← Акыда

Акыда · id 7728

شرح العقيدة الواسطية لخالد المصلح

خالد المصلح

Полный текст (230 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

شرح العقيدة الواسطية [١٧] من عقيدة أهل السنة والجماعة الإيمان بأن القرآن كلام الله حروفه ومعانيه، وقد خالف هذه العقيدة الأشاعرة والكلابية والجهمية، فرد على شبهاتهم أهل السنة، وبينوا بطلان عقائدهم. ومن عقيدة أهل السنة الإيمان بفتنة القبر وعذابه ونعيمه، وتفصيل ذلك يذكر بأدلته في كتب العقائد.

стр. 142

إثبات صفة الكلام لله تعالى بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: قال المصنف ﵀: [وأن الله تكلم به حقيقة، وأن هذا القرآن الذي أنزله على محمد ﷺ هو كلام الله حقيقة لا كلام غيره، ولا يجوز إطلاق القول بأنه حكاية عن كلام الله أو عبارة عنه، بل إذا قرأه الناس أو كتبوه في المصاحف لم يخرج بذلك عن أن يكون كلام الله تعالى حقيقة، فإن الكلام إنما يضاف حقيقة إلى من قاله مبتدئاً لا إلى من قاله مبلغاً مؤدياً، وهو كلام الله حروفه ومعانيه، ليس كلام الله الحروف دون المعاني، ولا المعاني دون الحروف] . قال ﵀: (وأن الله تعالى تكلم به حقيقة) ، والمراد بقوله: (حقيقة) يعني: أن إضافة الكلام إليه حقيقة وليس مجازاً كما تقول الكلابية والأشاعرة، فإن الكلابية والأشاعرة يقولون: إضافة الكلام إلى الله مجاز وليس حقيقة، وإلا فإنه ليس لله كلام يسمع، وإنما هو معنىً يقوم بالذات، هكذا قال عبد الله بن كلاب، وهو أول من أحدث هذا القول في أمة الإسلام، وأول من عرف عنه إنكار أن القرآن كلام الله هو الجعد بن درهم، وأخذ هذه المقالة عنه الجهم بن صفوان، وهذا عبد الله بن سعيد بن كلاب أتى بقول محدث، لم يرض قول المعتزلة، ولم يسلك طريق أهل السنة، فقال: إن الكلام معنىً يقوم بذات الرب ، وهو معنى أزلي، وهذا المعنى ترجمه وبينه إما جبريل وإما محمد ﷺ على خلاف عندهم، وهذا يرده الكتاب والسنة وإجماع السلف واللغة والعقل، كل هذا يرد على هذا القول، وتفصيل هذا مبسوط في كتابات أئمة السلف المتقدمين والمتأخرين. فالذي يجب اعتقاده في كلام الله أنه كلام الله لفظه ومعناه، هذا الذي عليه أهل السنة والجماعة. أما أولئك فإنهم قالوا: المعنى من الله، وأما الكلام فليس منه، أما الحروف والألفاظ فليست منه هي من غيره؛ ولذلك قال المؤلف ﵀: (وأن الله تعالى تكلم به حقيقة) . وقد أكد الله جل وعلا كلامه فقال : ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤] ، فأتى بالمصدر المؤكد لفعله وهو الكلام، فقال: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤] ، وهذا يبطل الأوهام الضالة التي تقول: إن الكلام مجاز وليس بحقيقة. ثم قال ﵀: (وأن هذا القرآن) المشار إليه القرآن كتاب الله الذي أنزله على محمد ﷺ ، (الذي أنزله على محمد ﷺ هو كلام الله حقيقة لا كلام غيره) ، وهذا تأكيد للمعنى السابق، كلامه حقيقة، فالإضافة إليه إضافة حقيقية، (لا كلام غيره) كما قالوا: إن الكلام عبر عنه جبريل أو عبر عنه النبي ﷺ . إذاً: ما معنى الكلام على قول هؤلاء؟ معنى الكلام عندهم: هو أن الله جل وعلا يخلق إدراكاً في نفس السامع فيفهم به مراد الله ويعبر عنه، هذا معنى الكلام عند الأشاعرة والكلابية، إذاً: عاد قولهم إلى نفي ما وصف الله به نفسه من الكلام، وإلى موافقة الجهمية في بعض قولهم، لكنهم ليسوا كالجهمية في الصراحة، فالجهمية صرحاء يقولون: كلام الله مخلوق، وهؤلاء يراوغون، فأخذوا بعض قول الجهمية، وبعض قول أهل السنة، أخذوا من أهل السنة أن المعنى من الله، وأخذوا من الجهمية أن الحروف والألفاظ ليست من الله بل هي مخلوقة؛ ولذلك بعض أئمة السلف يسمي الأشاعرة مخانيث المعتزلة؛ لأنهم لم يتمحضوا في الاعتزال، ولم يسلكوا سبيل أهل السنة والجماعة، بل لفقوا بين حق وباطل، وكانت النتيجة أن قالوا ضلالاً؛ لأن الحق واضح لا يقبل مثل هذه المداهنات والمجاملات. فالواجب إثبات ما أثبته الله لنفسه، وإثبات ما أثبته له رسوله ﷺ .

стр. 143

عدم جواز إطلاق القول بأن القرآن حكاية أو عبارة عن كلام الله ثم قال: [ولا يجوز إطلاق القول بأنه حكاية عن كلام الله أو عبارة عنه] لا يجوز إطلاق القول بأنه -أي: القرآن- حكاية عن كلام الله، وهذا إشارة إلى قول الكلابية فإنهم قالوا: القرآن حكاية عن كلام الله وليس هو كلام الله وإنما قالوا ذلك؛ لأنهم يعتقدون أن المعنى من الله، وأما اللفظ فمن جبريل أو من الرسول. وأما قوله: [أو عبارة عنه] هذا فيه الإشارة إلى عقيدة الأشاعرة، فإن الأشعري لم يرتض قول عبد الله بن كلاب في أن القرآن حكاية، وقال: إنما تكون الحكاية مثل المحكي، واللفظ الذي يتركب من حروف ليس مثل المعنى، فقال: لا أقول حكاية، قالوا له: ماذا تقول؟ قال: أقول: القرآن عبارة. والحقيقة أن كلا القولين باطل وضلال، ما قاله الأشعري، وما قاله ابن كلاب، فكلا القولين ضلالة وخروج عن الصراط المستقيم، والواجب ما تقدم من كلام الشيخ، وهو الذي أجمع عليه السلف أن يقال: القرآن كلام الله، وماذا يضرنا إذا قلنا هذا؟ بل الضرر كل الضرر في مخالفة هذا؛ لأن مخالفة هذا هو مخالفة لما أفاده كتاب الله وسنة النبي ﷺ ، وما أجمع عليه سلف الأمة، بل وأجمعت عليه الأنبياء. وبعد أن أشار المؤلف ﵀ إلى طرق الضلالة في هذا الباب قال: [بل إذا قرأه الناس أو كتبوه في المصاحف لم يخرج بذلك عن أن يكون كلام الله حقيقة] . هل ما في المصاحف كلام الله؟ الجواب: نعم، كلام الله حقيقة وليس مجازاً، هل ما يقرأه القارئ كلام الله؟ الجواب: نعم، هو كلام الله حقيقة لا مجازاً، ولا أحد يقول: إن قراءة القارئ كلام الله؛ ويريد صوت القارئ، أو يريد حركة القارئ وما يكون منه من فعل في أثناء القراءة، بل كلام السلف على أن قراءة القارئ للقرآن: الكلام كلام الله، والصوت صوت القارئ، فالكلام كلام البارئ، والصوت صوت القارئ، وهذا لا يمكن أن يرد على العقل السليم خلافهما أو شبهة فيها، وإنما جاءت الشبهة من تشبيه هؤلاء؛ لما أجلبوا بخيلهم ورجلهم على ما دلت عليه النصوص. ثم يبين المؤلف ﵀ وجه كون إطلاق لفظ كلام الله على ما في المصاحف وعلى ما يقرأ، فيقول: [فإن الكلام إنما يضاف حقيقة إلى من قاله مبدئاً لا إلى من قاله مبلغاً مؤدياً] إذا قال القائل: قال رسول الله ﷺ : (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً) ، إذا قال القائل هذا القول هل هو كلام رسول الله أو لا؟ لا أحد ينكر أن هذا هو كلام رسول الله ﷺ ، وهل يريد أحد إذا قال: إن هذا هو كلام رسول الله ﷺ أن اللفظ والصوت الحادث هو كلام النبي ﷺ ؟ لا، فالمراد بوصف الكلام بأنه كلام رسول الله ﷺ الكلام المبلَّغ، لا صوت المبلِّغ، ولا حركة المبلِّغ، فإن هذا لا يرد على ذهن أحد، وهذا أمر مستقر بالفطر، يدركه كل أحد، المسلم والكافر، ولكن هؤلاء خالفوا الحقائق الواضحة والبينات الساطعة ليقرروا ما عندهم من انحرافات وبدع.

стр. 144

القرآن كلام الله حروفه ومعانيه ثم قال ﵀: [وهو كلام الله حروفه ومعانيه] الضمير يعود إلى أي شيء؟ إلى القرآن، فهو كلام الله حروفه ومعانيه، وهذا الذي يعتقده أهل السنة والجماعة، أن اللفظ والمعنى من الله؛ ولذلك سمى الله مجموع اللفظ والمعنى قرآناً، قال : ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود:١] ، فجعل الكتاب الذي هو المكتوب وما تضمنه من لدن حكيم خبير جل وعلا، وقال : ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر:١] ، الإشارة إلى أي شيء؟ إلى ما يقرأه المسلمون من قول تلقوه عن النبي ﷺ وهو القرآن، فالحروف والمعاني كلها من الله جل وعلا. يقول ﵀: [ليس كلام الله الحروف دون المعاني] ، هذا قول جماعة من أهل اللغة قالوا: إن الكلام هو الحروف لا المعاني، أشار إلى هذا القول شيخ الإسلام ﵀، وأشار إلى القول الثاني بقوله: [ولا المعاني دون الحروف] إلى قول الأشاعرة والكلابية، وأما الجهمية فالحروف والمعاني عندهم مخلوقة؛ ولذلك هم يقولون ويطلقون: القرآن مخلوق، ويريدون بالخلق خلق الحروف وخلق المعاني ما عندهم إشكال، وقولهم أطرد من قول الأشاعرة والكلابية، لكنه أوغل في الضلالة.

стр. 145

إثبات رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة قال ﵀: [ولقد دخل أيضاً فيما ذكرناه من الإيمان به وبكتبه وبملائكته وبرسله الإيمان بأن المؤمنين يرونه يوم القيامة عياناً بأبصارهم، كما يرون الشمس صحواً ليس بها سحاب، وكما يرون القمر ليلة البدر لا يضامون في رؤيته، يرونه سبحانه وهم في عرصات القيامة، ثم يرونه بعد دخول الجنة كما يشاء الله تعالى] . هذا الفصل عقده المؤلف ﵀ لتقرير رؤية المؤمنين لربهم ، وأنه يرى يوم القيامة. فقال ﵀: [وقد دخل أيضاً فيما ذكرناه من الإيمان به -يعني: بالله جل وعلا- وبكتبه وبملائكته وبرسله الإيمان بأن المؤمنين يرونه يوم القيامة] . أما دخول ذلك في الإيمان بالله فلأن الرؤية تتعلق به جل وعلا، فالإيمان بأن الله يرى من الإيمان بالله ، أما كون ذلك من الإيمان بالكتب فلأن كتب الله أخبرت بأنه يرى يوم القيامة، ومن ذلك ما أخبر الله به في كتابه: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦] ، وقد فسر النبي ﷺ الزيادة بالنظر إلى الله جل وعلا، وكما قال : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢-٢٣] ، وقوله جل وعلا: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق:٣٥] ، فسر المزيد برؤيته ، والنظر إليه. فالكتب -والقرآن أشرفها وأعظمها وأجلها- أخبرت بأن الله يرى يوم القيامة، أما كون ذلك داخلاً في الإيمان بالملائكة فلأن الملائكة هي التي بلغت الكتب، فمن قال: إن الله لا يرى يوم القيامة فإنه لم يؤمن بالملائكة حق الإيمان، وكذلك الرسل؛ لأنهم أخبروا بأن الله يرى يوم القيامة، وقد جاء عن النبي ﷺ أحاديث متواترة أن الله يراه أهل الإيمان يوم القيامة، فالأحاديث في ذلك مستفيضة متواترة. الإيمان بأن المؤمنين يرونه يوم القيامة هذا عقد أهل السنة والجماعة، ودل على ذلك الكتاب -وقد تقدم الإشارة إلى الآيات- والسنة، وذلك في أحاديث كثيرة تبلغ حد التواتر يخبر فيها النبي ﷺ بأن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة، وهذا الدليل الثاني. والدليل الثالث: إجماع سلف الأمة على أن الله يرى يوم القيامة، فقد اتفق الأئمة من السلف أن الله يرى يوم القيامة كيف شاء، وأنه يرى رؤية حقيقة لا كما يقول المؤولون: إنها كشف تجلي معنوي، بل هي رؤية حقيقة؛ ولذلك قال المؤلف ﵀ في تقرير هذا المعنى: [عياناً بأبصارهم] ، أي: يرونه بأعينهم معاينة، وذلك لما جاء من الأدلة في الكتاب والسنة، وكلام السلف على هذا. ومن أوضح ما يكون في كتاب الله قوله : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢-٢٣] ، وهم أولوها وقالوا: إلى فضله وإحسانه وجوده وثوابه وما إلى ذلك!

стр. 146

مذهب الأشاعرة في الرؤية جاء هذا اللفظ: [عياناً] في صحيح البخاري، ففي بعض روايات صحيح البخاري قال في حديث الرؤية: (يرونه عياناً) ، وهذه الكلمة فيها رد على الأشاعرة الذين أنكروا الرؤية التي يثبتها أهل السنة والجماعة، فقالوا: إنه يرى لكن من غير معاينة ولا مواجهة، وهذا يرده عليهم النصوص والعقل، فإنه لا يعقل شيء يرى بغير معاينة ولا مواجهة؛ ولذلك كان قولهم ضحكة عابهم فيه كل أحد، وهو معلوم الفساد بالضرورة، فإنه لا يمكن أن تحصل الرؤية إلا بمعاينة ومواجهة؛ ولذلك قال متأخروهم بإنكار الرؤية، لما رءوا أن قولهم: إنه يرى بلا معاينة ولا مواجهة؛ قول فاسد، ولم يتمكنوا من الإجابة على ما ورد عليهم، فقالوا: ننكر الرؤية، والرؤية هي الكشف، ورؤية الثواب، وما إلى ذلك من التأويلات الباردة، والتحريفات التي هي من جملة تحريف الكلم عن مواضعه. قال ﵀ في تقرير هذه الرؤية: [كما يرون الشمس صحواً ليس دونها سحاب] ، وهذا يكون بمعاينة ومواجهة أو لا؟ نعم، تكون الرؤية بمعاينة ومواجهة في هذا المقام، فالرؤية بمعاينة ومواجهة؛ ولذلك شبه النبي ﷺ الرؤية بالرؤية، ومن لازم التشبيه أن تكون الرؤية نظير ما ندركه من رؤية الشمس والقمر، ونحن لا ندرك من رؤية الشمس والقمر إلا ما كان فيه معاينة ومواجهة. قال: [كما يرون الشمس صحواً ليس دونها سحاب، وكما يرون القمر ليلة البدر لا يضامون في رؤيته] أي: لا يلحقهم ضيم ولا ضير في رؤيته جل وعلا. ثم بين المؤلف ﵀ وقت رؤية الله فقال: [يرونه سبحانه وهم في عرصات القيامة] ، عرصات القيامة يعني: في أرض المحشر، والعرصات جمع عرصة، وهي الفناء الواسع الذي لا بناء فيه، يرونه سبحانه كما دل على ذلك حديث أبي سعيد وأبي هريرة وهما من أصح الأحاديث، فإن فيهما: (ينادى في أرض المحشر: ليتبع كل من كان يعبد شيئاً معبوده، فيتبع الذين يعبدون الصليب الصليب، ويتبع الذين يعبدون الأصنام الأصنام، ولا يبقى إلا هذه الأمة وفيها منافقوها، فيتجلى لهم الرب بغير الصورة التي يعرفونها، ثم يتجلى لهم بالصورة التي يعرفونها -مما وصفته لهم الأنبياء- فيسجد أهل الإيمان، ويمنع أهل النفاق من السجود) . وهذه الرؤيا التي تكون في أرض المحشر رؤية التعريف، وأما الرؤية التي يحصل بها النعيم التام الكامل فهي ما يكون في الجنة، وهي التي أشار إليها ﵀ في قوله: [ثم يرونه بعد دخول الجنة كما يشاء الله ] فإن الرؤية التي تكون في الجنة هي أعلى نعيم أهل الجنة، وهي متفاوتة تفاوتاً كبيراً، ويختلف فيها الناس بحسب ما معهم من الإيمان والتقوى والإحسان، وكلما ازداد العبد إيماناً وتقوى كلما كان نصيبه من هذه الرؤية أوفر.

стр. 147

معنى قوله تعالى: (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار) واعلم أن رؤية الله التي تكون في الآخرة ينتفي عنها إدراك المرئي، وهذا معنى قوله : ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ [الأنعام:١٠٣] ، فإن هذه الآية نفت إدراك أبصار الخلق لله جل وعلا، وهذا لكماله وعظيم أوصافه ، فهو لا تحيط به الأبصار، كما أن العقول تنحسر عن الإحاطة به ، فكذلك الأبصار تنحسر عن الإحاطة به، وليس من دلالات الآية نفي الرؤية كما يقول المحرفون: إن قوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣] نفي للرؤية. فنقول: إن الله لم يقل: إن الله يرى أو لا يرى، قال: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ [الأنعام:١٠٣] ، فنفى إدراك الأبصار، والإدراك هو الإحاطة وتمام العلم بالمرئي.

стр. 148

هل رأى النبي ﵊ ربه في الدنيا ؟ ومن مباحث هذا الفصل أن الرؤية بالعين لا تكون لأحد قبل الموت، وهذا ما اتفق عليه جمهور الأمة، بل اتفق عليه أئمة المسلمين، ولا خلاف بينهم أن أحداً لن يرى ربه قبل أن يموت، وإنما وقع الخلاف في رؤية النبي ﷺ لربه، والمقصود: الرؤية بالعين، أما الرؤية في المنام فقد وقع فيها خلاف بين أهل العلم حتى في غير النبي ﷺ ، أما النبي ﷺ فقد اختلف أهل العلم هل رأى ربه بعينه في الدنيا على قولين، والذي عليه جمهور الأمة ومحققوها أنه لم ير ربه بعينه، وإنما رآه بفؤاده، ولم ينقل عن أحد من السلف أنه رآه بعينه، وغاية ما ورد عن السلف إما إطلاق الرؤية بأنه رأى ربه، أو تقييد ذلك بالفؤاد، وليس عن السلف حرف واحد أن النبي ﷺ رأى ربه بعينه. وأما بالنسبة لرؤية غير النبي ﷺ لربه في المنام فإن هذا يمنعه كثير من أهل العلم، وقال بعض أهل العلم: تكون الرؤية على قدر ما مع الإنسان من العلم بالله . وعلى كل حال يقال: ما الذي أدراك أن هذا هو الرب؟ فقد يتصور الإنسان أمراً ويأتيه الشيطان بصورة يظنها ربه، والأمر على خلاف ذلك. فنحن نقول: إن الرؤية التي يحصل بها الفضل والتنعيم وكمال الجود هي ما يكون في دار النعيم الكامل في الجنة، نسأل الله أن نكون من أهلها!

стр. 149

هل يرى الكفار ربهم ؟ ومما وقع فيه الخلاف في مسألة الرؤية هل يرى الكفار ربهم أو لا؟ والمسألة فيها ثلاثة أقوال لأهل العلم: منهم من قال: إنه لا يراه إلا أهل الإيمان فقط، وأما الكفار والمنافقون فإنهم لا يرونه. والقول الثاني يقول: إنه يراه أهل الإيمان والمنافقون دون أهل الكفر. والقول الثالث: أنه يراه الكفار ثم يحتجب عنهم، وهذه الرؤية ليست رؤية تنعيم ولا إكرام، بل هي رؤية معاقبة وحرمان، نعوذ بالله من الخسران! فإنهم يرونه ثم يحتجب عنهم، فيكون عندهم من اللوعة والحسرة بسبب فقدانهم رؤيته ما يعذبون به، ويكون زيادة في تعذيبهم والتنكيل بهم. وعلى كل حال هذه المسألة مما وقع فيها الخلاف بين أهل السنة والجماعة، فلا يضلل ولا يفسق ولا يكفر المخالف، وإنما يناقش للوصول إلى الحق، كما أنه يجب في هذه المسألة ألا يطلق القول بأن الكفار يرون ربهم، فإن هذا لا يجوز؛ لأن الرؤية إذا أطلقت فإنما يراد إثبات رؤية التنعيم والإكرام؛ فلذلك لا يقال: إن الكفار يرون ربهم على وجه الإطلاق، بل لابد من تقييد ذلك بأنها رؤية يعقبها حرمان، وأنها رؤية عقاب لا رؤية إكرام، هذه بعض المسائل المتعلقة بالرؤية.

стр. 150

الإيمان بما يكون بعد الموت قال ﵀: [ومن الإيمان باليوم الآخر الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت، فيؤمن بفتنة القبر وبعذاب القبر ونعيمه] . هذا الفصل عقده المؤلف ﵀ لتقرير هذا الأصل العظيم من أصول الإيمان، وهو الإيمان باليوم الآخر، واليوم الآخر اسم يصدق على كل ما أخبرت به الرسل مما يكون بعد الموت، ولذلك قال المؤلف ﵀: [ومن الإيمان باليوم الآخر الإيمان بكل ما أخبر به النبي صلى الله وسلم مما يكون بعد الموت] ، وهذا الأصل العظيم -وهو الإيمان باليوم الآخر- أجمعت عليه الرسل، وهو من الأصول التي لا يتم إيمان العبد إلا بها، وقد دل عليه الكتاب والسنة والإجماع والعقل، ولم يخالف فيه أحد من أهل القبلة، خالف فيه الفلاسفة والباطنية وأنكروا كثيراً مما جاء به النبي ﷺ مما يكون يوم القيامة. وبدأ المؤلف رحمه في ذكر هذا الفصل بذكر الإيمان المجمل الذي يجب على كل أحد فيما يتعلق باليوم الآخر، فقال: [ومن الإيمان باليوم الآخر الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت] فهذا هو الإيمان المجمل الذي يشمل جميع ما أخبر به النبي ﷺ مما يقع في اليوم الآخر.

стр. 151

الإيمان بفتنة القبر ثم بدأ المؤلف بتفصيل ذلك فقال: [فيؤمنون بفتنة القبر] ، والفتنة المراد بها: الاختبار، ففتنة القبر هي الامتحان والاختبار للميت، فإن الملكين يسألانه عن أمور سيأتي بيانها في كلام الشيخ ﵀، وأهل السنة والجماعة يقرون بذلك، وقد جاء ذلك واضحاً جلياً متواتراً في أحاديث النبي ﷺ ، وفيها أن الميت يفتن ويسأل في قبره.

стр. 152

الإيمان بعذاب القبر ونعيمه قال: [ويؤمنون بعذاب القبر ونعيمه] ، وفهمنا من هذا أن القبر -وهو مدفن الميت- يكون فيه تنعيم وتعذيب، وهذا النعيم وهذا العذاب يكون لكل أحد ممن مات سواء قبر أو لم يقبر، قبض أو لم يقبض، فإضافة الفتنة والعذاب للقبر بناءً على الغالب، وهو أن غالب بني آدم إذا ماتوا يقبرون، ولكن لو قدر أن أحداً لم يقبر: غرق، أو أكلته السباع، أو احترق وذرته الرياح فإنه يسأل، ويفتن في أي مكان كان، ويجري عليه العذاب أو النعيم الذي يكون للمقبور. وعذاب القبر ونعيمه أمر دل عليه الكتاب والسنة، وأجمع عليه سلف الأمة، فإن السلف أجمعوا على أن الميت في قبره إما أن يكون في نعيم وإما أن يكون في عذاب، والعذاب يكون على الروح أصلاً وقد يتبعه البدن، يعني: وقد يظهر أثر التنعيم أو التعذيب في البرزخ في القبر على البدن، لكن أصل التنعيم والتعذيب هو للروح، وقد جاء في كتاب الله ما يدل على عذاب القبر: ومن ذلك ما ذكره الله جل وعلا عن قوم فرعون حيث قال: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٥] ، هذا في الدنيا، ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر:٤٦] ، هذا في الحياة البرزخية، ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦] ، وهذه آية ظاهرة واضحة في ثبوت العذاب في البرزخ، وذلك أنهم يعرضون على النار في الغدو والعشي، أي: في الصباح في أول النهار وفي آخره. ومما يدل أيضاً على عذاب القبر ما ذكره الله عن قوم نوح حيث قال: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾ [نوح:٢٥] ، أغرقوا هذا في الدنيا، ﴿فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾ [نوح:٢٥] ، هذا في الحياة البرزخية، والأدلة متعددة عند التأمل يجدها الإنسان في كتاب الله ، وهي تدل على العذاب في القبر. وأما السنة ففيها أحاديث كثيرة مستفيضة متواترة تدل على ثبوت العذاب لأهل القبور كما تدل على تنعيم أهل القبور. ومما يذكر هنا أن العذاب الذي يكون في القبر على نوعين: عذاب دائم، وعذاب منقطع. أما العذاب الدائم فنظير ما أخبر الله به عن آل فرعون حيث قال جل وعلا: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر:٤٦] ، إلى متى؟ إلى قيام الساعة؛ ولذلك قال: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦] ، فلم يذكر أمداً ينتهي إليه هذا العرض وهذا التعذيب، فدل ذلك على دوامه، نعوذ بالله منه! النوع الثاني من عذاب القبر: عذاب منقطع، وهو بقدر ما يكون مع الإنسان من المعصية، كما يعذب أهل النار من أهل التوحيد في النار بقدر سيئاتهم وذنوبهم حتى يمحصوا ثم يخرجون منها. واعلم أن العذاب في القبر مما يخفف به على الإنسان إن كان من أصحاب المعاصي، فإنه قد يعذب في القبر ولا يعذب يوم القيامة، وقد يعذب في القبر ويعذب يوم القيامة.

стр. 153

شرح العقيدة الواسطية [١٨] مما يجب على المؤمن أن يؤمن به: اليوم الآخر، وما يكون فيه مما أخبر الله في كتابه، أو أخبر به رسوله ﷺ في سنته: من البعث، والأهوال، ونشر الصحف، ووزن الأعمال، وغير ذلك.

стр. 154

فتنة القبر بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: قال المصنف ﵀: [فأما الفتنة فإن الناس يمتحنون في قبورهم، (فيقال للرجل: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فـ ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم:٢٧] ، فيقول المؤمن: ربي الله، والإسلام ديني، ومحمد ﷺ نبيي، وأما المرتاب فيقول: هاه هاه، لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته، فيضرب بمرزبة من حديد فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعها الإنسان لصعق) ] . هذا فيه تفصيل الفتنة التي تكون في القبر، نسأل الله أن يجعلنا ممن أمن منها، وفاز فيها! يقول ﵀: (فأما الفتنة فإن الناس يفتنون في قبورهم) يمتحنون ويختبرون، ثم بين وفصل ما هذا الاختبار: (فيقال للرجل -والمقصود المقبور ذكراً كان أو أنثى-: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟) وهذه هي الأصول الثلاثة التي إذا وفق العبد إلى القيام بها في الدنيا وفق إلى الجواب عنها يوم القيامة، فبقدر ما يكون مع الإنسان من الثبات على هذه الأصول الثلاثة بقدر ما يحصل له من الثبات عند الفتنة والاختبار. (من ربك؟) هذا سؤال عن الرب جل وعلا. (وما دينك؟) هذا سؤال عن الدين. (ومن نبيك؟) هذا سؤال عن الرسول. قال: (فـ ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم:٢٧] ) يثبتهم وهم أشد ما يكونون حاجة إلى التثبيت؛ وذلك أن هذه الفتنة ليست أمراً سهلاً ولا أمراً يسيراً، إنما هي أمر عظيم، وخطب كبير، يأتي الإنسان في هذا المكان الموحش ملكان عظيمان، ورد تسميتهما: (منكر ونكير) في السنة، وهذان الاسمان يتضمنان وصفين لهذين الملكين، فإنهما يأتيان بهيئة تنكرها النفوس فيراهما حقيقة، وكيف بك إذا رأيت شيئاً لم يسبق لك أن تراه؟ فالهول عظيم؛ ولذلك يحتاج الإنسان إلى التثبيت، فقال الله : ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم:٢٧] ، وهو ما يكون في فتنة القبر، نسأل الله أن يرزقنا وإياكم الثبات على الحق في الدنيا والآخرة! وفي هذا الامتحان ينقسم الناس إلى قسمين: مؤمن، وكافر. (فيقول المؤمن) في جواب هذه الأسئلة الثلاثة (الله ربي، والإسلام ديني، ومحمد ﷺ نبيي) فيأمن ويفوز، ويسلم من هذه الفتنة، (أما المرتاب) ويشمل المنافق والكافر، (فإنه يقول: هاه هاه، لا أدري) أعوذ بالله، أما المنافق فإنه يغلق عليه ما كان يتلفظ به في الدنيا بلسانه، وأما الكافر فإنه لم يهتد، فلا يقر برب يفرد بالعبادة، ولا بدين يجب اتباعه وقبوله، ولا برسول يلزم الإيمان به والتصديق؛ فلذلك يكون قوله: (لا أدري) مطابق لحاله. وأما المنافق فإنه يغلق عليه ويغفل عما كان يقوله بلسانه، ولم يقر منه شيء في قلبه، فيقول: [سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته] هذا حال المنافق والمرتاب، إما أن يكون قولاً صحيحاً لم يقره في قلبه، وإما أن يكون قولاً باطلاً فلا ينفعه حتى لو ذكره للملكين، فهذا يشمل جواب المنافق وجواب الكافر، فيصح أن يقول المنافق: سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته، يعني: ولم يقر في قلبي فلم أتذكره، ويصح أن يكون هذا الجواب من المنافق، أنه لم يهتم بهذا الأمر، وإنما قال قولاً لا يدري عن صدقه ولا عن صحته. فلا يلزم أن يكون هذا من المنافق فقط، بل قد يكون من المنافق وقد يكون من الكافر، المهم أنه لا يوفق إلى الجواب، ويحال دونه ودون الصواب. [فيضرب بمرزبة من حديد] ولا تقول: كيف ولا نرى؟ هذا أمر غيبي فلا تقل: كيف، ولا تعلق ذلك بالرؤية، فإن الله على كل شيء قدير، وما أخبر به النبي ﷺ صدق وحق على حقيقته، ومن نعمة الله أن هذا لم يدخل فيه أهل التأويل بالتحريف الباطل، ولا بالتأويل المذموم، بل سلموا للنصوص؛ ولذلك قل الخلاف في هذا الأصل بين أهل الإسلام. والذين خالفوا شيخ الإسلام ﵀ وشنعوا عليه في هذه الرسالة، لما قرئ عليهم هذا الفصل لانت جلودهم، وقبلوا قوله، ولم يخالفوه، بخلاف الفصول السابقة فإن الجدال فيها كثر، والنكير فيها واضح منهم على شيخ الإسلام ﵀. [فيضرب بمرزبة من حديد فيصيح صيحة يسمعها كل شيء] ، ظاهره أنه يسمعها كل شيء على الأرض، ولكن جاء في الحديث: (أنه يسمعها من كان قريباً من القبر) ، وأنه ليس المراد يسمعها كل شيء ولو بعد، إنما يسمعها كل شيء ممن كان قريباً من القبر إلا الإنسان فإنه لا يسمعها، وهذا من رحمة الله بنا. قال: [ولو سمعها الإنسان لصعق] لهول الأمر وعظيم الخطب، ولكن من رحمة الله أن حيل بين الإنسان وسماع هذا الذي تفزع له القلوب، ولو أن الناس سمعوا لوقع ما أخبر به النبي ﷺ من الصعق. هذه الفتنة هل هي عامة لكل أحد؟ ظاهر كلام الشيخ ﵀ أنها عامة لجميع المكلفين، وهذا هو الصحيح، أن الفتنة عامة لكل مقبور، ولم يقع خلاف بين أهل السنة والجماعة في ذلك، إلا في الأنبياء فقد اختلف أهل العلم في وقوع الفتنة لهم على قولين: منهم من قال: إنهم يسألون، ومنهم من قال: إنهم لا يسألون. والظاهر أنهم لا يسألون؛ لأنه يسأل عنهم، وعلى كل حال المسألة ليس وراءها كثير فائدة بالنسبة لما يتعلق بالأنبياء. كذلك مما وقع فيه الخلاف الشهداء، وظاهر السنة أنهم لا يفتنون، وقد قال النبي ﷺ في حديث: (كفى ببارقة السيوف فوق رأسه -أي: المجاهد- فتنة) . وممن استثني من غير المكلفين المجنون والصغير، فقد اختلف العلماء: هل يسألون أو لا؟ على أقوال، وعلى كل حال نحن نؤمن بأن الله حكم عدل لا يظلم الناس شيئاً، فإنهم إن سئلوا فهو ما أخبر به النبي ﷺ من الفتنة التي تكون لهم يوم القيامة؛ لأن من لم تبلغه الرسالة أو مات وهو صغير ولم يمت على الإسلام وما أشبه هؤلاء يفتنون يوم القيامة ويختبرون، فإن آمنوا وصدقوا وامتثلوا نجوا، وإلا كان ذلك هلاكاً لهم.

стр. 155

نعيم القبر وعذابه قال ﵀: [ثم بعد هذه الفتنة إما نعيم وإما عذاب إلى أن تقوم القيامة الكبرى] . تقدم البيان بأن العذاب نوعان: منه ما هو دائم، ومنه ما هو منقطع. فقوله: إما نعيم وإما عذاب إلى أن تقوم القيامة هذا من جهة العموم ينقسم الناس إلى هذين القسمين، أما من جهة الاستمرار وعدمه فإن ذلك لم يتعرض له ﵀ في هذا الموضع، وقد يخفف ولا يرفع بالكلية كالذي جرى من النبي ﷺ لما مر بقبرين فقال: (إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة وأما الآخر فكان لا يستنزه من البول، ثم أخذ جريدة رطبة ووضعها ﷺ على القبر، ولما قيل له في ذلك قال: لعله أن يخفف عنهما ما لم ييبسا) ، وهذا توقيت لارتفاع العذاب، حيث علق النبي ﷺ التخفيف بمدة رطوبة الجريدة، وهذا يدل على أنه قد يخفف العذاب، وقد يرفع، وأنه لا يلزم من كون الإنسان يعذب في القبر أن يستمر ذلك.

стр. 156

الإيمان بالبعث قال ﵀: [فتعاد الأرواح إلى الأجساد، وتقوم القيامة التي أخبر الله بها في كتابه وعلى لسان رسوله وأجمع عليها المسلمون] . يقول ﵀: [فتعاد الأرواح إلى الأجساد] ، وهذا مما أجمع عليه أهل الإسلام، ولم يخالف فيه إلا الفلاسفة الذين قالوا: إن البعث لا يكون للأبدان، بل البعث للأرواح فقط! وهؤلاء مكذبون لما علم من الدين بالضرورة، وما جاءت به الرسل، فإن الرسل أخبروا بأن الأرواح تعاد إلى الأجساد، وأن الناس يخرجون من قبورهم في مواضع كثيرة من كتاب الله وفي السنة، فهذا أمر كما قال المؤلف ﵀ أجمع عليه المسلمون، ولم يخالف فيه إلا الفلاسفة الموحدون الذين قالوا: إن الإعادة إنما هي فقط للأرواح دون الأبدان. ثم قال ﵀: [وتقوم القيامة التي أخبر الله بها في كتابه وعلى لسان رسوله وأجمع عليها المسلمون، فيقوم الناس من قبورهم لرب العالمين حفاة عراة غرلاً، وتدنو منهم الشمس، ويلجمهم العرق، فتنصب الموازين فتوزن بها أعمال العباد، ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٢-١٠٣] ، وتنشر الدواوين -وهي صحائف الأعمال- فآخذ كتابه بيمينه، وآخذ كتابه بشماله أو من وراء ظهره كما قال : ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء:١٣-١٤]] . قال الشيخ ﵀: [وتقوم القيامة التي أخبر الله بها في كتابه وعلى لسان رسوله وأجمع عليها المسلمون] ، وهذا القيام يكون بعد النفخ في الصور، وهي النفخة الثالثة التي تعاد بها الأرواح إلى الأبدان كما قال الله جل وعلا: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر:٦٨] ، فهذه هي نفخة البعث، وقد دل على هذا -كما ذكر المؤلف ﵀ الكتاب والسنة وإجماع السلف. فيقوم الناس من قبورهم لرب العالمين لا لغيره؛ لأنه جل وعلا الملك الذي وصف نفسه في أم الكتاب بقوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤] ، مالك يوم الحساب، لا مالك إلا الله . (حفاة عراة غرلاً) وهذا فيه وصفهم عند قيامهم، وأنهم يعودون كهيئتهم في خلقهم الأول، (حفاة) فلا شيء يقي أقدامهم، (عراة) فلا شيء يقي أبدانهم، (غرلاً) لم ينقص منهم شيء، فيأتون على أكمل هيئة، لا نقص في أبدانهم، ولا شيء يواري أجسادهم، ولا يقي أقدامهم شيء في ذلك الموقف العظيم الذي تشيب منه الولدان كما قال جل وعلا: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٤] ، فيعيد الله الخلق على هيئتهم الأولى، وتبعث الأجساد التي طاعت واستقامت، وتبعث الأبدان التي عصت وطغت؛ ولذلك تشهد عليك جوارحك يوم القيامة، ولا يشهد إلا ما شاهد، فإنها تبعث يوم القيامة وتشهد عليك، فالبعث للأبدان التي كانوا عليها في الدنيا، وإن كان يعطيهم الله جل وعلا من القوى ما ليس لهم في الدنيا، فإن الشمس -كما سيأتي- تدنو من رءوس الخلائق، ولو كان هذا في دنيانا هذه لاحترق الكون، واحترقت الأبدان، لكن يمدهم الله بخلق يستعينون به على مواجهة أهوال ذلك اليوم، ويناسب الحال الأخروية التي لا موت بعدها ولا فناء، ولا يلزم من هذا تغير الأبدان، بل الله على كل شيء قدير.

стр. 157

دنو الشمس من الخلائق قال: [وتدنو منهم الشمس] وهذا قد ثبت في أحاديث كثيرة في السنة، وأن هذه الشمس العظيمة تدنو من رءوس الخلائق قدر ميل أو ميلين، واختلف في الميل: هل هو ميل المسافة أو ميل المكحلة؟ على قولين، وعلى أيهما فالأمر عظيم سواءً ميل المكحلة أو ميل المسافة. [ويلجمهم العرق] هذا فيه بيان منتهى ما يصل العرق من الإنسان، وإلا فإنه ليس كل أحد يكون هذا مصيره، فمن الناس من يبلغ العرق منه إلى الكعبين، ومنهم إلى حقويه، ومنهم دون ذلك، ومنهم أكثر من ذلك، إلى أن يبلغ الإلجام وهو موضع اللجام من الفرس.

стр. 158

نصب الموازين قال ﵀: [وتنصب الموازين] والموازين جمع ميزان، والميزان جاء الخبر عنه في كتاب الله وفي سنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما في الكتاب ففي قوله جل وعلا: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء:٤٧] ، وكذلك في الآيات التي ذكرها المؤلف: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ [المؤمنون:١٠٢-١٠٣] . وأما السنة ففي قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم) ، وهو مما تواتر النقل بثبوته عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فالميزان جاء فيه أحاديث متواترة، وهو ميزان حقيقي غير العدل؛ لأن من المئولة من يقول: المراد بالميزان: ظهور العدل. والصحيح أنه ميزان حقيقي كما أخبرت به النصوص، ودلت عليه الآثار، ومضى عليه سلف الأمة الأخيار، وأما كيفية هذا الميزان، فهو كسائر ما أخبرنا به مما لا تدركه عقولنا من أمور الغيب، نعرف أن الميزان يوزن به، أما تفصيل الكيفية فلا ندركه، هل هو نظير الموازين التي نعرفها في الدنيا أو لا؟ الله أعلم بذلك، لكن هو ميزان توزن به الأعمال، له كفتان كما دلت السنة، كفة توضع فيها الحسنات، وكفة توضع فيها السيئات، وهل هو ميزان واحد أو موازين متعددة؟ جاء لفظ الميزان في الكتاب والسنة مفرداً ومجموعاً، فمن العلماء من قال: إنه ميزان واحد توزن به أعمال الخلائق كلهم، ومنهم من قال: إنها موازين، ومنهم من قال: إن لكل أمة ميزاناً، ولا يجرؤ الإنسان على الجزم هل هو ميزان واحد أو هي موازين متعددة، لكن ظاهر السنة التعدد، وقال بعض أهل العلم: إن ظاهر الكتاب والسنة التعدد، والإفراد لا يعارض التعدد؛ لأن الإفراد باعتبار الجمع. ومن قال: بأنه ميزان واحد، قال: الجمع المراد به: اختلاف الموازين باختلاف الموزون لا باختلاف الميزان نفسه، يعني: باعتبار اختلاف ما يوزن، لا باعتبار اختلاف الميزان نفسه. على كل حال نحن نؤمن بما دلت عليه النصوص من إثبات هذا الذي أثبته الله ، وهو الميزان الذي توزن به الأعمال. وقوله: [تنصب الموازين] أي: تقام، كما قال الله : ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء:٤٧] ، موازين العدل، فتوزن فيها أعمال العباد. فأفادنا المؤلف ﵀ أن الذي يوزن هو أعمال العباد، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٢] ، (من) هنا شرطية، وجواب الشرط في قوله: ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٢] ، والموازين هنا هي ما يوزن من الأعمال، فأعمال العباد توزن فتوضع الحسنات في كفة، والسيئات في كفة، فإن رجحت حسناته فأولئك هم المفلحون، فمعنى ثقل الموازين: رجحان الحسنات على السيئات، ومعنى خفة الموازين رجحان السيئات على الحسنات، ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٣] ، نعوذ بالله من الخسران! وهذا فيمن خفت خفة لم يبق له معها حسنة، وهؤلاء هم الكفار الذي قال الله فيهم: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣] ، فلا يقام لهم وزن يوم القيامة. والنصوص تذكر المتقابلين، تذكر مآل أهل الإيمان، ومآل أهل الكفر، وبينهم درجات، فالكفر دركات، والإيمان درجات، والنصوص تبين مآل منتهى الفريقين؛ ولذلك من خفت موازينه من أهل الإيمان بأن ثقلت سيئاته على حسناته ومعه أصل الإيمان، هل يكون في جهنم خالداً؟ لا، لا يكون في جهنم مخلداً، إنما يكون فيها إلى أن تمحص سيئاته، ويخلص من ذنوبه، ثم ينقل من النار إلى الجنة. وقد دلت نصوص أخرى على أن الميزان يكون للعامل نفسه؛ ومن ذلك حديث عبد الله بن مسعود ﵁ حيث قال عنه النبي ﷺ : (إن ساقيّ ابن مسعود أثقل في الميزان من جبل أحد) ، فدل ذلك على أن الذي يوزن العامل نفسه. ودلت نصوص أخرى على أن الذي يوزن هو الكتاب لا العمل كما في حديث صاحب البطاقة، فإنه يؤتى بالبطاقة وتوضع في كفة، والبطاقة هي سجل العمل، فما الجمع بين هذه الآثار؟ قال بعضهم: إن الوزن يكون لهذا ولهذا ولهذا، فالكل يوزن. والظاهر أن الأصل في الوزن يكون للعمل، وأنه قد يوزن العامل، وقد يوزن سجل العمل، لكن الأصل في الوزن إنما هو للعمل كما دلت عليه الآية التي ذكرها المؤلف، وكما دل عليه قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧-٨] ، فالمثقال هنا: معيار وزن، والموزون هو العمل، فأكثر النصوص على أن الوزن للعمل. فنقول: الأصل في الوزن للأعمال، وقد توزن الكتب والسجلات، وقد يوزن العامل.

стр. 159

نشر الصحف قال ﵀: [وتنشر الدواوين] تنشر أي: تفرق، فالنشر أصله التفريق، والدواوين جمع ديوان، وما هو الديوان؟ الديوان في الأصل هو السجل الذي يكتب فيه، والمراد به: الكتاب الذي في أيدي الحفظة، فإنه ينشر يوم القيامة ويؤتى به، قال الله جل وعلا: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٧-١٨] ، يسجل، وقال : ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾ [الانفطار:١٠-١١] ، يكتبون العمل، وقال جل وعلا: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية:٢٩] ، فدل ذلك على أن عمل الإنسان وما يكون منه مكتوب مسجل، وهذا المكتوب المسجل ينشر. قال المؤلف ﵀: [وتنشر الدواوين وهي صحائف الأعمال، والناس في هذا الموقف بين مسرور ومثبور، فآخذ كتابه بيمينه -وهذا هو المسرور نسأل الله أن نكون منهم- وآخذ كتابه بشماله أو من وراء ظهره -وهذا هو المثبور نعوذ بالله من الخسران-] . كما قال الله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء:١٣] ، طائره يعني: عمله؛ لأن العمل به يعلو الإنسان، وبه يهوي وينزل، قال النبي ﷺ (إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين) وقيل: إن الطائر هو القرطاس، وكان يستعمله العرب في ضربهم للأزلام، والمراد واضح: أنه يلزم ما كان منه من عمل، ﴿أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ﴾ [الإسراء:١٣] ، وأين يلزم؟ ﴿فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء:١٣] ، وهذا دليل على شدة الملازمة وقربها، وعدم التمكن من الانفكاك منها، فما كان في الرقبة لا سبيل للتخلص منه. ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا﴾ [الإسراء:١٣] ، وهذا الكتاب ما هو؟ هو كتابه الذي كان يرصد فيه عمله، ويسجل فيه ما يكون منه، ﴿يَلْقَاهُ مَنشُورًا﴾ [الإسراء:١٣] ، أي: مبسوطاً مفرقاً واضحاً. ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء:١٤] ، فيؤمر بقراءة كتابه، ويقال له: نكتفي من حسابك بمحاسبتك لنفسك، فيكون الإنسان على نفسه حسيباً يوم القيامة.

стр. 160

الحساب قال ﵀: [ويحاسب الله الخلائق] وذلك بعد أن يأتي جل وعلا لفصل القضاء، وأول ما يحاسب عليه الناس التوحيد، فيقال: ماذا أجبتم المرسلين؟ أي: في أصل الدين والتوحيد، أما من حيث العمل، فالعمل قسمان: حق لله، وحق للخلق. فأول ما يحاسب فيما يتعلق بحق الله الصلاة، وأول ما يحاسب ويقضى به بين الناس فيما يتعلق بالحقوق التي بينهم الدماء، فيحاسب الله الخلائق، والخلائق هنا يشمل جميع بني آدم، ويشمل الجن أيضاً جميعاً، يحاسبهم جل وعلا في ساعة واحدة، لا إله إلا الله! على اختلاف ألوانهم وأعمارهم وأعمالهم وألسنتهم وكثرتهم يحاسبهم سبحانه في ساعة واحدة، ولما قيل لـ ابن عباس: كيف يحاسبهم في ساعة واحدة وهم كثر وهو واحد؟ قال: كما يرزقهم في ساعة واحدة، ولا يشغله رزق فلان عن رزق فلان؛ كذلك يحاسبهم في ساعة واحدة، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] . ويخلو بعبده المؤمن تكريماً له، كما قال النبي ﷺ : (ما منكم من أحد إلا وسيكمله الله ليس بينه وبينه ترجمان، فيقرره بذنوبه) أي: يعرفه بها، ويجعله يقر بما كان منه من سيئات، وما هي الذنوب التي يقرره بها؟ هي الذنوب التي لم يتب منها، أما ما كان من الذنوب وتاب منها؛ فإن ذلك يعفى ويصفح عنه، وهذا من فضل الله ورحمته، فكل ذنب خالطه الإنسان وتاب منه يمحى عنه، ولا يسأل عنه، ولا يحاسب عليه؛ كرماً من الله وتفضلاً، أما ما كان من الذنوب التي لم يتب منها الإنسان فهو الذي يقرره بها جل وعلا، ويسأله عنها. يقول: [كما وصف ذلك في الكتاب والسنة] أي: أن تفصيل هذا جاء في الكتاب والسنة. وهل عاقبة هذا التقرير المحاسبة والمؤاخذة؟ الجواب: الناس على درجات، منهم من يناقش، ومن نوقش الحساب عذب، ومنهم من لا يناقش، إنما يعرض عليه عمله ويقال له: كما سترتها عليك في الدنيا أنا أغفرها لك اليوم، سبحان الله! فيجمع له فضيلتين ونعمتين: فضيلة وإحسان سابق، وفضيلة وإحسان لاحق. السابق هو سترها في الدنيا، واللاحق هو العفو عنها يوم الموقف والعرض على الله جل وعلا.

стр. 161

محاسبة الكفار ثم قال: [وأما الكفار فلا يحاسبون محاسبة من توزن حسناته وسيئاته] لا يحاسبون محاسبة من توزن حسناته وسيئاته لماذا؟ لأنه لا حسنات لهم؛ ولذلك قال: [فإنه لا حسنات لهم] كيف لا حسنات لهم؟ أي: لا حسنات معتبرة، قال الله جل وعلا: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣] ، والعمل هنا المراد به: العمل الصالح، فإنه لا ينتفع به، لكن من عدل الله وإحسانه أنه يجزيه عليه في الدنيا، أما الآخرة فإذا وافى الآخرة لم يقدم بعمل إذا لم يأت بأصل الدين وهو التوحيد، والإقرار لله بالإلوهية، وللنبي صل الله عليه وسلم بالرسالة. وفهمنا من هذا أنه يحاسب محاسبة أخرى، فنفى عنه المحاسبة التي هي وزن الأعمال، وهو المشار إليه في قوله تعالى: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف:١٠٥] ، فإنه لا يقام لهم يوم القيامة وزناً، أي: وزناً ينتفعون به، وزناً يوازن به بين الحسنات والسيئات. أما المحاسبة التي هي عرض الأعمال على وجه التقريع والتوبيخ وإقامة الحجة عليه من نفسه؛ فذاك قد جاءت به السنة، ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعاً: (إن الله يقول لعبده: يا فل! - ترخيم يا فلان- ألم أسودك؟ ألم أربعك؟ ألم أزوجك؟ ألم أجعلك ترأس؟ فيقول: بلى يا ربي! فيقول الله جل وعلا: أكنت تظن أنك ملاقِ؟ فيقول: لا. فيقول الرب جل وعلا: اليوم ننساك كما نسيتني) وهذا لا يكون إلا من الكافر؛ لأن من ظن أنه لا يلقى الله فإنه يكفر بذلك. وهذا فيه أنه يحاسبهم ويكلمهم، لكنه كلام توبيخ ومحاسبة وتقريع وزيادة حسرة وندامة، نعوذ بالله من الخسران! وقوله: [فإنه لا حسنات لهم] يصح أن تقول: لا حسنات بناءً على الفتح، ويصح بالبناء على الكسر، وجهان، يمكن أن تقول: فإنه لا حسناتَ لهم، ويصح أن تقول: فإنه لا حسناتِ لهم، ولكن تعد أعمالهم وتحصى، هذا هو الحساب الثابت للكفار، فما ورد من أن الكفار يحاسبون فمعناه: عد أعمالهم وإحصاؤها، فتعد أعمالهم فتحصى فيوقفون عليها، ويقرون بها، ويجزون بها، هذا معنى محاسبة الكفار، والمؤلف ﵀ إنما ذكر منتهى الفريقين كما هو الحال في الكتاب والسنة، وكما ذكرنا لكم أن أهل الإيمان درجات في حسابهم، كما أن أهل الكفر درجات في حسابهم، والقرآن إنما يبين منتهى حال الفريقين: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧-٨] ، ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى:٧] ، وهذا هو الذي جرى عليه الكتاب، وجرى عليه المؤلف ﵀ في كلامه في هذا الموضوع.

стр. 162

شرح العقيدة الواسطية [١٩] من أركان الإيمان الإيمان باليوم الآخر، ومن ذلك الإيمان بالحوض والصراط، فالحوض محل لتكريم عباد الله، فيشربون منه في الموقف الذي يشتد حره وكربه على الخلق، والصراط محل لمرور أهل الإسلام إلى الجنة، فمن ناج مسلم، ومخدوش مسلم، ومكردس على وجهه في نار جهنم أعاذنا الله منها.

стр. 163

الحوض بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. وبعد: قال المصنف ﵀: [وفي عرصات القيامة الحوض المورود للنبي ﷺ ، ماؤه أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، آنيته عدد نجوم السماء، طوله شهر وعرضه شهر، من يشرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبداً] . اللهم اجعلنا منه يا رب العالمين. يقول ﵀: (وفي عرصات القيامة) العرصة: الفناء الواسع الذي لا بناء فيه، والمقصود به أرض المحشر في تلك الأهوال العظيمة. قوله: (الحوض المورود) الحوض: اسم لما منّ الله به على نبينا محمد ﷺ مما سيأتي وصفه، وقوله: (المورود) أي: الذي يرده أهل الإيمان من أتباع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وذلك لكثرة من يرد عليه من أهل الإيمان، وهذا الحوض المورود قد دلت عليه السنة الصريحة، فهو قد ورد في السنة متواتراً، وقد جاء ذكره في الكتاب في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر:١] ، فإنه قد فسر بالحوض المورود، مع أن الكوثر الذي أعطيه النبي ﷺ أوسع من الحوض المورود، لكن يدخل فيه الحوض الذي جاء الخبر عنه في سنة النبي ﷺ ؛ لأن الكوثر اسم للخير الكثير، والنبي ﷺ قد آتاه ربه وخصه بخير كثير في الدنيا والآخرة، فالحوض ثابت بالكتاب وبالسنة، وقد أجمع عليه أهل الإسلام. وهذا الحوض خاص بهذه الأمة، ولا يرده إلا أهل الإسلام، أما بقية الأمم فقد اختلف هل لهم حوض يردونه أو لا؟ فورد في جامع الترمذي من حديث سمرة: (إن لكل نبي حوضاً) ، وهذا الحديث في إسناده مقال، وعلى القول بأن لكل نبي حوضاً فإن النبي ﷺ حوضه لا يجارى ولا يضارى، فهو أعظمها وأكبرها وخيرها. وقد ورد وصف هذا الحوض في السنة، وذكر المؤلف ﵀ شيئاً من أوصافه فقال: (ماءه أشد بياضاً من اللبن) ، وهذا فيه جمال المنظر، (وأحلى من العسل) ، وهذا فيه طيب الطعم، وجاء في الصحيح: (ورائحته أطيب من المسك) ، وهذا فيه زكاء الرائحة، فحسبك بمورد حسن منظره، وطاب مذاقه، وزكت رائحته، في يوم يبلغ الناس فيه من الكرب والشدة ما تقدم وصف بعضه، ويكفي من ذلك دنو الشمس التي تلهب الأكباد، ويكون الناس بحاجة شديدة إلى الماء، فيردون هذا المورد الطيب جعلنا الله وإياكم من أهله. وقوله: (آنيته عدد نجوم السماء) أي: كثيرة، ومن يحصي عدد نجوم السماء؟ لا يحصيها إلا الذي خلقها.

стр. 164

مسائل في الحوض لم ينبت بها دليل قوله: (طوله شهر وعرضه شهر) . هذا خبر من النبي ﷺ يبين فيه سعة هذا الحوض، وأنه في السعة بلغ طوله شهراً وعرضه شهر، فبأي حساب يحسب الشهر، أبسير الإبل أم بسير الطائرات أم بسير الخيول؟ الجواب: الله أعلم، ونقف حيث وقف عليه النص فنقول: طوله شهر وعرضه شهر. أما معيار الحساب فبعضهم قال: معيار الحساب يرجع فيه إلى الحقيقة العرفية؛ لأنه لم يرد فيه حقيقة شرعية ولا حقيقة لغوية، والحقيقة العرفية في هذا أنهم كانوا يحسبون السير بسير الإبل. واختلف أهل العلم في الحوض هل هو مستدير أو مربع. وعندي أن هذا الخلاف لا فائدة منه؛ لأنه لو كان فيه فائدة لبينه النبي ﷺ ، وهل يستفاد من قوله: (طوله شهر وعرضه شهر) الاستدارة أو التربيع؟ الذي يظهر أنه لا يستفاد منه ذلك؛ لأن المراد من قول النبي ﷺ : (طوله شهر وعرضه شهر) بيان سعة هذا الحوض، وليس المراد بيان هيئته وصفته هل هو مستدير أو مربع. فعندي أن اللفظ لا يدل على هذا ولا على هذا، إنما المراد بيان عظيم سعة هذا الحوض، وأنه لا يضيق بمن يرد عليه. قال: [من يشرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبداً] . وهذا من فضل الله ورحمته، فمن شرب منه أمن من الظمأ، وكيف يشرب منه؟ الله أعلم كيف يشرب منه، وأما أن يكون الشرب بمناولة النبي ﷺ ، كما يقول بعض الناس: اسقنا شربة من يده الشريفة فهذا ليس فيه دليل، ومن الاعتداء في الدعاء أن تقول هذا القول، فليس هناك دليل على أن النبي ﷺ هو الذي يسقي الناس، وأنه هو الذي يناولهم بيده، فالنصوص أخبرت بأنه يشرب منه، ولم تبين هل الشرب يكون بمباشرة الإنسان بنفسه أو يكون بمناولة أحد.

стр. 165

الصراط وما ورد فيه قال ﵀: [والصراط منصوب على متن جهنم، وهو الجسر الذي بين الجنة والنار، يمر الناس على قدر أعمالهم، فمنهم من يمر كلمح البصر، ومنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كالفرس الجواد، ومنهم من يمر كركاب الإبل، ومنهم من يعدو عدواً، ومنهم من يمشي مشياً، ومنهم من يزحف زحفاً، ومنهم من يخطف خطفاً ويلقى في جهنم، فإن الجسر عليه كلاليب تخطف الناس بأعمالهم] . قال ﵀: [والصراط منصوب على متن جهنم] . الصراط في اللغة فعال بمعنى: (مفعول) ، أي: مصروط، وهو ما يطرق ويسار عليه، فالطريق المسلوك يسمى صراطاً، وقد أخبرت السنة بالتواتر أن الناس يمرون على الصراط يوم القيامة. قال المؤلف ﵀ في بيان الصراط: [منصوب على متن جهنم] أي: على ظهرها، فالمتن هنا هو الظهر، أي: أنه على جهنم. وأما صفة هذا الصراط فقد جاء في الحديث: (دحض مزلة) ، وجاء في حديث آخر: (أحد من السيف وأدق من الشعرة) ، وهذا الاختلاف في الوصف -إن ثبتت الرواية الثانية- هو اختلاف باعتبار أحوال الناس، فإن الناس يوم القيامة يختلف حالهم باختلاف أعمالهم؛ ولذلك يكون منهم المسرور ويكون منهم الشقي، مع أنهم في موقف واحد، والأمر عليهم واحد فيما يظهر، ولكنه يختلف باختلاف أحوالهم، فمن جاء آمناً يوم القيامة ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة:٣٨] ، ومن جاء مسيئاً مثقلاً بالذنوب فيدعو بالويل والثبور. فإن ثبت الوصف الثاني فإنه يكون باعتبار اختلاف أحوال الناس؛ لأن الوصف الأول مفاده سعة هذا الصراط، وهو ما يفيده اللفظ، فالصراط يطلق على الطريق الواسع المسلوك. وأما الوصف الثاني -وهو أنه أحد من السيف وأدق من الشعرة- فهذا جاء به الأثر، فإن كان محفوظاً فالمراد اختلاف أحوال الناس كما ذهب إلى ذلك جماعة من أهل العلم، ولا تسأل كيف يكون كذا ويكون كذا والسالكون عليه أمرهم واحد؟! فإن أمور الآخرة لا تدركها العقول، لا تدرك حقائقها وكيفياتها عقول الناس، بل يجب الإيمان بذلك كما أخبرت به النصوص كسائر أمور الغيب. يقول ﵀: [وهو الجسر أو الجسر -بالكسر والفتح- الذي بين الجنة والنار] . أي: الذي لا يمكن لأحد أن يدخل الجنة إلا بعبوره، وإلا فهو مضروب على متن جهنم، والذي بين الجنة والنار هو القنطرة التي يحبس عليها أهل الأعراف، والجسر مضروب على جهنم نفسها، فمراد المؤلف ﵀ بقوله: [الذي بين الجنة والنار] يعني: الذي لا يمكن الوصول إلى الجنة إلا من طريقه.

стр. 166

من يمر على الصراط ؟ قال ﵀: [يمر الناس عليه على قدر أعمالهم] . المراد بالناس هنا أهل الإسلام، فإنه لا يمر على الصراط إلا مسلم، وبه نفهم أن المراتب المذكورة فيما سيأتي هي مراتب أهل الإسلام، فإن أهل الكفر يتبعون معبوداتهم وطواغيتهم قبل أن يعبر الناس الصراط، فأولئك يلقون فيها ابتداءً ولا يمرون على صراط، ثم لا يبقى إلا هذه الأمة وفيها منافقوها. فيعطى أهل الإيمان من النور على قدر أعمالهم، وأما أهل النفاق فلا نور لهم فيلقون في النار -نعوذ بالله من الخسران- ولا يمرون على الصراط، وتفاوت سير الناس على الصراط هو بقدر تفاوتهم في أعمالهم، وبقدر ما يمن الله به عليهم من النور، فمن كان نوره مشرقاً واسعاً كان مروره سريعاً، ومن كان نوره دقيقاً قليلاً حسيراً فإنه يسير سيراً بطيئاً. فالناس في ذلك اليوم في ظلمة شديدة وكرب عظيم، حتى إنه إذا ضرب الصراط ألجمت الألسن، فلا يتكلم إلا الأنبياء، وكلامهم: (اللهم سلم سلم! رب سلم سلم!) ، فهذا دعاء الأنبياء عند المرور على هذا الصراط، وهو أمر عظيم إذا تصوره الإنسان بعقله، وأداره في فكره، وأنه سيكون ممن يمر على هذا وجل قلبه، فتخفف من الذنوب بالتقلل منها، والتوبة والاستغفار؛ لأنه لا يكون النجاء من هذا الموقف إلا بالعمل الصالح، ومن زاد يقينه ورسخ إيمانه بهذه الأمور أفلح ونجح، ومن أخذها على أنها علم نظري ما استفاد. فالناس في هذا الموقف في كرب عظيم، والمرور على الصراط هو المشار إليه في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم:٧١] ، فإن هذه الآية خطاب لأهل الإسلام وأهل الكفر. لكن الورود يختلف، فورود تعقبه السلامة، وهذا نصيب الذين قال فيهم جل وعلا: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم:٧٢] . وورود إقامة، وهو الذي قال فيه جل وعلا: ﴿وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم:٧٢] ، نعوذ بالله! فهؤلاء سيبقون فيها، والظلم هنا يشمل الظلم الأعظم وهو الكفر والشرك، ويشمل ما دون ذلك، وبقاؤهم فيها بقدر ما معهم من الظلم. فأهل الكفر لا خروج لهم منها، وأما أهل المعصية فإنه يبقون فيها ما شاء الله أن يبقوا ثم يخرجون بعد ذلك إما بشفاعة أو بإكمال العذاب الذي استحقوه على سيئاتهم. ففهمنا من قول المؤلف ﵀: [يمر الناس] أن الناس هنا لفظ عام أريد به الخصوص، وهم أهل الإسلام، وهل يمر الناس على قدر شبابهم ونشاطهم وقوتهم وصحتهم؟ الجواب: لا، بل يمر الناس على قدر أعمالهم، فمطايا الناس في ذلك الموقف أعمالهم، فبها ينجون وبها. قال ﵀: [فمنهم من يمر كلمح البصر -وهذا أسرع ما يكون- ومنهم من يمر كالبرق الخاطف -وهذا قريب في السرعة من الذي قبله- ومنهم من يمر كالريح الشديدة، ومنهم من يمر كالفرس الجواد، ومنهم من يمر كركاب الإبل -أو كراكب الإبل، وركاب الإبل المقصود بها من يركب الإبل التي تستعمل لقطع المسافات والسفر- ومنهم من يعدو عدواً -وهو من يشتد ركضاً- ومنهم من يمشي مشياً، ومنهم من يزحف زحفاً، ومنهم من يخطف ويلقى في جهنم] . فإذا قيل: كيف يخطف؟ فالجواب أنه قال: [فإن الجسر عليه كلاليب] ، والكلاليب: جمع كلاب أو كلوب، والمراد به في اللغة: حديدة منحنية الرأس، ويطلق أيضاً على ما كان منحني الرأس من غير الحديد. وهذه الكلاليب تختطف الناس بأعمالهم، فهي التي تعيقهم عن السير، فسالم ناجٍ، ومخدوش، ومكردس في النار نعوذ بالله من الخسران، والنار التي يلقى فيها من يخطف هي نار العصاة، وليست نار أهل الخلود؛ ولذلك قال: [فمن مر على الصراط دخل الجنة] ، وسيأتي بيان ذلك في الشفاعة، فإن نار أهل المعصية ليست كنار أهل الكفر، وإن كان المكان واحداً، فالمكان من حيث المنظر واحد، ولكن العذاب مختلف متفاوت، وقد دلت السنة على أن النار دركات، وأسفلها نصيب المنافقين.

стр. 167

تجاوز الصراط وما يكون بعده ثم قال: [فمن مر على الصراط دخل الجنة] . (من مر) أي: من جاز على أي هيئة كان، كلمح البصر، أو كالبرق، أو كالريح، أو كالفرس الجواد، أو كركاب الإبل، أو كالذي يعدو عدواً، أو يمشي مشياً، أو يزحف زحفاً، كل هؤلاء إذا مروا على الصراط استحقوا دخول الجنة، فلا يجاوز الصراط إلا من كتب له دخول الجنة وكان من أهلها. قال رحمه الله تعالى: [فإذا عبروا عليه وقفوا على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعض، فإذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة، وأول من يستفتح باب الجنة محمد ﷺ ، وأول من يدخل الجنة من الأمم أمته] . قوله: [فإذا عبروا] أي: أهل الإسلام [عليه] أي: على الصراط [وقفوا على قنطرة بين الجنة والنار] القنطرة: هي الجسر في لغة العرب، وتطلق على البناء المرتفع، فإذا كانت الجسر فإننا نعتقد أنه جسر غير الأول، فإن الجسر الأول هو الصراط الذي يمر عليه الناس، وهو مضروب على متن جهنم، وأما هذا فإنه جسر غير الأول، وإذا كان البناء المرتفع فهو واضح. فعلى القولين أو على التفسيرين فإن القنطرة غير الجسر. قوله: [بين الجنة والنار] هذه التي يوقف عليها أهل الإسلام. قوله: [فيقتص لبعضهم من بعض] أي: يؤخذ حق بعضهم من بعض. وذلك أنهم إذا جازوا النار وأرادوا دخول الجنة احتاجوا إلى مزيد تطهير، وإلا فإن هؤلاء يطهرون بمرورهم على الصراط إن كان لهم ذنوب، ويطهرون أيضاً بالمحاسبة والمقاصة التي تكون في عرصات يوم القيامة. فإن أول ما يقضى بين الناس في الدماء، وهي من الحقوق التي تكون بين الناس، ويقضى أيضاً في الأموال وفي غيرها، وكل ذلك في عرصات يوم القيامة. ثم يحصل لهم مقاصة أخرى، وهي لا تتعلق بأصول الذنوب، إنما هي ببقاياها وآثارها، فإن المقاصة السابقة لا تزيل ما في صدورهم من غل، ولا تذهب ما في قلوبهم من شحناء وبغضاء، فإذا أتوا إلى هذا الموقف الذي لم يبق بعده إلا أن يدخلوا الجنة أزيل ما في قلوبهم من أوضار ومن بقايا آثار الذنوب، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا﴾ [الحجر:٤٧] ، فينزع الله في هذا الموقف ما في صدورهم، ويزيل ويهذب ما بقي من آثار الذنوب، وذلك لأن الجنة طيبة لا يدخلها إلى طيب، قال الله : ﴿طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر:٧٣] ، والطيب هنا هو زوال كل أثر سوء في القول أو في العمل أو في البدن أو في القلب، فلا يدخلها إلا المخلصون المنقون. فيقتص لبعضهم من بعض، فإذا هذبوا وخلصوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة، أي: لم يبق لهم إلا أن يدخلوا الجنة، وأما الدخول الحقيقي فإنه لا يكون إلا بعد استفتاح النبي ﷺ ، ولذلك قال ﵀: [وأول من يستفتح باب الجنة محمد ﷺ ] . فقوله: (يستفتح) أي: يطلب فتح بابها، وبه نفهم أن الجنة لها أبواب، وأن أبوابها مغلقة؛ وذلك صيانة لها، وحفظاً لها، وإكراماً لأهلها، فالنبي ﷺ يستفتح يطلب فتح باب الجنة، وهذا معنى قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (أنا أول شفيع في الجنة) ، وهذا أول شفاعاته ﷺ المتعلقة بأهل الجنة، وهي طلب الإذن في الدخول والاستفتاح، كما جاء في الصحيح أنه (يقرع بابها فيقول الخازن -خازن الجنة-: من؟ فيقول: محمد. فيقول الخازن: بك أمرت، لا أفتح لأحد قبلك) ، فإذا فتح باب الجنة دخل النبي ﷺ ، وهو أول من يدخل الجنة، فله السبق في جميع مواقف القيامة، فهو أول من تنشق عنه الأرض ﷺ ، وهو أول من يجوز الصراط، وهو أول من يستفتح باب الجنة، وهو أول من يدخلها ﷺ . ثم قال: [وأول من يدخل الجنة من الأمم أمته] . أول من يدخل الجنة من أمم العالم من آدم إلى آخرهم أمة محمد ﷺ ، وذلك لقوله ﷺ : (نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، وأول من يدخل الجنة) ، وفي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (نحن الآخرون السابقون يوم القيامة) ، وهذا السبق -كما ذكرنا- ليس خاصاً بدخول الجنة، بل هو سبق في جميع مواقف القيامة، فهم أول من يحاسب، وأول من يقضى فيهم، وأول من يجوز الصراط، وأول من يدخل الجنة، وذلك لفضلهم ولتحقيقهم العبودية على وجه الكمال فاستحقوا هذا الفضل، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [المائدة:٥٤] .

стр. 168

شرح العقيدة الواسطية [٢٠] إن مما يجب الإيمان به الشفاعة يوم القيامة كما دلت عليه النصوص، والشفاعة منها ما هو خاص بالنبي ﷺ كالشفاعة لأهل الموقف ليفصل الله بينهم، ومنها ما يشاركه فيها غيره، وقد اتفق أهل الإسلام على ثبوت الشفاعة العظمى للنبي ﷺ وهي التي للفصل بين الخلائق، وخالفت بعض الفرق في إثبات ما عداها، والحق إثبات ما دلت عليه النصوص في كتاب الله سبحانه وسنة رسوله ﵊.

стр. 169

الشفاعة يوم القيامة وأنواعها

стр. 170

شفاعة النبي ﷺ لأهل الموقف بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وبعد: قال رحمه الله تعالى: [وله ﷺ في القيامة ثلاث شفاعات: أما الشفاعة الأولى فيشفع في أهل الموقف حتى يقضى بينهم بعد أن يتراجع الأنبياء: آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم عن الشفاعة حتى تنتهي إليه. وأما الشفاعة الثانية فيشفع في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة، وهاتان الشفاعتان خاصتان له. وأما الشفاعة الثالثة فيشفع فيمن استحق النار، وهذه الشفاعة له ولسائر النبيين والصديقين وغيرهم، فيشفع فيمن استحق النار ألا يدخلها، ويشفع فيمن دخلها أن يخرج منها] . هذا هو بحث الشفاعة الذي اتفقت الأمة على بعضه، وهو متفق عليه عند الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة. يقول ﵀: (وله ﷺ ثلاث شفاعات) . وإذا قيل لك: من أين هذا العد؟ فقل: هذا من الاستقراء والتتبع، ويستفاد هذا من دلالة الكتاب والسنة. والشفاعة في اللغة: مأخوذة من الشفع، وهو ضد الوتر، وفي الاصطلاح: التوسط للغير في جلب نفع أو دفع ضر، وعرفها شيخ الإسلام بقريب من هذا فقال: التوسط في جلب النفع أو التخليص من السوء، والتخليص من السوء هو من صور دفع الضر. وهذه الشفاعة جاءت في القرآن العظيم على نحوين، فجاءت مثبتة، وجاءت منفية. فالشفاعة المثبتة: هي ما دل عليه الكتاب والسنة من شفاعة أهل التوحيد بعد إذن الله جل وعلا ورضاه عن المشفوع، فهذه هي الشفاعة المثبتة، وأما الشفاعة المنفية فهي الشفاعة الشركية التي توصل بها أهل الشرك إلى صرف العبادة لغير الله. فالبحث هنا في الشفاعة المثبتة، والشفاعة المثبتة تنقسم إلى قسمين من حيث اعتقاد أهل القبلة فيها: الأول: قسم أجمع عليه أهل الإسلام، ولم يقع بينهم فيه خلاف، وهي شفاعة النبي ﷺ العظمى، شفاعته في أهل الموقف أن يأتي الله جل وعلا لفصل القضاء. فهذه لم يخالف فيها أحد من أهل الإسلام، بل أجمع عليها المسلمون، وهي المشار إليها في كلام المؤلف في الشفاعة الأولى حيث قال: [أما الشفاعة الأولى فيشفع في أهل الموقف- موقف القيامة- حتى يقضى بينهم بعد أن يتراجع الأنبياء] فمتى يكون هذا؟ بعضهم قال: يكون في أول الأمر. لكن الظاهر أنه بعد أن يلقى أهل النار من الكفار فيها، فإنه إذا ألقي أهل النار فيها عند ذلك يشتد الكرب على أهل الإيمان، ولا يبقى إلا هم، فيتراجع الناس ويطلبون من يشفع عند الله أن يخلصهم من هذا الكرب وهذه الشدة، فيأتون آدم يطلبون منه الشفاعة فيعتذر، ثم يطلبون نوحاً فكذلك يعتذر، ويأتون بعد ذلك إبراهيم فيعتذر، وموسى فيعتذر، ويأتون عيسى فيعتذر، لكنه لا يذكر ذنباً بخلاف من تقدم، ويقول لهم: اذهبوا إلى محمد، عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. وبهذا الخبر يتبين أن هذا المقام لا يصلح إلا لمن وصف بهذا الوصف، وهو مغفرة ما تقدم من الذنوب وما تأخر. فاعتذار الأنبياء إنما هو لأجل عظم الموقف، ورفعة المكان والمقام الذي طلب منهم، وهو الشفاعة عند الله في فصل القضاء، فيقول النبي ﷺ إذا جاءه الناس: (أنا لها أنا لها) . ثم إنه يذهب ﷺ ويطلب الشفاعة، لكنه لا يبتدئ بالطلب، إنما يأتي الله جل وعلا، فإذا رأى ربه سجد، فيقال له بعد طول سجود وكثرة حمد وثناء: (ارفع رأسك، وسل تعط، واشفع تشفع) فعند ذلك يشفع النبي ﷺ ، ويطلب من رب العالمين أن يأتي لفصل القضاء. والأحاديث التي في الصحيحين تختصر ذكر الشفاعة العظمى، فإذا ذكرت ما يكون من مراجعة الأنبياء ووصول الأمر إلى النبي ﷺ ، وما يكون منه من سجود؛ تذكر بعد ذلك الشفاعة في الأمة خاصة، ولا تذكر الشفاعة في فصل القضاء إلا في أحاديث قليلة، والسبب في هذا -وهذه مسألة مفيدة قل من ينبه عليها- أن الشفاعة العظمى لا خلاف فيها بين أهل الإسلام، ولذلك طوى ذكرها رواة الأحاديث، بخلاف الشفاعة في أهل الكبائر، وبقية أنواع الشفاعة؛ فإن الخلاف بين أهل السنة وغيرهم فيها قائم؛ فلذلك احتاج الرواة إلى أن يصرحوا ويذكروا شفاعته في الأمة وفي أهل الكبائر والذنوب، وطووا ذكر الشفاعة العظمى، مع أن المراجعة لا تكون في الشفاعة للأمة، إنما تكون في فصل القضاء، وقد جاء ذكر طلب فصل القضاء من النبي ﷺ في حديث ابن عمر في الصحيح، وهو أمر مجمع عليه. فإذا قرأت في صحيح البخاري، وفي صحيح مسلم وفي غيرهما أحاديث الشفاعة تجد أنه بعد قول الله للنبي ﷺ : (اشفع) يسأل الشفاعة لأمته، مع أن الناس طلبوا منه المجيء لفصل القضاء لعموم أهل الموقف، وليس الشفاعة الخاصة بأمته ﷺ . فيأتي الله جل وعلا لفصل القضاء، وهذا هو المقام المحمود الذي يحمده عليه الأولون والآخرون، وهو الذي ذكره الله في قوله: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩] ، فالمقام المحمود فسره النبي ﷺ في أحاديث في الصحيحين وفي غيرهما بالشفاعة، وهي الشفاعة العظمى التي يحمده عليها الأولون والآخرون.

стр. 171

شفاعته ﷺ لأهل الكبائر يوم القيامة أما الشفاعة الثانية -وهي التي وقع الخلاف فيها بين أهل السنة وغيرهم- فهي شفاعته في أهل الكبائر، وسيأتي ذكرها في كلام المؤلف. قال: [وأما الشفاعة الثانية فيشفع في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة] . هذا غير الاستفتاح، فالاستفتاح هو طلب فتح الباب، وهناك أمر آخر وهو أنه إذا فتح الباب فإن أهل الجنة لا يدخلونها إلا بشفاعة النبي ﷺ ، فيشفع لأهل الجنة في دخول الجنة، وهو المشار إليه في بعض أحاديث الصحيحين بقوله: (فيحد لي حداً - يعني: من الأمة- فأدخلهم الجنة) ، وهو المشار إليه في قول النبي ﷺ (أنا أول شفيع في الجنة) يعني: في دخولها. فيدخل رسول الله ﷺ ، ثم تدخل أمته. قال: [وهاتان الشفاعتان خاصتان له] أي: لا يشاركه فيهما غيره لا من الملائكة، ولا من النبيين، ولا من الصديقين، ولا من الشهداء، ولا من الصالحين. واعلم أنه يضاف إلى هاتين الشفاعتين شفاعة ثالثة خاصة به ﷺ ، وهي شفاعته في عمه أبي طالب في تخفيف العذاب عنه لا في رفعه، وذلك أن العباس قال للنبي ﷺ : (يا رسول الله! عمك أبو طالب كان يحوطك ويغضب لك ما نفعته؟ -يعني: أي شيء جازيته على ذلك؟ - فقال: إنه في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل منها) ، وهذا فيه أن النبي ﷺ شفع في عمه فخفف عنه، وهذا التخفيف فيه إكرام للنبي ﷺ من جهة، وفيه فائدة، وهي تبيان مراتب أهل الكفر والشرك، فإنهم ليسوا على درجة واحدة في العقاب والمؤاخذة، وقد أخذ بعض أهل العلم من هذا الحديث عدم تخصيص أبي طالب بذلك، فقالوا: سئل النبي ﷺ عن أبي طالب فأخبر، وليس الأمر خاصاً به، بل هذا ثابت لكل من أحب النبي ﷺ من أهل الكفر ولو لم يؤمن به، فإنه يخفف عنه، واستدلوا لذلك بتخفيف العذاب عن أبي لهب بسبب عتقه الجارية التي بشرته بولادة النبي ﷺ . وعلى كل حال فنحن لم نعلم ذلك صريحاً إلا في أبي طالب، ثم إن المخفف عنه لا يدرك ذلك التخفيف، بل كما قال النبي ﷺ في أبي طالب: (عليه نعلان -أو شراكان- من نار يغلي منهما دماغه، لا يرى أن أحداً أشد عذاباً منه) ، هذا من حيث ما يظن وما يتصور، وأما من حيث الواقع فإنه تخفيف، فهذه ثالث الشفاعات التي يختص بها رسول الله ﷺ . فالشفاعة الأولى: الشفاعة العظمى. والشفاعة الثانية: شفاعته في أهل الجنة أن يدخلوها. والشفاعة الثالثة: شفاعته في عمه أبي طالب.

стр. 172

الشفاعة فيمن استحق النار أو دخلها ومن خالف في ذلك قال: [وأما الشفاعة الثالثة فيشفع فيمن استحق النار، وهذه الشفاعة له ولسائر النبيين والصديقين وغيرهم، فيشفع فيمن استحق النار ألا يدخلها، ويشفع فيمن دخلها أن يخرج منها] . هذا النوع الثالث من الشفاعة، وهو الذي خالف فيه المعتزلة والخوارج وغلاة المرجئة. أما المعتزلة والخوارج فأنكروا الشفاعة، وقالوا: لا شفاعة، فمن دخل النار لا يخرج منها بل هو خالد فيها. وأما غلاة المرجئة فأيضاً أنكروا هذا النوع من الشفاعة، وقالوا: إنه لا يشفع؛ لأنه لا يدخل النار أهل الإيمان، فقالوا: إذا كان لا يدخل أهل الكبائر النار بسبب كبائرهم فإنه لا حاجة إلى الشفاعة، فأنكروا هذا النوع من الشفاعة، وهذا قل من ينبه عليه في هذه الفرقة المخالفة. أما عامة المرجئة فإنهم يثبتون هذا النوع من الشفاعة كأهل السنة وغيرهم. فالشفاعة التي وقع فيها الخلاف بين الفرق هي الشفاعة لأهل الكبائر، فالوعيدية من المعتزلة والخوارج نفوا الشفاعة، وقالوا: لا يمكن أن يشفع لأحد في الخروج من النار، فمن دخلها فإنه لا يخرج منها. وقابلهم غلاة المرجئة فقالوا: لا يدخل أهل الكبائر النار أصلاً، وعليه فلا شفاعة. فقابلوهم في التعليل، وإن كانوا وافقوهم في النتيجة من حيث إنكار الشفاعة. والذي عليه سلف الأمة -وهو ما دل عليه الكتاب والسنة- أن النبي ﷺ وغيره يشفعون في أهل الكبائر، وأن ممن يدخل النار من يخرج منها، ولكن اعلم أن من يدخل النار نوعان: فنوع دخولهم أبدي، وهم أهل الكفر، فهؤلاء لا يخرجون منها، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ [المائدة:٧٢] . ومنهم من يدخل ويعاقب ويمحص ويخلص، ثم بعد ذلك يخرج، وهذا في حق أهل الكبائر المسرفين على أنفسهم بالذنوب والمعاصي مع وجود الأصل الإيمان، وهم الذين وردت فيهم الأحاديث: (لا يبقى في النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان) . يقول ﵀: [فيشفع فيمن استحق النار -أي: استوجبها- ألا يدخلها] . هذه شفاعة دفع، أي: قبل أن يحل به العقاب وينزل يدفع عنه، وكذلك يشفع فيمن دخلها أن يخرج منها، وهذه شفاعة رفع، وكلتاهما يثبتها أهل السنة والجماعة للنبي ﷺ ، وقد قال ابن القيم ﵀ في تعليقه على سنن أبي داود عند ذكر هذه الشفاعة: ولم أقف لها على دليل. يعني: الشفاعة فيمن استحق النار ألا يدخلها، وكذلك قال شيخنا ﵀: لا أعلم لها دليلاً. أي: الشفاعة في قوم استحقوا النار ألا يدخلوها. وقد أشار بعض أهل العلم إلى دليل يمكن أن يكون مستنداً في إثبات هذه الشفاعة التي أثبتها أهل السنة والجماعة، وهو ما جاء في الصحيح أن الأنبياء عند الصراط يكون قولهم الذي يلهجون به: (رب سلم سلم) ، فإنه في رواية سهل في صحيح البخاري قال النبي ﷺ : (فيوضع الصراط ثم تحل الشفاعة فأقول: رب سلم سلم) أو: (وعند ذلك حلت الشفاعة فأقول: رب سلم سلم) وهذا دعاء بالسلامة لهم -وهم سالمون من النار- ولأممهم، وهذا الأثر يصلح دليلاً على هذا النوع من أنواع الشفاعة، وهو الشفاعة فيمن استحق النار ألا يدخلها. واستحقاقه لها كان برجحان سيئاته على حسناته، فهذا هو سبب استحقاق النار، وسبب استحقاق الجنة رجحان الحسنات على السيئات. بقيت حالة، وهي مساواة الحسنات بالسيئات، وهذا أيضاً مما يستحق به الإنسان النار؛ لأن مساواة الحسنات والسيئات لا تنفعه في تخليصه من المؤاخذة إلا أن ترجح الحسنات على السيئات، فيعاقب -إن شاء الله- حتى تخف كفة السيئات وتثقل كفة الحسنات، وعند ذلك يكون ممن ثقلت موازينه فيدخل الجنة. فيشفع فيمن استحق النار، وهذه الشفاعة له -أي: للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ولسائر النبيين والصديقين وغيرهم، فهي ليست خاصة به ﷺ . لكن اعلم أن النبي ﷺ نصيبه من هذه الشفاعة أوفر وأعلى من غيره، فالنبي ﷺ تميز في الشفاعة بأمرين: الأمر الأول: أن الله خصه بأنواع منها. الثاني: أن ما يشاركه فيها غيره حظه ونصيبه منها أوفر وأعلى، فهو أوفر الشافعين نصيباً، وأعلاهم حظاً؛ ولذلك فقوله: [وهذه الشفاعة له ولسائر النبيين والصديقين وغيرهم] لا يفيد التسوية بين هؤلاء، بل هم على درجات فيها. قال: [ويشفع فيمن دخلها أن يخرج منها] . وهذا كثير في السنة مستفيض متواتر، وهو الشفاعة في أقوام دخلوا النار أن يخرجوا منها، وهذا الذي خالف فيه من خالف من الوعيدية وغلاة المرجئة كما تقدم تقريره وبيانه. وأهل السنة والجماعة يثبتون هذا النوع من الشفاعة للنبي ﷺ ، ولسائر النبيين والصديقين، بل وللملائكة كما سيأتي بيانه.

стр. 173

حاصل أنواع الشفاعات والخلاصة في أنواع الشفاعات الثابتة للنبي ﷺ ولغيره أن هذه الشفاعات هي الشفاعة العظمى، وهذه خاصة به، والشفاعة في دخول الجنة، وهي خاصة به، والشفاعة لعمه أبي طالب، وهي خاصة به، والشفاعة فيمن استحق النار ألا يدخلها، وهذه له ولغيره، وليست خاصة به، والذي يتميز به عن غيره فيها وفيما يأتي أنه أوفر حظاً ونصيباً، والشفاعة فيمن دخل النار أن يخرج منها. وبقي نوع سادس من أنواع الشفاعة لم يذكره المؤلف ﵀، وهو شفاعته ﷺ في رفع الدرجات في الجنة، واستدلوا لهذا بحديث أبي سلمة وفيه أنه دعا له فقال: (اللهم ارفع درجته في المهديين) ، وكذلك استدلوا بقوله ﷺ في دعائه لـ عبيد أبي عامر: (واجعله فوق كثير من خلقك) ، لكن هذه ليست خاصة به، لكن هذا النوع من الشفاعة حصل في الدنيا، فالدعاء كان في الدنيا، والكلام في الشفاعات التي تكون في الآخرة. ويمكن أن يستدل لهذا النوع من الشفاعة بقوله تعالى: ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور:٢١] ، فإلحاق الذرية يكون برفع درجاتهم، وهذا فيه أن هذه الشفاعة -وهي شفاعة رفع الدرجات- ليست خاصة بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

стр. 174

عموم فضل الله ورحمته على هذه الأمة والأمم قبلها قال ﵀: [ويخرج الله من النار أقواماً بغير شفاعة، بل بفضله ورحمته، ويبقى في الجنة فضل عمن دخلها من أهل الدنيا، فينشئ الله لها أقواماً فيدخلهم الجنة، وأصناف ما تضمنته الدار الآخرة من الحساب والثواب والعقاب والجنة والنار وتفاصيل ذلك مذكورة في الكتب المنزلة من السماء، والآثار من العلم المأثور عن الأنبياء، وفي العلم الموروث عن محمد ﷺ من ذاك ما يشفي ويكفي، فمن ابتغاه وجده] بعد أن فرغ من ذكر أنواع الشفاعات قال: [ويخرج الله من النار أقواماً بغير شفاعة، بل بفضله ورحمته] . كما ثبت ذلك في الصحيح، فإن النبي ﷺ أخبر أنه إذا شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون لم يبق إلا رحمة أرحم الراحمين رب العالمين جل وعلا، فيخرج من النار أقواماً لم يعملوا خيراً قط؛ تفضلاً منه ورحمة. لكن اعلم أن قوله: (لم يعملوا خيراً قط) أي: فيما زاد على أصل التوحيد؛ لأنه لا يمكن أن يدخل الجنة إلا موحد، لكن هؤلاء لما عظمت ذنوبهم وثقلت سيئاتهم وعظم جرمهم لم يسعهم شفاعة الملائكة ولا شفاعة النبيين ولا شفاعة المؤمنين، فلم يسعهم إلا فضل الله وجوده ورحمته التي وسعت كل شيء، فيخرجهم تفضلاً منه ورحمة. قال: [ويبقى في الجنة فضل عمن دخلها من أهل الجنة] . قوله: (فضل) يعني: زيادة لم تسكن وذلك لسعتها، نسأل الله أن نكون من أهلها. قال: [فينشئ الله لها أقواماً فيدخلهم الجنة] . أي: ينشئ لها أقواماً في ذلك الوقت من غير أهل الدنيا فيدخلهم الجنة، وهؤلاء لا يلحقون بأهل الجنة الذين هم من أهل الدنيا ضيقاً ولا مزاحمة، بل هذا لبيان عظيم سعة هذه الجنة، وأن أهل الجنة من أهل الدنيا إذا قضوا مآربهم وبلغوا منازلهم وأخذوا ما أعد لهم فإن فضل الله واسع لا يضيق على هؤلاء، بل فضله جل وعلا يسع جميع هؤلاء، وينشئ الله للجنة خلقاً فيسكنهم في فضولها، أي: فيما زاد منها عن أهل الجنة. وأما من هم هؤلاء الخلق؟ وكيف يكونون؟ فهذا ليس لنا البحث فيه؛ لأنه من أمور الغيب، ونحن نؤمن بما أخبرنا، ونقف فيما أخبرنا عنه من أمور الغيب على ما ورد بلا زيادة ولا نقص. قال ﵀: [وأصناف ما تضمنته الدار الآخرة -يعني: أنواع وأجناس ما تضمنته الدار الآخر- من الحساب والثواب والعقاب والجنة والنار وتفاصيل ذلك مذكورة في الكتب المنزلة من السماء، والآثار في العلم المأثور عن الأنبياء] . أراد أن هذا الأمر ليس مما اختصت به الشريعة الإسلامية، ولا مما اختص به النبي ﷺ دون سائر الأنبياء، بل هو من الأمور التي اتفقت عليها الأنبياء، فإن مما اتفق عليه الأنبياء في دعوتهم الدعوة إلى الإيمان باليوم الآخر، فختم الشيخ ﵀ هذا الأصل العظيم من أصول الإيمان بهذا الأمر ليبين لنا أن ما جاء في هذا الأصل ليس مما اختص به أهل الإسلام، بل هو عام لأهل الإسلام ولغيرهم من الأمم. ولكن الذي تميز به خاتم النبيين وإمام المرسلين وما تميز به الكتاب المبين والقرآن المجيد هو في قوله: [وفي العلم الموروث عن محمد ﷺ من ذلك ما يشفي ويكفي] أي: يشفي المحتاج ويكفي الطالب، وهذه الجملة تفيدنا فائدتين: الفائدة الأولى: أن ما جاء في الكتاب والسنة مما يتعلق باليوم الآخر فيه الكفاية، وفيه الشفاء، وفيه الغنية عن كل ما سواه، فلا حاجة بنا إلى مطالعة غير الكتاب والسنة، بل الواجب في ذلك الاقتصار على ما جاء في الكتاب والسنة. الفائدة الثانية: أن ما جاء في هذه الشريعة أعظم مما جاء في غيرها، وذلك أن هذه الشريعة أخبرت عمَّا يتعلق باليوم الآخر بأضعاف ما أخبرت به الشرائع السابقة، ففي العلم الموروث عن النبي ﷺ في سنته وفي الكتاب الحكيم من ذلك ما لا يحصى كثرة وتنوعاً في الإخبار عما يكون في اليوم الآخر. فقال ﵀: [وفي العلم الموروث عن محمد ﷺ من ذلك -أي: من الخبر عن اليوم الآخر وتفاصيل ذلك- ما يشفي ويكفي فمن ابتغاه - أي: طلبه- وجده -أي: حصله-] ، وهو يشير إلى أنه لم يستوعب في هذا الفصل ما يتعلق باليوم الآخر، إنما ذكر جملاً وأصولاً، والذي يرغب في الزيادة والتفصيل فليرجع إلى الكتاب والسنة يجد في ذلك بغيته. وبهذا يكون قد تم الكلام على هذا الأصل من أصول الدين ومن أصول الإيمان وهو الإيمان باليوم الآخر.

стр. 175

شرح العقيدة الواسطية [٢١] إن الإيمان بالقدر ركن من أركان الإيمان، وأصل من أصوله، لا يصح الإيمان إلا بالإيمانه به، وباب القدر من أخطر الأبواب العقائد، فقد ضلت فيه فرق، وهدى الله أهل السنة لاعتمادهم في هذا الباب وفي غيره على نصوص الكتاب والسنة، ثم السكوت عما وراء ذلك، وتسليم الأمر لله سبحانه.

стр. 176

القدر أصل من أصول الإيمان بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين. وبعد: قال المؤلف ﵀: [وتؤمن الفرقة الناجية من أهل السنة والجماعة بالقدر خيره وشره] . عقد المؤلف ﵀ هذا الفصل؛ لبيان عقيدة أهل السنة والجماعة في أصل من أصول الدين، ومن أصول الإيمان، وهو القدر، وقد دل على ذلك حديث جبريل في سؤال النبي ﷺ عن الإيمان فقال: (الإيمان: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وأن تؤمن بالقدر خيره وشره) فهو أصل من أصول الإيمان بدلالة السنة، وأما القرآن فالآيات التي قررت الإيمان بالقدر كثيرة جداً، ودلت هذه الآيات على أنه لا يستقيم الإيمان في قلب العبد إلا إذا آمن بالقدر، ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩] ، وجعل بعض أهل العلم كل آية في تقرير التوحيد تدل على إثبات القدر، ولذلك قال ابن عباس ﵁: (القدر نظام التوحيد) . فلا ينتظم الإيمان في قلب العبد، ولا يقر له توحيد إلا إذا آمن بالقدر.

стр. 177

تعريف القدر واعلم أن القدر في اللغة: يراد به التقدير. وأما في الاصطلاح: فقد عرفه شيخ الإسلام فقال: هو علم الله، وكتابته المطابقة لمشيئته وخلقه. وهذا التعريف انتظم أركان الإيمان بالقدر، ومراتب الإيمان بالقدر، ودرجات الإيمان بالقدر، وعرفه في موضع آخر فقال: هو الحكم الكوني، وهذا تعريف واسع، فكل ما قضاه الله كوناً فإنه من قدره، فالقدر هو حكمه الكوني، وهذا تعريف جيد. وعرفه الإمام أحمد ﵀ فقال: القدر قدرة الله. وهذا تعريف بديع وجيد، ولذلك استحسنه ابن عقيل من أصحاب الإمام أحمد وقال: هذا يدل على عمق فقه الإمام أحمد حيث فسر القدر بقدرة الله ، وهو يفيد أن كل من أنكر القدر فإنه منكر لقدرة الله جل وعلا.

стр. 178

بدعة القدر من أوائل البدع واعلم أن القدر قد ضلت فيه طوائف، وهو من أوائل ما حصل به الضلال في الأمة، فإن إنكار القدر ظهر في أواخر عهد الصحابة، في عهد عبد الله بن عمر وابن عباس وجماعة من الصحابة ﵃، وأنكره الصحابة إنكاراً شديداً كما في صحيح مسلم وغيره. فقد جاء جماعة إلى ابن عمر ﵁ وذكروا له إنكار من أنكر القدر فقال لهم: اعلموهم أني منهم بريء وأنهم مني برآء؛ وذلك لإنكارهم أصلاً من أصول الدين، وركناً من أركان الإيمان، وسيأتينا إن شاء الله تعالى بيان تفصيل إنكار المنكرين، ودرجات إنكارهم في كلامنا على الدرجات.

стр. 179

أفعال الله سبحانه ليس فيها شر قول النبي ﷺ : (أن تؤمن بالقدر خيره وشره) فيه إثبات أن القدر فيه خير وشر، ولكن ما هو القدر الذي يضاف إليه الشر ويوصف بالشر؟ هل هو فعل الله جل وعلا وحكمه وقضاؤه؟ الجواب: لا، إنما الشر في المقضي المقدر، أما فعل الرب فإنه لا شر فيه بوجه من الوجوه، وهذا معنى قول النبي ﷺ في دعاء الاستفتاح: (لبيك وسعديك، والخير في يديك، والشر ليس إليك) فنفى النبي ﷺ إضافة الشر إلى الرب ، وبه نعلم أنه ليس في أفعال الله جل وعلا شر، ولا في ذاته شر، ولا في أسمائه شر، ولا في شيء من شئونه شر، بل لا يكون منه إلا الخير؛ ولذلك قال: (والخير في يديك) فأثبت الخيرية كلها في يد الله ، ونفى عنه الشر كله.

стр. 180

الشر المجرد لا يضاف إلى الله سبحانه تجد في كتاب الله وفي سنة النبي ﷺ : أن الشر المجرد لا يضاف إلى الله ، وإنما يرد إما بإضافته إلى سببه ومن قام به وهو المخلوق، مثال ذلك: قوله تعالى: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ [الفلق:٢-٣] فأضاف الشر إلى سببه ومحله ومن قام به وهو المخلوق، ومما يرد أيضاً في القرآن أن الشر لا يذكر فاعله إذا كان مضافاً إلى الله ، ومن ذلك قول الجن: ﴿وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ﴾ [الجن:١٠] فجاء بالفعل على صيغة الفعل الذي لم يسم فاعله: ﴿وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ [الجن:١٠] ، أما الخير فقال: ﴿أم أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن:١٠] فلما كان الرشد خيراً ذكر الفاعل وهو الله جل وعلا. ومن ذلك قول الله في سورة الفاتحة: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:٧] فأضاف الإنعام إليه، وأما الغضب والضلال فإنه لم يضفه إليه فقال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧] ، وهذا ثاني ما يرد الشر مطلقاً في كتاب الله ، فإنه لا يضاف إليه ، فإما أن يضاف إلى فاعله، وإما أن يذكر مع حذف الفاعل. الثالث: أن يدخل في خلق الله على وجه العموم، وذلك نظير قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:١٠٢] ، وكل هنا من ألفاظ العموم التي تشمل كل مخلوق من خير أو شر، فأفعال الله لا شر فيها.
следующие страницы →