أنواع وهي متحدة".
قال الزركشي: فإنَّ الإرسال الخفي (١) نوع من المرسل أو المنقطع (٢)، وكذا المدرج (٣) نوع من التدليس (٤)،
стр. 212
والأفراد (١) ترجع إلى (الشاذ، وزيادة) (٢) الثقة (٣).
стр. 213
قال: ويجاب أنه لما كان في مقام تعريف الجزئيات انتفى التداخل لاختلاف حقائقها في أنفسها بالنسبة إلى [الاصطلاح] (١) وإن كانت ترجع إلى قدر مشترك وقد زاد البلقيني في محاسن الاصطلاح [خمس أنواع] (٢) على ما ذكره ابن الصلاح.
وزاد الزركشي في نكته أنواعًا أخر.
وزاد الحافظ ابن حجر في نكته ونخبته أنواعًا، وزدت أنواعًا (٣) فتمت مائة، [كما] (٤) قال الحازمي، وهذا فهرستها:
الصحيح، الحسن، (الجيد، القوي) (٥)، الثابت، الصالح، [المجوّد] (٦)، المستقيم، الضعيف، المسند، المرفوع، الموقوف، المقطوع، الموصول، المرسل، المراسيل (٧) التي في حكم المسانيد، المنقطع، المعضل، المعلق، المعنعن، التدليس،
стр. 214
الإرسال الخفي، المزيد في متصل الأسانيد، الشاذ، المحفوظ، المنكر، المعروف، المتروك، الأفراد، الغرب، العزيز، المشهور، المستفيض، المتواتر، الاعتبار، والمتابعات، والشواهد، (و) (١) زيادات الثقات، المعل، المضطرب، المقلوب، المدرج، الموضوع، من تقبل (٢) روايته ومن ترد، مراتب الجرح والتعديل، تحمل الحديث، كتابة الحديث، (رواية الحديث، آداب المحدث، آداب طالب الحديث، العالي والنازل، المسلسل، غريب ألفاظ الحديث) (٣)، المصحف، المحرف، الناسخ والمنسوخ، مختلف الحديث، أسباب الحديث، معرفة الصحابة، معرفة التابعين وأتباعهم، رواية الأكابر عن الأصاغر، رواية الصحابة عن التابعين، [رواية الصحابة عن التابعين] (٤) عن الصحابة، رواية الأقران، المدبج، الإخوة والأخوات، رواية الأبناء عن الأباء، رواية الآباء عن الأبناء، السابق واللاحق، من روى عن شيخ ثم روى عنه بواسطة، من لم يرو عنه إلا واحد، من لم يرو إلا عن واحد، من لم يرو إلا حديثًا واحدًا، الأسانيد التي لم يرو [بها] (٥) إلا حديث واحد، من ذكر بنعوت متعددة، أفراد العلم، الأسماء
стр. 215
والكنى، من وافقت كنيته اسم أبيه، عكسه، من وافقت كنيته اسمه، من وافقت كنيته [كنية] (١) [زوجته] (٢)، من وافق اسمه اسم أبيه أو مع جده، من وافق اسمه اسم شيخه (أو مع شيخه) (٣)، من وافق اسم أبيه [اسم] (٤) شيخه، من وافق اسم شيخه اسم الراوي عنه، من وافق لفظ اسمه نسبه (٥)، الأسماء التي تلفظ، النسب، الألقاب، المؤتلف والمختلف، المتفق والمفترق، المتشابه، المشتبه، المقلوب، من نسب إلى غير أبيه، النسبة التي على خلاف الظاهر، المبهمات، معرفة الثقات (والضعفاء) (٦)، ومن خلط من الثقات، طبقات الرواة، الأوطان والبلدان، والموالي، التاريخ.
[فهذه] (٧) بضع وتسعون، (ومن) (٨) الأنواع التي زادها البلقيني والزركشي:
رواية الصحابة عن الصحابة، والتابعين عن التابعين -وهما داخلان
стр. 216
في رواية الأقران- ومعرفة من اشترك من رجال الإسناد في بلد أو إقليم -وهو داخل في نوع الأوطان- ومعرفة تاريخ المتون -وهذا لا بأس به- ومعرفة الأوائل والأواخر، ومعرفة ثقات الرواة، وهذا داخل في مراتب الجرح والتعديل مع نوع الثقات والضعفاء، ومعرفة الأصح مطلقًا أو في الباب، والجمع بين معنى الحديث والقرآن، ومعرفة الأماكن (وضبطها) (١) وهذا يدخل في الغريب، ومعرفة [الكلمات] (٢) التي اخترعها ﷺ ، [فينتقى] (٣) من هذه تكملة المائة.
(فائدة): في حد المحدث والحافظ:
قال التاج بن يونس (٤) في شرح التعجيز: "إذا أوصى للمحدث تناول من [علم] (٥) (طرق) (٦) إثبات الحديث وعدالة رجاله، لأنّ من
стр. 217
اقتصر على السماع فقط ليس بعالم".
وكذا قال السبكي (١) في شرح المنهاج (٢).
وقال الزركشي: "أما الفقهاء فاسم المحدث عندهم لا يطلق إلا على من حفظ متون الحديث، وعلم عدالة رجاله وجرحها دون المقتصر على السماع" (٣).
وأخرج ابن السمعاني (٤) في تاريخه عن أبي نصر الحسيني بن عبد الواحد الشيرازي (٥) قال:
العالم: الذي يعرف المتن والإسناد جميعًا، والفقيه: الذي يعرف (٦)
стр. 218
المتن، (ولا يعرف الإسناد) (١)، والحافظ: الذي يعرف الإسناد (٢)، ولا يعرف المتن (٣)، والراوي: الذي لا يعرف المتن ولا يعرف الإسناد (٤).
وقال أبو شامة (٥) في كتاب البعث (٦): "علوم الحديث الآن ثلاثة! ! (أشرفها): حفظ متونها (٧)، ومعرفة غريبها، [وفقهها] (٨)، [والثاني]: حفظ أسانيدها (٩)، ومعرفة رجالها، وتمييز صحيحها من سقيمها، وهذا كان مهمًا، وقد كفيه المشتغل بالعلم بما صنف فيه وألف (١٠) من
стр. 219
الكتب، فلا فائدة تدعو إلى تحصيل ما هو حاصل، (والثالث): جمعه، وكتابته، وسماعه، وتطريقه (١)، وطلب العلو فيه والرحلة إلى البلدان، والمشتغل بهذا مشتغل [عما] (٢) هو الأهم من علومه النافعة [فضلًا عن العمل به (٣)، الذي هو المطلوب الأول وهو العبادة (٤)] إلَّا أنه لا بأس به لأهل البطالة (٥) لما فيه من بقاء سلسلة الإسناد المتصلة بأشرف البشر، قال: ومما يزهد في ذلك أنّ فيه يتشارك الكبير والصغير، والفدم (٦)، والباهم (٧)، والجاهل والعالم.
وقد قال الأعمش: حديث يتداوله الفقهاء خير من حديث يتداوله الشيوخ.
стр. 220
ولام إنسان الإمام أحمد في حضور مجلس الشافعي وتركه مجلس سفيان بن عيينة! !
فقال له أحمد: اسكت فإن فاتك حديث بعلو تجده بنزول، ولا يضرك، وإن فاتك عقل هذا الفتى أخاف أن لا تجده (١).
قال ابن حجر: "وفي بعض ما قاله نظر! فانّ قوله في الفن الثاني: (إنه قد كفيه المشتغل بما صنف فيه) قد أنكره أبو حفص (٢) ابن الزبير وغيره، فإنه إن كان التصنيف في الفن يوجب [الاتكال] (٣) على ذلك وعدم الاشتغال به، فالقول كذلك في الفن الأول، فإنّ فقه الحديث وغريبه لا يحصى كم ألف فيه، بل [لو ادعى مدع أن] (٤) المؤلفات فيه أكثر (٥) من التصانيف في تمييز الرجال والصحيح والسقيم, [لما أبعد بل ذلك هو الواقع] (٦). فإن كان الاشتغال بالأول مهمًا فالثاني كذلك، بل أهم! ! فإنه [المرقاة] (٧) إلى الأول (٨) ".
стр. 221
(قلت): كأنَّ مراد أبي شامة أنَّ الأمر الثاني كفيه المشتغل عن أن ينظر فيه بنفسه، يجتهد ليميز الرجال باجتهاده، ويصحح ويضعف بنقده كما كان السلف الأول يفعلون قبل التدوين، فإنَّ هذا أمر قد دوِّن، وانقطع التصحيح والتضعيف والتعديل والتجريح في هذه الأعصار (١)، وصار الأمر مقلدًا فيه الكتب المدونة في ذلك، بخلاف الكلام في معاني الأحاديث، واستنباط الأحكام منها، والجمع بين مختلفها، وإيضاح مشكلها فإنه بحر لا ساحل له، فلا يزال يفتح لعالم بعد آخر من الاستنباطات والمعاني الدقيقة في الأحاديث ما لم يسبق إليه، ولا حام طائر من قبله عليه (٢) فتأمل! ! .
ثم قال ابن حجر: "والحق أنَّ كلًا منهما في علم الحديث مهم ولا شك أنَّ من جمعهما حاز القدح المعلى (٣) مع قصور فيه إن أخل بالثالث ومن أخل بهما فلا حظَّ له في اسم الحفاظ، ومن أحرز الأول وأخل بالثاني كان بعيدًا من اسم المحدث عرفًا، ومن أحرز الثاني وأخل بالأول لم يبعد عنه اسم المحدث؛ ولكن فيه نقص
стр. 222
بالنسبة إلى الأول، ومن جمعهما مع الثالث فهو أوفر منهما، ومن اقتصر على الثالث فهو أحسن حظًا، ومن جمع الثلاثة فهو فقيه محدث كامل، ومن انفرد باثنين منها كان دونه، إلَّا أنّ من اقتصر على الثاني والثالث فهو محدث صرف لا حظَّ له في اسم الفقيه، كما أنّ من انفرد بالأول فلا حظَّ له في اسم المحدث، ومن انفرد بالأول والثالث (١) [فهل] (٢) يسمى محدثًا؟ فيه بحث" انتهى (٣).
وقال التاج بن السبكي (٤) في كتابه [معيد] (٥) النعم: "من الناس فرقة ادعت الحديث فكان قصارى أمرها النظر في مشارق الأنوار
стр. 223
للصغاني (١)، فإن ترقّت (٢) فإلى مصابيح البغوي فظنت أنها [بهذا] (٣) القدر تصل إلى درجة المحدثين، وما ذاك إلَّا لجهلها (٤) بالحديث، فلو حفظ من ذكرناه هذين الكتابين عن ظهر قلب، وضم إليهما (٥) من المتون مثليهما لم يكن محدثًا ما ولا يصير بذلك محدثًا حتى يلج الجمل في سم الخياط، فإن (٦) رامت بلوغ الغاية في الحديث على زعمها اشتغلت بجامع الأصول (٧) لابن الأثير، فإن ضمت إليه كتاب علوم الحديث لابن الصلاح أو مختصره المسمى بالتقريب والتيسير للنووي
стр. 224
للنووي ونحو ذلك، وحينئذ ينادى من انتهى إلى هذا المقام محدث (١) المحدثين، وبخاري العصر، وما ناسب (٢) هذه الألفاظ الكاذبة فإن من ذكرناه لا يعد محدثًا، بهذا القدر، إنما المحدث من عرف الأسانيد والعلل وأسماء الرجال، والعالي والنازل، وحفظ (٣) مع ذلك جملة مستكثرة من المتون، وسمع الكتب الستة، ومسند أحمد، وسنن البيهقي، ومعجم الطبراني، وضم إلى هذا القدر ألف جزء من الأجزاء الحديثية هذا أقل درجاته فإذا سمع ما ذكرناه، وَكَتبَ الطِبَاق (٤) ودار على الشيوخ، وتكلم في العلل، والوفيات، والأسانيد كان في أول
стр. 225
درجات المحدثين، ثم يزيد اللَّه من (١) يشاء ما يشاء (٢).
وقال في موضع آخر منه (٣): "ومن الناس طائفة طلبت الحديث وجعلت دأبها السماع على المشايخ، ومعرفة العالي (٤) والنازل، وهؤلاء هم المحدثون على الحقيقة إلَّا أنَّ كثيرًا منهم يجهد نفسه في (تهجي) (٥) الأسماء والمتون، وكثرة السماع من غير فهم لما يقرؤونه, ولا تتعلق فكرته بأكثر من أني حصلت جزء ابن عرفة (٦) عن سبعين شيخًا، وجزء الأنصارى عن كذا شيخًا، جزء ابن فيل، وجزء البطاقة (٧)، (نسخة أبي مسهر) (٨) وأنحاء ذلك، وإنما كان السلف (٩) يسمعون فيقرؤون فيرحلون فيفسرون ويحفظون فيعملون.
стр. 226
وقال ابن حبان (١): "كل مشتغل بعلم من العلوم فلابد أن يتحقق به أو يكثر منه إلَّا أهل (الحديث فإنَّ أكثرهم عوام) (٢) ولم يتمثل أحد منهم بين يدي عالم، ولا مقريء، ولا فقيه, ولا نحوي، ولا لغوي ولا أديب, ولا أصولي، [إنما ينشأ] (٣) الواحد منهم، وقد علم الخط من الكتاب فيعلقه عامي مثله بسماع الحديث، وتطول قراءته بحيث يحصل له أنه إذا قال: قال رسول اللَّه ﷺ يقوله بالرفع، وإذا قال: إنّ رسول اللَّه ﷺ فيقوله بالنصب من كثرة ما يرد له ذلك في قراءة الحديث، فإذا أكثر من السماع لحقه (٤) من الزهو والكبر ما جعله يعلو به على الأفاضل والعلماء وصار له تمييز على الصبيان (الذي يسمعهم) (٥) وأكثر علمه [أن يعرف] (٦) أنّ الجزء الفلاني يرويه الشيخ العامي [فلان] (٧)، وأنّ [فلانة] (٨) انفردت بالسماع عن فلان، وأنّ فلانًا
стр. 227
آخر من حدث بالإجازة عن فلان ونحو ذلك من غير حفظ الإسناد (١) ولا متن ولا بحث في مشكل، والفاضل منهم الكبير القدر الذي يفرق بين بعض ما يشكل [كعيينة وعتيبة] (٢)، وبريد ويزيد، وهيهات ليس علم الحديث هذا، ألا (٣) ترى إلى محدثي الصدر الأول كيف كانوا! ! كـ: سفيان الثوري، والأوزاعي، وشعبة، وابن معين، وأنظارهم"، ولبعضهم (٤):
إنَّ الذي يَرْوي وَلَكِنَّهُ ... يَجْهَلُ مَا يَرْوي وَمَا يَكتُبُ
كَصَخْرَةٍ [تَتْبُعُ أَمَوَاهُهَا (٥)] ... فتَسْقي الأَرَاضيَ وَهَي لَا تَشْربُ (٦)
وقال آخر:
وَمَحَدِّثٌ قَدْ صَارَ غَايَةُ عِلْمِهِ ... أَجْزَاء يَرْويْهَا عَن الدِّميَاطي
وَفُلانَةٌ تَروي حَدِيْثًا عَالِيًا ... وَفُلانُ يَرْويَ ذَاكَ عَنْ أَسْنبَاطِ
стр. 228
وَالفَرْقُ بَينَ غَريْبهم وَعَزيْزهم ... وافْصِحْ عَنِ الخَيَّاطِ والحَنَّاطِ
وَأَبُو فُلانٍ مَا اسْمُه وَمَنِ الذِي ... بَيْنَ الأنامِ مُلَقَّبٌ بِسناطِ
وَعُلُومُ دِيْنِ اللَّه نَادَت جَهْرةً ... هَذَا زَمَانٌ فِيهِ طَيُّ بِسَاطِي
وقال أبو طالب (١) المكي في كتاب قوت القلوب: "قد اختلط الأمر في هذا الزمان فصار المتكلمون يُدْعون علماء، (والقصاص يسمون عارفين، والرواة النقلة يقال علماء من غير فقه في دين ولا بصيرة في فن) (٢) " (٣).
وقال الغزالي (٤) في الإحياء في (باب: أصناف المغترين): "وفرقة أخرى استغرقوا أوقاتهم في علم الحديث -أعني في سماعه،
стр. 229
[وجمع (١)] الروايات الكثيرة منه، وطلب الأسانيد الغريبة العالية [فهمة (٢)] أحدهم أن يدور في البلاد (٣)،
стр. 230
ويرى الشيوخ ليقول (١): أنا أروي عن فلان، ولقد لقيت (٢) فلانًا، ومعي من الأسانيد ما ليس مع غيري! ! [وغرورهم] (٣) من وجوه منها:
أنهم كحملة الأسفار [فإنهم] (٤) لا يصرفون العناية إلى فهم معاني السنة فعلمهم قاصر, وليس معهم إلَّا النقل، ويظنون أنّ ذلك يكفيهم.
(ومنها): أنهم إذا لم يفهموا معانيها لا يعملون بها، وقد يفهمون بعضها أيضًا ولا يعملون به (٥).
(ومنها): أنهم يتركون العلم الذي هو فرض [عين] (٦) وهو معرفة معالجة القلب ويشتغلون بتكثير الأسانيد وطلب العالي (٧) منها ولا حاجة بهم إلى شيء من ذلك (٨).
стр. 231
(ومنها): وهو (١) الذي أكب عليه أهل (٢) الزمان أنهم أيضًا لا يقومون بشرط السماع فإنَّ السماع بمجرده وإن لم يكن له فائدة ولكنه مهم في نفسه للوصول إلي إثبات الحديث إذ التفهم بعد الإثبات والعمل بعد التفهم، فالأول السماع، ثم الفهم (٣)، ثم الحفظ، ثم
стр. 232
العمل، ثم [النشر] (١)، وهؤلاء اقتصروا من الجملة على السماع، ثم تركوا حقيقة السماع فترى الصبي في مجلس الشيخ والحديث يقرأ والشيخ ينام، والصبي يلعب ثم يكتب اسم الصبي في السماع، فإذا كبر تصدى يُسمع (٢) منه، والبالغ الذي يحضر ربما يغفل ولا يسمع ولا يصغي، ولا يضبط، وربما يشتغل بحديث وينسخ (٣)، والشيخ الذي يقرأ عليه لو صحَّف وغيَّر ما يقرأ عليه لم يشعر به، ولم يعرفه، وكل ذلك جهل وغرور إذ الأصل في الحديث أن يسمعه من رسول اللَّه ﷺ ([فيحفظه] (٤) كما سمعه (من رسول اللَّه ﷺ ) (٥)، [ويرويه] (٦) كما [حفظه (٧)]، فتكون الرواية عن الحفظ والحفظ عن السىماع فإن عجزت عن سماعه من رسول اللَّه ﷺ سمعته من الصحابة أو التابعين، وصار سماعك عن الراوي كسماع من يسمع من رسول اللَّه ﷺ ، وهو: أنُ [تُصغي (٨)] [لتسمع (٩)] , فتحفظ، وتروي كما حفظت،
стр. 233
وتحفظ كما سمعت بحيث لا تغير منه حرفًا ولو غير غيرك منه حرفًا وأخطأ علمت خطأه، إلى أن قال: وصحة السماع لا تعرف من قول المحدثين، لأنه ليس من علمهم، بل من علم [علماء الأصول (١)] بالفقه، ولو سمعوا على الشرط لكانوا مغرورين في اقتصارهم على النقل، وفي إفناء أعمارهم في جمع الروايات والأسانيد, وإعراضهم عن مهمات الدين، ومعرفة معاني الأخبار, بل الذي يقصد من الحديث سلوك طريق الآخرة، وربما يكفيه الحديث الأول الواحد عمرًا كما روي عن بعض الشيوخ أنه حضر مجلس السماع، فكان أول حديث رُوي: قوله ﷺ : "مِن حُسْنِ إسْلامِ المَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيْه (٢) ". فقام وقال: يكفيني هذا حتى أفرغ منه, ثم أسمع غيره،
стр. 234
فهكذا يكون سماع الأكياس الذين يحذرون الغرور" (١).
وقال الخطيب في الكفاية (٢): "قد استفرغت طائفة من أهل زماننا وسعها في كَتْب الأحاديث [والمثابرة] (٣) على جمعها من غير أن يسلكوا -مسلك المتقدمين وينظروا نظر السلف [الماضين] (٤) في حال الراوي والمروي وتمييز سبيل المرذول (٥) والمرضي واستنباط [ما في] (٦) السنن من الأحكام وإثارة المستودع فيها من الفقه بالحلال والحرام، بل
стр. 235
[قنعوا] (١) من الحديث باسمه، واقتصروا على كَتْبه في الصحف (٢) ورسمه، فهم جهلة (٣) أغمار (٤)، [وحملة] (٥) أسفار، قد تحملوا المشاق الشديدة، وسافروا (٦) إلى البلدان البعيدة، [وهان عليهم الدأب والكلال (٧)، واستوطئوا مراكب الحل والارتحال، وبذلوا الأنفس والأموال، وركبوا المخاوف والأهوال، شعث الرؤوس، شحب الألوان، خمص (٨) البطون، نواحل الأبدان (٩)]، يقطعون أوقاتهم بالسير في البلاد طلبا لما علا من الإسناد، لا يريدون شيئًا سواه
стр. 236
ولا يبتغون (١) إلَّا إياه، يحملون عن من لا تثبت عداله، ويأخذون (٢) ممن لا تجوز أمانته ويروون عن من لا يعرفون صحة حديثه، [ولا يتيقن ثبوت سماعه (٣)] ويحتجون بمن لا يحسن قراءة [صحيفته (٤)]، ولا يقوم بشيء من شرائط الرواية، ولا يفرق (٥) بين السماع والإجازة، ولا يميز بين المسند والمرسل، والمقطوع والمتصل، [ولا يحفظ اسم شيخه الذي حدثه حتى يستثبته من غيره (٦)]، ويكتبون عن الفاسق (٧) [في فعله، المذموم في مذهبه، ومن المبتدع في دينه (٨)]، فجرّ هذا الفعل منهم للوقيعة في سلف العلماء، وسهل (٩) طريق الطعن عليهم لأهل البدع والأهواء حتى ذم الحديثَ وأهلَه بعضُ من ارتسم بالفتوى في الدين، ورأى عند إعجابه بنفسه أنه أحد الأئمة المجتهدين, بصدوفه عن الآثار إلى الرأي المرذول، وتحكمه في الدين (١٠) برأيه (١١) المعلول
стр. 237
وذلك منه غاية الجهل ونهاية التقصير عن مرتبة الفضل، [ينتسب (١)] إلى قوم [تهيبوا كد الطلب (٢)]، ومعاناة ما فيه من الشقة والنصب، وأعيتهم الأحاديث أن يحفظوها، واختلفت عليهم الأسانيد ولم يضبطوها، فجانبوا ما استثقلوا (٣)، وعادَوا ما جهلوا، وآثروا البدعة، واستلذوا الراحة، ثم تصدروا [في] (٤) المجالس قبل الحين الذي يستحقونه، وأخذوا أنفسهم بالطعن على العلم الذي لا يحسنونه (٥)، إن تعاطى أحدهم رواية حديث فمن صحف ابتاعها من غير سماع لها، ولا معرفةٍ بحال ناقلها، وإن (٦) حفظ شيئًا منها خلط الغث والسمين، وألحق الصحيح بالسقيم، وإن قُلِبَ عليه إسناد خبر (٧) أو سُئل (٨) عن علةٍ تتعلق بأثر تحيَّر واختلط وعبث بلحيته [وامتخط (٩)] توريةً عن مستور جهالته فهو كالحمار في طاحونته، ثم رأى ممن يحفظ
стр. 238
الحديث ويعانيه، ما ليس في وسعه الجريان يه، فلجأ إلى الازدراء بفرسانه، واعتصم بالطعن على الراكضين في ميدانه، كما أخبرنا أبو بكر محمد بن عمر (١) بن جعفر الخرقي (٢) [أنا (٣)] أحمد بن جعفر ابن محمد بن سلم الخُتُّلي (٤) نا (٥) أبو العباس أحمد بن علي الأبَّار (٦) قال
стр. 239
رأيت بالأهواز (١) رجلًا قد حف (٢) شاربه وأظنه قد اشترى كتبًا، وقعد (٣) للفتيا، فذكروا أصحاب الحديث، فقال: ليسوا بشئ، [وليس] (٤) يساوون شيئًا، فقلت له: أنت لا تحسن تصلي! ! . قال: أنا؟ ؟ قلت: نعم، قلت: إيش تحفظ عن رسول اللَّه ﷺ إذا افتتحت الصلاة ورفعت يديك؟ ؟ فسكت، [قلت له: وإيش تحفظ عن رسول
стр. 240
اللَّه ﷺ إذا وضعت يديك على ركبتيك؟ فسكت] (١)! ! قلت: فإيش تحفط عن رسول اللَّه ﷺ إذا سجدت؟ ؟ فسكت! ! قلت: مالك لا [تكلم] (٢)؟ ألم أقل لك: إنك لا تحسن تصلي! ! . أنت إنما قيل لك تصلي الغداة ركعتين، والظهر أربعًا فالزم ذا خيرًا لك من أن تذكر أصحاب الحديث فلست بشيء ولا تحسن شيئًا.
فهذا المذكور مثله في (٣) الفقهاء كمثل من تقدم ذكرنا له ممن انتسب إلى الحديث ولم يعلق به منه غير سماعه وكتبه دون نظره في أنواع علمه.
وأما المحققون فيه والمتخصصون به فهم الأئمة والعلماء، والسادة (٤) الفقهاء، أهل الفضل والفضيلة والمرتبة الرفيعة، حفظوا على الأمة أحكام الرسول، وأخبروا عن أنباء (٥) التنزيل، وأثبتوا ناسخه ومنسوخه، وميزوا محكمه ومتشابهه، ودوَّنوا أقوال النبي ﷺ وأفعاله، وضبطوا على اختلاف الأمور، (أحواله) (٦) في يقظته ومنامه وقعوده وقيامه
стр. 241
وملبسه ومركبه ومأكله ومشربه، حتى القلامة من ظفره ما كان يصنع بها (١)، والنخامة من فيه كيف كان يلفظها، وقوله عند كل فعل يحدثه [ولدى] (٢) كل موقف يشهده تعظيمًا لقدره ﷺ ومعرفة لشرف ما ذكر عنه وعُزي إليه، وحفظوا مناقب صحابته ومآثر عشيرته، وجاءوا بسير الأنبياء ومقامات الأولياء، واختلاف الفقهاء، ولولا عناية أصحاب الحديث بضبط السنن وجمعها واستنباطها من معادنها، والنظر في طرقها لبطلت الشريعة وتعطلت أحكامها [إذ] (٣) كانت مستخرجة من الآثار المحفوظة، ومستفادة من السنن المنقولة، فمن عرف للإسلام (٤) حقه، وأوجب للدين حرمته أكبر أن يحتقر من عظَّم اللَّه تعالى شأنه وأعلى [مكانته (٥)] وأظهر حجته، وأبان فضيلته ولم يرتق بطعنه إلى حزب الرسول وأتباع الوحي وأوعية الدين وخزنة (٦) العلم الذين ذكرهم اللَّه تعالى في كتابه فقال: ﴿وَالَّذِينَ
стр. 242
اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (١)، وكفى المحدث شرفًا أن يكون اسمه مقرونًا باسم رسول اللَّه ﷺ وذكره متصلًا بذكره ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (٢) والواجب على من خصه اللَّه تعالى بهذه المرتبة وبلغه إلى هذه المنزلة أن يبذل مجهوده في تتبع آثار رسول اللَّه ﷺ , وسننه، وطلبها من مظانها وحملها عن (٣) أهلها والتفقه بها، والنظر في أحكامها، والبحث عن معانيها والتأدب بآدابها، وينصرف عن ما يقل نفعه وتجد فائدته، من طلب الشواذ والمنكرات وتتبع الأباطيل والموضوعات، ويوفي الحديث حقه في الدراسة والحفظ والتهذيب والضبط، ويتميز [بما تقتضيه حاله] (٤)، [ويعود] (٥) عليه [زينه] (٦) وجماله، فقد أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمد بن أحمد بن غالب الخوارزمي (٧) قال: قريء على أبي أحمد الحسين بن علي
стр. 243
التميمي (١) وأنا أسمع حدثكم محمد بن المسيب (٢) نا أبو الخصيب (٣) المصيصي (٤) إملاء قال: سمعت سعيد بن المغيرة (٥) يقول: سمعت
стр. 244
مخلد بن الحسين (١) يقول: "إن كان الرجل يسمع العلم اليسير فيسود به أهل زمانه، يعرف ذلك في صدقه وفي ورعه، وإنه ليروي اليوم خمسين ألف حديث لا تجوز شهادته على قلنسوة".
وقال الشيخ تقي الدين السبكي: "سألت الحافظ جمال الدين المزي (٢) عن حد الحافظ الذي إذا انتهى إليه الرجل جاز أن يطلق عليه الحافظ؟ قال: "يرجع إلى أهل العرف! ". فقلت: وأين أهل العرف؟ قليل جدًا! .
قال: أقل ما يكون، [أن يكون] (٣) الرجال الذين يعرفهم ويعرف تراجمهم وأحوالهم وبلدانهم أكثر من الذين لا يعرفهم ليكون الحكم للغالب"! .
стр. 245
فقلت: هذا عزيز في هذا الزمان أدركت أنت (١) أحدًا كذلك؟
فقال: "ما رأينا مثل الشيخ شرف الدين الدمياطي (٢)، ثم قال: وابن دقيق العيد كان له في هذا مشاركة جيدة، ولكن أين الثرى من الثريا (٣)! ! .
فقلت: كان يصل إلى هذا الحد؟ .
قال: ما هو إلَّا كان يشارك مشاركةً جيدةً في هذا -أعني في الأسانيد- وكان في [المتون] (٤) أكثر لأجل الفقه والأصول (٥).
стр. 246
وقال الشيخ فتح الدين ابن سيد الناس (١): "المحدث في عصرنا من اشتغل بالحديث رواية ودراية، وجمع واطلع على كثير من الرواة
стр. 247
والروايات في عصره (١)، وتميّز في ذلك حتى عرف فيه خطه، واشتهر فيه ضبطه (٢)، فإن توسع في ذلك حتى عرف شيوخه وشيوخ شيوخه
стр. 248
طبقةً بعد طبقة، بحيث يكون ما يعرفه من كل طبقة أكثر [مما] (١) يجهله منها، فهذا هو الحافظ (٢).
قال: "وأمَّا ما حكي عن المتقدمين من قولهم: كنّا لا نعد صاحب حديث من لم يكتب عشرين ألف حديث في الإملاء (٣)، فذلك بحسب أزمنتهم".
стр. 249
وسأل الحافظ ابن حجر شيخه الحافظ أبا الفضل [العراقي] (١): ما يعد سيدي في الحد الذي إذا بلغه الطالب في هذا الزمان استحق أن يسمى حافظًا؟ وهل يتسامح بنقص بعض الألفاظ التي ذكرها المزي، وأبو الفتح في ذلك لنقص زمانه أم لا؟ فأجاب "الاجتهاد في ذلك يختلف (٢) باختلاف غلبة الظن في وقت بلوغ بعضهم [للحفظ] (٣)، وغلبته في وقت آخر، وباختلاف من يكون كثير [المخالطة] (٤) في للذي يصفه -بذلك، وكلام المزى فيه [ضيق] (٥) بحيث لم يسم من رآه بهذا الوصف إلَّا الدمياطي، وأما كلام أبي الفتح فهو أسهل بأن ينشط بعد معرفة شيوخه إلى شيوخ شيوخه وما فوق، ولاشك أنّ جماعةً من الحفاظ المتقدمين كان شيوخهم التابعين، أو أتباع التابعين، وشيوخ شيوخهم الصحابة أو التابعين، فكان الأمر في ذلك الزمان أسهل، باعتبار تأخر الزمان، فإن اكتفى بكون الحافظ يعرف شيوخه وشيوخ شيوخه أو طبقة أخرى فهو سهل لمن جعل فيه ذلك دون غيره من حفظ المنون والأسانيد، ومعرفة أنواع علوم الحديث كلها، ومعرفة الصحيح من السقيم, والمعمول به عن غيره، واختلاف العلماء، واستنباط الأحكام، فهو أمر ممكن بخلاف ما ذكر من
стр. 250
جميع ما ذكر، فإنه يحتاج إلى فراغ وطول عمر، وانتفاء الموانع وقد روي عن الزهري أنه قال: لا يولد الحافظ إلَّا في كل أربعين سنة! ! .
فإن صح كان المراد رتبة الكمال في الحفظ، والإتقان، وإن وجد في زمانه من يوصف بالحفظ، وكم من حافط وغيره أحفظ منه" انتهى.
وقال البخاري (١) في تاريخه (٢): "قال ابن مهدي (٣): لا يكون الرجل إمامًا في الحديث حتى لا يحدث عن كل أحد، ولا يكون إمامًا في الحديث حتى لا يحدث بكل شيء يسمع، والحفظ الإتقان".
وقال أبو زرعة (٤): "الإتقان أكبر (٥) من حفظ السرد".