Полный текст (347 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
قول السالمية في كلام الله
القول السابع: وهو قول السالمية ومن وافقهم من أتباع الأئمة الأربعة، وبعض أهل الحديث قالوا: إن كلام الله تعالى صفة قائمة بذات الرب ، وأنه لم يزل ولا يزال يتكلم، وأنه لا يتعلق بإرادته ولا مشيئته، وحروفه وأصواته وسوره وآياته كذلك سمعها جبريل من الرب، ومحمد سمعها من جبريل، وذكروا أن القرآن خرج جملة واحدة، مثل: باسم الله لم تسبق الباء الميم، وإنما خرجت دفعة واحدة، وهذا كلام باطل.
стр. 177
قول الكرامية في كلام الله
القول الثامن: قول الكرامية حيث ذكروا أنه متعلق بالإرادة والمشيئة، وقائم بذات الرب ، وهو حروف وأصوات، ولكنهم قالوا: إنه حدث بعد أن لم يكن، أي: حدث كلام الله بعد أن لم يكن متكلماً، كان الله غير متكلم ثم بعد ذلك تكلم، ولا شك أن هذا الكلام باطل؛ لأنه يلزم منه أن يوصف الله بالنقص، إذ أنه كان ناقصاً ثم حدثت له صفة الكلام.
ونحن نقول: هل الكلام صفة مدح أم صفة ذم؟ الجواب: بالاتفاق أن الكلام صفة مدح، وبناءً عليه إذا قلنا: إن الله لم يكن متكلماً ثم تكلم كان يلزم منه أن يكون الله فيه نقص ثم بعد ذلك حدث له الكمال، وهذا كلام باطل، ونحن نعلم أنه لم يحدث لله صفة لم تكن من قبل.
ولهذا قال الطحاوي ﵀ في متنه: (ليس بعد خلق الخلق استفيد اسم الخالق، ولا بإحداث البرية استفيد اسم الباري) ولهذا قال: (له معنى الربوبية ولا مربوب، ومعنى الخالق ولا مخلوق) دليل على أنه لم تطرأ عليه صفة لم تكن موجودة من قبل، بل هو قبل أن يخلق وبعد أن خلق صفاته واحدة لم يحدث له شيء من التجدد.
стр. 178
قول أهل السنة في كلام الله
القول التاسع: وهو قول أهل السنة وهو ما ذكرنا من أنهم يقولون: كلام الله قديم النوع، حادث الآحاد، متعلق بالإرادة والمشيئة، وأنه بحرف وصوت يسمع، يقول بعضهم: يجب علينا أن نؤمن بأن الله يتكلم بكلام حقيقي، وليس كلامه مجازي، حتى لا يقال: هذا معنى أو عبارة عن كلام الله تعالى، وكما يقول بعض المبتدعة في تأويلهم لصفات الرب فيقولون: اليد مجازية، والكلام مجازياً، والسمع مجازي، بل نقول: كلام الله على الحقيقة، وأنه يتكلم متى شاء، وكيف شاء، فدل على أنه متعلق بالإرادة والمشيئة، وأنه بحرف وصوت، وصوت الرب ليس كصوت الآخرين المخلوقين أبداً.
وكذلك من عقيدة أهل السنة والجماعة في القرآن: أنه كلام الله، منزل، ودل على تنزيله: ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [فصلت:٢] وكذلك تنزيل الكثير من القرآن: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة:١٨٥] ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر:١] كذلك نقول: إنه غير مخلوق والدليل على ذلك قول الله: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤] فدل على أن الخلق غير الأمر، والقرآن من الأمر وليس من الخلق، والله يقول: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤] ففرق الله بين الخلق وبين الأمر، فلو كان القرآن مخلوقاً لدخل في الخلق، فدل على أن الخلق غير الأمر، والقرآن غير مخلوق.
стр. 179
مسائل متعلقة بكلام الله تعالى
стр. 180
معنى: منه بدأ وإليه يعود
يقول العلماء رحمهم الله تعالى: (منه بدأ وإليه يعود) (منه بدأ) أي: أن الله هو الذي ابتدأ بالكلام، وتكلم به أولاً، والقرآن أضيف إلى الرب : ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦] وأضيف إلى محمد ﷺ ، وأضيف إلى جبريل: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة:٤٠] فإضافته إلى الرب إضافة ابتداءٍ، أي: أن الله هو المبتدئ بالكلام به، وإضافته إلى جبريل وإلى محمد ﷺ قالوا: إضافة تبليغ، فمحمد ﷺ مبلغ وجبريل ﵊ كذلك مبلغ عن الله، لم يأتِ بالكلام من عند نفسه أبداً.
وقولهم: (وإليه يعود) يحتمل معنيين: المعنى الأول: إليه يعود، كما روي في بعض الآثار أنه إذا لم يعمل الناس بالقرآن، أي: أطبقت الأرض على عدم العمل به، ينزه الله كتابه فيرفعه من صدور الناس ومن مدادهم، وقد روي فيها بعض الآثار، قالوا: وذلك حين تهدم الكعبة، وقالوا: قياساً على الكعبة، فإنها إذا تعطلت فلا أحد يستفيد منها ولا يحجون إلى بيت الله، ولا يعتمرون ولا غيره أرسل الله ذو السويقتين رجل من الحبشة يأتي بقومه من جهة البحر، ثم ينقضون الكعبة حجراً حجراً، وترمى في البحر.
قالوا: ومثله القرآن يُسَرَّى به من القلوب ومن المداد، فلا يبقى منه شيء.
المعنى الثاني: أي أنه يعود إلى الله تعالى وصفاً، فهو الموصوف به لا يوصف به أحد سوى الرب .
стр. 181
أقسام كلمات الله تعالى
ونقول: كلمات الله تعالى تنقسم إلى قسمين: ١- كلمات دينية.
٢- كلمات كونية.
فالكلمات الكونية: هي التي استعاذ بها النبي ﷺ : (أعوذ بكلمات الله التامات) وهذه الكلمات الكونية ليست مخلوقة أبداً، ولو كانت مخلوقة ما جاز لنا أن نستعيذ بمخلوق، وإنما نستعيذ بالله تعالى، ونحن إذا أردنا أن نسأل الله نسأله بأسمائه وصفاته.
أما كلمات الله الدينية فهي التي تتعلق بشرعه، ومنها: القرآن، قالوا: فالقرآن يعتبر من كلمات الله الشرعية.
قضية التكليم لا شك أنها صفة وميزة خص الله بها بعض خلقه، فممن ميزه الله بصفة التكليم كما ذكر الله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٥٣] فممن كلم الله الملائكة، وكلم الله آدم ﵊، وكلم الله موسى ﵊، وكلم محمداً ﷺ .
ومنها: ما ورد في عبد الله بن حرام كما قال النبي ﷺ : (إن الله أحيا أباك وكلمه كفاحاً) دل على أن هذه ميزة، وهذا مما أخبرنا به النبي ﷺ من الأمور الغيبية.
стр. 182
أقسام كلام الله
وبالنسبة لكلام الله ينقسم إلى: ١- كوني قدري.
٢- ديني شرعي.
فالكوني القدري هو الذي توجد به الأشياء كلها، من نزول الأمطار، وإحياء الأرض بعد موتها، وكذلك في خلق الناس وإيجادهم وغيره، قالوا: هذه تتعلق بالكوني القدري، ومنه قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢] .
الكلام الثاني: الديني الشرعي، وهو المتعلق بقضية التحليل والتحريم، ويرتبط بالكتب المنزلة التي أنزلها الله على رسله عليهم الصلاة والسلام، وتكليم الله تعالى لخلقه يكون بأنواع: ١- تكليم بلا واسطة: كما كلم موسى وكلم محمداً ﷺ وكلم الأبوين.
٢- تكليم بواسطة: وهي التي تكون عن طريق إرسال الرسل إليهم، وهذه حدثت لأنبياء الله وللرسل عليهم الصلاة والسلام.
стр. 183
الرد على المعتزلة في مسألة الكلام
بالنسبة لكلام الله وهو من باب الرد على طائفة المعتزلة الذين يقولون: إن كلام الله مخلوق.
يقول العلماء رحمهم الله تعالى: إن المضاف إلى الله نوعان: الإضافة الأولى: إضافة أوصاف.
الإضافة الثانية: إضافة أشخاص أو ذوات.
فالأول: المضاف إلى الله تعالى مثل: سمع الله، بصر الله، كلام الله، وهذا لا يمكن أن يكون مخلوقاً أبداً، بل هذا يعتبر صفة من صفات الرب .
والثاني: المضاف إلى الله إضافة أعيان، كبيت الله، وناقة الله، فهذه تسمى أشياء مخلوقة، لماذا أضيفت إلى الرب؟ من باب تشريفها وعلو مكانتها.
فإذا قيل: هذا بيت الله تعالى، الكعبة بيت الله لها تعظيم، المسجد بيت الله، لكن بالنسبة لسمع الله وبصر الله، فهذا يعتبر من صفات الله تعالى، ولا يمكن أن نقول: إنه مخلوق كما قالت المعتزلة كما في قولهم: إن القرآن من المخلوقات التي خلقها الله .
وسيأتي إن شاء الله الكلام على قول المؤلف:
وإذا استدل يقول قال الأخطل
وهذا هو مذهب الأشاعرة، وأنه معنى نفسي، واستدلوا ببيت باطل، وقد رد عليه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ من تسعين وجهاً أبطل به مذهب الأشاعرة، ومواقف شيخ الإسلام هي التي جعلت الأشاعرة يقفون منه مواقف عظيمة، وكانوا يدققون عليه في كل صغير وكبير، مما أدى ذلك إلى سجنه عدة مرات بسبب صدعه بالحق، وإبطاله لبعض المذاهب التي كانت موجودة في عصره، سواء كانت ماتريدية، أو أشاعرة، أو معتزلة، أو مبتدعة، فيما يتعلق بألوهية الله والتوسل وغير ذلك.
стр. 184
أول من أحدث القول بخلق القرآن
نقول: إن أول من أحدث القول بخلق القرآن هو الجعد بن درهم، وتبعه على ذلك الجهم بن صفوان، وتبعه على ذلك بقول قوي ومذهب كبير المعتزلة: واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد وغيرهما من كبار المعتزلة، الذين قالوا: إن القرآن مخلوق، لكن أول من قال: إن القرآن قديم هو عبد الله بن سعيد بن كلاب.
ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: فلم يقل أحد من السلف بهذين القولين أبداً، ولم يقل أحد منهم: إن القرآن عبارة عن كلام الله ولا حكاية، ولا قال أحد منهم: إن لفظي بالقرآن قديم، بل كان السلف يقولون: ما دل عليه الكتاب والسنة من إثبات صفة الكلام لله تعالى على ما يليق بجلال الله وعظمته.
стр. 185
لوازم نفي صفة الكلام عن الله تعالى
يقول العلماء رحمهم الله تعالى: إن نفي صفة الكلام عن الله تعالى يلزم عليه لوازم خطيرة: الأولى: نفي صفة العلو عن الله تعالى؛ لأن الله يقول: ﴿تَنْزِيلٌ﴾ [فصلت:٢] والنزول لا يكون إلا من العلو.
فإذا قيل: إن الله لا يتكلم نفيت عنه صفة العلو.
الثانية: يلزم عليه كذلك نفي الرسالة، ويؤدي إلى نفي الكتب السماوية، كيف بلغت الرسالة إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إلا عن طريق الكلام، وأن الله كلمهم سواء كان الكلام بواسطة أو بغير واسطة، فمن الواسطة جبريل ﵊ يبلغ ما أراد الله إلى رسوله، مثلما جاءت: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ [المزمل:١] ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر:١] ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق:١] هذا كلام الرب ، فإذا نفيت الكلام نفيت النبوة والرسالة، ونفيت الكتب السماوية كلها، وأدى إلى نفي عدد من الصفات لله ، وهذا يؤدي إلى تعطيل عظيم.
سبحان الله! نجد بعض الصفات متلازمة، إذا أثبتَّ صفة أثبتَّ الجميع، وإذا نفيتَ صفة لزم عليك أن تنفي عدداً من الصفات التي تثبت للرب .
стр. 186
الرد على مقولة: لفظي بالقرآن مخلوق
مسألة: هل نقول: لفظي بالقرآن مخلوق، أو لفظي بالقرآن غير مخلوق؟ الأصل عندنا أن مثل هذه الكلمة لم يقلها الصحابة ﵃، ولم يتكلموا فيها، ولكن لما قويت فتنة المعتزلة، وكان لهم من المسائل احتاج العلماء أن يبينوا: هل لفظه بالقرآن مخلوق أم لفظه بالقرآن غير مخلوق، وهذه من الألفاظ المجملة التي تحتاج إلى شيء من التفصيل.
فإن قصد به الملفوظ أي: القرآن مخلوق كان معتزلياً، والقرآن ليس بمخلوق، لكن إن قصد أن صوته وكلامه هو الذي تكلم، وليس الُمَتَكَلَمَ به أنه مخلوق فهذا لا مانع منه، كما نقول: المداد مخلوق وهو ما يكتب به القرآن، والصحف مخلوقة، وصوت الإنسان مخلوق، وأنا إذا تكلمت فهذا مخلوق، لكن ما أتلفظ به من القرآن فليس بمخلوق، بل هو كلام الله الذي هو صفة من صفاته، ولهذا يجوز للمسلم أن يحلف بالمصحف فيقول: والمصحف أو والقرآن، نظراً لأنه هو القرآن، ولا يقصد به المداد والأوراق، وإنما يقصد به ما نسميه كلام الله الذي هو صفة من صفاته .
ذكر العلماء في مسألة النزول رداً على من قال إن النزول يدل على أنه مخلوق، وهذا كلام باطل، وذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أن الإنزال والنزول ينقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: إنزال من السماء وهذا مخلوق، وهو قول الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً﴾ [الفرقان:٤٨] .
القسم الثاني: إنزال مطلق، مثل قول الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد:٢٥] وهذا مخلوق.
الثالث: إنزال منه ، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ﴾ [النحل:١٠٢] قالوا: فهذا هو كلام الله الذي نزل به جبريل، وليس هو مخلوق، وإنما ذكر العلماء هذا التفصيل من باب الرد على المعتزلة في قولهم: إن القرآن مخلوق، وليس القرآن مخلوق، بل القرآن صفة من صفات الله .
стр. 187
صفة الكلام من الصفات الذاتية الفعلية
يقول العلماء رحمهم الله تعالى: إن صفة الكلام من الصفات الذاتية الفعلية، فصفة ذاتية بمعنى أنها لم تحدث للرب ، بل هي متعلقة بالذات، كما أن ذاته أولية لا بداية لها، فصفة الكلام أولية لا بداية لها، ولهذا قال الطحاوي: (قديم بلا ابتدأ) أي: ليس له بداية (دائم بلا انتهاء) أي: ليس له نهاية، بخلاف المخلوق فإن له بداية وله نهاية، بالأمس لم نكن شيئاً مذكوراً ثم وجدنا، وبعدها لنا نهاية ويتوفى الإنسان، ثم يحيا مرة أخرى إما إلى جنة أو نار.
وكون الكلام صفة فعلية، بمعنى: أنها تتعلق بإرادة الله تعالى ومشيئته متى شاء، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢] فالله يتكلم متى شاء كيف شاء بما شاء ، ويقولون: إن صفة الكلام قائمة بذاته، لئلا تكون شيئاً خارجاً عن ذاته كما يقول بعض المبتدعة، وهذا لا شك أنه كلام باطل.
وبناءً عليه نقول: إن أهل السنة والجماعة يقولون: إن هذا القرآن الذي نقرؤه بألسنتنا، ونحفظه في صدورنا، ونكتبه بألواحنا، وكذلك نعلم أنه كلام الله تعالى لفظه ومعناه، الواجب علينا ألا نبحث عن كيفيته، نعرف مدلول الكلام؛ لكن كيف يتكلم الرب وغيره الله أعلم بها، نقول كما قال الإمام مالك: (الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة) وهذا مما يجب.
سبحان الله! جاءت صفة الكلام صفة كمال، وفي الضد في النقص انتقد العجل الذي اتخذه قوم موسى، ومما نقد به: أنه لا يتكلم ولا يرجع لهم قولاً، كما في قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ﴾ [الأعراف:١٤٨] دل على أن من لم يتكلم فهو ناقص، والله هو المتكلم وله الكمال .
ومن قبح المعتزلة أن بعضهم قال لـ أبي عمرو بن العلاء وهو أحد القراء السبعة: أريدك أن تقرأ: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ [النساء:١٦٤] جاءت في القرآن (الله) فاعل قال: (وكلم اللهَ موسى) بنصب لفظ الجلالة، ليكون موسى هو المتكلم، أي: أن موسى هو الذي كلم الله!! فقال له أبو عمرو ﵀: هب أني قرأتها مثلما قلت، فماذا نعمل بقول الله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف:١٤٣] أي: هب أني غيرت هذه فكيف أغير الأخرى؟!! فبهت المعتزلي ولم يستطع أن يتكلم بجواب، وهذا يعتبر من التحريف اللفظي الذي انطلق إليه المبتدعة.
كان يوجد في أستار الكعبة قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] فكان بعض كبار المعتزلة يقول: إني لأتمنى أن أحك هذه من المصحف!! حتى لا يتعلم الإنسان صفة الاستواء على العرش، ويسمى هذا من التحريف اللفظي، لأن التحريف الأصل فيه التغيير.
وينقسم التحريف إلى قسمين: ١- تحريف لفظي.
٢- تحريف معنوي.
وهذا التحريف تحريف لفظي.
стр. 188
أدلة إثبات كلام الله من القرآن والسنة
أما بالنسبة للأدلة في إثبات كلام الله تعالى فكثيرة جداً في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، لما قال الله لأهل الجنة: ﴿اخْسَأُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨] ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦] ويقول الله لأهل الجنة: (يا أهل الجنة! هل رضيتم؟) وكذلك إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماوات شيئاً، فإذا فُزِّعَ عن قلوبهم وسكن الصوت عرفوا أنه الحق، فنادوا: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ﴾ [سبأ:٢٣] .
وكذلك (إن الله إذا أحب عبداً نادى جبريل: إن الله قد أحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء ويوضع له القبول في الأرض) إلى غير ذلك أحاديث كثيرة جداً تبين لنا أن الله يتكلم متى شاء، كيف شاء، بكلام يليق بجلاله وعظمته.
стр. 189
شرح قول الناظم: وأقول قال الله ﷻ
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
وأقول قال الله ﷻ والمصطفى الهادي ولا أتأول
أقول: ذكرنا أن القول يطلق ويراد به الاعتقاد، أي: وأعتقد بما قاله الله تعالى.
و (الله) علم على الرب ، وذكرنا أن هذا اللفظ لا يطلق إلا على الله تعالى أبداً، ولا يجوز أن يسمى به أحد غيره.
والصحيح أن الله مشتق، وبعضهم يقول: إنه غير مشتق، والذي يظهر أنه مشتق، ويستدل له بقول الله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ﴾ [الأنعام:٣] قوله (في السماوات) متعلق بلفظ الجلالة، أي: أن الله هو المألوه في السماوات وفي الأرض.
стр. 190
معنى ﷻ
قوله: ﷻ (جل) قال في اللسان: وجل الشيء يجل جلالاً وجلالة، أي: عظم، وجل فلان أي: عظم قدره، هذا فلان جل أي عظم.
أما (جلاله) قال ابن الأثير رحمه الله تعالى: الجلال هو العظمة، وفي لسان العرب ذكر جلّل، وقالوا في لفظة جلّل: الله جليل، وقالوا: الله الجليل ، وهو ذو الجلال، وقد ورد في القرآن: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ * تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٧٧-٧٨] قالوا: والجليل هو أي: المقصود به: الموصوف بنعوت الجلال، والجليل المطلق راجع إلى إطلاقه على الله، راجع إلى كمال صفاته ، فهو المستحق للصفات الكاملة لا يُشرك معه فيها أحد.
стр. 191
معنى المصطفى
قول المؤلف: (والمصطفى) الاصطفاء هو الاجتباء والارتضاء، ومعنى: الارتضاء والاجتباء متقارب، قال في اللسان: الاصطفاء هو الاختيار، ومنه النبي ﷺ قالوا: إنه صفوة الله من خلقه ومصطفاه، ولذلك الأنبياء يسمون بأنهم المصطفون، ونجد السبب: لأنهم قد اختيروا على سائر الناس كلهم، ويعتبر هذا من أسماء الرسول ﷺ أنه المصطفى، قال بعض العلماء: المصطفى مأخوذ من الصفوة، وهي الخلوص.
стр. 192
معنى الهادي وأقسام الهداية
أما قوله: (والمصطفى الهادي) الهادي: اسم فاعل من هدى هداية، والهداية هي الدلالة، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢] وهذه هي الهداية العامة.
والهداية تنقسم إلى قسمين: ١- هداية دلالة وإرشاد.
٢- هداية توفيق وإلهام.
هذه تسمى هداية الدلالة والإرشاد، أي: أن محمداً ﷺ يهدي الناس ويدلهم ويرشدهم إلى طريق الخير والصلاح لهم.
وفي ذكر أن النبي ﷺ مصطفى وهادٍ تنويه بشأنه وعلو منزلته، فإن الرب اصطفاه، وأصبح هادياً للناس لكل خير.
стр. 193
معنى التأويل وإطلاقاته
أما قوله: (ولا أتأول) يقصد به التغير، آل الشيء إلى هذا الشيء أي: صار إليه، هذا آل كذا، أي: صار، وقالوا: إطلاقات التأويل يطلق، ثلاثة إطلاقات، وعند السلف ليس منها إلا اثنان فقط: الإطلاق الأول الذي عند السلف: بمعنى التفسير، وهذا إطلاق صحيح، ولذلك كان ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى يقول: (تأويل هذه الآية) في تفسيره دائماً، ومنه قول النبي ﷺ لـ ابن عباس: (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل) وهذا المعنى صحيح.
الإطلاق الثاني الذي يطلق عند السلف: هو حقيقة الشيء وما يئول إليه، ومنه أن عائشة ﵂: لما نزلت ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾ [النصر:١-٣] قالت: (كان النبي ﷺ يكثر في ركوعه وسجوده من أن يقول: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي، قالت: كان يتأول القرآن) أي: حقيقة الشيء وما يئول إليه، أخبر بهذا الشيء فطبقه النبي ﷺ ، وكما في قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف:٥٣] دل على أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كانوا يحذرون الناس، ويخوفونهم من عقوبة الله تعالى، فإذا نزلت أخبر هؤلاء وقالوا: هذا تأويل الذي ذكره الأنبياء وأخبرونا به فأصبح.
قالوا: ومنه قصة يوسف ﵊ لما قال: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً﴾ [يوسف:١٠٠] فإن يوسف لما كان صغيراً قال لأبيه: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف:٤] ثم أخبره والده ألا يخبر أحداً، فلما بلغ وكبر أدخل أبويه إلى مصر وخروا له سجداً ورفع أبويه، فلما أخبر، قال: هذا تأويل، هذا حقيقة ما أخبرتك يا أبت، هذا الآن وقع، هو معنىً صحيح.
القول الثالث: صرف اللفظ عن ظاهره إلى معنى آخر لوجود قرينة، قالوا: وهذا القسم لا يرد على إطلاقه، ولا يقبل على إطلاقه، وإن كان هذا المفهوم انطلق به المبتدعة لنفي ما دلت عليه النصوص الشرعية من المعاني الصحيحة، وكان بهذا انحرافاً، ولذلك جاء التأويل: (يد الله) قالوا: هي القدرة (غضب الله) قالوا: هي إرادة الانتقام أو إرادة الإنعام في الرضا، ولا شك أن هذا معنىً باطل، وليس كل ما ورد في اللغة العربية على إطلاقه يؤخذ به فتفسر النصوص، فمثلاً نجد اليد في اللغة بمعنى القوة، ولهذا تجد الحكام والسلاطين وغيرهم يقولون: أي شخص يخالف هذا الشيء نضرب عليه بيد من حديد، هل معه يد من حديد يضرب بها الناس؟ لا، وإنما يقصد بها القوة، أي: أنه يتكلم بمنطق القوة.
وقالوا في قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤] أي: القوة، إذاً ليس معنى هؤلاء المبتدعة أن الله ليس له إلا قوتين فقط، أو النعمة، فمثلاً: حصل لك حادث وأعطاك شخص مالاً أو غير ذلك، فإنك تقول عن هذا الشخص: والله إن له يداً عندي لا أنساها أبداً، وقد أحسن، هل معناها: أعطاك يده؟ لا، وإنما أنعم عليك، وأحسن إليك بشيء فلا تنساه، فهل إذا قلنا: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤] لم يكن لله إلا نعمتين فقط، هذا تأويل باطل، والله يقول: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ) [المائدة:٦٤] وأخبر: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر:٦٧] إلى غير ذلك من النصوص الدالة على إثبات الصفات لله تعالى.
إذاً هذا هو مدلول التأويل، ولهذا نجد المبتدعة انطلقوا بقضية التأويل لتغيير ما دلت عليه النصوص، ولم يفهموا ما بُيِّنَ في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
стр. 194
منهج أهل السنة في باب الاعتقاد هو التوقيف
قول المؤلف رحمه الله تعالى هنا، في قوله: وأقول قال الله ﷻ .
هذا بيان لمنهج أهل السنة والجماعة، وأن منهج أهل السنة والجماعة في باب الاعتقاد هو التوقيف، أي: الأخذ بما دلت عليه النصوص، فهو لا يأتي برأي من عنده، وإنما يأتي بما قاله الله ﷻ وبما جاء عن المصطفى ﷺ ، والتوقيف هو أن يأخذ الإنسان بالنصوص، وإذا قلنا: هذا شيء توقيفي قطعنا وبينا أمرين: الأمر الأول: أنه ليس للعقل فيه مجال أبداً.
الأمر الثاني: أن هذه المسألة التوقيفية ليست محلاً لاجتهاد العلماء فيها أصلاً، فإذا قطعنا عن العقل وقطعنا عن اجتهاد العلماء أصبح التلقي فيها كاملاً بنص من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ويُفهم منه أنه يأخذ بظاهر ما دلت عليه النصوص، وقد ذكرنا قاعدة في باب الأسماء والصفات وهي (الأصل في نصوص الأسماء والصفات إبقاؤها على ظاهرها، وعدم التعرض لها بتأويل أو تحريف أو تشبيه أو تكييف أو تمثيل) أو غيره مما ينطلق إليه المبتدعة في مقالتهم.
стр. 195
مصطلحات في باب الأسماء والصفات
стр. 196
مصطلح التعطيل حقيقته ومعناه
التعطيل في اللغة يقصد به: الخلو والفراغ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ [الحج:٤٥] أي: بئر خالية، ليس فيها شيء يستفاد منه لا ماء ولا غيره.
والتعطيل في الاصطلاح: هو نفي ما دلت عليه النصوص من إثبات أسماء الله وصفاته أو غيره، ويدخل التعطيل على وجه العموم ما ذكرنا سابقاً في أنواع التعطيل الثلاثة التي ذكرها الإمام ابن القيم: تعطيل المعاملة، وتعطيل الصانع عن مصنوعه، وتعطيل الله عن كماله المقدس، وكل هذه الأنواع باطلة، وأهل السنة لا يعطلون أبداً إطلاقاً.
стр. 197
مصطلح التكييف
التكييف: الأصل من لفظة (التكييف) أنها لم ترد في كتاب ولا سنة، ولم يرد نفيها في شيء، ولكن أوردها أهل السنة والجماعة لما وصل المبتدعة في نفي ما دلت عليه النصوص، أو بدأت عقولهم تجول في أشياء ليس للعقل فيها مجال، ولهذا قال الإمام مالك: (الاستواء معلوم، والكيف مجهول) بمعنى أنه لا يجوز لك أن تتصور هذا الشيء وأن تكيفه.
قالوا: إن الكيفية أن يذكر كيفية الصفة، مثل أن تقول مثلاً: كيف جاء زيد؟ فتقول: جاء ماشياً، هذه كيفيته، ولذلك إذا قال: كيف يتكلم الله؟ يحتاج إلى تفصيل، كيف تتكلم أنت؟ معروف أن كلام الإنسان يتكلم بحركة لسانه وبغيره وتأتي ارتباطات أخرى، ومن لم يكن له لسان في فهمنا نحن بالنسبة للبشر لا يستطيع أن يتكلم، لكن قد يتكلم الإنسان بدون لسان وبدون شفتين وأوتار صوتية: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت:٢١] وقد تتكلم الطاولة، وقد تتكلم الحجر، وقد تتكلم البهيمة، كما ورد عن النبي ﷺ أنه قال في ذئب عدى على غنم، ثم لما جاء الراعي واستنقذها منه، قال: (من لها يوم لا راعي لها إلا أنا، فعجب الصحابة فقال الرسول ﷺ : أنا أؤمن بذلك وأبو بكر وعمر) دل على أنه قد يتكلم.
قالوا ومن مثاله: يسألك كيف لون منزلك؟ أو كيف لون المسجد؟ تقول: لونه أبيض.
стр. 198
مصطلح التمثيل
بالنسبة للتمثيل فإنه قد ورد النهي عنه في القرآن مثل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] والتمثيل ذكر مماثل للشيء، مثل أن نقول: هذا الكرسي مثل الكرسي هذا، أي: بمعنى أن فيه قرباً ومشابهة له من أغلب الوجوه، هذا القلم مثل هذا القلم، هذا الكتاب مثل هذا الكتاب، ويتبين لنا أن بين التكييف والتمثيل عموماً وخصوصاً مطلقاً، قالوا: فكل ممثل مكيف، وليس كل مكيف ممثلاً، فدل على أن مفهوم التمثيل أوسع من التكييف، وأن التكييف يكون أدق.
ولذلك قد يجتمع التكيف والتمثيل في جهة واحدة؛ لأن التكييف ذكر كيفية غيره مقرونة بمماثل، فإذا قرنت بمماثل صار التكييف والتمثيل شيئاً واحداً، فأقول: هذا القلم مثل هذا القلم، فكان فيه تكييف وتمثيل.
стр. 199
مصطلح التشبيه
بالنسبة للتشبيه نقول: الله له أسماء وصفات من غير تشبيه ولا تمثيل ولا تكييف، ولفظة الشبيه في أصلها لم يرد دليل عليها في النفي، ومن أطلقها من السلف فإنما يقصد بها التمثيل، وإذا أطلقت بمعنى التمثيل قد دل عليها النفي في نصوص الكتاب والسنة، والأولى أن نعبر بالتمثيل؛ لأن لفظ التشبيه من الألفاظ الموهمة، ووجه الإيهام: أنه ما من شيئين إلا ويوجد بينهما مشابهة، وهذه المشابهة هي المعنى المطلق الكلي العام، الله سميع والمخلوق سميع يوجد نوع مشابهة في الاسم والمعنى المطلق الكلي العام، لكن في الحقائق والأعيان لا، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] ولولم يوجد القدر المشترك من هذا الشيء ما فهمنا مراد الشارع ولا خطابه أصلاً.
فمثلاً: لو جئت بلفظة، ثم قلت مثلاً في أول مرة يسمعها الناس، حروفها عربية، لكنهم لا يعرفون مدلولها، ستجد السؤال: ما هذا الكلام؟ لكن إذا قلت مثلاً: قام، جلس، يكون عنده تصور وفهم، فإذا قلت: ينزل ربنا، انتهى الإشكال، ليس فيه مجال لشخص بأن يأتي ويقول: أعوذ بالله! أنت تقول: إن ربنا مثل المخلوق، لأنه بمجرد الإضافة والتخصيص تلغى قضية التشبيه.
إذاً التعبير بلفظ التمثيل أولى من التشبيه لأمور: الأول: لأن القرآن عبر بالتمثيل ولم يعبر بالتشبيه.
الثاني: أن التشبيه عند بعض المبتدعة يقصد به إثبات الصفات، فمثلاً: الأشاعرة والمعتزلة والجهمية يسموننا أهل السنة مشبهة، قلنا لهم: لماذا تقولون مشبهة؟ قالوا: أنتم تثبتون لله يداً، تثبتون لله قدماً، تثبتون لله إصبعاً، تثبتون أن الله يضحك، أنتم مشبهة، فلما كان لفظاً قد يرد فنقول: لو جيء بدلاً منه بالتمثيل كان أولى.
الأمر الثالث: أن نفي التشبيه ليس على إطلاقه، بخلاف التمثيل فعلى إطلاقه ننفيه عن الله، لا نقول: لا يوجد مشابهة بين الخالق والمخلوق أبداً، لأننا قلنا: يوجد اشتراك بينهما في الاسم وفي المعنى المطلق الكلي العام.
стр. 200
أهم المراجع المتعلقة بالصحابة والأسماء والصفات
بالنسبة للمراجع المتعلقة بأصحاب رسول الله ﷺ فقد اعتدت في كل موضوع أطرحه في أي درس أن أذكر المصادر، حتى يتمكن الإنسان من التوسع، وبالنسبة لأصحاب رسول الله ﷺ فالمراجع فيهم كثيرة: أولها: الكتب التي كتبت عن الصحابة ﵃ وأرضاهم، كـ الإصابة، والاستيعاب، وأسد الغابة، وكذلك فضائل الصحابة للإمام أحمد، وكل من كتب عن أصحاب رسول الله ﷺ نأخذ منهم منهجهم.
ذكرت لكم ممن كتب عن الصحابة سابقاً الإمام الذهبي رحمه الله تعالى في سير أعلامه، وأظن أني ذكرت مثالاً عن الجزء والصفحة، في (٩٢- ٩٣) ذكر الكلام الذي نقلته: بأنه ينبغي محو ما ورد من الكلام في الشجار بين الصحابة لئلا يكون في نفس الإنسان وغيره.
واللالكائي رحمه الله تعالى، والإمام ابن بطة العكبري في شرح الإبانة، وشيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى، وفي عقيدته الواسطية، وفي منهاج السنة النبوية، كتب كثيرة جداً، بل ولا نجد كتاباً فيه عقيدة أهل السنة والجماعة إلا ويتطرق لأصحاب رسول الله ﷺ .
بالنسبة لباب الأسماء والصفات، مما تميز به تميزاً عجيباً شيخ الإسلام ابن تيمية، ولعلنا نقول: من قبله الإمام أحمد رحمه الله تعالى فإنه كتب في رده على المعتزلة، والإمام عثمان بن سعيد الدارمي رحمه الله تعالى فقد رد على بشر المريسي، والإمام ابن مندة ﵀ في كتابه الإيمان بين بطلان ما كان عليه المبتدعة، ومنهج أهل السنة في باب الأسماء والصفات.
شيخ الإسلام ابن تيمية نثر الكلام على باب الأسماء والصفات من أعظم ما أفرد فيه العقيدة الواسطية وهي مختصرة، ومن أشملها تقعيداً وتأصيلاً الرسالة التدمرية، وإن كانت حقيقة عندما يدرسها الإنسان في البداية تسمى المدمرة؛ لأن الإنسان لن يستوعبها بسهولة، وتحتاج إلى حل عباراتها، وفيها نوع من الصعوبة، لكن إذا أصَّل الإنسان وقرأ كتباً قبلها، كـ الواسطية ثم بعد ذلك العقيدة الطحاوية، ثم الحموية، إذا تدرج سهلت عليه الرسالة التدمرية لأنه ذكر فيها قواعد نفيسة رحمه الله تعالى.
الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، وهو كتاب عظيم جداً، وإن لم يطبع إلا جزء منه، والمطبوع الآن كاملاً له مختصر، وذكر فيه ردوداً، وكذلك شيخنا الشيخ محمد بن صالح العثيمين ألف القواعد المثلى، وجمعها من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم، وأفردها في رسالة لطيفة نفيسة، وإن كنت أقول حقيقة إنها تحتاج إلى أن تقرأ، ونقترح لو أتت دورات قادمة أن يُقرأ هذا الكتاب ويؤصل؛ نظراً لأنه مفرد إفراداً كاملاً في باب الأسماء والصفات حتى يكون الإنسان عنده وضوح في فهم أسماء الله وصفاته، ويوجد كتاب في صفات الله لـ علوي السقاف وكتاب آخر للدكتور إبراهيم البريكان كذلك هي في أسماء الله وصفاته مفردة.
وتوجد كتب كتبت في شرح الأسماء الحسنى ولسنا بصددها؛ لأن بعضهم ينحى إليه منحىً لغوياً، وكتب ألفت من كتب الأشاعرة والمبتدعة لا يلتفت إليها في أسماء الله وصفاته، وممن كتب من الأشاعرة الفخر الرازي وأبو الحسن الأشعري والقرطبي صاحب التفسير، ولا يحتج بقوله في أسماء الله وصفاته في تفسيره ولا في كتابه، وإن كان لم يطبع، ونصلي ونسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
стр. 201
شرح لامية شيخ الإسلام ابن تيمية (الدرس الثاني عشر)
في هذا الدرس بيان منهج أهل السنة والجماعة في كيفية التعامل مع النصوص، وكذا بيان منهج أهل السنة في كلام الله تعالى، وأن القول بأن كلام الله معنى نفسي أو أن القرآن حكاية أو عبارة أو مجاز أو فيض وما أشبهها ضلال وزيغ، وأن رؤية المؤمنين لربهم في المحشر والجنة حق، وقد دل على ذلك نصوص القرآن والسنة ومن أوّلها أو أنكرها فهو زائغ ضال.
стр. 202
منهج أهل السنة والجماعة في نصوص الأسماء والصفات
الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
لا زلنا في صفة الكلام للرب ، ولعلنا نتكلم عن دليل من أدلة الأشاعرة، ودليل من أدلة المعتزلة مع الرد عليها، ولعلنا نتكلم عن رؤية الرب في الآخرة: يقول المؤلف ﵀:
وجميع آيات الصفات أمرها حقاً كما نقل الطراز الأول
بين شيخ الإسلام رحمه الله تعالى منهجه في آيات الصفات، ويقصد بالآيات هنا ما ورد في الكتاب والسنة، أي: أنه يمر النصوص الواردة في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ويجريها على ظاهرها.
والإمرار: قال في القاموس: مرّ مروراً، بمعنى: جاز وذهب، أي: أنه يجيز آيات الصفات كلها، لا يجد في قلبه أدنى حرج من إثبات ما دلت عليه هذه الآيات، ويكون المقصود أنه لا يقف معها باحثاً في كيفياتها، ولا منقباً فيها، ولا معترضاً عليها، وإنما قابلاً لكل ما دلت عليه هذه النصوص.
قوله: (حقاً) أي: أنه سيأخذ بظاهرها وما دلت عليه من إثبات الصفات اللائقة بالله تعالى.
قوله: (كما نقل) أي: روي، سواء كان ذلك النقل في كتاب، أو دلت عليه نصوص السنة، أو فهمها الصحابة ﵃ وأرضاهم.
قوله (الطراز) يقال: هو البز والهيئة، وقالوا: الطراز هو الجيد من كل شيء.
وذكر بعض أهل اللغة أن هذه الكلمة معربة، وعلى كل حال فإن المقصود بها: الرعيل الأول من الصحابة ﵃ والتابعين لهم بإحسان كـ سفيان الثوري وسفيان بن عيينة وابن المبارك وغيرهم، وقالوا: إن حساناً ﵁ مدح قوماً وقال فيهم:
بيض الوجوه كريمة أنسابهم شم الأنوف من الطراز الأول
أي: يثني عليهم بما يتميزون به من الصفات.
هذا البيت يبين لنا منهج شيخ الإسلام ابن تيمية في جميع النصوص الدالة على الأسماء والصفات، وأنه يمرها على ظاهرها ولا يتعرض لها بشيء، ويبين ما دلت عليه من إثبات الصفات اللائقة بالله .
ثم انتقل شيخ الإسلام بعد ذلك مبيناً أنه يرد عهدتها إلى نقالها فقال:
وأرد عهدتها إلى نقّالها وأصونها من كل ما يُتخيل
قوله: (وأرد عهدتها) الضمير عائد على آيات الصفات وأحاديثها، وأنه يرد آيات الصفات الواردة في نصوص الكتاب والسنة إلى نقالها، (والعهدة) أي: الخروج من تبعتها، أي: أنني لست أنا الذي جئت بها، وإنما أعيد ما دلت عليه إلى من نقلوها، ومفهومه أني أصون اعتقادي عن الخوض فيها بعزوها إلى نقالها، ولذلك دائماً يقال: (والعهدة على الناقل) أنا أروي لكم والعهدة على الناقل، أي: لست أنا الذي جئت بها، وكأن شيخ الإسلام ابن تيمية يبين أن عقيدته ليس هو الذي جاء بها، وإنما أخذها من نقالها، وأيضاً لم يأتِ بعقيدة جديدة من عند نفسه رحمه الله تعالى، وإنما جاء بها نقلاً عن السلف من الصحابة والتابعين ﵃ أجمعين.
ويقال: عهدة الخبر يقصد به: صدقه أو كذبه، وكأن الآن عهدة الخبر في الصدق والكذب ليست لي، وإنما لرواتها وما نقل عنهم من أئمة السلف، ولذلك ردها إلى نقلتها وهم الأئمة الأثبات رحمهم الله تعالى، والذين أخرجوها من مهرة أئمة الحديث وغيرهم.
يفهم من (العهدة) أنها بمعنى الاستئمان، فإذا قلت: عهدت إليك هذه العهدة، أي: استأمنتك، ونحن نستأمن سلفنا فيما ينقلونه لنا، فالصحابة مستأمنون على الوحي، والرسول ﷺ مستأمن على الوحي، ولهذا يقول كل نبي من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام: ﴿وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾ [الأعراف:٦٨] أي: وما أنقله أنا أمين عليه، فهكذا الرواة الذين نقلوا لنا الأحاديث عن النبي ﷺ ، ونقل لنا كذلك الصحابة العقيدة مما أخذوه عن النبي ﷺ فهم مستأمنون عليه، ونقلوه لنا كما جاءهم عن الله أو جاءهم عن رسول الله ﷺ .
وقوله: (وأصونها) الصون في اللسان: أن تقي شيئاً، أي أحميها، فالصيانة معناها: الحماية، ولهذا قال: (وأصونها) أي: أصون آيات الصفات وأحاديثها عن الخوض في معناها، ثم ذكر الصيانة لها مبيناً أن الصيانة عن كل ما تخيل، فإن المبتدعة من المعطلة والمشبهة لم يصونوا نصوص الصفات عن التخيل، ولهذا قالوا قاعدة: (كل مشبه معطل، وكل معطل مشبه) فإذاً: كل من المشبهة والمعطلة جاءوا بقضية التخييل، فلم يسيروا على ما سار عليه سلف الأمة، ولهذا قال:
وأصونها عن كل ما يتخيل
فأجعل لها حماية، لا أتخيل بعقلي أي صفة وردت لله تعالى، فإن المعطل شبه الله أولاً ثم عطل، فالمعطل الذي نفى الصفات قال: لا أفهم من مدلول الصفات إلا أنها تشبه صفات المخلوقين والله ليس كالمخلوقين، إذاً أنا أنفيها، والمشبه كذلك معطل، ووجه التعطيل عنده أنه قال: الله له يد مثل يدي، ولو سألناه: هل النص الذي ورد يراد منه أن يثبت لله مثل يد المخلوق؟ الجواب: لا، فمن قال: يد الله مثل يد المخلوق فقد عطل النص عما دل عليه من إثبات الصفة اللائقة بالله تعالى، ولهذا كل من المشبه والمعطل كان عنده شيء من التخييل ومن التشبيه.
ونصل إلى نتيجة أن كل ما خطر في بال الإنسان من شيء حول الصفات فالله على خلافه، ولا يمكن أبداً أن يكون كما يتصوره الإنسان، فإن العقل قد يتخيل أشياء والله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ولهذا يقول صاحب القاموس: وتخيل الشيء له، أي: تشبه، كأنه أصبح له شبيه.
قال شيخ الإسلام:
قبحاً لمن نبذ القران وراءه
وردت (قبحٌ) ووردت (قبحاً) :
قبحاً لمن نبذ القران وراءه وإذا استدل يقول قال الأخطل
(قبحاً لمن نبذ القرآن وراءه) هذه القاعدة تنطبق على الأشاعرة والمعتزلة والجهمية والفلاسفة، لأن كل هؤلاء لم يأخذوا بما دل عليه الكتاب والسنة، وعدم أخذهم لما دل عليه الكتاب والسنة قد يكون شيئاً ظاهراً، يقول: أنا لا أريد الكتاب والسنة، ولا أحتج بهم، كما نقل عن بشر ونقل عن غيره أنهم عندما يناقشون يقولون: دعونا من نصوص الكتاب والسنة وناقشونا بالعقل، وهذا أشد قبحاً، ويصل إليه هذا الدعاء: (قبحاً لمن نبذ القران وراءه) هذا نبذ كامل.
وقد يكون النبذ غير مباشر كأن يتأول ما دل عليه الكتاب والسنة، وقد ذكرنا سابقاً قاعدة: (أن الأصل إجراء الألفاظ على ظاهرها) ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤] نثبت اليدين.
يضحك الله فنعرف مدلول الضحك ونثبته لله تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته، ومن لا يثبته فإن هذا يعتبر قد نبذ القرآن وراءه ولم يحتج به أصلاً، وينطبق انطباقاً كاملاً على المعتزلة الذين عندهم قاعدة يقولون: (إن العقل هو الحاكم على الكتاب والسنة) ولقد رد عليهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى برد عظيم في كتابه: درء تعارض العقل والنقل، بين تأصيلهم وبين بطلان ما ذهبوا إليه ولم يعملوا به، ولهذا قالوا: أي نص في كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ لا يقبله العقل فإنه يطرح! وهذا هو النبذ الحقيقي لما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
القبح في اللغة: ضد الحسن، ويكون في الصورة والفعل، أي: قد يكون الإنسان صورته قبيحة، وقد تكون أفعاله قبيحة، وبعضهم يقول: إنه عام في كل شيء، قد يكون القبح في الاعتقاد، وقد يكون في القول، وقد يكون في العمل، وقد يكون في الصورة، وكل هذه يدخل فيها القبح، يقول الأزهري: القبح هو نقيض الحسن، وهو عام في كل شيء.
قوله: (لمن نبذ) قال في اللسان: النبذ طرحك الشيء من يدك، أي: طرحك للشيء من يدك سواء كان طرحك له أمامك أو كان في خلفك، فهذا نبذ، ولهذا قالوا: نبذ النوى: طرحه وإلقاؤه، ونبذت الشيء إذا رميته وأبعدته عنك، ويقال: كل طرح يسمى نبذاً، ونبذ الكتاب وراءه أي: ألقاه، ولهذا قال: نبذوا القرآن، كأنهم غير مبالين بكتاب الله وسنة رسوله، واستحقوا بذلك أن يكونوا مقبوحين، فإن من أعرض عن كتاب الله وسنة رسوله ﷺ يستحق أن يقبح ولا يلتفت إليه.
ذكر: (وراءه) نقول هنا: قد يكون النبذ حسياً وقد يكون النبذ معنوياً.
والنبذ الحسي هو رمي القرآن فلا يقبله أصلاً، ويقول: هذا القرآن لا يحتج به، وقد يكون النبذ معنوياً بأن لا يعمل به، وإن كان يعظم القرآن، أي: القرآن على العين والرأس، لكن لا نفهم مدلوله ولا نقبله حجة بينا وبينكم، وكل هذه تنطبق على طوائف المبتدعة الذين ينبذون ما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
стр. 203
استدلال الأشاعرة بكلام الأخطل في كلام الله والرد عليهم
قول المؤلف:
وإذا استدل يقول قال الأخطل
إذا استدل أي: إذا جاء بحجة وبرهان على ما يدل على مذهبهم الباطل، والاحتجاج الآن نفهم منه أن هذا خلاف منهج أهل السنة والجماعة، فـ أهل السنة والجماعة لا يجعلون حجتهم الرجال، وإنما حجتهم الكتاب والسنة، أما الرجال وعقولهم فلا نحتج بهم، ولهذا قالوا: إن أهل السنة والجماعة لا ينتسبون إلى رجل معين، إنما ينتسبون إلى كتاب الله، وسنة رسول الله ﷺ على فهم الصحابة، لكن لا ينتسبون إلى شخصية معينة، بخلاف المبتدعة فكل طائفة بدعية تنتسب إلى رجل، فـ البيانية تنتسب إلى بيان بن سمعان، والجهمية تنتسب إلى الجهم بن صفوان، والخوارج ينتسبون إلى أشخاص معينين خرجوا، والزيدية ينتسبون إلى زيد بن علي، أما أهل السنة والجماعة فينتسبون إلى المنهج الذي جاء به كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ولهذا قال:
وإذا استدل يقول قال الأخطل
حجة هؤلاء هو قول الرجال، وهذا فيه رد على الأشاعرة الذين يستدلون بقول الأخطل، والأخطل شاعر نصراني، ولد في الصحراء الشامية -أي: في الشام - واسمه: غياث بن الصلت بن طارقة، وينسب إلى عشيرة بني جشم بن بكر التغلبية، وبعض العلماء يقولون: تعتبر هذه العشيرة من القبائل العربية، ولكنها كانت قبيلة نصرانية، كانت أمه اسمها ليلى من قبيلة إياد النصرانية، وكنيته أبو مالك، وقد عاش هذا الرجل ومات نصرانياً، ولم يكن على الإسلام، قالوا: كان قبحه الله يظهر تعليق الصليب على صدره وفي عنقه، وهذه من عادة النصارى، وذكر أن الخليفة دعاه إلى الإسلام فرفض ولم يقبله، وهجا خصومه من المسلمين، وكان في عصر جرير والفرزدق، وكان بينه وبين جرير أشعار وذم وقدح، وليس غريباً أن يحدث بين الشعراء مثل هذا.
كان الأخطل مسرفاً في شرب الخمر، ولا شك أن النصارى يستبيحون هذا الأمر، ويرون أن: الخمر هي مصدر الإلهام الشعري، ولا شك أن هذا الكلام باطل وغير صحيح.
هذا الأخطل له بيت من الشعر، وهذا البيت من الشعر يحتج به الأشاعرة، وعجباً من الأشاعرة كيف يستدلون بقول نصراني وليس بسلفي في معتقده في مسألة الكلام لله ، والبيت الشعري هو:
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلاً
ولو جئنا نناقش الأشاعرة في هذا الأمر لتبين بطلانه من وجوه متعددة: أولاً: نقول لهؤلاء الأشاعرة في استدلالهم على أن كلام الله نفسي: (إن الكلام لفي الفؤاد) أي: الكلام الحقيقي هو في النفس (وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلاً) أي: أن اللسان هو دليل على كلام في القلب، وإن الكلام الحقيقي هو الذي في القلب والنفس، وهذا الكلام باطل لا شك فيه.
يقول الأشاعرة: لا يحتج بالكتاب والسنة التي ثبتت بالآحاد في مسائل الاعتقاد إلا إذا كانت متواترة، أما إذا لم تكن متواترة فلا يحتج بها، ونحن نقول لهم: أعطونا سند هذا البيت الآن عن الأخطل، هل سنده متواتر حتى نحتج به، أم سنده خبر آحاد؟ بل بعضهم يقول: إنه منسوب أصلاً إلى الأخطل فلا يحتج به، وهذا من منهج المبتدعة، أنهم إذا لم يقبلوا النص أخذوا يتشبثون ببيت العنكبوت، ولعلهم هنا لما لم يقبلوا ما دل عليه الكتاب والسنة من إثبات صفة الكلام لله على ما يليق بجلال الله وعظمته، أخذوا يتشبثون بلغة العرب وأعرضوا عن القرآن والسنة، وتشبثوا ببيت لم يصح سنده أصلاً، وحتى على فرض صحته، فإنه ورد بصيغة:
إن البيان لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلا
وإذا قصد (إن البيان لفي الفؤاد) قد يكون المعنى له وجه من الصحة.
ثم نقول كذلك: كيف يُستدل بالنصارى في مسألة الكلام وهم من أضل الناس في كلام الله تعالى؟ كيف خلق عيسى ﵊؟ هل هو ذات الكلام أم أنه خلق بكلام الله؟ هم يقولون: هو كلام الله وهذا الكلام باطل، بل إن عيسى ﵊ خلق بكلام الله تعالى، خلق عيسى ﵊ بكلام الله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢] .
فعيسى ليس هو الكلمة، وإنما خلق بكلمة: كن، فكان ﵊.
ومنها كذلك: لو أخذ بكلام هؤلاء الأشاعرة للزم أن يقال: إن الأخرس متكلم، أليس الأخرس في جوفه كلام؟ إن الكلام لفي الفؤاد، فالأخرس عنده كلام يشير وغيره، ولا يقول أحد: إن الأخرس متكلم أصلاً، ولو قيل: إن الكلام هو النفسي فقط، للزم أن يكون الأخرس متكلماً.
ثم نجد أن الرسول ﷺ قد قال لنا: (إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس) أنت إذا دخلت الصلاة لا يجوز لك أن تتكلم فتقول: يا فلان! كيف حالك، أو تسلم على فلان، أو ترد على أحد سلاماً، لكن أنت في الصلاة وأنت محرم بها يحدث من الكلام في النفس أمر عجيب، بل ربما يلفظ الإنسان لا شعورياً ويتحدث في الصلاة بأمر، يبيع ويشتري ويبني ويسكن ويذهب ويرجع، وهو محرم بالصلاة، هل يقال: هذه تبطل صلاة الإنسان؟ لا، وإنما الذي يبطله هو ما تلفظ به.
ولهذا اتفق العلماء على أن المصلي إذا تكلم بصوته متعمداً في صلاته بطلت صلاته، لكن ما خطر في قلبه لا يعتبر كلاماً ولا يلتفت إليه أصلاً، ثم نجد الرسول ﷺ يقول: (عفي عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل) دل على أن حديث النفس لا يسمى كلاماً، ولا يمكن أبداً أن نفسر كلام الله تعالى على أنه حديث النفس، ونجد هذا مدلوله في لغة العرب، بل نجد القرآن نزل بلغة العرب، وهذا هو المدلول الصحيح في ذلك.
قال النبي ﷺ لـ معاذ: (أمسك عليك هذا، قال: يا رسول الله! أو نحن مؤاخذون بما نتكلم به؟ قال له النبي ﷺ : ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم) لكن خواطر القلب الناس معذورون فيها، ولما نزل قول الله تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٤] (جثا الصحابة على الركب، قالوا: يحدث في قلوبنا من الحديث، فإذا كنا نحاسب على ما في القلب، ولكن عفي عن هذا ولم يلتفت إليه، وهذا من رحمة الله تعالى بهذه الأمة أن ما حدث في القلب لا يلتفت إليه، بل إن الإنسان ما لم يتكلم أو يعمل به فلا ينظر، وبهذا نعلم أن قول) الأشاعرة في كلام الله قول باطل مخالف لما كان عليه أهل السنة والجماعة، ولعقيدة سلف الأمة، وبهذا عرفنا أن قولهم: إن الكلام نفسي ليس بصحيح.
ولقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية رداً على هؤلاء كما في رسالته التسعينية رد على الأشاعرة من تسعين وجهاً أبطل به مذهب الأشاعرة على أن كلام الله نفسي، مما يدل على أن قولهم هذا ليس صحيحاً، وقد خالفوا ما كان عليه أهل السنة والجماعة.
стр. 204
حقيقة الأخطل
حجة هؤلاء هو قول الرجال، وهذا فيه رد على الأشاعرة الذين يستدلون بقول الأخطل، والأخطل شاعر نصراني، ولد في الصحراء الشامية -أي: في الشام - واسمه: غياث بن الصلت بن طارقة، وينسب إلى عشيرة بني جشم بن بكر التغلبية، وبعض العلماء يقولون: تعتبر هذه العشيرة من القبائل العربية، ولكنها كانت قبيلة نصرانية، كانت أمه اسمها ليلى من قبيلة إياد النصرانية، وكنيته أبو مالك، وقد عاش هذا الرجل ومات نصرانياً، ولم يكن على الإسلام، قالوا: قبحه الله كان يظهر تعليق الصليب على صدره وفي عنقه، وهذه من عادة النصارى، وذكر أن الخليفة دعاه إلى الإسلام فرفض ولم يقبله، وهجا خصومه من المسلمين، وكان في عصر جرير والفرزدق، وكان بينه وبين جرير أشعار وذم وقدح، وليس غريباً أن يحدث بين الشعراء مثل هذا.
كان الأخطل مسرفاً في شرب الخمر، ولا شك أن النصارى يستبيحون هذا الأمر، ويرون أن: الخمر هي مصدر الإلهام الشعري، ولا شك أن هذا الكلام باطل وغير صحيح.
هذا الأخطل له بيت من الشعر، وهذا البيت من الشعر يحتج به الأشاعرة، وعجباً من الأشاعرة كيف يستدلون بقول نصراني وليس بسلفي في معتقده في مسألة الكلام لله ، والبيت الشعري هو:
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلاً
ولو جئنا نناقش الأشاعرة في هذا الأمر لتبين بطلانهم من وجوه متعددة: أولاً: نقول لهؤلاء الأشاعرة في استدلالهم على أن كلام الله نفسي: (إن الكلام لفي الفؤاد) أي: الكلام الحقيقي هو في النفس (وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلاً) أي: أن اللسان هو دليل على كلام في القلب، وإن الكلام الحقيقي هو الذي في القلب والنفس، وهذا الكلام باطل لا شك فيه.
يقول الأشاعرة: لا يحتج بالكتاب والسنة التي ثبتت بالآحاد في مسائل الاعتقاد إلا إذا كانت متواترة، أما إذا لم تكن متواترة فلا يحتج بها، ونحن نقول لهم: أعطونا سند هذا البيت الآن عن الأخطل، هل سنده متواتر حتى نحتج به، أم سنده خبر آحاد؟ بل بعضهم يقول: إنه منسوب أصلاً إلى الأخطل فلا يحتج به، وهذا من منهج المبتدعة، أنهم إذا لم يقبلوا النص أخذوا يتشبثون ببيت العنكبوت، ولعلهم هنا لما لم يقبلوا ما دل عليه الكتاب والسنة من إثبات صفة الكلام لله على ما يليق بجلال الله وعظمته، أخذوا يتشبثون بأي شيء، تشبثوا بلغة العرب وأعرضوا عن القرآن والسنة، وتشبثوا ببيت لم يصح سنده أصلاً، وحتى على فرض صحته، فإنه ورد بصيغة:
إن البيان لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلا
وإذا قصد (إن البيان لفي الفؤاد) قد يكون المعنى له وجه من الصحة.
ثم نقول كذلك: كيف يُستدل بالنصارى في مسألة الكلام وهم من أضل الناس في كلام الله تعالى؟ أليس عيسى ﵊ كيف خلق؟ هل هو ذات الكلام أم أنه خلق بكلام الله؟ هم يقولون: هو كلام الله وهذا الكلام باطل، بل إن عيسى ﵊ خلق بكلام الله تعالى، خلق عيسى ﵊ بكلام الله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢] .
فعيسى ليس هو الكلمة، وإنما خلق بكلمة: كن، فكان ﵊.
ومنها كذلك: لو أخذ بكلام هؤلاء الأشاعرة للزم أن يقال: إن الأخرس متكلم، أليس الأخرس في جوفه كلام؟ إن الكلام لفي الفؤاد، فالأخرس عنده كلام يشير وغيره، ولا يقول أحد: إن الأخرس متكلم أصلاً، ولو قيل: إن الكلام هو النفسي فقط، للزم أن يكون الأخرس متكلماً.
ثم نجد أن الرسول ﷺ قد قال لنا: (إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس) أنت إذا دخلت الصلاة لا يجوز لك أن تتكلم فتقول: يا فلان! كيف حالك، أو تسلم على فلان، أو ترد على أحد سلاماً، لكن أنت في الصلاة وأنت مكبر كم يحدث من الكلام في النفس أمراً عجيباً، بل ربما يلفظ الإنسان لا شعورياً ويتحدث في الصلاة بأمر، يبيع ويشتري ويبني ويسكن ويذهب ويرجع، وهو مكبر في الصلاة، هل يقال: هذه تبطل صلاة الإنسان؟ لا، وإنما الذي يبطله هو ما تلفظ به.
ولهذا اتفق العلماء على أن المصلي إذا تكلم بصوته متعمداً في صلاته بطلت صلاته، لكن ما خطر في قلبه لا يعتبر كلاماً ولا يلتفت إليه أصلاً، ثم نجد الرسول ﷺ يقول: (عفي عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل) دل على أن حديث النفس لا يسمى كلاماً، ولا يمكن أبداً أن نفسر كلام الله تعالى على أنه حديث النفس، ونجد هذا مدلوله في لغة العرب، بل نجد القرآن نزل بلغة العرب، وهذا هو المدلول الصحيح في ذلك.
قال النبي ﷺ لـ معاذ: (أمسك عليك هذا، قال: يا رسول الله! أو نحن مآخذون بما نتكلم به؟ قال له النبي ﷺ : ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم) لكن خواطر القلب الناس معذورون فيها، ولما نزل قول الله تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٤] جثا الصحابة بالركب، قالوا: يحدث في قلوبنا من الحديث، فإذا كنا نحاسب على ما في القلب، عفا عن هذا ولم يلتفت إليه، وهذا من رحمة الله تعالى بهذه الأمة أنما حدث في القلب لا يلتفت إليه، بل إن الإنسان ما لم يتكلم أو يعمل به فلا ينظر، وبهذا نعلم أن قول الأشاعرة في كلام الله قول باطل مخالف لما كان عليه أهل السنة والجماعة، ولعقيدة سلف الأمة، وبهذا عرفنا أن قولهم: إن الكلام نفسي ليس بصحيح.
ولقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية رداً على هؤلاء كما في رسالته التسعينية رد على الأشاعرة من تسعين وجهاً أبطل به مذهب الأشاعرة على أن كلام الله نفسي، مما يدل على أن قولهم هذا ليس صحيحاً، وقد خالفوا ما كان عليه أهل السنة والجماعة.
стр. 205
مذهب المعتزلة في كلام الله والرد عليهم
أما المعتزلة فيذهبون إلى أن كلام الله مخلوق من مخلوقات الله تعالى، وهذا الكلام باطل لا شك في بطلانه، ويستدلون لذلك بدليل من القرآن، ولا شك أن لهؤلاء قاعدة يقولون: (إن أهل السنة والجماعة يوفقون بين النصوص، أما المبتدعة فإنهم يضربون النصوص بعضها ببعض) وهذه من رحمة الله تعالى أن وفق أهل السنة والجماعة للتوفيق بين النصوص، ولا يعارضون بعضها ببعض.
ومما استدل به هؤلاء قالوا: قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر:٦٢] ويسألون: أليس القرآن شيئاً؟ نقول: نعم، قالوا: إذاً هو مخلوق، وكلامهم هذا لا شك في بطلانه، وبطلانه من القرآن ومن سنة النبي ﷺ واضح وبين، فقول الله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر:٦٢] نجد أن (كل) لا تدل على العموم على إطلاقها، والدليل على ذلك قول الله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف:٢٥] فهل دمرت المساكن؟ وهل دمرت السماوات والأرض؟ لا، وإنما تدمر كل شيء أمر الله بتدميره، ولذلك قال الله تعالى: ﴿فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف:٢٥] أي: مساكنهم هي التي بقيت ولم يحدث فيها شيء من التدمير.
ثم نقول: في قوله: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر:٦٢] (كل) ليس على إطلاقها، وإنما ترد في بعض الأحيان، وبعضها لا ترد على إطلاقها، نجد أن قول الله تعالى: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل:٢٣] أوتيت من كل شيء، هل الآن أوتيت ملك سليمان ﵇؟ لا، هل أوتيت ملك السماوات والأرض؟ لا، إنما أوتيت من كل شيء يحتاج إليه الملوك من القوة والجبروت والسلاح والطاعة وغير ذلك، لكنها لم تؤت ملك سليمان ﵊، فأصبحت الآن (كل) في كل موضع بحسبها تعرف بما دلت عليه القرائن، وليس على إطلاقه كما قال هؤلاء.
الآن قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر:٦٢] الأصل عندنا (كل شيء) أي: مخلوق، والكلام صفة لله تعالى وصفات الله ليست مخلوقة.
ثم لو جئنا الآن على إطلاق هؤلاء المعتزلة قبحهم الله ماذا يلزمهم، نسألهم: السمع شيء أم ليس شيئاً؟ البصر شيء أم ليس شيئاً؟ فإن قالوا: شيء قلنا: إذاً يصبح مخلوقاً، وهم لا يقولون به، فلو أجرينا الكلام على قاعدتهم، للزم عليه أن يكون سمع الله وكلام الله ويد الله وقدرة الله وقدم الله كلها مخلوقة، وهذا الكلام باطل، بل إن الله كما أن ذاته ليست مخلوقة فكذلك صفاته تليق بجلاله وعظمته ليست مخلوقة، فبطل ما قال هؤلاء.
ومما استدل به هؤلاء قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة:٤٠] قالوا: إن الله قد قال: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة:٤٠] والرسول مخلوق أم ليس مخلوقاً؟ نقول: نعم مخلوق، قالوا: إذاً هذا (قوله) فهو مخلوق، ولكن هذا الاستدلال باطل، وقد ذكرنا أن القرآن أضيف إلى الله، وأضيف إلى الرسول ﷺ ، وأضيف إلى جبريل، وقلنا: إن إضافته إلى الله إضافة حقيقة؛ لأنه هو المتكلم به، وإضافته إلى جبريل وإضافته إلى محمد ﷺ إضافة تبليغ وليس إضافة ابتداء.
ثم نسأل: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة:٤٠] هذا القرآن إذا كان مخلوقاً كيف يكون مخلوقاً في وقت واحد في جبريل وفي محمد؟ هذا الكلام غير صحيح، ولكن إذا قلنا: إن جبريل ومحمداً مبلغون له، فلا شك أنه هو قولهم على اعتبار قضية التبليغ.
عندنا الله كفَّر من قال: إنه قول البشر، ولذلك بين تكفيره في سورة المدثر، فلو قيل: إنه قول بشر للزم أن يكون من قال به كافراً، وهذا الكلام غير صحيح، بل كلام الله منه ابتدأ ، أي: أن الله هو المبتدئ له وهو القائل له ، ليس كما قاله هؤلاء المبتدعة.
ثم نجد أن الرسول ﷺ كان يقول للعرب حين يعرض نفسه على القبائل: (ألا رجل يحملني إلى قومه لأبلغ كلام ربي) ما قال: كلامي أنا، وإنما كان يريد أن يبلغ كلام الله ، ولذلك حصل فيه قضية التبليغ، ولم يحدث شيئاً من عنده، بل إن الله قد قال: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة:٤٤-٤٦] فلو كان محمد أحدث شيئاً ولو حرفاً واحداً فقد أخبر الله تعالى أنه سيأخذ منه الوتين، ثم لم يكن أحد من الخلق حاجزاً عنه أن يؤتيه عقوبة من عند الله تعالى بسبب أنه زاد شيئاً من عنده.
هذا بعض ما يتعلق ببعض أدلة الأشاعرة والمعتزلة.
стр. 206
تفاضل القرآن بعضه على بعض
مسألة: يجب أن نعلم أن كلام الله تعالى متفاضل، وممن ذكر هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، والله ذكر ثناءً على المؤمنين: ﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر:١٨] واستدل لذلك بآيات وردت: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] تعدل ثلث القرآن، ووردت أحاديث الفاتحة أنها أنزلت على النبي ﷺ وبين النبي ﷺ ما تتميز به من المزايا، وذكر النبي ﷺ أنها أعظم سورة في القرآن، وأنها السبع المثاني، وأنها القرآن العظيم، وقال النبي لـ أبي بن كعب: (ألا أعلمك سورة ما أنزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا الفرقان مثلها، فإني لأرجو أن تخرج من هذا الباب حتى تعلمها، قال: ثم ذكر له النبي ﷺ سورة الفاتحة، وبين ما تتميز به من الفضائل والأحكام) وقد أُلف في هذه السورة من الكتب العظيمة في بيان فضلها وبيان الأحكام المتعلقة بها، ولهذا نقول: إن كلام الله تعالى متفاضل، وذكر الله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة:١٠٦] مما يدل على أن هناك شيئاً من التفاضل في كلام الله تعالى، ولا يلزم منه كما يقول المبتدعة: إن هذا يؤدي إلى أن فيه فاضلاً ومفضولاً، ولكن كله فاضل، ولكن بعضه أفضل من بعض كما بين ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.
стр. 207
مسائل تتعلق بالرؤية
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:
والمؤمنون يرون حقاً ربهم وإلى السماء بغير كيف ينزل
стр. 208
أدلة الرؤية في الكتاب والسنة والرد على المبتدعة
ثبت في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ مسألة الرؤية، وقد دل عليها آيات كثيرة من كتاب الله تعالى، منها قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢-٢٣] وفي قوله تعالى: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ [المطففين:٣٥] ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦] ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق:٣٥] .
بل إن سلف الأمة يقولون: إن مسألة الرؤية مما تواترت في كتاب الله وفي سنة رسول الله ﷺ ، ويقول النبي ﷺ : (إنكم ترون ربكم كما ترون القمر هل تضامون في رؤيته؟) ثم ذكر النبي ﷺ أن المؤمنين يرون ربهم، بل تعتبر رؤية الرب أعظم نعيم لأهل الجنة، وذكر النبي ﷺ مبيناً هذا المعتقد، وإن كانت طوائف من المبتدعة تنفي رؤية الله تعالى كـ المعتزلة، والجهمية، والخوارج، وبعض طوائف الرافضة ويقولون: إن الله لا يُرى يوم القيامة، وكلامهم هذا مخالف لما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ويصبح من عقيدة أهل السنة والجماعة إثبات الرؤية لله تعالى، بل يعتبر من أعظم نعيم أهل الجنة رؤية الله، ونسأل الله أن نكون ممن يراه.
نأخذ الآن الأدلة ونبين وجه الدلالة، وسنذكر شيئاً من أدلة النفاة لرؤية الرب ، ونتكلم على مسائل: هل رأى محمد ﷺ ربه أم لا؟ هل يمكن أن يرى الله في الدنيا أم لا؟ أما بالنسبة للآخرة فإنه لا شك في رؤية المؤمنين له .
في قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢-٢٣] لا شك بأن الناضرة هنا مقصود بها الحسن والجمال، ولذلك قال تعالى: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٣] هنا يقصد به النظر وهو بالبصر، والنظر عندنا قد ينقسم إلى قسمين: نظر حسي، ونظر معنوي، والنظر الحسي يتعلق بالبصر، والنظر المعنوي هو الذي يتعلق بالقلب، والنظر الحسي بالبصر، فمثلاً أنا أشاهد الآن الأحبة أمام عيني، لكن النظر المعنوي هو نظر البصيرة، وهو متعلق بالقلب، وأن الله يُبصِّر الإنسان بمعرفة الحق من الباطل، ويصبح يميز بينهما، هل هو لمجرد المشاهدة؟ لا.
قد أسمع مثلاً كلاماً، ويصبح عندي بصيرة فيه أعلم بأنه حق أو باطل، هذا لم يتلق بمشاهدة وإنما بسمع، وكانت البصيرة في القلب، هذه الآية تدل على أن النظر بالبصر، وأنها إلى ربها، وقد عديت بإلى، مما يدل على أن هذه الأجساد التي تبصر الرب تزداد حسناً ونضارة وجمالاً؛ بسبب رؤيتها لله تعالى، وذلك من فضل الله تعالى على المؤمنين بأنهم يرون ربهم ، ولذلك أنشدوا في قضية التواتر وقد ذكرناه:
مما تواتر حديث من كذب ومن بنى لله بيتاً واحتسب
ورؤية شفاعة وحوض ومسح خفين وهذي بعض
دل على أن هذه المسائل مما تواترت.
ومما يستدل به أهل السنة والجماعة على الرؤية كذلك قوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣] ونفي الإدراك هنا يدل على أنه يرى لكننا لا نحيط به إدراكاً، وإن كانت المبتدعة من الخوارج والمعتزلة استدلوا بهذه الآية على نفي الرؤية، وكلامهم هنا باطل، فالله تعالى يبين أنه لا تدركه الأبصار، أي: أنها تراه لكنها لا تحيط به إدراكاً، ونحن نرى ربنا بأبصارنا، ولكن أبصارنا لا تدركه، وهذه من شبهة نفاة الرؤية عن الله : الله ليس بجسم، وبناءً عليه لا ترى إلا الأجسام، والله ليس بجسم، والنتيجة أن الله لا يرى، بني على مقدمتين ونتيجة، وهذا استدلال عقلي، وهو ما قاله شيخ الإسلام أن المبتدعة يقدمون العقل على الكتاب والسنة، ويستدلون بأدلة عقلية ولكنها جهليات في الحقيقة وليست أدلة عقلية.
المقدمة الأولى، قالوا: إن الله ليس بجسم.
المقدمة الثانية: أنه لا يرى إلا الأجسام.
النتيجة: أن الله لا يرى.
ومما استدل به هؤلاء قول الله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] قالوا: الله قال لموسى: ((لَنْ تَرَانِي)) وعند المبتدعة يقولون: إن (لن) تفيد التأبيد، ولكن هذا القول باطل لا شك فيه.
في قوله: ((لَنْ تَرَانِي)) هذه الآية استدل بها أهل السنة واستدل بها المبتدعة، أهل السنة يثبتون بها الرؤية، ووجه إثبات الرؤية: أن الله قال لرسوله ﵊: ((لَنْ تَرَانِي)) أي: لن تراني في الدنيا؛ لأن النصوص الأخرى دلت على الرؤية، والرسول ﷺ يقول: (إنكم سترون ربكم) ويخاطب الصحابة، وأيهما أفضل: موسى أم الصحابة ﵃ وأرضاهم؟ لا شك أن موسى أفضل، فكيف يمنع موسى من الرؤية ويقال للصحابة: (إنكم سترون ربكم) فدل على أن الرؤية هنا يقصد بها إثبات الرؤية في الآخرة، لكن قيل لموسى ﵊: ((لَنْ تَرَانِي)) أي: في الدنيا، وقولهم: إن (لن) تفيد التأبيد قول باطل لا شك فيه، ودل على بطلانه في فهمه للتأبيد أن الإمام ابن مالك رحمه الله تعالى قال في ألفيته:
ومن رأى النفي بلن مؤبدا فقوله اردد وسواه فاعضدا
دل على أن قول المبتدعة أن (لن) تفيد التأبيد على أن الله لا يرى لا في الدنيا ولا في الآخرة، قال:
فقوله اردد وسواه فاعضدا
دل على أن (لن) في لغة العرب لا تفيد التأبيد.
ومن الأدلة على إبطال مقالتهم أن (لن) تفيد التأبيد: لما ذكر الله عن الكفار: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة:٩٥] ((وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ)) أي: الموت ((بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ)) ومع ذلك يوم القيامة ينادون: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف:٧٧] يطلبون الموت، فدل على أن قولهم: (لن) لا تفيد التأبيد ليست صحيحة، حتى على فرض جمعنا بين النصوص ومع ذلك جئنا بنص في كتاب الله تعالى: ((وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ)) ومع ذلك نادوا مالكاً يطلبون منه أن يقضي عليهم وأن يصل إليهم الموت.
ولما جاءهم من الأدلة على إبطال مقالتهم في هذه الآية، أن موسى ﵊ لما طلب من ربه أن ينظر إليه، قالوا: إن موسى ما سأل إلا أمراً يجوز له السؤال فيه، موسى ﵊ حين سأل: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف:١٤٣] سأل أمراً يجوز له السؤال فيه، إذاً ما وجه الجواز هنا؟ قالوا: إن نوحاً ﵊ لما سأل قال: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود:٤٥] أليس رد عليه الرب، قال له: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود:٤٦] فلو كان سؤال موسى ليس صحيحاً لبين الله لموسى أنه ما كان ينبغي لك أن تسأل الرؤية؛ لأنها لا تجوز رؤيتي أصلاً، والله قال هنا: ((لَنْ تَرَانِي)) ولم يقل: إني لا أرى، أو إنه لا يمكن رؤيتي أبداً، بل قال: ((لَنْ تَرَانِي)) أي: لن تراني في الدنيا، ولكنك ستراني في الآخرة، مما يدل على بطلان ما ذهب إليه هؤلاء المبتدعة في قولهم: إن الله لا يرى.
ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم في الصواعق ردوداً كثيرة جداً في هذه الآية تصل إلى خمسة عشر رداً تقريباً، باستنباط وإبطال استدلال المبتدعة من الخوارج والمعتزلة في نفي الرؤية، قالوا: لما سأل موسى ﵊ رؤية الله تجلى الله للجبل، قالوا: أيهما أفضل: موسى أم الجبل؟ لا شك أن موسى ﵊ أفضل، فإذا تجلى الله للجبل فمن باب أولى أن يرى موسى ربه، ويتجلى له يوم القيامة فيراه.
وبُين أن الناس في الدنيا لن يروا ربهم؛ والسبب أنهم لا يستطيعون، قالوا: فإذا كان الجبل عندما تجلى الرب له أصبح دكاً، وخر موسى صعقاً من هول ما رأى، لكنهم يوم القيامة يرون ربهم، بل أعظم نعيم أهل الجنة رؤية الرب ، وهذا من فضل الله تعالى على أهل الإيمان أنهم يؤمنون بهذا الفضل، ويسألون ربهم دائماً أن يكونوا ممن يروه، وألا يحجبوا عنه .
ننتقل إلى الآية الأخرى في قوله تعالى: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ [المطففين:٢٣] استدل بها أهل السنة على إثبات رؤية الله تعالى، قالوا: فإنه قد ورد أن أهل الجنة يرون أشياء كثيرة يرون نعيمهم وما أعد الله لهم، ويرون مثلما قال من قال: ﴿إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾ [الصافات:٥١] فأراد من إخوانه أن يطلعوا إليه وأصبح يراه ﴿قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ * وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [الصافات:٥٦-٥٧] أي: معك في النار، ولكن من فضل الله أن هداني إلى هذا الدين، والإسلام فكنت من أهل الجنة ولم أكن معك.
ومما يراه أهل الجنة الرب ، فيصبح أعظم نعيم يراه أهل الجنة هو رؤية الرب ، وهذا يدل على أنهم ينظرون إلى ربهم .
وذكروا منها قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦] والعجب من المبتدعة كيف
стр. 209
رؤية الله في الموقف
مسألة: هل يرى الله في الآخرة كل الناس أم الرؤية خاصة بأهل الإيمان؟ الجواب: اختلف العلماء على أقوال: القول الأول: أنه لا يراه إلا المؤمنون فقط.
القول الثاني: أنه يراه جميع أهل الموقف مؤمنهم وكافرهم، ثم يحتجب عنهم فلا يراه الكافر.
القول الثالث: أنه يراه أهل الإيمان ويراه كذلك المنافقون، وهذه الأقوال الثلاثة كلها مروية في مذهب الإمام أحمد، ونقلت عن أصحابه، ولكن بالنسبة لرؤية أهل الإيمان هي الرؤية التي تسمى رؤية النعيم ورؤية اللذة التي لا تكون إلا لأولياء الله تعالى، أما المانعون لها فقد ذكرنا من المبتدعة والجهمية والمعتزلة والخوارج وبعض من الرافضة هم الذين نفوا رؤية الله .
стр. 210
رؤية النبي ﷺ لربه في الدنيا
كذلك بالنسبة لرؤية محمد ﷺ هل رأى ربه أم لم يرَ ربه؟ على خلاف بين العلماء، وبالنسبة لرؤيته ببصره إنما اختلفوا في مسألة الإسراء والمعراج، فمن العلماء من يقول: تثبت رؤية محمد ﷺ لربه ليلة الإسراء والمعراج، ولكن الصحيح من أقول أهل العلم أن محمداً ﷺ لم يرَ ربه لا في ليلة الإسراء والمعراج ولا في غيرها إطلاقاً، وهذا هو أصح أقوال أهل العلم، وقد استدلوا على ذلك بحديث أبي ذر: (هل رأيت ربك؟ قال: نور أنى أراه، حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره) وحديث عائشة: (ثلاث من حدثكن بهن فقد كذب، ومنها قالت: من حدثكن أن محمداً رأى ربه فقد كذب) وهذا هو الصحيح أن محمداً ﷺ لم ير ربه.
بالنسبة لآحاد الناس فلا شك أنه لا يمكن رؤية أحد من البشر إطلاقاً لربه؛ لما ثبت في صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: (واعلموا أن أحدكم لن يرى ربه حتى يموت) إلا ما ينقل عن الصوفية، ولا شك أن كلام الصوفية لا حجة فيه أصلاً، فإنهم يقولون: إنا نرى الله ونتحدث معه وغيره.
стр. 211
رؤية الرب في المنام
مسألة: هل يمكن رؤية الله مناماً أم لا يمكن رؤيته مناماً؟ الجواب: اختلف العلماء فيها، فليست لآحاد الناس، أما بالنسبة لمحمد ﷺ فقد ثبت أنه رأى ربه ﷺ كما في الصحيح مناماً، قال: (رأيت ربي في أحسن صورة) وهذا الحديث صحيح، هذا لمحمد ﷺ ، أما ما عداه فخلاف بين العلماء فيه.
فمن العلماء من قال: إنه يمكن رؤية الله مناماً، وأومأ إليها شيخ الإسلام ابن تيمية، وأن الناس يرونه على حسب إيمانهم وما في صلاحهم.
ومن العلماء من يقول: لا، الأصل أنه يمسك عن هذه المسألة، ولا يتكلم فيها؛ نظراً لأنه لا يمكن التمييز بين من قال: رأى ربه أو لم يرَ ربه أو غيره، لأن الخوض والتوسع قد خاض فيه طوائف من المبتدعة مما أدى إلى الانحراف فيها.
ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أثراً أظنه في الفتاوى أن عبد القادر الجيلاني يقول: جاءه ربه قال: أنا ربك يا عبد القادر، وإني أسقطت عليك الصلوات فلا حاجة بأن تصلي، قال: اخسأ فأنت الشيطان، قال من حوله: عجباً! ترى الله وتخاطبه وتقول له هذا الكلام، قال: لأني أعلم أن شريعة الله ثابتة، وشريعة الله غير منسوخة وباقية، فما جاءني إلا الشيطان ليضلني، لكن الصوفية المبتدعة لو جاءهم الشيطان وقال: أنا ربك، وأسقطت عنك صلاة الفجر، أو جئت لك بهذا الذكر، أو جئت لك بكذا، طاروا وراء تلك، وجاءوا بشرع لم يأتِ عليه دليل من كتاب الله ولا من سنة رسوله ﷺ .
نقل عن ابن عباس ﵁ وأرضاه، أنه قال: [إن محمداً ﷺ قد رأى ربه] وهذه المسألة رويت عنه ونقل أنه رآه مرتين، وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أنه بالنسبة للرؤية وما نقل عن ابن عباس قال: لم يصح ولم يثبت سند عن ابن عباس ﵁ أنه قال: [إن محمداً رأى ربه بعينه] وإنما قال: [رآه مرتين] فمن العلماء من قال: إن المرتين تلك إحداهما منامية والأخرى رآه بفؤاده ﷺ ، وبناءً عليه نقول: لم يثبت عن الصحابة ﵃ بسند صحيح أنهم قالوا: إن محمداً ﷺ رأى ربه ببصره صلوات الله وسلامه عليه، وإنما حمل على أنه رآه رؤية منامية فقط.
وبهذا نقف على مسألة الرؤية، ونصلي ونسلم على نبينا محمد وعلى آله وصبحه أجمعين.
стр. 212
شرح لامية شيخ الإسلام ابن تيمية (الدرس الثالث عشر)
رؤية الله في الآخرة لأهل الجنة حق كما جاءت بذلك الآثار، وموقف السلف ممن أنكر الرؤية والحكم عليه متواتر في كتب الاعتقاد.
وصفة النزول ثابتة لله تعالى كما يليق بجلاله ولا نسأل عن الكيف، ولا نؤول أو نعطل كما ذهب إلى ذلك أهل البدع، وما ورد من شبه في إنكار النزول أو تأويله فهي شبه باطلة ومردودة لإجماع السلف على إثبات ذلك، ومناظرات علماء السلف لمن أنكر صفة النزول مبثوثة ومشهورة.
стр. 213
موقف السلف ممن أنكر رؤية الله في الآخرة
الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
نختم مبحث الرؤية ببعض الآثار التي نقلت عن بعض سلف الأمة رحمهم الله تعالى في حكم من أنكر رؤية الله تعالى، والناظم يقول:
والمؤمنون يرون حقاً ربهم وإلى السماء بغير كيف ينزل
أخرج اللالكائي ﵀ في أصول اعتقاد أهل السنة من طريق مفضل بن غسان، قال: سمعت يحيى بن معين يقول: "عندي سبعة عشر حديثاً في الرؤية كلها صحاح" مما يدل على أن رؤية الرب مما تواترت النصوص في إثباتها والدلالة عليها.
وقال علي بن المديني رحمه الله تعالى: سألت ابن المبارك عن رؤية الله تعالى؟ فقال: ما حجب الله عنه أحداً إلا عذبه، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥] فقلت له -أي: مفسراً الآية على أنها لإثبات الرؤية-: إن عندنا أقواماً من المعتزلة ينكرون هذه الأحاديث، وذكروا منها: أن الله ينزل إلى السماء الدنيا، ومنها: أن أهل الجنة يرون ربهم، قال: فحدثني -أي: ابن المبارك - بنحو عشرة أحاديث في هذا، وبين منهج أهل السنة، قال: أما نحن فإننا نأخذ ديننا هذا عن التابعين، والتابعون أخذوا دينهم عن أصحاب رسول الله ﷺ ، فهم عمن أخذوه؟ فما سندهم فيما أخذوه في نفي الرؤية وفي نفي النزول للرب ؟! وهذا ما يتميز به المنهج السلفي أنه يأخذ عقيدته من رسول الله ﷺ ، وأخذهم لها عن طريق السند، أي: لا يأتون بها من عند أنفسهم، بخلاف المبتدعة فما لهم سند يأخذون عنه إلا أئمة من أهل الضلال والانحراف عن صراط الله المستقيم.
وقال عبد العزيز بن الماجشون: ولم يزل -أي: المبتدعة من الجهمية وغيرهم- يملي لهم الشيطان حتى جحدوا قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢-٢٣] فقالوا: لا يراه أحد من خلقه يوم القيامة، ولهذا جحدوا أفضل كرامة يكرم الله بها أولياءه .
ومما نقل عن الإمام أحمد في الذين نفوا الرؤية، قال: من لم يقل بالرؤية فهو جهمي.
وقال أيضاً وقد بلغه عن رجل قال: إن الله لا يرى يوم القيامة، فغضب لذلك غضباً شديداً رحمه الله تعالى وقال: إن من قال: إن الله لا يرى يوم القيامة فقد كفر، وعليه لعنة الله وغضبه كائناً من كان من الناس، أليس الله تعالى يقول: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢-٢٣] .
قال مالك: من كذب بالرؤية فهو زنديق.
وقال أيضاً: إن الرؤية وأحاديثها نعلم أنها حق من عند الله جاءتنا، وكذلك في سنة النبي ﷺ ، فهذه نصوص تثبت قضية الرؤية للرب .
ومن اللطائف: ما ذكر بعض أهل العلم رحمهم الله تعالى أن النساء لا يرين الله يوم القيامة، واستدلالهم بهذا أن يوم الجمعة هو يوم المزيد، وقد ورد حديث: (أنهم يرون ربهم فيزدادون حسناً، قالوا: فيرجعون إلى أهليهم -أي: إلى أزواجهم- فيقولون: قد بلغ منكم الحسن) وما ذلك إلا لرؤيتهم للرب، ولكن الذي يظهر أن الرؤية عامة للرجال والنساء، وللصغير والكبير، وتكون لأهل الإيمان ولأهل التوحيد بالله .
ثم قال الناظم:
والمؤمنون يرون حقاً ربهم وإلى السماء بغير كيف ينزل
قول المؤلف: (والمؤمنون) هذا وصف ينطبق على المتبعين لما جاء به الرسول ﷺ من الكتاب والسنة.
وقوله: (يرون ربهم) هذه نسميها الرؤية الحقيقية الحسية، وهي الرؤية بالأبصار، وليست رؤية القلب، فإن رؤية القلب كل يعرف ربه كما ذكر الله عن الكفار بأنهم يعرفون الله تعالى.
وليست رؤية بصرية: البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير، هذه نسميها رؤية قلبية، فهم يعرفون بها ربهم ، لكن الرؤية هنا للمؤمنين هي الرؤية البصرية الحسية، ولذلك نثبتها لله تعالى.
قوله: (حقاً) أي: صدقاً وحساً لا خيالاً، فليست رؤية خيالية، وليست رؤية مجازية كما يؤولها المبتدعة، فالمبتدعة يؤولون رؤية الله تعالى، ولذلك قال: (يرون ربهم) أي: خالقهم ورازقهم وموجدهم من العدم.
ومن اللطائف هنا: أن الأشاعرة ينفون علو الله ، ويقولون: إن الله ليس في العلو، وقولهم هذا ليس صحيحاً بل باطل، ولكنهم يثبتون الرؤية لله تعالى، ولهذا نجد الجهمية نفوا الرؤية ونفوا العلو جميعاً، ويقال: هناك ثمة صفات مرتبطة بعضها ببعض، الاستواء على العرش، والعلو، والنزول، والرؤية، فمن أثبت واحدة منها لزمه أن يثبت الجميع، لأنه يترتب بعضها على بعض، ولهذا قال أئمة أهل السنة: إن الأشاعرة مضطربون، فقد قالوا: الله ليس في العلو، ولكنهم يقولون: الله يمكن أن يرى، أو الله يرى، فلما جاءهم هذا الاضطراب قيل لهم: كيف يرونه؟ بالنسبة لأهل الإيمان فقد ثبت في صحيح مسلم كما في حديث صهيب في صحيح مسلم: (إذ سطع عليهم نور من وفقهم فإذا الجبار أما هؤلاء فماذا سيعملون؟ قالوا: إن الله يرى في غير جهة، لا ندري من أي جهة يرى! المهم أننا نثبت الرؤية لكن من غير جهة، وبهذا أصبحوا مضطربين في قولهم، ليسوا على منهج صحيح، أما أهل السنة فإنهم قالوا: إنه يُرى من جهة العلو، ولذلك رفعوا أبصارهم فإذا الجبار ، وأصبحوا يرونه رؤية حقيقية ليس كما يقوله المبتدعة.
стр. 214
مسائل متعلقة بصفة النزول
وقوله: (وإلى السماء) السماء في اللغة: هي العلو والارتفاع، وإذا ارتفع الشيء وعلا سمي: سماء هذا الشيء، وقيل: إن سقف كل شيء يسمى سماء، ويقال لسقف البيت: سماء، ونجد السماوات السبع هي الأطباق المحيطة بالأرض، ولذلك السماء الدنيا الثانية الثالثة الرابعة إلى أن نقول: السماء السابعة، وهي نثبتها لله تعالى، ولها أجرام حقيقية، والدليل على ذلك: ثبت في حديث الإسراء والمعراج: (أن جبريل ﵊ يقرع باب السماء فيقال له: من؟ فيقول: جبريل، يقولون: ومن معك؟ يقول: معي محمد، قالوا: أو قد أرسل إليه) ثم يفتحون له، فجبريل يقرع ويستأذن، مما يدل على أن لها أجراماً محسوسة، وقد وردت أحاديث أن كثف كل السماء مسيرة خمسمائة عام، وما بين السماء والسماء مسيرة خمسمائة عام، مما يدل على أن هذه المخلوقات عظيمة جداً، وقد نثبتها إثباتاً لا تدركه عقولنا نحن، لكننا نؤمن بها على ضوء النصوص الثابتة في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
بالنسبة لصفة النزول، وقبل أن أنتقل إلى صفة النزول أومأ المؤلف رحمه الله تعالى الله في رسالته هذه إلى ثلاث صفات: الصفة الأولى: الكلام.
الصفة الثانية: صفة الرؤية.
الصفة الثالثة: صفة النزول.
والمؤلف ﵀ لم يقصد الحصر هنا، ولهذا قال:
وجميع آيات الصفات أمرها
أي: أنه جاء بمنهج.
ولماذا ركز المؤلف على هذه الصفات الثلاث؟ بالنسبة لصفة الكلام فهي من الصفات العظيمة التي اضطربت فيها عقول الناس، ووصلت أقوالهم إلى أكثر من تسعة أقوال في كلام الله تعالى، وأومأ إليها لوجود الخلاف القوي فيها.
وصفة الرؤية لأنها من الصفات التي تواترت وثبتت في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ومع ذلك أنكرتها الخوارج والمعتزلة وبعض الرافضة، وبعض الزيدية، فـ الزيدية معتزلة، وكذلك الخوارج في الصفات هم معتزلة، والمعتزلة لهم أصل في هذا فأنكروها.
وجاءت صفة النزول، وتعتبر صفة النزول من الصفات السمعية التي قد دل عليها الكتاب والسنة، ويقصد بالصفات السمعية أو الصفات الخبرية التي لو لم ترد في نص لم نستطع إثباتها، قالوا: ومثلها صفة الاستواء على العرش، فإنه قد ورد النص عن الرسول ﷺ في إثبات هذه الصفة وفي القرآن في سبعة مواضع، ولذلك نثبت لله تعالى صفة الاستواء على العرش.
وقوله: (بغير كيف ينزل) بين لنا المؤلف ﵀ أن الله ينزل، وتعتبر صفة النزول من الصفات الفعلية وليست من الصفات الذاتية، والحكم بأنها صفة فعلية لأنها متعلقة بالإرادة والمشيئة، فإن الله ينزل حين يبقى ثلث الليل الآخر، فدل على أنه ينزل كل ليلة متى شاء ، ففي ثلث الليل الآخر ينزل ربنا .
стр. 215
اختلاف الناس في صفة نزول الرب
نقول: إن الله ينزل نزولاً حقيقياً، وذهب بعض أهل العلم ونقل عن بعض السلف: إنه ينزل بذاته، وروي فيه حديث، لكن الحديث فيه ضعف، ولكن نقول: ينزل ربنا نزولاً حقيقياً كما يليق بجلاله وعظمته، وإذا قلنا: كما يليق بجلاله وعظمته، لم نجعل للعقل أن يشبه قضية النزول أو يكيفها، ونقطع أطماع العقل فيها، بل نقول: ينزل نزولاً حقيقياً كما يليق بجلاله وعظمته نثبته لله تعالى، ولا نتأول هذا النزول بشي أبداً.
اختلف العلماء في مسألة النزول، فـ أهل السنة والجماعة يثبتون للرب نزولاً حقيقياً، وقالوا: ينزل بذاته، ومنهم من قال: ينزل نزولاً حقيقياً.
من الطوائف من قالت: النزول هنا هو نزول المَلك، أي: أن النازل هو المَلك وليس الرب ، ومن الطوائف من قالت: النزول هنا أي: ينزل أمر ربنا، وليس نزول الرب ، وهذا يعتبر تأويل وتحريف للنص، ومن الطوائف من قالت: تنزل رحمة الله تعالى، فأصبحت طوائف المؤولة أثبتت ثلاثة تأويلات: التأويل الأول: هو نزول الملك.
التأويل الثاني: نزول الأمر.
الثالث: نزول الرحمة.
ولكن هذه التأويلات باطلة لا شك في بطلانها.
أما القول بأنه ينزل الملك فلا شك أنه ليس صحيحاً، والدليل عليه أن الملائكة تنزل في كل ساعة من ليل أو نهار، ثم لماذا التخصيص لها بأن تنزل في ثلث الليل الآخر دون غيره؟ ثم يبطل هذه المقالة أنه في نفس لفظ الحديث: (فيقول: هل من سائل فأعطيه؟ هل من داعٍ فأستجيب له؟ هل من مستغفرٍ فأغفر له؟) فهل الملك هو الذي يقول: هل من سائل؟ هل من مستغفر؟ هل من داع؟ حاشا وكلا أن يكون هذا هو قول الملك، وإنما هو قول ملك الملوك وهو الرب .
وأما الذين قالوا: إنه ينزل أمره، فنقول: هذا الكلام باطل لا شك في بطلانه، فنزول أمر الله تعالى ينزل في كل لحظة ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن:٢٩] ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢] ولا يخصص أمر الله تعالى بهذا الجزء من الليل دون غيره، مما يدل على بطلان أصحاب هذا القول.
ثم القول: بأنه نزول رحمته، هذا أيضاً باطل، والدليل على بطلانه: أن رحمة الله تعالى قريبة من المحسنين، ولذلك يقول تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم:٥٠] وكيف تخصص بالثلث الأخير دون غيره، مما يدل على أن قول هؤلاء أن الرحمة لا تنزل على عباده إلا في ثلث الليل الآخر، وما عداه فلا رحمة للعباد، وهذا تأويل باطل لم يدل عليه كتاب ولا سنة.
ثم نقول: إن النصوص التي وردت في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ والقاعدة عندنا: أن نحملها على ظاهرها، ولا نجري فيها المجاز أبداً، وقد وردت أحاديث وآثار تبين نزول الرب وكلها تدل على الحقيقة، ولا يمكن أبداً لنص واحد أن نقول: يمكن أن نحمل هذا النص على النص الآخر، مما يدل على غلط هؤلاء وانحرافهم عما دل عليه الكتاب وسنة النبي ﷺ .
نحن نعلم أنه قد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (ينزل ربنا إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني؟ من يسألني؟ من يستغفرني؟) والحديث متفق عليه.
وهذا الحديث من الأحاديث العظيمة التي تلقتها الأمة بالقبول، وشأنه عظيم، وقد أفرد العلماء رحمهم الله تعالى كتباً مستقلة في النزول، وممن أفرد في ذلك الإمام الدارقطني رحمه الله تعالى، وأبو بكر الصابوني، وشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتاب عظيم نفيس اسمه: شرح حديث النزول، بين فيه أدلة هؤلاء وأدلة أهل السنة، وشبه المبتدعة والرد عليهم، ثم أورد ما خطر في أذهانهم، ثم أبطل تلك الموارد التي وردت، وسيأتي إن شاء الله إيماء إليها، والإمام الذهبي رحمه الله تعالى أفرد كتاباً في النزول.
يقول عثمان بن سعيد الدارمي ﵀ في رده على بشر العنيد: إن هذا الحديث أغيض حديث على الجهمية، أي: ما أضره على قلوبهم، والجهمي إذا سمع الحديث وجد الغيض في قلبه، وإذا أردت أن تغيض جهمياً فأورد له حديث: (ينزل ربنا حين يبقى ثلث الليل الآخر) فتضيق عليه الأرض بما رحبت، ولا شك أن هؤلاء الذين لا يقبلون ما دلت عليه النصوص ولا يرتضون بها من المبتدعة.
بينا أن صفة النزول نثبتها كما يليق بجلال الله وعظمته، وأثبتنا أنها صفة فعل لله تعالى، وأنها متعلقة بالإرادة والمشيئة، وقلنا: أحاديث النزول من الأحاديث المتواترة، وقد رواها عن النبي ﷺ ثمانية وعشرون صحابياً ﵃ وأرضاهم، ومن هؤلاء الصحابة: أبو بكر الصديق، وعلي بن أبي طالب، وأبو هريرة، وجبير بن مطعم، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن مسعود، وأبو سعيد الخدري، وعبد الحميد بن سلمة عن أبيه عن جده، وأبو الدرداء وغيرهم، وأورد أسماء هؤلاء الصحابة الإمام ابن القيم في صواعقه المرسلة، وأورد كل حديث ولفظه ومن خرجه من باب تبيين أن أحاديث النزول من الأحاديث المتواترة الثابتة في سنة النبي ﷺ .
يقول أبو عمر بن عبد البر رحمه الله تعالى بعد أن أورد هذا الحديث: هذا حديث ثابت من جهة النقل، صحيح الإسناد، لا يختلف أهل الحديث في صحته، وهو حديث منقول من طرق شتى، هذه من أخبار العدول عن النبي ﷺ ، وفيه دليل على أن الله ينزل إلى السماء الدنيا نزولاً يليق بجلاله وعظمته، وهو يبطل مقالة الجهمية أن الله في كل مكان، ولا شك أن هذا القول باطل منحرف عما كان عليه سلف الأمة.
ومن المسائل التي اختلف العلماء فيها أن أهل السنة قالوا: إنه ينزل نزولاً يليق بجلاله وعظمته، وهل نقول: ينزل بذاته، أم نقول: ينزل نزولاً حقيقياً؟ قولان لـ أهل السنة: القول الأول: ينزل بذاته، وذكروا أن فيه حديثاً لكنه لا يصح رفعه عن النبي ﷺ .
القول الثاني: ينزل نزولاً حقيقياً يليق بجلاله وعظمته.
وبعضهم يقول: نمسك فلا نقول: ينزل بذاته، ولا لا ينزل بذاته، بل نقول: ينزل نزولاً يليق بجلاله وعظمته.
следующие страницы →