← Акыда

Акыда · id 7728

شرح العقيدة الواسطية لخالد المصلح

خالد المصلح

Полный текст (230 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الجواب على منكري صفة العجب عن الله تعالى والعجب من الصفات الفعلية الاختيارية التي تقتضي الرضا والإثابة وعظيم الأجر لمن تعجب منه ، واعلم أنهم نفوا العجب عنه ، وقالوا: لأن العجب جهل بالسبب، فالعجب يكون من الجهل بأسباب الشيء، والله ليس جاهلاً بشيء، بل هو العليم الخبير. فالجواب على هذه الشبهة أن يقال: العجب له أسباب، منه ما يكون ناشئاً عن جهل من المتعجب، وهذا ينزه عنه الرب ، ومنه ما يكون لا عن جهل بل عن تعظيم للمتعجب منه لخروجه عن نظائره وأمثاله، فالشيء إذا خرج عن نظائره وأمثاله يتعجب منه ولو علم السبب وعرف، وهذا هو المعنى الثابت في عجبه ، فالعجب المضاف إليه عجب يعظم فيه ما يشاء من عباده، ومن الأفعال والطاعات. فقوله: (عجب ربنا من قنوط عباده) هنا تعظيم لحال هؤلاء، وليس المراد أنه جهل بالسبب، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. والمحرفون المؤولون المبطلون قالوا: إن العجب هنا بمعنى الرضا. ثم نقول لهم: أنتم قد أولتم صفة الرضا وقلتم: الرضا هو إرادة الثواب، وكل صفة يحرفونها إلى صفة أخرى، وإذا نظرنا في الصفة التي يثبتونها حرفوها إلى صفة أخرى، وكل ذلك فراراً مما أثبته الله لنفسه. وفي هذا أيضاً إثبات الضحك وهو صفة فعلية تقدم الكلام عليها، لكن انظر إلى الفارق بين هؤلاء وبين الصحابة الذين سلمت فطرهم، وزكت عقولهم، وسلمت قلوبهم من هذه التحريفات والتشبيهات، فإن النبي ﷺ لما قال هذا الحديث: (عجب ربنا من قنوط عباده، وقرب غيره، ينظر إليكم أزلين قنطين؛ فيظل يضحك يعلم أن فرجكم قريب) قال أبو رزين العقيلي ﵁ وهو من الأعراب: (أو يضحك ربنا يا رسول الله؟! قال: نعم، قال: لا عدمنا الخير من رب يضحك) فكيف استدل بهذه الصفة على كمال الرب وإحسانه وبره وجوده؟!! وهم يقولون: إن إثبات هذه الصفة يقتضي النقص. إنما النقص جاء من عقولهم الفاسدة، وقواعدهم المفترية، وظنونهم الكاذبة، وإلا لو أنهم سلموا للنصوص، وأخلصوا لله في طلب الحق؛ لوفقوا إلى خير كثير، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.

стр. 107

شرح العقيدة الواسطية [١٢] علو الله على خلقه من صفات الله الثابتة بالكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة، فالله له العلو المطلق: علو الذات، وعلو الصفات، وعلو القدر، وعلو القهر. فالواجب إثبات هذه الصفة لله والإيمان بها من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تشبيه ولا تعطيل.

стр. 108

إثبات صفة الرجل والقدم لله بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: قال المؤلف ﵀: [وقوله ﷺ : (لا تزال جهنم يلقى فيها وهي تقول: هل من مزيد؟ حتى يضع رب العزة فيها رجله -وفي رواية: عليها قدمه- فينزوي بعضها إلى بعض، فتقول: قط قط) متفق عليه] . هذا الحديث فيه إثبات صفة القدم والرجل لله ، وهذه الأحاديث صواعق على رءوس المبطلين؛ لأنهم إما أن يردوها، وإما أن يجتهدوا في إبطال معناها، إما أن يردوها لفظاً ومعنىً، وإما أن يجتهدوا في إبطال معانيها بالتحريف والتأويل المذموم. أما أهل السنة والجماعة فهذه نصوص تزداد قلوبهم إيماناً بسماعها، ويقيناً بعظمة الرب، وتسبيحاً وتحميداً له . (لا تزال جهنم) (جهنم) هي: الدار التي أعدها الله للكافرين، وهي النار، فجهنم اسم جنس للنار التي أعدها الله للكافرين والعصاة المخالفين لأمره. (لا تزال جهنم يلقى فيها) أي: يرمى، و (لا تزال) المراد بذلك: أنها موصوفة بهذا الوصف، وهي لا تنقطع ولا تفارق هذا الوصف. (يلقى فيها وهي تقول) ، يعني: وحالها؛ لأن الواو هنا حالية، (وهي تقول: هل من مزيد؟) أي: تطلب الزيادة، وهذا الاستفهام استفهام طلبي، يعني: زدني زدني، وقال بعض أهل العلم: إن قول النار: هل من مزيد؟ استفهام استنكاري، أي: لا مزيد فيّ، لا مزيد فيّ، ولكن هذا ليس بصحيح، ولا يدل عليه اللفظ، بل الذي دل عليه اللفظ أنه استفهام طلبي؛ لطلب الزيادة من رب العالمين، ويدل على ذلك ما بعده حيث قال: (حتى يضع رب العزة فيها رجله) يضع رب العزة، وفي رواية: (حتى يضع رب العالمين -الله جل وعلا- فيها رجله) والرجل في كلام العرب تنصرف إلى الجارحة المعروفة بالنسبة لنا، أما بالنسبة للخالق جل وعلا فنثبت هذا المعنى له، لكن لا نملك أن نعرف كيفية ذلك، ولم نكلف بمعرفة كيفية ذلك، بل نثبت ما أثبته الله لنفسه من الصفات من دون تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. وفي الرواية الثانية: (عليها قدمه) أي: يضع عليها قدمه ، ولا تقل: كيف؟ فإن الكيف أمره مؤصد مغلق، والكيف مجهول، وهذه القاعدة اجعلها معك في كل خبر عن الغيب، الكيف مجهول فيما يتعلق بالله أو فيما يتعلق بما أخبر به مما يكون يوم القيامة، وبذلك تريح نفسك، وتسلم من كل وساوس الشياطين، ومن كل ما يلقيه شياطين الإنس من زخرف القول الذي يريدون به إبطال ما دلت عليه النصوص. وقوله: وفي رواية: (عليها قدمه فينزوي بعضها إلى بعض) يعني: ينظم ويجتمع بعضها إلى بعض، فتقول: (قط قط) أي: كفاني كفاني، أو حسبي حسبي، وعند ذلك تكتفي من طلب الزيادة. وفي لفظ: (قط قط) ، جاءت رواية بالتسكين (قطْ قطْ) ، ورواية: بالكسر (قطِ قطِ) ، ورواية بالكسر مع الياء (قطي قطي) ، ورواية بالتنوين (قطٍ قطٍ) ، ورواية خامسة: (قطني قطني) ، كل هذا مما جاء في هذا اللفظ، والمعنى في الجميع واحد، وهو حسبي حسبي أو كفاني كفاني.

стр. 109

موقف أهل التحريف والتعطيل من إثبات صفة الرجل والقدم، والرد عليهم أما أهل التحريف وأهل التعطيل فقالوا: إن معنى الرجل هنا هو الجماعة من الناس، ومن أين أتوا بهذا المعنى؟ قالوا: إن الرجل يطلق على الجماعة من الجراد، كما أنك تقول لجماعة الطير: سرب، فتقول لجماعة الجراد: رجل، فيكون معنى: (حتى يضع رب العزة فيها رجله) أي: جماعة من الناس يتهافتون في النار كتهافت الجراد على النار. فنقول: هذا المعنى -أيها المحرفون- من سبقكم إليه من سلف الأمة؟ أعطونا واحداً من الصحابة أو من التابعين أو من تابعيهم من أئمة السلف قال بهذا القول، قالوا: اللغة دلت على هذا، فنقول: لا بأس، هذا المعنى قد يكون موجوداً في اللغة، لكن نحن نتلقى السنة لفظاً ومعنىً عن الصحابة؛ لأن النبي ﷺ إنما أنزل عليه القرآن وأنزل عليه الذكر ليبينه للناس، فهو قد بلغ لفظه ومعناه، والله حفظ للأمة الألفاظ والمعاني فقال سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] ، والحفظ ليس فقط حفظ اللفظ إنما حفظ اللفظ والمعنى؛ ولذلك ما تلقته الأمة بالقبول عن الرسول ﷺ من المعاني الظاهرة لا يجوز الانصراف عنه إلى مثل هذه الإرادات الواهية. فنقول: الرجل معلومة عند العرب، وما ذكرتموه استعارة وتشبيه، والأصل في الكلام هو الحقيقة لا المجاز. وقوله: (حتى يضع رب العزة عليها قدمه) ، قالوا: القدم هو: اسم لمن قدمهم الله في النار، فيكون واقعاً على الجماعة، وقالوا أيضاً: القدم: هم اسم لمن تقدم في علم الله أنهم من أهل النار. كل هذا -يا إخوة- تحريف وفرار مما دلت عليه النصوص وسلم له صحابة رسول الله ﷺ ، وتلقته الأمة بالقبول، ولو أنهم اكتفوا بالنصوص، وعدلوا عن هذا الانحراف وعن هذه الشبه لسلموا ولسلكوا طريق أهل السنة والجماعة.

стр. 110

إثبات صفة الكلام لله قال المؤلف ﵀: [وقوله ﷺ : (يقول تعالى: يا آدم! فيقول: لبيك وسعديك، فينادي بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثاً إلى النار) متفق عليه. وقوله ﷺ : (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه، ليس بينه وبينه ترجمان) ] . هذان الحديثان من جملة ما مثل به المؤلف ﵀ لأحاديث الصفات الواردة في سنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهما يفيدان إثبات صفة الكلام للرب جل وعلا، وصفة الكلام صفة ذاتية فعلية كما تقدم، وهي: صفة يثبتها أهل السنة والجماعة بالكتاب والسنة والإجماع والعقل، وهي: صفة ثابتة لله في جميع الشرائع؛ ولذلك التحريف فيها وإنكارها مما يقدح في الإيمان بالرسل؛ لأن جميع الأنبياء أخبروا بذلك، وهم مجمعون على أن الله يتكلم بحرف وصوت، كما سيأتي بيانه. والحديث الأول: فيه قول النبي ﷺ : (يقول الله تعالى) والقول يدل على اتصافه بالكلام، وهذا النوع من الأحاديث يسمى بـ (الحديث القدسي) ، وهذا التعبير هو المشهور، وهو الاصطلاح المعروف عند كثير من أهل العلم، فالأحاديث المصدرة بقوله: قال الله تعالى، أو التي فيها: قال الله تعالى هي أحاديث قدسية، وشيخ الإسلام ﵀ يسميها (الأحاديث الإلهية) ، والفرق بين الحديث الإلهي والحديث النبوي أن الحديث الإلهي فيه خبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن ربه، فهو خبر عن الله. وقد قال جمهور المحدثين: إن الحديث الإلهي -الحديث القدسي- لفظه من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ومعناه من الله، واختار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن الحديث الإلهي لفظه ومعناه من الله، وهذا القول قوي، وهو الذي يستفاد من ظواهر الأحاديث، فإن نسبة القول إلى الله هي نسبة لفظ ومعنى، ولكن يفارق الحديث الإلهي -الحديث القدسي- القرآن أن لفظه ليس بمعجز، وأنه لا يتعبد بقراءته، فليس كل حرف فيه بعشر حسنات كما ورد ذلك في القرآن، وأنه لا يشترط في مسه الطهارة لا الصغرى ولا الكبرى، فلو أن كتاباً تضمن الأحاديث الإلهية -الأحاديث القدسية- فلا يشترط للمسه ومطالعته أن يكون الإنسان على طهارة، هذا هو الصحيح، وبهذا يتميز الحديث الإلهي -الحديث القدسي- عن القرآن فيقال: إن لفظه ومعناه من الله جل وعلا هذا الأصل، وأن ما يثبت للمصحف من أحكام فهو غير ثابت للحديث الإلهي. فقول النبي ﷺ : (يقول الله تعالى) هذا فيه إثبات أن الله جل وعلا يتكلم؛ لأن القول الأصل فيه لا يكون إلا على ما ظهر وتبين من اللفظ، وأما ما يدور في الخاطر فإنه قد يصح أن يقال: إنه قول، لكن لابد من تقييده. فلا يرد القول مطلقاً ويراد به حديث النفس، وإنما إذا أريد بالقول ما يدور في الخاطر وما يجول في الضمير والقلب فلابد من تقييده، فيقال: قول القلب أو قول النفس أو قالت نفسي، أما إذا ورد القول مطلقاً فإنه لا ينصرف إلا على القول الذي يتبين ويظهر بحرف وصوت. قوله: (يقول الله تعالى: يا آدم!) هذا فيه خطاب لأبي البشر آدم ﵇، وآدم إنما يعقل كلاماً بحرف وصوت، وليس المراد كلاماً معنوياً كما تقول الأشاعرة ومثبتة الصفات. (فيقول -أي: آدم ﵇: لبيك وسعديك) . (لبيك وسعديك) هذان مصدران لا مفرد لهما من لفظيهما، ومعنى (لبيك) أي: أقمت على طاعتك وإجابتك، إقامة بعد إقامة، وإجابة بعد إجابة، والتثنية للتكثيف، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك:٤] ، فإن التثنية في كلام العرب ترد ويراد بها مطلق التكثيف لا العدد نفسه. وكذلك (سعديك) معناها: إسعاد بعد إسعاد، يعني: إعانة بعد إعانة، فهو يطلب من الله العون والإسعاد على ما هو بصدده. (فينادي -والمنادي هو الله جل وعلا- بصوت) ، وهذا لفظ نبوي فيه إثبات النداء بصوت، وقوله: (بصوت) هذا تأكيد للنداء، وإلا فإن أهل اللغة مجمعون على أنه لا يكون نداء إلا بصوت رفيع؛ ولذلك لا حاجة إلى أن نقول: الذي يدل على إثبات الصوت هو قوله: (بصوت) ولا شك أنه إثبات ومستند، ولكن نقول: لو لم يرد إلا النداء مستقلاً لأفاد إثبات الصوت لكلامه ، وقد ورد النداء في القرآن في أكثر من عشرين موضعاً كما تقدم في الآيات. (فينادي بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثاً إلى النار) قد يقول قائل: إن المنادي هنا غير الله بقرينة قوله: (إن الله يأمرك) ولكن هذا مصروف ومردود بأن يقال: إن ذكر لفظ الجلالة وذكر اسم الله في الأمر يكون لتأكيد الأمر ولزومه وإثباته. (فينادي -الفعل مضاف إلى الله لأنه لم يذكر غيره في السياق- بصوت: إن الله يأمرك) تأكيداً للأمر، فذكر لفظ الجلالة -اسم الله في ثنايا الأمر تأكيداً له وإلزاماً به. (إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثاً إلى النار) -نعوذ بالله منها- وهذا يثبت هذه الصفة لله في موضعين: الأول: في قوله: (يقول الله تعالى) . والثاني: في قوله: (فينادي بصوت) . قال: (وقوله: (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه)) . (ما) نافية تفيد العموم، والكاف في قوله: (منكم) كاف الخطاب، فمن المخاطب؟ قيل: المخاطب هم أهل الإسلام؛ لأن النبي ﷺ يخاطب الصحابة. وقيل: إن المخاطب هو جنس الإنسان، فكلٌ سيكلمه الله من كافر ومسلم: (ما منكم من أحد) وأكد العموم بـ (من) التي هي نص في العموم: (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه) ، والكلام إنما يفهم ويعرف باللفظ، فليس الكلام هنا كلاماً معنوياً كما تقول الأشاعرة، إنما هو كلام بحرف وصوت، وهذا الكلام قد وقِّت بظرف وهو يوم البعث، فدل ذلك على أنه كلام متعلق بمشيئته وإرادته. وهذا يدل على أن صفة الكلام صفة ذاتية فعلية، فهي ذاتية باعتبار أصل اتصاف الله بهذه الصفة، فإنه لم يزل ولا يزال متصفاً بهذه الصفة، وفعلية باعتبار أفراد ما يتكلم به جل وعلا، فتكليمه للعباد يوم البعث متعلق بمشيئته، وهذا دليل على أن الكلام صفة فعلية، كما أنه صفة ذاتية له . قوله: (سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان) الترجمان هو: المفسر، أي: ليس بينه وبين الله مفسر يبين الكلام ويوضحه، وهذا النفي فائدته تحقق التكليف، وأنه من الله مباشرة، ليس هناك بينه وبينه وسيط، هذا فائدة التأكيد في قوله: (ليس بينه وبينه ترجمان) ، وهذا فيه إثبات صفة الكلام لله ، وسيأتي مزيد بحث في هذه الصفة في كلام المصنف ﵀.

стр. 111

إثبات علو الله على خلقه واستوائه على عرشه قال المؤلف ﵀: [وقوله ﷺ في رقية المريض: (ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك، أمرك في السماء والأرض، كما رحمتك في السماء اجعل رحمتك في الأرض، اغفر لنا حوبنا وخطايانا أنت رب الطيبين، أنزل رحمة من رحمتك، وشفاءً من شفائك على هذا الوجع؛ فيبرأ) حديث حسن، رواه أبو داود وغيره. وقوله ﷺ : (ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء؟) حديث صحيح. وقوله ﷺ : (والعرش فوق الماء، والله فوق العرش، وهو يعلم ما أنتم عليه) حديث حسن، رواه أبو داود وغيره. وقوله ﷺ للجارية: (أين الله؟ قالت: في السماء، قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، قال: اعتقها فإنها مؤمنة) رواه مسلم] . هذه الأحاديث فيها إثبات علو الله على خلقه، وقد تقدمت الآيات الدالة على علو الله جل وعلا على على خلقه، وأنه على كل شيء ، وهذه الصفة تقدم ذكر أدلتها، وهي: الكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل، والفطرة. والإجماع هنا ليس إجماع أهل القبلة، وإنما الإجماع هنا إجماع الخلق مسلمهم وكافرهم، فالناس مفطورة قلوبهم على أن ربهم جل وعلا في العلو. قال ﵀: (وقوله ﷺ في رقية المريض) يعني: فيما يقرأ على المريض طلباً للشفاء: (ربنا الذي في السماء تقدس اسمك) ، هذا توسل لله ، فيتوسل العبد لربه جل وعلا بوصفه الذي تفرد به، وهو أنه جل وعلا فوق كل شيء. (ربنا الذي في السماء) والسماء هنا اسم جنس للعالي، أي: الذي في العلو، وإذا كانت السماء هنا المراد بها اسم جنس لما خلقه الله من السموات السبع، ففي بمعنى: على، يعني: ربنا الذي على السماء، وكلا المعنيين صحيح. (تقدس اسمك) (تقدس) أي: تنزه، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١] فإن تسبيح اسم الله جل وعلا هو تنزيهه، والمراد: تنزهت أسماؤه جميعها؛ لأن الاسم هنا مفرد مضاف، فيعم كل اسم له ، وتقديس اسم الله تقديس للمسمى؛ لأن الأسماء تدل على المسمى، أي: أسماء الله تدل عليه جل وعلا. ((أمرك في السماء والأرض)) (أمرك) أي: لك كامل التصرف، (في السماء والأرض) فيشمل الأمر الكوني والأمر الشرعي. قوله: ((كما رحمتك في السماء اجعل رحمتك في الأرض)) رحمة الله في السماء، وهي في الأرض أيضاً، وسع ربنا كل شيء رحمة وعلماً، فرحمته وسعت كل شيء، وإنما توسل إلى الله بصفته التي في السماء؛ لأنها محل الرحمة، فالجنة التي وعدها المتقون في السماء كما قال تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات:٢٢] ، فتوسل إلى ربه بأن الرحمة التي جعلها في السماء أن ينزل منها شيئاً إلى الأرض، والرحمة هنا هل هي صفته أو خلقه؟ الجواب: الرحمة هنا خلقه؛ لأن الرحمة تارة يراد به الصفة، وتارة يراد به متعلقها وهو أثرها كما تقدم ذلك في بيان الآيات التي تكلمنا فيها على صفة الرحمة. قوله: ((اغفر لنا حوبنا وخطايانا)) الحوب: هو الإثم، كما قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ [النساء:٢] أي: إثماً كبيراً، فالحوب في اللغة هو الإثم، فقوله: (اغفر لنا حوبنا) أي: إثمنا، (وخطايانا) ، وهذا ليس بغريب أن يذكر الذنب باسمين؛ لأن مقام الاستغفار مقام إطناب وتفصيل، ومن المحفوظ عن النبي ﷺ قوله: (اللهم اغفر لي ذنبي كله: دقه وجله، صغيره وكبيره، علانيته وسره) ، فهذا الإطناب والتفصيل في مقام الاستغفار هو الذي جاءت به السنة، فالتكرار هنا طلباً للمغفرة لتشمل المغفرة كل ذنب كبيرٍ وصغير، فالحوب: هو الإثم الكبير، والخطايا تشمل الإثم الكبير والصغير. قال: (أنت رب الطيبين) ، وهذا توسل بربوبية الله الخاصة. والله رب كل شيء كما قال سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] ، لكن هنا توسل إليه بربوبيته الخاصة وهي ربوبيته جل وعلا للطيبين من عباده، والطيبين من الخلق سواءً من الإنس أو من الجن أو من الملائكة أو من غيرهم من خلق الله جل وعلا. قوله: (أنزل رحمة من رحمتك، وشفاءً من شفائك على هذا الوجع -أي: المرض أو أنه يعني المريض- فيبرأ)) أي: فيسلم من هذا المرض. الشاهد في هذا الحديث في قوله: (ربنا الذي في السماء) هذا فيه إثبات العلو، وكذلك تؤخذ صفة العلو من قوله: (أنزل رحمة من رحمتك) فإن الإنزال مما يثبت به علوه ، ولذلك استدل السلف على أن الله في السماء بما أخبر في كتابه من أنه أنزل القرآن الكريم والكتاب الحكيم، فالإنزال دليل على علوه؛ لأن الإنزال لا يكون إلا من علو إلى سفل. ثم قال: (وقوله: (ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء؟)) وهذا الحديث هو في الرد على الخوارج حيث أنهم اعترضوا على قسم النبي ﷺ ، وذلك في حديث ذي الخويصرة عبد الله التميمي، فإنه اعترض على قسمة النبي ﷺ وقال له: (اعدل، فقال له النبي ﷺ : خبت وخسرت إن لم أعدل) يعني: إن لم تعتقد عدلي خبتَ بضمير المخاطب وهو أصح من خبتُ وخسرتُ لضمير الفاعل؛ لأن المراد بيان خسران من اعتقد أن النبي ﷺ لا يعدل، وليس المراد أنه خاب وخسر -حاشاه- ﷺ ، وهو أمين من في السماء. ثم قال: (ألا تأمنوني -أي: في قسم ما يتعلق بالدنيا- وأنا أمين من في السماء؟) أي: فيما يتعلق بأحكام الشريعة والأخبار عنه . وقوله: (وأنا أمين) (أمين) فعيل، بمعنى: فاعل، ويصلح فعيل بمعنى: مفعول، ففعيل بمعنى: فاعل، أي: حافظ ما اؤتمنت عليه، وفعيل بمعنى: مفعول أي: مؤتمن، فهو مأمون من في السماء، أي: أمنه الله على وحيه وشرعه. (من في السماء) هذا هو الشاهد، والمراد بمن في السماء الله جل وعلا، والعجيب أن المؤولين المحرفين الذين لا يثبتون علو الله يقولون: معنى: (أمين من في السماء) أي: أمين الملائكة؛ لأن الملائكة يأتمنونه! فيتركون الذي هو أعلى وخير إلى من هو دونه، وأيما أعظم في حق النبي ﷺ أن يكون مؤتماً من الله أو من الملائكة؟! الجواب: من الله جل وعلا، فهم يفرون من إثبات علو الله ويحملون هذا على الملائكة. المهم أن قوله: (من في السماء) المراد به الله ، وقوله: (من في السماء) أي: من على السماء هذا إذا كانت السماء المراد بها السموات السبع التي خلقها الله ، أو من في العلو إذا كان المراد بالسماء اسم جنس للعالي، وهذا نكرره حتى يثبت في الأذهان. ثم قال: (وقوله: (والعرش فوق الماء، والله فوق العرش، وهو يعلم ما أنتم عليه)) وهذه قطعة من الحديث الذي أخبر فيه النبي ﷺ عن حملة العرش وفيه قال: (والعرش فوق الماء) العرش هو: سرير الملك، وهو الذي استوى عليه الرب جل وعلا. (فوق الماء) هذا الماء الله أعلم به، ولم يخبرنا عنه النبي ﷺ بشيء. (والله فوق العرش) أي: أنه استوى عليه وعلا عليه، وفوقيته على العرش فوقية خاصة؛ ولذلك أضاف الاستواء على العرش إليه في سبعة مواضع من كتابه كما قاله الشيخ ﵀ فيما تقدم عند قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] . قوله: (وهو يعلم ما أنتم عليه) هذا فيه إثبات أن علوه لا ينافي إحاطته وعلمه بما عليه الخلق، فشأنه ليس كشأن الخلق، الخلق إذا كانوا في مكان غاب عنهم غيرهم، أما الرب جل وعلا فليس كمثله شيء، فهو سبحانه يعلم السر وأخفى، ويعلم الجهر وأخفى، كما قال جل وعلا: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر:١٩] . ثم قال: [وقوله -وما زال الحديث موصولاً في إثبات صفة علو الرب جل وعلا- ﷺ للجارية: (أين الله؟) ] هذا سؤال من النبي ﷺ الذي هو أعلم الناس بربه، وأعلم الخلق بربه، وأنصحهم للأمة، وأكملهم تنزيهاً، وأخشاهم لله ، وأصدقهم قولاً، يسأل جارية ترعى الغنم فيقول لها: (أين الله؟) وهذا عند أهل التحريف والتأويل إحدى الكبر، فلا يجوز عندهم أن تسأل: أين الله؟ فإن السؤال عن أين الله من أكبر ما يرونه، ومن أعظم جرم يُقترف، مع أن هذا السؤال صادر من النبي ﷺ ! قوله: (أين الله؟ قالت: في السماء) وهذا فيه الخبر عن الله بأنه في السماء، وقلنا لكم: إن (في السماء) معناها: جنس العالي، فيراد به (في العلو) فتكون (في) بمعنى (على) . قوله: (قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله) ، فلما أجابت بهذين الجوابين اللذين فيهما إثبات الكمال للرب جل وعلا، وإثبات الرسالة للنبي ﷺ قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حينئذٍ لمولاها: (اعتقها فإنها مؤمنة) فأمره بإعتاقها لأنها مؤمنة، وهذا الوصف نستدل به على إقرار النبي ﷺ هذه الجارية في خبرها عن الله بأنه في السماء. وهؤلاء المحرفون دخلوا بعقولهم الكليلة وآرائهم الحسيرة في تأويل هذه النصوص، وقالوا: إن هذا الإيمان إيمان العوام، وإن النبي ﷺ أجراها على ما تعلم لضعف عقلها، وما إلى ذلك من الكلام الفارغ الذي محصله ونهايته رد ما جاء عن النبي صلى الله عليه وس

стр. 112

شرح العقيدة الواسطية [١٣] من عقيدة أهل السنة والجماعة إثبات معية الله لخلقه، وليس معنى هذا أنه في كل مكان، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، بل هو مستو على عرشه بائن من خلقه، ومعيته لخلقه هي معية علم وإحاطة واطلاع، فلا تنافي بين العلو والمعية.

стр. 113

إثبات معية الله لخلقه وبيان أنها لا تنافي علوه فوق عرشه بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: قال المؤلف ﵀: [وقوله ﷺ : (أفضل الإيمان أن تعلم أن الله معك حيث ما كنت) حديث حسن. وقوله ﷺ : (إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يبصق قبل وجهه ولا عن يمينه، ولكن عن يساره أو تحت قدمه) متفق عليه. وقوله ﷺ : (اللهم رب السماوات السبع والأرض ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، فالق الحب والنوى، منزل التوراة والإنجيل والقرآن، أعوذ بك من شر نفسي، ومن شرك كل دابة أنت آخذ بناصيتها، أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عني الدين وأغنني من الفقر) رواه مسلم. وقوله ﷺ لما رفع أصحابه أصواتهم بالذكر: (أيها الناس! أربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً، إنما تدعون سميعاً بصيراً قريباً، إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته) متفق عليه] . هذه الأحاديث فيها إثبات معية الله لخلقه، وفيها إثبات قربه من عباده، فبعد أن فرغ الشيخ ﵀ من الأحاديث الدالة على علو الرب جل وعلا ذكر الأحاديث الدالة على معيته لخلقه كما فعل ذلك في الآيات، وذلك أنه قد يتوهم متوهم أن إثبات علو الرب يناقض وينافي معيته لخلقه، والمؤمن تابع للنصوص، فالنصوص دلت على علوه ودلت على معيته، ولا تعارض بين ما أخبر الله به عن نفسه كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢] ، ولكنه من الرب الحكيم الخبير الذي أتقن كل شيء، ومما أتقنه خبره، فإنه لا اضطراب ولا اختلاف ولا تضاد فيه. يقول ﵀: (وقوله ﷺ : (أفضل الإيمان أن تعلم أن الله معك حيثما كنت)) أفضل الإيمان أي: أعلى الإيمان، وفي هذا فائدة وهي: أن الإيمان يتفاضل، وأنه درجات كما سيأتينا إن شاء الله تعالى في مبحث الإيمان. قوله: (أفضل الإيمان -وهو أعلاه- أن تعلم أن الله معك) والمعية هنا الثابتة هي معية العلم، المعية العامة التي يثبتها أهل السنة والجماعة. ومعنى: (أن تعلم أن الله معك) هو ما جاء في الحديث الآخر: (أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك) ، وقد ذكرنا في شرح حديث جبريل أن الإحسان أعلى مراتب الدين، وهذا يؤيد ذلك، فإن أفضل الإيمان أن تعلم أن الله معك للمقامين: إما أن تعبد الله كأنك تراه، أو فإن لم تكن تراه فإنه يراك. وكلاهما داخل في قوله: (أن تعلم أن الله معك) ؛ لأن المعية إما أن يراك أو أن تراه. قوله: (أفضل الإيمان أن تعلم أن الله معك حيثما كنت) حيث هنا مكانية، يعني: في أي مكان كنت، وهذه المعية ثابتة كما تقدم في الآيات، قال الله جل وعلا: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٤] ، وهذه المعية ما هو مقتضاها؟ وما حكمها؟ وما لازمها؟ الجواب: مقتضاها وحكمها ولازمها أن الله مطلع على عبده، مهيمن عليه، متصرف فيه، وأن العبد لا خروج له عن إرادة الله وتقديره وعلمه وإحاطته، هذا مقتضاها، فأهل السنة والجماعة يثبتون هذه المعية. ولا تظن أن المعية الثابتة له تقتضي المخالطة أو المماسة، بل هي تفيد مطلق المقارنة، لكن هل المقارنة تقتضي المخالطة والمماسة وأنه مع خلقه يخالطهم؟ الجواب: تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، فهو المستوي على عرشه البائن من خلقه، وهو معهم أينما كانوا كما أخبر، وسيأتينا بيان ذلك بالأدلة في كلام الشيخ ﵀. ثم قال: (وقوله: (إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يبصقن قِبَل وجهه -أي: جهة وجهه، يعني: أمامه- ولا عن يمينه، فإن الله قبل وجهه) ، وذلك أن الله ينصب وجهه للمصلي تفضلاً وكرماً وإحساناً، وهذا لكل مصلٍ، فربنا ينصب وجهه الكريم لنا وقلوبنا غافلة، فتجد القلب في كل واد نازل، وبعض الناس تجد وجهه منصرفاً، فيكون منصرفاً عن صلاته بقلبه وقالبه. والواجب على المؤمن إذا دخل في صلاته أن يستحضر أن رب السماوات والأرض جل وعلا قد نصب وجهه له، وهذا لكل مصل، وسبحان ربي العظيم الذي وسع خلقه! وإلا كان الواحد يقول: الآن يكون في المسجد الواحد بل في الصف ما يقارب ستمائة رجل، فكيف ينصب الله وجهه لكل واحد من هؤلاء إماماً أو مأموماً؟ الجواب: أنه لا كيف في هذا الأمر، فالذي يرزقهم في ساعة واحدة، ويدبر شئونهم في ساعة واحدة، لا يمتنع عليه مثل هذا. ثم إن القاعدة فيما أخبر الله به عن نفسه: أنه لا كيف، فالكيف مجهول، والإيمان بما أخبر به الرسول واجب. ثم قال: (ولكن عن يمينه أو يساره أو تحت قدمه) ، هذا فيه فائدة وهي: أن كون الله سبحان وتعالى قبل وجهه لا ينافي علوه، كما أن المعية لا تنافي العلو، فكذلك كونه جل وعلا ينصب وجهه للعبد فإن ذلك لا ينافي علوه كما سيأتي بيانه في كلام الشيخ ﵀ بالدليل العقلي. ثم قال: (وقوله ﷺ : (اللهم رب السماوات السبع، والأرض، ورب العرش العظيم) ، سبحان ربي! يذكر الله ربوبيته العامة والخاصة، وكثيراً ما يضيف الله ربوبيته لمخلوقات عظيمة تدل على عظمته؛ لأن ربوبيته للعظيم تدل على عظمته، (رب السماوات السبع والأرض) ، وهذا يدل على عظمته؛ لأن رب هذه المخلوقات العظيمة لابد أن يكون عظيماً. (اللهم رب السماوات السبع والأرض ورب العرش العظيم، ربنا -هذه ربوبية خاصة- ورب كل شيء -وهذه ربوبية عامة- فالق الحب والنوى، منزل التوراة والإنجيل والقرآن) ، هذا كله توسل إلى الله بصفاته، فيتوسل العبد بصفات الله وربوبيته العامة والخاصة وما اتصف به من كريم الصفات وعاليها. (أعوذ بك من شر نفسي) ، فبعد أن توسل توصل إلى سؤاله فقال: (أعوذ بك) والاستعاذة: هي طلب العوذ، وهو: طلب الحفظ والحماية. (أعوذ بك من شر نفسي) ، والنفس -يا إخوة- مليئة بالشرور، فإن لم يعنك الله عليها فإنها تتسلط عليك، وتوردك المهالك، فينبغي للإنسان أن يحرص على الاستعاذة بالله من شر نفسه، فكثيراً ما يستعيذ الناس من شر الشيطان، ولكنهم يغفلون عن عدو آخر وهو النفس الأمارة بالسوء. (أعوذ بك من شر نفسي، ومن شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها، وشر كل ذي شر) يشمل شر بني آدم، وشر الجن، وشر الشياطين. (أنت الأول فليس قبلك شيء) ، هذا فيه إثبات أوليته . (وأنت الآخر فليس بعدك شيء) ، هذا فيه إثبات آخريته جل وعلا، وهذان الاثنان مقترنان، الأول والآخر، وبهما يثبت لله الإحاطة الزمانية، فهو محيط بكل شيء زمناً ، فهو الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، فهذا أفادنا إحاطته زمناً. (وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء) ، وهذا فيه إحاطته مكاناً ، فلا دونه شيء، ولا فوقه شيء ، فهو عليٌّ في دنوه، قريب في علوه جل وعلا، كما سيأتي في كلام الشيخ ﵀. ثم سأل النبي ﷺ سؤالاً آخر فقال: (اقض عني الدين، وأغنني من الفقر) ، وهذا الحديث فيه إثبات علوه من قوله: (وأنت الظاهر فليس فوقك شيء) ، وأيضاً من قوله: (ورب العرش العظيم) ، وربوبيته للعرش ربوبية خاصة؛ ولذلك اختصه بالاستواء عليه، وفيه إثبات علوه جل وعلا من قوله: (منزل التوراة والإنجيل) لأن الإنزال لا يكون إلا من علو إلى سفل. ثم قال: (وقوله ﷺ لما رفع الصاحبة أصواتهم بالذكر: (أيها الناس! أربعوا على أنفسكم -أي: هونوا على أنفسكم، ولا تكلفوها ولا تشقوا عليها برفع أصواتكم- فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً) النفي هنا نفي مفصل في صفات الله ، ومقصوده والمراد منه إثبات كمال سمعه ، وكمال بصره جل وعلا. (فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً، إنما تدعون سميعاً بصيراً) . وقد ذكرنا قبل في صفة السمع أن سمع الله يرد عاماً وخاصاً، فهنا السمع سمع خاص، وهو خاص بالداعي نظير قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم:٣٩] ، ونظير قول المصلي: سمع الله لمن حمده، فهذا سمع خاص، وهو سمع الإجابة والقبول والإثابة. وأما السمع العام فهو: إدراك الأصوات، والله جل وعلا لا تخفى عليه خافية كما قالت عائشة ﵂ في نبأ المجادلة: (سبحان الذي وسع سمعه الأصوات، إنها لفي طرف الحجرة أو في جانب الحجرة وإنه ليخفى عليَّ بعض قولها) ، والله جل وعلا قد قال: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ﴾ [المجادلة:١] ، وهو جل وعلا فوق عرشه، فوق السماء السابعة . (إنما تدعون سميعاً بصيراً قريباً) ، والقرب هنا هل هو القرب العام؟ الجواب: لا، إنما هو قرب خاص من الداعي، ولم يرد القرب عاماً لا في الكتاب ولا في السنة، إنما ورد القرب خاصاً هذا هو الصحيح، فالله أخبر بقربه من الداعي، وبقربه من المصلي، وبقربة من الساجد، وبقربة من أهل عرفة فإنه يدنو عشية عرفة من أهل الموقف، وهذا قرب خاص ليس عاماً. قال: (إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته) وهذا -كما ذكرنا قبل- قرب خاص.

стр. 114

إثبات رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة قال المؤلف ﵀: [وقوله ﷺ : (إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها فافعلوا) ، متفق عليه. إلى أمثال هذه الأحاديث التي يخبر فيها رسول الله ﷺ عن ربه بما يخبر به] . حديث: (اللهم رب السماوات السبع والأرض، ورب العرش العظيم ربنا ورب كل شيء) هذا يفيد -إضافة إلى العلو- المعية؛ لأن إحاطته تدل على معيته، فالمعية هنا من حيث المعنى لا من حيث اللفظ إحاطته بالخلق مكاناً وزماناً تدل على معيته . قوله: (إنكم سترون ربكم) إثبات رؤية الرب جل وعلا، ورؤية الله سيتكلم عنها المصنف ﵀ في الفصول القادمة. أفاد الحديث أن أهل الإيمان سيرون الرب ؛ لقوله: (إنكم سترون ربكم كما ترون القمر لا تضامون في رؤيته) لا تضامون بالتخفيف والتشديد، لا تضامون، أي: لا يلحقكم ضيم، يعني: ضر، ولا تضامون، أي: لا ينضم بعضكم إلى بعض، وكلا المعنيين صحيح، والمراد: نفي الضرر ونفي الضيق في رؤية الله جل وعلا. (إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته) ، يعني: كما يرى الإنسان القمر ليلة البدر، وهل يحتاج إلى أن يقرب القمر ليلة البدر من أحد ليراه؟ الجواب: لا، بل كل يراه في مكانه، بخلاف الهلال في أول الشهر فإن الناس قد يحتاجون إلى التضام، وينضم بعضهم إلى بعض، ويقول بعضهم لبعض: انظر هذا هو الهلال أو انظر هنا أو انظر هناك، فينضم بذلك بعضهم إلى بعض، أما رؤية المؤمنين لربهم فهي كرؤيتهم للقمر ليلة البدر. فأخبر النبي ﷺ في هذا الحديث عن رؤية المؤمنين لربهم، وشبه رؤيتهم لربهم برؤيتهم للقمر ليلة البدر، لكن هل شبه المرئي بالمرئي؟ الجواب: لا، فلم يقل: إن الله كالقمر، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، وإنما أراد تحقيق الرؤية وأنها كما نرى أعظم الأشياء ظهوراً وهما الشمس والقمر، وكذلك نراه جل وعلا متجلياً لعباده المؤمنين، وهذه الرؤية لا يلزم منها الإدراك كما قال : ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ [الأنعام:١٠٣] ، وإنما هي رؤية تنعيم لا يدرك فيها العبد المرئي، إنما يراه رؤية لا إدراك فيها، كما أننا الآن ننظر إلى الشمس والقمر ونراهما وهما من خلق الله ، ولا ندرك لا الشمس ولا القمر، فما يستطيع الإنسان أن يدرك القمر ولا أن يدرك الشمس، فكذلك رؤية الرب جل وعلا. ثم بعد أن أخبر بهذا الفضل وهذه المنة بين النبي ﷺ طريقها فقال: (فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها فافعلوا) وهما: صلاتا الفجر والعصر، وقد قال النبي ﷺ : (من صلى البردين دخل الجنة) ، ففضائل هاتين الصلاتين كثيرة، ومنها: حصول رؤية الرب جل وعلا، نسأل الله أن يجعلنا ممن يراه رؤية تنعيم وإكرام. قال المؤلف ﵀: [إلى أمثال هذه الأحاديث التي يخبر فيها رسول الله ﷺ عن ربه بما يخبر به] ، المراد: أنه مثل ببعض أحاديث الصفات، ولم يستوعب، وكل هذه الأحاديث يجري فيها أهل السنة والجماعة على سنن واحد وعلى طريقة واحدة كما سيبين المؤلف ﵀.

стр. 115

موقف أهل السنة من الأحاديث التي فيها إثبات الصفات الربانية قال المؤلف ﵀: [فإن الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة يؤمنون بذلك، كما يؤمنون بما أخبر الله به في كتابه، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، بل هم الوسط في فرق الأمة] . يقول ﵀: (فإن الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة -جعلنا الله منهم- يؤمنون بذلك) أي: يؤمنون بما أخبر به النبي ﷺ عن ربه. قوله: (بذلك) اسم الإشارة عائد إلى الأحاديث التي فيها إخبار النبي ﷺ عن ربه جل وعلا، وإيمانهم بهذه الأحاديث كإيمانهم بما دل عليه الكتاب ولذلك قال: (كما يؤمنون بما أخبر الله به في كتابه العزيز) أي: أنهم لا يفرقون بين ما ثبت في الكتاب وما ثبت في السنة كطريق أهل البدعة، بل ما ثبت في السنة فهو كالثابت في الكتاب من حيث الإيمان بما تضمنه وما دل عليه؛ لأن النبي ﷺ أنزل عليه القرآن ومثله معه كما قال (ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه) أي: مثله في وجوب الإيمان والقبول، وإلا فليس مثله في الدرجة، وليست المثلية من كل وجه، إنما المثلية في الإيمان والقبول، وهو ما أخبر به ﷺ ، وقد جاء ذلك في القرآن في قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧] ، وقد تقدم الكلام على هذا في أول الفصل عند أن تكلم عن منزلة السنة من القرآن. ثم قال ﵀: (كما يؤمنون بما أخبر به في كتابه من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل) وقد تقدم الكلام على هذه الضوابط فيما سبق.

стр. 116

مكانة أهل السنة والجماعة بين فرق الأمة قال المؤلف ﵀: [بل هم الوسط في فرق الأمة كما أن الأمة هي الوسط في الأمم. فهم وسط في باب صفات الله بين أهل التعطيل الجهمية وأهل التمثيل المشبهة. وهم وسط في باب أفعال الله بين الجبرية والقدرية وغيرهم. وفي باب وعيد الله بين المرجئة والوعيدية من القدرية وغيرهم. وفي باب أسماء الإيمان والدين بين الحرورية والمعتزلة وبين المرجئة والجهمية. وفي أصحاب رسول الله ﷺ بين الرافضة والخوارج] . بعد أن فرغ الشيخ ﵀ من بيان المنهج العام الذي سار عليه أهل السنة والجماعة في هذا الباب -باب الأسماء والصفات- واستدل لذلك بأدلة من الكتاب والسنة انتقل ﵀ إلى بيان أنهم وسط في عقائدهم وأعمالهم، وأن أهل السنة والجماعة وسط في الفرق -فرق الأمة- كما أن الأمة هي الوسط في الأمم. فقوله ﵀: (بل هم) الضمير عائد إلى أهل السنة والجماعة. (الوسط) والوسط من الشيء: أعلاه وأعدله وخيره. (في فرق الأمة) فهم من هذا أن في الأمة فرقاً، وقوله: (الأمة) الألف واللام للعهد، أي: أمة محمد ﷺ ، وقد أخبر النبي ﷺ في الحديث الصحيح المشهور في مسند الإمام أحمد وأبي داود وغيرهما: (أن الأمة ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة) وقد بين النبي ﷺ صفة هذه الفرقة بقوله: (هم من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي) ، وقوله ﷺ : (يد الله مع الجماعة) ، فهذان وصفان أساسيان لهذه الفرقة، جعلنا الله منهم. فأهل السنة والجماعة وسط عدول خيار في الأمة كما أن الأمة وسط بين أمم الكفر، أما وسطية الأمة فذلك في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة:١٤٣] ، والمراد بالوسط: العدل الخيار، فجعل الله هذه الأمة عدولاً خياراً حتى تتحقق لهم الشهادة على الأمم، فإنه لا يشهد على أحد إلا من كان عدلاً خياراً، ووسطية الأمة لا تنحصر في ذلك؛ ولذلك شيخ الإسلام ﵀ في كتابه (الجواب الصحيح) ذكر أوجهاً من وسطية الأمة بين أمتي اليهود والنصارى، ثم بعد إن ذكر وجوهاً عديدة قال: وهذا باب يطول وصفه، يعني: يطول تتبعه وتحديده، لكن كل من نظر إلى شرائع من تقدم، وإلى ما تميزت به هذه الأمة؛ وجدها قد سلكت طريقاً مستقيماً، صراطاً عدلاً قسطاً، لا وكس ولا شطط، لا غلو ولا تفريط، فليس عندهم غلو، وليس عندهم تقصير، بل هم على صراط مستقيم. وكذلك أهل السنة والجماعة لكونهم أخذوا هذا المنهج من كتاب الله ومن سنة رسوله ﷺ ، وهما مصدر التشريع ومصدر العقائد لأمة الإسلام، فإنهم اتصفوا بهذا الوصف، فبقدر تمسك الإنسان بالكتاب وبالسنة يتحقق بقدر ذلك وصف الوسطية فيه، وبقدر ما يكون عدلاً خياراً. إذاً: فهمنا أن الوسطية في أمة الإسلام أمرها واسع، وكذلك الوسطية في منهج أهل السنة والجماعة -في الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة -أيضاً باب يطول وصفه، فهم وسط في الأعمال، وسط في العقائد، وسط في الأقوال، فليس عندهم غلو ولا تقصير، وإنما الغلو والتقصير عند غيرهم، فضرب المؤلف ﵀ نماذج لوسطية أهل السنة والجماعة في خمسة أمور في باب العقيدة؛ لأن الرسالة في باب العقيدة، وهذه الأمور الخمسة، هي: الأول: باب صفات الله . الثاني: باب أفعال الرب جل وعلا. الثالث: باب وعيد الله . الرابع: باب أسماء الإيمان والدين. الخامس: في أصحاب رسول الله ﷺ . وليست الوسطية مقصورة على هذه، إنما هذه نماذج وأمثلة لوسطية هذه الفرقة فرقة أهل السنة والجماعة.

стр. 117

موقف أهل التعطيل والتمثيل من صفات الله تعالى قال: (فهم وسط في باب صفات الله تعالى بين أهل التعطيل الجهمية وأهل التمثيل المشبهة) صفات الله هي: كل ما وصف به نفسه ، والصفات لها مفهوم خاص ومفهوم عام، مفهومها العام يصدق أو يندرج تحته كل خبر عن الله من وصف أو فعل، فإن كل خبر عن الله بفعل أو باسم سواءً كان مصدراً أو اسم فاعل أو اسم مفعول أو صفة مشبهة كل ذلك يندرج في كونه وصفاً لله . وأهل السنة والجماعة فيما أخبر الله به عن نفسه وسط بين الفرقتين من فرق الضلالة، فرقة التعطيل وفرقة التمثيل، والتعطيل يندرج فيه أو يندرج تحته كل من حرف في صفات الله ، سواءً كان التحريف تحريفاً كلياً أو تحريفاً جزئياً. فالتحريف الكلي هو كتحريف غلاة الجهمية الذين يقولون: إن الله جل وعلا لا يوصف بشيء لا بإثبات ولا بنفي، ومن دونهم كالمعتزلة الذين نفوا الصفات، ومن دونهم كالأشاعرة الذين أثبتوا بعض الصفات ونفوا بعضها، كل هؤلاء يستظلون في مظلة التعطيل على درجات، لكن الجميع يشترك في هذا الأصل وهو التعطيل. يقابل هذه البدعة بدعة أهل التمثيل وهم: الذين مثلوا الله بخلقه، فقالوا: يد الله كأيدينا، وسمعه كأسماعنا، وبصره كأبصارنا، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً، فهؤلاء -أيضاً- غلوا في الإثبات، فجعلوا الخالق كالمخلوق، وكذبوا بالقرآن حيث قال الله جل وعلا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ، وهذه الآية رد على هاتين البدعتين المنحرفتين في هذا الباب، وقد تقدم الكلام على هاتين البدعتين في ثنايا الحديث على الآيات، وتبين لنا أن أهل السنة والجماعة يثبتون المعاني ويكلون الكيفيات إلى الله ، فيثبتون معاني ما أخبر الله به عن نفسه، وأما كيفيات ذلك فإنهم يكلونها إلى الرب جل وعلا. أهل التعطيل ماذا فعلوا في المعاني؟ الجواب: عطلوها بالتحريف والإبطال. وأهل التمثيل ماذا فعلوا بالمعاني؟ الجواب: غلوا في إثباتها حتى جعلوا ما للمخلوق للخالق، وما اتصف به الرب نظير ما اتصف به المخلوق، فأثبتوا كيفيات وأمثال لله ، تعالى الله عنها علواً كبيراً. وأهل السنة والجماعة وسط بين هاتين البدعتين، والسلامة من هذين الطريقين في الضوابط التي تقدم ذكرها هي إثبات الصفات من غير تحريف ولا تعطيل، وبهذا نسلم من شبهة أهل التعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، وبهذا نسلم من شبهة الممثلة.

стр. 118

موقف الجبرية والقدرية من أفعال الله تعالى قال ﵀: (وهم) الضمير يعود إلى أهل السنة والجماعة الفرقة الناجية. (وهم وسط في باب أفعال الله تعالى بين الجبرية والقدرية) ، أفعال الله هي: ما أخبر به من فعله، وقد انقسم فيها الجبرية والقدرية إلى فريقين: فريق غلوا في الإثبات، وفريق غلوا في النفي. الجبرية غلوا في أن الله على كل شيء قدير، وأنه خالق كل شيء، وأنه ما من شيء إلا بمشيئته ، فألغوا بذلك قدرة المخلوق ومشيئته وفعله، فجعلوا المخلوق كالريشة في مهب الريح، ليس له اختيار ولا فعل، وإنما الجميع فعل الله، وقالوا: الجميع فعل الله، فلا يضاف للمخلوق شيء، ولما قالوا هذا القول قالوا: إنه يجوز على الله كل شيء إلا الممتنع، فيجوز على الله الظلم، ويجوز عليه مخالفة الحكمة، ويجوز أن يجعل الشيطان في الفردوس الأعلى، ومحمداً ﷺ في أسفل السافلين -تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً- لأنه لا حكمة للرب، ولا رحمة ولا عدل. والإنسان إذا سمع هذه الأقوال يقشعر منها بدنه، فكيف بمن جعلها في قلبه عقيدة يدين الله بها؟! فهذا أمر عظيم، لكن -سبحان الله العظيم! - طمس الله بصائرهم، وأعمى قلوبهم حتى اعتقدوا في ربهم هذه العقيدة، هؤلاء هم الجبرية. يقابلهم فريق آخر وهم القدرية الذين سلبوا الله قدرته وفعله وخلقه ومشيئته، فقالوا: إن العبد يفعل، والله جل وعلا لا قدرة له على فعل هذا، والله لم يشأ فعل العبد، والله لم يخلق فعل العبد. وأهل السنة والجماعة سلكوا طريقاً وسطاً، وصراطاً مستقيماً، فأثبتوا للعبد الفعل، وأثبتوا أن هذا الفعل بمشيئة الله ، فالعبد يفعل بمشيئته وإرادته، والرب جل وعلا قد أحاطت مشيئته بمشيئة عبده، فما شاء الله كان، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان:٣٠] ، فمشيئة العبد الثابتة له وإرادته الثابتة له؛ لا تخرج عن إرادة الله ومشيئته . وسيأتي مزيد بيان وتوضيح لهذا الأمر في كلام المؤلف ﵀ عن القدر في قوله: [ويؤمن أهل السنة والجماعة الفرقة الناجية بالقدر خيره وشره] في هذه الرسالة إن شاء الله تعالى، والله تعالى أعلم. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 119

شرح العقيدة الواسطية [١٤] أهل السنة والجماعة وسط بين فرق الأمة، كما أن هذه الأمة وسط بين الأمم، فأهل السنة وسط بين الغلو والجفاء، وبين الإفراط والتفريط، فهم وسط في باب الصفات بين المعطلة والممثلة، وفي باب الوعد والوعيد بين المرجئة والخوارج، وفي باب الصحابة بين الرافضة والخوارج وهكذا فأهل السنة وسط في جميع أمورهم وأحوالهم.

стр. 120

وسطية أهل السنة والجماعة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، أما بعد: قال المصنف رحمه الله تعالى: [وهم وسط في باب أفعال الله بين الجبرية والقدرية وغيرهم، وفي باب وعيد الله بين المرجئة والوعيدية من القدرية وغيرهم، وفي باب أسماء الإيمان والدين بين الحرورية والمعتزلة وبين المرجئة والجهمية. وفي أصحاب رسول الله ﷺ بين الرافضة والخوارج] . هذا بقية ما ذكره المؤلف ﵀ من المسائل التي مثل بها لوسطية أهل السنة والجماعة، وهي من مسائل العقيدة. قال ﵀: (وفي باب وعيد الله بين المرجئة والوعيدية) الوعيد تقدم تعريفه، وأنه الإخبار بإيقاع ما يسوء، ويقابله الوعد وهو: الإخبار بإيقاع ما يسر. فقول المؤلف ﵀: (في باب وعيد الله) هل الخلاف الذي بين المرجئة وبين القدرية هو فقط في باب الوعيد؟ الجواب: لا، بل هو في باب الوعد والوعيد، وإنما اقتصر على أحد الأمرين اكتفاءً بدلالته على الآخر، فالخلاف الذي توسط فيه أهل السنة والجماعة هو في باب الوعد والوعيد.

стр. 121

الطوائف التي ضلت في باب الوعد والوعيد وموقف أهل السنة من ذلك باب الوعد والوعيد ضل فيه طائفتان: طائفة غلت في النفي، وطائفة غلت في الإثبات. وأهل السنة والجماعة سلكوا طريقاً وسطاً بين هاتين الضلالتين، فسلموا من ضلالة الإرجاء، ومن ضلالة القدرية. نصوص الوعد والوعيد في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ جاءت عامة مطلقة، وهذه النصوص العامة المطلقة عطل عمومها المرجئة، فقالوا: إنها لا تعم أهل المعاصي، إنما هي في أشخاص معينين، هذا أحد ما حملوا نصوص الوعيد عليه، وقالوا أيضاً: إن نصوص الوعيد إنما هي في الكفار، وليست في أهل الإسلام، فكل نص تضمن وعيداً فإنه ليس في أهل الإسلام، إنما هو في أهل الكفر، فخصوا عمومها، بل إن غلاة المرجئة عطلوا العموم بالكلية فقالوا: لا عموم لهذه النصوص. وقابلتهم طائفة أخرى وهم القدرية الوعيدية الذين قالوا: إن نصوص الوعيد يدخل فيها مرتكب الكبيرة، وهي متحققة الوقوع فيه، فكل من فعل كبيرة فإنه خارج عن دائرة الإيمان، وحكمه الخلود في النار، فقالوا بتخليد أهل التوحيد في النار وذلك فرع عن إخراجهم من الإيمان بالكلية، والبدع متسلسلة يأخذ بعضها برقاب بعض، فالبدعة التي كانت في الاسم انتقلت إلى الحكم، كما سيأتينا أنهم أيضاً ضلوا في أسماء الإيمان والدين، وهذا الضلال في هذا الباب تبعه الضلال في باب الأحكام. قوله: (وفي باب وعيد الله بين المرجئة والقدرية) البحث الآن هو في ضلالهم في الحكم، حيث حكم القدرية على أهل الإيمان بالتخليد في النار، وحكم المرجئة بأن نصوص الوعيد لا تتوجه لأهل الإسلام، ولا يدخل فيها أهل الإيمان، بل أهل الإيمان ليس لهم إلا الوعد، وأما الوعيد فهو في حق الكفار، أو أنه في شخص معين، وقالوا: يجوز ألا يعذب الله أحداً بالكلية، فتكون هذه النصوص مقصودها التهديد، وليس معناها مراداً، وإنما يقصد بها التهديد. وأما أهل السنة والجماعة فقالوا: نصوص الوعيد عامة، ولكن الوعيد مقيد، وكذلك نصوص الوعد عامة، ولكنها مقيدة، فكما أننا نقيد نصوص الوعد بعدم الكفر، فكذلك نقيد نصوص الوعيد بعدم التوبة. وبه نفهم أن لنصوص الوعد شروطاً وموانع، فعمومها له شروط وموانع، وكذلك نصوص الوعيد لها شروط وموانع في تنزيلها على الأفراد، وهذه مسألة مهمة إلى الغاية؛ لأن الخطأ فيها كثير، والفهم فيها حسير عند كثير من الناس، فبعض الناس قد يظن أن إطلاق الوعد أو إطلاق الحكم في أمر معين يلزم منه انطباق هذا الحكم على كل من قام بهذا الفعل، وهذه مسألة خطيرة، وهي التي أوقعت أهل التكفير في التكفير، ولم يفهموا ما نقل عن السلف مثلاً في تكفير من أنكر العلو؛ لأنه قد نقل عن السلف أنهم قالوا: من أنكر العلو فهو كافر، فهل الذين يقولون الآن من عوام المسلمين: إن الله في كل مكان، كفار بأعيانهم؟ الجواب: لا، لا نقول بذلك، وقد صرح شيخ الإسلام ﵀ بهذا، ومثل بهذا المثال بعينه، فقال: إن من السلف من أطلق التكفير على بعض من قال بمقالات الجهمية كنفي العلو، ولكن لا يلزم من هذا أن يكون كل من قال بهذا القول فهو كافر؛ لأن التكفير لابد فيه من توافر الشروط وانتفاء الموانع، فلابد من قيام الحجة التي تنقطع بها المعذرة ممن قامت عليه. فكذلك هنا نصوص الوعد مشروطة بعدم الكفر وهذا لا إشكال فيه، ولذلك قال الله عن أعمال أهل الكفر الصالحة: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣] ، والمقصود به: العمل الصالح، فلما لم يتوفر شرط الإيمان لم ينتفع به، فنصوص الوعد من موانع تحققها وجود الكفر، ومن شروط ثبوت فضلها لأهلها وجود الإيمان. كذلك نصوص الوعد في كونها لمعين لابد من شرطين: الأول: الإخلاص. الثاني: المتابعة. ونصوص الوعد في تحقق الفضل لمعين يشترط لها الإخلاص، والمتابعة. فمن تحقق فيه الإخلاص والمتابعة فإنه يثبت له الفضل. ونصوص الوعيد -أيضاً- مقيدة بتوافر الشروط وانتفاء الموانع، فلو أن الإنسان فعل فعلاً مما توعد الله عليه بالنار فهل نحكم بأنه من أهل النار؟ الجواب: لا؛ لأنه لابد من أن ننظر هل الشروط متوافرة؟ فإن وجدت الشروط، فهل الموانع منتفية؟ فإن انتفت الموانع وتوافرت الشروط ثبت الحكم على المعين، ولذلك الحكم على المعين يحتاج إلى نظر، فأهل السنة والجماعة أطلقوا العمومات في نصوص الوعد وفي نصوص الوعيد، وقالوا: يدخل فيها أهل الإيمان كغيرهم، ولكن تنزيلها على أهل الإيمان لابد فيه من توافر الشروط وانتفاء الموانع، والموانع كثيرة: منها: التوبة، فالتوبة من موانع نزول العقاب. ومنها: الحسنات الماحية من موانع حصول العقاب. ومنها: سابق الفضل والعفو من الله جل وعلا، وهذا أيضاً من موانع حلول العقاب والوعيد. المهم أن الموانع متعددة، ولذلك كان أهل السنة والجماعة وسطاً بين هاتين الضلالتين، بين المرجئة الذين قالوا: لا يتوجه نص من نصوص الوعيد إلى أهل الإسلام، وبين القدرية الذين جعلوا نصوص الوعد حكماً على الأفراد دون نظر إلى توافر الشروط وانتفاء الموانع، فجعلوا نصوص الوعيد في حق كل أحد، فكل من ارتكب كبيرة فإنه مخلد في النار، هذا من حيث الحكم.

стр. 122

موقف أهل السنة والجماعة في باب الإيمان والفرق التي ضلت في هذا الباب أما توسط أهل السنة والجماعة من حيث الاسم فهو في قوله ﵀: (وفي باب أسماء الإيمان والدين) المراد بأسماء الإيمان والدين: (مؤمن، ومسلم، وكافر، وفاسق) . هذه أسماء الإيمان والدين، وهي تمثل مراتب الناس في دينهم. فأهل السنة والجماعة وسط في هذا الباب بين فرقتين: الحرورية والمعتزلة من جهة، والمرجئة والجهمية من جهة أخرى. الحرورية هم: الخوارج، والمعتزلة معروفون، وجميع هؤلاء اتفقوا على بدعة وهي: سلب وصف الإيمان ممن ارتكب الكبيرة، فكل من ارتكب كبيرة فإنه غير مؤمن ولا مسلم فنفوا عنه الاسمين: الإسلام، والإيمان. وأثبت الخوارج له وصف الكفر، فقالوا: إنه كافر، أما المعتزلة فقالوا: إنه في منزلة بين المنزلتين، هذا من حيث الاسم، لكن من حيث الحكم يتفقون أن من خرج عن وصف الإسلام والإيمان فإنه مخلد في النار، فمن حيث الحكم يتفقون، وأما من حيث الاسم فهم يختلفون، فالخوارج يسمونه كافراً، والمعتزلة يقولون: لا نسميه كافراً، إنما هو في منزلة بين المنزلتين. يقابلهم المرجئة الجهمية، الذين قالوا: إن مرتكب الكبيرة مؤمن كامل الإيمان، فأثبتوا له كمال الإيمان وتمامه ولم ينقصوا منه شيئاً، وأصل هذه البدعة بشقيها هو: اعتقادهم في الإيمان، وسيأتينا بيان ذلك مفصلاً في كلام الشيخ ﵀. فإن الفريقين أصحاب هاتين الضلالتين يعتقدون أن الإيمان كل لا يتبعض. وأنا أقول: من المهم لطالب العلم أن يعرف منشأ البدعة وأصلها حتى يتمكن من الرد عليها ومناقشتها. والفريقان: الخوارج والمعتزلة من جانب، ومرجئة الجهمية من جانب، كلهم يعتقدون أن الإيمان كل لا يتبعض، فالمعتزلة والخوارج قالوا: إذا خالف الإيمان في شيء واحد سلب منه جميعه؛ لأن الإيمان لا يتبعض، وإذا كان لا يتبعض وقد لعن النبي ﷺ من فعل الكبيرة؛ فهذا دال على نقص إيمانه، والإيمان لا يتبعض؛ فقد خرج منه الإيمان بالكلية، وإذا خرج منه الإيمان بالكلية فهو إما كافر على قول الخوارج، أو في منزلة بين المنزلتين على قول المعتزلة. والآخرون الذين قابلوهم وهم مرجئة الجهمية قالوا: المعاصي لا تضر بالإيمان؛ لأن الإيمان كل لا يتبعض، فلو قلنا: إن الإيمان ينقص بالمعصية لزم خروجه؛ لأن الإيمان إما أن يبقى جميعاً أو يسلب جميعاً. وسلم من هذه البدعة أهل السنة والجماعة فأثبتوا زيادة الإيمان ونقصه، وقالوا: صاحب الكبيرة لا يسلب عنه مطلق الإيمان، ولا يثبت له الإيمان المطلق، كما سيأتي إن شاء الله تعالى تفصيل ذلك في كلام المؤلف، وإنما المراد بيان وسطية أهل السنة والجماعة في اسم الإيمان والإسلام، والكفر والفسق.

стр. 123

موقف أهل السنة والجماعة من الصحابة والفرق التي ضلت في ذلك ثم قال ﵀ في بيان وسطية أهل السنة والجماعة: (وفي أصحاب رسول الله ﷺ بين الرافضة والخوارج) الرافضة غلوا في بعض أصحاب رسول الله ﷺ ، فغلوا في علي بن أبي طالب ﵁ حتى أبلغوه درجة الإلهية فجعلوه رب العالمين. ويقابلهم الخوارج الذين كفروا علياً وعثمان. والرافضة جمعوا بين البدعتين بين الغلو والتقصير في أصحاب رسول الله ﷺ ، فوالوا بعضهم حتى رفعوهم إلى درجة الإلهية، وقصروا في أكثرهم حتى وصفوهم بالكفر والخيانة، فكفروا أبا بكر وعمر والزبير وجمهور صحابة رسول الله ﷺ . وأما الخوارج فكفروا علياً وعثمان، وكفروا من كان معهم من صحابة رسول الله ﷺ . وأهل السنة والجماعة وسط بين هاتين الضلالتين، فيوالون أصحاب رسول الله ﷺ جميعاً، ويعتقدون أنهم خير القرون، وأنه لا كان ولا يكون مثلهم ﵃، وسيأتي بيان موقف أهل السنة والجماعة تفصيلاً في كلام الشيخ ﵀. والمراد: أن الشيخ ﵀ بين لنا وسطية أهل السنة والجماعة في خمسة أبواب من أبواب الاعتقاد: في صفات الله . وفي أفعال الله جل وعلا. وفي وعيده . وفي أسماء الإيمان والدين. وفي أصحاب رسول الله ﷺ . وهذه الأمور سيأتي لها تفصيل في بقية هذه الرسالة المباركة.

стр. 124

وجوب الإيمان باستواء الله على عرشه وعلوه على خلقه قال المصنف ﵀: [فصل: وقد دخل فيما ذكرناه من الإيمان بالله الإيمان بما أخبر الله به في كتابه، وتواتر عن رسوله، وأجمع عليه سلف الأمة، من أنه سبحانه فوق سماواته على عرشه، عليٌّ على خلقه] . هذا المقطع فيه إثبات علو الله ، وذكر المصنف أدلته إجمالاً بعد إن بين ذلك بنوع من التفصيل فيما تقدم، فإنه في فصل الآيات ذكر الآيات الدالة على علو الله بأنواع من الدلالة، وكذلك فيما ذكره من أحاديث النبي ﷺ بين ثبوت ذلك بالنصوص النبوية الدالة على علو الله على خلقه. ثم ذكر الدليل الثالث الذي يستند إليه أهل السنة والجماعة في إثبات علو الله وهو: إجماع سلف الأمة، فقال: (وأجمع عليه سلف الأمة) ، وهذه الأدلة واضحة جلية بينة لا مرية فيها ولا شك، فإن من تأمل النصوص وكلام السلف أيقن إيقاناً هو من العلوم الضرورية أنهم كانوا يعتقدون بأن الله فوق كل شيء، وهذا مما استقرت عليه كلمتهم واتفقت ولا خلاف بينهم في هذا، والذين ينكرون العلو ينكرونه بشبه باردة، وقد سول لهم الشيطان هذه الشبه وزينها في أعينهم لرد ما استقر في الفطر، وأجمعت عليه الأمم. ومن أبلغ شبههم التي ينفون العلو لأجلها قولهم: إن إثبات العلو يقتضي أن الله جسم، وإثبات العلو يقتضي الجهة والحيز والمكان، وكل هذه ترهات وضلالات لا تستند على حق، بل في أعظم مجمع في موقف عرفة والنبي ﷺ يخطب لما أشهد الله على الأمة بأنه قد بلغ كان يرفع أصبعه إلى السماء وينكسها عليهم، وهذا من تحقيق معنى العلو لرب العالمين، كما جرى ذلك في عدة صفات كصفة السمع والبصر، وكصفة القبض للسماوات والأرض، فإن فعل النبي ﷺ ليس تشبيهاً ولا تمثيلاً، إنما هو لتحقيق اتصافه سبحانه بهذا المعنى، ولم ينكر هذا أحد من الصحابة ﵃، ولم يقولوا: كيف تشير إلى رب العالمين؟! ولو أننا طلبنا منهم نصاً يعتمدون عليه في إبطال هذه الصفة العظيمة لرب العالمين لما أتوا بشيء، وإنما يستدلون بدليل جمهور علماء الأمة على أنه موضوع، ومنهم من قال: إنه غريب، ولكن الجمهور على أنه موضوع، وهو أن النبي ﷺ قال في وصف ربه: (هو الذي أين الأين) ويتركون ما دلت عليه النصوص الدالة على علوه على خلقه. ثم إن علوه على خلقه ثابت له بجميع أنواع الأدلة، ولا مناص لأهل التأويل من إثباته؛ ولذلك ذكر عن أبي المعالي الجويني أنه كان يخطب على المنبر ويقول: كان الله ولا عرش، وهو على ما كان عليه قبل أن يخلق العرش، يريد أن ينفي الاستواء، فأتى أبو الفضل جعفر الهمذاني فقال له: يا أستاذ! دعنا من العرش واستواء الرب عليه، بماذا تجيب عن هذه الضرورة التي يجدها كل أحد في قلبه: ما قال قائل قط: يا رب! إلا وجد في قلبه تحركاً إلى طلب العلو قبل حركة لسانه؟ فما كان منه إلا إن ضرب رأسه وقال: حيرني الهمذاني، حيراني الهمذاني. وهذا هو منتهى كل من عارض ما دل عليه الكتاب والسنة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾ [الذاريات:٨] ، وقال جل وعلا: ﴿فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق:٥] ، أي: مضطرب، فيه اختلاف، وحيرة، وتناقض لا يعلمه إلا الله، ولو أنهم سلموا للنصوص، واتبعوا هدي السلف الصالح في هذا لسلموا، ولقدروا الله على طريقة السلف. ثم بين أنه سبحانه فوق سماواته على عرشه، فذكر العلو العام والعلو الخاص فقال: (فوق سماواته على عرشه) هذا العلو العام، و (على عرشه) هذا العلو الخاص، (عليٌّ على خلقه جميعاً) .

стр. 125

وجوب الإيمان بمعية الله لخلقه وأن ذلك لا ينافي علوه سبحانه قال المصنف ﵀: [وهو سبحانه معهم أينما كانوا يعلم ما هم عاملون، كما جمع بين ذلك في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد:٤]] . هذا فيه إثبات معية الله لخلقه، فهو مع خلقه، لكن أعلم أن (مع) في كلام العرب تفيد مطلق المقارنة، ولكن لا يلزم منها مماسة ولا مخالطة، وهذا ما سيبينه المؤلف ﵀، وإنما بين المؤلف هنا أن الله متصف بمعيته لخلقه، فهو معهم أينما كانوا، ثم بين مقتضى ولازم هذه المعية فقال: يعلم ما هم عاملون، وهذا -يا أخي- ليس تأويلاً ولا تحريفاً كما يزعمه المشاغبون على أهل السنة والجماعة، فإنهم يقولون لأهل السنة: أنتم أولتم المعية بالعلم. فنقول: ليس بصحيح، نحن لم نؤول المعية بالعلم، بل نقول: إن المعية ثابتة لله ، ومن مقتضاها وحكمها ولازمها أنه مهيمن على خلقه، مطلع عليهم، عالم بهم، فكثير من معاني الربوبية يثبت بإثبات معية الله للخلق، ولكن لا نقول: إنه ليس مع خلقه، أو ننفي عنه هذا الوصف الذي وصف به نفسه؛ ولذلك المؤلف ﵀ قدم إثبات الوصف ثم بين لازمه، وهم يقولون في الصفات التي ينفونها: لا يد لله، ولا سمع لله، ولا حكمة لله، فينفون الصفة ويحرفونها، وأهل السنة ما فعلوا هذا، وإنما أثبتوا ما أثبته الله لنفسه، ثم بينوا لازم ذلك وحكمه ومقتضاه، هذا هو الفارق بين أهل السنة والجماعة وبين غيرهم من أهل البدعة والضلالة. ولذلك قال: (وهو سبحانه معهم أينما كانوا، يعلم ما هم عاملون) ، وقوله: (يعلم ما هم عاملون) يشمل الفعل والقول، عمل القلب، وعمل الجوارح. قال: (كما جمع بين ذلك في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ [الحديد:٤] ، مع استوائه على العرش جل وعلا: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ [الحديد:٤] ) ، هذه جملة حالية، أي: قوله: (يعلم) جملة حالية، من قوله: استوى على العرش، يعني: استوى على العرش حال كونه جل وعلا عالماً ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها، فاستواءه جل وعلا على عرشه لم يمنعه من أن يحيط علمه بشئون خلقه وبأمر مملكته ، بل هو المحيط بكل شيء. ثم قال: ( ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٤] ) بعد أن ذكر العلم أثبت المعية. ثم قال: ( ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد:٤] ) فأعاد ذكر سعة علمه ، حيث قال: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد:٤] ، مع أنه داخل في عموم قوله: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ [الحديد:٤] ؛ لأن مما يخرج من الأرض عمل بني آدم، فالعمل الصالح يرفع إلى الله جل وعلا، وتعرض أعمال العباد على الله ، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل كما في الصحيح، والله تعالى أعلم. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 126

شرح العقيدة الواسطية [١٥] يجب علينا التسليم بكل ما أخبر الله عنه من صفاته، ومن ذلك أنه معنا رقيب ومطلع علينا، لا تخفى عليه خافية، فله سبحانه المعية العامة لجميع خلقه، وله المعية الخاصة لعباده المؤمنين، ولا تنافي بين ذلك وبين علوه واستوائه على عرشه جل وعلا، فإنه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وهو على كل شيء قدير.

стр. 127

وجوب الإيمان بالاستواء والمعية دون تنافٍ بينهما بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. وبعد: قال المصنف ﵀: [وليس معنى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد:٤] ، أنه مختلط بالخلق، فإن هذا لا توجبه اللغة، وهو خلاف ما أجمع عليه سلف الأمة، وخلاف ما فطر الله عليه الخلق، بل القمر آية من آيات الله من أصغر مخلوقاته، وهو موضوع في السماء، وهو مع المسافر وغير المسافر أينما كان. وهو سبحانه فوق عرشه رقيب على خلقه، مهيمن عليهم، مطلع إليهم إلى غير ذلك من معاني ربوبيته] . هذا فيه الرد على الذين قالوا بأن الله له معية يخالط بها خلقه، فمنهم من أثبت ذلك وهم الحلولية، ومنهم من أنف عن هذا فألغى المعية، فيبين المؤلف ﵀ أن قوله : ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد:٤] ، لا يلزم عليه هذه اللوازم الباطلة، والاعتقادات الفاسدة في رب العالمين، فقال: (وليس معنى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد:٤] أنه مختلط بالخلق) بين عدم دلالة هذا اللفظ على هذا المعنى بعدة أوجه: الوجه الأول: إن هذا لا توجبه اللغة، هذا أول الأوجه في إبطال أن معنى المعية المخالطة. لماذا لا توجب اللغة هذا المعنى؟ لأن (ما) في كلام العرب تفيد مطلق المقارنة والمصاحبة، ولا يلزم من ذلك المخالطة والممازجة والمماسة، هذا هو الوجه الأول لإبطال قول من قال: إن من لازم قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد:٤] أن يكون مختلطاً بخلقه، فيقال: هذا المعنى لا توجبه اللغة؛ لأن (ما) في جميع استعمالاتها في اللغة ليس مما تفيده أن ثبوت المعية يقتضي المخالطة والممازجة والمماسة، هذا أمر. الوجه الثاني: قوله: (وهو خلاف ما أجمع عليه سلف الأمة) فسلف الأمة يعتقدون اعتقاداً راسخاً ثابتاً بأن الله فوق عرشه، بائن من خلقه، وهو معهم جل وعلا أينما كانوا، فلم يفهم سلف الأمة من إثبات المعية أنه مخالط للخلق، أو أنه ممازج للخلق، أو أنه حال فيهم، أو أنه متحد بهم، سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيراً! وهذا خلاف ظن الذين قالوا: إنه معنا بذاته في كل مكان، فالذين يقولون: إن الله في كل مكان، يلزم منه أن يكون في المطابخ والحشوش وأماكن مستقذرة، وكان الجهمية في البداية يقولون: إن الله في كل مكان، فلما أورد عليهم: كيف لا تنزهون الرب عن أن يستوي على أعظم مخلوقاته وهو العرش وتجعلونه في كل مكان، في الأواني والصحون والحشوش؟! فقال متأخروهم: إنه ليس فوق العالم، ولا داخل العالم، ولا خارجه، ولا مباين، ولا فوق ولا تحت، ولا يمين ولا يسار، ووصفوه بالعدم، هذا قول متأخري الجهمية؛ وسبب ذلك هو ما أورد عليهم من إشكالات لما قالوا: إنه في كل مكان. فسلف الأمة مجمعون على أن المعية لا تقتضي المخالطة، فمن الجمل والعقائد التي شحنت بها كتب أهل السنة والجماعة: أن الله بائن من خلقه -بائن أي: منفصل عن خلقه- ليس فيه شيء من خلقه، ولا هو في شيء من خلقه سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيراً!! وقد أنكر القرآن ما يعتقده النصارى من أن الله حل في المسيح، وأن فيه من الرب ما جعله إلهاً في مواضع كثيرة. الوجه الثالث في إبطال هذا المعنى: (وخلاف ما فطر الله عليه الخلق) ، فالخلق مفطورون على أن الرب في العلو، فلا أحد يطلب ربه يمنة ولا يسرة ولا تحت، كل من طلب ربه طلبه في جهة العلو ، وهؤلاء يقولون: إن توجه الداعي إلى السماء في دعائه؛ لأن الله جعل السماء قبلة الدعاء كما جعل الكعبة قبلة المصلين، سبحان الله! وكيف نجيب عليهم؟ نجيب عليهم: أن النبي ﷺ أعلم الخلق بربه، فإنه لما استشهد الله على أمته أشار إلى جهة العلو، وهل كان يدعو؟ لا. لم يكن داعياً، فبطل قولهم: إن السماء قبلة الدعاء. فنقول: السماء تتوجه إليها القلوب وتفزع إليها فطرةً قبل أن يعلم العالم بأن رب السماوات والأرض عليها، وأنه في جهة العلو ، وهذا معنى قوله: (وخلاف ما فطر الله عليه الخلق) وهذا استدلال بالفطر، فالآن عندنا استدلال: باللغة. وبالإجماع. وبالفطرة.

стр. 128

الدليل العقلي في إثبات معية الله العامة لخلقه دون الاختلاط بهم ثم أتى بالدليل العقلي في قوله: (بل القمر) ويمكن أن نقول: إنه دليل عقلي ودليل حسي في نفس الوقت؛ لأنه دليل محسوس. قال: (بل القمر آية من آيات الله، من أصغر مخلوقاته -أي: السماوية- وهو موضوع في السماء) يعني: في العلو، وإلا فإنه دون السماء الدنيا، فإن هذه الكواكب السيارة دون السماء الدنيا فيما يظهر، أما القمر فيقين أنه دون السماء الدنيا. فقوله ﵀: (وهو موضوع في السماء) أي: في العلو، ثم قال في بيان وجه التنظير بين علو الله وعلو القمر: (وهو مع المسافر وغير المسافر أينما كان) ، فهل كون القمر مع المسافر وغير المسافر اقتضى أن يكون مخالطاً للمسافرين، ومخالطاً للناس؟ الجواب: لا. فإذا كان كذلك وأدركته عقولنا، وقبلته أذهاننا فيما يتعلق بمخلوق من أصغر مخلوقات الله السماوية، فكيف به جل وعلا وهو الكبير المتعال؟! فلا يلزم من إثبات معيته مخالطته لخلقه، وهذا برهان واضح، ودليل ساطع، يقطع حجة أولئك الذين قالوا: يلزم من إثبات معية الله لخلقه أن يكون مخالطاً لهم، وهل في هذا التنظير محذور شرعي؟ الجواب: لا. ليس فيه محذور شرعي، وذلك أن التنظير في المعنى لا في كل ما يلزم من المثال، إنما التنظير من بعض الوجوه، وإلا فالله ليس كمثله شيء، وقد جاء في بعض روايات حديث: (ما منكم من أحد إلا وسيكمله ربه ليس بينه وبينه ترجمان، أن أبا رزين العقيلي قال: يا رسول الله! كيف وهو واحد ونحن الجميع؟ فقال: سأذكر لك مثل ذلك بآية من آيات الله وهي القمر، فكلكم يراه مخلياً به -يعني: ليس بينه وبينه أحد-) فهذا تمثيل وتنظير نبوي وقياس عقلي في إثبات هذا المعنى الذي جاء به النص. المهم أن الدليل واضح وساطع، وهو آخر ما ذكره المؤلف ﵀ من الأدلة على عدم لزوم المعية لمخالطة الله لعباده، وهناك دليل لم يذكره المؤلف ﵀، وقد ذكره في غير موضع من كلامه في الفتاوى وفي كتب عديدة وهو: أن المعية في كلام الله جاءت على نوعين: معية عامة. ومعية خاصة. المعية العامة في مثل قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٤] ، هذه المعية العامة. والمعية الخاصة مثل قول النبي ﷺ لـ أبي بكر: (لا تحزن إن الله معنا) ، وأيهما أكثر وروداً في كتاب الله، الإخبار بالمعية العامة أو المعية الخاصة؟ الإخبار بالمعية الخاصة، ومن لازم إثبات المعية الخاصة أن يكون فيها من المعنى ما ليس في المعية العامة؛ لأن النبي ﷺ لما قال لـ أبي بكر: (لا تحزن إن الله معنا) ، هل هذه المعية التي اختص بها رسول الله ﷺ وأبو بكر ثابتة لخصومهم الذين كانوا يلاحقونهما؟ الجواب: لا. فلما ثبتت المعية الخاصة دل ذلك على أن المعية العامة لا تقتضي المخالطة؛ لأنها لو كانت تقتضي المخالطة لانتفى التخصيص، وهذا دليل واضح بين يدل على أن المعية العامة الثابتة في كلام الله لا تقتضي المخالطة ولا الممازجة، بل هو جل وعلا بائن من خلقه، ليس فيه شيء من خلقه ولا هو في شيء من خلقه ، هذا خامس الأدلة التي ذكرها الشيخ ﵀ في إبطال هذا المعنى الذي توهمه المبطلون في هذه الصفة التي أخبر بها عن نفسه. ثم قال ﵀: (وهو مع المسافر وغير المسافر أينما كان) وهذا نظير قول النبي ﷺ في دعاء السفر: (اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل) هذا فيه إثبات المعية الخاصة أم العامة؟ المعية العامة؛ لأنه مصاحب للمسافر، ومصاحب لمن خلفه؛ ولذا قال: (أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل) ، والأهل هل هم معه أو خلف ظهره؟ خلف ظهره، وهذا من الأدلة الدالة على ثبوت المعية العامة، وإن كان فيها نوع تخصيص؛ لأن قوله: (وأنت الخليفة في الأهل) كأنه يقول: احفظهم، (وأنت الصاحب في السفر) كأنه يقول: احفظني، أو أعني على سفري، لكن مفاد الأمرين هو: ثبوت المعية العامة له ، فلا يعارض كونه مع المسافر أن يكون مع غيره؛ لأن معيته لا تقتضي الممازجة والمخالطة. ثم قال ﵀: (وهو سبحانه فوق العرش) من أين هذا؟ من الآيات التي مرت معنا في إثبات علوه ، وهو صريح حديث الأوعال الذي قال فيه: (والله فوق العرش) .

стр. 129

من مقتضيات المعية ثم قال: (رقيب على خلقه، مهيمن عليهم، مطلع إليهم، إلى غير ذلك من معاني ربوبيته ذكر ثلاثة لوازم ومقتضيات من مقتضيات المعية: الاطلاع. الرقابة. الهيمنة. وهذا تفسير للمعية باللازم، وهذا ما فيه إشكال، فتفسير المعية بهذه الأمور هو تفسير لها باللازم، لكن لماذا فسر أهل السنة والجماعة المعية بلازمها؟ هل لأنهم لا يثبتون مدلول اللفظ؟ الجواب: لا. إنما فسروها بذلك لإبطال قول من قال: بأن المعية تقتضي المخالطة والممازجة، وإلا فتفسيرها باللازم لا ينفي أنهم يثبتون مدلول المعنى، فثبوت لازم اللفظ يلزم منه إثبات الملزوم وهو ما دل عليه اللفظ، وهذه مسألة مهمة، وهي أن ما فسره السلف بلازمه لا يعني أنهم لا يثبتون مدلول اللفظ، بل هم يثبتون مدلول اللفظ على حقيقته اللائقة بالرب جل وعلا، وإنما احتاجوا إلى هذا لينفوا اعتقاد المبطلين الذين جعلوا المعية تقتضي المخالطة. وقد ورد تفسير المعية بهذا في كلام السلف، فنقل تفسير المعية بالعلم عن ابن عباس وعن الإمام أحمد وعن غيرهما من أئمة السلف من الصحابة ومن بعدهم. فقوله ﵀: (إلى غير ذلك من معاني ربوبيته) هذا فيه الإشارة إلى أن إثبات المعية هو إثبات لها، وإثبات للوازمها وما يلزم على ثبوت هذه الصفة، فهو مع خلقه بعلمه واطلاعه وهيمنته وقدرته وسلطانه، كل ذلك ثابت له، وهو مندرج في معاني ربوبيته ؛ لأنها لا تتحقق الربوبية إلا بتمام الاطلاع والقدرة والعلم بحال المخلوق؛ ولذلك قال: (إلى غير ذلك من معاني الربوبية) ليشمل كل ما ورد عن السلف من تفسير للمعية، وأشهر ما ورد عنهم تفسيرها بالعلم.

стр. 130

وجوب صون الله عن الظنون الكاذبة قال ﵀: (وكل هذا الكلام الذي ذكره الله -من أنه فوق العرش وأنه معنا- حق على حقيقته لا يحتاج إلى تحريف، ولكن يصان عن الظنون الكاذبة، مثل أن يظن أن ظاهر قوله (في السماء) أن السماء تقله أو تظله، وهذا باطل بإجماع أهل العلم والإيمان، فإن الله قد وسع كرسيه السماوات والأرض، وهو الذي يمسك السماوات والأرض أن تزولا، ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ [الروم:٢٥] ) . يقول ﵀: (وكل هذا الكلام الذي ذكره الله سبحانه -من أنه فوق العرش) وهذا علوه الخاص (وأنه معنا) - وهذا فيه إثبات معيته العامة (حق على حقيقته) أي: ثابت على حقيقته (لا يحتاج إلى تحريف) يعني: لا نحتاج إلى أن ندخل فيه متأولين بآرائنا، بل يجب إجراء ما أخبر الله به عن نفسه كما أخبر، فلا حاجة إلى التحريف الذي يسمونه تأويلاً، لكن ما الذي يحتاجه المؤمن في هذا المقام؟ الذي يحتاجه هو ما أشار إليه في قوله: (ولكن يصان عن الظنون الكاذبة) ، وهذا فيه فائدتان: الفائدة الأولى: بيان سبب تحريف من حرف في هذه الصفة، وهو أنه اعتقد معنىً باطلاً فيما أخبر الله به عن نفسه فاضطر إلى تأويله وتحريفه. هذه فائدة. الفائدة الثانية: أنه يجب على المؤمن أن يجري هذا الأمر في كل ما أخبر الله به عن نفسه، وهو: أن يصون قلبه وفكره عن كل ظن سوء بربه؛ لأن من ظن بالله ظن السوء أوقعه ذلك في المهاوي والمهالك؛ ولذلك مثل ﵀ بأمثلة فيما يتعلق بهذه الصفة وهي ثبوت العلو مع ثبوت المعية، فقال: (مثل أن يظن) إلى آخر ما قال. واعلم -يا أخي الكريم- أن الظن الفاسد فيما أخبر الله به عن نفسه يترتب عليه مفسدتان عظيمتان: المفسدة الأولى: الجناية على النصوص بالتحريف، فمن فهم من كلام الله وكلام رسوله معنىً باطلاً ضرب كل طريق، وسلك كل سبيل لإبطال هذا المعنى الباطل الذي توهمه. إذاً: المفسدة الأولى من مفاسد الظنون الكاذبة في كلام الله وكلام رسوله: الجناية على النصوص بالتحريف. المفسدة الثانية: ظن السوء بالله ورسوله ﷺ ؛ لأنه ظن أن الله تكلم وأخبر عن نفسه بمعانٍ باطلة فاسدة، وأن الرسول ﷺ أخبر عن ربه بما لا يليق أن يخبر به مطلقاً، بل كان الواجب عليه أن يقيد ويبين، وهذا فيه ظن سوء بالله ، وبرسوله ﷺ ، ولو صان المؤمن قلبه وعقله وفكره عن هذه الظنون الكاذبة لسلم.

стр. 131

من أمثلة الظنون الكاذبة مثل ﵀ بالظنون الكاذبة في هاتين الصفتين فقال: (مثل أن يظن أن ظاهر قوله (في السماء) أن السماء تقله أو تظله) تقله يعني: تحمله، أو تظله يعني: يكون تحتها، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. يقول: (وهذا الظن الفاسد باطل بإجماع أهل العلم والإيمان) أهل العلم هم أهل البصيرة بكتاب الله وسنة رسوله، وأهل الإيمان يشمل كل أهل الإسلام؛ ولذلك لا ينقدح في نفس عموم المسلمين الذين لم يتلوثوا بهذه اللوثات البدعية أن معنى قوله تعالى: ﴿فِي السَّمَاءِ﴾ [البقرة:١٤٤] أن السماء تظله أو تقله، لا يرد هذا على خاطر أو بال عوام المسلمين، إنما يفهمون من هذا اللفظ تعظيم الله جل وعلا، وأنه على كل شيء قدير . ولو قلت لأحد من المسلمين: هل تفهم من قوله: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] أن السماء تحمل الرب جل وعلا؟ لاقشعر بدنه. ولو قلت له: هل تفهم من هذا أن السماء تظله؟ لأنكر ذلك؛ وذلك لأن هذا لا يأتي إلا من الظنون الكاذبة التي أشار إليها الشيخ ونبه عليها في أول الكلام، فلو أن المؤمن صان هذا لسلم من هذه الإيرادات الفاسدة. ثم قال: (فإن الله قد وسع) هذا تقرير لبطلان هذا الظن الكاذب، (فإن الله قد وسع كرسيه السماوات والأرض) والكرسي: هو خلق من خلق الله، ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة:٢٥٥] ، فإذا كان هذا خلقه فكيف به جل وعلا؟ ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام:٩١] ، لو قدروا الله حق قدره ما دارت هذه الخواطر في قلوبهم، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا﴾ [فاطر:٤١] ، فكيف تحمله وكيف تظله؟ ومعنى (أن تزولا) أي: أن تتحول من مكانها أو أن تعدم، فالزوال يطلق على الأمرين: يطلق على العدم. ويطلق على تحول الشيء من حال إلى حال. فتقول: زالت الشمس، أي: تحولت من جهة المشرق إلى جهة المغرب، وتقول: زال الشيء، يعني: انعدم واضمحل، وكلاهما ثابت لله ، فإنه هو الذي يمسك السماوات والأرض أن تزولا، أن تتحول وتختل ويفسد نظامها، وأيضاً هو الذي يمسكها عن أن تعدم جل وعلا. ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [الحج:٦٥] ، والسماء هنا: المراد بها كل ما هو عال، فيدخل فيه إمساكه جل وعلا للشمس والقمر والنجوم والكواكب، لو شاء الله لتساقطت هذه الأجرام العظيمة على الأرض، لكنه يمسكها ، ولا تقع إلا بإذنه جل وعلا، أي: بإذنه الكوني وتقديره ، ولو أن الله لم يقم عليها لاختل نظامها وسيرها، ولذلك قال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ [الروم:٢٥] ، تقوم أي: تسير سيراً مستقيماً بما فيها من الكواكب وبما فيها من الخلق الذي لا يعلمه إلا هو جل وعلا. (بِأَمْرِهِ) ، أي: بأمره الكوني. والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 132

شرح العقيدة الواسطية [١٦] من الإيمان بالله الإيمان بأنه قريب مجيب، يجيب دعوة الداعي إذا دعاه، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. ومن الإيمان بالله وبالرسل أن نثبت أن القرآن كلام الله سبحانه، منه بدأ وإليه يعود، وأنه منزل من عنده غير مخلوق ولا مفترى.

стр. 133

إثبات صفة القرب لله جل وعلا بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه. وبعد: قال المصنف ﵀: [فصل: وقد دخل في ذلك الإيمان بأنه قريب مجيب، كما جمع بين ذلك في قوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة:١٨٦] ، وقوله ﷺ : (إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته) ، وما ذكر في الكتاب والسنة من قربه ومعيته لا ينافي ما ذكر من علوه وفوقيته، فإنه سبحانه ليس كمثله شيء في جميع نعوته، وهو عليّ في دنوه قريب في علوه] . هذا الفصل فيه إخبار عن صفة عظيمة من صفات الله، وهي: قربه جل وعلا، وأتى بصفة القرب بعد ذكر المعية؛ لأن كثيراً من المتأخرين وبعض المتقدمين يفسرون القرب بالمعية، فـ مقاتل بن حيان من السلف وكثير من الخلف يفسرون ما أثبته الله لنفسه من القرب بأنه المعية، فيقولون: قرب العلم والقدرة، وهو قول لبعض السلف. والذي عليه جمهور أهل السنة والجماعة: أن القرب وصف زائد على المعية، فهو ليس المعية التي أخبر بها عن نفسه، التي هي المعية العامة؛ لأن المعية العامة تثبت ولا يلزم منها قرب الشيء من الآخر، فتقول: القمر معنا وليس بقريب منك. فالمعية ليس من لازمها القرب، بل قد يكون الشيء مع الشيء وبينهما من البعد بون شاسع، والقرب الذي يثبته أهل السنة والجماعة للرب صفة فعلية اختيارية، فهو يقرب ممن يشاء ، كيف يشاء، وهذا الذي عليه جمهور أهل السنة والجماعة.

стр. 134

أحوال قرب الله سبحانه من خلقه ولفظ القرب في كتاب الله وفي السنة ورد على حالين: ورد بصيغة الإفراد، وورد بصيغة الجمع، فمن صيغة الإفراد قول الله : ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة:١٨٦] ، فأضاف القرب إلى نفسه بصيغة الإفراد ، ومن السنة قوله ﷺ : (إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته) ، وورد أيضاً وصف القرب بصيغة الجمع وذلك في قوله : ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦] ، وقوله ﵎: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة:٨٥] ، فهل كل هذا القرب مضاف إلى الله ؟ بعض العلماء قال: نعم، القرب بصيغة الإفراد والجمع كله مضاف إليه ، وعليه فسروا القرب في هذه المواضع كلها بقرب العلم والقدرة. والصحيح: أن الرب في كتابه، وأن النبي ﷺ في سنته لم يصف الله بالقرب على وجه العموم، فلم يرد أنه من كل شيء قريب كما ورد في نصوص المعية، إنما ورد ذلك خاصاً، فقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:١٨٦] ، هذا قرب من الداعي، فهو قرب خاص، وليس قرباً من كل أحد. وقول عنه الصحابة: (يا رسول الله! أربنا قريب فنناجيه أم بعيد فنناديه؟) ما الذي سألوا عنه؟ هل سألوا عن قرب العلم والقدرة؟ هل كانوا يشكون في أنه قريب منهم قدرة وعلماً؟ لا. إنما سألوا عن القرب الخاص، وهو قربهم من الداعي؛ ولذلك قالوا: أقريب فنناجيه أم بعيد فنناديه؟! فأنزل الله هذه الآية: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:١٨٦] ، وهذا مما يبطل قول من قال: القرب معناه العلم؛ لأن الصحابة لم يشكوا في أن الله بهم عليم، ولا أنه جل وعلا عليهم قدير، فهم يؤمنون بأن الله بكل شيء عليم، وأن الله على كل شيء قدير، إنما سألوا عن قربه من عبده في هذه الحالة. وكذلك قول النبي ﷺ (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد) ، فهذا فيه إثبات القرب الخاص، وهو قربه من الساجد العابد. كذلك دنوه من أهل الموقف يوم عرفة دنو خاص، وليس دنواً عاماً، وقرب خاص وليس قرباً عاماً، فهو دنو من أهل الموقف دون غيرهم، وكذلك نزوله في الثلث الأخير من الليل، وإن كانت الأمثلة السابقة أوضح وأجلى ولا مجال فيها للمناقشة؛ لأنها مقيدة.

стр. 135

معنى القرب العام من الخلق والقرب العام الذي ذكر في قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦] ، وقوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة:٨٥] ، هو قرب الملائكة، قد يقول قائل: ما الذي جعلكم تصرفون اللفظ عن ظاهره؟ نقول: ليس ظاهره أن القرب مضاف إلى الله، بل ظاهره أن القرب للملائكة، أما في آية سورة (ق) فقد قال الله : ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق:١٦] ، ثم قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ﴾ [ق:١٦-١٧] ، وقوله: إذ، ظرف متعلق بأقرب، فهذا القرب مقيد بهذه الحادثة، ولو كان القرب عاماً لما احتاج إلى تقييده في هذه الحالة، فالقرب هنا هو قرب الملائكة؛ ولذلك قال جل وعلا: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ﴾ [ق:١٦-١٧] ، فما فائدة ذكر المتلقيين إذا كان القرب له ؟! فالآية سياقها وسباقها يدل على أي شيء؟ يدل على أن القرب للملائكة الكتبة الحفظة، الذين قال الله فيهم: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار:١٠-١٢] ، والذي في قوله: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق:٤] ، حافظ يحفظ أعمالها وما كان منها، وقوله: ﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾ [الأنعام:٦١] . المهم أن القرب هنا هو قرب الملائكة، أما الرب جل وعلا فإنه لم يصف نفسه بالقرب من كل أحد. أما الآية الثانية التي في سورة الواقعة: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة:٨٥] فهذه الآية أيضاً واردة في الملائكة؛ لأن الله يرسل الملائكة تتوفى الأنفس، ﴿فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة:٨٣-٨٥] ، وقوله: ﴿وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة:٨٥] ، الذي نفي إبصاره هل هو الله جل وعلا؟ لا؛ لأن الله لا يرى في الدنيا: (واعلموا أن أحداً منكم لن يرى ربه حتى يموت) كما قال النبي ﷺ ، إنما هو إبصار الملائكة؛ ولذلك كان قوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة:٨٥] ، يعني: أن الملائكة قريبون من الميت، ولكن لا تبصرونهم، أما الرب جل وعلا فإنه لم يصف نفسه بالقرب من كل أحد. ثم لو كان القرب عاماً لما كان هناك تمايز بين قربه من الميت وقربه من الحاضرين، فلا وجه للتخصيص، إلا أن القرب هنا هو قرب الملائكة. وبهذا يتبين أن القرب الذي وصف الله به نفسه في كتابه هو القرب الخاص من العابد الداعي الساجد، أما القرب العام فلم يرد في الكتاب ولا في السنة مضافاً إليه . ومن أهل العلم من فسر القرب بالمعية الخاصة، فقال: صفة قربه هي معيته الخاصة لأوليائه وعباده المتقين والصابرين والمحسنين والمتطهرين وما إلى ذلك، وهذا الذي نحى إليه ابن القيم ﵀، وظاهر كلام شيخ الإسلام ﵀ أن القرب صفة مستقلة عن المعية بالكلية، فليست هي المعية الخاصة ولا المعية العامة، وهذا هو الأليق بظواهر النصوص، وهو أن القرب صفة غير المعية.

стр. 136

قربه ومعيته سبحانه لا ينافي علوه وفوقيته ثم قال ﵀: (وما ذكر في الكتاب والسنةمن قربه ومعيته لا ينافي ما ذكر من علوه وفوقيته) وهذه مسألة مهمة للغاية، وهي وجوب اعتقاد ما أثبته الله لنفسه، وأنه لا تعارض بين ما أخبر به عن نفسه من العلو وما أخبر به عن نفسه من القرب والدنو والنزول والإتيان والمجيء والاستواء، وغير ذلك من الصفات، ومن توهم التعارض فإنه لم يقدر النصوص حق قدرها. فالواجب على المؤمن أن يؤمن بجميع ما أخبر الله به عن نفسه، وجميع ما أخبر به رسوله ﷺ ، وأن يعتقد أن ذلك حق على حقيقته، ولا يرد في ذلك أن اجتماع هذه الأوصاف ممتنع في حق المخلوق، فإن ذلك هو المناسب للمخلوق، أما الخالق جل وعلا فإنه ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته، ولا فيما يجب له، ولا في أفعاله، ولا في أسمائه جل وعلا، فتنبه لهذا، فإذا ضاق عقلك وقلت: إنه إذا قلنا إنه ينزل يلزم من ذلك ألا يكون عالياً والعلو صفة ذاتية، فكيف تنفي هذه الشبهة وهذا الإيراد؟! بأن تعلم أنه ليس كمثله شيء، وأنه ما وصف به نفسه ليس له نظير في المخلوقات، كما جاءت أدلة ذلك متواترة وكثيرة في الكتاب والسنة. وبهذا يندفع الوهم الوارد عند بعض الناس في صفة القرب، قالوا: إذا كان يقرب من بعض عباده فكيف يكون عالياً على خلقه؟! الجواب: أنه ليس كمثله شيء في جميع نعوته؛ ولذلك قال المؤلف ﵀: (فإنه سبحانه ليس كمثله شيء في جميع نعوته) ، يعني: في جميع ما وصف به نفسه، لا من جهة الاجتماع ولا من جهة الأفراد، من جهة الاجتماع كاجتماع العلو مع القرب، أو العلو مع المعية، أو العلو مع النزول، أو الظهور مع وصف الباطن ، فهل يمكن أن يكون مخلوق من خلق الله ظاهراً وباطناً في نفس الوقت ويكون أول وآخر في نفس الوقت؟ لا يمكن، لكن امتناع هذا في المخلوق لعجزه وقصوره وضعفه، وأما الخالق فليس كمثله شيء ، وهو الموصوف بصفات الكمال، فلا تعارض من ثبوت صفات الكمال لله؛ إذا كانت في المخلوق، وفيما ندركه منا، لا يمكن أن تجتمع، ولا يمكن أن تثبت لواحد. فتنبه لهذا فإنه مهم، واجعل معك هذا السلاح الماضي، والسيف القاطع لكل من عارضك وحاول أن يشكل عليك: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ، فهو كما قال المؤلف: (وهو عليٌ في دنوه) يعني: في قربه من عباده ، (قريب في علوه) ولا تعارض بين هذين الوصفين.

стр. 137

أنواع القرب الثابت لله جل وعلا

стр. 138

قرب العبد من الله واعلم أن معنى القرب الثابت لله أمران: الأمر الأول: قرب قلب عبده منه ، فقول النبي ﷺ (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد) هو قرب قلبه، وكذلك قوله : ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم:٥٢] ، وكذلك قول الله في الحديث الإلهي: (لا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه) . فيستفاد من هذا الوصف قرب قلب العبد من رب العالمين، ولا يلزم عليه أي إشكال، فقرب قلب العبد يثبته جميع أهل الإثبات، فهذا المعنى يتفق عليه أهل الإثبات جميعاً، ولا ينكره أحد إلا الصابئة والفلاسفة، فهؤلاء خارجون عن بحثنا وكلامنا، فليسوا من أهل القبلة، أما أهل الإثبات من أهل القبلة فإنهم لا ينفون هذا المعنى من ثبوت هذا الوصف للرب جل وعلا.

стр. 139

القرب القائم بذاته المعنى الثاني الذي يفسر به القرب: هو الذي وقع فيه الخلاف بين أهل الإثبات، والمقصود بأهل الإثبات الذين يثبتون الصفات في الجملة، ويدخل معهم الأشاعرة والكلابية والماتريدية، فسلف الأمة وأئمة السنة يثبتون القرب القائم بذاته جل وعلا، ويثبتونه قرباً قائماً بذاته، وهو فعل من أفعاله الاختيارية ، ولا يلزم منه مماسة ولا مخالطة ولا شيء من هذه الظنون الكاذبة في الرب . أما جمهور المتكلمين من مثبتة الصفات فإنهم ينفون هذا المعنى، ولماذا ينفون هذا المعنى؟ لأنهم لا يثبتون الصفات الفعلية الاختيارية، وهذه معضلة عندهم، ومشكلة كبيرة، آثارها في جميع ما أخبر الله عن نفسه من صفات الفعل، فلعدم إثباتهم الصفات الاختيارية حملهم على إنكار هذه الصفات، وجعلوا نصيبها التأويل والتحريف بالباطل، وتحريف الكلم عن مواضعه، ولو قيل لهم: من أين لكم أنه لا تقوم به الأفعال الاختيارية وأنه لا يفعل ما يشاء؟ قالوا: لأن قيام الحوادث بالرب يقتضي الحدوث؛ لأن كل من قام به حادث فهو حادث، انتبه لهذه الشبهة! قلنا لهم: من أين لكم هذه القاعدة التي تعارض نصوص الكتاب والسنة، والتي سلطتموها على دلالات النصوص؟ قالوا: هذه قاعدة مجمع عليها. قلنا لهم: إن الإجماع لابد له من دليل، فالإجماع دليل سمعي، فأين ذلك في كلام الله؟ وأين ذلك في كلام رسوله ﷺ ؟ وأين ذلك في كلام سلف الأمة من الصحابة والتابعين وتابعيهم؟ هل في كلام الله أنه يمتنع أن تقوم به الحوادث، وأن من قامت به الحوادث فهو حادث؟ لا، ولم يأتوا بشيء ولا حرف واحد، فيقال لهم: هذه شبهة عقلية سلطتموها على النصوص، وجعلتموها مانعة لما دل عليه الكتاب والسنة من كمال الرب، وأنه فعال لما يريد، وأنه يفعل ما يشاء ، فإذا بطلت هذه الشبهة بطل كل تأويل وتحريف في باب الأسماء والصفات. وهذه من أكبر الشبه التي تمنعهم من إثبات الصفات لله . ونعود إلى ما نحن فيه، فنقول: القرب الثابت لله له معنيان: معنىً يتفق عليه أهل الإثبات وهو قرب قلب عبده منه. والثاني: يثبته أئمة السنة وسلف الأمة وهو: القرب القائم بذات الرب جل وعلا، وفي المعنيين لا يلزم أي لازم باطل، فكما أنه لا يلزم من قرب قلب العبد من الرب جل وعلا الذي يثبته أهل الإثبات أن يكون مختلطاً بخلقه، بل قلب العبد قريب من ربه، والرب جل وعلا فوق سمواته، مستوٍ على عرشه، بائن من خلقه، والعبد في الأرض، فكذلك لا يلزم على المعنى الذي أثبته أهل السنة والجماعة أي لازم باطل.

стр. 140

الإيمان بأن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق قال ﵀: (فصل: ومن الإيمان بالله وكتبه الإيمان بأن القرآن: كلام الله، منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود) . هذا الفصل عقده المؤلف ﵀ لإثبات صفة الكلام للرب جل وعلا، وبيان أن القرآن كلام الله ، وهذا هو الذي دل عليه كتاب الله ، ودل عليه سنة النبي ﷺ ، وإجماع سلف الأمة، بل وأجمعت عليه الأمم، وهو من لوازم الإيمان بالله، والإيمان بالكتب، والإيمان بالرسل، والإيمان بالملائكة، فلا يتم الإيمان بهذه الأمور الأربعة إلا بالإيمان بأن القرآن كلام الله. أما الإيمان بالله فوجه ذلك أن الكلام صفته ، فمن قال: إنه لا يتكلم فإنه لم يؤمن به تمام الإيمان؛ لأنه كذب ما أخبر به عن نفسه، وأخبرت به رسله من أنه يتكلم متى شاء كيف يشاء، أما كون ذلك من لوازم الإيمان بالكتب، فإن من لازم الإيمان بالكتب أن تؤمن بأن الله قد تكلم بكل كتاب أنزله على رسله، حتى التوراة التي كتبها الله جل وعلا بيده لموسى فإنه قد تكلم بها، هكذا قال أهل السنة والجماعة، ومضى على ذلك سلف الأمة، فمن قال: إن الكتب ليست كلام الله فإنه لم يؤمن بها حق الإيمان، بل ولم يعظمها حق التعظيم؛ لأنها إذا لم تكن كلام الله صارت كسائر المخلوقات ليس لها من الحرمة والتعظيم كما لو كانت صفته . أما كون الإيمان بأن القرآن كلام الله من الإيمان بالرسل؛ فإن الرسل أخبرت بأن الله يقول، ويأمر، وينهى، ويخبر، ويعد، ويتوعد، وكل ذلك بكلام، فمن قال: إنه لا يتكلم، فقد صدق المشركين فيما نسبوا الأنبياء إليه من أن القرآن قول البشر، كما قال الله في خبره عن المكذبين للنبي ﷺ حيث قالوا: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر:٢٥] إن هنا نافية بمعنى: ما هو إلا قول البشر، فليس قول رب العالمين، كذلك هو من الإيمان بالملائكة؛ لأن الملائكة هم الذين بلغوا هذه الكتب إلى رسل الله، فالسفير بين الله ورسوله جبريل ﵇، ولا يتم الإيمان بالملائكة إلا إذا آمنا به، وبما أخبر الله عنه من أنه رسوله إلى رسله، يبلغ دين الله ورسالاته، فتبين بهذا أن إنكار هذه الصفة أمره خطير، وخطبه عظيم، وله تأثير في كثير من أركان الإيمان، في الإيمان بالله، الإيمان بالكتب، الإيمان بالرسل، الإيمان بالملائكة. قال ﵀: (ومن الإيمان بالله وكتبه الإيمان بأن القرآن كلام الله) ، أي: أن الله قد تكلم به حقيقة، ثم بعد أن بين العقد، قال: (منزل غير مخلوق) فهو كلام الله منزل، وهذا تأكيد أنه كلامه ، فمن الأدلة الدالة على أنه كلام الله جل وعلا أنه منزل منه، ومبتدأ منه. وأما قوله ﵀: (غير مخلوق) ، فهذا رد على الجهمية الذين أنكروا أن يكون الله متصفاً بالكلام، فقالوا: إنه لا يتصف بهذه الصفة، وليس من صفاته الكلام، إنما الكلام خلقه؛ ولذلك قال: (غير مخلوق) ، فالجهمية يعتقدون أن لله كلاماً فيقولون: كلام الله، والقرآن كلام الله، لكنهم يقولون: إنه كلام مخلوق خلقه الله في غيره، خلقه الله وأنطق به غيره، فهم يضيفون الكلام إلى الله لكنها إضافة خلق وليست إضافة وصف، وهذا الفارق بينهم وبين أهل السنة والجماعة، وهو فارق بيَّن كبير. واعلم أن هؤلاء الجمهية جرى منهم محنة لأهل السنة والجماعة في زمن الإمام أحمد ﵀، فامتحنوا الناس في مسألة خلق القرآن، امتحنوا الأئمة والعلماء وعامة الناس، فثبت الله بلطفه الإمام أحمد على عقد السلف الصالح، وما دل عليه الكتاب والسنة، حتى آب الناس وانقشعت الفتنة، وأصبح قولهم مهجوراً، وأصبح كل أحد يريد أن يستدل على صحة عقيدته ينتسب إلى الإمام أحمد ﵀. وهذا ليس فقط في أتباعه على مذهبه الفقهي، بل حتى أصحاب المذاهب الأخرى، لماذا؟ لأن أهل السنة والجماعة وإن تفرقت بهم الأقوال في مسائل الفروع والأحكام إلا أنهم متفقون في مسائل الاعتقاد، فقول أحمد ومالك والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم من أئمة السنة واحد في باب الإعتقاد، فليس بينهم خلاف. واعلم أن أول من أظهر هذه البدعة الشنيعة -وهي إنكار هذا الوصف والزعم بأن القرآن مخلوق- الجعد بن درهم فهو أول من عرف عنه هذا القول، وقد قتله خالد بن عبد الله القسري لبدعته وشناعة ما جاء به؛ حيث أنكر صفة الكلام، وأنكر أن يكون الله قد اتخذ إبراهيم خليلاً، وأخذ عنه هذه البدعة الشنيعة تلميذه الموافق له في الشر والفساد الجهم بن صفوان وأظهر القول بذلك، ولذلك ينسب المذهب إليه فيقال: الجهمية، نسبة إليه؛ لأنه هو الذي أظهر مقالات السوء في أهل الإسلام، وإن كان الجعد هو الذي أسس وفصل لكن هذا هو الذي دعا وأظهر وبين. ولم يعرف من السلف من قال بهذا القول بالكلية، بل كلامهم مطبق -ولا خلاف بينهم- أن كلام الله صفة من صفاته، وقد جرى لأهل السنة والجماعة مناظرات في زمن الإمام أحمد، وبعد الإمام أحمد في هذه الصفة، وبينوا بياناً واضحاً شافياً ما يعتقده أهل السنة والجماعة ودلالة الكتاب والسنة وأقوال السلف على ذلك. قال ﵀: (منه بدأ) أي: منه ابتدأ، (من) في قوله: (منه) لابتداء الغاية، أي: من الله بدأ، والمراد بقوله: بدأ، أي: ابتدأ منه ، وذلك رد على الجهمية الذين قالوا: إن الله يتكلم لكنه يخلقه في غيره، فأبطل أهل السنة والجماعة هذه البدعة بهذه المقولة التي اتفقوا عليها، وهي أن الكلام منه بدأ، أي: أنه منه ابتدأ، لا من غيره. وبعضهم قال: منه خرج، ليبطل ما يقوله الجهمية المعتزلة من أنه خلق الكلام في غيره، ونسبه إليه إضافة تشريف وتكريم، فقالوا: إن الذي كلم موسى ليس هو الله، إنما الذي كلمه صوت خلقه الله في الشجرة، ولا أدري كيف يستجيزون هذا مع أن القول الذي قاله الله جل وعلا لموسى في ذلك الموقف: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ﴾ [طه:١٤] ، فهل يجوز أن تقول الشجرة هذا القول؟! لا يجوز ولا يمكن، فعلم بذلك بطلان قولهم، وليس هذا هو الدليل الوحيد لإبطال هذه الشبهة والبدعة، بل الأدلة على ذلك كثيرة. المهم أن قول أهل السنة والجماعة: (منه بدأ) أي: منه ابتدأ لا من غيره، ولا يعني هذا أنه انفصل عنه كما تقول المعتزلة والجهمية، بل كلامه ليس ببائن منه؛ لأنه صفته، فهو كسمعه وبصره وعلمه وقدرته وغير ذلك من الصفات. وأما قوله: (وإليه يعود) فهذا فيه إشارة إلى ما جاء في الأثر من أنه يسرى على المصاحف في ليلة فلا يبقى في صدور الرجال من القرآن شيء، ولا يبقى في المصاحف منه حرف، وذلك في آخر الزمان، فيرفع الله جل وعلا كتابه إذا أعرض عنه الناس ولم يعملوا به، ولم يبق إلا شرار الخلق، وعند ذلك لا فائدة من بقائه. كما أن البيت يهدم كما قال النبي ﷺ : (حجوا قبل ألا تستطيعوا أن تحجوا) وكما أخبر أن الكعبة يهدمها ذو السويقتين من أهل الحبشة. المهم أن القرآن يسرى به، وهذا معنى قوله: (وإليه يعود) ، وهذا لعظمته وأنه صفة الرب جل وعلا. والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 141

شرح العقيدة الواسطية [١٧] من عقيدة أهل السنة والجماعة الإيمان بأن القرآن كلام الله حروفه ومعانيه، وقد خالف هذه العقيدة الأشاعرة والكلابية والجهمية، فرد على شبهاتهم أهل السنة، وبينوا بطلان عقائدهم. ومن عقيدة أهل السنة الإيمان بفتنة القبر وعذابه ونعيمه، وتفصيل ذلك يذكر بأدلته في كتب العقائد.

стр. 142

إثبات صفة الكلام لله تعالى بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: قال المصنف ﵀: [وأن الله تكلم به حقيقة، وأن هذا القرآن الذي أنزله على محمد ﷺ هو كلام الله حقيقة لا كلام غيره، ولا يجوز إطلاق القول بأنه حكاية عن كلام الله أو عبارة عنه، بل إذا قرأه الناس أو كتبوه في المصاحف لم يخرج بذلك عن أن يكون كلام الله تعالى حقيقة، فإن الكلام إنما يضاف حقيقة إلى من قاله مبتدئاً لا إلى من قاله مبلغاً مؤدياً، وهو كلام الله حروفه ومعانيه، ليس كلام الله الحروف دون المعاني، ولا المعاني دون الحروف] . قال ﵀: (وأن الله تعالى تكلم به حقيقة) ، والمراد بقوله: (حقيقة) يعني: أن إضافة الكلام إليه حقيقة وليس مجازاً كما تقول الكلابية والأشاعرة، فإن الكلابية والأشاعرة يقولون: إضافة الكلام إلى الله مجاز وليس حقيقة، وإلا فإنه ليس لله كلام يسمع، وإنما هو معنىً يقوم بالذات، هكذا قال عبد الله بن كلاب، وهو أول من أحدث هذا القول في أمة الإسلام، وأول من عرف عنه إنكار أن القرآن كلام الله هو الجعد بن درهم، وأخذ هذه المقالة عنه الجهم بن صفوان، وهذا عبد الله بن سعيد بن كلاب أتى بقول محدث، لم يرض قول المعتزلة، ولم يسلك طريق أهل السنة، فقال: إن الكلام معنىً يقوم بذات الرب ، وهو معنى أزلي، وهذا المعنى ترجمه وبينه إما جبريل وإما محمد ﷺ على خلاف عندهم، وهذا يرده الكتاب والسنة وإجماع السلف واللغة والعقل، كل هذا يرد على هذا القول، وتفصيل هذا مبسوط في كتابات أئمة السلف المتقدمين والمتأخرين. فالذي يجب اعتقاده في كلام الله أنه كلام الله لفظه ومعناه، هذا الذي عليه أهل السنة والجماعة. أما أولئك فإنهم قالوا: المعنى من الله، وأما الكلام فليس منه، أما الحروف والألفاظ فليست منه هي من غيره؛ ولذلك قال المؤلف ﵀: (وأن الله تعالى تكلم به حقيقة) . وقد أكد الله جل وعلا كلامه فقال : ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤] ، فأتى بالمصدر المؤكد لفعله وهو الكلام، فقال: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤] ، وهذا يبطل الأوهام الضالة التي تقول: إن الكلام مجاز وليس بحقيقة. ثم قال ﵀: (وأن هذا القرآن) المشار إليه القرآن كتاب الله الذي أنزله على محمد ﷺ ، (الذي أنزله على محمد ﷺ هو كلام الله حقيقة لا كلام غيره) ، وهذا تأكيد للمعنى السابق، كلامه حقيقة، فالإضافة إليه إضافة حقيقية، (لا كلام غيره) كما قالوا: إن الكلام عبر عنه جبريل أو عبر عنه النبي ﷺ . إذاً: ما معنى الكلام على قول هؤلاء؟ معنى الكلام عندهم: هو أن الله جل وعلا يخلق إدراكاً في نفس السامع فيفهم به مراد الله ويعبر عنه، هذا معنى الكلام عند الأشاعرة والكلابية، إذاً: عاد قولهم إلى نفي ما وصف الله به نفسه من الكلام، وإلى موافقة الجهمية في بعض قولهم، لكنهم ليسوا كالجهمية في الصراحة، فالجهمية صرحاء يقولون: كلام الله مخلوق، وهؤلاء يراوغون، فأخذوا بعض قول الجهمية، وبعض قول أهل السنة، أخذوا من أهل السنة أن المعنى من الله، وأخذوا من الجهمية أن الحروف والألفاظ ليست من الله بل هي مخلوقة؛ ولذلك بعض أئمة السلف يسمي الأشاعرة مخانيث المعتزلة؛ لأنهم لم يتمحضوا في الاعتزال، ولم يسلكوا سبيل أهل السنة والجماعة، بل لفقوا بين حق وباطل، وكانت النتيجة أن قالوا ضلالاً؛ لأن الحق واضح لا يقبل مثل هذه المداهنات والمجاملات. فالواجب إثبات ما أثبته الله لنفسه، وإثبات ما أثبته له رسوله ﷺ .

стр. 143

عدم جواز إطلاق القول بأن القرآن حكاية أو عبارة عن كلام الله ثم قال: [ولا يجوز إطلاق القول بأنه حكاية عن كلام الله أو عبارة عنه] لا يجوز إطلاق القول بأنه -أي: القرآن- حكاية عن كلام الله، وهذا إشارة إلى قول الكلابية فإنهم قالوا: القرآن حكاية عن كلام الله وليس هو كلام الله وإنما قالوا ذلك؛ لأنهم يعتقدون أن المعنى من الله، وأما اللفظ فمن جبريل أو من الرسول. وأما قوله: [أو عبارة عنه] هذا فيه الإشارة إلى عقيدة الأشاعرة، فإن الأشعري لم يرتض قول عبد الله بن كلاب في أن القرآن حكاية، وقال: إنما تكون الحكاية مثل المحكي، واللفظ الذي يتركب من حروف ليس مثل المعنى، فقال: لا أقول حكاية، قالوا له: ماذا تقول؟ قال: أقول: القرآن عبارة. والحقيقة أن كلا القولين باطل وضلال، ما قاله الأشعري، وما قاله ابن كلاب، فكلا القولين ضلالة وخروج عن الصراط المستقيم، والواجب ما تقدم من كلام الشيخ، وهو الذي أجمع عليه السلف أن يقال: القرآن كلام الله، وماذا يضرنا إذا قلنا هذا؟ بل الضرر كل الضرر في مخالفة هذا؛ لأن مخالفة هذا هو مخالفة لما أفاده كتاب الله وسنة النبي ﷺ ، وما أجمع عليه سلف الأمة، بل وأجمعت عليه الأنبياء. وبعد أن أشار المؤلف ﵀ إلى طرق الضلالة في هذا الباب قال: [بل إذا قرأه الناس أو كتبوه في المصاحف لم يخرج بذلك عن أن يكون كلام الله حقيقة] . هل ما في المصاحف كلام الله؟ الجواب: نعم، كلام الله حقيقة وليس مجازاً، هل ما يقرأه القارئ كلام الله؟ الجواب: نعم، هو كلام الله حقيقة لا مجازاً، ولا أحد يقول: إن قراءة القارئ كلام الله؛ ويريد صوت القارئ، أو يريد حركة القارئ وما يكون منه من فعل في أثناء القراءة، بل كلام السلف على أن قراءة القارئ للقرآن: الكلام كلام الله، والصوت صوت القارئ، فالكلام كلام البارئ، والصوت صوت القارئ، وهذا لا يمكن أن يرد على العقل السليم خلافهما أو شبهة فيها، وإنما جاءت الشبهة من تشبيه هؤلاء؛ لما أجلبوا بخيلهم ورجلهم على ما دلت عليه النصوص. ثم يبين المؤلف ﵀ وجه كون إطلاق لفظ كلام الله على ما في المصاحف وعلى ما يقرأ، فيقول: [فإن الكلام إنما يضاف حقيقة إلى من قاله مبدئاً لا إلى من قاله مبلغاً مؤدياً] إذا قال القائل: قال رسول الله ﷺ : (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً) ، إذا قال القائل هذا القول هل هو كلام رسول الله أو لا؟ لا أحد ينكر أن هذا هو كلام رسول الله ﷺ ، وهل يريد أحد إذا قال: إن هذا هو كلام رسول الله ﷺ أن اللفظ والصوت الحادث هو كلام النبي ﷺ ؟ لا، فالمراد بوصف الكلام بأنه كلام رسول الله ﷺ الكلام المبلَّغ، لا صوت المبلِّغ، ولا حركة المبلِّغ، فإن هذا لا يرد على ذهن أحد، وهذا أمر مستقر بالفطر، يدركه كل أحد، المسلم والكافر، ولكن هؤلاء خالفوا الحقائق الواضحة والبينات الساطعة ليقرروا ما عندهم من انحرافات وبدع.

стр. 144

القرآن كلام الله حروفه ومعانيه ثم قال ﵀: [وهو كلام الله حروفه ومعانيه] الضمير يعود إلى أي شيء؟ إلى القرآن، فهو كلام الله حروفه ومعانيه، وهذا الذي يعتقده أهل السنة والجماعة، أن اللفظ والمعنى من الله؛ ولذلك سمى الله مجموع اللفظ والمعنى قرآناً، قال : ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود:١] ، فجعل الكتاب الذي هو المكتوب وما تضمنه من لدن حكيم خبير جل وعلا، وقال : ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر:١] ، الإشارة إلى أي شيء؟ إلى ما يقرأه المسلمون من قول تلقوه عن النبي ﷺ وهو القرآن، فالحروف والمعاني كلها من الله جل وعلا. يقول ﵀: [ليس كلام الله الحروف دون المعاني] ، هذا قول جماعة من أهل اللغة قالوا: إن الكلام هو الحروف لا المعاني، أشار إلى هذا القول شيخ الإسلام ﵀، وأشار إلى القول الثاني بقوله: [ولا المعاني دون الحروف] إلى قول الأشاعرة والكلابية، وأما الجهمية فالحروف والمعاني عندهم مخلوقة؛ ولذلك هم يقولون ويطلقون: القرآن مخلوق، ويريدون بالخلق خلق الحروف وخلق المعاني ما عندهم إشكال، وقولهم أطرد من قول الأشاعرة والكلابية، لكنه أوغل في الضلالة.

стр. 145

إثبات رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة قال ﵀: [ولقد دخل أيضاً فيما ذكرناه من الإيمان به وبكتبه وبملائكته وبرسله الإيمان بأن المؤمنين يرونه يوم القيامة عياناً بأبصارهم، كما يرون الشمس صحواً ليس بها سحاب، وكما يرون القمر ليلة البدر لا يضامون في رؤيته، يرونه سبحانه وهم في عرصات القيامة، ثم يرونه بعد دخول الجنة كما يشاء الله تعالى] . هذا الفصل عقده المؤلف ﵀ لتقرير رؤية المؤمنين لربهم ، وأنه يرى يوم القيامة. فقال ﵀: [وقد دخل أيضاً فيما ذكرناه من الإيمان به -يعني: بالله جل وعلا- وبكتبه وبملائكته وبرسله الإيمان بأن المؤمنين يرونه يوم القيامة] . أما دخول ذلك في الإيمان بالله فلأن الرؤية تتعلق به جل وعلا، فالإيمان بأن الله يرى من الإيمان بالله ، أما كون ذلك من الإيمان بالكتب فلأن كتب الله أخبرت بأنه يرى يوم القيامة، ومن ذلك ما أخبر الله به في كتابه: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦] ، وقد فسر النبي ﷺ الزيادة بالنظر إلى الله جل وعلا، وكما قال : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢-٢٣] ، وقوله جل وعلا: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق:٣٥] ، فسر المزيد برؤيته ، والنظر إليه. فالكتب -والقرآن أشرفها وأعظمها وأجلها- أخبرت بأن الله يرى يوم القيامة، أما كون ذلك داخلاً في الإيمان بالملائكة فلأن الملائكة هي التي بلغت الكتب، فمن قال: إن الله لا يرى يوم القيامة فإنه لم يؤمن بالملائكة حق الإيمان، وكذلك الرسل؛ لأنهم أخبروا بأن الله يرى يوم القيامة، وقد جاء عن النبي ﷺ أحاديث متواترة أن الله يراه أهل الإيمان يوم القيامة، فالأحاديث في ذلك مستفيضة متواترة. الإيمان بأن المؤمنين يرونه يوم القيامة هذا عقد أهل السنة والجماعة، ودل على ذلك الكتاب -وقد تقدم الإشارة إلى الآيات- والسنة، وذلك في أحاديث كثيرة تبلغ حد التواتر يخبر فيها النبي ﷺ بأن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة، وهذا الدليل الثاني. والدليل الثالث: إجماع سلف الأمة على أن الله يرى يوم القيامة، فقد اتفق الأئمة من السلف أن الله يرى يوم القيامة كيف شاء، وأنه يرى رؤية حقيقة لا كما يقول المؤولون: إنها كشف تجلي معنوي، بل هي رؤية حقيقة؛ ولذلك قال المؤلف ﵀ في تقرير هذا المعنى: [عياناً بأبصارهم] ، أي: يرونه بأعينهم معاينة، وذلك لما جاء من الأدلة في الكتاب والسنة، وكلام السلف على هذا. ومن أوضح ما يكون في كتاب الله قوله : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢-٢٣] ، وهم أولوها وقالوا: إلى فضله وإحسانه وجوده وثوابه وما إلى ذلك!
следующие страницы →