← Джавами‘

Джавами‘ · id 7735

دروس للشيخ صالح بن حميد

صالح بن حميد

Полный текст (918 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

آيات في خطاب التكليف والمسئولية نأتي إلى خطاب التكليف والمسئولية. الله يقول: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ [النساء:٣٢] الخطاب موجه للرجال وللنساء، إذن للمرأة مقامها في المجتمع ودورها في المسئولية، وخاطبها الله كما خاطب الرجال، وقضيتها أيضاً معتنىً بها؛ لأنها هي بناء الدنيا، فالدنيا مبنية على الرجل والمرأة، بل نبينا محمد ﷺ يوم أن تحدث في حجة الوداع عن قضايا كبرى كالتوحيد والربا تحدث عن المرأة حديثاً مستفيضاً، وتحدث عن الدماء والجاهلية والقصاص إلى آخره، وقال: ﴿استوصوا بالنساء خيراً﴾ فقضية المرأة فعلاً هي من أكبر القضايا لا لأننا نتحدث عن نهضة وتقدم، إنما نتحدث عن شيء قرره ديننا، قال تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ﴾ [النساء:٧]. وفي الآية الأخرى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ [النساء:٣٢] بل يقول الله أول هذه الآية: ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء:٣٢] وواضح أن الخطاب للرجال والنساء، فالنساء قد تفضل على الرجال؛ في قربها من ربها، في اجتهادها في عملٍ، لأن الله عدل رحيم، فمن عمل لقي جزاء ما عمل، ولهذا قال سبحانه: ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾ [النساء:٣٢]. آية أخرى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ﴾ [الحجرات:١١] خطاب للجنسين في هذه القضية وإن كانت السورة كلها مبتدئة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات:١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ [الحجرات:٦] وبعد ذلك ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنْ الظَّنِّ﴾ [الحجرات:١٢] كلها للرجال والنساء لكن هنا أيضاً أفرد النساء بالخطاب وأفرد الرجال بالخطاب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ [الحجرات:١١]، هنا أريد بها الرجال بدليل أنه قال: ﴿وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ﴾ [الحجرات:١١]. وهناك قضية المباهلة، والمباهلة هي تحمل المسئولية، وقصة المباهلة أنه أتى وفد من نجران إلى النبي ﷺ ، وأخبرهم النبي أنه تنزل الوحي بشأن عيسى، فخالفوه فدعاهم إلى المباهلة، وفي هذا قال الله تعالى: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾ [آل عمران:٦١] فالجميع يتحمل مسئولية استحقاق لعنة الله على الكاذبين فدعي الرجال والنساء والأطفال، فالكل يتحمل المسئولية. والآية الطويلة في سورة الأحزاب بعد قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً﴾ [الأحزاب:٢٨] إلى أن قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ [الأحزاب:٣٣] ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً﴾ [الأحزاب:٣٤] قال بعدها: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٣٥]. إذاً: الخطاب للجميع، والمسئولية للجميع، والقضية قضية الجميع، وهذا قبل أربعة عشر قرناً، ماذا كانت أوروبا، وماذا كانت الصين، وماذا كانت الهند؟ كان العالم كله يغط في نوم عميق، بل حتى العرب يتنزل عليهم هذا القرآن الذي قضى الله أن يكون خاتم الديانات، وأن يكون محفوظاً إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها حجة لله على خلقه، بعد هذه الآية قال الله : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً﴾ [الأحزاب:٣٦] خطاب تكليف ومسئولية وتحمل للجنسين. قضية أيضاً كبرى جداً، في قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [التوبة:٧١] من أكبر المسئوليات مسئولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي بها قيام الأمة، وهي قوله:

стр. 107

آيات في أحوال الاستضعاف وقد قصدت إفرادها بالذكر؛ لأن ديننا لا يرى أن المرأة مستضعفة وحدها، وإنما الاستضعاف شيء طارئ على الرجال والنساء في أحوال، أما المرأة فلها مسئوليتها التامة والكاملة، لكن إذا جاءت ظروف فيها استضعاف فالقرآن ذكر الرجال والنساء، فمثلاً في قوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً﴾ [النساء:٧٥] والآية الأخرى في نفس السورة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً * إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً * فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً﴾ [النساء:٩٧ - ٩٩]، إذاً أحوال الاستضعاف تطرأ على الرجال والنساء والولدان. كذلك أيضاً في قضية الفتح، وكيف أن الله أخر الفتح لحكمة يراها، ومنها قوله : ﴿وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الفتح:٢٥] فأحوال الاستضعاف، والنظر حتى في جميع الأحكام للرجال والنساء. وفي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً﴾ [الأحزاب:٥٨] ومثله قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج:١٠]. فهذا يدل على أن على الكل مسئولية، وعلى أن الكل تنبني عليه القضايا في هذه الدنيا وعليه فيها مسئوليات، وكلٌ عليه مسئوليته. إذاً: هذا استعراض في بعض أحوال الاستضعاف، وأن المرأة ليست مستضعفة لخلقتها، وإنما هي مسئولة على قدر طاقتها والرجل على طاقته لكن الأحوال الطارئة للجميع.

стр. 108

آيات في قضية الجزاء والثواب الله يقول: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران:١٩٥] ويقول تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل:٩٧]، وقال: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [غافر:٤٠] ويقول الله : ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ﴾ [التوبة:٧١] قال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً﴾ [التوبة:٧٢] وكذلك في سورة الأحزاب حينما قال: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً * لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب:٧٢ - ٧٣] إذن هذا للرجال والنساء.

стр. 109

الوضع السيئ للمرأة عند بعض المسلمين وشعار تحرير المرأة نأتي إلى قضية الوضع السيئ للمرأة المسلمة في بعض أقطار المسلمين وأعصارهم.

стр. 110

الوضع السيئ للمرأة لا يقره الإسلام لا شك أن وضع المرأة المسلمة في العصور المتأخرة كان فيه من السوء والظلم والغم ما لا يخفى ولا ينازع فيه، وأهل العلم والرأي والعقل في المجتمع مدركون بأن هذا الوضع للمرأة وللمجتمع ليس من الإسلام، فوجدت بعض الممارسات والأخطاء التي لا تقر، ونوع من الاحتقار، ونوع من غمط الحقوق، بل قد تمنع من الميراث، وقد تجبر في زواج، بل حتى إذا جاء ذكرها في بعض الديار يقال: (أكرمكم الله) حتى ولو كانت أمه، وهذا ليس من الدين في شيء، وليس من الغيرة، وليس من الحشمة، فهذه قضايا لا شك أنها ليست من الإسلام، وإنما هي عادات بالية وتقاليد أكثر ما أملاها الجهل، وقد يحصل تقصير من طلبة العلم في بيان هذا الحق، وكان ينبغي أن تكون هناك تدخلات من أصحاب القرار في سبيل رفع مثل هذا النوع من المظالم، ولهذا فلا شك طبعاً أن المطالبة بالإصلاح، وتحسين وضع المرأة، ورفع هذه الصور من الظلم عنها، لا شك أنه حق، بل إنه ليكتسب من القوة والمشروعية والقبول بقدر ما وقع على المرأة من ظلم وانتقاص. هذا كما قلنا أمر لا ينازع فيه، والسبب في ذلك أن ديننا واضح، وكما أوردنا الآيات السابقة، فكذلك الأحكام ظاهرة، وخطاب المرأة في العبادات وفي الحقوق والواجبات واضح، وأي لبس وتشويش فإزالته بالرجوع إلى كتاب الله، وإلى سنة نبيه ﷺ ، وإلى فهوم أهل العلم الصحيحة السليمة، ولا نحتاج إلى استيراده من أي جهة. لا أستطرد في هذا لأنتقل إلى شعار تحرير المرأة.

стр. 111

شعار تحرير المرأة شعار تحرير المرأة هو منطلق مما سبق من الظلم الذي وقع على المرأة، فجعلوا ذلك الجزء المظلم مدخلاً، ولهذا نقول في شعار تحرير المرأة: إذا كان وضع المرأة المسلمة في العصور المتأخرة قد أصابه ما أصابه من ظلم وتعسف وغمط، فلا شك أن دعوة تحرير المرأة من مثل هذه الأوضاع حق، فالأمة لا ترفض أبداً تحرير المرأة في ذاته، وبمضمونه الإسلامي؛ من حرية الفكر والشعور والرأي والتملك ونحوها، وكل ما يرفع عنها المظالم، ويحفظ لها حقوقها في حدود شرع الله الذي يحكم كلاً من الذكر والأنثى، ولكن الذي حصل ومع الأسف أن شعار تحرير المرأة قد ارتبط بالدعوة إلى السفور والتبرج والاختلاط المحرم والتحلل، حتى إن جماهير الأمة اليوم لا يذكر عندها اصطلاح تحرير المرأة إلا ويقع في خاطرها على الفور معنى تبرجها وسفورها، وأصبح وصف المرأة بأنها متحررة مرادف تماماً لوصفها بالتبرج والسفور والتحلل، رغم أن وصف الحرية في جوهره لا يؤدي إلى ذلك المعنى وما كان ينبغي له أن يؤدي إلى ذلك أبداً، بل لقد أصبح شعار تحرير المرأة مثيراً للقلق والاشمئزاز لدى المسلمين المخلصين الغيورين كافة، ويترتب على ذلك أن رفض المسلمين لهذا المفهوم المنحرف (تحرير المرأة) اعتبر عداءً لحرية المرأة. إذاًَ: هذا مع الأسف هو قضية الوقفة التي يسمح بها المقام عن معنى أو مصطلح شعار تحرير المرأة.

стр. 112

افتعال صراع بين الرجل والمرأة ولهذا أنتقل بعده إلى قضية فكرة الصراع بين الرجل والمرأة. إن الذي أدى إليه المفهوم المغلوط لتحرير المرأة هو أنهم صوروا أن الرجل متسلط، وأنه مستبد، نعم هذا قد يكون موجوداً حقيقة إما في ممارسة خاطئة، وإما عند أمم غير إسلامية، لكنهم استطاعوا أن يدخلوا -كما قلت- من هذا الجزء المظلم إلى النفخ في قضية الصراع بين الرجل والمرأة، فهذه الفكرة ترى العلاقة بين الرجل والمرأة علاقة صراع لا علاقة مودة ورحمة، والقوامة الشرعية استبداد وظلم وتسلط، لا تنظيم ورعاية وتوزيع للمسئوليات. واسمع بعض عباراتهم الاستفزازية إن صح التعبير وفرقوا بين ما يقوله أحدهم وهو كاتب مسلم عربي، وبين ما سمعتموه من آيات كتاب الله ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [النساء:١] قال: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف:١٨٩] وقال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً﴾ [الروم:٢١] هل تأملتم الفرق بين قوله: لتسكنوا إليها، ولم يقل: لتسكنوا عندها، ولا: لتسكنوا معها، فسكن الشيء إلى الشيء بمعنى: اطمأن وارتاح وأحس فعلاً بالأمان الداخلي؛ هذه هي العلاقة التي يبنيها الإسلام بين الزوجين في عش الزوجية، ناهيك أيضاً بالعلاقة مع الأم والعلاقة مع الأخت وصلة الأرحام وكلها علاقات مودة وبر وإحسان، والعاق لوالديه ومدمن الخمر لا يدخلان الجنة، لكن هؤلاء أرادوا أن يجعلوا القضية قضية صراع، يقول هذا الكاتب: فالمرأة القوية بفكرها، أو القوية بخبرتها وبمعرفتها، تجد في تلك القوة منافذ متعددة لدفع الأذى عنها، فلا تحتاج كثيراً إلى ذلك السبيل الذي تطرقه العاجزات، فالمرأة التي ترى نفسها نداً للرجل لا تبكي عندما تصطدم به، فهي تملك من تنوع الأسلحة ما تستطيع أن تواجه به تنوع أسلحته، إذاً القضية قضية أسلحة وليست مثلما يقول: أسلحة نووية وجرثومية بين الرجل والمرأة، لكن المرأة التي لا تجد لنفسها مكاناً في ظل الرجل أو خلفه تجعل من نفسها امرأة مقيدة اليدين والرجلين مكممة الفم. بالله عليكم إذا كنا نربي نساءنا وبناتنا على أن الحياة صراع، وأن الحقوق نهب، فكيف ستكون الحياة؟ فهو اختلاق صراع مرير بين المرأة والرجل تمخض عنه محاولات دءوبة لتكوين جمعيات نسائية لقيادة هذا الصراع، يجسد ذلك مع الأسف إلحاح في بعض وسائل الإعلام على ضرورة أن تنتزع المرأة حقوقها ولا تنتظر من يهبها تلك الحقوق، بينما هم يؤكدون أن العلاقة مودة ورحمة وأنها حقوق وواجبات، ومسئوليات كلٌ عليه مسئولياته، وكلٌ له حقوق بقدر ما عليه من مسئوليات.

стр. 113

تعليم المرأة نأتي إلى قضية تعليم المرأة وعملها: وهذه قد أقف عندها وقفات ونحن نتحدث عن التغريب. وكما كان اللبس في مفهوم تحرير المرأة كذلك كان اللبس في تعليم المرأة، فإن من حق المرأة أن تتعلم، وكما قلنا: أي خطاب للرجال هو خطاب للنساء، وقال الله : ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق:١ - ٥] الرجل والمرأة، و ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩] الرجال والنساء، فأي خطاب كما قلنا فهو موجه للرجال والنساء، ولا شك أن هناك ضوابط مأخوذة من الدين أيضاً، وإلا فقول النبي ﷺ : ﴿طلب العلم فريضة على كل مسلم﴾، ليس في الحديث مسلمة لكن لفظه مسلم تشمل الرجل والمرأة، إلا أنه لا شك أن هناك ضوابط تتعلق بطبيعة المسئوليات التي بها تستقيم الحياة استقامة حقيقية يترتب عليها نوع التعليم، ولهذا نقول: وكما كان الخلل واللبس في مفهوم تحرير المرأة كذلك حصل اللبس والخلل في مفهوم تعليم المرأة، إذ لا شك أن تعليم المرأة حقٌ، وحينما جاء الحديث الشريف: ﴿طلب العلم فريضة على كل مسلم﴾ فإن المراد به كل مسلم ومسلمة؛ لأن الخطاب كما قلنا للجميع، وهذا معروف في نصوص الكتاب والسنة، وكذلك في أسلوب اللغة، ولكن الانحراف الذي حصل في هذا المفهوم، أو هذا الشعار أنهم ربطوا ذلك باختلاط الفتيان والفتيات، وربطوا ذلك بالتبرج في اللباس، وربطوا ذلك بأمور كثيرة، فكأنهم حرصوا على أن يضعوا حينما جاء التعليم -طبعاً في غير ديارنا ولله الحمد- لكن نحن نتحدث فعلاً عن قضايا التغريب، فكأنهم حرصوا على أن يضعوا الأسرة المسلمة في الاختلاط وأمام مأزق الدين نفسه، فإما أن يعلموا بناتهم، وإما أن يحفظوا عليهن خلقهن ودينهن، من غير تعليم، وفي الواقع هناك ارتباط بين التعلم في كثير من الصور المعاصرة وبين التفسخ الأخلاقي، مع الأسف أن هذا الذي ينكره يماري مماراة ويجادل في أشياء لها برهان كالشمس في كثير من قنوات التعليم. إذاً: حينما ربطوا بين التعليم والاختلاط، وبين التعليم والتفسخ، وبين التعليم وأنواع اللباس، كأنهم حرصوا أن يضعوا الأسرة المسلمة أمام مفترق طرق، أو مأزقٍ ديني ونفسي، فإما أن يعلموا بناتهم، وإما أن يحفظوا عليهن خلقهن ودينهن، إما أن يبقين بلا علم، وإما أن يفرطن في التزاماتهن الدينية والخلقية والتربوية، وأنت تعلم عقلاً وحساً أنه ليس ثمة تلازم بين التعليم والاختلاط، ولم يقل أحدٌ بأن البنت إذا تلقت العلم مع زميلتها وشقيقتها سيسوء فهمها ويتأخر تعليمها، ولكن مع الأسف ورغم وضوح ذلك فقد حرصت الدعوات المشبوهة والمنحرفة بمعونة مؤسسات من الداخل والخارج على ربط تعليم المرأة بالاختلاط مما أساء في نهضة المرأة المسلمة، فلمصلحة من تلزم الأسرة المسلمة بما لا يلزمها؟ وهل النهضة لا تكون إلا بترسيخ مبدأ علماني غربي في ديار الإسلام ليس له أي مردود نهضوي أو عقلاني في مسيرة الأمة نحو السبق الحضاري الراشد؟ والنتيجة لقد أخرجوها من بيت وليها أباً أو زوجاً أو غيرهما بشتى الحيل بل وأهونها، فكان ذلك بدايات المحذورات جميعاً، وتركت المرأة جهادها الكريم في بيتها، وانصرفت إلى نضال مدنس أو على الأقل ثانوي؛ سعياً وراء تحصيل علم بزعمهم، وتحقيق الكيان الاجتماعي بحسب تعبيراتهم، وإثبات الشخصية والوظيفة المرموقة، وباسم العلم والنور والتقدم أخرجوا نماذج نسوية تمرست وتقلبت في معتركات التعليم ومجالات العمل ومسارح الاختلاط المختلفة خلفت وراءها رسالتها الحقيقية وبخاصة سياسة البيت، فنبتت المشكلات الأسرية والزوجية، وتفككت الأسرة، وضاعت المسئولية، ومع الأسف أن هذا فيما يتعلق بالتعليم المختلط، أو حتى عموم تعليم المرأة. ونحن نتكلم بشكل عام، ولكن الحمد الله بلادنا ليس فيها اختلاط ولله الحمد، والأمر لدى مسئولينا أمر واضح، وسياسة التعليم عندنا واضحة، والجهات المسئولة عن تعليم البنات تعرف كل ذلك وتعيه ولله الحمد.

стр. 114

عمل المرأة نأتي إلى قضية عمل المرأة. قضية الحط من العمل المنزلي. ما كان ينبغي أن يكون عمل المرأة مشكلة، لأنه مع الأسف إذا قالوا: عمل المرأة أو إذا قالوا: المرأة العاملة فإنهم لا يعترفون بعمل المرأة إلا إذا كان خارج بيتها، ومع الأسف حاولوا أن يرسخوا هذا المصطلح، وهذا من التغريب؛ فإذا قال لك: المرأة العاملة، وظروف المرأة العاملة، وتهيئة ظروف المرأة العاملة، ومساعدة المرأة العاملة، فالمرأة في بيتها عندهم ليست عاملة، ولهذا كان توجههم الأول هو الحط من العمل المنزلي. نحن لا ننكر أن المرأة قد تحتاج إلى أن تعمل خارج بيتها، هذا لا شك أنه مقدر ومأذون فيه بضوابطه، لكن منطلقهم وهو الذي نركز عليه هو الحط من العمل المنزلي، واعتبار أنه إذا كانت المرأة في بيتها فإن نصف المجتمع معطل، والمجتمع كما يقولون أو كما يعبرون: يتنفس من رئة واحدة. وأنا أريد أن نتحدث في هذا عن نوع من الخطاب الرقمي، أو الإحصائيات فيما يتعلق بعمل المرأة في منزلها، وهو ما يسمونه: بالإنتاج القومي، أو المردود الاقتصادي، لأن هذه معاييرهم، أما قضية الحشمة، وقضية الأدب، وقضية تربية الأولاد؛ فهذه ليست في حسابهم أبداً، صحيح أنهم يتكلمون نظرياً عن المرأة وتربية الأولاد، لكن الواقع إلحاحهم على إخراج المرأة، وعلى إلغاء أهمية العمل المنزلي هذه هي القاصمة وهذه هي الطامة، ولهذا فهم يصرون على إخراج عمل المرأة في بيتها من مفهوم العمل، ولهذا تجد في عباراتهم الشائعة: أن المرأة إذا لم تعمل خارج منزلها فإن المجتمع يكون نصف معطل، أو هو مجتمع يتنفس من رئة واحدة، وبنظرة علمية عاقلة بحسب مقاييسهم تدرك أن هذه الدعوة لا يسندها أي حجة، مثلاً: هذا اقتصادي معروف لكن بطبيعتي لا أحب ذكر الأسماء في مثل هذه الجموع والمرجع والصفحة مثبت عندي، يقول: إن إهمال تقدير خدمات وأعمال ربات المنازل عند حساب الناتج القومي يؤدي إلى كثير من المغالطات، وفي تقرير للأمم المتحدة صدر عام خمسة وثمانين ميلادية، يعني: أربعمائة وخمسة تقريباً حول القيم الاقتصادية لعمل المرأة في المنزل، يقول: لو أن نساء العالم تلقين أجوراً نظير القيام بالأعمال المنزلية. طبعاً نساء العالم بما في ذلك أوروبا، وأوروبا المرأة العاملة فيها بالبيت قليلة جداً، وأغلب النساء التي تعمل في المنازل من نساء العالم الثالث، والعالم الثالث هو الذي يعاني الفقر، فإذا خرجت المرأة من بيتها كيف ستكون ميزانية الدول، لاحظ ماذا يقول التقرير، يقول: لو أن نساء العالم تلقين أجوراً نظير القيام بالأعمال المنزلية لبلغ ذلك نصف الدخل القومي لكل بلد. بمعنى: أن المرأة في بيتها قد وفرت على الدولة نصف دخلها القومي، فما بالك بدول العالم الثالث الفقيرة أو التي مستواها قريب من الفقر؛ فإنها ستفقد نصف دخلها القومي، يعني: يزيد فقرها فقراً، ولا تكسل لأنها لا تأخذ من بيت المال أو من ميزانية الدولة إذا عملت، هذا بمقاييس مادية ومقاييس رقمية. لو أعطيت نساء العالم أجوراً نظير القيام بالأعمال المنزلية لبلغ ذلك نصف الدخل القومي لكل بلد، ولو قامت الزوجات بالإضراب عن القيام بأعمال المنزل لعمت الفوضى العالم، سيسير الأطفال في الشوارع، ويرقد الرضع في أسرتهم جياعاً تحت وطأة البرد القارس، أو السَّموم اللاهب، وستتراكم جبال من الملابس القذرة دون غسيل، ولن يكون هناك طعام للأكل ولا ماء للشرب، ولو حدث هذا الإضراب فسيقدر العالم أجمع القيمة الهائلة لعمل المرأة في البيت. ثم يقول التقرير: عمل المرأة في المنزل غير منظور لدى الكثيرين -طبعاً الأمم المتحدة تعتبر حيادية، وتتحدث عن قضايا إحصائية- وإن المرأة لا تتلقى أجراً نظير القيام بهذا العمل، إن هذا العمل حيوي وعلى جانب عظيم من الأهمية؛ غير أن هذه الساعات الطويلة من عناء المرأة في المنزل لا يدركه الكثيرون لأنه بدون أجر. هذا كما قلنا قضية رقمية فما بالك بالتربية، ما بالك بالحنان، ما بالك بالاستقرار، ما بالك بالسكن في البيت، بالسكينة والطمأنينة، هذا كله لم يحسم، تصور زوج وزوجته لا يأتون إلا بعد العشاء، أو لا يأتون إلا بعد العصر. إذاً: نقول: إن المرأة لو تقاضت أجراً لقاء أعمالها المنزلية لكان أجرها أكثر من أربعة عشر ألفاً وخمس مائة دولار في السنة، إن النساء الآن -وهذا عام خمسة وثمانين- في المجتمعات الصناعية يساهمن بأكثر من (٢٥% إلى ٤٠%) من منتجات الدخل القومي من أعمالهن المنزلية. هذه المجتمعات الصناعية فما بالك بالمجتمعات التي لا تعمل فيها المرأة كثيراً في الخارج؟ وامرأة سويسرية تركت العمل ورجعت إلى البيت، تقول: لو حسبت أجر المربية والمعلمين الخصوصيين ونفقاتي الخاصة، لو أنني واصلت العمل لوجدتها أكثر مما أتقاضاه بكثير. ولهذا هي فعلاً حسبت لنفسها أنها وفرت على نفسها شيئاً كثيراً، وكما قلت: هي نظرة مادية. وما بالك بالقضايا غير المنظورة وهي أهم؛ كما في قضية التربية والسكن والحشمة، واستقرار النفس بين الزوج والزوجة وأشياء كثيرة. مع الأسف أؤكد مرة أخرى على توجهنا الحق من العمل في المنزل، يقول أحدهم: إن مهمة المرأة التي يتم تقييمها على أساسها تنحصر في الحمل والطبخ وتنظيف المنزل والعناية بالزوج. ومع الأسف أن هذه المقولة لأحد أبناء المسلمين، ولو أني قلت له: قال الله وقال رسوله يمكن ألا يستجيب ويقول: هذه أساطير الأولين، لكن لو قلت له: قال فلان وفلان، ولهذا سأقول له: قال برناردشو؛ لأنه غربي، وأظنه سيسمع كلامه، فأنا أقول: هذا المسكين لو سمع مقالة بعض الغربيين في أهمية الحمل لتغيرت رؤيته، ولو سمع كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وعنايته بالحمل والحامل والجنين لما تغيرت؛ وهذا من التغريب الذي مسخ الأفكار، ومسخ العقول. برناردشو يقول -ولقد سميته مع أني لا أحب -كما قلت- ذكر الأسماء ولكني مضطر لخطاب مثل هؤلاء- يقول: إن العمل الذي تنهض به النساء، العمل الذي لا يمكن الاستغناء عنه هو حمل الأجنة وولادتها؛ لكنهن لا يؤجرن بأموال نقدية، وهذا ما جعل الكثير من الحمقى ينسون أنه عمل على الإطلاق، بل العكس ينظرون أنها حضانة كبهائم وكمجرد تفريخ ونحو ذلك. ولهذا ديننا حاول أن يصور قضية الحمل بشكل: ﴿وَهْناً عَلَى وَهْنٍ﴾ [لقمان:١٤] ليبين حقها ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً﴾ [الأحقاف:١٥] كل هذا بيان لأهمية هذا الأمر، والموضوع كبير في هذا. إذاً: هذه القضايا في موضوع تعليم المرأة وشعار تحريرها والعمل كذلك خارج وداخل المنزل هي التي تدور في الساحة، وهي التي يلوكها من يلوكها على هذا النحو من الطرح مع الأسف؛ نوع من السخرية، ونوع من الاستهجان، ولكن أؤكد أنها نظرة غير عاقلة، وإنما هي إما نوع غفلة وجهل، وإما سوء نية وطوية؛ لأنها لا تخدم اقتصاداً، ولا ديناً، ولا خلقاً، ولا تماسك مجتمع، ولا نهضة حقيقية.

стр. 115

كلمة لمفتي تركيا حول تحرير المرأة لعلي أنتقل إلى الفقرة الأخيرة وهي مقالة أو كلمة أعجبتني كثيراً لـ مصطفى صبري؛ آخر مفتي في تركيا، وقد عاصر هذه القضايا، وعاصر انسلاخ تركيا وعلمنتها، ولاقى ما لاقى أيضاً حتى في مثل هذا الباب، وأعرض قضية المرأة، وله في هذا كلام، لكن تكلم في هذا كلاماً جيداً، ومقارنة بين هؤلاء الذين يريدون فعلاً أو يزعمون أنهم ينصرون المرأة، وحاول أن يقارن بين المرأة في الشرق والمرأة في الغرب بكلام لا شك إنه يحتاج إلى وقفة وتأمل. يقول: من المقطوع به أن مسألة المرأة كانت هي الفارق المتميز بين الشرق والغرب، أو بين الإسلام والغرب، يقول: فما كان يخطر بالبال -هو يعيش معاناة بلا شك، وتوفي عام (١٣٧٢هـ) - قال: فما كان يخطر بالبال أن يجد الغرب في امرأته السافرة من يقلدها في الشرق المسلم المعروف والمشهور بتدينه وغيرته على نسائه مهما قلد في غيرها، قد تقلد في كذا، لكن تقلدها في أن تنخلع امرأتك من حجابها وحشمتها وعفافها هذا ما كان يخطر بالبال. لأنه كان في تركيا وكان يرى مثل هذا، قال: لكن مع الأسف أن غيرته على نسائه زالت مع غيرته على إسلامه. وهذه والله قاعدة يعني: إذا قلت الغيرة على النساء فهي قلة غيرة على الدين، وهذا أمر جلي، ومن نظر إلى تعامل الغرب مع المرأة، وهذه التي أريد أن نتوقف عندها، ومن نظر إلى تعامل الغرب مع المرأة يحسب أنهم يجلون المرأة، ويقدرونها ويقصدون إلى رفعة مكانتها، ومن هذا الظن الخاطئ اعتبروا المرأة الشرقية مغموطة الحق، منكودة الحظ، محقورة مظلومة، ولكن الحقيقة كل الحقيقة: أن الغرب ومقلديهم من المسلمين إنما يعبدون هوى أنفسهم، ولهذا لا شك أن الذي يطالب بحقوق المرأة رجال، ثم المرأة تأتي في الصف الثاني وهذا تأملوه تجدوه حقيقة، ولكن الحقيقة كل الحقيقة أن الغرب ومقلديهم المسلمين إنما يعبدون هوى أنفسهم، فما مظاهر إجلال الرجل المعاصر للمرأة وتقديمه إياها على نفسه -يقدمونها بالدخول والخروج- إلا نوعاً من المخادعة وجعلها أداة للهو واللعب، وما إخراجها من بيت الكرامة والعفة إلا لتسام الخسف في سوق الابتذال، حتى إن اشتراكها في أعمال الرجل الذي قد عدوه انتصاراً لها وفوزاً بحقوقها وتحقيقاً لمساواتها المدعاة بالرجل ما هو إلا احتمالها لأعباء الحياة القاسية التي لم يقم بها رجال الشرق بعد حتى حق القيام على النساء، وهذا صحيح، فلو وقفنا وقفة هؤلاء النهضويون ماذا قدموا للأمة! هل أصبحنا دولاً صناعية؟ فقط: مجرد لباس، ومجرد خلاعة، ومسارح، وفنون، هذا الذي أخذ به كثير من دول العالم الثالث وأغلبها الدول الإسلامية، لا نهضة في أنفسنا، ولا نهضة في الاقتصاد، ولا نهضة في استقرار حقيقي، ولهذا يقول هو: وما فعله الإنسان إلا احتمال لأعباء الحياة القاسية التي لم يقم بها رجال الشرق بعد حق القيام فضلاً عن نسائه، مع أن تحملها أي: المرأة، لتلك الأعباء هو مزاحمة للرجل لا مساعدة له فيها.

стр. 116

حقيقة دعوة حرية المرأة وحينئذٍ فإن لم تقهر المرأة في هذه المزاحمة وتغلب -طبعاً لو صار في صراع حقيقي بين الرجل والمرأة ما كانت المرأة أن تغلب الرجل- ولهذا يقول: وحينئذٍ فإن لم تقهر المرأة في هذه المزاحمة وتغلب فإن عدم غلبتها وقهرها ما هو إلا تنازل من الرجل مقابل استغلاله لأنوثتها وابتذاله لها، وقد كانت المرأة في الشرق هي خير عون للرجل أعمالها كانت بحشمة؛ في الزراعة، كانت تعمل في بيتها تخدم وتقدم أعمالاً بيتية لكن كانت المرأة خير عون للرجل في عمله، ولها عملها وله عمله في سائر البيت وسائر الحياة في انضباط وحشمة وعفة فهي الزوجة والأخت والأم، وهذا هو الأمر السائد غير أننا لا ننكر أن هناك نساء مظلومات كما قلنا قبل قليل، ووجد -ولا شك- نوع اضطهاد، وهو يقول: هذا الاضطهاد الذي يتحدثون عنه ويدندنون حوله لا يخلو من إحدى صورتين: اضطهاد على الطريقة الشرقية، أي: أنها محصورة في العمل في بيتها فهي زميلته في الحياة ومساعدته في بيته، الاضطهاد الذي يرونه اضطهاداً هو بقاؤها في بيتها، وسماه الشيخ هنا اضطهاد على الطريقة الشرقية. قال: أو اضطهاد على الطريقة الغربية، فهي زميلته في الحياة ومزاحمته في أعمال الحياة وظروف المعيشة. والنتيجة، يقول: إن في كلا الصورتين ليس لها موقف حر ممتاز خالٍ من الاضطهاد، لكنها في الطريقة الغربية تتميز بكونها أداة للهو واللعب والاستمتاع من قبل الرجال. فالذين يدعون ويعملون لحرية المرأة في الشرق يريدون تحقيق جانب اللهو واللعب والاستمتاع، وهي الصورة التي يزعمون أنها بها أخذت حريتها، وسلمت من الاضطهاد، كما أن دعاة السفور يزعمون أنهم يعطون المرأة مكانة حين يكون الرجال الأجانب مزاحمين لزوجها عليها، وفي نظر العاقل المنصف فإن ضعف المرأة في القوة الجسمانية الذي لا يختلف عليه أحد من موافق ومعارض، إضافة إلى طمع الرجل بها مع عدم استغنائها عنه، كل ذلك يمنع استقلالها في الحياة، ويحتم عليها ألا تعيش فرداً منعزلاً، فكيف يكون ذلك مع حفظها وتكون مبتذلة للرجال. هذه حقيقة يجب أن نقررها، وهي موجودة، وبمعنى أنه فعلاً هي مضطهدة يعني على الطريقة الشرقية وهي التي ننكرها أيضاً ولا نرضاها، أو الطريقة الغربية وهي فعلاً شئنا أم أبينا هي أداة استمتاع، ولهذا تضع أصباغها وزينتها في المدرسة وفي المعمل وفي الإدارة وفي كل مكان بروائحها العطرية الفواحة.

стр. 117

وقفة بين نظرة الإسلام ونظرة الكفر إلى المرأة ولعلي أختم بهذه الكلمات: وهي وقفة بين نظرتنا ونظرتهم. هل الحرية والحقوق أن تكون المرأة غانية في سوق الملذات والشهوات، يستمتع بها الرجل من طلوع الشمس إلى غروبها، ومن غروبها إلى طلوعها في دور الأزياء، وقاعات السينماء، وشاشات التلفاز، وصالات المسارح، وأغلفة المجلات، وشواطئ البحار والأنهار، وبيوت اللهو والدعارة، والصخب في السيارة، بل ومع الأسف حتى في ردهات المستشفيات والملاحات الجوية، ومن المشين المخجل أن يقال: إن ذلك قد يقع حتى في دور التعليم ومحاضن التربية، هل هذا هو سبيل نيل الحقوق؟ أو هذه هي صورة نيل الحقوق؟ ولكن في الحقيقة إنها البيوت الخربة، والمسئولية الضائعة حين ألقاها الرجل عن كاهله فوقعت تلك النساء حيث وقعن؛ إهمال وتنصل من مسئولية الإنجاب والتربية البيتية، فأصبح الذكر والأنثى لنفسه لا لأهله، للذته لا لكرامته، فمن أجل هذا فأنت ترى أنه كلما سادت هذه المفاهيم رأيت الفساد يستشري، والخراب إلى الديار يسري، إنهم يريدون امرأة نداً للرجل ومماثلاً له ومناوئاً، والمرأة في نظرتنا شقيقة الرجل وشقه ومتممته، الرجل محتفظ برجولته والمرأة متميزة بأنوثتها، إنها في نظرتهم كما أسلفت آلت إلى سلعة في سوق النخاسين وعروض الأزياء، غانية في سوق اللذة والشهوات. إن نظرتنا أنه لا يجوز أن يكون تأمين العيش، ولا مكافحة الفقر، ولا محاربة الجهل على حساب العرض والشرف، فما ضياع الشرف إلا ضياع العالم كله إن كانوا يعقلون، ولئن وجد الشاب والشابة في نزواته وصبواته وفترة الطيش من عمره لذة عاجلة أو شهوة عابرة فإن عاقبة ذلك الدمار والتشتت الأسري وانهيار المجتمع كله، وما كانت فتيات المجلات ونجوم المسلسلات إلا نتاج هذا النظام الخاسر. إذاً: هذه إشارات إلى مواقع المرأة والرجل في ديننا، خلقهم الله من نفس واحدة، العلاقة بينهما علاقة مودة ورحمة وسكن وطمأنينة، لا علاقة صراع ومنافسات غير شريفة، وهذه بعض لمحات وبعض إشارات، والموضوع واسع، والقضية كبيرة، ولكن لعل من مجموع ما سمعتموه مما سبق وما سوف تسمعون إن شاء الله تتكامل النظرة والصورة. وأقول هذا القول وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 118

الأسئلة .

стр. 119

التغريب وكيفية معرفته السؤال نريد تعريفاً للتغريب؟ وما هي أهم الكتب التي تفيدنا في هذا الباب وتعرف لرواده والأسباب التي من أجلها ذكرتم أن في غالبهم من الناس المشبوهين؟ الجواب لا شك أن التغريب مأخوذ من الغرب؛ لأن أصل هذا التوجه جاءت رياحه من هناك، فمن هنا اكتسب هذه النسبة. ويبدو لي أن الأمر أوسع من هذا، وإنما أخذ مصطلح (تغريب) لأنه من أصله، وإلا المقصود به كل ما اشتملت عليه في بعض العناصر التي ذكرتها قبل قليل فيما يتعلق بالنظرة أولاً في أحكام الإسلام المتعلقة بالمرأة إما التنكر لها، أو الزعم بأنها عادات وتقاليد، ومن هنا فهي تقبل النظر. والأحكام تشمل: الحجاب، وتشمل ضوابط التعليم، وتشمل ضوابط العمل، وتشمل ما يتعلق بمفهوم تحرير المرأة، فكل هذه القضايا والأطروحات يشملها كما يشمل الكلام عن المساواة، وحقوق المرأة، ونحو ذلك، هذه كلها من ميادين الحديث عن التغريب، وإلا قد يكون أوسع من ذلك، وبطبيعة الممارسة تتفتق أشياء كثيرة. أما فيما يتعلق بالكتب فالكتب كثيرة جداً، وأنا ألاحظ أن المكتبات يكاد يكون يومياً فيها دفع جديد وكتابات متوالية جداً، ويحضرني كتاب عودة الحجاب لـ محمد إسماعيل كتاب جيد جداً في أجزاء ثلاثة، ويتكلم عن هذه الأشياء وكثير من الكتابات رأيتها لا أكاد أخص كتاباً في الموضوع.

стр. 120

أثر الفضائيات في التغريب السؤال أسئلة يذكر أصحابها: أن من أهم الوسائل والمعاول التي استخدمها التغريبيون ضد المرأة المسلمة القنوات الفضائية في هذا الزمان فهل من كلمة لفضيلتكم حول أثر هذه القنوات في تغريب المرأة؟ الجواب لا شك أن وسائل التغريب كان ينبغي أن تخص بالحديث، حتى التعليم يصلح أن يكون مقصداً ويصلح أن يكون وسيلة، والإعلام وسيلة كبيرة للتغريب بأنواعه المسموع والمقروء والمنظور، ولا شك أن المنظور له أثر كبير جداً، القنوات الفضائية؛ وأيضاً يضاف إليها الإنترنت الشبكة العالمية، وهذا تأثيره كبير، فبث الأفكار لا ينبغي أن نكون نحن دائماً في موقف المدافع ولا شك أن هذا قد يكون من المقاصد، لكن أولاً لا شك أن التحذير والتنبيه إلى خطر هذه القنوات أمر لا أظنه يحتاج إلى مزيد تحديد؛ لأن أثرها ظاهر فيما يتعلق بالتربية وفي جميع ما تطرحه حتى في القضايا السياسية والاجتماعية، والقضايا الثقافية والفكرية، من أراد أن يطرح طرحاً إيجابياً فلا بأس، ولكن هذا قليل ومن أراد أن يشوش ويبث الفتن أيضاً فبابه واسع جداً، ولا شك أن مما يطرحون قضايا المرأة في ندوات وفي أشياء كثيرة جداً، ولا شك أن خطرها عظيم. وأنصح بالابتعاد عنها قدر الإمكان، لكن مع الأسف أنها اطروحات مفروضة، وأنه لا يمكن لصاحب الحق أن يجاري أهل الباطل، مثلاً: من يسبك لا تسبه، وأنت فعلاً لا تملك أن تمنع مثل هذه القنوات، لكن لا يمكن أن تجاريهم، ولهذا ينبغي أن تنشأ قنوات نظيفة، وتنصر الحق، وترد على أهل الباطل؛ فإن هذه مفيدة جداً، واعلم أن هذا مكلفٌ جداً، ويحتاج إلى أشياء كثيرة، ولكن الأمر خطير وواسع، والسلامة أن يعافيك الله من ذلك، وضررها أكثر من نفعها، ولهذا أنصح الذي يحب الخير لنفسه ويغار على دينه ويغار على حرماته ألا يجلب التلفاز إلى بيته.

стр. 121

ظاهرة التغريب في السعودية السؤال هذه رسالة في داخلها ثلاثة أسئلة، تقول: بالرغم من التحذيرات الموجهة إلى المرأة من أن تقع فيما وقعت فيه أختها المسلمة في أكثر من بلد، إلا أننا نجد بل ونرى في نسائنا لا أقول: بوادر، ولكن خطوات جادة إلى ما لا يحمد عقباه من سفور وتبرج واختلاط، ومظاهر التغريب الآخر، والسؤال هو: أين الخلل هل هو قصور في الدعوات الإصلاحية؟ أم أن بناتنا يحتجن إلى جرعة أكبر من جرعة التغريب؟ وما هو السبيل لاستدراك ما يمكن استدراكه قبل أن تسوق المرأة المجتمع معها إلى الهاوية؟ الجواب لا شك أن هذا السؤال جوهري وجيد، والجواب عليه أن يخاطب من يسمع، فالمرأة والرجل سواء كان أباها أو أخاها أو له مسئولية عليها، والمرأة كذلك أيضاً سواء كانت أماً أو زوجة أو بنتاً كبيرة مثلاً على أخواتها أو أختاً، الجواب يوجه إليهن، ولهذا في مثل هذا المقام لا يمكن أن تضع مسئولية على قنوات فضائية مثلاً، أو تضع مسئولية على مناهج أو نحو ذلك، لا شك أن كل هؤلاء مسئولون، لكن الجد والتأمل أو النظر في العلاج الحقيقي هو أنك تنظر أنت ماذا تفعل، ولا شك أن هناك خللاً، ولكن أنت ماذا فعلت في بيتك؟ وأنتِ ماذا فعلت في بيتك؟ وما هو القدر من المسئولية التي تحملته أو تحملتيه، صحيح أن غيرك عليه مسئولية، والإعلام عليهم مسئولية، والتربويون عليهم مسئولية، وأصحاب القرار عليهم مسئولية، وهؤلاء يخاطبون في مواقعهم، لكن هذا خطاب للحاضر، فقبل أن نطالب الآخرين بمسئولياتهم نقول: أنت ماذا فعلت؟ وأنتِ ماذا فعلتِ؟ حتى السؤال الذي كان قبل ما كان من القنوات الفضائية، القنوات الفضائية لا شك أن أصحابها سوف يجدون في أن يبثوا ما يريدون، لكن أنا لي موقف وأنت لك موقف، تأكد لو أن لي موقفاً صارماً ولك موقف صارم لانتهت القضية، لكن ما دام أني أسمع وأتلقى إذاً هم سوف يبثون، لكن إذا توقفت أنا فسوف يتوقفون، وهذه قضية لا نتأملها، فإذا كنت فعلاً أحس أنها مشكلة على أولادي ومشكلة على نفسي إذاً فالمسئولية عليَّ أنا ماذا قمت، بدلاً من أن ألقي اللوم على الآخرين، وإن كان عليهم اللوم ولا شك، لكن ماذا فعلت، أما أن تكون القضية عملية إسقاط وتنصل من المسئولية ليقول: إن المسئول فلان، وإن المسئول الإعلام، فأنا ماذا فعلت؟ ماذا فعلت مع نفسي؟ ماذا فعلت مع أولادي؟ ماذا فعلت مع زوجتي وابني وابنتي؟ إذاً: الخطوة الصحيحة الجادة الأولى: مثل هذه الأسئلة حينما توجه لشيء موجود في المجتمع نرجع إلى أنفسنا فأنا لبنة في المجتمع، وأنا عندي نوع من القرار في بيتي ومسئوليتي، اتخذ قراراً في بيتي وفي مسئوليتي، أحمي به نفسي، ولو أن كل واحد منا اتخذ مثل هذا فقطعاً سوف تغلق كل نوافذ الشر؛ لأنها مفتوحة علي، فإذا أقفلت النافذة انتهت القضية، وأنا لا أقول: هذا سهل؛ لكن هو مسئولية، ومن السهولة أن نلقي المسئوليات على الآخرين، ومن السهولة أن أعمل عملية إسقاط وأجعل المسئولية على الآخرين وأحمله، لكن أيضاً أنا علي مسئولية على نفسي، وعلى أولادي، وعلى أهل بيتي.

стр. 122

لقاء مفتوح مع الشباب بين يدي هذا اللقاء تحدث الشيخ عن توجيهات النبي ﷺ للشباب (في حديث ابن عباس) ونبه إلى نعمتي الصحة والفراغ. وفي ثنايا اللقاء يورد الشيخ بعض القضايا التي تهم الشباب والمشتغلين بالرياضة ومما تحدث عنه: كيفية التعامل مع العصاة، وكيفية النصح والتوجيه عموماً.

стр. 123

واقع الشباب واللقاء معهم إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونؤمن به ونتوكل عليه، ونثني عليه الخير كله، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، بعثه بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيداً، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا إنك أنت السميع العليم، اللهم إنا نسألك العلم النافع والعمل الصالح والإخلاص في القول والعمل، ونعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن عين لا تدمع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها، اللهم اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر:١٨]. أما بعد: أيها الإخوة في الله: أحييكم بتحية الإسلام؛ فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته. أشكر الله على ما منَّ به من هذا اللقاء الطيب المبارك في هذه البلدة الطيبة المباركة، حيث أزورها لأول مرة، وكم كنت متشوقاً لزيارتها واللقاء بأهلها، وبخاصة أهل العلم والفضل والناشئة والشبيبة الطيبة المباركة، وأعترف بأن التقصير هو مني، وإلا فإن الإخوة هنا كانوا يحسنون الظن، وثقتهم بمحدثكم كبيرة جداً، فكانوا يصرون على الزيارة، وكنت أتمنع ليس لأني لا أرغب، ولكن لأني أخشى ألا أبلغ الثقة التي يولوني إياها حفظهم الله، منهم فضيلة الشيخ: عبد الرحمن بن غيث، والشيخ وجيد وغيرهم كانوا يلحون كثيراً، ولا أكتمكم أن هذا كان من سنوات وليس من أشهر، وكنت عازماً على الوفاء، ولكن تأتي عوارض وشواغل وارتباطات لا أستطيع أن أنفك عنها، وكان آخرها هو ما كان موعداً محدداً قبل الحج أو قبيل فترة الحج، ولكن موسم الحج بضغطه وكثرة الحجاج كما هو معلوم، وحاجة المسجد الحرام ومكة كلها باعتبار كثرة الزوار والحجاج، ومعلوم أيضاً أن كثيراً من الجهات الرسمية تساهم في هذا، وبخاصة في جوانب التوعية للحجاج، فمن هنا كان من الصعوبة تحقيق المطلب، فتأجل إلى أن أذن الله بأن كتب هذا اللقاء في هذه الليلة المباركة. كما قلت لكم أيها الإخوة، إني أحب اللقاء بالإخوة وبخاصة بالشباب وبطلبة العلم، وقد قدر الله لي لقاءات كثيرة في أماكن ومواطن متعددة وفي مناسبات كثيرة في داخل البلاد وخارجها، وأوضاع المسلمين تبشر بخير، وبخاصة الشباب المسلم، على الرغم مما نرى من قصور، ومما نرى من أخطاء نحب ألا نراها، ومخالفات نحب أن نرى زوالها، وهو كائن إن شاء الله بإذنه سبحانه بعد أن تتضافر الجهود، ويصدق العزم، ويتحقق الإخلاص بإذن الله . أحببت أن يكون هذا اللقاء مفتوحاً، وألا يكون ذا موضوع محدد، وبخاصة أن يكون في هذا المكان أو في مثل هذا المكان، ومن جملة اللوحات التي ترونها أمامكم أنها ترحب بأن هؤلاء الجالسين ومنهم محدثكم ليسوا ضيوفاً، وإنما هم أصحاب محل وأهل بيت، وهذا حق، ومن هنا أرجو أن يبتعد لقاؤنا عن الرسميات كثيراً، وأن يكون الحديث واضحاً وصريحاً وجلياً في حدود ما نعيش من مشكلات وما نرجوه من آمال، ونرسمه لأنفسنا من أهداف على ضوء كتاب الله وسنة نبيه ﷺ . الحديث إلى الشباب واللقاء مع الشباب حديث ممتع وشيق ومهم وضروري، وبطبيعتي أو في نظرتي العامة أنني قد يغلب عليَّ تفاؤل كثير، وأحرص على أن أنظر إلى جوانب الخير الموجودة وأن أتلمسها وأن أجعل غيري يلمسها كذلك، على رغم ما نرى من نقص ومن أشياء لا بد من إصلاحها، ولكن حينما نكون صادقين بأن نقول للمحسن: أحسنت بجانب أن نقول للمسيء: أسأت، فإن هذا يكون فيه تعادل وتوازن، ويكون فيه نظرة أقرب إلى الوسط وإلى المنهج العدل. واقع الشباب -حينما نقارنه بسنوات ماضية قبل عشر سنوات أو أكثر- يبشر بخير كثير، فعمار المساجد من الشباب كثيرون: مصلون وأئمة وحفظة ورجال دعوة وآمرون بالمعروف وناهون عن المنكر، ومهتمون بالكتاب الإسلامي وبالشريط الإسلامي وبالتوجيه الأسري وبالتوجيه الاجتماعي، وهذه أمور حق يجب أن نعترف بها، وحتى في أوساط المنتسبين إلى مثل هذا النادي الرياضي، على الرغم من أنني لست مهتماً بشئون الرياضة كاهتمام أصحابها وأهلها، فأنا لا أعرف كثيراً من المنتسبين إليها والممارسين لها حقيقة، ولكن يحدثني بعض المحدثين ممن يرون كثيراً من المنتسبين للأندية الرياضية والممارسين للألعاب الرياضية أن مظاهر السنة عليهم ظاهرة من إعفاء اللحى، ومن إقامة الشعائر، والحرص على الصلاة، ومظاهر الإيمان التي تعمر القلب من حيث التوجه إلى الله ، ورفع أكف الضراعة إليه سبحانه في كثير من المناسبات، وهذا أمر يجب أن نشكر الله عليه، وأن نلمسه في شبابنا، وأن يكون مدخل حق نعرفه ونقره ونشجع عليه. ثم إن الأوضاع في هذه البلاد كلها تدعو إلى هذا، ولله الحمد، فالمسئولون يؤيدون هذا، ويرغبون فيه، ويدعون إليه، ولله الحمد، خلافاً لما يلمس في كثير من البلاد، ففي كثير من البلاد وبخاصة المنتسبين إلى الرياضة والأندية الرياضية غالباً تكون سيماهم البعد عن المظاهر الإسلامية، بل لعلهم يجدون تناقضاً أن يكون المنتسب إلى الرياضة مستمسكاً بالسنة ثم يمارس الرياضة، بينما عندنا ليس نشازاً بل هو الأصل والمطلوب، وهو المنظر الذي يسر كل مسلم، مهما كان توجهه وميوله، حينما يرى أي فرد وأي مسلم، سواء كان منتسباً للرياضة أو لناد أو غيره، ويراه مستقيماً على أمر الله قد ظهرت عليه مظاهر السنة. إذاً، هذا أمر يجب أن نلمسه وأن نتأكد منه. اللقاء بالشباب لقاء ممتع، كذلك أيضاً من حيث أن الإنسان إلى حد ما، فهو تتقدم به السن، فيرى شباباً صالحاً، فيتذكر أقرانه حينما كانوا في سن ملائمة، من هؤلاء الشباب أصحاب العشرين والخامسة عشرة والسابعة عشرة والثلاثين، يرى أن سيما الصلاح فيهم أكثر ظهوراً، ولله الحمد، وكما قلت: يرى نشاطهم وتوجههم الإسلامي وحرصهم على الدعوة إلى الله ، ويسر بهذا.

стр. 124

توجيه نبوي للشباب لا أحب أن يكون لي حديث خاص في هذه المناسبة، أي: أن أتكلم تحت عنوان معين، فإن هذا لم أرغبه لأن يكون في مثل هذا اللقاء، أحب كما قلت أن يكون هذا اللقاء مفتوحاً، لكن لا مانع أن نشير إلى بعض موضوعات أرجو أن تكون مفتاحاً لما ترغبون أن تسألوا عنه أو تودون التنبيه إلى شيء منه. مثلاً: في حديث ابن عباس ﵄ حينما كان خلف النبي ﷺ ، وهو يمشي خلف النبي ﷺ ، ومعلوم أن ابن عباس كان صغيراً، وتوفي النبي ﷺ وهو يناهز الاحتلام أو قريباً من الاحتلام، أي أنه كان صغيراً، يقول ابن عباس: ﴿كنت خلف النبي ﷺ فقال لي: يا غلام أو يا غليم﴾. إذاً: هذه التوجيهات التي في هذا الحديث مخصوص بها الشباب، ومخصوص بها من كان في مثل سن عبد الله بن عباس ﵄ في ذلك الوقت أو مقارباً له، فكان يقول ﵊: ﴿يا غلام -أو يا غليم- احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام، وجفت الصحف﴾، وفي رواية غير الترمذي: ﴿واعلم أن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً﴾. حينما نتأمل هذه التوجيهات النبوية التي يوجهها النبي ﷺ لابن عمه ومن في مثل سنه، نرى أنها متناسبة مع الشباب ومع طموحات الشباب. الشباب حيوية وطموح، والشباب دائماً يتطلع ويتطلع كثيراً، لكن حينما تتقدم به السن يكون أكثر واقعية، فاقتضت سنة الله أن الإنسان في نموه وفي مراحل نموه الأولى دائماً يكون طموحاً ومتطلعاً وذا همم عالية؛ ولهذا الشباب مقدامون، والشباب عندهم جرأة ليست عند غيرهم، وسوف أختار من التعابير الأوضح ولو لم تكن دقيقة، لكن حتى يفهم ما المقصود، قد نقول: (تهور) على معنى أنه ليست عنده خبرة الشيوخ وخبرة من تقدم في السن، وهذا تقتضيه سنة الله مما في الشباب من حيوية.

стр. 125

حفظ الله إذاً: لو تأملنا هذا التوجيهات النبوية للشباب نجد أنها ترشد هذه الطموحات وهذه التوجهات: ﴿احفظ الله يحفظك﴾ احفظه في قوتك؛ فإنها بمنتهاها، احفظه في سمعك، احفظه في بصرك، احفظه في سائر قواك، احفظه في توجهاتك، احفظه في أهدافك يحفظك، ولهذا أغلب الانحراف لا يكون في الشيوخ، بل يكون في الشباب، والاستقامة حينما تكون في الشباب تكون أثبت وأقوى وأصدق، ولهذا كان من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: شاب نشأ في طاعة الله، ولهذا حين يمتدح من يمتدح من الناس يقال: لم تكن له في شبابه صبوة، أي: لم يكن له ميل. بينما إذا تقدم الإنسان في السن يستكثر منه ما قد لا يكون غريباً في الشباب، ولهذا كان من الثلاثة الذين لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: أشيمط زان. إذاً من أهم ما يجب أن يتنبه له الشباب: احفظ الله يحفظك. ولهذا مما أثر عن السلف في هذا الباب: أن شيخاً جاوز الستين من عمره، ورئي وهو يبدي قوة ونشاطاً، ويكاد يتحرك كحركة الشباب في وثبه وفي قفزه، فقيل له: كيف تفعل ذلك وأنت في هذا السن؟ قال: هذه قوى حفظناها في الصغر، فحفظها الله علينا في الكبر. إذاً: الشاب مطالب أن يحفظ الله ليحفظه، يحفظ الله في أوامره فيأتمر بها، ويحفظه في نواهيه فينتهي عنها، يحفظه في قواه، في سمعه، في بصره. ﴿احفظ الله تجده تجاهك﴾ أي: تجده أمامك يحفظك ويكلؤك. ولهذا في حديث آخر: ﴿ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها﴾. إذاً تجده أمامك يحفظك ويرعاك.

стр. 126

سؤال الله والاستعانة به ثم قال: ﴿وإذا سألت فاسأل الله﴾ أحياناً طموحات الشباب تجعل الشاب يتعلق بالآخرين، ويجعل الغاية مبرراً للوسيلة، وأحياناً قد يشذ من أجل أن يحقق رغباته، فحينما تأتيه مغريات مادية يتعلق بها، والنبي ﷺ يقول: ﴿وإذا سألت فاسأل الله﴾ حتى يكون تعلق الشاب بربه، وهذا لا يعني أنه يلغي الأسباب، والأسباب معلوم حكمها في الشريعة، أنه يأخذ بالأسباب، أسباب الكسب، أسباب طلب العلم، أسباب الإصلاح، أسباب التوجيه، ولكن يعلم أن كل ذلك مآله ونتيجته عند الله وبإذنه: ﴿وإذا سألت فاسأل الله﴾. ﴿وإذا استعنت فاستعن بالله﴾ فلا تكن طموحات الشباب وقوته وتوجهه سبيلاً لأن يجعل الغاية تبرر الوسيلة، وإنما عليه أن يستعين بالله وأن يكون صادقاً في توحيده وفي إيمانه وفي عقيدته، فإنه ﴿إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله﴾ تأكيداً للتوحيد وصلاح العقيدة، والاعتماد على الله وحده في جميع أمور الدنيا والآخرة.

стр. 127

النفع والضر بيد الله ثم قال: ﴿واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك﴾. إذاً! خذ بالأسباب ولا تكترث بما وراء ذلك، النتائج بيد الله ، وما دام أنك سائر على المنهج، فلا يضرك من خالف، ولا يضرك من يريد إعاقتك؛ فإنهم لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، إنما السير والأخذ بالأسباب مطلوب، ولا بد منه، فالله وضع سنناً في هذه الدنيا، ودلنا عليها، وأمرنا بالأخذ بها، فإذا ما اجتهدنا وأخذنا بالأسباب، فحينئذٍ لا يضرنا من خالف ولا ينفعنا من وافق، ما دام أننا على النهج الصحيح. هذه بعض التوجيهات النبوية للشبيبة والناشئة.

стр. 128

نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس توجيهات عامة أخرى تشمل الشباب وغيرهم، ولكن الشباب يجب أن يكونوا بها أكثر اهتماماً وأكثر عناية، منها قوله ﷺ : ﴿نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ﴾. أما الصحة فشأنها عجيب! ومن حكمة الله أنه لا يكاد يعرف أهمية الصحة ولا سرها إلا حينما يفقدها الإنسان، ثم يندم ولات ساعة الندم، وأظهر مظاهر الصحة تكون في الشباب، قوةً وحيويةً وحياةً ومنتهى القوة، ولهذا أحب من المدرسين والآباء والمربين أن يلمسوا الشباب هذه المسألة، لا يكاد الشاب يدركها ما دام في قوته وطاقته، لكن حينما تتقدم السن، وتبدأ آلام الظهر والركب، ويبدأ السكر والضغط، وتبدأ المشاكل والأولاد؛ حينئذٍ يدرك أن الصحة في الشباب، فالصحة هي أكثر تمثلاً في الشباب. وكذلك الفراغ، كنا فكل من تتقدم به السن حينما كان في أيام الشباب كان يقول: حينما أبلغ المرحلة الفلانية سوف أعمل وأعمل، فتجد الصغير يقول: حينما أتزوج، والمتزوج يقول: حينما يكون كذا وكذا، حتى المتقاعد هو يتقاعد يقول: سوف أعمل كذا وكذا بينما معلوم أن لك الساعة التي أنت فيها، وليس أثمن بعد توفيق الله والتوفيق للإيمان الصالح من أوقات الشباب، هي الفراغ وهي الطاقة المكتملة، والطاقة العقلية، والطاقة البصرية، والفكرية، والاستجماع الفكري. على أن الإنسان مسئول عن هذا كله، فإنك مسئول عن عمرك فيم أفنيته، ومسئول عن الساعة والدقيقة والثانية، فمظهر الصحة أكثر ما يتمثل في الشباب، ولهذا أرجو من إخوتي الشباب أن يبتعدوا عن التسويف، وحتى أكون واقعياً أطلب: من أبنائي الشباب أن يكونوا واقعيين وألا يكونوا مسوفين؛ لأن هذه الفترة تنقضي، استغل وقتك، ثم لا يدري الإنسان هل يبلغ مبلغ الشيوخ أم لا يبلغ، والأعمار بيد الله ، فالذي أوصي به استغلال الصحة والحفاظ على الوقت.

стр. 129

الفراغ عند الشباب الشباب من أكثر الأصناف البشرية والطبقات البشرية فراغاً، ولهذا يقول عمر ﵁: [[تعلموا قبل أن تسودوا]]. فأنت حينما تبلغ مبلغ الرجال سوف تتزوج، وإذا تزوجت تأتي مشاغل الأهل ثم الأولاد، ثم التقدم في السن، ثم تأتي أمراض الشيخوخة، وتبدأ آلام الظهر كما ذكرنا، وهو أنواع وألوان وأصناف، وتجد أنك غرقت، وقد يكون لك عمل يكبر وترتبط المسئوليات وتتعدد، وتتعلق حوائج الناس بك، فتزداد أعمالك وهمومك، ولا تجد فرصة -كما يقولون- لتحك فيها رأسك! فإذاً، لا تعولوا على المستقبل من أجل أن تنجزوا فيه، إنما استغلوا الوقت الذي أنتم فيه.

стр. 130

أمور تستغل بها الأوقات ومن خير ما يستغل به الوقت: أولاً: عبادة الله ، والعبادة أنواعها كثيرة وأصنافها كثيرة، أهمها الواجبات الشرعية وأداء الفرائض، ولعلَّ من الأسرار التي تدل على أهمية الوقت أن الفرائض الشرعية مؤقتة بأوقات، لكل فرض وقته لا يتعداه، وإذا أخرجه المكلف عن وقته أصبح آثماً إذا كان من غير عذر. إذاً هذا يدل على أن شريعتنا تحاسبنا على أوقاتنا، تهتم بالأوقات، وجعلت لكل وقت عبادته الخاصة. إذاً: المحافظة على الفرائض من الصلوات الخمس في جماعة المسلمين، والفرائض الأخرى من بر الوالدين وصلة الأرحام والصيام والحج حسب الشروط الشرعية والزكاة، إن كنت من أهل الزكاة وهكذا. ثم أيضاً البعد عن جميع المحرمات، يقول النبي ﷺ : ﴿وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عن شيء فانتهوا﴾ فالمنهيات لا بد أن تترك بالكلية وليس فيها ما استطعتم، إنما يجب اجتنابها بالكلية. ومن أثمن ما يصرف فيه الوقت: الاشتغال بطلب العلم النافع، وأنفع العلوم علوم الشريعة، ففيها عبادة، وفيها نفع ذاتي شخصي ونفع للناس، ثم العلوم الأخرى التي تحتاجها الأمة؛ فإن أهل العلم ذكروا أنها فرض كفاية؛ كالطب والهندسة والزراعة والتجارة وأمثالها مما تحتاجه الأمة، حيث معرفة فروع هذا العلم ومقاصد هذا العلم بما تقوم به حياة الأمة، وبما تستقل به الأمة حق استقلالها، وحينما يكون المنتسب إلى هذه العلوم مسلماً صادقاً صالحاً خالصاً مخلصاً، فحينئذٍ يكون للأمة استقلالها الحقيقي، أما حينما يكون تابعاً، أو بتعبير أحق وأحط: حينما يكون ذنباً يردد ويقول ما يقوله أعداء الإسلام، فحينئذٍ يكون ضرره أكبر من نفعه، وإنما المسلم الحق هو الذي يأخذ من هذه العلوم ما وافق الشريعة منها، ويكون صادقاً في التعلم وفي نفع المسلمين. ومما يحفظ به الوقت كذلك وتحفظ به الصحة أيضاً والفراغ: الأعمال النافعة كالتجارة والزراعة وصنوف المكاسب والأعمال، وهي كثيرة في المجتمع، يقوم بها المسلم أولاً لينفع نفسه ثم ليقوت من تحته، وينفق على من تلزمه نفقته، ثم ينفع المسلمين، ومعلوم أن كل هذه الأمور إذا صدقت فيها النية، فهي عبادة وداخلة في مفهوم العبادة، حتى أن الصحابة سألوا النبي ﷺ فقالوا: ﴿يا رسول الله! أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟﴾ فالعلم النافع والكسب الحلال والعمل المشروع هذا كله عبادة إذا صلحت فيه النية وصدق صاحبها، وسلك في طلبها الوسائل المشروعة.

стр. 131

اللهو المباح لا مانع كذلك من اللهو المباح والترفيه البريء، وإن كانت لفظة الترفيه قد لا تكون دقيقة ومقبولة في المصطلحات الشرعية؛ لأن الرفاهية والترفيه قد لا يكون محموداً، إنما اللعب المباح واللهو المباح على حد قوله ﷺ : ﴿كل لهو يلهو به الرجل فهو باطل إلا -واستثنى ثلاثة أمور منها- ملاعبة الزوجة، وركوب الفرس، وكذلك الرمي﴾. وهناك وجوه من اللهو المباح، منها مثلاً: المسابقة، والمصارعة بين الرجال، والمسابقة سواء مع إخوانك وزملائك أو حتى مع أهلك؛ فقد سابق النبي ﷺ عائشة مرتين، سبقته في الأولى وسبقها في الثانية، وصارع النبي ﷺ ركانة وكان شديداً، فصرعه النبي ﷺ ، وسابق النبي ﷺ بناقته العضباء فسُبقت، فشق ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ ، فأخبرهم النبي ﷺ ألا يختلفوا وقال: ﴿إن حقاً على الله ألا يرفع شيئاً إلا وضعه﴾. فكان يسابق بنفسه ﵊، ويسابق أيضاً بإبله. وفي المناسبات كالأعياد ونحوها يرخص في اللهو المباح كما رخص النبي ﷺ للحبشان، حيث كانوا يلعبون في العيد وأراد عمر أن ينهرهم، فقال له النبي ﷺ : ﴿دعهم، لتعلم يهود أن في ديننا فسحة﴾ أو كما قال ﷺ ، بل أذن لـ عائشة أن تنظر إليهم من وراء خدرها. فهذه أمور على حسب ما جاءت به الشريعة، وعلى حسب ما هو مبسوط في كتب الأحكام، فهذا كله من اللهو المباح، لكن في حدود ألا يطغى على المقاصد الأصلية، وألا يكون غاية، ولا مانع أيضاً من الألعاب المستحدثة، ما دامت لا تتعارض مع الشريعة، لكن تكون في حدود ما رسمته الشريعة من اللهو المباح، وهذا لا يكون غاية، ولا يجوز أن تتخذ غايات، ولهذا حينما أذن النبي ﷺ بالرمي قال: ﴿ارموا بني إسماعيل؛ فإن أباكم كان رامياً﴾ وقال: ﴿علموا أولادكم الرمي وركوب الخيل﴾ لكنه قال في مقام آخر: ﴿ألا إن القوة الرمي﴾ إذاً، المقصود من الرمي هو الاستعداد للحاجة إليه حينما قرأ قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال:٦٠] قال: ﴿ألا إن القوة الرمي﴾ إذاً هو وسيلة لغاية إسلامية شريفة. ومن الشيء الذي يتلهى به، وهو مباح: الصيد، والصيد فيه متعة ورياضة، وفيه كسب مشروع عليكم، فهو مباح في حدود ما أباحته الشريعة، سواءٌ كان بآلة كنبل أو رمح أو حتى ببندقية من الأشياء المستحدثة أو عن طريق الجوارح كالكلاب والصقور ونحوها، فهذا أيضاً مباح كما هو معلوم. فهذه أمور يمكن أن تكون وسيلة لتغطية الفراغ في حدود ما رسمته الشريعة، واستغلالاً للقوى وللصحة، ويبدأ بالأهم فالمهم فما دون ذلك، كما قلنا في أداء العبادات الإسلامية: الفروض العينية ثم الفروض الكفائية ثم الأكثر نفعاً كطلب العلم ونحوه، ويغطي كل ذلك ويشمله الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهذا باب واسع وباب فسيح، منه ما يكون فرض عين، ومنه ما يكون فرض كفاية، ومنه ما يكون دون ذلك، ففروض الأعيان حينما تغير منكراً في بيتك، وحينما تأمر بالمعروف في بيتك، فأنت المسئول الأول، ولا تنتظر أن يأتي غيرك ليأمرك وينهاهم أو يأمر أهلك وينهاك، والدعوة إلى الله باب مفتوح، ووسائلها كثيرة منها: الدعوة باللسان، الدعوة بالقلم، الدعوة بالفعل وبالقدوة الحسنة، وهذا هو أهمها، وهناك وسائل كثيرة. كل ذلك مما يشغل به الفراغ، ومما تستغل فيه قوة البدن وقوة الفكر والصحة العامة، ولا أحب أن أطيل، لأنني أحب أن يكون الحديث مفتوحاً، ولكن هذه أمور أحببت إثارتها من أجل أن نستجمع ما نريد أن نقول، وأسأل الله أن يوفقنا جميعاً لما يحبه ويرضاه، وأن يبصرنا بأمور ديننا؛ هو ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على خير الخلق نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 132

الأسئلة .

стр. 133

حكم كشف الفخذ أثناء المباريات السؤال يلاحظ أثناء المباريات أن اللاعبين لا يسترون عوراتهم كاملة، فيبدو جزء من الفخذ، فما توجيهكم في ذلك؟ جزاكم الله خيراً! الجواب لا شك أنه إذا ظهر مثل هذا فلا بد من التنبيه عليه، ثم أولاً كل إنسان مسئول عن نفسه بخاصة باعتبار أن غالب المسئول عنهم هم مكلفون من حيث التزامهم بأوامر الشريعة، وستر العورة معلوم أنه مطلوب، وإن كان هناك من قد يبدي الخلاف المعروف في ستر الفخذ، وهل يلزم ستره أم لا، وفي ذلك نصوص يستدل بها كل فريق، ومنها ظهور فخذ النبي ﷺ حينما كان جالساً ومعه أبو بكر وعمر، فلما دخل عثمان ستر فخذه، وسألته عائشة عن السبب فقال: ﴿ألا أستحي ممن تستحي منه الملائكة؟﴾. ومما يدل على النهي عن كشف العورة قول النبي ﷺ لـ علي: ﴿يا علي! لا تكشف فخذك﴾ أو كما جاء، فلا شك أن المطلوب من الإخوة هؤلاء الالتزام بهذا الأمر، والحرص على الاستمساك بهدي الشريعة، أما خلاف العلماء فهو في أغلب المسائل، ولكن يأخذ الإنسان جانب الورع في دينه، وبخاصة أنه ليس ثمة حاجة ضرورية في هذا الأمر، كما لو كان الكشف لطبيب أو نحو ذلك، فالأمر هو كما أوضحت.

стр. 134

حكم فضح العاصي وستره السؤال علمت أن فلاناً من الشباب قد ارتكب جرماً عظيماً وإثماً كبيراً، فنصحته ووجهته، وقد يكون نال شيئاً من عذاب الدنيا كشيء من العقوبة أنزلها الله، فهل من الواجب علينا فضحه عند الناس؟ الجواب لا شك أن الإنسان قد يقع في ذنب أو في موبقة من الموبقات ويستره الله ، والنبي ﷺ في مثل هذه الحالة قال: ﴿من أصاب شيئاً من هذه القاذورات فليستتر بستر الله، فإنه من يُبْدِ لنا منكم صفحته نقم عليه الحد﴾ فالأصل في مثل هذا أن يستر الإنسان على صاحبه حتى ولو رآه على منكر. لا شك أنك تنكر عليه وتنصحه، لكنك تستر عليه؛ بمعنى ألا تتحدث عن فعله، وألا ترفع بأمره إلى المسئولين، ما دام الأمر في هذه الحدود. أما إذا كان شره مستطيراً، أو كان ضرره يتجاوز إلى غيره، أو تخشى أن يؤثر على الناس، أو أنه تكرر هذا منه كثيراً، على الرغم من النصائح المتوالية والتوجيهات ثم خشي منه، وكان من المصلحة تنبيه أولياء الأمور والرفع إليهم، فنعم. وإلا فالأصل هو الستر، ولهذا ينبغي أن تستر على أصحاب المعاصي، ولو رأيته تنصحه. ولهذا رأى سعيد بن المسيب رجلاً يجر آخر كان مخموراً أو نحو ذلك قال: هلا سترته بثوبك! أو لو سترته بثوبك كان خيراً لك. وقال النبي ﷺ مثل ذلك لأخي ماعز عندما أتى به إلى النبي ﷺ فقال له: ﴿هلا سترته بثوبك؟﴾. فالأصل يا إخواني هو الستر على هؤلاء؛ لأن الستر غالباً يكون طريقاً إلى الرجوع والتوبة؛ لأن الفضيحة أحياناً قد تورث عناداً، وتورث استكباراً، وقد تورث غلظة في الطبع وغلظة في قبول النصائح. ثم الستر أيضاً حتى لا تفشو المعاصي والمنكرات في الناس؛ لأنه إذا تحدث الناس بها، ولم تقع العقوبة، هان وقعها في النفوس، لكن إذا بقيت مستورة بقيت كبيرة، ولا يحب الناس الحديث بها، لكن حينما يفشو الحديث فيها، ويتناقلها الناس، يخف ارتكابها، ولهذا كان على الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا وزر كبير وعذاب أليم في الدنيا والآخرة؛ كما قال الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النور:١٩]. ولهذا كان من أعظم الذنوب أن يقع الإنسان في الذنب، فيستر الله عليه، ثم يذهب فيكشف ستر الله عليه ويتحدث، ويقع في هذا أحياناً بعض من سترهم الله ثم عادوا من سفر المعصية ليتحدثوا إلى أترابهم وأقرانهم، وهذا لا يجوز بأي حال، وقد أثم في سفره وأثم بعد عودته! وهذا من إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا. ومثل ذلك أيضاً: بعض وسائل الإعلام التي لها في هذا باع ليس بقصير، فإن هذا من إشاعة الفاحشة وهذا لا يجوز، ولهذا إذا أشيعت خف وقعها على الناس، وخف الإحساس بها، وكما يقال: إذا كثر الإمساس قلَّ الإحساس. ولهذا إذا رأيت عاصياً فينبغي لك أن تستر عليه، لكن لا يعني ذلك أنك لا تنصحه، ولا يعني أنك لا تتابعه فيما بعد في إصلاحه واستصلاحه، لكن يكون ذلك سراً بينك وبينه، لا أنك حينما تستر عليه، إذا بك تتحدث عنه إلى إخوانك أو إلى أهلك، ثم لا يمر أسبوع أو أسبوعين إلا وقد ظهر الخطأ، فهذا لا ينبغي ولا يجوز.

стр. 135

الأسلوب الأمثل في النصح والتوجيه السؤال يرى بعض المربين والمهتمين في أمور الشباب والطلاب نفوراً وإعراضاً عن قبول النصح والتوجيه خصوصاً في سن المراهقة، فما هو الأسلوب الأفضل الذي ترونه في الطريقة الجدية والمؤثرة حتى تكون النتيجة طيبة ومثمرة؟ الجواب أولاً: يجب أن يعلم الناصح والمعلم والمبلغ ورجل الدعوة أن مهمته هي البلاغ، أما التوفيق فبيد الله، لست مسئولاً عن هداية الناس، لا تفترض أنك إذا قلت لفلان أو نصحت فلاناً أنه غداً يصبح من الأولياء، وتراه في المحراب، فهذه ليست مهمتك، وهذا إلى الله ، فإذا كان أنبياء الله ومنهم سيدنا محمد ﷺ قال له الله : ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ﴾ [الشورى:٤٨]. وأخبر النبي ﷺ عن يوم القيامة أن من الأنبياء من يأتي يوم القيامة وليس معه أحد، وهو نبي مؤيد بالمعجزات ومعصوم من الله فيما يبلغه عن الله، ومع هذا فالتوفيق بيد الله، ولهذا لا تفترض إذا دعوت أنه سيستجاب لك، أو أنك إذا نصحت أن ينكف الناس عما نهيتهم عنه، فالمطلوب هو إشاعة المعروف والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أما الامتثال فبيد الله. ثم أيضاً: إذا رأيت هذا الإعراض من الناس، فلعلك تبدأ بمحاسبة نفسك قبل أن تحاسب الآخرين، قد يكون عندك استكبار، قد يكون عندك استعلاء، قد يكون عندك احتقار لصاحب المنكر، أي: أنك أعجبت بنفسك أنك من الصالحين، وأنك من الذين عصمهم الله ووقاهم، إذا دخل في نفسك شيء من الإعجاب أو العجب، وكذلك رأيت نوعاً من الاستعلاء أو نوعاً من التحقير لهذا الواقع في المعصية، فهذا يؤثر كثيراً على العمل وعلى النتيجة، إنما حقك أن ترى الناس كأنهم في نار، وأنت تنقذ إنقاذاً بشفقة كما يفعل الأب مع أولاده والأم مع أولادها، لا أن تنظر إلى الناس باستعلاء ومقت، وكما في الحديث الذي يقول: ﴿والله لا يغفر الله لفلان -قالها حينما رأى رجلاً على معصية مرة أو مرتين أو ثلاثاً فقال: والله لا يغفر الله لفلان- قال الله: من ذا الذي يتألى عليَّ! قد غفرت له وأحبطت عملك﴾. فمحاسبة النفس في هذا الباب مهمة جداً، فالمهم أن تعلم أن مهمتك هي البلاغ والتوجيه، وإذا استدعى الأمر عقوبة أو زجراً، إن كنت من أهلها، كما لو كان ولدك مثلاً، ويؤثر فيه الأدب، أو كان من إخوانك، أو ممن لك عليهم يد، وترى أن القوة تنفع فيهم، فهذا شيء آخر، وهذا يختلف باختلاف أساليب التوجيه والنصح وإنكار المنكر. وإن كان ضرره مستفحلاً، واحتاج الأمر إلى الرفع به إلى الجهات المسئولة، فهذا أيضاً بابه معروف، هذا من ناحية. والأمر الثاني: الرفق في المناصحة، ولا بد من الرفق وعدم العنف، وألا تشعر الواقع في المعصية أنك اكتشفته، وأنك قد تحايلت عليه، وأنك أتيت بما لم تأت به الأوائل، فهذا وقعه شديد؛ لأن الإنسان إذا وقع في معصية شعر بشيء من تأنيب الضمير، ويخجل إذا اكتشفته، فينبغي أن تشعره بأن الأمر ليس بهذه الصورة التي يشعر بها، فإذا صاحب ذلك عنف منك حصل انفجار. ثم أيضاً الحالة المسئول عنها وهي حالة المراهق، المراهق غالباً إدراكه غير سوي، وفكره غير ناضج كما هو معلوم، عنده عنف وعناد وطموح، وعنده عدم استجابة وتطلعات واحتقار، وغالباً المراهق يحتقر غيره حتى ينضج؛ ولهذا تلاحظون فرقاً بين من عمره ما بين الرابعة عشرة إلى الثانية والعشرين أو ما حول ذلك، وبين من هو في الخامسة والثلاثين والثلاثين تجده ناضجاً، ويحسن الجواب والسؤال والتعامل مع الآخرين، بينما ذلك قد يكون عنده شيء من الجفاء أو الجفوة أو نوع من العنف. فإذاً ينبغي أن تنظر في كل حالة على حسب واقعها أو طبيعتها أو نوع الخطأ الذي ارتكبه، قد تكون الأخطاء متفاوتة، منها ما هو كبيرة من كبائر الذنوب، ومنها ما هو دون ذلك، فلكل حالة معالجتها. وأيضاً يختلف حسب علاقتك بالشخص، إذا كان من أقاربك أو من معارفك، غالباً يكون هو أكثر خجلاً، ولهذا ينبغي أن تكون رفيقاً جداً، وإذا كان بعيداً أو واحداً من المسلمين الذين صلتك بهم ضعيفة أو لا تكاد تعرفهم، ووجدته على منكر أو على خطأ، فالمعالجة تختلف. فينبغي ملاحظة هذا، ثم أيضاً ذكر المحاسن وفتح باب آمال التوبة وفتح باب آمال أن الإنسان يخطئ، ولهذا يقول العلماء: من وقع فحاول أن تنقذه باللين، ومن لم يقع فادرأه، والدرء أحياناً قد يكون فعلاً بعنف، أي: عندما تشعر أن أحداً يريد أن يرتكب ذنباً فلتكن عنيفاً معه، فقد ينفع العنف، لكن من وقع فلا ينفع العنف، وقد يكون الرفق أكثر تأثيراً.

стр. 136

إلقاء المحاضرات في النوادي والملاعب السؤال بعض الإخوان يقولون: كيف تحاضرون في النادي المعد للعب، نرجو إيضاح ذلك وتوضيح هذا الإشكال؟ الجواب لعلَّ فيما ألمحت فيه من كلام حول طبيعة منتسبي الأندية في بلادنا، وكذلك منتسبي الرياضة في بلادنا يختلفون كثيراً عمَّن في غير بلادنا، أولاً السمة العامة ولله الحمد هي الاستمساك بهذا الدين، ومظاهر الصلاح كثيرة ولله الحمد، ومظاهر اتباع السنة كذلك، والأبواب مفتوحة للصالحين أيضاً، بينما قد يكون في غير هذه البلاد يوشك أن يكون هناك تعارض بين الصلاح وبين الدخول إلى النادي. وأوضح برهان من البراهين الواضحة: اللوحات التي أمامكم؛ فكلها قال الله وقال رسوله، وهذا خير كثير، لا تجده في كثير من بلاد العالم، لا تجد هذا أبداً ولا من يتحدث بالإسلام، ولا من يفكر أنه يتحدث وهو منتسب للرياضة أو منتسب لنادٍ أو منتسب إلى كثير من المؤسسات الرسمية وغير الرسمية، فمظاهر الخير يجب أن نلمسها، ويجب أن يلمسها الآخرون، ويجب أن نحمد الله على وجودها، ونحمد القائمين على فعلها، والأخطاء لا بد أيضاً أن نسعى في درئها والبعد عنها وإبعاد شبابنا عنها. على سبيل المثال: من مظاهر الخير الموجودة مثلاً أنك في الطرق العامة -حينما تحين الصلاة- تجد كثيراً من أصحاب السيارات يقفون ويصلون، لم يوقفهم أحد، لم توقفهم شرطة، ولا هيئة، ولا غيرها، فهذا خير كثير، فلا تجد أبداً في أي بلد شباباً أو شيباً أو أسراً وعوائل يقفون ويصلون. تجد حتى اللوحات التي فيها تذكير بالله وذكر لله وتسبيح وتحميد، فهذا خير كثير، لوحات تذكرك بالله تقول: اذكر الله، صلِّ على رسول الله ﷺ ، هذه قضايا لا تكادون تجدونها في غير هذه البلاد. فمشاركة أبنائنا في نواديهم ومنتدياتهم وأن نكون معهم ونرى ما يعملون خير من أن نتركهم يذهبون لا ندري إلى أين يذهبون، ولا ندري أيضاً ماذا يعملون، وماذا يقال لهم لو تركناهم لغيرنا.

стр. 137

الصحوة الإسلامية السؤال ألا ترى يا فضيلة الشيخ أن الصحوة الإسلامية أعطيت أكبر من حجمها، وأنه قد يكون لأعداء الإسلام يدٌ في ذلك لتغطية كثيرٍ من الفساد وحتى يكتفي المسلمون بهذا الصحوة؟ الجواب أما أنها أعطيت أكبر من حجمها فلا أظن ذلك، وهي من مظاهر الخير والصلاح، والمقياس هو كتاب الله وسنة نبيه محمد ﷺ ؛ من حيث الاستقامة في السلوك من اتباع الأوامر واجتناب النواهي وإقامة الصلوات والمحافظة على السنن، والاجتهاد في أمر الدعوة، وإصلاح الناس وإصلاح الناشئة والشبيبة. لماذا ينكر تفاني الشباب في الدعوة؟ كيف صلاح البيوت والبنات؟ الأب تجده هو الذي على المنكر، والابن والبنت يبكون على ما عليه أبوهم، وهذا كثير وظاهر. كيف يقال: إنها أعطيت أكبر من حجمها؟! ترى فيهم صلاحاً ظاهراً، استقامة، التزام النساء بالحجاب، وبعض الصور لم نرها حتى في آبائنا وأمهاتنا من حيث تغطية الأيدي والأرجل بالقفاز المعروف والجوارب، هذا كله خير كثير، وإن كانت تغطى في السابق، لكن ليس على هذا النحو. وأنا وإن كنت لا أحب الحديث عن نفسي، وأكره ذلك وأمقته، ولكن اضطررت لذكر شيء من باب التدليل على هذا الأمر، تصلني فتاوى وبخاصة عن طريق الهاتف، وغالباً المتحدث عبر الهاتف -سواء كان رجلاً أم امرأةً- يتحدث بمنتهى الصراحة وبمنتهى الوضوح، لا يراه أحد ولا يسمعه أحد إلا المتحدث إليه، فيتحدثون عن فضائح في البيوت بين الآباء والأمهات، والذين يشكون هم بنات وأبناء مما يدل على صلاح واستقامة؛ لأنه لو كان الأمر ليس بحق مثلاً لرأيته في الظاهر فقط، بينما في الداخل ترى أشياء لا بد أن تظهر آثارها على السطح، فهم على خير إن شاء الله، نعم هناك شذوذات وتصرفات خاطئة، وهذا أمر وارد وهذا شأن البشر، وقد يوجد نوعٌ من القصور، وقد يكون من التشدد ليس في السلوك، إنما أحياناً في بعض إيصال السلوك للآخرين أو نقد أعمال الآخرين، أما أن يكون للأعداء مدخل فيها، فأخشى أن يكون مدخلها من الجانب السلبي، كما يقال: إجهاض هذه الصحوة بأن يدخل فيها أناس ليسوا منها، ويتلبسون بالمظاهر وهم ليسوا منها، ومع الأسف أننا فيما نسمع أنه يوجد مثل هذا في خارج هذه البلاد، يأتي منتسبون إلى جهات مشبوهة، ويتزيون بزي الصالحين من الشباب، ويفعلون ما يفعلون، حتى نقل هذا لنا عن بعض من في ساحات الجهاد الأفغاني، يتزيون بزي أهل الجهاد، ويفجرون ببنات المجاهدين مثلاً، فتحدث البلبلة، فينسب هذا إلى العمل في الساحة ونحو ذلك، فقد يكون العكس، ومعلوم أن خطط الأعداء لا يستبعد منها أي شيء، ولكن حينما يكون الإخلاص والتكاتف ويكون الصدق -والصدق في العمل أن يكون على كتاب الله وسنة نبيه محمد ﷺ فحينئذٍ تكون النصرة للمؤمنين بإذن الله.

стр. 138

السبيل إلى طريق الهداية السؤال أنا أحد اللاعبين في هذا النادي، وأريد أن أهتدي، فما الطريق السليم إلى ذلك؟ جزاكم الله خيراً! الجواب الهداية بيد الله، وأنت مسلم ومن أبناء المسلمين، وأنت تقول: أريد أن أهتدي، وأنت مهتد إن شاء الله، والمسلم الذي يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويحرص على أداء الفرائض، فهذا مسلم، وإن شاء الله من المهتدين، والقصور الذي يقع يسعى الإنسان في تلافيه. ويعينه على ذلك أمور كثيرة، منها: التوجه الصادق لله ، والاجتهاد في الدعاء، وألا تيئس، وأن تدعو الله ، وتكثر من ذكره على جميع أحيانك، ثم تختار لك رفقة طيبة من أهل الصلاح، وتعيش معهم، وتتعلم منهم، وتستفيد منهم، وتسأل عما يشكل عليك، ويكون لك صلة بأهل العلم وأهل الفضل، وبخاصة في مشكلاتك الإسلامية سواء التي تتعلق بالأحكام أو تتعلق بقضايا خاصة، فهذه تنفع بإذن الله، وتجعل لك وقتاً خاصاً ولو يسيراً، دقائق تقرأ فيها كتاب الله بتدبر، وتجتهد في الاطلاع على سنة رسول الله ﷺ وعلى بعض الأحاديث، وتحافظ على الفرائض ولا تضيع منها شيئاً، وتجتهد في ترك النواهي، وتجتهد في الرفقة الصالحة واختيار القرناء الأخيار، فهؤلاء يعينونك بإذن الله.

стр. 139

الجمع بين الرياضة والأعمال الخيرة السؤال للأسف من المشاهد أن الكثير من المفسدين للنوادي -وخاصة الرياضية- تغلب عليهم الميول إلى الرياضة أكثر من ميلهم إلى طرق الخير من صلاة واختلاط مع أهل الخير، فلعلك تلقي كلمة تجمع بين الأمرين! جزاكم الله خيراً! الجواب هذا قد يكون ملحوظاً، ولكن يبدو لي إلى حدٍ ما أن الأمر بدأ يظهر فيه تحسن ظاهر، من حيث أنه بدأ يظهر في المنتسبين لهذه الأندية من فيهم خير وصلاح، وفيهم مظاهر الصلاح، كذلك من خير ما يفيد في ذلك الدخول معهم، وبخاصة من قبل الشباب الصالحين ممن هم في سنهم، أما الإنسان بنفسه، وإذا كان مع قرناء -على نحو ما يذكر السائل- يميلون إلى الرياضة أكثر من ميلهم إلى طرق الخير من صلاة وغيرها فقد يزل، أما هذا إذا دخل فيهم الصالحون من أقرانهم وأمثالهم، فإنهم يصلحون فيهم كثيراً. ثم أيضاً المحافظة على الفرائض لا بد منها ولا بد من التأكيد عليها، أما نوافل العبادات فهذه أنواعها كثيرة، قد يكون منها الصلاة مثلاً، سواء من الليل أو من النهار، وصلاة الليل أفضل من صلاة النهار، وبخاصة المحافظة على الوتر، سواء بعد العشاء، أو في آخر الليل، وإن كان قبل الفجر وآخر الليل فهو أفضل، ومن أداها بعد أو العشاء أو قبل النوم فهو خير كثير، ولكن هناك نوافل وعبادات كثيرة يقوم بها الرياضيون، وصلاة النافلة هي مظهر الاستمساك بالحق، وإنما الكلمة الطيبة، الاطلاع على الكتب النافعة، الزيارات بين الأحبة إذا كان المقصود منها التناصح وشغل الوقت بما ينفع. وأيضاً استغلال أوقات اللهو البريء في التوجيه ونحو ذلك، فهذه كلها طرق خير، ولهذا لا يعدم الإنسان أنه يستفيد من كل فعل ومن كل حركة ومن كل قول، وكل ذلك وجه من وجوه الإصلاح بإذن الله.

стр. 140

حكم حب اللاعبين الكفرة السؤال بعض الشباب يحبون كثيراً من اللاعبين الكفرة، وهذا لا يتفق مع الإيمان بالحب في الله والبغض في الله، فما توجيهكم نحو ذلك؟ الجواب لا شك أن هذا واقع وموجود، وهذا لا يمكن القضاء عليه إلا بالاهتمام بقوة الإيمان والعقيدة، بقدر ما يقوى إيمان العبد وحبه لله ولرسوله وحبه لهذا الدين ورغبته في أن ترتفع رايته وأن يعز الله أهله، إذا ازداد هذا عند المسلم تعمق بغضه للكافرين، والبغض للكافرين ليس لأشخاصهم ولا لذواتهم، إنما المسلم يبغض الكفار لكفرهم لا لأشخاصهم، ويبغض الكفار لما يعلمه من عداواتهم لهذا الدين، ويبغضهم لما يعلمه من كيدهم لهذا الدين، فإذا وجد هذا المعنى في قلب كل مسلم أبغضه، فحينما يستقر في عقيدة المؤمن أن هذا عدو له وأن هذا يريد الكيد له، وأن هذا سبب في انحطاط المسلمين وسبب في عدم قيام دولة الإسلام وتعثر دولة الإسلام، إذا عرف هذا فحينئذٍ يتولد البغض، لأنك تبغضه لسيئ أعماله لا لذاته، كما أنك حين تدعوه ينبغي أن يرى منك ليناً وحكمة ورأفة، ومثله العاصي، العاصي تبغضه لمعصيته وتحبه لما فيه من الخير. وحينما تتولد هذه المعاني عندنا، وننقلها لأصحاب الغفلة من الشباب الذين يتعلقون باللاعبين من الكفرة فإنهم سوف يبغضونهم. على سبيل المثال: لو أن واحداً من هؤلاء اللاعبين الكفرة صفعه وأعطاه كفاً مثلاً فإنه يبغضه ولن يحبه أبداً، فحينما نجعله يتحسس كيف أن كفر هذا الكافر وكفر من حوله من بني جلدته وجنسه والدولة التي تقوم عليه التي تكيد للإسلام فحينئذ نكون قد حققنا المطلوب. ثم من جانب آخر نسعى في الدعوة إلى الله ، وحينما نكون في باب الدعوة يختلف الموقف.

стр. 141

الجلوس مع الشباب الطيب السؤال أنا شاب وأجد في نفسي وحشة من الجلوس مع بعض الشباب الطيب؛ لما أسمع منهم أنهم متشددون وأن فيهم كذا وكذا، ما هو توجيهكم لنا؟ جزاكم الله خيراً! الجواب أما فيما يتعلق بالجلوس مع الطيبين فاحرص عليه، وأنت تقول: إنك تسمع، والسماع شيء والإحساس شيء، فلا تعتمد على السماع وأنت لم تر شيئاً، مجرد أن تسمع أنهم متشددون هذا لا يكفي، إنما إذا لمست شيئاً من الشدة، فيمكن أن تفاتحهم؛ فقد تكون مخطئاً في فهمك فيما سمعت أو نقل إليك، وقد لا يكون هناك شدة، إنما سوء فهم منك، أو أنه خطأ وقع فعلاً منهم، أو أنها شدة في محلها لأن الموقف كان يستدعي مثل هذا أو نحو ذلك. فلا تكتف بالسماع وإنما تحرص على مجالسة الطيبين، وكل ما تراه من سلوك عليك فيه استفهام أو استشكال فإنك تسأل عنه.

стр. 142

الجلوس مع أهل المخالفات السؤال إنني أجلس مع شباب فيهم بعض المخالفات ولا أحد منهم ينكر على بعض، فما هي نصيحتكم؟ جزاكم الله خيراً! الجواب هذا ملحظ جيد، وهذا ينبغي أن ينتبه له المسلمون وبخاصة الشباب الصالحون، فأحياناً بعض الشباب عنده خير، وفيه صلاح، وفيه استقامة ظاهرة، ولكنه حينما يجلس مع إخوانه أو مع أقرانه أو مع أحبابه، يسمح لنفسه أن يخوض في هذا وهذا وأن يقع في عرض هذا وذاك، وأن يتحدث بما لا يجوز الحديث عنه، لكنه يغفل ولا أظنه يستبيح مثل هذا، وهذه القضية يجب على الإخوة الشباب أن يفتشوا في أنفسهم وأن يهتموا بهذا، فإن هذا قد يلحظ من غيبة أو نميمة أو أن يستبيح لنفسه فعلاً لا يستبيحه لغيره، أو أنه يجيز لصاحبه الذي هو من مجموعته ما لا يجيزه للآخرين، أو يتهاون في معاملته لفلان ويتشدد في معاملته للآخرين، فهذا لا يجوز، فقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ [النساء:١٣٥] والآية الأخرى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة:٨]. تجب نظرة القصد ونظرة العدل مع كل أحد. وما ذكرته قد يكون من الأخطاء التي قد تلحظ في بعض الإخوة الصالحين.

стр. 143

كلمة للمسئولين عن الأندية السؤال نرجو توجيه كلمة للمسئولين عن الأندية لحثهم على إعطاء الغذاء الروحي والفكري اهتماماً يوازي ذلك الاهتمام المعطى للجسم، خصوصاً توفير المجلات الإسلامية والرسائل المفيدة لمرتادي النادي، جزاك الله خيراً! الجواب لا شك أن هذا تنبيه طيب، وكما قلت: قد يكون عندي قصور أنني ليس عندي اطلاع كافٍ على هذا الأمر، وإن كانت هذه اللوحات التي لمستها والتي هي موجودة في قاعتنا هذه تدل على توجيه حسن، وتدل على نوع من الاهتمام من إدارة النادي، ولكن إن كان ثمة قصور في هذا الباب، وبخاصة ما يتعلق بالمجلات والكتب والأشرطة الإسلامية، فإنني من هذا المقام أرجو من المسئولين في الأندية الرياضية، وعلى رأسهم صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن فهد بن عبد العزيز الرئيس العام لرعاية الشباب ووكلاءه ومساعديه أن يوجههم ويهتم بهذا الأمر -وهو مهتم به إن شاء الله- خصوصاً هذه الملاحظة التي ذكرها الأخ السائل الفاضل وهي ما يتعلق بالمجلات والكتب والصحف والأشرطة الإسلامية، وأرجو أيضاً أن تهتم الجمعية العربية للثقافة والفنون لأن لديها مطبوعات بمثل هذا النوع، وأن تستكتب أو تنشر وتطبع ما هو صالح للطبع والنشر، وتوزعه على فروعها ومكاتبها، وهي فاعلة ذلك إن شاء الله، على أن ما لمسته في هذه القاعة يدل على توجه جيد وتوجه حسن، وحقهم أن نشكرهم عليه، ونسأل الله ﵎ أن يبارك في جهودهم وأن يزيد في جهودهم الخيرة، وأن يرزق الجميع الصلاح والإصلاح.

стр. 144

كيفية حفظ القرآن السؤال أنا شاب ملتزم والحمد لله، وأريد حفظ القرآن الكريم، ولكن لا أعرف الطريقة السليمة والجيدة والسهلة لحفظ القرآن، أرجو من فضيلتكم أن توصيني بالطريقة السليمة، والله يحفظكم! الجواب لا يبدو لي أن هناك طريقة خاصة لحفظ القرآن، وإنما هو -بعد توفيق الله صدق في العزيمة وقوة في الإرادة، إذا رزقك الله عزيمة صادقة وإرادة قوية، ولازمت ولا بد من الملازمة، أما أن يكون هناك شيء من التهاون أو التساهل، فهذا لا يكون، وبخاصة طبيعة كتاب الله ، فإنه قد يكون سهل الحفظ ابتداءً، ولكنه يحتاج إلى مراجعة وإلى عناية، فهو أشد تفلتاً من الإبل في عقلها كما قال ﵊، ولعلَّ مما يفيد في ذلك أن تخصص وقتاً تحفظ فيه، وتختار الأوقات التي يكون فيها الذهن أكثر صفاءً كبعد صلاة الفجر أو قبلها، فغالباً يكون الذهن قد استعاد نشاطه بعد النوم، ويكون أسرع في الحفظ وأقدر على الاستمساك، فتحفظ ما تيسر، ثم تردد هذا الحفظ، ثم إذا حفظت بعده درساً آخر تقرؤه وتقرأ الدرس الذي قبله، وهكذا إلى أن تصل ما يقارب جزءاً أو جزء ونصف، الجزء والجزء والنصف هذا تردده يومياً، فإذا ما تجاوزت الجزأين، تقرأ نصف الجزء أو الجزء الذي بجانب درسك الجديد، ثم تراجع. وأستحب لك أن يكون لك صاحب أو أستاذ تحفظ عليه، لأنك غالباً إذا حفظت بنفسك تكسل، لكن إذا كان لك أستاذ تراجع معه، ويسألك عن حفظك، فهذا غالباً يكون أكثر اهتماماً ولتشعر بالمسئولية أكثر، فهذا يعين كثيراً، وعليك بصدق العزيمة وكثرة التكرار، والتوفيق بيد الله .

стр. 145

حكم من ترك الصلاة فترة من الزمن السؤال ما حكم من ترك الصلاة لعدة أيام أو أشهر، ثم بعد ذلك واظب عليها، هل يعيد كل ما فاته أم لا، وماذا يجب عليه فعله؟ وجزاكم الله خيراً! الجواب لا يتصور عذر تترك فيه الصلاة ما دام العقل موجوداً إلا عذر الحائض والنفساء، وإلا فهو الكفر نسأل الله السلامة! أما ما عدا ذلك فما دام العقل موجوداً، فإنه يجب على المكلف أن يصلي الصلاة في وقتها قائماً، فإن لم يستطع فقاعداً، فإن لم يستطع فعلى جنبه، فإن لم يستطع فيومئ إيماءً، فإن كان قد تركها مغمىً عليه مثلاً، فإنه يقضي ولا شيء عليه، أما إن كان تركها تهاوناً وكسلاً، فمعلوم خلاف أهل العلم في ذلك، فهناك من يرى أنه كافر وخارج من الملة، وعليه أن يعود إلى الإسلام بالشهادتين وبإتيان ما كفر بسببه، وهو الصلاة، وهذا هو الذي عليه طوائف من أهل العلم والحديث، وهو مذهب الإمام أحمد ﵀، ويفتي به علماء أجلاء من علماء عصرنا حفظهم الله، وهناك قول آخر بأنه لا يكفر من تركها تهاوناً وكسلاً، وإن كانوا متفقين على أنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، القائلون بأنه كافر يقتل ردة، ومن قال: إنه لا يكفر فإنه يقتل حداً. والذي يبدو لي أن هذا الذي تركها أياماً وشهوراً كأنه كان يصلي قبلها، وعاد يصلي بعدها، أرجو أن يقضي هذه الصلوات، ولعل الله أن يعفو عنه ويسامحه.
следующие страницы →