ثبت للمخلوقين وسائر الصفات، كذلك البصر وغير ذلك من الصفات، وهؤلاء قلة لنفور النفوس عن تشبيه الخالق بالمخلوق، فإن النفوس مفطورة على إجلال الله وتقديره وتعظيمه، وأنه ليس كخلقه، فلما كان الأمر كذلك كان القائلون بهذا القول قلة لا يذكرون، وقد انقرض مذهبهم، فلا ممثل بعد انقراض مذهب الكرامية.

стр. 238

من يجري الصفات على ظاهرها اللائق بجلال الله ثم قال: (ومذهبهم باطل أنكره السلف وإليه توجه الرد بالحق، أما الثاني: من يجريها على ظاهرها اللائق بجلال الله، كما يجري ظاهر اسم العليم، والقدير، والرب، والإله، والموجود، والذات) فالعليم والقدير والرب والإله كل هذه من أسماء الله ، وأما الموجود والذات فهذه ليست أسماء لله؛ لأن الأسماء مبناها على التوقيف، ولم يرد في الكتاب ولا في السنة ما يدل على أن الله يسمى بهذين الاسمين، وإنما ذكرهما الشيخ ﵀ تبعاً، وليس مراده أن الله يسمى بالموجود أو أنه يسمى بالذات. قال: (ونحو ذلك على ظاهرها اللائق بجلال الله، فإن ظواهر هذه الصفات في حق المخلوق إما جوهر محدث) جوهر تقدم لنا تفسيره في الدرس السابق وهو حقيقة الشيء، ويفسره المتكلمون بالمتحيز (إما جوهر محدث وإما عرض قائم به) يعني: قائماً بذلك الجوهر المحدث. هذا بالنسبة للمخلوق، فإثبات هذه الصفات بالنسبة للمخلوق إما جوهر محدث، وإما أعراض تقوم بهذا الجوهر، وأما بالنسبة لله فهي ليست كالتي تثبت للمخلوق، بل الذي له يليق به، ولا يلزم عليه هذه اللوازم التي يذكرونها, قال: (فالعلم والقدرة والكلام والمشيئة والرحمة والرضا والغضب ونحو ذلك في حق العبد أعراض، والوجه واليد والعين في حقه -يعني: في حق المخلوق- أجسام، -أي: جوهر- فإذا كان الله موصوفاً عند عامة أهل الإثبات بأن له علماً وقدرةً وكلاماً ومشيئةً، وإن لم يكن ذلك عرضاً يجوز عليه ما يجوز على صفات المخلوقين, جاز أن يكون وجه الله ويداه صفات ليست أجساماً يجوز عليها ما يجوز على صفات المخلوق) وهذا إلزامهم ببعض ما قالوه، فلما قالوا بجواز وصف الله بالعلم والقدرة والإرادة والحياة والكلام والمشيئة وغير ذلك من الصفات الذاتية والفعلية التي يثبتونها؛ جاز وصفه بذلك، ولم يلزم من هذا الإثبات مشابهتها لما اتصف به المخلوق، وكذلك في الصفات الخبرية كالوجه واليدين والعين وما أشبه ذلك، فلا تلازم بين إثبات هذه وبين التمثيل، بل نثبتها على الوجه الذي يليق بالله من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. قال: (فإن كان الله موصوفاً عند عامة أهل الإثبات بأن له علماً وقدرة وكلاماً ومشيئة، وإن لم يكن ذلك عرضاً يجوز عليه ما يجوز على صفات المخلوقين؛ جاز أن يكون وجه الله ويداه صفات ليست أجساماً يجوز عليها ما يجوز على صفات المخلوقين، وهذا) أي: ما تقدم (من إثبات ما أثبته الله لنفسه، وإثبات ما أثبته له رسوله ﷺ ، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، هذا هو المذهب الذي حكاه الخطابي وغيره عن السلف ﵏، وعليه) أي: على هذا (يدل كلام جمهورهم، وكلام الباقين لا يخالفه) وهذا من دقة الشيخ ﵀ وإنصافه، يدل عليه كلام جمهورهم، يعني: من نقل عنه الكلام في هذا الباب منهم أي: من السلف فإنه يدل عليه، ومن لم ينقل عنه النص على هذا فإن عموم كلامه يدل على صحة هذا المذهب، وهذا أمر واضح.

стр. 239

الأدلة على صحة ما ذهب إليه السلف من إثبات الصفات قال: [وهو أمر واضح، فإن الصفات كالذات، فكما أن ذات الله ثابتة حقيقة من غير أن تكون من جنس المخلوقات، فصفاته ثابتة حقيقية من غير أن تكون من جنس صفات المخلوقين، فمن قال: لا أعقل علماً ويداً إلا من جنس العلم واليد المعهودين، قيل له: فكيف تعقل ذاتاً من غير جنس ذوات المخلوقين؟ ومن المعلوم أن صفات كل موصوف تناسب ذاته وتلائم حقيقته، فمن لم يفهم من صفات الرب -الذي ليس كمثله شيء- إلا ما يناسب المخلوق فقد ضل في عقله ودينه] . الاستدلال بالقاعدة الأساسية في باب الأسماء والصفات هي أن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، فما يثبت في الذات يثبت في الصفات. قال: فكما أن ذات الله ثابتة حقيقة من غير أن تكون من جنس المخلوقات، فصفاته ثابتة حقيقة من غير أن تكون من جنس صفات المخلوقات.

стр. 240

الجنة ونعيمها قال ﵀: [وما أحسن ما قال بعضهم: إذا قال لك الجهمي: كيف استوى أو كيف ينزل إلى سماء الدنيا أو كيف يداه؟ ونحو ذلك، فقل له: كيف هو في نفسه؟ فإذا قال لك: لا يعلم ما هو إلا هو، وكنه الباري تعالى غير معلوم للبشر، فقل له: فالعلم بكيفية الصفة مستلزم للعلم بكيفية الموصوف، فكيف يمكن أن تعلم كيفية صفة لموصوف لم تعلم كيفيته؟ وإنما تُعلم الذات والصفات من حيث الجملة على الوجه الذي ينبغي لك، بل هذه المخلوقات في الجنة قد ثبت عن ابن عباس أنه قال: (ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء) ، وقد أخبر الله تعالى: أنه لا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين، وأخبر النبي ﷺ (أن في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر) ، فإذا كان نعيم الجنة -وهو خلق من خلق الله- كذلك فما ظنك بالخالق ؟!! وهذه الروح التي في بني آدم قد علم العاقل اضطراب الناس فيها، وإمساك النصوص عن بيان كيفيتها، أفلا يعتبر العاقل بها عن الكلام في كيفية الله تعالى؟ مع أنا نقطع بأن الروح في البدن، وأنها تخرج منه، وتعرج إلى السماء، وأنها تسل منه وقت النزع كما نطقت بذلك النصوص الصحيحة، لا نغالي في تجريدها غلو المتفلسفة ومن وافقهم، حيث نفوا عنها الصعود والنزول، والاتصال بالبدن، والانفصال عنه، وتخبطوا فيها حيث رأوها من غير جنس البدن وصفاته، فعدم مماثلتها للبدن لا ينفي أن تكون هذه الصفات ثابتة لها بحسبها، إلا أن يفسروا كلامهم بما يوافق النصوص، فيكونون قد أخطئوا في اللفظ، وأنى لهم بذلك؟] . بعد أن ذكر الشيخ ﵀ الدليل الأول على صحة ما ذهب إليه السلف، وأن إثبات الصفات لا يقتضي المماثلة، وأن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، وأن الكلام في بعض الصفات كالكلام في باقيها؛ أتى بما يدل على أن من المخلوقات ما لا تدرك حقيقته، وإن كان قد وصف بأوصاف، وذكرت له أحكام، إلا أنه لا تدرك حقيقته للجهل بحقيقة ذلك المذكور، قال: (بل هذه المخلوقات في الجنة قد ثبت عن ابن عباس أنه قال: (ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء) ، وقد أخبر الله تعالى أنه لا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين, وأخبر النبي ﷺ (أن في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر) فإذا كان نعيم الجنة هو خلق الله كذلك) يعني: لا تعلم حقيقته، ولا تدركه العقول على الحقيقة، ولا تتصوره على حقيقته (فما الظن بالخالق ؟) فالواجب إذا كان هذا في بعض المخلوقات أن يكون الخالق أولى في هذا من خلقه، وألا تصله الظنون، بل يجب على المؤمن أن يثبت ما أثبته الله لنفسه أو أثبته رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل.

стр. 241

الروح وحلولها في الجسد وبعد أن ذكر المثال الأول وهو الجنة وما أخبر من النعيم فيها ذكر مثالاً آخر وهو الروح في الدنيا، وهذه الروح التي في بني آدم قد علم العاقل اضطراب الناس فيها، وإمساك النصوص عن بيان كيفيتها، مع وجوب إثباتها، والكل يثبت الروح، ويختلفون في حقيقتها، ومع هذا لم يصلوا إلى معرفة كنهها وحقيقتها، بل لما سألوا عنها قال الله : ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلاً﴾ [الإسراء:٨٥] فأثبت الروح وبين الجهل بحقيقتها وإدراكها، وهي مخلوق من مخلوقات الله ، فالله وما أخبر به عن نفسه يجب أن يجرى على هذه الطريقة. قال: (مع أنا نقطع بأن الروح في البدن، وأنها تخرج منه وتعرج إلى السماء، وأنها تسل منه وقت النزع، كما نطقت بذلك النصوص الصحيحة، لا نغالي في تجريدها غلو المتفلسفة) أي: لا نغالي في تجريد الروح من هذه الأوصاف كما غلا (المتفلسفة ومن وافقهم حيث نفوا عنها الصعود والنزول، والاتصال بالبدن، والانفصال عنه، وتخبطوا فيها، حيث رءوها من غير جنس البدن وصفاته) فعدم مماثلتها للبدن لا ينفي أن تكون هذه الصفات ثابتة لها بحسبها, يعني: بحسب ما يناسبها ويليق بها، إلا أن يفسر كلامهم بما يوافق النصوص، فيكونون قد أخطئوا في اللفظ، وأنى لهم بذلك؟ يعني: يبعد أن يفسروا كلامهم الذي خالف النصوص على معنى يوافق النصوص. فالمقصود من هذين المثالين إثبات أن بعض المخلوقات يعرف ولا تدرك حقيقته، ولا تدرك كيفيته أو كيفية صفاته، فكذلك الله جل وعلا وما أخبر به عن نفسه, نؤمن بذلك من غير أن نطلب كيفية، ولا أن نمثل، ولا أن نؤول أو نعطل, وبهذا يكون قد انتهى القسمان الأولان وهم من يقولون: تجرى على ظواهرها. قال ﵀: [ولا نقول إنها مجرد جزء من أجزاء البدن كالدم والبخار مثلاً، أو صفة من صفات البدن والحياة، وأنها مختلفة الأجساد، ومساوية لسائر الأجساد في الحد والحقيقة، كما يقول طوائف من أهل الكلام، بل نتيقن أن الروح عين موجودة غير البدن، وأنها ليست مماثلة له، وهي موصوفة بما نطقت به النصوص حقيقة لا مجازاً، فإذا كان مذهبنا في حقيقة الروح وصفاتها بين المعطلة والممثلة، فكيف الظن بصفات رب العالمين؟] . (ولا نقول: إن الروح مجرد جزء من أجزاء البدن كالدم والبخار مثلاً) يعني: لا نقول: إن الروح هي جزء كالدم والبخار بل هي تختلف؛ لأن الدم والبخار لا قوام له بغير البدن، وأما الروح فإنها تكون قائمة موجودة متأثرة بدون البدن, قال (أو صفة من صفات البدن والحياة، وإنها مختلفة الأجساد، ومساوية لسائر الأجساد في الحد والحقيقة، كما يقول طوائف من أهل الكلام، بل نتيقن أن الروح عين موجودة غير البدن) وهذا يجب اعتقاده في الروح: أنها عين، وأنها تقبض، وأنها تصعد وتنزل، هذا الذي يجب اعتقاده، وقد تكلم عليها ابن القيم ﵀ كلاماً مفصلاً في كتابه الروح، قال: (وإنها ليست مماثلة له) أي: للبدن (وهي موصوفة بما نطقت به النصوص حقيقة لا مجازاً، فإذا كان مذهبنا في حقيقة الروح وصفاتها بين المعطلة والممثلة) المعطلة الذين ينفون إثبات الصفات للروح، ويقولون: إنها مجردة عن الصفات, والممثلة الذين يقولون: إنها كالبدن أو كجزء منه كالدم والبخار، (فكيف الظن بصفات رب العالمين؟) فكما أننا في الروح بين الممثلة والمعطلة، فكذلك نحن في صفات الله وما أخبر به عن نفسه بين الممثلة والمعطلة. نقف على هذا. وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

стр. 242

شرح الفتوى الحموية [٣١] من آثار علم الكلام تكذيب النصوص أو تحريفها وتعطيلها؛ لذا حذر أهل العلم منه أشد التحذير، وأما من خاض فيه فكثير منهم تحسّر أشد التحسر، ومن تتبع مآل من خاض فيه رأى العجائب والعبر.

стр. 243

أقسام نفاة ظواهر نصوص الصفات بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم. أما بعد: فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في رسالته الحموية: [وأما القسمان اللذان ينفيان ظاهرها، أعني: الذين يقولون: ليس لها في الباطن مدلول هو صفة الله تعالى قط، وأن الله لا صفة له ثبوتية، بل صفاته: إما سلبية وإما إضافية، وإما مركبة منهما، أو يثبتون بعض الصفات، وهي الصفات السبعة أو الثمانية أو الخمسة عشر، أو يثبتون الأحوال دون الصفات، ويقرون من الصفات الخبرية بما في القرآن دون الحديث، كما قد عرف من مذاهب المتكلمين، فهؤلاء قسمان: قسمٌ يتأولونها ويعينون المراد، مثل قولهم: استوى بمعنى استولى، أو بمعنى علو المكانة والقدر، أو بمعنى ظهور نوره للعرش، أو بمعنى انتهاء الخلق إليه إلى غير ذلك من معاني المتكلمين، وقسم يقولون: الله أعلم بما أراد بها، لكنا نعلم أنه لم يرد إثبات صفة خارجية عما علمناه] .

стр. 244

المؤولة المؤولة من المتكلمين الذين نفوا ظواهر النصوص، وقالوا: إن النصوص لا تدل على صفات نثبتها لله ، هؤلاء انقسموا إلى أقسام -كما هو ظاهر من كلام الشيخ ﵀: فمنهم من قال: (إن الله لا صفة له ثبوتية) , يعني: لا يثبتون له صفة ثبوتية, فلا يثبتون له علماً ولا قدرةً ولا إرادةً، (بل صفاته إما سلبية) ، فيقال مثلاً: لا عليم لا سميع لا بصير، (وإما إضافية) يقولون: إن هذه الصفات المثبتة له هي مضافة إضافة خلق لا إضافة صفة إلى الموصوف، فالذين يقولون: سمع الله وكلام الله، يقولون: نثبت أن لله سمعاً، لكنه ليس صفة له، بل هو مخلوق من مخلوقاته, فيقولون: السمع مضاف إلى الله إضافة خلق لا إضافة صفة، قال: (وإما مركبة منهما) أي: من السلب والإضافة, فيقولون: سميع بلا سمع, بصير بلا بصر، فيجمعون السلب والإثبات، أو يقولون: لا نقول: سميع ولا نقول: ليس سميعاً، فيصفونه بالسلب والإثبات جميعاً، فيجمعون بين النقيضين، يجمعون بين الإضافة وبين السلب, وهؤلاء هم الجهمية. قال: (أو يثبتون بعض الصفات وهي الصفات السبعة أو الثمانية أو الخمسة عشرة) هذا يشير به إلى مثبتة الصفات من المتكلمة، وهم الأشاعرة ومن شابههم كالكلابية، والماتريدية وغيرهم، فهؤلاء أثبتوا بعض الصفات لله ، واختلفوا فيما يثبتونه له من الصفات، فأثبتت الأشاعرة -وهو قول جمهورهم- سبع صفات، وأضاف البعض صفة ثامنة، وهي صفة البقاء، وزاد بعضهم صفات أخرى, فقالوا: نثبت لله الصفات، وننفي عنه أضدادها فتكون أربع عشرة صفة، ولكن المشهور من مذهب الأشاعرة هو الاقتصار على سبع صفات. قال: (أو يثبتون الأحوال دون الصفات) والأحوال جمع حال، وهي مما يصعب تعريفه وإدراكه؛ لأنه لا حقيقة له، وقد قال بالأحوال النظام من المعتزلة، وهو معدود من الأمور التي لا حقيقة لها، ككسب الأشعري وطفرة النظام، فهذه ثلاثة أمور يذكرها أهل العلم، ويذكرون أنه لا حقيقة لها؛ ولذلك يصعب تعريفها وبيانها. قال: (أو يثبتون الأحوال دون الصفات على ما قد عرف من مذهب المتكلمين، فهؤلاء) أي: هؤلاء الذين ينفون ظواهر النصوص ويؤولونها (قسمان: قسم يتأولونها ويميزون المراد، مثل قولهم: استوى بمعنى استولى، أو بمعنى علو المكانة والقدر، أو بمعنى ظهور نوره للعرش، أو بمعنى انتهاء الخلق إليه، إلى غير ذلك من معاني المتكلمين) أي: المتأولين المحرفين للكلم عن مواضعه.

стр. 245

المفوضة (وقسم: يقولون: الله أعلم بما أراد، لكنا نعلم أنه لم يرد إثبات صفة خارجية عما علمناه) يعني: لا يثبت بهذه النصوص من الآيات والأحاديث صفة خارجية، إنما نثبت أن ظاهرها غير مراد، ومعناها الله أعلم به، وهؤلاء الذين يجعلون آيات الصفات من المتشابه الذي يدخل في قوله جل وعلا: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧] ويقفون، هؤلاء جعلوا آيات الصفات غير مرادة الظاهر، وأن لها معنى لكن لا يعلم، وهذا من أقسام المفوضة كما تقدم في ذكر أقسامه.

стр. 246

الواقفة قال: [وأما القسمان الواقفان: فقوم يقولون: يجوز أن يكون المراد ظاهرها اللائق بجلال الله، ويجوز ألا يكون المراد صفة الله ونحو ذلك، وهذه طريقة كثير من الفقهاء وغيرهم. وقوم يمسكون عن هذا كله، ولا يزيدون على تلاوة القرآن وقراءة الحديث، معرضين بقلوبهم وألسنتهم عن هذه التقديرات، فهذه الأقسام الستة لا يمكن أن يخرج الرجل عن قسم منها] . قال: (وأما القسمان) قسم يقول: إن النص يحتمل هذا، أي: يحتمل ظاهرها ويحتمل التأويل, وقسم لا ينظرون في هذه النصوص أصلاً ويعرضون عنها ولا يتأملونها ولا يتدبرونها، يقبلون على قراءة القرآن وعلى قراءة الأحاديث دون النظر إلى المعاني، وهؤلاء يصدق عليهم قول النبي ﷺ : (يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم) أي: لا تنفذ معانيه إلى قلوبهم ولا تؤثر فيه؛ لأنهم يقرءونه كما يقرءون حروف الهجاء: ألف باء تاء ثاء لا يعقلون لها معاني, فهؤلاء يصدق عليهم قوله جل وعلا: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً﴾ [الجمعة:٥] ؛ لأنهم لا يعقلون هذه المعاني، وكل هذه الفرق ضالة إلا من أثبت لله ما أثبته لنفسه، أو أثبته له رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل.

стр. 247

الوقوف مع النصوص في الصفات [والصواب في كثير من آيات الصفات وأحاديثها: القطع بالطريقة الثابتة كالآيات والأحاديث الدالة على أن الله فوق عرشه، وتعلم طريقة الصواب في هذا وأمثاله بدلالة الكتاب والسنة والإجماع على ذلك، دلالة لا تحتمل النقيض] . وتعلم طريقة الصواب في هذا -أي: في نصوص الأسماء والصفات من الآيات والأحاديث- وأمثاله بدلالة الكتاب والسنة والإجماع على ذلك دلالة لا تحتمل النقيض؛ كآيات الاستواء, فإنها دلالة لا تحتمل النقيض من أن مراد الله تعالى إثبات الاستواء لنفسه، وكدلالة النصوص على علوه ، فإنها ظاهرة في معناها لا تحتمل نقيض ما دلت عليه. [وفي بعضها قد يغلب على الظن ذلك مع احتمال النقيض] . مثل النصوص التي فيها اليد والعين ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر:١٤] قالوا: يحتمل أن المراد: عنايتنا وحفظنا، لكن هذا ليس هو الظاهر من النص المتبادر، فهو معنى مرجوح ليس معنى ملغى، والراجح هو إثبات النص على ما دل عليه في إثبات صفة العين لله ، فهذا يغلب على الظن إثبات هذا الوصف الذي دلت عليه الآية مع احتمال النقيض واحتمال عدم دلالته على الإثبات، لكن هذا احتمال ضعيف.

стр. 248

موقف المرء من الصفات متوقف على مقدار علمه وإيمانه [وتردد المؤمن في ذلك هو بحسب ما يؤتاه من العلم والإيمان] بين هاتين المرتبتين؛ بين أن تكون دلالة النص لا تحتمل النقيض، وبين أن تكون دلالته غالبة, يختلف باختلاف قدر الناس وعلمهم ومعرفتهم بدلالات النصوص.

стр. 249

اللجوء إلى الله عند عدم القدرة على إدراك الحق [ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور، ومن اشتبه عليه ذلك أو غيره فليدع بما رواه مسلم في صحيحه عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا قام يصلي من الليل قال: (اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم) وفي رواية لـ أبي داود: أنه كان يكبر في صلاته ثم يقول ذلك. فإذا افتقر العبد إلى الله ودعاه، وأدمن النظر في كلام الله وكلام رسوله وكلام الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين؛ انفتح له طريق الهدى، ثم إن كان قد خبر نهايات إقدام المتفلسفة والمتكلمين في هذا الباب، وعرف أن غالب ما يزعمونه برهاناً هو شبهة، ورأى أن غالب ما يعتمدونه يئول إلى دعوى لا حقيقة لها، أو شبهة مركبة من قياس فاسد، أو قضية كلية لا تصح إلا جزئية، أو دعوى إجماع لا حقيقة لها، أو التمسك في المذهب والدليل بالألفاظ المشتركة. ثم إن ذلك إذا ركب بألفاظ كثيرة طويلة غريبة عمن لم يعرف اصطلاحهم، أوهمت الغر ما يوهمه السراب للعطشان؛ ازداد إيماناً وعلماً بما جاء به الكتاب والسنة، فإن الضد يظهر حسنه الضد، وكل من كان بالباطل أعلم كان للحق أشد تعظيماً، وبقدره أعرف إذا هدي إليه] . هذا الكلام مفيد جداً في إصابة الصواب في جميع أبواب العلم، وفي جميع أنواع الخير، وإنما يخطىء المرء الخير والصواب في العلم بسبب اختلال أحد الأمور التي ذكرها الشيخ ﵀, بعد أن ذكر تفاوت الناس في دلالات النصوص على صفات الله بين أن تكون دالة دلالة لا تحتمل النقيض، وبين أن تكون دالة دلالة تحتمل النقيض. قال: (ومن اشتبه عليه ذلك أو غيره فليدع بما رواه مسلم) وذكر الدعاء العظيم الذي فيه افتقار العبد لله جل وعلا أن يبلغه الرشاد، وأن يدله إلى الصواب، وبعد أن ذكر الشيخ ﵀ هذا الحديث قال: (فإذا افتقر العبد إلى الله ودعاه وأدمن النظر -أي: أدام النظر- في كلام الله وكلام رسوله وكلام الصحابة والتابعين، وأئمة المسلمين؛ انفتح له طريق الهدى) فهذه موجبات الهداية وأسبابها، وهذه مقتضياتها، فمن أخذ بها فقد انفتح له طريق الهدى: الدعاء، والافتقار الذي فيه شدة اللجوء إلى الله ، ومطالعة الكتاب والسنة، وإدامة النظر فيهما، وفي كلام السلف من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين الذين تلقوا عنهم. ثم إنَّ مما يثبته ويدله على الصواب -بعدما سبق- أن يعلم نهايات إقدام المتفلسفة والمتكلمين في هذا الباب من -تناقض واضطراب وحيرة وضلال كما تقدم ذلك في النقول عنهم (وعرف [أن] غالب ما يزعمونه برهاناً هو شبهة) إذا طالع كلامهم وأدلتهم وحججهم؛ رأى أنها شبه، (ورأى أن غالب ما يعتمدونه يئول إلى دعوى لا حقيقة لها، أو شبهة مركبة من قياس فاسد، أو قضية كلية لا تصلح إلا جزئية) هذه عمدتهم فيما ذهبوا إليه من تأويلات، وكلها أدلة فاسدة باطلة يصدق عليها ما ذكره الشيخ: حجج تهافتُ كالزجاج تخالها حقاً وكل كاسر مكسور ثم ختم طرقهم بقول: (وكل من كان بالباطل أعلم كان للحق أشد تعظيماً، وبقدره أعرف) .

стр. 250

خطورة علم الكلام قال: [فأما المتوسطون من المتكلمين فيخاف عليهم ما لا يخاف على من لم يدخل فيه وعلى من قد أنهاه نهايته، فإن من لم يدخل فيه فهو في عافية، ومن أنهاه فقد عرف الغاية، فما بقي يخاف من شيء آخر، فإذا ظهر له الحق وهو عطشان إليه قبله، وأما المتوسط فيتوهم بما يتلقاه من المقالات المأخوذة تقليداً لمعظم هؤلاء. وقد قال بعض الناس: أكثر ما يفسد الدنيا: نصف متكلم، ونصف متفقه، ونصف متطبب، ونصف نحوي، هذا يفسد الأديان، وهذا يفسد البلدان، وهذا يفسد الأبدان، وهذا يفسد اللسان. ومن علم أن المتكلمين من المتفلسفة وغيرهم في الغالب ﴿لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ * يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ [الذاريات:٨-٩] ؛ يعلم الذكي منهم والعاقل أنه ليس هو فيما يقوله على بصيرة] . يعني: هو فيما يقوله في الحقيقة بين شبهة وخيال، بلا حجة يعتمد عليها ويستند إليها وينطلق منها، إنما هو في شبه وخيال؛ ولذلك تجده ينقض ويرد على نفسه بنفسه، ولا يحتاج أن ينقضها خصمه، فتجده يثبت في كلامه ما نفاه، وينفي ما أثبته، وهذا لتناقضه وضعف حججه، ودلالة القول الصحيح والدليل السليم عدم التناقض، فالتناقض دليل فساد القول.
следующие страницы →