Полный текст (347 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
مسائل متعلقة بتوحيد الربوبية
ذكرنا سابقاً أن أقسام التوحيد ثلاثة: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات.
وسوف نذكر توحيد الربوبية ونأخذ فيه ثمانية عناصر:
стр. 142
تعريف الربوبية في اللغة والاصطلاح
العنصر الأول: في تعريف الرب: الرب في اللغة له معانٍ، يقتضي المالك، والمتصرف، والمدبر، والسيد، ولفظ الرب لا يطلق على الإله وحده، ولذلك قال جد النبي ﷺ : أنا رب الإبل وللبيت رب يحميه، ولذلك يقال للإنسان: هذا فلان رب أسرة.
أما في الاصطلاح: فيأخذ معنى التنشئة والنمو، ولذلك يقال: هذا يربي أسرة أي: ينميها، ويقال: هذا يربي غنماً وهذا يربي دجاجاً وهذا كذا، أي: يحرص على تنشئتها وتنميتها، والإحسان إليها وإطعامها وغير ذلك.
أما تعريفه في الاصطلاح: فهو إفراد الله بأفعاله، أي: بأفعال الرب ، وقوله: أفعاله لتشمل جميع أفعال الله تعالى: الخلق الرزق الإحياء الإماتة التدبير ومنهم من يعرفه فيقول: هو الإقرار والاعتراف بأن الله هو الخالق الرازق المدبر المصرف لهذا الكون وحده لا شريك له، بمعنى: أنه لا يشركه في أفعاله أحد أبداً، الإحياء لا يشركه فيها أحد، الإماتة لا يشركه فيه أحد، الرزق لا يشركه فيه أحد، التصريف في هذا الكون لا يشركه فيه أحد أبداً، فمن أوجد شريكاً مع الله في ربوبيته لم يكن موحداً لله تعالى.
стр. 143
أدلة توحيد الربوبية
أدلة الربوبية كثيرة جداً في القرآن، بل إنها من الأمور التي يشعر بها الإنسان في ذاته، وقد دل عليها الكتاب والسنة والفطرة والعقل، والأعرابي في الجاهلية يقول: البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، أفلا يدل على اللطيف الخبير؟! نقول: بلى.
وقال الشاعر:
وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد
بل نجد أعظم من ذلك أن الله قد أعطانا لفتة فقال: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١] في نفسك أنت فقط تعرف أنك لا تستطيع شيئاً، ولهذا لو نظر الإنسان إلى مثال بسيط، من يزور مثلاً أصحاب مرض الكلى، تجده يدخل جهازاً ضخماً جداً ويجلس أربع ساعات من أجل أن يغسل، ومع ذلك في جوفه قطعة لحم صغيرة جداً تقوم بهذه المهمة كاملة: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١] .
ومن اللطائف في قضية العقل، أن العقل مليء بالخلايا، وهذه الخلايا مخزونة بأشياء عجيبة جداً فمثلاً: تجد أن الإنسان وهو جالس يستذكر حدثاً منذ عشرين سنة مباشرة، ويتصوره مباشرة، كأنها أشرطة، قالوا: فلو أريد أن يركب في عقل، أي: يؤتى عن طريق الكمبيوتر الآن مثلما يعمله عقل الإنسان، قالوا: وجدوا أن شرائح الاسطوانات يمكن أن تملأ الكرة الأرضية في حجمها، فتجد الإنسان وهو جالس يسمع كلمة مباشرة يبتسم، يسمع كلمة يبكي، يسمع كلمة يتغير يغضب، انفعالات سريعة جداً، لكن إذا طلبت -مثلاً- جهاز كمبيوتر يحتاج يقول: انتظر الآن الجهاز يرد، الإنسان سريع سبحان الله العظيم: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١] .
إذاً: هذا دليل على قضية الربوبية، وأدلته في القرآن: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [العنكبوت:٦١] ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً﴾ [نوح:١٠-١٢] إلى غيرها، وما كانت كفار قريش تقول: إن آلهتها هي التي تحيي وتميت، ولا تقول: إن آلهتها هي التي تدبر هذا الكون.
ذكروا من الأدلة العقلية دليلاً عقلياً على ربوبية الله تعالى، ومن الأدلة ما أومأ إليه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور:٣٥] هل أنت خلقت من غير شيء؟ ستجد الإجابة معروفة: أنني خلقت من شيء.
أم أنا الذي خلقت نفسي؟ أعرف بأني لم أخلق نفسي.
لم يأتِ الجواب، كأنه يريد أن تستنتج هذا أنت بعقلك، فتعرف بأن الخالق لك هو الله وحده لا شريك له.
ذكروا قصة مشهورة عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى، أنه جاءه بعض الملاحدة، وكانوا ينكرون الرب، فقال: دعونا من مسألة الرب، أي: كونه موجوداً أو غير موجود، أريد أن أسألكم سؤالاً، وكان في العراق ﵀، قال: هناك سفينة على نهر دجلة تأتي إلى طرف الشاطئ وتحمل البضائع بدون أن يكون لها ربان، أي: قائد لها، ثم تنزل البضائع في الشاطيء من الجهة الأخرى وترجع دون أن يكون معها أحد، قالوا: هذا أمر مستحيل ولا يمكن تصديقه، قال: سبحان الله! سفينة صغيرة، وفي شواطئ نهر فقط، ويستحيل هذا الأمر، كيف بالكون كله، فبهتوا وأقروا بأن الله هو المدبر لهذا الكون وحده لا شريك له.
ويضربون أمثلة على توحيد الربوبية وتفاصيله وغيره، كقول بعض الشيوعيين والدهريين والطبائعيين وغيرهم إن الأمر حدث بالصدفة، ولا يمكن أن يكون له إلهٌ ولا ربٌ، وهذا كلام باطل، ولهذا ضربوا بمثالين لطيفين: قالوا: لو قلنا بقضية الصدفة، فلو جئنا مثلاً بقرد وأعطيناه آلة كاتبه، ثم قلنا للناس: ضرب هذا القرد على الآلة الكاتبة، فأخرج لنا رسالة عظيمة جداً ولطيفة في مسائل في علمٍ من العلوم، قالوا: لا يمكن أبداً، كيف يكتب الحروف ويصيغها؟ قلنا: صدفة، قالوا: لا نصدق، قلنا: سبحان الله!! الكون كله تقولون: صدفة بنظامه، وله مئات السنين بل آلاف السنين، والله قد جعل له سنناً كونية باقية فيه، تقولون: إنه صدفة، وهذا القرد لا يمكن أن يكتب صدفة، فدل على نقص عقولهم.
ومن اللطائف الأخرى، قالوا: حدث أن مطبعة انفجرت، فطارت الحروف والأوراق ولصقت بالورقة وأخرجت لنا رسالة أو قصيدة جميلة جداً، وهذا حدث صدفة، قالوا: لا يمكن أبداً، فيقال: إذا لم يمكن هذا في ورقة وفي رسالة صغيرة، فكيف بهذا الكون العظيم البديع الذي دبره الله ؟
стр. 144
توحيد الربوبية بين الإقرار والجحود
الربوبية لم ينكرها إلا طائفتان فقط، والأصل أنهم لم ينكروا الرب، ولهذا جاءت: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [إبراهيم:١٠] أفي الله شك؟ ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزمر:٣٨] وتأتي الآيات العظيمة جداً: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾ [الواقعة:٦٨-٦٩] ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ﴾ [الواقعة:٧١-٧٢] ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ * أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ [الواقعة:٥٨-٥٩] أدلة كثيرة جداً لم يكن الكفار يقولون: نحن الذين خلقناها، أو يقولون: آلهتنا هي التي أوجدت هذا الشيء، مما يدل على أنهم كانوا مقرين ومعترفين بأن الله هو المتصرف.
ذكروا من الأمثلة على هذا المثال في قضية الذين كابروا هذا الأمر إما تعطيلاً وجحداً كحال فرعون، والله قد قال عنه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً﴾ [النمل:١٤] وفي قوله تعالى: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء:١٠٢] .
كأنه الآن في قرارة نفسه مقر ولكنه مستكبر.
ومن الذين جعلوا مع الله غيره في الربوبية كحال المجوس وكحال النصارى وكحال المعتزلة، فالمجوس قالوا: بإلهين، إله الظلمة وإله النور، والنصارى قالوا: إن عيسى ﵊ له حق التصرف في هذا الكون، وأنه يحيي ويميت، والمعتزلة قالوا: إن الإنسان يخلق فعله، والله ليس خالقاً لأفعال العباد، وهذا الكلام باطل لا شك فيه.
- ومن الذين أنكروا توحيد الربوبية: الدهريون الذين قالوا: ﴿مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية:٢٤] ولذلك قال قائلهم: (أرحام تدفع، وأرض تبلع) ما عندنا شيء، نساء تحمل وتقذف ثم الأرض تبتلعها وينتهي الإشكال، وهذا الكلام باطل لا شك فيه.
- ومنهم كذلك النمرود بن كنعان الذي قال لإبراهيم ﵊: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة:٢٥٨] فقال إبراهيم بعد هذا: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة:٢٥٨] وهذا ممن أنكر توحيد الربوبية.
وفي عصرنا الحاضر يوجد الشيوعيون، ومن اللطائف أن الذين صعدوا القمر هم من روسيا وقالوا عندما نزلوا وقوبل معهم قالوا: علمنا أن هذا الكون له مدبر ولا يمكن أن يحدث صدفة، وبعده بأيام مباشرة قابلوا معهم فقالوا: صعدنا إلى الكون فما وجدنا إلهاً، خافوا أن يرجع الناس عن معتقد الشيوعية.
ومن اللطائف أن الذين يعيشون في المراكب الفضائية قالوا: إنهم يرجعون بروحانيات وبتأمل وفكر عجيب في عقولهم، لما يشاهدون من عجيب صنع الله تعالى في الكون، وهذا لا شك أنه من العجائب.
ولهذا ربطنا الله بلطائف: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران:١٩٠] ذكر الليل والنهار واختلافهما، كلما كثرت هذه الأمور قوي عند الإنسان ترسيخ ربوبية الله تعالى، وإن كان سيأتي البيان أن الرسل عليهم الصلاة والسلام لم تبعث لتقرير الربوبية، وإنما بعثت لتقرير ألوهية الله تعالى.
وعندما كان الشرك موجوداً وقد يقع في الأمم جاء في القرآن دليل على إبطاله، وهو قول الله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون:٩١] الله يبين أنه لو كان للكون إلهان لكانت النتيجة: لانفصل كل إله بما خلق، كل إله يستقل: ﴿وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ حصلت خصومة في الكون، ونحن نتساءل: هل نجد نظام الكون منفصلاً أم أنه واحد؟ الجواب: نجده واحداً.
وهل نجد علو بعضهم على بعض؟ الجواب: لا.
إذاً الكون ليس له إلا رب واحد وإله واحد.
نقول: الله هو المتفرد بالربوبية، وتفرده بالربوبية تفرد بالخلق، وهو يقول: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ﴾ [فاطر:٣] ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤] وكما أنه متفرد بالملك والله يقول: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [المؤمنون:٨٨] دل على أنه هو المالك لكل شيء، ولذلك قال مثنياً على نفسه: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون:١٤] هل معناه: أنه يوجد هنا خالق غير الله؟ لا، وكذلك الذين يصورون يقال لهم يوم القيامة: (أحيوا ما خلقتم) هل خلقهم مثل خلق الله؟ لا يمكن أبداً، فلا شك أن هذه إطارها صغير، وأما بالنسبة لما يتعلق بالله فإنه هو المدبر لكل شيء.
يجب أن نعلم قاعدة وهي مهمة جداً: توحيد الربوبية ليس مطالباً به أمة محمد ﷺ فقط، وليس الإقرار هو للعرب في الجاهلية وحدهم، بل إن الأمم السابقة كانت مقرة به، قوم نوح مقرون به، ولهذا جاء في سورة نوح: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً﴾ [نوح:١٠-١٢] ما اعترض قوم نوح على نوح فقالوا: آلهتنا هي التي تعمل هذه، بل هم معترفون بأن الله هو الذي يعمل تلك، يرسل السماء مدراراً، ويمددهم بأموالٍ وبنين، ويجعل لهم جنات وأنهاراً، هو المدبر وحده، ولهذا فإن الأمم السابقة مقرة بربوبية الله تعالى، وإنك إذ تقرأ قصة أي نبي من أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام في القرآن تجد الإيماء لقضية الربوبية.
نصل إلى نتيجة فنقول: إن توحيد الربوبية غلت فيه طوائف المبتدعة، فتجد أهل الكلام والنظر والصوفية يركزون على توحيد الربوبية تركيزاً عظيماً جداً، ويرون أنه هو التوحيد الذي خلقت من أجله الخليقة، وهو الذي بعثت به الرسل، والعجب أنهم يفسرون لا إله إلا الله تفسيراً بربوبية الله إذ يقولون: لا مخترع إلا الله، وهذا الكلام باطل لا شك فيه، ووجه بطلانه: أن مشركي العرب كانوا مقرين بربوبية الله تعالى، والدليل على ذلك: ﴿إِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوْا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت:٦٥] وكذلك من الأدلة بل أعظم دليل: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان:٢٥] وجاءت الآيات التي: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ [الواقعة:٦٨] ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ﴾ [الواقعة:٥٨] ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ [الواقعة:٧١] خطاب لمن؟ للعرب في الجاهلية وللمشركين، ومع ذلك لم يعترضوا أبداً على ربوبية الله تعالى، وهم إذا أصابتهم الشدائد لجئوا إلى الله في كشف أمراضهم، وما أصابهم منه، مما يدل على أنهم مقرون بربوبية الله، ومع ذلك لم يفدهم شيئاً، قاتلهم النبي، وسبى النساء، وأخذ الأموال وغنمها ﷺ ولم ينظر إلى قضية الربوبية، ولهذا نقول: إن الرسل عليهم الصلاة والسلام لم يرسلوا لتقرير ربوبية الله تعالى، كما أن الشرك في الربوبية لم يكن كثيراً، وإنما كان الشرك في إلهية الله تعالى.
لعلي ذكرت لكم قصة نقلت عن أحد أئمة أهل الكلام عندما مر في الطريق وقال لامرأة: إنه يحفظ ألف دليل على وجود الله تعالى، قالت المرأة: لو لم يكن في قلبه ألف شك ما احتجنا إلى ألف دليل على وجود الله تعالى، فالله موجود، ولا يحتاج إلى كثرة أدلة على إثبات وجوده وربوبيته تعالى.
يقول العلماء ﵏: إن توحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية، والآيات التي ترد في ربوبية الله تعالى كلها إنما ترد ليس ليبين للناس أن الله هو الخالق الرازق المدبر لأنهم يعرفونه، وإنما لينقل من الربوبية إلى الألوهية، والدليل على ذلك، ما ذكره الله في سورة البقرة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [البقرة:٢١-٢٢] كل هذه ربوبية، جاءت بعدها: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً﴾ [البقرة:٢٢] جيئت المقدمة ليبين للناس أن الواجب أن يذكروه، وجاءت الآن في الآيات التي تقرر الربوبية (أَفَلا تَتَّقُونَ) (أَفَلا تَعْقِلُونَ) (أَفَلا تَذَكَّرُونَ) كله، لماذا لا تأخذون بألوهية الله تعالى؟ أومأ ابن القيم إيماءً لطيفاً أظنه في الوابل الصيب، وأربطه بمثال واقعي، لما طلب الله من عيسى ﵊ أن يبلغ بني إسرائيل، وذكر من اللطائف هنا في مسألة النقل من الاستلزام كحال من استقدم رجلاً أو موظفاً عنده أو سائقاً، نحن إذا استقدمنا سائقاً يحتاج أن تؤمن له السكن، أن تؤمن له مكيفاً، أن تؤمن له فراشاً، أن تؤمن له موقع
стр. 145
مسائل متعلقة بتوحيد الألوهية
стр. 146
تعريف توحيد الألوهية
أما توحيد الألوهية فقالوا: إن الإلهية نسبة إلى الإله بمعنى: المعبود، وقالوا: إن أصلها مأخوذ من أله يأله إلهة وألوهة، وهو بمعنى: عبد، ويؤخذ منها معنى التذلل والخضوع، نجد أن الإله اسم يطلق على المعبود بحق وبغير حق، بخلاف لفظ (الله) فإنه مختص بالمعبود بحق، ولا يجوز أن يطلق على أحد كائناً من كان، ولهذا قالوا: إنه علم على الذات الإلهية.
توحيد الألوهية هو: إفراد الله بأفعال العباد، وقيل: هو إفراد الله بالعبادة، هذه عبادة الأفعال عامة، وجاءت أفعالي كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي﴾ [الأنعام:١٦٢] جاءت ﴿وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢] حياتي كلها أعمال.
إذاً كل ما عندي يجب أن يكون لله تعالى من الأعمال.
стр. 147
الغاية من إرسال الرسل
توحيد الألوهية لا شك أنه التوحيد الذي بعثت به الرسل، وأنزلت من أجله الكتب، ومن أجله خلقت الجنة والنار، ومن أجله خلقت الخليقة كلها، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] .
وسبحان الله! هذا التوحيد هو الذي وقع النزاع فيه بين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وبين أممهم، ونجد أنه ما من نبي إلا ويأتي إلى قومه فيقول لهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩] ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٨٥] ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٧٣] ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦] .
يعتبر توحيد الألوهية أول دعوة الرسل، وأول منازل الطريق، وأول واجب على المكلف، وآخر ما يخرج به الإنسان من الدنيا إلى غيره.
ذكرنا أن الأصل في البشرية هو توحيد الله، والله خلق آدم وذريته على التوحيد، ولذلك جاء في الحديث القدسي: (خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين) وأول شرك وقع في البشرية هو في ألوهية الله تعالى، ولذلك قوم نوح عبدوا القبور والتماثيل التي كانت لرجال صالحين، ومع ذلك وقع الانحراف فأُرسل نوح ﵊ لأجل هذا.
وضد توحيد الألوهية صرف شيء من أنواع العبادة لغير الله تعالى، سواء كانت ذبحاً أو نذراً أو غيره، أو صرف العبودية كلها لغير الله تعالى، وهذا لا شك أنه أخطر شيء.
стр. 148
أساليب القرآن في الدعوة إلى توحيد الألوهية
ورد في القرآن أساليب الدعوة إلى توحيد الألوهية، ومن الأساليب ذكرنا في توحيد الربوبية شيئاً منها، قالوا: سوق آيات الربوبية في الخلق والتدبير والملك والحفظ لتقرير الألوهية، كما ذكرنا في الآية التي في سورة البقرة.
ومن الأساليب في الدعوة إلى توحيد الألوهية التنديد بما يتخذه الكفار من آلهة من دون الله تعالى، وإظهار حالها من العجز: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الأعراف:١٩١] كأنه يندد بآلهتهم أنها لا تستحق شيئاً: ﴿وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ * وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾ [الأعراف:١٩٢-١٩٣] كل هذا بيان أنها لا تستحق شيئاً ولا لها تصريف أبداً.
ومن الأساليب كذلك: ذكر أسماء الله وصفاته، والله يقول: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠] فمن كان متصفاً بالصفات الحسنة وبالصفات العليا والأسماء الحسنى فهو المستحق لأن يعبد.
ومنها كذلك: بيان حال العابدين يوم القيامة ممن عبد، وكذلك بيان حال الآلهة المعبودة من دون الله تعالى يوم القيامة، ولهذا بين الله حال العابدين: ﴿لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأنبياء:٥٤] ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف:٥-٦] إذاً لا يستفيدون من الآلهة شيئاً لا في الدنيا ولا في الآخرة، إذاً آلهتكم لا تستحق أن تعبد أبداً بوجه من الوجوه.
لما كان توحيد الألوهية هو أول دعوة الرسل كان جل الكتب التي تكتب في العقائد تركز على توحيد الألوهية، ولعل أعظم ما ألف إفراداً منفصلاً في توحيد الألوهية كتاب الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، ويعتبر من أنفس الكتب التي ركزت على توحيد الألوهية، ولا يستغني عنه عصر ولا أمة، وإن كانت بعض الكتب التي ألفها بعض العلماء قد تكون ركزت على توحيد الأسماء والصفات؛ نظراً لانحراف معين، وكأن هذه تعالج جزئية، وبعضها ألفت في الرد على طوائف منحرفة، لكن كتاب التوحيد للشيخ محمد ﵀ ركز تركيزاً عظيماً جداً على توحيد الألوهية، وينبغي لطالب العلم أن يحفظه، وأن يقرأه ويعلمه ويتعلم ما فيه من المسائل العظيمة، وأن يبلغها للناس.
نجد أن الشارع احتاط لتوحيد الألوهية احتياطات عظيمة جداً، ونجد أنه نهى عن ألفاظ التعظيم كالحلف بغير الله، وكذلك نسبة الشيء لغير الله تعالى، ونُهينا عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها، ونهي الإنسان عن شد الرحل، ونهي عن تجصيص القبور وإنارتها وغيره، كل هذا لسد الوسائل التي تؤدي إلى الوقوع في الشرك.
ومنها كذلك: القيام للشخص القادم وغيره، ولذلك ورد عن النبي ﷺ : (لا تقوموا كما يقوم الأعاجم يعظم بعضهم بعضاً) وإن كانت هذه المسألة فيها كلام لطيف جداً لشيخ الإسلام ابن تيمية.
стр. 149
تعريف العبادة
ما دمنا نقول: إفراد الله بالعبادة، فالعبادة في اللغة: هي الذل والخضوع، يقال: طريق معبد أي: مذلل وطئته الأقدام.
وتعريفها في الشرع: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة.
والأقوال الظاهرة مثل: قراءة القرآن، الذكر، التلبية.
الأقوال الباطنة مثل: أول ما يرد على القلب من قضية التصديق يسمى قول القلب.
والأعمال الظاهرة، مثل: الركوع والسجود والصيام والحج، والجهاد في سبيل الله.
والأعمال الباطنة: مثلما يحدث للإنسان بعد قضية الورود من التمكن، ومن الأمثلة على ذلك: أنت إذ ترى شخصاً معيناً، تجد منذ أن تنظر إليه تشعر أن قلبك يميل إليه لخلقه وما عرف شيئاً من خلقه، لكنك وجدت رابطة بينك وبينه، قالوا: هذا أول وارد يرد على القلب، والنتيجة بعد أن تعرفت على هذا الشخص، ورأيت أخلاقه وأدبه وتضحيته وتفانيه وعبادته وصلاحه وطلبه للعلم، تجد أن قلبك يتفاعل.
ولعل من الأمثلة البسيطة على قضية قول القلب وعمل القلب: نحن جلوس هنا، وسمعنا صوتاً مفزعاً، كأن يكون إطلاق نار مثلاً، ونحن جلوس ورد على القلب شيء، كل شخص ينظر إلى الباب، هل يدخل أحد أم لا يدخل؟ لكن بعد قليل دخل شخص مسرعاً، قال: انتبهوا ورائي الآن شخص يلاحقني، ماذا تكون النتيجة؟ القلب يصبح على نفس الكلام الأول أم يزداد تفاعله؟ يوجد تفاعل كبير جداً، يصبح القلب يخفق وكل واحد ينظر باب نافذة لكي يفك نفسه مخافة أن يصاب بسوء، قالوا: فهذا العمل وهذه الحركة تسمى عمل القلب.
ويدخل في قضية العبادة حب الله ورسوله، ورجاء رحمة الله تعالى والخوف من عذابه، والتوكل عليه وغير ذلك، تدخل هذه كلها وتسمى من الأعمال الباطنة، والعبادة لا شك أنها هي الغاية المحبوبة والمحمودة والمرضية التي خلق الناس من أجلها: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] لا شك أن العبادة من حيث هي أعم من كونها توحيداً عموماً مطلقاً، فكل موحدٍ يكون عابداً لله تعالى، وليس كل عابد لله تعالى يكون موحداً؛ لأن المشرك قد يعبد الله ويعبد غيره، يعبد الله فترة ويعبد غيره، لكن الموحد هو العابد لله حق العبادة.
стр. 150
أصول العبادة
ذكر العلماء رحمهم الله تعالى أن للعبادة أصولاً ثلاثة تنبني عليها: ١- المحبة.
٢- الخوف.
٣- الرجاء، ومن لا توجد عنده هذه الأصول الثلاثة فإنه لم يعبد الله حق العبادة، ولذلك نقل عن بعض السلف رحمهم الله تعالى أن من عبد الله تعالى بالخوف وحده فهو خارجي حروري، ومن عبد الله تعالى بالحب وحده فهو صوفي زنديق، ومن عبد الله تعالى بالرجاء وحده فهو مرجئ، ولكن أهل الإيمان يعبدون الله تعالى بالمحبة والخوف والرجاء جميعاً، ويعتبر هذا هو السلفي السني، والله يقول في كتابه: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء:٥٧] وفي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥] .
стр. 151
أقسام العبادة
تنقسم العبادة إلى أربعة أقسام: ١- عبادة قلبية: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥] .
٢- عبادة قولية: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [يوسف:٢٣] .
٣- عبادة بدنية: كالحج والصلاة وطلب العلم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى غيره.
٤- عبادة مالية: مثل الزكاة، والصدقات، والذبائح، والنذور، وتجتمع العبادات الأربع في الحج وحده، فالحج فيه عبادة قلبية؛ لأنه قصد ونية، وفيه عبادة قولية وهي التلبية، وفيه عبادة عملية وهي الطواف، وفيه عبادة ماليه؛ لأن الإنسان يحتاج إلى نفقه في الحج.
ونصلي ونسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
стр. 152
شرح لامية شيخ الإسلام ابن تيمية (الدرس العاشر)
معرفة أسماء الله وصفاته لها قواعد وأصول مستمدة من نصوص الكتاب والسنة، ولا عبرة بطعن أهل البدع والأهواء في نصوص الأسماء والصفات وتحريفهم لها؛ اتباعاً لما قعدوا وأسسوا على وفق عقولهم وأهوائهم.
стр. 153
مدلول كلمة (القرآن) في اللغة والاصطلاح
الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
وأقول في القرآن ما جاءت به آياته فهو القديم المنزل
في بعض نسخ المنظومة: (فهو الكريم) ولعل هذا أولى وأصح كما سيأتي بيان ذلك.
قوله: (وأقول في القرآن) ذكرنا سابقاً أن القول يطلق ويراد به الاعتقاد، وهو يقول: وأعتقد في القرآن، والقرآن هو اسم للكلام الموحى به إلى النبي ﷺ ، وهو جملة المكتوب في المصاحف، المشتمل على مائة وأربع عشرة سورة، أولها سورة الفاتحة وآخرها سورة الناس، وأصبح القرآن علماً يطلق على الوحي الذي أنزل على محمد ﷺ .
واختلف أهل اللغة رحمهم الله تعالى في أصل اشتقاق هذه الكلمة، هل هي من قرأ أم من قُران؟ فإذا قيل: قرأ، تكون مهموزة، وقران سيأتي أنها ليست مهموزة، وإذا قيل: إنه اشتق من قرأ، سبب اشتقاقه يقال: إنه أول ما أنزل على النبي ﷺ هي سورة: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق:١] وكما في قوله تعالى: ﴿وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً﴾ [الإسراء:١٠٦] .
والاشتقاق الثاني: أنها مأخوذة من قُران، على وزن فعال من القرن، أي: أن القرآن جمع بعضه لبعض، ويقصد به: أنها قرنت سوره وآياته بعضها ببعض، ويؤخذ من معناه: الاجتماع، فنجد أن الحروف مجتمعة، والسورة مجتمعة، والآيات مجتمعة.
ولفظ القرآن لم تطلق على كتاب من الكتب السابقة سوى ما أنزل على محمد ﷺ ، وللقرآن أسماء كثيرة ومشتهرة وردت في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ولقد أوصلها السيوطي في إتقانه إلى نيف وعشرين، وإن كان جلها أوصافاً وليست أسماء، وأشهر ما أطلق على القرآن أنه التنزيل، والكتاب، والفرقان، والذكر، والوحي، وكلام الله تعالى، وشرح العلماء رحمهم الله تعالى سبب تسميته بالقرآن، والتنزيل، والفرقان وغيره، ولسنا بصدد الكلام على هذا.
يقول الشيخ ﵀:
وأقول في القرآن ما جاءت به
أي: أنه عقيدته في كلام الله تعالى هو ما ورد في الآيات.
(ما جاءت به آياته) ما جاء في الآيات في كتاب الله تعالى، ويدلنا على المنهج الواجب في باب الأسماء والصفات، وهو ألا نثبت لله شيئاً من الأسماء ولا نثبت لله شيئاً من الصفات إلا بنص من كتاب أو سنة رسوله ﷺ ، والمنهج في باب الأسماء والصفات نقول: باب الأسماء والصفات من الأمور الغيبية، والأمور الغيبية لابد فيها من نص من كتابٍ أو سنة، وما لم يرد نص من كتاب أو سنة فلا يمكن أن نثبتها، ولا يمكن أن ننفيها.
(آياته) الآية: هي مقدار من القرآن مركب سواء كان تقديراً أو إلحاقاً تقديراً مثل: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ [الرحمن:٦٤] معناها: هما مدهامتان، مثل قول الله تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ﴾ [الفجر:١] ﴿وَالضُّحَى﴾ [الضحى:١] كأنه قسم: والله أقسم بالفجر، أقسم بالضحى.
ومثل الإلحاق: الآيات التي وردت في فواتح السور، مثل: (آلم) ، (آلر) هذه تسمى ملحقاً، وقالوا: إنما سميت الآية آية لأنها دليل على أنها موحى بها من عند الله تعالى.
والآية التي يوحى بها من عند الله تعالى جلها تكون إلى الأنبياء والرسل، فإن أفراد الناس لا يوحى إليهم أصلاً، وإنما يوحى للأنبياء والرسل، وتأتي الآية دليلاً على صدق هذا النبي والرسول ﵊، ومحمد ﷺ أوتي الآيات العظيمات الدالة على صدقه.
بالنسبة لتحديد الآية بدايتها وأولها وآخرها، هذا أمر توقيفي لا يمكن للإنسان أن يقول: هذه آية من عند نفسه، وإنما كان الصحابة يتلقون ذلك من رسول الله ﷺ .
ذكرت للآية إطلاقات متعددة، وذكروا أن من الإطلاقات للآية ما أطلق على المعجزة، وتطلق على القطعة من القرآن، والآية في كلام العرب يطلق ويراد بها أمارة، يقال: آية هذا الشيء أمارته، أي: علامة على هذا الشيء، ولعل كل هذه تطلق على ما ورد من هذه الآيات.
وذكر العلماء أطول آية، وهي قوله تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الفتح:٢٥] قالوا ومثلها: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ [البقرة:١٠٢] لكن أعظم آية في كتاب الله تعالى: هي آية الكرسي، وأقصر آية في القرآن في عدد كلماتها قوله تعالى: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ [الرحمن:٦٤] وبالنسبة لما يتعلق بالحروف المقطعة قالوا: إن أقصر آية: ﴿طه﴾ طه ١] وبالنسبة لعدد آيات القرآن فقد ذكر أبو عمرو الداني رحمه الله تعالى وهو من كبار القراء في كتابه وسماه: (العدد) قال: أجمعوا أن عدد آيات القرآن ستة آلف آية، وما حصل من الزيادة على ذلك فقالوا: إنه اختلاف بين العلماء في تحديد أول الآية أو آخرها، بناءً على قول بعضهم: ربطناها بالمعنى، وبعضهم يقول: لا، بناءً على التلقي الذي أخذوه من أصحاب رسول الله ﷺ .
بالنسبة لترتيب الآيات في المصحف فهو ترتيب توقيفي، ولا يجوز للإنسان أن يقدم آية على آية في قراءة أو في غيره بأن يقرأ القرآن منكساً، أي: مثلاً يبدأ بآخر الفاتحة، ثم يختم بالحمد لله رب العالمين.
نقول: لا، لأن القرآن معجز في ترتيبه، وفي آياته، وبالنسبة لترتيب السور فالصحيح أنه ليس توقيفياً، ومنهم من يقول: إنه توقيفي، ومن قال: ليس ترتيب السور توقيفية قالوا: لأن الرسول ﷺ قرأ البقرة والنساء وآل عمران في ركعة، ولو كان توقيفياً لسردها النبي ﷺ سرداً على ضوء ما ورد، ولكن الصحابة ﵃ وأرضاهم أجمعوا على أن عثمان رتب المصحف بالترتيب الموجود بين أيدينا، وكأن جمعاً من أهل العلم قالوا: الأولى للمسلم ألا يقدم سورة على سورة، نظراً لإجماع الصحابة ﵃ وأرضاهم.
هذا فيما يتعلق بـ:
وأقول في القرآن ما جاءت به آياته فهو القديم المنزل
في كلمة: (القديم المنزل) لفظة القديم سيأتي إن شاء الله تفصيلها، وبيان معتقد أهل السنة والجماعة في كون القرآن قديم.
أقول للأحبة: إن تركيزي على بعض المسائل؛ نظراً لما تمس الحاجة إليه، فمبحث الأسماء والصفات تحتاجه الأمة، ولا يزال كثير من المسلمين يتخبطون فيه، ومبحث الصحابة لا يزال كثير ممن ينتسبون إلى الإسلام يتخبطون فيه، وبقية الأبيات متعلقة باليوم الآخر فلا تحتاج إلى شيء من التفصيل؛ لأنها من المسائل الخبرية التي يتلقاها المؤمن بالتسليم، ولم يحدث فيها خلاف بين العلماء رحمهم الله تعالى في كثير منها، خاصة الخلاف الذي ينبني عليه تفرق وانقسام في الأمة.
стр. 154
أصول توحيد الأسماء والصفات
توحيد الأسماء والصفات: هو الإقرار والاعتراف بأن لله تعالى الأسماء الحسنى والصفات العلى التي لا يشركه فيها أحد، يقول العلماء رحمهم الله تعالى: إن توحيد الأسماء والصفات ينبني على ثلاثة أصول لابد منها:
стр. 155
أسماء الله وصفاته توقيفية
الأصل الأول: أن أسماء الله وصفاته كلها توقيفية، لا يجوز إطلاق شيء منها على الله تعالى في الإثبات والنفي إلا بنصٍ من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ولذلك يقول العلماء رحمهم الله تعالى تفريعاً لهذا الأساس: باب الأسماء والصفات ينبني على ركنين: الركن الأول: الإثبات.
الركن الثاني: النفي.
فمن أتى بالإثبات وحده دون النفي لم يأتِ بالمنهج الصحيح، ومن أتى بالنفي دون الإثبات لم يأتِ بالمنهج الصحيح، ولذلك يعتبر عقيدة أهل السنة والجماعة في باب الأسماء والصفات يقولون: إثبات ما أثبته الله لنفسه، ثم قالوا: وإثبات ما أثبته له رسوله ﷺ ، فهل يكفي الإثبات وحده؟ نقول: لا، ثم يأتون بالركن الثاني: ونفي ما نفاه الله عن نفسه أو نفاه عنه رسوله ﷺ .
جاءوا بقضية الإثبات قالوا: من غير تشبيه ولا تكييف ولا تمثيل، هذا الإثبات عندهم.
ثم جاءوا إلى قضية النفي فقالوا: من غير تعطيل ولا تحريف ولا تأويل، حتى يبتعدوا عن طوائف المبتدعة من المشبهة والمعطلة، ولذلك لا إثبات إلا بنص، ولا نفي إلا بنص.
عندنا ألفاظ أطلقت على الرب لم يرد عليها دليل لا من كتاب ولا سنة، ووجدت في بعض كتب العقائد، فيقول السلف رحمهم الله تعالى: ما لم يرد نفيه ولا إثباته في كتاب ولا سنة فإنا نتوقف فيه مثل: الجسم، والحيز، والعرض، والجوهر، والجهة، كل هذه لا دليل عليها من كتاب ولا سنة، فما موقفنا منها؟ قالوا: لا نثبت ولا ننفي.
الواجب علينا أن نتوقف فنسأل القائل أو المطلق لهذا اللفظ: ماذا تقصد منه؟ فإن قصد حقاً قبل منه المعنى الحق، ونقول له: إن هذا اللفظ لم يرد في كتاب ولا سنة، فالأولى لك ألا تتكلم فيه، وإن كان مدلوله باطلاً رددنا عليه اللفظ والمعنى جميعاً، والسؤال هنا يرد: لماذا تكلم السلف فيها؟ شيخ الإسلام رحمه الله تعالى تكلم فيها وغيره تكلموا فيها لأن المبتدعة تكلموا فيها، وأطلقوها بألفاظ موهمة، فلابد من التفصيل فيها، فإن قصد معنى الحق قبل المعنى الحق ورد اللفظ، وإن قصد معنىً باطلاً رد اللفظ والمعنى جميعاً، حتى لا يتورط الإنسان بشيء، فيأتيك مثلاً: الجهمي أو المعتزلي فيقول: أنا أقول: إن الله ليس بجسم، فيسألني: أنت تثبت لله الجسم؟ إذا قلت على القاعدة: الله لا نثبت له إلا ما ورد في نصٍ من كتاب وسنة، فهل ورد نص من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ في هذا الأمر؟ لم يرد، فإذا قلت: إذاً أنا أقول: الله ليس بجسم، قال: إذاً أنا وإياك سواء، المعتزلي إذ يقول هذه الكلمة لا يقصد بها يقصد بها أن الله ليس له شيء من الأسماء، والجهمي يقول: ليس لله أسماء ولا صفات، فيصبح السني قد قارب أن يكون جهمياً أو معتزلياً.
إذاً نسألك أنت أيها الجهمي ما تقصد بالجسم؟ فإن قال: أقصد به أن الله ليس له أسماء ولا صفات أصلاً، قلنا له: هذا الكلام باطل، فنحن نقول: الله له أسماء وصفات تليق بجلاله وعظمته، مما دل عليه الكتاب والسنة، ولكن لفظ الجسم لا أطلقه على الله تعالى لأنه لا دليل عليه.
نتساءل: لماذا باب الأسماء والصفات توقيفي؟ السبب: لأن الله أعلم بنفسه من خلقه، ومن أصدق من الله قيلاً، ومن أهدى من الله سبيلاً، ومن أصدق من الله حديثاً، والرسول ﷺ لا شك أنه أعلم الخلق بالله بما يجب له وما يمتنع عليه وما يجوز له، ولا يمكن لأحد كائناً من كان أن يأتي من عقله بشيء من هذه الأسماء والصفات.
ومن رحمة الله تعالى بنا أنه لم يكل هذا المبحث إلى عقول الناس، بل جعل ما ورد من كتاب وسنة فقط، ولو كان لعقول الناس ما نستطيع، نأخذ بعقل من؟ أنأخذ بعقل المعتزلي، أو الجهمي، أو الأشعري، أو الماتريدي، أو الكلابي، أو الكرامي، أو نأخذ بعقول السلف؟ نقول: من رحمة الله تعالى أن جعل هذا الأمر توقيفياً، ولم يجعل لعقول الناس مجالاً في ذلك.
стр. 156
نفي الشبيه والمثيل لله تعالى
الأصل الثاني من الأصول عند أهل السنة والجماعة: أن الله في كل ما ثبت له من الأسماء والصفات لا يماثل شيئاً من خلقه أبداً، ما ورد من الأسماء والصفات لله تعالى لا يماثل أحداً من خلقه أبداً، بل كل ما ورد من الأسماء والصفات فهو مختص به، مثل: (يضحك الله لرجلين يقتل أحدهما الآخر ثم يدخلان الجنة) فيه إثبات الضحك لله تعالى ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤] إثبات اليد، فلا يأتيني أحد من الأشاعرة أو من المعتزلة أو الجهمية أو غيره ويقول: نعوذ بالله لا يمكن أن نثبت لله الضحك.
نتساءل لماذا؟ قالوا: أصلاً الضحك من صفات المخلوقين، ونحن لا يمكن أن نثبته، نقول: لا، الأصل إذا أثبت الله لنفسه شيئاً من الأسماء والصفات لا ندخل في عقولنا قضية المماثلة أبداً بوجه من الوجوه، فما ثبت في كتاب وسنة أثبتناه لله تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته .
ونجد أن الله قد سمى نفسه بأسماء وسمى خلقه بأسماء، ووصف نفسه بصفات ووصف خلقه بصفات، ومع ذلك لا يمكن أن يرد في العقل مقتضى المماثلة أو المشابهة، ولهذا إذا جئنا إلى قضية التسلسل كأنه تدرج، فأتينا مثلاً عندنا أشاعرة، ثم معتزلة، ثم جهمية، ثم فلاسفة، وإن كان هذا التسلسل الذي أذكره ليس تسلسلاً تاريخياً، فـ الأشاعرة يثبتون لله سبع صفات، والمعتزلة تثبت الأسماء دون الصفات، والجهمية لا تثبت الأسماء ولا الصفات، والفلاسفة لا يثبتون الإثبات ولا ينفون النفي، فتأتي مثلاً المعتزلة تناقش الأشاعرة فتقول لهم: ماذا تثبتون؟ قالوا: نثبت لله سبع صفات فقط.
إذاً هذه السبع هل هي على ما يليق بجلال الله وعظمته أم أنها تشابه صفات المخلوقين؟ سيقولون: لا تشابه صفات المخلوقين، فيثبتون الحياة والعلم والقدرة، ويثبتون لله تعالى السمع والبصر والكلام، ويثبتون لله الإرادة، سبع صفات، فيقولون: هذه على ما يليق بجلال الله وعظمته، قالوا لهم: الغضب، الضحك، اليد، القدم؟ قالوا: لا، هذه تشابه المخلوق، قالوا: كما أنكم تقولون: اليد والغضب هي للمخلوقين، فالمخلوق له سمع وإرادة وقدرة وله علم وحياة.
لماذا لا تقولون: هذه تشابه؟ فإما أن يقولوا: إن الصفات التي لم يثبتوها لا تشابه المخلوقين فينطلقون لـ أهل السنة، وإما أن يقولوا: الصفات التي أثبتوها تشبه صفات المخلوقين فينتقلون ليصبحوا معتزلة، فأصبح الأشاعرة في برزخ، فلا هم إلى أهل السنة ولا هم إلى المعتزلة.
جاءتهم الجهمية وناقشت المعتزلة فقالت: ما منهجكم؟ قالوا: نثبت الأسماء دون الصفات، قالت لهم الجهمية: لماذا لا تثبتون الصفات لله؟ قالوا: لأن الصفات تقتضي المشابهة.
قالوا: وكذلك الأسماء الواردة في المخلوقين تسمى بهذه الأسماء ﴿قَالَتْ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ﴾ [يوسف:٥١] سمي هذا الرجل عزيزاً، وهذا من أسماء الله تعالى ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [إبراهيم:٤] فقالوا لهم: إما أن تثبتوا الصفات أو تنفوها فتكونوا مثلنا جهمية.
وجاءت الفلاسفة فناقشت هؤلاء الجهمية، فقالوا لهم: أنتم لا تثبتون لله لا أسماء ولا صفات، وبناءً عليه شبهتم الله بالمعدوم، فالذي لا أسماء له ولا صفات يكون معدوماً.
ما رأيكم أنتم أيها الفلاسفة؟ قالوا: نحن تورطنا ورطة ماذا نعمل فقالوا: إذا أثبتنا لله الأسماء والصفات شبهنا الله بالمخلوق، وإذا نفينا عنه الأسماء والصفات شبهنا الله بالمعدوم، فنقول: الله لا حي ولا ميت، ولا سميع ولا غير سميع، ولا متكلم ولا غير متكلم، فنفر من هاتين الصفتين، قالوا لهم: وقعتم في شر مما فررتم منه، والنتيجة: أنكم شبهتم الله بالممتنع.
هل يمكن أن يتصور الإنسان أنه يوجد إله لا داخل العالم ولا خارجه، ولا حي ولا ميت، ولا موجود ولا معدوم، هذا شيء ممتنع.
وقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: إن المبتدعة لا يفرون من محذورٍ مما دلت عليه النصوص فيما يتوهمون إلا وقعوا في مثله أو في شر من مما فروا منه، وهذا جزاء من أعرض عن الكتاب والسنة.
يخشى من تشبيه الله بالإنسان أو بالحي فيشبه الله بالجماد، ويخشى من تشبيه الله بالجماد فيشبه الله بالمعدوم، ويخشى من تشبيه الله بالمعدوم فيقع فيشبه الله بالممتنع، فخير له أن يبقى على ما دلت عليه النصوص ويقول: الله ليس كمثله شيء .
هناك قد يرد في الذهن -وهذا ما وقع المبتدعة فيه على وجه العموم- وهو أنهم وجدوا أن النصوص دلت على أن الله سميع والإنسان سميع: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] والله يقول: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ [الإنسان:٢] .
فقالوا: مادام أن الله له سمع والمخلوق له سمع، يجب أن ننزه الله، والنتيجة: الله ليس له سمع ولا بصر، وهذا كلام باطل، فأنت إذ تثبت نصاً لم تثبته من عند نفسك، وإنما الله هو الذي أثبته لنفسه، وبناء عليه نقول: يوجد -وهذا كلام لطيف جداً ذكره شيخ الإسلام وأومأ إليه جمع من أئمة أهل السنة - اشتراك بين أسماء الله وأسماء خلقه، بل بين صفات الله تعالى وصفات خلقه، وهذا الاشتراك في أمرين: الاشتراك الأول: في اللفظ، عندنا (سمع الله) يقول: ﴿وهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء:١] وذكر الله عن الإنسان أنه يسمى سميعاً بصيراً، هذا اشتراك في اللفظ.
الاشتراك الثاني: في المعنى المطلق الكلي العام، وهذا لا يوجد إلا في الأذهان فقط، فمثلاً: إذا قلت: سمع، ستجد يتبادر إلى الذهن مفهوم مدلول السمع ما هو، يتبادر إلى الذهن نفهم معناه، هذا الذي يتبادر إلى الذهن قالوا: هذا هو المطلق الكلي العام، هذا إذا قلنا: سمع، أين موقع هذه اللفظة؟ أو ما يرد في الذهن فقط، لكن في الخارج لا يوجد عندنا شيء، ولكن عند الإضافة يقول شيخ الإسلام: وعند الإضافة والتخصيص يتميز ذلك، فإذا قلت: سمع الله، ليس هناك مجال للاشتراك، ولا يمكن أن يشابه سمع المخلوق، وإذا قلت: سمع الإنسان، لا يمكن أن يشابه سمع الله أبداً، وإذا قلت: سمع الحيوان لا يمكن أن يشابه سمع الإنسان ولا سمع الله تعالى، فإذا فهم هذا لم يحدث عنده أدنى لبس أبداً.
ما فائدة وجود المعنى المطلق الكلي العام؟ فائدته أن يفهم الإنسان مطلق الألفاظ والنصوص الواردة عليه، ولو لم يوجد المعنى المطلق لأصبحت نصوص الكتاب والسنة نصوصاً جوفاء لا نعرف مدلولها أصلاً كما تقوله المفوضة من المبتدعة، فإنهم يقولون: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] لا نعرف ما معنى السمع، ولا نعرف ما معنى البصر، ولا نعرف ما معنى الحياة، ولا الإرادة، ولا القدرة، ولا غيره، إذاً ما هو مدلوله فإن الله وصف نفسه بها؟ قالوا: الله أعلم بها، نفوض معناها إلى الله، وهذا كلام باطل، وهم بهذا صدوا القلوب عن معرفة الرب بأسمائه وبصفاته، ولا شك أن في هذا اتهاماً لخطاب الشارع، بأنه ليس مفهوماً ولا مدلول له ولا يعرف إطلاقاً، ولذلك يحتاج إلى شيء من التفصيل والإيضاح وغيره.
ولذلك قال بعض المبتدعة مقالتهم الباطلة وإن كان هذا ليس قول المفوضة، قالوا: علم السلف أسلم، وعلم الخلف أعلم وأحكم، وهذا كلام باطل لا شك فيه، يقولون: علم السلف أسلم، بمعنى: أن السلف ﵏ ورضي عنهم إذا جاءتهم النصوص يقولون: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، لا يتعرضون للكيف ولا للتفصيل ولا لغيره، فقط يقول لك: آمن بها وبما دلت عليه لأن النص دل عليه، والخلف قالوا: أعلم وأحكم لأن لهم دراية ومعرفة أفضل مما عند سلف الأمة، ولا شك أن هذا الكلام باطل لا شك في بطلانه، فإن السلف علمهم أسلم وأعلم وأحكم وأدرى بمدلول النصوص ومعرفة خطاب الشارع من هؤلاء الخلف المبتدعة الذين لم يفهموا ما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
стр. 157
صفات الله كمال من جميع الوجوه
الأصل الثالث: أن صفات الله تعالى كلها صفات كمال لا نقص فيها بوجه من الوجوه، أي صفة لله تعالى فهي صفة كمال كما لا نقص فيها بوجه من الوجوه، فمثلاً: السمع، البصر، اليد، القدم، الإصبع، الضحك، العجب إلى غيره، كلها صفات كمال لا يوجد فيها نقص، ولهذا قال بعض السلف: كل صفة أضيفت إلى الرب فهي كمال، حتى لا يرد في ذهنك أن هذه توجب نقصاً، مثلما قال المبتدعة في: (ينزل ربنا حين يبقى ثلث الليل الأخير) قالوا: كيف ينزل ولا حاجة للنزول، والنزول من صفات المخلوقين، ويلزم أن تكون السماوات فوقه وغيرها من الشبه التي وردت، وهذا كلام لا نقبله، نقول: بمجرد أن يوصف الله بهذه الصفة، فإنها كمال لا نقص فيها بوجه من الوجوه تلقائياً، حتى لا يرد علينا ما قاله المبتدعة أن بعض الصفات توجب النقص.
يقول العلماء رحمهم الله تعالى: إن أصل الصفات تنقسم إلى أقسام متعددة: القسم الأول: صفات كمال لا نقص فيها بوجه من الوجوه، مثل: الحياة، والعلم، والقدرة.
القسم الثاني: صفات نقص لا كمال فيها أبداً، مثل: العجز، إنسان عاجز يقال: والله ما شاء الله هذه صفة جميلة أنه عاجز، ليس فيه كمال أبداً، ومثله: الموت صفة نقص.
القسم الثالث: صفات مترددة بين الكمال والنقص، مثل: المكر، الكيد، الخداع، الاستهزاء، فترددها بين الكمال والنقص إذا كانت في باب المقابلة كانت كمالاً، وإذا أخذت وحدها كانت نقصاً، ومن الأمثلة على ذلك: إذا قيل: ترى فلاناً هذا يمكر، وهذا مخادع، هذا يعتبر نقصاً وليست كمالاً، لكن إذا قيل: ترى فلاناً هذا يخادع المخادعين كلهم، يدل على أن عنده نوعاً من الكمال، ولهذا جاءت في باب المقابلة في النصوص: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال:٣٠] هؤلاء يمكرون بالمؤمنين لكن الله يمكر بهم كانت صفة كمال، وتجد ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة:١٥] جاءت في باب المقابلة وكانت كمالاً: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً * وَأَكِيدُ كَيْداً﴾ [الطارق:١٥-١٦] جاءت مقابلة وكانت كمال.
القسم الرابع: صفات كمال في الخالق، ولكنها صفة نقص في المخلوق، مثل: صفة الكبرياء، الله هو المتكبر، لكن المخلوق إذا قيل: فلان متكبر هذه صفة نقص، لكنها في الخالق كمال.
القسم الخامس: صفة نقص في الخالق، وإن كان فيها نوع كمال في المخلوق، مثل: الصاحبة والولد، إذا جئنا نقول: والله فلان متزوج له أربع سنوات مسكين ولم يأته أولاد، يجئ إنسان يقول: الحمد لله ليس عندي أولاد، الله ليس له أولاد وأنا ما عندي أولاد هل يمتدح بهذا؟ لا.
لعل كون الولد والصاحبة يفهم منها احتياج الإنسان وضعفه وحاجته، الإنسان ضعيف، يحتاج إلى هذه الأمور، ويفهم منها نوع نقص، لكنا نعتبر هذا من الكمال النسبي.
عندنا قاعدة لـ أهل السنة والجماعة ذكرها وأومأ إليها شيخ الإسلام رحمه الله تعالى وقد أخذت عن طريق التتبع للنصوص الواردة في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ : وهي أن النصوص وردت بالإثبات المفصل وبالنفي المجمل، ويقصد به: أنك إذا أردت أن تمدح أحداً فماذا تقول له؟ هل تأتي تقول: والله إنك إنسان؟ هذا إثبات، لكن إذا قلت: أنت طالب مجتهد فاضل حافظ، تجد كل ما أعطيته صفة انشرح صدره وفرح لذلك، هذا يسمى إثباتاً مفصلاً؛ لأنك تثبت، والله قال: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الحشر:٢٤] إلى غير ذلك فهذا إثبات مفصل.
لكن النفي المجمل مثل -ولله المثل الأعلى- إذا قلنا لطالب: لا يوجد في القاعة طالب مثلك أبداً، تراه يستريح جداً جداً، لكنك إذا أردت أن تنفي عنه نفياً مجملاً فقلت له: أنت طالب -من النفي المفصل- أفضل من الكرسي، وأفضل من الطاولة، وأنت أحسن، مثلما قيل: أنت أفضل من الزبال والحمال والعامل وخير من الكلب والحمار، يضيق صدره، هل المعنى صحيح أم باطل؟ المعنى صحيح، لكنه بهذا الأسلوب ليس مدحاً.
ولذلك قيل من اللطائف: أن أعرابياً جاء يمدح الخليفة، فقال له في مدحه:
أنت كالكلب في الوفاء وكالتيس في قرع الخطوب
ما عنده إلا تيوس وكلاب، فأراد أن يمدح الخليفة بهذا، فغضب وكاد أن يفتك به، فقيل له: انتظر عليه وأمهله فجعله في القصر، في قصر الملك سنة، ثم جاء مادحاً للخليفة وأثنى عليه بقصيدة:
عيون المها بين الرصافة والجسر جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري
جاء بالغزلان وبالرصافة وبالقصور وبغيره؛ لأنه عاش في جو غير الجو الذي هو فيه، وإذا أردت أن تمدح شخصاً فخذ هذه القاعدة بالمدح والإثبات له، فإنه يكون بالإثبات المفصل وبالنفي المجمل، مثال الإثبات المفصل: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ﴾ [الحشر:٢٢-٢٣] .
ومثال النفي المجمل: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤] كذلك: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ [النحل:٧٤] ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] كل هذه تسمى نفياً مجملاً.
إذاً لا يمكن أن نتصور شيئاً من ذلك، قال العلماء رحمهم الله تعالى: قد يرد النفي مفصلاً، والأصل أن النفي مجمل، قالوا: لأمرين، ولعل المثال عليه: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٣-٤] هذا نفي مفصل، و ﴿مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَداً﴾ [الجن:٣] هذا نفي مفصل، قالوا: العلة في ذلك: أولاً: للرد على بعض من الطوائف المنحرفة، حين قالت اليهود: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣٠] والنصارى: ﴿الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣٠] حيث قالوا: لإبطال عقائد كانت موجودة مثل العقائد التي كانت عند مشركي العرب، بأنهم قالوا: إن الملائكة هم بنات الله تعالى، وإلا فإن الأصل الإثبات المفصل والنفي المجمل.
ذكر بعض أهل العلم إيماءً لطيفاً وإن كان ليس على إطلاقه: أن توحيد الأسماء والصفات هو الذي انقسمت فيه الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة، ولكن الحقيقة ليس على إطلاقه، فإن هناك مسائل خلاف أعظم من مسائل باب الأسماء والصفات، ومن الأمثلة على ذلك: طائفة الخوارج عندها انحراف، وطائفة الرافضة عندها انحراف في مسائل، وإن كان يوجد عندهم انحراف في الأسماء والصفات، ولكن كان الانحراف عندهم في باب الصحابة ﵃ وأرضاهم، وكان عندهم انحراف في ألوهية الله تعالى وفي ربوبيته، إذ يعتقدون أن أئمتهم يعلمون ما كان وما يكون إلى قيام الساعة، وأنه لا يحدث في الكون شيء إلا بعلمهم واطلاعهم، بل ولهم شيء من التدبير فيه، ولا شك أن هذا القول قول باطل بأن الانقسام كله في باب الأسماء والصفات ليس على إطلاقه، وإنما في الجملة وقع الخلاف فيه قوياً، والأصل عندنا أن نرجع إلى مسائل الاعتقاد على ضوء ما ذكره أو ما قسمه أصحاب الملل والفرق في كتبهم، فنجد أن التقسيم جزء منه يرجع إلى الأسماء والصفات، وجزء يرجع إلى الصحابة، وجزء يرجع إلى مسائل القضاء والقدر، وجزء يرجع إلى مسائل الإيمان، وغيرها من المسائل التي حدث الانحراف فيها.
стр. 158
أصناف الناس تجاه توحيد الأسماء والصفات
قد انقسم الناس في باب الأسماء والصفات إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: من لم يثبت لله تعالى الأسماء والصفات على مقتضى النصوص، وهؤلاء يسمون: بطائفة المعطلة، قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في تقسيم التعطيل على وجه العموم بعد أن ذكر أن المعطلة ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: تعطيل الصانع عن مصنوعه، ويقول: تعطيل المصنوع عن صانعه أو عن خالقه وهو أولى لأن الصانع لا يطلق على الله، وذكر بعض أهل العلم أنه يمكن أن يطلق من باب الخبر، لكن على أنه صفة من صفات الله تعالى أو اسم من أسماء الله فلم يرد نص من كتاب ولا سنة، ولكن يقال: تعطيل المصنوع عن خالقه لا مانع منه، وهذا ينطبق على المنكرين ربوبية الله تعالى، فيقال: إن الكون ليس له خالق.
القسم الثاني: تعطيل الرب عن كماله المقدس، وهو المتعلق بتعطيل أسماء الله وصفاته.
القسم الثالث: تعطيل المعاملة، ويقصد بها ما يجب لله من العبادة، وهذا يتعلق بالألوهية، فإذا لم يعبد الإنسان ربه كان قد عطل معاملته، وهي العبادة له .
يقول ابن القيم تنبيهاً لطيفاً، وهو متعلق بمبحث الأسماء والصفات: إن المعطل يعبد عدماً، والمشبه يعبد وثناً، ولا يعبدون إلهاً، لكن الموحد هو الذي يعبد إلهاً خالقاً رازقاً مدبراً مستحقاً للألوهية ، فالمعطل يعبد عدماً تجده يقول: الله ليس بسميع، ولا متكلم، وليس له إرادة ولا غير ذلك، هذا عدم لا يمكن أن يكون إلهاً.
والمشبه يعبد وثن، فالذي يقول: الله يده مثل يدي، والله له سمع مثل سمعي، وحياة مثل حياتي، وإرادة مثل إرادتي أعوذ بالله، فالله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤] فهذا لم يعبد الإله الحق وإنما عبد وثناً ولم يعبد الرب المستحق للكمال .
القسم الثاني: من أثبتها لله تعالى ولكنه شبهها بخلقه، قالوا: فصار مشابهاً للمشركين الذين يعبدون مع الله إله، فجعلوهم مشاركين لله تعالى، وهذه الطائفة ما قدرت الله حق قدره، نعوذ بالله من هذه الطائفة.
ولذلك نقل عن نعيم بن حماد، وكذلك الإمام أبي حنيفة رحمهما الله وغيرهما أنهم قالوا: من شبه الله بخلقه فقد كفر، ولذلك الله ليس يشبه أحداً من خلقه بوجه من الوجوه، فهؤلاء يقول بعض المشبهة قبحه الله، والتشبيه كثيراً ما يوجد في الكرامية، ويوجد في غلاة الرافضة مثل بيان بن سمعان، وإن كان في غيره أكثر مثل هشام بن الحكم، وهشام بن سالم الجواليقي، فكان أحدهم يقول قبحه الله: سلوني عن الله كل شيء إلا السوءتين، قاتله الله أنى يؤفك، وهذا هو الكفر.
ولذلك يقولون: طوله كذا وعرضه كذا، وله طعم وله غير ذلك، ونعوذ بالله أن نشابه الله بأحدٍ من خلقه، بل لله سبحانه الأسماء الحسنى وله الصفات العلى.
سؤال: أيهما أشد جرماً المشبهة أم المعطلة؟ المعطلة، لأنه أدى قولهم إلى نفي وجود الله ، وإن كانت كلاهما كما قيل: حنانيك بعض الشر أهون من بعض، وليس معنى هذا: قرب المشبهة إلى أهل السنة! لا، كلهم طوائف ضلال، لكن يقال: إن المعطلة أشد جرماً من المشبهة؛ لأن هؤلاء المعطلة أدى بهم قولهم إلى نفي وجود الله تعالى، وإن كانوا لا يقولون: إن الله ليس موجوداً.
عندنا الآن الطائفة الثالثة: من أثبتت لله أسماء وصفات مع نفي مشابهة المخلوقين، وهؤلاء هم الموحدون، إثبات بدون تمثيل ولا تشبيه ولا تعطيل، وكذلك نفي دون تعطيل، ولذلك وجب علينا أن نؤمن بأن ما وصف الله به نفسه في كتابه، وعلى لسان رسوله ﷺ ، نثبته لله من غير تحريف ولا تعطيل ولا تأويل ولا تكييف ولا تشبيه ولا تمثيل، هذا هو الواجب علينا أن نسير على ضوئه، فنصبح قد تمسكنا بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
هؤلاء الذين ضلوا في باب الأسماء والصفات يقال: أنهم ليسوا على منهج أهل السنة والجماعة، والسبب في ذلك: أن هؤلاء المبتدعة لم يأخذوا بسنة النبي ﷺ ، فلو قلنا: المشبهة هل معهم دليل من السنة؟ لا.
هل معهم دليل من الكتاب؟ لا.
وكذلك ليسوا على ما كان عليه جماعة المسلمين -سلف الأمة من الصحابة ﵃ ومن سار على نهجهم- فـ المشبهة فهؤلاء لا يمكن أن ننسبهم إلى أهل السنة والجماعة، بل إن الناظر في أقوالهم يعلم الاضطراب عندهم، ولعلنا سنتكلم بشيء من التفصيل في قول المؤلف:
قبحاً لمن نبذ القرآن وراءه وإذا استدل قال يقول الأخطل
يعني: نجد مثالاً يسيراً للأشاعرة، فإن الأشاعرة أثبتوا سبع صفات وبعضهم أثبت عشراً، وبعضهم أثبتوا ثلاث عشرة صفة، وبعضهم أوصلها إلى عشرين صفة لله تعالى، اضطراب ليس عندهم دليل، تراهم يتخبطون لم يسيروا على ضوء ما سار عليه أهل السنة والجماعة.
إذاً أصبح من منهج أهل السنة أن الواجب على المسلمين جميعاً في نصوص الكتاب والسنة إبقاء دلالتها على ظاهرها، فإذا قيل: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤] نثبت اليد لله (يضحك الله! لرجلين يقتل أحدهما الآخر) نثبت لله الضحك ونبقيه على ظاهره ولا نتعرض له بشيء من الزيادة ولا التحريف ولا النقص، فلا ننفي عن الله ولا نثبت إلا بنصٍ من كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ .
стр. 159
قواعد جليلة في باب الأسماء والصفات
ذكر شيخ الإسلام قواعد في باب الأسماء والصفات منها:
стр. 160
القاعدة الأولى: القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر
القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر، ذكرها في رسالة التدمرية، وهذه القاعدة يرد بها شيخ الإسلام على الأشاعرة، وقد نقول: يرد بها كذلك على الماتريدية، ويرد بها كذلك على الكلابية، وإن كان كلام شيخ الإسلام يقول: إنه يرد بهذه على الطوائف المنحرفة ممن تسمى الصفاتية، فإن لفظ الصفاتية يطلق على الذين يثبتون الصفات، وهذا اللفظ ينطبق على أهل السنة، وينطبق على الأشاعرة والماتريدية والصفاتية؛ لأنهم يثبتون الصفات، لكن أولى من ينطبق عليهم هم أهل السنة؛ لأنهم يثبتون جميع أسماء الله وصفاته، أما هؤلاء فإنهم يثبتون بعضاً دون بعض.
وقصد شيخ الإسلام في: (القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر) أن الصفات التي نثبتها إذا أثبتنا لله أي صفة فلابد أن نقول: ما أثبتناه من الصفات مثل: السمع أو البصر أو الحياة، هل هذه الصفات التي أثبتناها تشبه صفات المخلوقين أم لا؟ إن قلنا: لا، إنها كما يليق بجلال الله وعظمته، فيجب أن نقول في اليد والإصبع والقدم وغيرها نقول: هي لا تشبه صفات المخلوقين، وإن قلنا: تشبه صفات المخلوقين فإما أن تثبت الجميع أو تنفي الجميع؛ لأن الباب واحد.
стр. 161
القاعدة الثانية: القول في الصفات كالقول في الذات
من القواعد التي ذكرها شيخ الإسلام: (القول في الصفات كالقول في الذات) ولعل شيخ الإسلام يرد على المعتزلة والجهمية، وانطباقه على الجهمية عظيم، فمثلاً: الجهمية الذين يقولون: الله ليس له أسماء ولا صفات، نسألهم: هل تثبتون لله ذاتاً أم لا تثبتون لله ذاتاً؟ فإن قالوا: نثبت لله ذاتاً.
قلنا لهم: هل ذات الله مثل ذات المخلوقين أم تختلف؟ فإن قالوا: لا، الله له ذات تليق بجلاله وعظمته.
نقول لهم: فإن الذات التي تقولون: تليق بجلاله وعظمته لها صفات تليق بالله تعالى وتليق بجلالته وعظمته، فإن الباب واحد.
стр. 162
القاعدة الثالثة: كل نفي في القرآن فهو لإثبات كمال ضده
من القواعد التي ذكرها العلماء رحمهم الله تعالى، وأومأ إليها شيخ الإسلام وشارح الطحاوية وغيرهم: (كل نفي ورد في الكتاب والسنة لم يقصد لذاته وإنما قصد لإثبات ضد هذه الصفات) مثل: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [الكهف:٤٩] ما المقصود منه؟ إثبات كمال العدل لله تعالى.
ومثله: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥] إثبات كمال قيوميته وكمال حياته .
ومثله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ﴾ [فاطر:٤٤] نفي العجز عن الله تعالى إثبات كمال قدرته، حتى لا تأتينا طوائف المبتدعة، ولعل مبحث الصفات يحتاج إلى مزيد بسط وعناية أكثر مما أمررناه إمراراً سريعاً، فإن الطوائف قد تخبطت في الأسماء والصفات تخبطاً عجيباً، وانحرفت انحرافاً كبيراً، وأصبحت لم تلتزم أو لم يكن على المنهج الحق إلا من أخذ بظاهر ما دلت عليه نصوص كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
стр. 163
القاعدة الرابعة: السؤال في كيفية الصفات كالسؤال في كيفية الذات
من القواعد ما ذكره العلماء رحمهم الله تعالى وهذه القاعدة نقلت عن جمع من سلف الأمة رحمهم الله تعالى: من سألك عن كيفية صفات الله تعالى فيمكنك أن ترد عليه بجوابين، إذا سألك الإنسان: كيف يضحك الله؟ كيف يتكلم الله؟ كيف يسمع الله؟ كيف يبصر الله؟ فلك جوابان لهذا الرجل: الجواب: الأول: أن تجيبه بالإجابة المشهورة التي نقلت عن الإمام مالك، ونقلت عن ربيعة، ونقلت عن إحدى زوجات النبي ﷺ ، فنقول: السمع معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عن الكيفية بدعة، مثلما قال الإمام مالك في الاستواء: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.
الجواب الثاني: إذا سأل: كيف سمع الله؟ تسأله كيف هو الله؟ كيف ذاته؟ هل يستطيع إجابةً، فسيقول: لا أدري، وكذلك كيفية صفاته، لكن الصفة نعلم مدلولها، السمع نعرف مدلوله، الاستواء نعرف مدلوله في اللغة العربية، ونعرف ما المقصود به، والحياة نعرفها، مثلما يقول العلماء رحمهم الله تعالى عندما تكلمنا على حب الصحابة، لما قال ابن القيم: لا يوجد حد أعظم من تعريف المحبة من المحبة هي، بوجودها في الإنسان نعرف مدلولها، والمقصود منها، فإذا قال الله: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤] نعرف ما مدلول المحبة، لكن كيفية هذه المحبة نقول: الله أعلم، فتصبح المحبة معلومة، والاستواء معلوم، والكلام معلوم وغيره، فنقول: هذه نثبتها لله.
ومثل الآن تجد بعضاً من الكتاب وبالأخص بعض المعاصرين يقول: وقد ورد على لسان الرب، لفظة اللسان لا نثبتها لله أبداً؛ لأنه لابد من نص يدل عليها، وإذا لم يرد نص فإنا نمسك، ونقول: الله يتكلم كيف كلامه؟ نقول: يتكلم بكلام يليق بجلاله وعظمته.
فلو جاء الإنسانَ بعضٌ من المبتدعة، ولعل ممن أومأ إلى هذا الإمام الغزالي في كتابه: المقصد الأسنى لشرح الأسماء الحسنى، لما ذكر الله أن الله يبصر لكن يبصر بغير أهداب ولا جفون ولا حدقة ولا غيره، هذا تفصيل في النفي لا دليل عليه أصلاً، وتجد مثلاً إنساناً يقول: الله يتكلم لكن بغير لسان ولا شفتين ولا أوتار صوتية، ولا ولا، من أين جئت بهذا التفصيل؟ فنقول: الله يتكلم بكلام يليق بجلاله وعظمته، وكلام الله ليس ككلام المخلوقين، بل هو له لا يشاركه فيه أحد, وهذا هو الواجب علينا.
стр. 164
القاعدة الخامسة: الإيمان بما أخبر به الوحي عرفناه أم لم نعرفه
ذكر العلماء قاعدة ولعلنا نختم بها باب الأسماء والصفات، وهي أنه يجب علينا الإيمان بما أخبر به الرسول ﷺ ، سواء عرفناه أو لم نعرفه؛ لأن الرسول ﷺ هو الصادق المصدوق، وقد ورد في مسند الإمام أحمد من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁ يقول: [لقد جلست أنا وأخي ومشيخة من أصحاب رسول الله ﷺ ، كنا جلوساً عند باب من أبواب النبي ﷺ ، فكرهنا أن نتحدث فنزعج النبي ﷺ أو نقرع عليه، فجلسنا عند حجرته، وجلسنا نتذاكر آية من آيات القرآن] فحصل نقاش بينهم وارتفعت أصوات الصحابة ﵃ وأرضاهم، ولما سمع النبي ﷺ أصواتهم مرتفعة خرج عليهم مغضباً قد احمر وجهه، يرميهم بالتراب صلوات الله وسلامه عليه، ويقول: (مهلاً يا قوم، بهذا أهلكت الأمم من قبلكم، باختلافهم على أنبيائهم، وضرب الكتب بعضها ببعض، إن القرآن لم ينزل يكذب بعضه بعضاً، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه) ولعل هذا هو مصداق ما قاله الإمام الشافعي ﵀: آمنت بالله وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت برسول الله وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله ﷺ ، وهذا هو مقتضى التسليم، وسيأتي لها مزيد بيان عند قوله المؤلف ﵀:
وأرد عهدتها إلى نقّالها وأصونها من كل ما يُتخيل
ونصلي ونسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 165
شرح لامية شيخ الإسلام ابن تيمية (الدرس الحادي عشر)
أسماء الله وصفاته توقيفية لا مجال للعقل والرأي والهوى في الخوض فيها، والألفاظ المجملة التي تطلق على الله يستفسر عن معناها، فإن كانت حقاً أثبتت باللفظ الشرعي، وإن كانت باطلاً ردت.
وإن من صفات الله تعالى الفعلية والذاتية صفة الكلام، وقد افترقت الطوائف وتباينت في هذه المسألة، والصواب أن الله تعالى يتكلم بما شاء متى شاء كيف شاء، والقرآن كلام الله حروفه ومعانيه منه بدأ وإليه يعود، والقول بأن القرآن مخلوق كفر، وفي هذا الدرس مع ما سبق بعض المصطلحات المهمة في باب الأسماء والصفات؛ حتى لا تختلط الأفهام أو تزل الأقدام بعد ثبوتها.
стр. 166
أسماء الله ليست محصورة بعدد معين
الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد فإن أهل السنة عندهم قاعدة يقولون: إن أسماء الله وصفاته ليست محصورة بعدد معين، وما ورد في الحديث: (إن لله تسعاً وتسعين اسماً) لم يقصد منها الحصر، ويستدلون على ذلك بدليلين: الدليل الأول: قول النبي ﷺ : (اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك وفيه: أو استأثرت به في علم الغيب عندك) فدل على أن من أسماء الله ما استأثر الله بعلمه عنده ولا يُطَّلَعُ عليه.
الدليل الثاني: حديث الشفاعة، فإن النبي ﷺ قال: (فأسجد تحت العرش، فيفتح الله عليَّ بمحامد لم أكن أعرفها من قبل) وما يُحمد به إنما يكون في أسمائه وصفاته ، فدل على أن لله أسماء وصفاتاً تليق بجلاله وعظمته.
стр. 167
أقسام صفات الله وحقيقتها
يقول العلماء: إن صفات الله تنقسم إلى قسمين: ١- صفات ثبوتيه.
٢- صفات سلبية.
فالصفات الثبوتية هي التي ورد ثبوتها في الكتاب والسنة كالسمع، والبصر، والحياة، والعلم، والقدرة.
والصفات السلبية: هي الصفات التي نفاها الله عن نفسه أو نفاها عنه رسوله ﷺ كالعجز، والظلم، والولد والصاحبة وغيرها.
وصفات الله الثبوتية تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: صفات ذاتية.
القسم الثاني: صفات فعلية.
فالصفات الذاتية: هي التي لا تتعلق بالإرادة والمشيئة، مثل: الحياة، والسمع، والبصر، والعلم.
والصفات الفعلية: هي التي تتعلق بالإرادة والمشيئة، كالمحبة، والغضب، والرضا، والنزول وغيرها من صفات الله تعالى، كل هذه الصفات قاعدتنا فيها هي قول الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤] فلا يتطرق إلى أذهاننا شيء من التشبيه أو التجسيم لله .
стр. 168
لفظ القديم بين النفي والإثبات
ثم قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
وأقول في القرآن ما جاءت به آياته فهو القديم المنزل
لفظ: (القديم) عندنا، ولعل هذا اللفظ: (القديم) كان هو السبب في التوقف في نسبة هذه الرسالة أو هذه المنظومة إلى شيخ الإسلام ابن تيمية، ولكن يمكن أن يحمل على محملٍ صحيح، وعندها لا يوجد ثمة إشكال في الجملة.
الأصل أن إطلاق القرآن أنه (قديم) ليس هو قول أهل السنة والجماعة، والسبب في ذلك: أن هذا القول -كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية - أول من أحدثه هو عبد الله بن سعيد بن كلاب، وسار عليه طوائف، فـ الأشاعرة يرون أن كلام الله قديم، وكذلك السالمية يعتقدون أن كلام الله قديم، ولهذا تُحمل أو تُخرج هذه اللفظة كما في نسخة: (وهو الكريم المنزل) فإذا جاءت: (وهو الكريم) انتهى الإشكال، وليس في العبارة شيء من الوهم، ولكن تحمل على معنىً يقصد به، وهو ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة في كلام الله بأنه قديم النوع حادث الآحاد، متعلق بالإرادة والمشيئة بحرف وصوت يسمع، وكل لفظ وجزئية من هذه العبارة ترد على طائفة انحرفت.
وأهل السنة والجماعة في كلام الله تعالى منضبطون بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فقولنا: قديم النوع، فيه رد على الكرامية التي تعتقد أن الكلام حدث لله بعد أن لم يكن متكلماً فكان، لم يكن متكلماً ثم حدثت له صفة الكلام، وهذا الكلام ليس صحيحاً بل باطل، والسبب أنه يؤدي إلى أن يكون الله ناقصاً ثم وجد له الكلام فأصبح كاملاً به، ولهذا قالوا: أصلها قديم، أي: أنه لا بداية لكلام الله تعالى، فنقول: أفي هذا الزمن بدأ يتكلم وقبله لم يكن متكلماً؟ بل الله موصوف بالكلام أزلاً ولا بداية لكلامه .
قولنا: حادث الآحاد، أي: أن آحاده متجددة، بمعنى: أن الله قبل أن يخلق آدم خاطب الملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة:٣٠] ثم بعد أن خلق الله آدم قال له: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة:٣٥] هل كل هذا الكلام كان في وقت واحد؟ لا، الله تكلم قبل أن يخلق آدم، ثم تكلم بعد أن خلق آدم، كذلك قال لآدم: اخرج أنت وزوجك، أمرهم بالخروج من الجنة، فحدث كلام، ثم كلم موسى بعد ذلك، ثم كلم محمداً ﷺ ، ولم يزل ربنا يتكلم متى شاء كيف شاء.
وقولنا: متعلق بالإرادة والمشيئة: وهو أنه بمعنى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢] وإذا أراد الله أن يتكلم بالوحي أخذت السماوات منه رجفة، دل على أنه متعلق بإرادته ومشيئته، يتكلم متى شاء كيف شاء وبما شاء يتكلم.
وقولنا: (بحرف وصوت) : لا يمكن أن يكون الكلام أبداً إلا بحروف؛ ولأننا نجد من طوائف المبتدعة من تقول: إن الكلام حدث كله في وقت واحد، وهذا قول للسالمية، فمثلاً: بسم الله الرحمن الرحيم، أو أي آية من القرآن قالوا: إنها خرجت جملة واحدة، فلم يتقدم الميم على الباء، في باسم الله، بل خرجت كلها خروجاً واحداً، وهذا كلام باطل لا يمكن أن نسلم به بوجه من الوجوه، بل إن مجرد التأمل -كما قال الإمام ابن القيم - يكفي في بطلان هذا الرأي، وبطلان هذا القول.
وقولنا: (بحرف وصوت يسمع) رداً على المبتدعة الذين يقولون: إن كلام الله لا يسمع، كذلك بالصوت، فقد قال البخاري رحمه الله تعالى وذكره الحافظ ابن حجر وغيره من كبار أئمة السلف: إن كلام الله بصوت، والدليل عليه: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ﴾ [مريم:٥٢] والنداء لا يكون إلا بصوت، إذا قيل: نادِ فلاناً، لا يمكن أن تناديه بدون صوت، والله نادى موسى ﵊، ونادى محمداً، وحصل له مناداة ومناجاة، ويقال: إن النداء يكون بصوت مرتفع، والنجاء يكون بصوت منخفض، وكلها تدل على أن فيها صوتاً، وأنها تسمع، فسمع آدم كلام الله, وسمع موسى كلام الله، وسمع محمد ﷺ كلام الله تعالى.
نأتي إلى لفظ: (القديم) إطلاق القدم بالنسبة للرب نجد أن صاحب الطحاوية قال: (قديم بلا ابتداء، دائم بلا انتهاء) والأصل عندنا في الألفاظ التي نصف الله تعالى أو نسمي الله بها أنه لابد فيها من نص، فلفظ القديم لا نطلقه على الله تعالى على أنه من أسمائه وصفاته لأننا لم نجد له دليلاً من كتاب ولا سنة، وإنما الدليل ورد في الأول: (أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء) أما إطلاق (القديم) فإنه لا يعتبر من أسماء الله الحسنى.
ومن غرائب المتكلمين أنهم يجعلون أخص وصف لله هو القدم!! وهذا قول للمعتزلة، وذكر العلماء رحمهم الله تعالى أن لفظ القدم ليس من الأسماء أو الصفات التي هي حسنى، والسبب: أن الله لما ذكر القمر قال: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس:٣٩] والعرجون القديم دل على أنه كان من قبل فيه كمال ثم رجع عرجوناً، والعراجين هي في النخل يحصل فيها ميلان، ثم بعد ذلك كانت قبل ليست مائلة، ثم حدث فيها ميلان، ووصف القدم يدل على أنه كان سابقاً فيه شيء من الحسن، ثم بعد ذلك تقادم فأصبح الناس لا يرون فيه حسناً، ولهذا تجد أن العملات القديمة والآثار القديمة وغيرها ليست مجالاً لأن يعتز بها وتعتبر شيئاً حسناً في الجملة، ولهذا لما ذكر الله: ﴿أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ﴾ [الشعراء:٧٦] يعني: المتقدمون عليكم أنتم.
وذكر الله أن فرعون يقدم قومه يوم القيامة بمعنى: يتقدم قومه، وسميت القدم قدماً نظراً لأنها تتقدم على جسد الإنسان أو على بدنه في المشي، لكن إدخال (القديم) في أسماء الله الحسنى ليس بصحيح، بل هو مشهور عند أهل الكلام، وقد أنكر السلف عليهم في هذا، ولكن نقول: الأولى الأخذ بضابط الشرع ونقول: (أنت الأول فليس قبلك شيء) وهو الصحيح الذي دل عليه الكتاب وسنة النبي ﷺ .
стр. 169
أقوال الناس في كلام الله تعالى
ذكر العلماء ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في الفتاوى، وكذلك الإمام ابن القيم في الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة، وكذلك شارح العقيدة الطحاوية وغيرهم: أن أقوال الناس في مسألة كلام الله متعددة ومختلفة، حتى ذكر بعضهم أنها تصل إلى تسعة أقوال، ولن نتعرض للأقوال كلها؛ لأن بعضها قد انقرض، لكن نذكر ما تمس الحاجة إليه.
стр. 170
قول الاتحادية في كلام الله
القول الأول: قول الاتحادية: وهم الذين يقولون: إن الكون كله متحد في ذاته، ويقولون: إن كل كلام في الكون كله فهو لله تعالى، وهذا الكلام باطل لا شك في بطلانه، وبناءً عليه يكون الكفر والسحر والشتم واللعن والهجاء وكذلك الفحش كله كلام لله تعالى، ويقول شاعرهم:
وكل كلام في الوجود كلامه سواء علينا نثره ونظامه
أي: كل كلام في هذا الوجود فهو كلام الله تعالى، وهذا قول باطل، وهو مبني على أصلهم الذي أصلوه، وهو أن عين هذا الوجود واحد، فيقولون:
العبد رب والرب عبد يا ليت شعري من المكلف
إن قلت عبد فذاك رب أو قلت رب أنَّى يكلف
أي: لا فرق بينهما إطلاقاً، وهذا كلام لا شك في بطلانه، وقد دل الكتاب والسنة على نفي هذا، وأصل المذهب باطل، فإنهم يقولون: إن كل شيء في هذا الوجود هو رب ولا فرق فيه.
إذاً الكلام هو كلام الرب، وليس هناك فرق بينه وبين كلام غيره من المخلوقات.
стр. 171
قول الفلاسفة في كلام الله
القول الثاني: وهو مذهب الفلاسفة، ولعلنا نومئ إليه نظراً لأنه يوجد من تأثر بـ ابن سينا والفارابي والطوسي وغيرهم، هؤلاء الفلاسفة يقولون: إن الكلام هو فيض فاض على العقل الفعال وعلى نفس فاضلة زكية، وهذا مبني على قولهم الباطل، وهو: إن الإنسان يمكن أن يخرج قرآناً، وأن يكون نبياً، ولذلك يقول الفلاسفة: إن النبوة مكتسبة، يمكن أن يكتسبها كل أحد، لكن بشروط: ١- قوة التأثير.
٢- قوة التصور والتخيل.
٣- قوة التعبير، فإذا وجدت هذه يمكن أن يكون الإنسان نبياً، وأن يخرج للناس قرآناً أياً كان هذا الشخص، بشرط أن توجد فيه هذه الشروط وهذا الكلام لا شك في بطلانه، بل هذا هو عين الكفر، إذ أنه كيف يمكن أن تكون النبوة مكتسبة، وبناءً عليه يقولون: إن قضية الأنبياء والرسل والملائكة وغيرهم هذه تخيلات يتخيلها النبي فقط، ولا يوجد ملك يكلمه، أو يوجد كلام صدر إليه، وإنما هو من عقله الفعال.
ومن الأمثلة على قضية التأثير العقلي الفعال: أنك قد تسير في الطريق بسيارتك، وتنظر إلى أمامك وإذا بشخص يحرك يديه ويتكلم، تمر ولا أحد عنده يتكلم معه، وعنده مشكلة معينة أو موقف معين، فيفرغ ما في نفسه بالكلام وبالصوت، ويحرك يديه تحريكاً عنيفاً، ويتحدث، وتشعر أنه تكلم، وهو الآن ليس عنده أحد، لكن أصبح عقله يتفاعل مع الحدث الذي حدث، فهم يقولون: محمد عنده هذا التصور وأخرج للناس قرآناً، ويمكن أن يكون لكل أحد، ولا شك أن هذا هو الكفر وهذا باطل.
стр. 172
قول الجهمية في كلام الله
القول الثالث: وهو قول الجهمية، ويدخل فيهم جزء من المعتزلة، وإن كان الجهمية لهم مذهب فريد، وهم يقولون: إن كلام الله تعالى مخلوق، وهو من بعض مخلوقات الله تعالى، ولم يقم به كلام أبداً، وإنما يعتبر خلقاً من مخلوقات الله تعالى، وهذا الكلام لا شك في بطلانه، ولهم أدلة على هذا يمكن أن نومئ إلى دليل واحد ونبين بطلان مذهبهم من خلاله فيما بعد.
стр. 173
قول جعفر بن حرب في كلام الله
القول الرابع: وهو قول من يزعمون أن كلام الله عرضاً وليس حقيقياً، والأعراض هي التي تذهب وتزول، وذكروا أنه مخلوق، وأحالوا أن يوجد في مكانين في وقت واحد، وزعموا أن المكان الذي خلق كلامه فيه محال انتقاله منه، أي: أن الله خلقه في مكان معين، ويستحيل أن ينتقل إلى جهة أخرى، وهذا نقل عن جعفر بن حرب، وأكثر البغداديين.
стр. 174
قول الكلابية في كلام الله
القول الخامس: وهو قول الكلابية، نظراً لأن أول من قال بالقدم في كلام الله تعالى هو: عبد الله بن سعيد بن كلاب، وهذا الرجل يقول: إن الكلام معنىً قائم بالنفس، لا يتعلق بالإرادة والمشيئة أبداً، وأنه لازم لذات الرب كلزوم الحياة والعلم والقدرة، وأنه لا يسمع على الحقيقة، والحروف والأصوات ليست إلا حكاية عن كلام الله، وليست هي كلام الله، وهي مخلوقة من المخلوقات، وهذا يؤدي إلى نفي أن يكون الكلام صفة من صفات الله تعالى.
стр. 175
قول الأشاعرة في كلام الله
قول الأشعري ومن وافقه، وهو مذهب الأشاعرة المنتشر أن كلام الله معنىً واحد، قائم بذات الرب ، وهو صفة قديمة أزلية، وقالوا: هو معنىً نفسي، وليس بحرف ولا صوت، ولا ينقسم، ولا يتبعض ولا يتجزأ ولا غير ذلك وقالوا: إن كلام الله واحد فقط، فالأمر والنهي معناه واحد، والتوراة والإنجيل معناهما واحد لا فرق بينهما، وهذا كلام باطل لا شك في بطلانه.
كون كلام الله نفسي هذا باطل، وكون معناه واحد باطل، وكون التوراة والإنجيل والقرآن كلها واحدة هذا ليس بصحيح هل ما ورد في القرآن هو ما ورد في التوراة وهو ما ورد في الإنجيل؟ لا، والله قد قال: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾ [المائدة:٤٨] فجعل الله لمحمد شرعة، وجعل لموسى شرعة، ولعيسى ولغيره من أنبياء الله جعل لكل واحد شرعةً ومنهاجاً.
стр. 176
قول السالمية في كلام الله
القول السابع: وهو قول السالمية ومن وافقهم من أتباع الأئمة الأربعة، وبعض أهل الحديث قالوا: إن كلام الله تعالى صفة قائمة بذات الرب ، وأنه لم يزل ولا يزال يتكلم، وأنه لا يتعلق بإرادته ولا مشيئته، وحروفه وأصواته وسوره وآياته كذلك سمعها جبريل من الرب، ومحمد سمعها من جبريل، وذكروا أن القرآن خرج جملة واحدة، مثل: باسم الله لم تسبق الباء الميم، وإنما خرجت دفعة واحدة، وهذا كلام باطل.
стр. 177
قول الكرامية في كلام الله
القول الثامن: قول الكرامية حيث ذكروا أنه متعلق بالإرادة والمشيئة، وقائم بذات الرب ، وهو حروف وأصوات، ولكنهم قالوا: إنه حدث بعد أن لم يكن، أي: حدث كلام الله بعد أن لم يكن متكلماً، كان الله غير متكلم ثم بعد ذلك تكلم، ولا شك أن هذا الكلام باطل؛ لأنه يلزم منه أن يوصف الله بالنقص، إذ أنه كان ناقصاً ثم حدثت له صفة الكلام.
ونحن نقول: هل الكلام صفة مدح أم صفة ذم؟ الجواب: بالاتفاق أن الكلام صفة مدح، وبناءً عليه إذا قلنا: إن الله لم يكن متكلماً ثم تكلم كان يلزم منه أن يكون الله فيه نقص ثم بعد ذلك حدث له الكمال، وهذا كلام باطل، ونحن نعلم أنه لم يحدث لله صفة لم تكن من قبل.
ولهذا قال الطحاوي ﵀ في متنه: (ليس بعد خلق الخلق استفيد اسم الخالق، ولا بإحداث البرية استفيد اسم الباري) ولهذا قال: (له معنى الربوبية ولا مربوب، ومعنى الخالق ولا مخلوق) دليل على أنه لم تطرأ عليه صفة لم تكن موجودة من قبل، بل هو قبل أن يخلق وبعد أن خلق صفاته واحدة لم يحدث له شيء من التجدد.
стр. 178
قول أهل السنة في كلام الله
القول التاسع: وهو قول أهل السنة وهو ما ذكرنا من أنهم يقولون: كلام الله قديم النوع، حادث الآحاد، متعلق بالإرادة والمشيئة، وأنه بحرف وصوت يسمع، يقول بعضهم: يجب علينا أن نؤمن بأن الله يتكلم بكلام حقيقي، وليس كلامه مجازي، حتى لا يقال: هذا معنى أو عبارة عن كلام الله تعالى، وكما يقول بعض المبتدعة في تأويلهم لصفات الرب فيقولون: اليد مجازية، والكلام مجازياً، والسمع مجازي، بل نقول: كلام الله على الحقيقة، وأنه يتكلم متى شاء، وكيف شاء، فدل على أنه متعلق بالإرادة والمشيئة، وأنه بحرف وصوت، وصوت الرب ليس كصوت الآخرين المخلوقين أبداً.
وكذلك من عقيدة أهل السنة والجماعة في القرآن: أنه كلام الله، منزل، ودل على تنزيله: ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [فصلت:٢] وكذلك تنزيل الكثير من القرآن: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة:١٨٥] ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر:١] كذلك نقول: إنه غير مخلوق والدليل على ذلك قول الله: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤] فدل على أن الخلق غير الأمر، والقرآن من الأمر وليس من الخلق، والله يقول: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤] ففرق الله بين الخلق وبين الأمر، فلو كان القرآن مخلوقاً لدخل في الخلق، فدل على أن الخلق غير الأمر، والقرآن غير مخلوق.
стр. 179
مسائل متعلقة بكلام الله تعالى
стр. 180
معنى: منه بدأ وإليه يعود
يقول العلماء رحمهم الله تعالى: (منه بدأ وإليه يعود) (منه بدأ) أي: أن الله هو الذي ابتدأ بالكلام، وتكلم به أولاً، والقرآن أضيف إلى الرب : ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦] وأضيف إلى محمد ﷺ ، وأضيف إلى جبريل: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة:٤٠] فإضافته إلى الرب إضافة ابتداءٍ، أي: أن الله هو المبتدئ بالكلام به، وإضافته إلى جبريل وإلى محمد ﷺ قالوا: إضافة تبليغ، فمحمد ﷺ مبلغ وجبريل ﵊ كذلك مبلغ عن الله، لم يأتِ بالكلام من عند نفسه أبداً.
وقولهم: (وإليه يعود) يحتمل معنيين: المعنى الأول: إليه يعود، كما روي في بعض الآثار أنه إذا لم يعمل الناس بالقرآن، أي: أطبقت الأرض على عدم العمل به، ينزه الله كتابه فيرفعه من صدور الناس ومن مدادهم، وقد روي فيها بعض الآثار، قالوا: وذلك حين تهدم الكعبة، وقالوا: قياساً على الكعبة، فإنها إذا تعطلت فلا أحد يستفيد منها ولا يحجون إلى بيت الله، ولا يعتمرون ولا غيره أرسل الله ذو السويقتين رجل من الحبشة يأتي بقومه من جهة البحر، ثم ينقضون الكعبة حجراً حجراً، وترمى في البحر.
قالوا: ومثله القرآن يُسَرَّى به من القلوب ومن المداد، فلا يبقى منه شيء.
المعنى الثاني: أي أنه يعود إلى الله تعالى وصفاً، فهو الموصوف به لا يوصف به أحد سوى الرب .
следующие страницы →