Полный текст (347 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
موقف أهل السنة والجماعة مما شجر بين الصحابة الكرام
ننتقل انتقالة سريعة إلى ما شجر بين أصحاب رسول الله ﷺ ، ولعلي أنقل نصوصاً متعددة وأكثر منها، لأني أشعر أننا جميعاً بحاجة إلى غرس ذلك المنهج في نفوسنا؛ لما نجد من جرأة بعض الناس في التعرض لأصحاب رسول الله ﷺ إما بلمزهم، أو بالسخرية بهم، أو بسبهم، أو بتفسيقهم، وأخطرها تكفير أصحاب رسول الله ﷺ .
نقول: إن مما درج عليه أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم لأصحاب رسول الله ﷺ ، فلا يحملون في قلوبهم بغضاً ولا غلاً ولا عداوة لهؤلاء الأخيار، كما أن من منهجهم سلامة ألسنتهم من تعرضهم لأصحاب رسول الله ﷺ ، ويرون أن الواجب الإمساك عما حصل بينهم من نزاع، وما ذلك إلا لأنهم كسائر الناس، ولا نشك بأنه حدث نزاع بين علي ومعاوية، وحدث نزاع كذلك بين علي وبين الزبير وطلحة وعائشة زوج النبي ﷺ ، ومع ذلك نقول: أمرنا بالاستغفار لهم مع ما حدث بينهم من النزاع، ومن منهجنا إحسان الظن بهم ﵃ وأرضاهم، وواجب علينا جميعاً أن نقف في وجوه هؤلاء الذين يتعرضون لأصحاب رسول الله ﷺ ويسبونهم ويعيبونهم.
ويرى أهل السنة والجماعة أن الإشادة بمناقب أصحاب رسول الله ﷺ والمدافعة عن أعراضهم والذب عنها من أعظم واجب على كل مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر، بل يرون أن هذا هو معتقدهم ودينهم، وسار أئمة أهل السنة على هذا المسلك وكذلك علماؤهم، متحلين بكتاب الله تعالى كما ورد في قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ﴾ [الحشر:١٠] .
стр. 107
كلام أئمة أهل العلم فيما شجر بين الصحابة
ننقل عن كبار أئمة السلف رحمهم الله تعالى ما قالوه حول ما شجر بين أصحاب رسول الله ﷺ .
ننطلق إلى عظيم من عظمائهم وهو الإمام أحمد رحمه الله تعالى، فإنه قال: (ومن الحجة الواضحة الثابتة البينة المعروفة ذكر محاسن أصحاب رسول الله ﷺ كلهم أجمعين، والكف عن مساويهم، والخلاف الذي شجر بينهم، فمن سب أصحاب رسول الله ﷺ أو أحداً منهم، أو انتقصه، أو طعن عليهم، أو عرض بعيبهم، أو عاب أحداً منهم، فهو مبتدع خبيث مخالف لما دل عليه الكتاب والسنة، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً، بل حبهم سنة، والدعاء لهم قربة، والإقتداء بهم وسيلة، والأخذ بآثارهم فضيلة من الفضائل) هذا قول إمام أهل السنة الإمام أحمد رحمه الله تعالى ورضي عنه.
ثم أعطانا المنهج في قضية تفضيل أصحاب رسول الله، وخير الأمة بعد نبيها ﷺ : أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي بن أبي طالب، هؤلاء الخلفاء الراشدون المهديون، ثم أصحاب رسول الله ﷺ بعد ذلك خير الناس، لا تجوز لأحد أن يذكر شيئاً من مساويهم، ولا يطعن على أحدٍ منهم بعيب أو نقص.
سئل الإمام أحمد رحمه الله تعالى عن الفتن التي حدثت بين أصحاب رسول الله ﷺ ، فتلا قوله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:١٣٤] .
قال الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى: وأفضل الناس بعد النبيين عليهم الصلاة والسلام: أبو بكر الصديق، ثم عمر بن الخطاب الفاروق، ثم عثمان بن عفان ذو النورين، ثم علي بن أبي طالب المرتضى رضوان الله عليهم أجمعين، ثم قال: نتولاهم جميعاً، ولا نذكر أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ إلا بخير.
وقال أبو زرعة رحمه الله تعالى وهو من كبار أئمة أهل السنة، وقد روى الخطيب رحمه الله تعالى في الكفاية في علم الرواية، بسنده إلى أبي زرعة أنه قال: إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول ﷺ عندنا حق، والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله ﷺ .
وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، فمن قدح في الصحابة قدح في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، قال: والجرح بالقادحين هو أولى، وهم زنادقة بما جرحوا به أصحاب رسول الله ﷺ .
وهنا كلام نفيس بديع للإمام ابن بطة العكبري رحمه الله تعالى، ذكره بعد أن ذكر فضائل الصحابة ﵃ وأرضاهم قال بعدها: ومن بعد ذلك نكف عما شجر بين أصحاب رسول الله ﷺ ، فقد شهدوا المشاهد معه ﷺ ، وسبقوا الناس بهذا الفضل، فقد غفر الله لهم، وأمرك بالاستغفار لهم، والتقرب إليه بمحبتهم، وفرض ذلك على لسان رسوله ﷺ ، وهو يعلم ما سيكون منهم، وأنهم سيقتتلون، وإنما فضلوا على سائر الخلق جميعاً؛ لأن الخطأ والعمد الذي حدث ووقع منهم كله مغفور لهم ﵃ وأرضاهم.
وهنا يبين المنهج الفريد لهؤلاء، قال: ولا تنظر في كتاب صفين -وقد ألف في معركة صفين كتاباً، وكذلك الجمل، ووقعة الدار، وسائر المنازعات التي جرت بينهم- ولا تكتبه لنفسك أبداً، ولا لغيرك، ولا تروه عن أحد، ولا تقرأه على غيرك، ولا تسمعه ممن يرويه.
ومن الخطأ أن تلقى دروس ومحاضرات في خلاف الصحابة ﵃، ويعرضون كأنهم كسائر الناس، يقال: إن هؤلاء كانوا على باطل وهؤلاء على حق، ثم يقدح فيهم؛ لأن الإنسان لن يخرج بعد عرض هذه المسائل إلا وفي نفسه شيء على بعض الصحابة ﵃ وأرضاهم، والله قد غفر لهم ورضي عنهم.
ولذلك قال ابن بطة العكبري ﵀: وعلى ذلك اتفق سادات علماء هذه الأمة على النهي عما وصفناه، ومنهم: حماد بن زيد، ويونس بن عبيد، وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن إدريس، وابن أبي ذئب، وابن المنكدر، وابن المبارك، وشعيب بن حرب، وأبو إسحاق الفزاري، ويوسف بن أسباط، وأحمد بن حنبل، وبشر بن الحارث، وعبد الوهاب الوراق، يقول: كل هؤلاء قد رأوا النهي عنها والنظر فيها والاستماع إليها، وحذروا من طلبها، والاهتمام بجمعها، وقد روي عنهم فيمن فعل ذلك أشياء كثيرة بألفاظ مختلفة متفقة المعاني على كراهية ذلك، والإنكار على من رواها واستمع إليها، وهذا يدلنا على ما يتميز به أهل السنة والجماعة في هذا الأمر.
وكذلك نقل عن أبي الحسن الأشعري، وأبي عثمان الصابوني، ونقل كذلك عن ابن دقيق العيد، ومما نقل عنه فيما شجر بين أصحاب رسول الله ﷺ ، قال: ما نقل في هذا الأمر منه ما هو باطل وكذب، فلا يلتفت إليه، وما كان صحيحاً منه أولناه تأويلاً حسناً؛ لأن الثناء عليهم من الله سابق، وما ذكر من الكلام اللاحق من الأخبار محتمل التأويل أو مشكوك، قال: والموهوم لا يبطل المحقق المعلوم وهو الثناء عليهم ﵃ وأرضاهم.
وهنا كلام نفيس للإمام الذهبي رحمه الله تعالى ورضي عنه.
فقد ذكر في سير أعلام النبلاء في المجلد العاشر قال: وقد تقرر الكف عن كثير مما شجر بين الصحابة ﵃ وأرضاهم وعن قتالهم، وما زال يمر بنا ذلك في الدواوين والكتب والأجزاء، قال: ولكن أكثر ذلك إما منقطع أو ضعيف، وبعضه كذب، وهذا فيما بأيدينا وبين أيدي العلماء فينبغي طيه وإخفاؤه، بل إعدامه لتصفو القلوب وتتوفر على حب الصحابة والترضي عنهم، وكتمان ذلك متعين على العامة وآحاد العلماء, وقد يرخص في مطالعة ذلك خلوة للعالم المنصف العري من الهوى.
لا يكون إلا للعالم والمنصف ويكون في خلوة بشرط أن يستغفر لهم بعد أن يقرأ كما علمنا الله حيث يقول: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر:١٠] .
إلى أن قال: فالقوم لهم سوابق وأعمال مكفرة لما وقع منهم من جهاد، وعبادة ممحصة، ولسنا ممن يغلو في أحد منهم، ولا ندعي فيهم العصمة، ثم قال: أما ما نقله من يدعي محبة آل البيت وأهل البدع في كتبهم، فهذا لا نعرج عليه ولا كرامة، فأكثره باطل وكذب وافتراء، فدأب هؤلاء الذين يعظمون آل البيت في رواية الأباطيل، أو رد ما في الصحاح والمسانيد، ثم قال واصفاً لهم: ومتى إفاقة من كان سكران؟! أي: من كان سكران لا يفيق وهو مستمر على قضية السكر.
ولقد تكلم شيخ الإسلام ابن تيمية كلاماً طويلاً نفيساً نثره في الفتاوى، وكذلك في منهاج السنة، وذكر ذلك في جل كتبه التي كتبها في العقيدة، سواء الواسطية، أو شرح الأصفهانية، أو غيرها من الكتب العظيمة التي ألفها، لا بد أن يتطرق لأصحاب رسول الله ﷺ ويبين فضائلهم ﵃ وأرضاهم.
ومما قاله شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: ونعلم مع ذلك في أن علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه كان أفضل وأقرب إلى الحق من معاوية وممن قاتله، لما ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ من حديث أبي سعيد الخدري أنه قال: (تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين قال النبي ﷺ : تقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق) يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: وفي هذا الحديث دليل على أن مع كل طائفة حقاً، ولكن علي بن أبي طالب ﵁ أقربُ إلى الحق من معاوية.
قال: وأما الذين قعدوا عن القتال في الفتنة كـ سعد بن أبي وقاص وابن عمر وغيرهم من أصحاب رسول الله ﷺ ، فإنهم اتبعوا النصوص التي سمعوها في مسألة القتال في الفتن، قال: وعلى هذا أكثر أهل الحديث.
стр. 108
توجيه الآثار التي وردت فيما شجر بين الصحابة
ذكر شيخ الإسلام ﵁ منهجاً فريداً فيما ينبغي لنا في أصحاب رسول الله ﷺ ، وموقفنا مما ورد من الآثار وما ينبغي لنا، أذكرها على هيئة عناصر استنباطاً من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى قال: أولاً: إن أهل السنة يرون أن الآثار الواردة في مساوئهم وفيما شجر بينهم منها ما هو كذب، وما كان كذباً فإنه لا يعول عليه أصلاً، ولا يعتمد عليه في الحكم أبداً.
ثانياً: أن ما ورد من الآثار منه ما قد زيد فيه ومنه ما نقص منه، ولذلك لا يلتفت إليه، ثم قال رحمه الله تعالى: ومنه ما ورد وكان صحيحاً ثابتاً بسنده، فإنهم معذورون فيه ﵃ وأرضاهم، ووجه العذر أن نقول: إنهم مجتهدون ﵃، فمن اجتهد وأصاب فله أجران، ومن اجتهد فأخطأ فله أجر، فلهم الأجر لا محالة ﵃ وأرضاهم، أما أنت في نقدك لهم فماذا سيكون لك من الأجر والثواب؟! ثالثاً: من منهج أهل السنة والجماعة في أصحاب رسول الله ﷺ أننا لا نعتقد عصمة أحد من الصحابة عن الكبائر، عن كبائر الإثم ولا عن الصغائر، بل تجوز عليهم الذنوب بمقتضى بشريتهم، وكم سمعنا من أصحاب رسول الله ﷺ منهم من زنى، ومنهم من سرق، ومنهم من حدث له من المعاصي ﵃ وأرضاهم، لكن نقول: ما موقفنا مما حدث لهم؟ نقول: إن لهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة هذه الذنوب، وما يصدر عنهم من التي نسميها شيئاً من المعاصي، فإذا كان قد صدر من أحدهم ذنب، فنحن نعلم أن الصحابة ﵃ من أسرع الناس توبة وإنابة إلى الله تعالى، ومسارعة إلى الرجوع إلى ربهم، ومن تاب من الذنب فكمن لا ذنب له أصلاً، ونعلم كذلك أن أصحاب رسول الله ﷺ لهم حسنات، والله يقول: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤] وحسنات الصحابة ليس كحسنات من جاء من بعدهم، ونعلم كذلك أن رسول الله ﷺ قد وعد أصحابه بالشفاعة العظمى، وهم أولى من يدخل في شفاعته ﷺ ، فإذا كنا نرجو شفاعة النبي ﷺ فأصحاب رسول الله ﷺ هم أولى من يدخل في هذه الشفاعة.
ثم قال شيخ الإسلام: وإننا نعلم أن أصحاب رسول الله ﷺ قد حصل لهم من الابتلاء في الدنيا ما يكون سبباً لتكفير سيئاتهم، لما نزل قوله تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء:١٢٣] جاء أبو بكر وجثا بركبتيه بين يدي رسول الله ﷺ ، وقال: (يا رسول الله! كلفنا بأمور وأطقناها، وجاءنا شيء لا نطيقه، قال: ما ذاك؟ قال: إذا كنا كل سوء سنجزى به متى النجاة يوم القيامة يا رسول الله؟ فقال له الرسول ﷺ : ألست تنصب؟ أليس يصيبك اللأواء؟ ألست تمرض؟ ألست كذا، قال: بلى، قال: فإن الله يكفر عنك بذلك) وأصحاب رسول الله ﷺ ابتلوا بلاءً شديداً في مكة والمدينة وغيرها، وكان لهم من السابقة ما يكون سبباً لتكفير سيئاتهم وما حدث منهم من القصور.
ونعلم أن ما وقع منهم أنه نزر يسير أمام الفضائل العظمى والمنازل العجيبة التي كانت لهم.
وهذا هو الواجب علينا أن نقف فيه، فمما كان من فضائلهم: الإيمان بالله ورسوله، والجهاد في سبيل الله، والهجرة، ونصرة الرسول، والعلم النافع، والعمل الصالح إلى غير ذلك مما تميز به أصحاب رسول الله ﷺ .
ونقول بعد ذلك: أبعد هذه النصوص من الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة أيجرؤ أحد أن يقدح في أصحاب رسول الله ﷺ ؟! لا وكلا! بل نقول: لا ينطلق لسان أحد إليهم إلا لخبثٍ في قلبه، وبدعةٍ في نفسه، وانحرافٍ في منهجه، فأصحاب رسول الله لهم المنازل العليا ﵃ وأرضاهم.
стр. 109
موقف الخوارج من صحابة رسول الله
ممن انطلق لأصحاب رسول الله ﷺ قادحاً ولامزاً طائفة الخوارج، وهي من الطوائف التي انحرفت، وكان بزوغ هذه الطائفة قديماً، ولعل هذه من أسرع الطوائف خروجاً في الأمة.
وأقول قبل أن أنطلق إلى هذه الفرقة أنبه على بعض الكتب التي يحتاجها طالب العلم في التعرف على الفرق التي ضلت عن صراط الله المستقيم، وينبغي لكل طالب علم أن تكون عنده كمصدر، ولكن الطالب المتخصص ينبغي له أن يقرأ فيها، أما غير المتخصص فينبغي ألا يكثر الاطلاع فيها إلا إذا مرت به فرقة أو طائفة وأحب التعرف عليها أن يجدها.
أولاها: كتاب مقالات الإسلاميين، وهو لـ أبي الحسن الأشعري رحمه الله تعالى، وهو من أنفس ما كتب عن الفرق.
الثاني: كتاب الملل والنحل للإمام الشهرستاني.
الثالث: كتاب الفرق بين الفرق، للبغدادي.
الرابع: كتاب الفصل في الملل والنحل لـ ابن حزم.
هذه الكتب الأربعة تعتبر من أعظم المصادر، وهي من الكتب المتقدمة للتعرف على الطوائف سواء الجهمية أو المعتزلة أو الخوارج، أو الرافضة أو غيرهم من الطوائف التي انحرفت، ولم تحصر جميع الطوائف، لكنها في الجملة أفادت في هذا المجال، وتعتبر من المصادر الأصلية التي يعتمد عليها طالب العلم في التعرف على هذه الطوائف.
стр. 110
حقيقة الخوارج وسبب تسميتهم بذلك
يقول: أبو الحسن الأشعري: إن اسم الخوارج يقع على تلك الطائفة التي خرجت على رابع الخلفاء الراشدين علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه، وبيَّن أن السبب الذي سموا من أجله خوارج قال: لخروجهم على علي بن أبي طالب لما حكَّم -أي: رضي بقضية التحكيم- وسيأتينا أن الخوارج منهم من كفر علي بن أبي طالب ومنهم من فسقه.
ويقول الشهرستاني في تعريف عام للخوارج: كل من خرج على الإمام الحق الذي اتفقت الجماعة عليه فإنه يسمى خارجياً، سواء خرج أيام أصحاب رسول الله ﷺ على الأئمة الراشدين، أو خرج على من بعده من الأئمة التابعين لهم بإحسان في كل زمان.
ونعلم بعد ذلك أن طائفة الخوارج من الطوائف المبتدعة التي انحرفت عن صراط الله المستقيم.
تسمى طائفة الخوارج وتلقب بألقاب متعددة، منها: الحرورية، لنزولهم إلى موقع اسمه حروراء.
ويسمون: بـ الشراة لأنهم يقولون: إنا شرينا أنفسنا بطاعة الله، ويقصدون بها أنهم شروا أنفسهم بالجنة يقتلون ويكون مصيرهم إلى الجنة.
ويسمون: بالطائفة المارقة، وإن كانت لا تقبل هذا الاسم، لقول النبي ﷺ : (تمرق من الدين كما يمرق السهم من الرمية) .
ويسمون: الطائفة المحكمة؛ لأنهم أنكروا الحكمين: عمرو بن العاص وأبي موسى الأشعري ﵄ وأرضاهم في ذلك.
стр. 111
بداية ظهور فرقة الخرواج
من العلماء من يقول: إنها بدأت بقضية التحكيم بين علي بن أبي طالب وبين معاوية بن أبي سفيان، وبذلك يربطونها في آخر الخلفاء الراشدين، ولذلك قالوا كلاماً غريباً: إن من وافق على التحكيم واعتبر التحكيم ووافقه فإنه يكون بذلك كافراً، وبناءً عليه كفَّروا علي بن أبي طالب والصحابة الذين كانوا معه، والذين ارتضوا بهذا التحكيم، ولهذا قالوا: إن علي بن أبي طالب خرج من الإسلام بهذا الشيء، ولا شك أن هذا كلام باطل، وكفَّروا كذلك معاوية بن أبي سفيان، ولم يبق أحد من الصحابة ﵃ مؤمناً بهذا الكلام.
يقول ابن كثير رحمه الله تعالى بعد أن ذكر شيئاً من أخبار الخوارج قال: وهذا الضرب من الناس من أغرب أشكال بني آدم، فسبحان من نوع خلقه كما أراد، وسبق في قدره العظيم، وقال: وما أحسن ما قاله بعض السلف فيهم، لما سئل عن الخوارج؟ فقال عنهم: إنهم المذكرون في قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً * أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً﴾ [الكهف:١٠٣-١٠٥] .
يقول: وبالقول الثاني، كما قاله العلامة ابن الجوزي رحمه الله تعالى في تلبيس إبليس، وكذلك نقل عن ابن حزم، ونقل عن الشهرستاني: إن أول خروج الخوارج وأولهم وأقبحهم حالاً ذو الخويصرة التميمي، إذ قال للنبي ﷺ : اعدل، فقال النبي ﷺ : (ويلك! ومن يعدل إذا لم أعدل) قالوا: فيعتبر ذو الخويصرة التميمي هو أول خارجي في الإسلام، وآفته أنه رضي بعقله وحكمه، ولم يأخذ بما قسم به النبي ﷺ .
القول الثالث: أنهم قالوا: بدأت الخوارج في عهد عثمان ﵁ وأرضاه لما خرجوا عليه وقتلوه واستحلوا دمه.
стр. 112
طعن الخوارج في الصحابة
الخوارج طعنوا على أصحاب رسول الله ﷺ بطعون، والعجيب أن لهم منهجاً يتميزون عن الطائفة التي تدعي موالاة آل بيت النبي ﷺ ، قالوا: من حسنات الخوارج أنهم أقروا بإمامة أبي بكر وعمر، ولم يتعرضوا لهما أبداً، ورأوا أن إمامتهما شرعية ورضوا بها، وأن أبا بكر وعمر سارا على الصراط المستقيم، وإنما حدث ما حدث في عهد عثمان ﵁ وأرضاه، فأنكروا إمامته مع أن العصر الذهبي للأمة المسلمة كان في عصر عثمان ﵁ وأرضاه، إذ عاش أكثر من اثنتي عشرة سنة أو قريباً من ذلك، وكانت عشر سنين من خلافته نصراً وتمكيناً ورخاءً ورغداً، وإنما نقد عليه في آخر حياته، ولم ينظروا إلى ما قدمه ﵁ وأرضاه من الأعمال العظيمة التي لا تُنسى إلى قيام الساعة، ونقدهم هذا لا شك أنه باطل، والله قد أثنى على أصحاب رسوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠] وفي آيات شهد الله لهم بالإيمان: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران:٦٨] ولا تنطبق هذه الآية إلا على أصحاب رسول الله ﷺ .
وكذلك من ثناء الله على رسوله وعلى أصحابه مما يرد بها على الخوارج في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْأِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ [الحجرات:٧] فأعظم ما تنطبق على أصحاب رسول الله ﷺ وما تميزوا به.
ومن مطاعنهم على أصحاب رسول الله ﷺ وخاصة على علي، يقول نافع بن الأزرق وهو من كبار الخوارج: إن علي بن أبي طالب قد كفر وافترى على الله تعالى، وأن الله أنزل في شأن علي بن أبي طالب قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة:٢٠٤-٢٠٥] وقبح الله هذا الخارجي كيف يقول هذا الكلام في علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه! وذكر أن هذه الآية نزلت في عبد الرحمن بن ملجم الذي قتل علي بن أبي طالب: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة:٢٠٧] وهذا الكلام باطل، بل هذا من الانحراف عن منهج الله.
لقد وردت أحاديث عن النبي ﷺ تحذر من هؤلاء الخوارج وتبين انحرافهم، منها: ما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (بينما نحن عند رسول الله ﷺ وهو يقسم مالاً، إذ أتاه ذو الخويصرة وهو رجل من تميم، فقال: يا رسول الله! اعدل، فقال النبي ﷺ : ويلك! ومن يعدل إن لم أعدل، قد خبت وخسرت إن لم أعدل؟ فقال خالد: يا رسول الله! ائذن لي لأضرب عنقه، فقال النبي ﷺ : دعه، فإن له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية) .
وقد بين أبو سعيد الخدري ﵁ بعد أن روى الحديث قال: [فأشهد أني سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك، وأشهد أن علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه قاتلهم وأنا معه] ثم بين النبي ﷺ أن من علامة هؤلاء الخوارج رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة وتتدردر، وذكر النبي ﷺ أنهم يخرجون على حين فرقة من الناس.
وبين النبي ﷺ في أحاديث كثيرة أن المسلم لا ينبغي له أن يغتر بالشخص مهما كثرت صلاته وعبادته وطاعته واستقامته, وإنما العبرة بالمنهج الذي يسير على ضوئه، وكم من الطوائف نشاهدها في واقعنا إذا ذكروا سيرة رسول الله ﷺ أو سيرة علي بن أبي طالب أو غيره من آل بيت النبي ﷺ بكوا بكاءً مراً، وذرفت أعينهم، وأنفقوا ومع ذلك ينطبق عليهم قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً﴾ [الغاشية:٢-٤] دل على أنه لا ينخدع الإنسان بكثرة العبادة ولا غيرها.
ولهذا لما وصف النبي ﷺ الخوارج قال: (هم شر الخلق أو من شر الخليقة، تقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق) وذكر النبي ﷺ أن في وجوههم مثل ركب المعز من كثرة السجود، وينفقون، ولو سمع الإنسان خطب الخوارج لوجد أنهم يتكلمون بقوة، ويَبكون ويُبكون من حولهم، ومع ذلك قال النبي ﷺ للصحابة وهم أصحابه ﵃ وأرضاهم: (يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم) إلى غير ذلك مما يبين أنهم ليسوا على الحق مع كثرة ما يعملون من الطاعات والعبادات.
وذكر النبي ﷺ من صفاتهم: أنهم لا يسمعون الحق ولا يهتدون، ولما سئل عبد الرزاق عن معمر، عمن سمع الحسن لما قتل علي بن أبي طالب الحرورية، قال: [من هؤلاء يا أمير المؤمنين؟ أكفار هم؟ قال: من الكفر فروا، فمنافقون هم؟ قال: إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلاً، وهؤلاء يذكرون الله كثيراً، قيل: فما هم؟ قال: قوم أصيبوا بفتنة فعموا فيها وصموا] أي: أصيبوا بفتنة ثم أصبحوا يتخبطون فما يدرون أين يتوجهون.
ولقد نقل عن أبي أمامة ﵁ وأرضاه: لما أتي برءوس الأزارقة وهم من الخوارج، فنصبت على درج دمشق، جاء أبو أمامة فقال لهم مشيراً وقد دمعت عيناه لما رأى حالهم: [كلاب النار كلاب النار، هؤلاء لشر القتلى قُتِلُوا، وخير القتلى الذين قتلهم هؤلاء القوم] ثم قيل: فما شأنك؟ لِمَ بكيت وذرفت عيناك بالدمع؟ يقصدون أبا أمامة صحابي رسول الله ﷺ قال: [رحمة لهم إنهم كانوا من أهل الإسلام، قال: أقلت برأيك أن هؤلاء كلاب النار أو شيء سمعته من رسول الله ﷺ ؟ قال: إني إذاً لجرئ، بل سمعته من رسول الله ﷺ غير مرة، ولا اثنتين ولا ثلاث، فعدد مراراً، ثم تلا قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران:١٠٦] حتى بلغ قوله تعالى: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران:١٠٧]] ونعوذ بالله أن نكون من هؤلاء وأن يتشبه الإنسان بمثل حالهم، وصفاتهم متعددة وكثيرة ولسنا بصدد حصرها.
стр. 113
موقف النواصب من الصحابة وآل البيت
هناك طائفة تسمى طائفة النواصب، وهي إحدى طوائف البدع، وأصيبت في معتقدها بعدم التوفيق في أصحاب رسول الله، وهؤلاء لم يكفروا الصحابة، وإنما فسقوهم، وسموا نواصب لأنهم يتدينون ببغض علي بن أبي طالب، ونحن نتبرأ من معتقد الخوارج ومن معتقد النواصب الذين ناصبوا لـ علي بن أبي طالب العداوة.
وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أن الخوارج هم الذين يكفرون علياً، والنواصب هم الذين يفسقونه، وكانوا يتهمون علياً بالظلم، وأنه كان طالباً للدنيا، وطالباً للخلافة، ولم يرد الحق، وقاتل الصحابة على السيف، ولم يكن مقصده تأليف المسلمين وربطهم بإمام واحد، ولا شك أن قولهم هذا قول باطل.
والنواصب نالوا من الحسين بن علي ﵁ وأرضاه، فقالوا: إن الحسين بن علي كان من الخوارج، وكانوا يجوزون قتله؛ لقول النبي ﷺ : (من أتاكم وأمركم على رجل واحد يريد أن يفرق جماعتكم فاضربوا عنقه بالسيف كائناً من كان) والحديث رواه مسلم في صحيحه، ونحن نعلم أن الرسول ﷺ يقول في حديث علي بن أبي طالب: (من أحب علياً فقد أحبني، ومن أبغض علياً فقد أبغضني) وهؤلاء لا يحبون رسول الله ﷺ ، وبناءً عليه فهم لا يحبون علي بن أبي طالب ولا غيره.
روى مسلم بإسناده إلى زيد بن أرقم، أن النبي ﷺ قال: (أيها الناس! إنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب، وإني تارك فيكم ثقلين: أولهما: كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله تعالى واستمسكوا به فحث النبي ﷺ على الأخذ بكتاب الله ورغب الناس فيه، ثم قال النبي ﷺ : وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي) فما زال النبي ﷺ يذكر هذا الأمر ويؤكد عليه، إعلاناً للأمة أن الواجب عليها أن تقدر أهل البيت وأن تنزلهم منازلهم ﵃ وأرضاهم.
ولا شك أن أهل بيت النبي ﷺ لهم منازل عليا، وسوف نتكلم على من هم آل بيت النبي وقرابته وذلك بتكميل الشطر الثاني من البيت في:
ومودة القربى بها أتوسل
والقربى هم آل بيت رسول الله ﷺ ، ولذلك نحن نقول: لسنا من النواصب، ولسنا من الخوارج، ومنهجنا يتميز تميزاً كاملاً عن هؤلاء القوم.
وهناك طائفة تدعي موالاة أهل البيت جعلت أهل السنة والجماعة كلهم - نواصب - وأنهم أعداء لآل بيت النبي ﷺ ، وقولهم هذا باطل، ويجعلون كل من تولى أبا بكر وعمر رضي عنهما وأرضاهما يعتبر من - النواصب - وهؤلاء يطلقون علينا أننا - نواصب - ولا شك أن كلامهم هذا باطل.
يقول أحد أئمتهم وهو يوسف البحراني في كتابه: الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة، يقول: ومن هذه الأخبار يعلم أن مظهر النصب والعداوة لهم ﵈ منحصر في أمرين: تقديم الجبت والطاغوت -ويقصدون به: أبا بكر وعمر، يسمون أبا بكر: الجبت، وعمر الطاغوت- وإظهار العداوة لآل بيت النبي.
والعجب منهم أنهم يرون أن النواصب ليسوا من أهل الجنة أصلاً، والجنة لهم وحدهم، ويرون أن موالاة أهل البيت لهم وحدهم، وليس بصحيح، فنحن نتولى آل بيت النبي ﷺ ونحبهم ونرى أنه دين ندين الله به، ونتعبد لله تعالى بمحبة هؤلاء القوم ﵃ وأرضاهم.
ولذلك ذكروا أن النواصب شر من اليهود والنصارى والمجوس، ويرون أن الناصبي كافر نجس بإجماع علمائهم، ولاشك أن هذا الكلام ليس بصحيح، بل هو باطل لا شك فيه.
وذكرا قصة وأظنها في كتاب: الأنوار النعمانية لـ نعمة الله الجزائري، أن رجلاً كتب إلى الكاظم ﵁ كتاباً، وذكر أنه هدم سجناً وكان فيه خمسمائة شخص ماتوا، وكان هذا الذي كتب إلى الكاظم هو: علي يقطين، وكان وزيراً للرشيد، وقد اجتمع في حبسه جماعة من المخالفين يقصدون بهم أهل السنة، وذكروا أنه هدم هذا السجن وفيه خمسمائة وماتوا، فكتب يريد الخلاص من تبعات دمائهم، فماذا يجب عليه؟ فكتب إليه الكاظم مبيناً له ماذا سيعمل، قال: أما إنك لو كنت تقدمت إلي قبل قتلهم بخبر كان لا عليك، أي: لو استفتيتني لأمرتك بقتلهم ولا شيء عليك، لكنك عندما عملت بغير فتوى فإنه يجب عليك أن تذبح عن كل واحد منهم تيساً، قال: والتيس خير منهم.
ويقول نعمة الله الجزائري: فانظر إلى هذه الدية الجزيلة التي لا تعادل دية أخيهم الأصغر وهو كلب الصيد، فإن دية كلب الصيد عشرون درهماً، ولا تعادل دية أخيهم الأكبر وهو اليهودي والمجوسي فإن ديته ثمانمائة درهم، وحالهم في الآخرة أخس وأنجس! ونقول: ليس هذا إلا الكذب بعينه، ولا نرتضي هذا منهجاً لنا، ولا ندين الله به، بل نحن ممن يحب أصحاب رسوله جميعاً، ويحب آل بيت النبي ﷺ ونتولاهم ولا نتعرض لهم بقدح ولا لمزٍ ولا غير ذلك.
ونصلي ونسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
стр. 114
شرح لامية شيخ الإسلام ابن تيمية (الدرس الثامن)
لقد وقفت الشيعة من أصحاب رسول الله ﷺ موقفاً تقشعر منه الأبدان، وعلى منوالهم ظهرت المقلدة ممن يسمون أنفسهم بأهل الأدب والحداثة؛ فوقعوا في الصحب الكرام بالنقد والطعن والتشهير والتجريح، ونسوا أو تناسوا تزكية الله لهم من فوق سبع سماوات، وأهملوا منازلهم ومناقبهم وفضائلهم.
стр. 115
موقف الشيعة من الصحابة ﵃
الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
لعلنا تكلمنا في الدرس الماضي عن طائفة الخوارج وموقفهم من أصحاب النبي ﷺ ، وسنتكلم عن طائفة تدعي محبة آل بيت النبي ﷺ وتعظيمهم، وقد وصلت بهم إلى مرتبة الألوهية والربوبية، وجعلتهم في منازل الأنبياء ومن لم يكن من آل بيت النبي ﷺ فإنهم لا يعتبرون به ولا ينظرون إليه، ولهذا انطلقت إلسنتهم في الصحابة ﵃ وأرضاهم بالطعن والقدح والنقد، ويقولون: إن أصحاب رسول الله ﷺ قد ارتدوا بعده، ولم يبق منهم على الإسلام إلا عدد يسير أهل بدر، وأهل بيعة الرضوان، وكذلك المهاجرون والأنصار كلهم تحولوا عن دين الإسلام وانحرفوا، ولم يبق إلا سلمان، وأبو ذر، والمقداد، وعمار، وحذيفة، وأبو الهيثم، وسهل بن حنيف، وعبادة بن الصامت، وأبو أيوب، وعدد يسير من أصحاب رسول الله ﷺ .
ويدل على ذلك ما رواه الكليني بسنده إلى أبي جعفر أنه قال: ارتد الناس بعد النبي ﷺ إلا ثلاثة: المقداد وسلمان وأبو ذر.
وروى الكليني عن عبد الرحمن بن القصير قال: قلت لـ أبي جعفر: إن الناس يفزعون إذا قلنا: إن الناس ارتدوا، يقصد أهل السنة يفزعون إذا قيل: إن الصحابة ارتدوا فقال: يا عبد الرحمن! إن الناس عادوا بعدما قُبض النبي ﷺ أهل جاهلية، إن الأنصار اعتزلت فلم تعتزل بخير، جعلوا يبايعون سعداً وهم يرتجزون ارتجاز الجاهلية، أي: سعد بن عبادة ﵁ وأرضاه وإذا بالنتيجة حصلت أنهم أعادوا مجد الجاهلية كما كانت من قبل، وغيرها من الأمور التي اتهم أصحاب رسول الله ﷺ بالارتداد، ولا شك أنهم في هذا قد خالفوا آيات كثيرة، كما في قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً﴾ [التوبة:١٠٠] الله يعدهم بجنات عدن وهؤلاء لا يعدونهم إلا بنارٍ خالدين فيها.
وكذلك في قوله تعالى: ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:٨٨-٨٩] وهذا لا شك أنه من ثناء الله تعالى عليهم.
ويقول شرف الدين الموسوي في كلام طويل حول أصحاب النبي ﷺ ، قال: فالصحابة كغيرهم من الرجال فيهم العدول وهم عظماؤهم وعلماؤهم، قال: وفيهم البغاة، وفيهم أهل الجرائم من المنافقين، وفيهم مجهول الحال، قال: فنحن نحتج بعدولهم، ونتولاهم في الدنيا والآخرة، وأما ما عداهم فلا نقبل منه.
ويقول: إن العدالة في الصحابة لم يدل عليها دليل لا من كتاب ولا من سنة، ولو تدبرنا القرآن الكريم لوجدناه مشحوناً بذكر المنافقين، ويكون هؤلاء المنافقين هم أصحاب رسول الله ﷺ .
ولا شك أن كلامهم هذا قبيح.
ومما اتهموا به أصحاب رسول الله ﷺ أنهم حرفوا القرآن، وأسقطوا منه كلمات وآيات، وتزعم هذه الطائفة التي تدعي محبة آل بيت النبي ﷺ أن ثلاثة أضعاف القرآن الموجود بين أيدينا قد حرفه أصحاب رسول الله ﷺ ، وأن القرآن الصحيح هو الذي كان موجوداً عند علي بن أبي طالب، والآن هو محفوظ عند الإمام الغائب في السرداب الذي ينتظر متى يخرج فيخرج لنا القرآن الذي لم يكن موجوداً بين أيدي الناس.
وذكروا أن القرآن نزل على سبعة عشر ألف آية -وهذا موجود في كتاب الكليني - والقرآن الذي بين أيدينا هو قريب من ستة آلاف آية، فبناءً عليه حرف الصحابة فيه، ولهذا قالوا: إن سورة (لم يكن) ورد فيها أسماء سبعين من رجالات قريش حذفها الصحابة كلها، وكانت تفضحهم وتسمى الفاضحة عندهم إلى غير ذلك.
والعجب من هذه الطائفة أن كل آية وردت في المنافقين، وفي أهل المعاصي، وفي أهل الفجور وغير ذلك كلها تنطبق على أصحاب رسول الله ﷺ ، وكل آية وردت في أهل الجنة، وفي أهل الإيمان والصلاح ربطت بـ علي وآل بيته فقط، وأما سائر الصحابة ﵃ وأرضاهم فليس لهم حظ في القرآن أبداً.
ومن الأمثلة: روى الكليني في كتابه الكافي، عن أبي بصير عن أبي عبد الله وهو جعفر الصادق، قال: إن عندنا لمصحف فاطمة، وما يدريك ما مصحف فاطمة؟ قلت له: وما مصحف فاطمة؟ قال: مصحف فاطمة فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرات، والله ما في قرآنكم الذي بين أيديكم حرف واحد منه، قلت: والله هذا العلم، أي: فقدنا العلم كله إن لم يكن بين أيدينا هذا المصحف، وإن الذي بين أيدينا شيء محرف وقد غُير وبُدّل.
ومنها: ما ورد عن جابر، قال: سمعت أبا جعفر ﵇ يقول: ما ادعى أحد من الناس أنه جمع القرآن كله كما أنزل إلا كذب، وما جمعه وحفظه كما أنزل إلا علي بن أبي طالب والأئمة من بعده.
ومنها كذلك آثار كثيرة تبين أن الصحابة ﵃ وأرضاهم قد غيروا هذا المصحف، بل ألف أحد أئمتهم كتاب (فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب) وهو كتاب طبع في إيران، وإن كانت نسخه لا يريدون بقاءها مخافة أن يتهموا بذلك، ويرون أن القول الراجح عندهم أن القرآن ليس بمحرف، ولكن هذا غير صحيح، بل رجح ذلك جمع منهم، بل في كتاب الكليني إذا أردت أن تعرف هذه الطائفة فانظر له في وضوئه؛ لأن عندهم قول الله تعالى عندنا: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة:٦] عندهم: (وأيديكم من المرافق) فتجده يبدأ بالغسل من أعلى ولا يبدأ من أسفل، وهذا موجود في كتاب الكليني لا أحد يستطيع أن ينكره، ولو قالوا بتحريفه فهذه نصوص سواء كان التحريف لآيات أو لسور، أو كان التحريف لحروف القرآن وما دلت عليه فهذا جزء نسميه من التحريف.
стр. 116
موقف بعض الكتاب المعاصرين من الصحابة
стр. 117
موقف طه حسين من الصحابة
من الذين قدحوا في أصحاب رسول الله ﷺ بعض الكتاب المعاصرين ممن تأثروا بالمستشرقين، وكان من أكبرهم أعمى البصر والبصيرة: طه حسين، فإنه تعرض لأصحاب رسول الله ﷺ بالقدح واللمز والتهكم، وقام عدد من العلماء بالرد عليه وبيان بطلان ما ذهب إليه، وكان يقول من ضمن كلامه: كان معروفاً أن عائشة ﵂ لا تحب علي بن أبي طالب ولا تهواه، بل كان معروفاً أنها كانت تجد عليه موجدة عظيمة بسبب قصة الإفك، قال: وكانت تنكر على علي بن أبي طالب في أمرين: الأمر الأول: لما كان لـ علي من الخيرية ﵁ وأرضاه، والسبب: أنه تزوج فاطمة، وفاطمة أنجبت ذرية، قال: فإن عائشة حقدت على فاطمة؛ لأنها كانت سبباً لنسل الذرية الطاهرة وهم آل بيت النبي ﷺ ، وهي لم تنجب أولاداً، فحسدتها في نفسها.
وهذا كلام باطل لا يقوله عاقل إطلاقاً.
الأمر الثاني: أن علي بن أبي طالب تزوج أسماء الخثعمية بعد وفاة فاطمة، وأسماء الخثعمية هي أم محمد بن أبي بكر الذي نشأ في حجر علي، فكانت عائشة تجد عليه في نفسها.
وهذا الكلام لا شك أنه باطل.
فإن طه حسين ممن تربوا على أيدي المستشرقين تربية كاملة، وحتى تخرجوا تلاميذ خبثاء.
стр. 118
موقف جرجي زيدان من الصحابة
وكذلك ممن قدح في الصحابة: جرجي زيدان وغيره، وإن كان جرجي زيدان لا يعتبر، فقد قيل: إنه نصراني وقد لمز أبا هريرة وسعد بن أبي وقاص وشتم معاوية بن أبي سفيان وأوغل في عرض سيف الله المسلول خالد بن الوليد وتهكم عليه.
стр. 119
موقف أحمد أمين من الصحابة
وممن اتهم الصحابة رجل اسمه: أحمد أمين، وله كتب في الأدب: فجر الإسلام، وضحى الإسلام، وظهر الإسلام، وهي مشهورة ومتداولة.
وقد قدح في أصحاب رسول الله ﷺ ، وذكر أن الأولى بالخلافة هو علي بن أبي طالب، لكنه لم يستطع أن يقف في وجوههم؛ نظراً لأن أبا بكر وعمر قد أقاما العدل وأنصفا من أنفسهما، ولم يرجعوها جاهلية قبلية، وإنما لما ولي عثمان ﵁ وأرضاه لم يرتض علي بن أبي طالب بولاية عثمان؛ نظراً لأنه أعاد مجد بني أمية، وهذا كلام باطل لا يعتمد عليه.
стр. 120
موقف أبي رية من الصحابة
وممن انتقد الصحابة، ونقده لاذع، ولعله ركز على أبي هريرة ﵁ المدعوة: أبو رية، وقد اتهم أصحاب رسول الله ﷺ اتهامات باطلة، وقد قام بالرد عليه جمع من العلماء، فممن رد عليه يوسف السباعي في كتابه: السنة ومكانتها في التشريع، ومنهم كذلك شيخنا: حمود بن عبد الله التويجري ﵀ في كتابه: الرد القويم على المجرم الأثيم.
وقد كان نقده على أبي هريرة ﵁ أنه كان يكذب لصالح معاوية ﵁ وأرضاه، فقال من كلامه: ولم يكن ما قدمه أبو هريرة لـ معاوية جهاداً بسيفه أو بماله، وإنما كان جهاده بأحاديث ينشرها بين المسلمين يخذل بها أنصار علي ويطعن فيها عليه، ويجعل الناس يتبرءون من علي بن أبي طالب، وكان يشيد بفضائل معاوية وبدولته.
وهذا الكلام لا شك أنه باطل، بل إن أبا هريرة ﵁ وأرضاه كان من أكثر الصحابة رواية لحديث النبي ﷺ ، والقدح في أبي هريرة قدح في سنة محمد ﷺ .
стр. 121
موقف عبد المنعم ماجد من الصحابة
ومن هؤلاء كذلك رجل اسمه: عبد المنعم ماجد، وله كتاب اسمه: التاريخ السياسي للدولة العربية، وقد انتقد فيه أبا بكر الصديق، وانتقد العرب كذلك على وجه العموم، ولعل نقده للعرب نقداً لهذا الدين ونقداً للصحابة ﵃ وأرضاهم، وذكر خلافة عثمان، وكذلك ذكر عائشة لامزاً لها وناقداً عليها.
стр. 122
موقف محمد الخضري من الصحابة
ومنهم كذلك رجل مشهور وله كتابات في التاريخ اسمه: محمد الخضري، وله محاضرات في التاريخ، وفد طعن في أصحاب رسول الله ﷺ طعناً عجيباً، ولعله ممن طعن في علي بن أبي طالب والحسن وطلحة والزبير وأبي ذر وعبد الله بن الزبير، وكان جل انتقاده في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، بضعف الرأي والطيش وعدم التثبت، والشح والكبر والتعاظم على جميع الصحابة حتى على أشياخهم ﵃ وأرضاهم، وقال في الحسين بن علي ﵁: رمي بقلة مشورته وعدم معرفته، فقد أشار عليه الصحابة وضرب بآرائهم عرض الحائط، ولم يقبل منهم إطلاقاً وأخذ برأي نفسه.
وهذا الكلام لا شك أنه من اللمز في أصحاب رسول الله ﷺ .
هذا فيما يتعلق بالذين انتقدوا الصحابة رضوان الله تعالى عليهم ولمزوهم وتعرضوا لهم.
стр. 123
عدالة الصحابة ﵃
يجب أن نعلم أن أصحاب رسول الله ﷺ قد اتفق أهل السنة والجماعة على أنهم عدول، ومقتضى العدالة لهم أنه لا يُتكلم فيهم بموازين الجرح والتعديل التي وجدت عند أئمة الحديث، وهذا مما اتفق عليه أئمة أهل السنة والجماعة على وجه العموم، وأن من نقد أصحاب رسول الله ﷺ فإنما ينقدهم لمرضٍ في قلبه وخبث في طويته.
ومن أسباب عدم جعلهم تحت موازين الجرح والتعديل: أن الله قد عدلهم في كتابه، وأن الرسول ﷺ زكاهم، بل جعل الرسول ﷺ لهم السياج المنيع فلا يتعرض لهم أبداً، والله يقول: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ [الحديد:١٠] وكذلك أثنى الله عليهم في غير ما آية مثل آية ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمْ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ [الفتح:٢٩] وحصل الثناء عليهم في التوراة والإنجيل، ولهذا وجب على كل مسلم ألا يتطرق إلى قلبه شك في عدالة الصحابة ﵃ وأرضاهم.
стр. 124
منازل الصحابة ﵃
أما في قضية منازل الصحابة ﵃ فنقول كما سيأتي: أفضل الصحابة على الإطلاق: أبو بكر الصديق، ثم عمر، وهذا بإجماع الأمة قاطبة، وحصل خلاف بين التابعين هل بعده علي بن أبي طالب أم عثمان، ولكن الرأي الصحيح وهو رأي جمهور سلف الأمة أن عثمان أفضل، ثم بعد ذلك علي بن أبي طالب ثم العشرة المبشرون بالجنة.
واتفق أهل السنة والجماعة على القول بتفضيل المهاجرين على الأنصار، وأن المهاجرين أفضل من الأنصار، وليس هذا التفضيل يؤدي إلى استنقاص أحدٍ منهم، بل لكل منهم منزلة وفضل؛ ﵃ وأرضاهم.
ويشهدون كذلك لمن شهد له الرسول ﷺ بجنات عدن، وهذا هو الواجب علينا دائماً أن نسير على ضوئه، ثم يقدمون أهل بدر وكذلك من شارك في الغزوات فلهم منازل عليا.
ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في رسالته إلى عدي بن مسافر، قال: ويجب الاقتصاد والاعتدال في أمر الصحابة والقرابة ﵃ وأرضاهم، فإن الله أثنى عليهم في كتابه في غير ما آية، وقد ذكر أن اتفق أهل السنة والجماعة على ما تواتر من فضائل أمير المؤمنين، وأن خير هذه الأمة بعد نبيها: أبو بكر ثم عمر، واتفق كذلك الصحابة على بيعة عثمان ﵁، لئلا ينتقده الخوارج، وكذلك ينتقد خلافته الذين يدَّعون موالاة آل البيت من الرافضة وغيرهم.
وثبت عن النبي ﷺ في تفضيل هؤلاء الأربعة الأئمة الخلفاء الراشدين المهديين قال: (خلافة النبوة ثلاثون سنة) ثم تصير بعد ذلك ملكاً يتولاها ابناً عن أب، وكذلك أمر النبي ﷺ باتباع سيرة هؤلاء الأربعة ﵃، وذكر أن آخر الخلفاء الراشدين هو علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه.
ومما اتفق عليه عامة أهل السنة من العلماء والعباد والأمراء والأجناد أنهم يقولون: أبو بكر وثم عمر وثم عثمان ثم علي ﵃ وأرضاهم، وكذلك نجد أهل السنة والجماعة يتولون آل بيت النبي ﷺ ، وسيأتي الكلام عليه بشيء من التفصيل.
وذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى أن أهل السنة والجماعة يشهدون لـ عائشة بنت أبي بكر الصديق أنها المبرأة من السماء على لسان جبريل ﵊ إخباراً عن الله ، وقد ورد فيها عشر آيات في سورة النور تبين براءة عائشة مما اتهمت به.
ولذلك قال جمع من أئمة أهل السنة: إن من قدح في عائشة ﵂ أو اتهمها بما برأها الله به فإنه كافر خارج من هذا الدين، لأنه بذلك كذب الله ورسوله ﷺ ، ومن كذب الله ورسوله فلا شك بأنه كافر، لأنه أنكر شيئاً تواتر في الكتاب وفي سنة رسوله ﷺ .
ويحذرنا أهل السنة والجماعة من التعرض لأصحاب رسول الله ﷺ بنقد أو لمز أو غيره؛ لأن ذلك قد حرم علينا في الكتاب والسنة، قال الله تعالى: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ [الحجرات:١٢] وأول ما ينطلق على أدنى كلام في الصحابة فهو غيبة، وقال تعالى ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً﴾ [الأحزاب:٥٨] قال: ومن تعرض للصحابة ﵃ فإنه داخل في أذى المؤمنين والمؤمنات، بل في أذى الأمة جميعاً، فنحن نتأذى إذ نسمع أحداً يتكلم في أصحاب رسول الله ﷺ بأدنى شيء.
ومنها: أن النبي ﷺ قد قال فيهم في بيعة الرضوان كما ثبت في الصحيح: (لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة) وهم لا شك بأن عددهم كبير، ومن تعرض لهم بشيء فقد لمز أصحاب رسول الله ﷺ .
وروى ابن ماجة وابن أبي عاصم في السنة والإمام أحمد في فضائل الصحابة، عن نسرين بن ذعلوب، قال: سمعت ابن عمر ﵄ يقول: [لا تسبوا أصحاب محمد ﷺ فلمقام أحدهم ساعة خير من عمل أحدكم عمره] وكذلك نقلاً عن عائشة أنها قالت: [يا ابن أختي! أمروا أن يستغفروا لأصحاب رسول الله فسبوهم] ونقل عن ابن عباس ﵄ أنه قال: [لا تسبوا أصحاب محمد ﷺ فلمقام أحدهم ساعة مع النبي ﷺ خير من عمل أحدكم أربعين سنة] ويُروى أثر عن ابن المبارك وذكره ابن كثير رحمه الله تعالى أنه سئل: أيهما أفضل: عمر بن عبد العزيز أم معاوية بن أبي سفيان؟ فقال ابن المبارك: غبار في أنف معاوية مع رسول الله ﷺ خير من عمر بن عبد العزيز، ولعل هذا مبالغة في جعل السياج لأصحاب رسول الله ﷺ عظيماً، ومنازلهم كبرى.
стр. 125
منهج أهل السنة والجماعة في آل البيت
ثم قال شيخ الإسلام ﵀:
ومودة القربى بها أتوسل
المودة: هي المحبة، ويقصد المؤلف رحمه الله تعالى أن محبة قرابة النبي ﷺ (أتوسل بها) .
ولماذا أفرد القربى مع أنها داخلة في أصحاب رسول الله ﷺ ؟ الجواب: ذكرها تركيزاً عليهم؛ نظراً لأن لهم فضائل يتميزون بها عن سائر الصحابة ﵃ وأرضاهم، ولأن قرابة النبي ﷺ قد تُعرض لها باللمز وبالسخرية وبالسب وبالتهجم؛ خاصة من طائفة الخوارج الذين قدحوا في أصحاب رسول الله ﷺ .
القربى: يقصد بها قرابته ﷺ ، وهم أهل بيته المنوه بذكرهم في قوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى:٢٣] .
وقوله: (ومودة القربى بها) أي: بمحبة أهل البيت كلهم (أتوسل) أي: أتقرب إلى الله تعالى.
ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أن آل بيت النبي ﷺ لهم حقوق يجب رعايتها، فإن الله قد جعل لهم حقاً في الخمس، وحقاً في الفيء، وأعظم ما فيه أن الله أمرنا بالصلاة عليهم مع رسوله في كل صلاة نصليها، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
ألسنا نقول: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، في كل صلاةٍ نصليها ونقولها، وما من مسلم إلا ويقولها، مما يدل على فضلهم ومنازلهم التي لا تنطبق إلا على من استقام على دين الله تعالى وسار على منهاجه، وإلا فإن من قرابة النبي ﷺ عمه أبا لهب ومع ذلك ليس داخلاً في آل البيت، بل أنزل الله فيه قرآناً يتلى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد:١] ولم يستفد من تلك القرابة شيئاً.
وآل محمد ﷺ هم الذين حرمت عليهم الصدقة، وهكذا قال الإمام الشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهما، فإن النبي ﷺ قال: (إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لآل محمد) وقد قال الله فيهم ثناءً عليهم: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ [الأحزاب:٣٣] .
ولما رأى النبي ﷺ الحسن أو الحسين أخذ تمرة قال له النبي ﷺ : (كخ كخ) ثم قال النبي ﷺ : (لولا أن تكون من الصدقة لأخذتها، ثم قال: إن آل محمد لا تحل لهم هذه الصدقة، لأنها من أوساخ الناس) ولذلك وجب علينا محبة آل بيت النبي ﷺ .
ولقد ورد في المسانيد والسنن أن النبي ﷺ جاءه العباس وقال: (يا رسول الله! إن قريشاً تجلس في أنديتهم يتضاحكون، حتى إذا جئنا لم يحدثونا وجفونا، فقال النبي ﷺ مبيناً: والذي نفسي بيده، لا يدخلون الجنة حتى يحبوكم من أجلي) يقصد بهم قرابة النبي ﷺ .
ولذلك وجب علينا أن نحبهم ونجلهم ونعظمهم ونجعل لهم المنازل؛ لأن الله قد اصطفاهم، فقد ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ قال: (إن الله اصطفى بني إسماعيل، واصطفى كنانة من بني إسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى بني هاشم من قريش، واصطفاني من بني هاشم) صلوات الله وسلامه عليه، مما يدل أن لهؤلاء منازل يجب أن تحترم وأن ينزلوا منزلتهم التي دل عليها الكتاب والسنة.
стр. 126
من هم آل بيت النبي ﷺ
اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في المراد بآل بيت النبي ﷺ على أقوال: القول الأول: إن آل بيت النبي ﷺ هم الذين حرمت عليهم الصدقة، واختلف العلماء في المراد بالذين حرمت عليهم الصدقة: فقيل: إنهم بنو هاشم وبنو المطلب، وهذا هو قول الشافعي رحمه الله تعالى وهي إحدى الروايات عن الإمام أحمد.
وقيل: هم بنو هاشم خاصة، وهذا هو مذهب أبي حنيفة، والرواية الأخرى عن الإمام أحمد، وهو اختيار الإمام ابن القاسم صاحب مالك رحمه الله تعالى.
وقيل: إن الذين حرمت عليهم الصدقة هم بنو هاشم ومن فوقهم إلى بني غالب، فيدخل فيهم بنو المطلب، وبنو أمية، وبنو نوفل، ومن فوقهم إلى بني غالب، وهذا اختيار أشهب من أصحاب الإمام مالك ونقل عن غيره، وهذا بناء على أن الآل هم الذين تحرم عليهم الصدقة، ولكن الصحيح أن الذين تحرم عليهم الصدقة هم من ذكروا في قول الشافعي ومن وافقه وهم بنو هاشم وبنو المطلب ﵏ ورضي عنهم.
القول الثاني: إن آل بيت النبي ﷺ هم ذريته وأزواجه خاصة، وهذا نقله وحكاه ابن عبد البر في التمهيد، واستدل على أنهم أزواجه وذريته بما ورد عندنا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، وورد في بعض الأحاديث: اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته، وهذه صفة من صفات الصلاة على محمد، وهي صفة صحيحة ثابتة في الحديث، وذكروا في اللغة: أن آل الرجل هم أهل بيته، يدخل فيه أزواجه وذريته.
القول الثالث: ‘ن آل محمد ﷺ هم أتباعه إلى يوم القيامة، وقالوا: حكاه ابن عبد البر عن بعض أهل العلم، وهذا القول مروي عن جابر بن عبد الله، وذكره البيهقي عنه كذلك، وروي عن سفيان الثوري ﵀ ورضي عنه، واختاره بعض أصحاب الشافعي.
القول الرابع: إن آل بيت النبي ﷺ هم الأتقياء فقط من أمته، وقالوا: حكاه القاضي حسين والراغب وجماعة.
وأرجح هذه الأقوال أن آل بيت النبي ﷺ هم الذين تحرم عليهم الصدقة، وقد يدخل فيه القول الثاني: أزواج النبي ﷺ بظاهر الحديث، وله نوع من القوة بناءً على: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد.
أما فيما يتعلق بتحريم الصدقة وغيرها فلا شك أنه يدخل فيهم بنو المطلب وبنو هاشم، وبالنسبة لأتباعه فلا يدخلون، وبالنسبة للأتقياء فلا يدخلون تلقائياً.
стр. 127
منزلة آل البيت عند أهل السنة
عندنا في قول الله تعالى: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى:٢٣] وهناك آثار في بيان منازل هؤلاء الصحابة، ذكر ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية أثراً عن السدي، عن أبي الديلم، قال: لما جيء بـ علي بن الحسين ﵁ أسيراً -ولعله بعد مقتل الحسين ﵁ وأرضاه- فأقيم على درج دمشق، فقام رجل من أهل الشام من أعداء آل البيت فقال: الحمد لله الذي قتلكم واستأصلكم وقطع قرن الفتنة، فقال له علي بن الحسين ﵁: أقرأت القرآن؟ قال: نعم.
قال: أقرأت الـ (حم) ، يعني: السور المبدوءة بـ (حم) ؟ قال: قرأت القرآن ولم أقرأ هذه.
قال: أما قرأت قوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى:٢٣] .
قال: وإنكم لأنتم هم؟ قال علي بن الحسين: نعم، إننا لنحن الذين أمر الله بأن يحسن إليهم: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى:٢٣] كأنه يبين منزلته ﵁ وما يجب في حق آل بيته ﵃.
يقول الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى: ولا ننكر الوصاية بآل بيت النبي ﷺ ، والأمر بالإحسان إليهم واحترامهم وإكرامهم، فإنهم من ذرية طاهرة، من أشرف بيت وجد على وجه الأرض، ولا شك في ذلك أن آل بيت النبي ﷺ من أشرف بيت وجد على وجه الأرض.
فخراً وحسباً ونسباً، ولا سيما إذا كانوا متبعين للسنة النبوية الصحيحة الواضحة، كما كان عليه سلفهم كـ العباس وبنيه، وعلي وذريته رضوان الله عليهم أجمعين.
وقد وردت الوصايا بهم في حديث غدير خم، وهو أن الرسول ﷺ في خطبته في غدير خم قال: (إني تارك فيكم ثقلين: كتاب الله وعترتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض) وكذلك روى الإمام أحمد ﵀ ورضي عنه من حديث عبد الله بن الحارث عن العباس بن عبد المطلب، قال: (قلت: يا رسول الله! إن قريشاً إذا لقي بعضهم بعضاً، لقوهم ببشر -أو بوجه حسن- وإذا لقونا لقونا بوجوه لا نعرفها -كأنه لا تنشرح صدورهم لجلوسهم- فغضب النبي ﷺ غضباً شديداً، ثم قال: والذي نفسي بيده لا يدخل قلب رجل إيمان حتى يحبكم لله ولرسوله ﷺ .
ونجد أن النبي ﷺ كما روى الإمام البخاري من حديث ابن عمر ﵁، عن أبي بكر الصديق ﵁ قال: [ارقبوا محمداً ﷺ في آل بيته] وفي الصحيح أن الصديق ﵁ قال لـ علي: [والله لأن أصل قرابة رسول الله ﷺ أحب إلي من أن أصل قرابتي أنا] .
ونجد عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه تطبيقاً حياً لـ (ومودة القربى بها أتوسل) أنه لما أسلم العباس عم النبي ﷺ قال عمر بن الخطاب: [والله لإسلامك اليوم هذا أحب إلي من إسلام الخطاب] وهو والده ﵁ وأرضاه، ولما سئل عن السبب في ذلك قال: [لأن إسلامك أحب إلى رسول الله من إسلام أبي] فقدم محبة رسول الله ﷺ على محبة نفسه، وهذا يدل على ما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ من معرفة قدر آل محمد، ومن مودة آل بيت النبي ﷺ .
ولذلك قال ابن كثير: فحال الشيخين ﵄ هو الواجب على كل أحد أن يكون كذلك، ولهذا كانا أفضل المؤمنين بعد النبيين والمرسلين ﵃ وعن سائر أصحاب رسول الله ﷺ .
стр. 128
بيان قدر أصحاب الرسول ﵊
ثم قال شيخ الإسلام:
ولكلهم قدر وفضل ساطع لكنما الصديق منهم أفضل
ذكر المؤلف رحمه الله تعالى: (ولكلهم قدر) أي: لكل أصحاب رسول الله ﷺ قدر، والقدر في اللغة بفتح فسكون: وهو مقياس الشيء وضابطه، يقال: هذا له قدر أي: له مقياس وضابط، ولعله يقصد بها هنا المنزلة، ويقال: فلان له قدر عظيم أي: منزلة عظيمة؛ وذلك لوجود الدلائل على فضائل هؤلاء الصحابة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام:٩١] أي: ما عظموا الله حق تعظيمه، ولا عرفوه حق المعرفة.
ولهذا تجد النواصب والخوارج الذين يكفرون الصحابة المدعين لآل بيت النبي ﷺ محبة، فإن هؤلاء ما عرفوا قدر الصحابة ﵃ وأرضاهم.
قال: (ولكلهم قدر وفضل) قال في اللسان: الفضل والفضيلة معروف، والفضيلة ضد النقص، وكذلك ضد النقيصة، قيل: الفضيلة هي الدرجة الرفيعة في الفضل، ولا شك أن الصحابة لهم منازل يفوقون بها سائر الناس، وكم كانت النفوس تتمنى أن لو رأت أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ ، ولذلك قال النبي ﷺ : (يغزو قوم -أي: جيش- فيقال: هل فيكم من صحب رسول الله؟ فإذا قيل: فيهم فلان فتح الحصن بكامله) لما يعرفون من المنازل العليا لأصحاب رسول الله ﷺ ولمن سار على نهجهم.
قال:
ولكلهم قدر وفضل ساطع
قالوا: سطع يسطع سطعاً وسطوعاً، وقال في اللسان: أصلها من سطع، والسطيع كل شيء انتشر، فضل ساطع أي: واضح، ومنازلهم لا تخفى إطلاقاً، ولئن جهلناها نحن فإنها لا تجهل، فقد دونت ووجدت في كتاب الله وفي سنة رسوله ﷺ ، ولذلك قالوا: السطيع كل شيء انتشر أو ارتفع من برد أو غبار أو نور أو ريح، وكل هذه تدل على البروز والظهور، فالبرد والغبار والنور والريح ظاهرة واضحة، وأصحاب رسول الله ﷺ لهم المنازل العليا.
قال: ويقال للصبح: السطيع؛ لانتشاره ولإضاءته.
стр. 129
من مناقب الصديق ﵁
ثم قال الناظم ﵀:
لكنما الصديق منهم أفضل
قوله: الصديق: في القاموس: الصدق ضد أو نقيض الكذب، قال: وصدقه قبل قوله، وصدقه الحديث أي: أنبأه بالصدق، والصديق الدائم التصديق، ويكون في الذي يصدق قوله بالعمل، أي شخص يصدق قوله بالعمل يسمى صديقاً، وورد في القرآن: ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ [المائدة:٧٥] أي: مبالغة في الصدق.
وكذلك روي أن أبا بكر الصديق ﵁ وأرضاه سمي بـ الصديق بأثر ونص من السماء، وهذا الأثر قد رواه الحاكم والطبراني في الكبير لكن الحديث ضعيف لا يحتج به.
وذكروا السبب في تسميته صديقاً، وإن ذلك كان بعد حادثة الإسراء والمعراج، فإنه لقي في أثناء الطريق فقيل له: أما سمعت ما قال صاحبك؟ قال: وما قال؟ قالوا: إنه يدعي أنه صعد إلى السماء وذهب إلى بيت المقدس ورجع في ليلته، قال: لئن كان قد قال ذلك فقد صدق، أما إني أصدقه في أعظم من ذلك، أصدقه في خبر السماء.
أي: في الوحي وهو أعظم من قضية الذهاب إلى بيت المقدس أو الصعود إلى السماء، قالوا: فمنذ ذلك الحين سمي أبو بكر صديقاً.
ونقل إجماع أهل السنة والجماعة أن أبا بكر الصديق ﵁ هو أفضل الصحابة على الإطلاق، وقد ورد فيه آيات، وذكر المفسرون رحمهم الله تعالى في آيات أنها نزلت في أبي بكر كما في قوله تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى﴾ [الليل:١٧] قالوا: إنها نزلت في أبي بكر، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر:٣٣] كذلك، وبإجماع المفسرين أنه هو المعني في قوله في ثناء الله عليه: ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠] .
ولذلك نقل في كتب السير أن عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه قال: [لساعة من أبي بكر الصديق -يتمنى أن تكون له- خير لي من عمري أو من عملي كله، وذكر هذه الآية ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠]] مما يدل على فضل أبي بكر الصديق.
وقد أخرج الإمام أحمد وغيره عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: [خير الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر /W>] يقول الإمام الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى: وهذا متواتر عن علي بن أبي طالب، وذكر ابن تيمية رحمه الله تعالى في الفتاوي المصرية أنه روي عن علي بن أبي طالب من نحو ثمانين وجهاً، مما يدل على أنه متواتر عن علي بن أبي طالب.
أبو بكر الصديق له منازل عليا: أولها: أنه من أوائل من أسلم من الرجال ﵁ وأرضاه، وهذا فضل عظيم جداً، ولذلك ما جاءت الموازنة، بعض العلماء يقول: أول من أسلم أبو بكر، ولكن الذين جمعوا فقالوا: أول من أسلم من الرجال أبو بكر، وأول من أسلم من الموالي زيد بن حارثة، وأول من أسلم من الفتيان علي بن أبي طالب، وأول من أسلم من النساء خديجة بنت خويلد؛ لكي يجعلوا لكل واحد منهم فضلاً ومنزلة ﵃ وأرضاهم.
ثانيها: أنه أسلم على يديه ستة من العشرة المبشرين بالجنة أو أكثر من ذلك، فأسلم علي يديه: عثمان، وسعد بن أبي وقاص، وأبو عبيدة، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله وغيرهم من أصحاب رسول الله ﷺ .
له خصائص منها: جمع المصحف، وقيل: إنه ﵁ أول من جمع القرآن بعد وقعة اليمامة حين قتل عدد كبير من أصحاب رسول الله ﷺ ، وإن كان بعضهم يرى أن هذا نقد عليه ولكنهم من أجهل الناس، بل هذا من حفظ الله تعالى لدينه، وحفظ الله تعالى لما جاء عن الله وجاء عن رسوله بأن يسر الله هذا الرجل الصالح ﵁ وأرضاه بأن جمع القرآن مخافة أن يتفلت.
كان من أشد الناس تورعاً ﵁ وأرضاه، وقصته مشهورة في أنه ما كان يدخل في جوفه طعاماً حتى يسأل الغلام: من أين جئت به؟ وأكل ﵁ لقمتين وسأل الغلام: من أين؟ قال: ذاك مال تكهنت به في الجاهلية، وكانت النتيجة أن أدخل إصبعه ليخرجه، فقال له الصحابة: رويدك! هذا طعام قد ذهب، قال: والله لو لم يخرج إلا بروحي معه لأخرجته، فقاءه ﵁ تورعاً وتقوى.
ولاشك أنه ﵁ وأرضاه سمي بـ الصديق، وهذا لقب يتميز به على سائر الصحابة إطلاقاً، ولعل السبب في ذلك: ما وجد في قلبه من التسليم والتصديق لله ولرسوله ﷺ ، وما نقل أنه اعترض على رسول الله ﷺ أبداً في أمر أو مشورة أو خبر أو غيره، بل كلها التسليم والتصديق لله ولرسوله ﷺ .
ومن أعظمها أنه لما حدث خلاف بينه وبين عمر بن الخطاب ﵄، ولعل عمر بن الخطاب غضب على أبي بكر الصديق، وكان قد قيل: إن أبا بكر قد أخطأ على عمر، فندم أبو بكر الصديق وجاء يستسمح من عمر بن الخطاب ﵁، فلم يقبل منه عمر، فرجع أبو بكر الصديق ورآه النبي ﷺ وإذا بوجه أبي بكر قد تغير، فغضب النبي ﷺ على عمر وقام أمام الصحابة ﵃ جميعاً، معلناً لهم منزلة أبي بكر الصديق العظمى، فقال لهم: (هل أنتم تاركو لي صاحبي؟) أي: لا ينبغي لكم أن تتعرضوا له بشيء ولا أن تغضبوه فله المنازل العليا، ثم قال: (إني قلت: أيها الناس! إني رسول الله إليكم جميعاً فقلتم: كذبت وقال أبو بكر: صدقت) فبعدها جاء عمر بن الخطاب يستسمح ويقول: رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً، نظراً لأنه علم أن رسول الله ﷺ قد غضب، وهذا يدلنا على أن أبا بكر ﵁ كانت له المنازل العليا.
بل أعظمها أن النبي ﷺ كان لا يفقده صباحاً ولا مساءً، فقد كان أبو بكر ﵁ كان من ألصق الناس برسول الله ﷺ وأكثر الصحابة صحبة له، ولذلك قال الإمام الذهبي ﵁ وأرضاه: صحب أبو بكر الصديق النبي ﷺ من حين أسلم إلى حين توفي لم يفارقه لا حضراً ولا سفراً إلا في أمرٍ قد أذن فيه الرسول ﷺ له، كالحج والجهاد وغيره، وكذلك أنفق ماله كله في سبيل الله تعالى.
سأل بعض الأحبة، قال: إنك تترضى على بعض أئمة السلف، ونقول: قضية الترضي قد جعلت شعاراً لأصحاب رسول الله ﷺ ، لكن إذا مرت مروراً عرضياً فلا مانع من الترضي على بعض أئمة السلف، كالإمام أحمد، أو كشيخ الإسلام ابن تيمية أو غيره، لكن جعلها شعاراً فهي خاصة بأصحاب رسول الله ﷺ .
أبو بكر ﵁ وأرضاه أنفق ماله كله، فقيل: إن عمر بن الخطاب جاءته تجارة، فقسم ماله نصفين حين سمع أمر النبي ﷺ بالإنفاق في سبيل الله، وقال عمر: [قلت في نفسي: إني أغلب أبا بكر ﵁ في الإنفاق، فجئت بمالٍ عظيم وقدمته بين يدي رسول الله، وسألني النبي ﷺ : ما الذي تركت لأهلك؟ قلت: يا رسول الله، تركت لهم مثل الذي أعطيتك، قال عمر: وجلست أنتظر وإذا أبو بكر جاء بمال عظيم، وقدمه بين يدي رسول الله ﷺ ، وسأله الرسول: ما الذي تركت لأهلك؟ قال: تركت لهم الله ورسوله، أي: لم يَبْقَ عنده شيء من ماله، وما أنكر عليه النبي ﷺ أن أنفق ماله كله في سبيل الله، فقال عمر بن الخطاب: والله ما هممت أن أسبق هذا الرجل إلا سبقني] كأنه يريد أن يقطع الأمل كلياً في أن يفكر أحد أن يسبق هذا الرجل الصالح ﵁ وأرضاه.
وفي الصحيحين من حديث عمرو بن العاص ﵁، قال (قلت: يا رسول الله، أي النساء أحب إليك؟ قال: عائشة، ومن الرجال؟ قال: أبوها -أي: أبو بكر - قلت: ثم من؟ قال: عمر بن الخطاب /H>) .
وورد أن الواجب علينا أن نتعرف على شخصية هذين الكبيرين: أبي بكر وعمر؛ والسبب في ذلك أن لهم منازل عليا ﵄.
وقد ذكرنا في دروس مضت أن الحسن البصري لما سئل: أحب أبي بكر سنَّة؟ قال: بل فريضة! وكان الإمام مالك بن أنس يقول: كان السلف يعلمون أبناءهم حب أبي بكر وعمر كما يعلمونهم السورة من القرآن.
وأثنى النبي ﷺ على أبي بكر في قوله: (لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن صاحبكم -يقصد نفسه- خليل الله) .
وقد كانت له من المنازل العليا في المسابقة بالأعمال، ومرة سأل رس
стр. 130
التوسل بين المشروع والممنوع
نرجع إلى قول الناظم ﵀:
ومحبة القربى بها أتوسل
ونتطرق لقضية التوسل سريعاً، وخاصة ونحن في عصر كثر فيه التوسل برسول الله ﷺ ، وكثيراً ما يقول الناس: بجاه محمد، تجد أنه يسألك به.
стр. 131
تعريف التوسل
التوسل في اللغة: مأخوذ من الوسيلة، والوسيلة في اللغة: هي ما يتقرب بها إلى الغير، قال في القاموس: الوسيلة والواسلة هي: المنزلة عند الملك والدرجة والقربة، وقيل في الوسيلة: هي أن يعمل عملاً يتقرب به إلى الله تعالى.
والتوسل، في الشرع: هو التقرب إلى الله تعالى بطاعته، أي: اتباع ما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام، وبكل عمل يحبه الله ورسوله.
والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة:٣٥] والله يقول: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً * أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً﴾ [الإسراء:٥٦-٥٧] .
стр. 132
أقسام التوسل المشروع
لما كان التوسل نوع من العبادات، نقول: إن التوسل ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: التوسل المشروع، ويقصد به ما دل الكتاب والسنة على جوازه، وهذا لا شك أنه يجب علينا أن نعمل به؛ لأنه من العبادة التي نعبد لله بها.
القسم الثاني: التوسل الممنوع، وهو ما لم يدل عليه الكتاب والسنة.
والتوسل المشروع ثلاثة أقسام: القسم الأول: التوسل إلى الله تعالى بأسمائه وصفاته، ودليله قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠] كأن تقول: اللهم أنت السميع الذي تسمع كل شيء، اللهم أنت المدبر لهذا الكون والمصرف له، اللهم إن لك الأسماء الحسنى، والصفات العلى، أسألك بكل اسمٍ هو لك، سميت به نفسك إلخ.
ولعل من التوسل أن تقدم شيئاً قبل أن تطلب ما تريد، فإذا قلت: اللهم إن لك الأسماء الحسنى والصفات العلى، وأنت الذي تدبر هذا الكون، أسألك بكل اسمٍ هو لك إلى الآن هذا توسل، فإذا قلت: ارزقني الهداية، وثبتني على صراطك، وارزقني ذرية صالحة إلى غيره، فذلك هو المطلوب، فقدمت مقدمة من أسماء الله وصفاته قبل أن أنطلق أطلب حاجتي ولذلك يقول الله: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف:١٨٠] .
ونجد من الأدلة على ذلك قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ﴾ [إبراهيم:٣٨] ثم جاء بعدها في دعاء إبراهيم: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾ [إبراهيم:٤٠] جاء قبل ذلك بمقدمات من أسماء الله وصفاته، وهذا يعتبر من أعظم الوسيلة التي نتقرب إلى الله تعالى بها.
القسم الثاني: التوسل إلى الله تعالى بالعمل الصالح الذي يقدمه الإنسان في الحياة الدنيا، ولذلك فإن من الأعمال الصالحة التي نقدمها في الحياة الدنيا كثيرة مثل: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾ [آل عمران:١٩٣] أليس الإيمان عمل؟ بل هو عمل، ثم جاء بعدها الدعاء، مثل أعمال صالحة تقدمها وقد دل عليها الكتاب والسنة، فمثلاً: نحن صلينا الصلاة، فتقول في الصلاة: اللهم إني يا رب قمت بين يديك، وأديت هذه العبادة، وركعت لك وسجدت استجابة لما جاء في كتابك وسنة رسولك، اللهم إني أعمل الصالحات في هذه الحياة الدنيا بعدها: ارزقني، اعطني، وفقني، ثبتني على صراطك، فأقدم أعمالاً صالحة.
ومن أعظم الأدلة على ذلك في سنة النبي ﷺ ما حصل من التوسل بالثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة، فإنهم قدموا أعمالاً صالحة في هذه الحياة الدنيا، فأحدهم توسل ببره لوالديه، والثاني: توسل بتركه للزنا، والثالث: توسل بتنمية مال الأجير.
ولعلي أقف وقفة لطيفة هنا في قضية بر الوالدين، فإن هذا الرجل له أعمال صالحة كثيرة، وهم كانوا في مسير، وأووا إلى غار، ولعلهم أرادوا أن يستظلوا من الشمس، أو يناموا فيه، فانطبقت عليهم صخرة من أعلى الغار، وبعدها دفعوها بأيديهم فلم يستطيعوا، فما كان منهم إلا أن جلسوا ينتظرون الموت، ثم بعد ذلك قال أحدهم: إنه لا منجي لكم إلا الله، فإني أرى أن يتوسل كل واحدٍ منكم بأحسن عمل قدمه في هذه الحياة الدنيا، تعبد لله تعالى فيه.
فذاك توسل ببره بأبويه، فقال: ما كنت أغبق أحداً قبلهما، فذكر من الفضائل العظيمة أنه ما كان يعطي أحداً اللبن قبل أن يعطي والديه أبداً، وتأخر عليهم ليلة من الليالي، فلما جاء وجد والديه قد ناما، وصبيته يريدون اللبن ولم يعطهم إياه أبداً ولم يقدمه لهم، بل جلس واقفاً ينتظر، وتأخر ساعات طوال وصبيته يتضاغون يبكون تحت قدمه فما أعطاهم شيئاً، وعندما استيقظ والداه سقاهما، ثم بعد ذلك سقى صبيانه ثم قال: اللهم إن كنت قد عملت هذا العمل ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه.
وهذا يدل على أن الواجب على المسلم أن يحسن إلى والديه: بالنفقة، وبالكلام الطبيب، وبالابتسامة، وبالجلوس بين أيديهم إلى غيره، ونحن نعلم أنه قد روى الإمام مسلم بلاغاً، قال: وبلغنا أن أبا هريرة ﵁ ما ذهب للحج إلا بعد أن ماتت أمه، براً بها؛ نظراً لأنها كانت كبيرة السن، وتحتاج إلى شيء من الجلوس عندها.
كثير من المسلمين لا ينظرون لحقوق الوالدين شيئاً، وتجد أن الإنسان يسافر إلى مكة، وينطلق إلى هنا وهناك ويخرج ووالدته تأمره بالجلوس، بل إن بعضهم قد يسافر إلى مكة أيام رمضان ولا يعبأ بوالدته تحتاج إلى أن يوصلها أو إلى أن يزور بها، أو إلى إحسان إليها، أو إلى نفقة أو غيره، وقد تقول له: لا تذهب فلا يصغي لها، ولا شك أن هذا من الخطأ والجهل، فهؤلاء مساكين ما علموا أنهم بتعبدهم وذهابهم إلى مكة قد أخذوا بالمفضول مع تركهم للفاضل، فبقاء الإنسان عند والديه أعظم أجراً وأفضل عند الله من حج النافلة، ومن عمرة النافلة، بل أفضل نوافل العبادات كلها، نجد أن بر الوالدين من الواجب علينا أن نحرص عليه أشد الحرص، فهؤلاء لما توسلوا بأعمالهم الصالحة فرج الله عنهم ما هم فيه، وأزال ما هم فيه.
القسم الثالث: من التوسل المشروع: التوسل إلى الله تعالى بدعاء الصالحين، وقد أخذ به إخوة يوسف، فإنهم قالوا: ﴿يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾ [يوسف:٩٧] وقال يعقوب: إنه سيستغفر لهم ربه، وأنه هو الغفور الرحيم.
ومنها: قصة العباس عندما كان مع عمر بن الخطاب، فإن عمر كان يقول: اللهم إنا كنا نتوسل بنبينا، وإنا الآن نتوسل بعم نبينا، قم يا عباس فاستسق لنا، فقام العباس ﵁ فاستسقى للصحابة فسقوا، وذلك في عام الرمادة.
стр. 133
شرح لامية شيخ الإسلام ابن تيمية (الدرس التاسع)
فضل العلم عظيم ونفعه عميم، ولطالبه مراتب ينبغي أن يتنقل فيها ولا يجافيها، بذلك بدأ الشيخ هذا الدرس، ثم أتبعه بأبيات متعلقة بعقيدة أهل السنة في صحابة الرسول وآل بيته واعتقادهم في القرآن، وبعض المسائل المفيدة المتعلقة بنوعي التوحيد (الألوهية والربوبية) .
стр. 134
الأولوية في طلب العلم لحفظ القرآن
الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قبل أن أتكلم عن أنواع التوسل البدعي لعلي أن أنبه إلى أدب لطيف من آداب الطلب، وقد يكون غريباً على عدد من الأحبة، ولكنه في كتب السلف لا يعتبر غريباً.
نبهنا سابقاً إلى أنه ينبغي لطالب العلم أن يهتم بتعلم العلوم ويبدأ بالأهم فالأهم، ولو سُئل الجميع: ما أهم شيء يطلبه طالب العلم؟ ستجدنا أول ما نقول: أن يهتم بالعقيدة، ثم بالحديث ثم ثم وهكذا، ولكننا نجد جمعاً من أئمة السلف رحمهم الله تعالى ذكروا أن أهم ما يبدأ به طالب العلم حفظ القرآن، فقد ثبت في صحيح البخاري عن النبي ﷺ ، عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: (حدثنا رسول الله ﷺ حديثين، رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر، حدثنا أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، ثم علموا من القرآن ثم علموا من السنة) يقول الإمام الحافظ ابن حجر: قوله: (ثم علموا من القرآن ثم علموا من السنة) فيه إشارة إلى أنهم كانوا يتعلمون القرآن قبل أن يتعلموا السنن، والمراد بالسنن: ما يتلقونه عن النبي ﷺ واجباً كان أو مندوباً.
ولقد سئل الإمام أحمد رحمه الله تعالى حيث قال الميموني: سألت أبا عبد الله: أيهما أحب إليك أبدأ ابني بالقرآن أم بالحديث؟ فقال له: بالقرآن، قلت: أعلمه كله؟ -أي: أعلمه كل القرآن؟ - قال: إلا أن يعسر عليه.
إذا لم يستطع حفظ القرآن فلا مانع أن تجمع بين القرآن وبين سنة النبي ﷺ .
يقول ابن مفلح ﵀ في آدابه الشرعية: وعلى هذا أتباع الإمام أحمد إلى زماننا هذا، من عهد الإمام أحمد إلى زمان ابن مفلح وهم يجعلون القرآن هو الأصل في قضية التعلم.
يقول محمد بن الفضل: سمعت جدي يقول: استأذنت أبي في الخروج إلى قتيبة لطلب العلم، فقال: اقرأ القرآن أولاً حتى آذن لك، أي: حتى آذن لك أن تطلب العلم، قال: فاستظهرت القرآن، أي: حفظته عن ظهر قلب، فقال لي: امكث حتى تصلي به الختمة، أي: حتى تختم به في صلاة التراويح، يقول: ففعلت، فلما عيدنا -انتهينا يوم العيد- أذن لي بالخروج إلى مرو لطلب الحديث، مما يدل على أن البداية هي بكتاب الله تعالى.
وكذلك نقل عن أبي عمر بن عبد البر رحمه الله تعالى في جامع بيان العلم وفضله، قال: طلب العلم درجات، ومنازل ورتب لا ينبغي تعديها، أي: كأنه برنامج معين ينطلق به طالب العلم من هنا ثم يترقى به، ثم قال: ومن تعداها جملة فقد تعدى سبيل السلف ﵏، أي: من لم يأخذ بالطرق التي بينها له سلف الأمة فإنه يأتي بمنهج لم يُعرف، وقال بعدها: من تعدى سبيلهم عمداً ضل، أي: من قال: أنا لا أحتج بكلامهم ولا أقبل منهم ضل ولم يعرف طريق الطلب أصلاً، ومن تعداها مجتهداً زل، بعض الناس يقول: أنا لا أرى هذا الرأي ولا غيره، قال: زل فلم يكن على الجادة التي كان عليها هؤلاء السلف، ثم قال: فأول العلم حفظ كتاب الله تعالى وتفهمه، وكل ما يعين على فهمه فواجب على طالب العلم أن يطلبه.
ثم قال ﵀: ولا أقول: إن حفظه واجب فرض، بمعنى: أنه يأثم من ترك حفظ القرآن، ولكن أقول: إن ذلك واجب ولازم على من أحب أن يكون عالماً أن يحفظ كتاب الله تعالى، ولكنه ليس من الواجبات والفرائض التي يأثم الإنسان بتركها، ثم قال: فمن حفظه قبل بلوغه ثم فرغ إلى ما يستعين به على فهمه باللسان العربي، كان ذلك عوناً له كبيراً على مراده من طلب العلم، وعوناً له على ضبط سنة النبي ﷺ .
كتب عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه إلى الآفاق قائلاً لهم أن يتعلموا السنة والفرائض واللحن -أي: النحو- كما يتعلم القرآن.
قال الإمام النووي في مقدمة كتابه المجموع: وينبغي أن يبدأ من دروسه على المشايخ في الحفظ والتكرار والمطالعة بالأهم فالأهم، ثم قال: وأول ما يبدأ به حفظ القرآن العزيز، فهو أهم العلوم، وكان السلف لا يعلمون الحديث والفقه إلا لمن حفظ القرآن، وإذا حفظ قالوا: فليحذر من الاشتغال عنه بالحديث والفقه وغيرهما اشتغالاً يؤدي إلى نسيان شيء منه أو تعرض القرآن للنسيان، ثم ذكر بعد ذلك ما ينبغي لطالب العلم أن يحرص عليه.
وذكر كذلك الإمام ابن الجوزي في كتابه صيد الخاطر مقدمة عن العلم وأهميته، ثم ذكر فيها، قال: فإذا علم العاقل أن العمر قصير، وأن العلم كثير، قال: فقبيح بالعاقل الطالب لكمال الفضائل أن يتشاغل مثلاً بسماع الحديث ونسخه ومتعلقاته وغيره ثم لا يحفظ القرآن.
ونختم بكلام للخطيب البغدادي ﵀ في كتابه الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، قال: وينبغي لطالب العلم أن يبدأ بحفظ كتاب الله ؛ إذ كان أجل العلوم وأولاها بالسبق والتقديم، أي: أنه أهم ما يبدأ به طالب العلم.
ولست بصدد كيفية قراءة وحفظ القرآن وآدابه ومتعلقاته، فهذا له وقت آخر، لكني أحببت أن أنبه على الأدب الذي هو أنه ينبغي لكل شخص منا أن يكون حريصاً على حفظ القرآن، وأن يجعله هو الأصل والقاعدة التي ينطلق منها.
وقد ذُكر أن بعض مشايخنا وليسوا من المعاصرين ولكنهم قد توفوا ﵏، وأظن أن من أقربهم هو مفتي هذه الديار الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀، فإنه كان إذا جاء الطالب يريد أن يطلب العلم لديه سأله: أحفظت القرآن أم لا؟ فإن كان حافظاً أجلسه مع الطلاب، وإن لم يكن حافظاً قال: انطلق فاحفظ القرآن ثم تعال فاجلس مع إخوانك من طلاب العلم، وهذا أدب كان يحرص عليه السلف، وينبغي أن يكون نصب أعيننا، وأن نجاهد النفس في تحصيل حفظ كتاب الله تعالى.
стр. 135
أقسام التوسل الممنوع
ذكر العلماء أن التوسل الممنوع محرم، وحرمته تتراوح بين درجات قد يصل بعضها إلى كفر الإنسان، وقد يكون بعضها من الأمور المبتدعة، فمن توسل بالأصنام لأجل أن تشفع له عند الله فلا شك في كفره وردته، لكن التوسل الذي وقع الخلاف فيه هو ثلاثة أنواع: الأول: التوسل بذوات الأشخاص، وهو أن يقول الإنسان: اللهم إني أتوسل إليك بفلان، ويقصد به ذاته، أي: ذات هذا الشخص، كصاحب عبادة أو صلاح أو استقامة، أو دعوة مستجابة، أو أعمال صالحة إلى غيره، فيأتي يقول: اللهم إني أتوسل إليك بفلان أن تغفر لي، أو أتوسل إليك بفلان أن تجيب دعوتي إلى غير ذلك، وهذا التوسل لا يجوز، بل هو من التوسل البدعي المحرم.
التوسل الثاني: التوسل بجاه فلان أو حقه.
والجاه: هي المنزلة، أو أن يكون لهذا الشخص حق عند الله تعالى، ولذلك يتوسل بحق هذا الشخص وبمنزلته، كأن يقول: بجاه محمد، تجد بعض الناس اعتادوا هذه الكلمة، فيريد أن يطلب منك، فكأنه يعظم هذا الأمر في نفسه وفي نفسك، ويقول: بجاه محمد لا تردني عن هذا الطلب.
فنقول: هذا من التوسل البدعي المحرم الذي لا يجوز، والجاه: هي المنزلة والحق والمكانة، وهذا الأمر ليس جائزاً عندنا أبداً.
القسم الثالث: الإقسام على الله بالمتوسل به، وهو أن يقول: اللهم إني أقسم عليك بفلان أن تقضي حاجتي، وهذا لا شك أنه لا يجوز؛ لوجود الأمر الأول وهو أنه حلف بغير الله تعالى، والرسول ﷺ يقول: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك) والأمر الثاني: أنه توسل بدعي لا يجوز شرعاً إطلاقاً.
والأدلة على بيان أن هذا الأمر غير جائز، نحن نتساءل: حين ذكرنا سابقاً وقعدنا أن التوسل هو تقرب إلى الله، والأشياء التي نتقرب بها إلى الله هي نوع تعبد، والأصل في العبادات التوقيف ولابد من نص، فهذا الآن كأنه يتعبد إلى الله تعالى بشيء لم يوجد عليه دليل من كتابٍ ولا سنة، هل يوجد نص يدل على جواز التوسل بالذات أو بالمكانة أو الجاه أو بالشخص أو الإقسام؟ لا، وبناءً عليه نقول: هذا التوسل بدعي.
الأمر الثاني: أننا لا نجد أحداً من الصحابة ﵃ وأرضاهم كانوا يعملون مثل هذا العمل، ونجد أن الرسول ﷺ لما ذكر الفرقة الناجية قال: (من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي) ربطنا بالصحابة ﵃؛ لأنهم أعظم مثال لتطبيق هذا الدين، فإذا لم يأتِ نص من كتاب ولا سنة، ثم إنه كذلك لا يوجد له من فعل الصحابة شيء، دل على أنه محدث، كما أننا نقول في قضية: أسألك التوسل سواء بالذات أو بغيره كأن تقول: بهذا الشخص أعطني، فما الرابطة بين دعائك وبين ذات الشخص، أو بجاهه ومنزلته، كون الإنسان له منزلة عند الله تعالى كمحمد ﷺ والأولياء والصالحين فلهم منازل عند الله، ما وجه الرابطة بين سؤالك وبين منزلتهم؟ لا رابطة بينهما أصلاً.
لكن لو جاء إنسان وقال: اللهم إنك تغفر لأوليائك وتعفو عنهم وتعطيهم الجنات العليا، اللهم إني أسألك أن تعطيني أجراً وثواباً وتغفر لي، فهذا جائز؛ لأنك أخبرت بفعل لله تعالى، وكأنك قدمت شيئاً من أسماء الله وصفاته وهذا أمر مشروع، فدل على أن التوسل البدعي هي الأنواع الثلاثة.
السؤال هنا الذي يأتي: عندما قال المؤلف ﵀:
ومودة القربى بها أتوسل
هذا التوسل من أي أنواع التوسل؟ الجواب: من التوسل الجائز، توسل بالعمل الصالح مثلما تقول: اللهم إني أحب أولياءك وأحب دينك، وأحب ما جئت به من شرعك فاغفر لي، مثلما نقول: نحن نحب هؤلاء الصالحين، ونحب رسولك، ونحب قرابة نبيك ﷺ ، فنسألك أن ترزقنا بهذه أجراً وثواباً من عند الله تعالى.
стр. 136
حكم سب الصحابة
قبل أن نختم مسألة الصحابة أومئ إيماءة سريعة في قضية: ما حكم من سب أحداً من الصحابة؟ هل يكفر؟ هل يقتل؟ هل يعتبر مبتدعاً؟ هل يعزر أو غيره؟
стр. 137
حكم سب زوجات النبي ﷺ
بالنسبة لزوجات النبي ﷺ ، فقضية عائشة ﵂ جعلت مفاصلة، فمن تعرض لـ عائشة ﵂ واتهمها بما برأها الله منه فلا شك في ردته وخروجه من الإسلام، والسبب في ذلك: لأن الله أنزل في براءتها عشر آيات في سورة النور، وبين الله : ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ [النور:٢٦] كأنه بيان أن رسول الله ﷺ طيب فلم تكن عنده زوجة إلا طيبة، ومن قدح فيها كأنه قدح في محمد ﷺ ووصفه بالنقص، بل كذب الله ورسوله.
وجاءت مسألة: من قدح في إحدى زوجات النبي ﷺ ، فإن كان تعرض لمسألة العرض فهذا لا شك أن كالقدح في عائشة ﵂ وأرضاها، وهذا قد أومأ إليه جمع من العلماء رحمهم الله تعالى كـ ابن حزم وكـ الخرشي في شرحه على مختصر خليل، وكذلك ابن قدامة في المغني، وكذلك في شرح إعلاء السنن وغيره والقاضي عياض نقل عن الباقلاني وجمع، والخطيب البغدادي، ذكروا فيما يتعلق بزوجات النبي ﷺ أن لهن المنازل العليا.
стр. 138
حكم تكفير جميع الصحابة
مسألة: إذا سب أصحاب رسول الله ﷺ جميعاً وحكم بارتدادهم وبكفرهم، قالوا: فإن هذا يعتبر ردة عن الإسلام، والسبب: أن الله أثنى عليهم في غير ما آية: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح:١٨] وشهد لهم بجنات عدن في غير ما آية، وشهد لهم المصطفى ﷺ بجنات عدن، فكأنه مكذب لله ولرسوله ﷺ ، ذكروا هذا في مسألة الردة.
стр. 139
حكم وصف الصحابة عموماً بالصفات الذميمة
مسألة: إذا اتهم الصحابة بالصفات الذميمة، وقال: إن أصحاب محمد جبناء، وبخلاء، ووصفهم بصفات النقص بالجملة، قالوا: هذه ردة، ولذلك لما ذكر الله تعالى عن حال المنافقين، لما قالوا: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء، أرغب بطوناً، ولا أجبن عند اللقاء، كأنهم يقولون: إذا جاءت الموائد هم أسرع الناس، وإذا جاءت المعارك هم أجبن الناس، فأنزل الله فيهم: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥-٦٦] ولعل السبب في ذلك: أن الله بين في كتابه أنه رضي عنهم، ووصفهم بصفات عظيمة جداً في عبادتهم وشجاعتهم وجهادهم وتضحيتهم وبذل أموالهم ﵃ وأرضاهم، فمن لمزهم وسخر منهم أو انتقصهم على وجه العموم فكأنه بهذا يكون مكذباً لله ولرسوله ﷺ .
هناك نصوص كثيرة في مسألة القدح في الصحابة، ذكر العلماء النقود التي نقد بها أصحاب رسول الله ﷺ نجعلها على أقسام: القسم الأول: التعرض لأصحاب رسول الله ﷺ أو أحدهم قالوا: وهذا لا يخلو من أمور متعددة: الأول: الشتم له، وهذا لا شك أنه يعتبر شتم واحد من الصحابة، كأن يقول: فلان بخيل، فلان ليس بكريم، أو عنده صفة الجبن صحابي، فهذه كبيرة من الكبائر.
لكن إذا حكم بها على الصحابة جميعاً فهذا يعتبر كفراً، والسبب: لأنه تكذيب للنصوص الواردة.
قالوا: وإن كان التعرض له بدينه، أي: تعرض للصحابة ﵃ بالدين سواء بالكفر أو النفاق أو الردة، فلا يخلو إما أن يكون هذا الصحابي ممن شهد له النبي ﷺ بجنات عدن، قالوا: هذه ردة عن الإسلام، لكن إذا كان رماه بالموبقات وبالمعاصي، ولم يكن ممن شهد له النبي ﷺ بجنات عدن، فهذا يعتبر كبيرة من كبائر الذنوب.
القسم الثالث: إذا تعرض لجمهور الصحابة ﵃ وأرضاهم، فهذه المسألة للعلماء فيها أقوال، فمن العلماء من يكفره، ومن العلماء من لا يكفره، لكن الأظهر أن من تعرض لأصحاب رسول الله ﷺ على الإطلاق فإنه يكفر، ولهذا ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في منهاجه: أن من تعرض لأصحاب رسول الله ﷺ وقال: إنهم ارتدوا ما عدا ثلاثة أو غيره، فإن هؤلاء يعتبرون كفاراً؛ لأنهم كذبوا الله ورسوله ﷺ ، هذا ما يتعلق بما ينبغي علينا تجاه الصحابة ﵃.
стр. 140
مناسبة ذكر القرآن بعد الكلام على الصحابة
ذكر المؤلف رحمه الله تعالى مسألة القرآن فقال:
وأقول في القرآن ما جاءت به آياته فهو القديم المنزل
وجميع آيات الصفات أمرُّها حقاً كما نقل الطراز الأول
وأرد عهدتها إلى نقّالها وأصونها من كل ما يُتخيل
بعد أن بين شيخ الإسلام رحمه الله تعالى منزلة الصحابة وأنهم يحبون جميعاً، وأن قرابة النبي ﷺ لهم المنازل العليا، وبين أن أصحاب رسوله ﷺ لهم منازل ورتب كما أن الرسل عليهم الصلاة والسلام فضل الله بعضهم على بعض: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة:٢٥٣] فكذلك أصحاب رسول الله ﷺ لهم مراتب ومنازل، ثم بين أن أعلاهم: أبو بكر الصديق ﵁، وقلنا في منازل الصحابة أن أفضلهم على الإطلاق أبو بكر ثم الخلفاء الثلاثة، ثم العشرة المبشرون بالجنة، ثم أهل بدر ثم أهل بيعة الرضوان، ثم أهل أحد، ثم من شهد له الرسول ﷺ بجنات عدن ما عدا العشرة المبشرين بالجنة، ثم من لهم سابقة إلى الإنفاق ومن أسلم من بعد ﵃ وأرضاهم.
ثم انتقل شيخ الإسلام رحمه الله تعالى إلى قضية التوحيد، فإنه قعد لنا قاعدة في الصحابة، وذكرنا السبب في ذلك؛ لأن الصحابة هم نقال هذا الدين؛ ولأن مسألة الصحابة هي من أوائل المسائل التي حدث الخلاف فيها، ولذلك كانت نواتها في عهد عثمان ﵁ وفي عهد علي بن أبي طالب ﵁ وغيره.
ثم انتقل الآن إلى مسألة التوحيد وربطنا بمسألة القرآن، والقرآن هو كلام الله تعالى، قبل أن نتكلم على قضية القرآن أود أن أذكر: لماذا ذكر القرآن بعد قضية الصحابة؟ نقول: القرآن هو كلام الله تعالى، وتعتبر مسألة الكلام من أعظم المسائل التي وقع الخلاف فيها، بل هي من أكبرها، ووقع النزاع فيها، ووقعت الفتنة بها في القول بخلق القرآن، حيث قامت المعتزلة بفتنة عمياء وأوذي عدد كبير من أئمة أهل السنة بسببها.
ولذلك تميز الإمام أحمد بموقفه ﵁ ورحمه من هذه الفتنة العظيمة، وكانت من المسائل التي تقتضي المفاصلة، كما أن من مسائل المفاصلة عندنا الصحابة ﵃، فإذا أردت أن تعرف هل هذا سني أم مبتدع فانظر موقفه من الصحابة، فإن كان يقدح في آل بيت النبي عرفت أنه خارجي، وإن كان يقدح في أبي بكر وعمر عرفت أنه رافضي، وهكذا نفس مسألة الكلام، فإنك إذا علمت أنه قال: القرآن مخلوق، عرفت أنه معتزلي، أو قال: إن القرآن كلام نفسي عرفت أنه أشعري، وسيأتي ذكر شيء من الأقوال.
وقبل أن ننطلق إلى مسألة الكلام أومئ إيماءة سريعة جداً إلى أقسام التوحيد:
стр. 141
مسائل متعلقة بتوحيد الربوبية
ذكرنا سابقاً أن أقسام التوحيد ثلاثة: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات.
وسوف نذكر توحيد الربوبية ونأخذ فيه ثمانية عناصر:
стр. 142
تعريف الربوبية في اللغة والاصطلاح
العنصر الأول: في تعريف الرب: الرب في اللغة له معانٍ، يقتضي المالك، والمتصرف، والمدبر، والسيد، ولفظ الرب لا يطلق على الإله وحده، ولذلك قال جد النبي ﷺ : أنا رب الإبل وللبيت رب يحميه، ولذلك يقال للإنسان: هذا فلان رب أسرة.
أما في الاصطلاح: فيأخذ معنى التنشئة والنمو، ولذلك يقال: هذا يربي أسرة أي: ينميها، ويقال: هذا يربي غنماً وهذا يربي دجاجاً وهذا كذا، أي: يحرص على تنشئتها وتنميتها، والإحسان إليها وإطعامها وغير ذلك.
أما تعريفه في الاصطلاح: فهو إفراد الله بأفعاله، أي: بأفعال الرب ، وقوله: أفعاله لتشمل جميع أفعال الله تعالى: الخلق الرزق الإحياء الإماتة التدبير ومنهم من يعرفه فيقول: هو الإقرار والاعتراف بأن الله هو الخالق الرازق المدبر المصرف لهذا الكون وحده لا شريك له، بمعنى: أنه لا يشركه في أفعاله أحد أبداً، الإحياء لا يشركه فيها أحد، الإماتة لا يشركه فيه أحد، الرزق لا يشركه فيه أحد، التصريف في هذا الكون لا يشركه فيه أحد أبداً، فمن أوجد شريكاً مع الله في ربوبيته لم يكن موحداً لله تعالى.
стр. 143
أدلة توحيد الربوبية
أدلة الربوبية كثيرة جداً في القرآن، بل إنها من الأمور التي يشعر بها الإنسان في ذاته، وقد دل عليها الكتاب والسنة والفطرة والعقل، والأعرابي في الجاهلية يقول: البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، أفلا يدل على اللطيف الخبير؟! نقول: بلى.
وقال الشاعر:
وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد
بل نجد أعظم من ذلك أن الله قد أعطانا لفتة فقال: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١] في نفسك أنت فقط تعرف أنك لا تستطيع شيئاً، ولهذا لو نظر الإنسان إلى مثال بسيط، من يزور مثلاً أصحاب مرض الكلى، تجده يدخل جهازاً ضخماً جداً ويجلس أربع ساعات من أجل أن يغسل، ومع ذلك في جوفه قطعة لحم صغيرة جداً تقوم بهذه المهمة كاملة: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١] .
ومن اللطائف في قضية العقل، أن العقل مليء بالخلايا، وهذه الخلايا مخزونة بأشياء عجيبة جداً فمثلاً: تجد أن الإنسان وهو جالس يستذكر حدثاً منذ عشرين سنة مباشرة، ويتصوره مباشرة، كأنها أشرطة، قالوا: فلو أريد أن يركب في عقل، أي: يؤتى عن طريق الكمبيوتر الآن مثلما يعمله عقل الإنسان، قالوا: وجدوا أن شرائح الاسطوانات يمكن أن تملأ الكرة الأرضية في حجمها، فتجد الإنسان وهو جالس يسمع كلمة مباشرة يبتسم، يسمع كلمة يبكي، يسمع كلمة يتغير يغضب، انفعالات سريعة جداً، لكن إذا طلبت -مثلاً- جهاز كمبيوتر يحتاج يقول: انتظر الآن الجهاز يرد، الإنسان سريع سبحان الله العظيم: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١] .
إذاً: هذا دليل على قضية الربوبية، وأدلته في القرآن: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [العنكبوت:٦١] ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً﴾ [نوح:١٠-١٢] إلى غيرها، وما كانت كفار قريش تقول: إن آلهتها هي التي تحيي وتميت، ولا تقول: إن آلهتها هي التي تدبر هذا الكون.
ذكروا من الأدلة العقلية دليلاً عقلياً على ربوبية الله تعالى، ومن الأدلة ما أومأ إليه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور:٣٥] هل أنت خلقت من غير شيء؟ ستجد الإجابة معروفة: أنني خلقت من شيء.
أم أنا الذي خلقت نفسي؟ أعرف بأني لم أخلق نفسي.
لم يأتِ الجواب، كأنه يريد أن تستنتج هذا أنت بعقلك، فتعرف بأن الخالق لك هو الله وحده لا شريك له.
ذكروا قصة مشهورة عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى، أنه جاءه بعض الملاحدة، وكانوا ينكرون الرب، فقال: دعونا من مسألة الرب، أي: كونه موجوداً أو غير موجود، أريد أن أسألكم سؤالاً، وكان في العراق ﵀، قال: هناك سفينة على نهر دجلة تأتي إلى طرف الشاطئ وتحمل البضائع بدون أن يكون لها ربان، أي: قائد لها، ثم تنزل البضائع في الشاطيء من الجهة الأخرى وترجع دون أن يكون معها أحد، قالوا: هذا أمر مستحيل ولا يمكن تصديقه، قال: سبحان الله! سفينة صغيرة، وفي شواطئ نهر فقط، ويستحيل هذا الأمر، كيف بالكون كله، فبهتوا وأقروا بأن الله هو المدبر لهذا الكون وحده لا شريك له.
ويضربون أمثلة على توحيد الربوبية وتفاصيله وغيره، كقول بعض الشيوعيين والدهريين والطبائعيين وغيرهم إن الأمر حدث بالصدفة، ولا يمكن أن يكون له إلهٌ ولا ربٌ، وهذا كلام باطل، ولهذا ضربوا بمثالين لطيفين: قالوا: لو قلنا بقضية الصدفة، فلو جئنا مثلاً بقرد وأعطيناه آلة كاتبه، ثم قلنا للناس: ضرب هذا القرد على الآلة الكاتبة، فأخرج لنا رسالة عظيمة جداً ولطيفة في مسائل في علمٍ من العلوم، قالوا: لا يمكن أبداً، كيف يكتب الحروف ويصيغها؟ قلنا: صدفة، قالوا: لا نصدق، قلنا: سبحان الله!! الكون كله تقولون: صدفة بنظامه، وله مئات السنين بل آلاف السنين، والله قد جعل له سنناً كونية باقية فيه، تقولون: إنه صدفة، وهذا القرد لا يمكن أن يكتب صدفة، فدل على نقص عقولهم.
ومن اللطائف الأخرى، قالوا: حدث أن مطبعة انفجرت، فطارت الحروف والأوراق ولصقت بالورقة وأخرجت لنا رسالة أو قصيدة جميلة جداً، وهذا حدث صدفة، قالوا: لا يمكن أبداً، فيقال: إذا لم يمكن هذا في ورقة وفي رسالة صغيرة، فكيف بهذا الكون العظيم البديع الذي دبره الله ؟
стр. 144
توحيد الربوبية بين الإقرار والجحود
الربوبية لم ينكرها إلا طائفتان فقط، والأصل أنهم لم ينكروا الرب، ولهذا جاءت: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [إبراهيم:١٠] أفي الله شك؟ ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزمر:٣٨] وتأتي الآيات العظيمة جداً: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾ [الواقعة:٦٨-٦٩] ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ﴾ [الواقعة:٧١-٧٢] ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ * أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ [الواقعة:٥٨-٥٩] أدلة كثيرة جداً لم يكن الكفار يقولون: نحن الذين خلقناها، أو يقولون: آلهتنا هي التي أوجدت هذا الشيء، مما يدل على أنهم كانوا مقرين ومعترفين بأن الله هو المتصرف.
ذكروا من الأمثلة على هذا المثال في قضية الذين كابروا هذا الأمر إما تعطيلاً وجحداً كحال فرعون، والله قد قال عنه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً﴾ [النمل:١٤] وفي قوله تعالى: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء:١٠٢] .
كأنه الآن في قرارة نفسه مقر ولكنه مستكبر.
ومن الذين جعلوا مع الله غيره في الربوبية كحال المجوس وكحال النصارى وكحال المعتزلة، فالمجوس قالوا: بإلهين، إله الظلمة وإله النور، والنصارى قالوا: إن عيسى ﵊ له حق التصرف في هذا الكون، وأنه يحيي ويميت، والمعتزلة قالوا: إن الإنسان يخلق فعله، والله ليس خالقاً لأفعال العباد، وهذا الكلام باطل لا شك فيه.
- ومن الذين أنكروا توحيد الربوبية: الدهريون الذين قالوا: ﴿مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية:٢٤] ولذلك قال قائلهم: (أرحام تدفع، وأرض تبلع) ما عندنا شيء، نساء تحمل وتقذف ثم الأرض تبتلعها وينتهي الإشكال، وهذا الكلام باطل لا شك فيه.
- ومنهم كذلك النمرود بن كنعان الذي قال لإبراهيم ﵊: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة:٢٥٨] فقال إبراهيم بعد هذا: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة:٢٥٨] وهذا ممن أنكر توحيد الربوبية.
وفي عصرنا الحاضر يوجد الشيوعيون، ومن اللطائف أن الذين صعدوا القمر هم من روسيا وقالوا عندما نزلوا وقوبل معهم قالوا: علمنا أن هذا الكون له مدبر ولا يمكن أن يحدث صدفة، وبعده بأيام مباشرة قابلوا معهم فقالوا: صعدنا إلى الكون فما وجدنا إلهاً، خافوا أن يرجع الناس عن معتقد الشيوعية.
ومن اللطائف أن الذين يعيشون في المراكب الفضائية قالوا: إنهم يرجعون بروحانيات وبتأمل وفكر عجيب في عقولهم، لما يشاهدون من عجيب صنع الله تعالى في الكون، وهذا لا شك أنه من العجائب.
ولهذا ربطنا الله بلطائف: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران:١٩٠] ذكر الليل والنهار واختلافهما، كلما كثرت هذه الأمور قوي عند الإنسان ترسيخ ربوبية الله تعالى، وإن كان سيأتي البيان أن الرسل عليهم الصلاة والسلام لم تبعث لتقرير الربوبية، وإنما بعثت لتقرير ألوهية الله تعالى.
وعندما كان الشرك موجوداً وقد يقع في الأمم جاء في القرآن دليل على إبطاله، وهو قول الله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون:٩١] الله يبين أنه لو كان للكون إلهان لكانت النتيجة: لانفصل كل إله بما خلق، كل إله يستقل: ﴿وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ حصلت خصومة في الكون، ونحن نتساءل: هل نجد نظام الكون منفصلاً أم أنه واحد؟ الجواب: نجده واحداً.
وهل نجد علو بعضهم على بعض؟ الجواب: لا.
إذاً الكون ليس له إلا رب واحد وإله واحد.
نقول: الله هو المتفرد بالربوبية، وتفرده بالربوبية تفرد بالخلق، وهو يقول: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ﴾ [فاطر:٣] ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤] وكما أنه متفرد بالملك والله يقول: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [المؤمنون:٨٨] دل على أنه هو المالك لكل شيء، ولذلك قال مثنياً على نفسه: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون:١٤] هل معناه: أنه يوجد هنا خالق غير الله؟ لا، وكذلك الذين يصورون يقال لهم يوم القيامة: (أحيوا ما خلقتم) هل خلقهم مثل خلق الله؟ لا يمكن أبداً، فلا شك أن هذه إطارها صغير، وأما بالنسبة لما يتعلق بالله فإنه هو المدبر لكل شيء.
يجب أن نعلم قاعدة وهي مهمة جداً: توحيد الربوبية ليس مطالباً به أمة محمد ﷺ فقط، وليس الإقرار هو للعرب في الجاهلية وحدهم، بل إن الأمم السابقة كانت مقرة به، قوم نوح مقرون به، ولهذا جاء في سورة نوح: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً﴾ [نوح:١٠-١٢] ما اعترض قوم نوح على نوح فقالوا: آلهتنا هي التي تعمل هذه، بل هم معترفون بأن الله هو الذي يعمل تلك، يرسل السماء مدراراً، ويمددهم بأموالٍ وبنين، ويجعل لهم جنات وأنهاراً، هو المدبر وحده، ولهذا فإن الأمم السابقة مقرة بربوبية الله تعالى، وإنك إذ تقرأ قصة أي نبي من أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام في القرآن تجد الإيماء لقضية الربوبية.
نصل إلى نتيجة فنقول: إن توحيد الربوبية غلت فيه طوائف المبتدعة، فتجد أهل الكلام والنظر والصوفية يركزون على توحيد الربوبية تركيزاً عظيماً جداً، ويرون أنه هو التوحيد الذي خلقت من أجله الخليقة، وهو الذي بعثت به الرسل، والعجب أنهم يفسرون لا إله إلا الله تفسيراً بربوبية الله إذ يقولون: لا مخترع إلا الله، وهذا الكلام باطل لا شك فيه، ووجه بطلانه: أن مشركي العرب كانوا مقرين بربوبية الله تعالى، والدليل على ذلك: ﴿إِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوْا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت:٦٥] وكذلك من الأدلة بل أعظم دليل: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان:٢٥] وجاءت الآيات التي: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ [الواقعة:٦٨] ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ﴾ [الواقعة:٥٨] ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ [الواقعة:٧١] خطاب لمن؟ للعرب في الجاهلية وللمشركين، ومع ذلك لم يعترضوا أبداً على ربوبية الله تعالى، وهم إذا أصابتهم الشدائد لجئوا إلى الله في كشف أمراضهم، وما أصابهم منه، مما يدل على أنهم مقرون بربوبية الله، ومع ذلك لم يفدهم شيئاً، قاتلهم النبي، وسبى النساء، وأخذ الأموال وغنمها ﷺ ولم ينظر إلى قضية الربوبية، ولهذا نقول: إن الرسل عليهم الصلاة والسلام لم يرسلوا لتقرير ربوبية الله تعالى، كما أن الشرك في الربوبية لم يكن كثيراً، وإنما كان الشرك في إلهية الله تعالى.
لعلي ذكرت لكم قصة نقلت عن أحد أئمة أهل الكلام عندما مر في الطريق وقال لامرأة: إنه يحفظ ألف دليل على وجود الله تعالى، قالت المرأة: لو لم يكن في قلبه ألف شك ما احتجنا إلى ألف دليل على وجود الله تعالى، فالله موجود، ولا يحتاج إلى كثرة أدلة على إثبات وجوده وربوبيته تعالى.
يقول العلماء ﵏: إن توحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية، والآيات التي ترد في ربوبية الله تعالى كلها إنما ترد ليس ليبين للناس أن الله هو الخالق الرازق المدبر لأنهم يعرفونه، وإنما لينقل من الربوبية إلى الألوهية، والدليل على ذلك، ما ذكره الله في سورة البقرة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [البقرة:٢١-٢٢] كل هذه ربوبية، جاءت بعدها: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً﴾ [البقرة:٢٢] جيئت المقدمة ليبين للناس أن الواجب أن يذكروه، وجاءت الآن في الآيات التي تقرر الربوبية (أَفَلا تَتَّقُونَ) (أَفَلا تَعْقِلُونَ) (أَفَلا تَذَكَّرُونَ) كله، لماذا لا تأخذون بألوهية الله تعالى؟ أومأ ابن القيم إيماءً لطيفاً أظنه في الوابل الصيب، وأربطه بمثال واقعي، لما طلب الله من عيسى ﵊ أن يبلغ بني إسرائيل، وذكر من اللطائف هنا في مسألة النقل من الاستلزام كحال من استقدم رجلاً أو موظفاً عنده أو سائقاً، نحن إذا استقدمنا سائقاً يحتاج أن تؤمن له السكن، أن تؤمن له مكيفاً، أن تؤمن له فراشاً، أن تؤمن له موقع
стр. 145
مسائل متعلقة بتوحيد الألوهية
следующие страницы →