← Джавами‘

Джавами‘ · id 7735

دروس للشيخ صالح بن حميد

صالح بن حميد

Полный текст (918 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الجلوس مع الشباب الطيب السؤال أنا شاب وأجد في نفسي وحشة من الجلوس مع بعض الشباب الطيب؛ لما أسمع منهم أنهم متشددون وأن فيهم كذا وكذا، ما هو توجيهكم لنا؟ جزاكم الله خيراً! الجواب أما فيما يتعلق بالجلوس مع الطيبين فاحرص عليه، وأنت تقول: إنك تسمع، والسماع شيء والإحساس شيء، فلا تعتمد على السماع وأنت لم تر شيئاً، مجرد أن تسمع أنهم متشددون هذا لا يكفي، إنما إذا لمست شيئاً من الشدة، فيمكن أن تفاتحهم؛ فقد تكون مخطئاً في فهمك فيما سمعت أو نقل إليك، وقد لا يكون هناك شدة، إنما سوء فهم منك، أو أنه خطأ وقع فعلاً منهم، أو أنها شدة في محلها لأن الموقف كان يستدعي مثل هذا أو نحو ذلك. فلا تكتف بالسماع وإنما تحرص على مجالسة الطيبين، وكل ما تراه من سلوك عليك فيه استفهام أو استشكال فإنك تسأل عنه.

стр. 142

الجلوس مع أهل المخالفات السؤال إنني أجلس مع شباب فيهم بعض المخالفات ولا أحد منهم ينكر على بعض، فما هي نصيحتكم؟ جزاكم الله خيراً! الجواب هذا ملحظ جيد، وهذا ينبغي أن ينتبه له المسلمون وبخاصة الشباب الصالحون، فأحياناً بعض الشباب عنده خير، وفيه صلاح، وفيه استقامة ظاهرة، ولكنه حينما يجلس مع إخوانه أو مع أقرانه أو مع أحبابه، يسمح لنفسه أن يخوض في هذا وهذا وأن يقع في عرض هذا وذاك، وأن يتحدث بما لا يجوز الحديث عنه، لكنه يغفل ولا أظنه يستبيح مثل هذا، وهذه القضية يجب على الإخوة الشباب أن يفتشوا في أنفسهم وأن يهتموا بهذا، فإن هذا قد يلحظ من غيبة أو نميمة أو أن يستبيح لنفسه فعلاً لا يستبيحه لغيره، أو أنه يجيز لصاحبه الذي هو من مجموعته ما لا يجيزه للآخرين، أو يتهاون في معاملته لفلان ويتشدد في معاملته للآخرين، فهذا لا يجوز، فقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ [النساء:١٣٥] والآية الأخرى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة:٨]. تجب نظرة القصد ونظرة العدل مع كل أحد. وما ذكرته قد يكون من الأخطاء التي قد تلحظ في بعض الإخوة الصالحين.

стр. 143

كلمة للمسئولين عن الأندية السؤال نرجو توجيه كلمة للمسئولين عن الأندية لحثهم على إعطاء الغذاء الروحي والفكري اهتماماً يوازي ذلك الاهتمام المعطى للجسم، خصوصاً توفير المجلات الإسلامية والرسائل المفيدة لمرتادي النادي، جزاك الله خيراً! الجواب لا شك أن هذا تنبيه طيب، وكما قلت: قد يكون عندي قصور أنني ليس عندي اطلاع كافٍ على هذا الأمر، وإن كانت هذه اللوحات التي لمستها والتي هي موجودة في قاعتنا هذه تدل على توجيه حسن، وتدل على نوع من الاهتمام من إدارة النادي، ولكن إن كان ثمة قصور في هذا الباب، وبخاصة ما يتعلق بالمجلات والكتب والأشرطة الإسلامية، فإنني من هذا المقام أرجو من المسئولين في الأندية الرياضية، وعلى رأسهم صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن فهد بن عبد العزيز الرئيس العام لرعاية الشباب ووكلاءه ومساعديه أن يوجههم ويهتم بهذا الأمر -وهو مهتم به إن شاء الله- خصوصاً هذه الملاحظة التي ذكرها الأخ السائل الفاضل وهي ما يتعلق بالمجلات والكتب والصحف والأشرطة الإسلامية، وأرجو أيضاً أن تهتم الجمعية العربية للثقافة والفنون لأن لديها مطبوعات بمثل هذا النوع، وأن تستكتب أو تنشر وتطبع ما هو صالح للطبع والنشر، وتوزعه على فروعها ومكاتبها، وهي فاعلة ذلك إن شاء الله، على أن ما لمسته في هذه القاعة يدل على توجه جيد وتوجه حسن، وحقهم أن نشكرهم عليه، ونسأل الله ﵎ أن يبارك في جهودهم وأن يزيد في جهودهم الخيرة، وأن يرزق الجميع الصلاح والإصلاح.

стр. 144

كيفية حفظ القرآن السؤال أنا شاب ملتزم والحمد لله، وأريد حفظ القرآن الكريم، ولكن لا أعرف الطريقة السليمة والجيدة والسهلة لحفظ القرآن، أرجو من فضيلتكم أن توصيني بالطريقة السليمة، والله يحفظكم! الجواب لا يبدو لي أن هناك طريقة خاصة لحفظ القرآن، وإنما هو -بعد توفيق الله صدق في العزيمة وقوة في الإرادة، إذا رزقك الله عزيمة صادقة وإرادة قوية، ولازمت ولا بد من الملازمة، أما أن يكون هناك شيء من التهاون أو التساهل، فهذا لا يكون، وبخاصة طبيعة كتاب الله ، فإنه قد يكون سهل الحفظ ابتداءً، ولكنه يحتاج إلى مراجعة وإلى عناية، فهو أشد تفلتاً من الإبل في عقلها كما قال ﵊، ولعلَّ مما يفيد في ذلك أن تخصص وقتاً تحفظ فيه، وتختار الأوقات التي يكون فيها الذهن أكثر صفاءً كبعد صلاة الفجر أو قبلها، فغالباً يكون الذهن قد استعاد نشاطه بعد النوم، ويكون أسرع في الحفظ وأقدر على الاستمساك، فتحفظ ما تيسر، ثم تردد هذا الحفظ، ثم إذا حفظت بعده درساً آخر تقرؤه وتقرأ الدرس الذي قبله، وهكذا إلى أن تصل ما يقارب جزءاً أو جزء ونصف، الجزء والجزء والنصف هذا تردده يومياً، فإذا ما تجاوزت الجزأين، تقرأ نصف الجزء أو الجزء الذي بجانب درسك الجديد، ثم تراجع. وأستحب لك أن يكون لك صاحب أو أستاذ تحفظ عليه، لأنك غالباً إذا حفظت بنفسك تكسل، لكن إذا كان لك أستاذ تراجع معه، ويسألك عن حفظك، فهذا غالباً يكون أكثر اهتماماً ولتشعر بالمسئولية أكثر، فهذا يعين كثيراً، وعليك بصدق العزيمة وكثرة التكرار، والتوفيق بيد الله .

стр. 145

حكم من ترك الصلاة فترة من الزمن السؤال ما حكم من ترك الصلاة لعدة أيام أو أشهر، ثم بعد ذلك واظب عليها، هل يعيد كل ما فاته أم لا، وماذا يجب عليه فعله؟ وجزاكم الله خيراً! الجواب لا يتصور عذر تترك فيه الصلاة ما دام العقل موجوداً إلا عذر الحائض والنفساء، وإلا فهو الكفر نسأل الله السلامة! أما ما عدا ذلك فما دام العقل موجوداً، فإنه يجب على المكلف أن يصلي الصلاة في وقتها قائماً، فإن لم يستطع فقاعداً، فإن لم يستطع فعلى جنبه، فإن لم يستطع فيومئ إيماءً، فإن كان قد تركها مغمىً عليه مثلاً، فإنه يقضي ولا شيء عليه، أما إن كان تركها تهاوناً وكسلاً، فمعلوم خلاف أهل العلم في ذلك، فهناك من يرى أنه كافر وخارج من الملة، وعليه أن يعود إلى الإسلام بالشهادتين وبإتيان ما كفر بسببه، وهو الصلاة، وهذا هو الذي عليه طوائف من أهل العلم والحديث، وهو مذهب الإمام أحمد ﵀، ويفتي به علماء أجلاء من علماء عصرنا حفظهم الله، وهناك قول آخر بأنه لا يكفر من تركها تهاوناً وكسلاً، وإن كانوا متفقين على أنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، القائلون بأنه كافر يقتل ردة، ومن قال: إنه لا يكفر فإنه يقتل حداً. والذي يبدو لي أن هذا الذي تركها أياماً وشهوراً كأنه كان يصلي قبلها، وعاد يصلي بعدها، أرجو أن يقضي هذه الصلوات، ولعل الله أن يعفو عنه ويسامحه.

стр. 146

حكم رفع الصوت بالذكر بعد الصلاة السؤال ما حكم رفع الصوت بالتسبيح بعد الصلاة؟ هل هو جائز أم مكروه؟ وقد ورد عن عائشة ﵂ أنها قالت: كنا نعرف انتهاء صلاتهم بالتسبيح والتكبير أو كما قالت، هل هذا الحديث يحمله على الجواز أو يحمله على السنة أم لا؟ الجواب من السنة أن يرفع صوته بالتكبير والتسبيح والتهليل بعد الصلاة، ولا يقال: إن في هذا رياءً؛ لأن كثيراً من الأعمال الشرعية والعبادات الشرعية جاءت معلنة كصلاة الجماعة مثلاً، والتكبير في العيدين يكون بصوت مسموع، فهذه شعيرة شرعت معلنة، فإذاً ينبغي إحياء هذه الشعيرة، ولا يقال: إن المقصود منها الرياء؛ لأن الإنسان يسبح علانية في مواطن الإعلان، ويسبح ويهلل ويستغفر إسراراً في مواطن الإسرار.

стр. 147

حكم الجماعة في غير المسجد السؤال نحن مجموعة من الشباب قمنا باستئجار أرض مسورة (حوش) نجتمع فيها في أوقات فراغنا على اختلافها فيما بيننا، عصراً أحياناً، وبعد صلاة العشاء أحياناً أخرى، ونسمع الأذان، لكن المكان هذا ليس في وسط البلد، بل في أحد أطرافه، ولا بد من السيارة للذهاب إلى المسجد، فهل نصلي في هذا المكان أم نذهب إلى المسجد؟ جزاكم الله خيراً! الجواب الأولى في حقكم أن تذهبوا إلى المسجد، واجتماعكم طيب ومحمود ما دام أنه على خير، لكن ينبغي أن يكون قائداً لكم إلى أن تذهبوا إلى بيوت الله، فإنها ما أنشئت إلا لأجل هذا، وبخاصة أن ذهابكم إلى هذا المكان مستمر، أو على شكل منتظم أو شبه منتظم بعد العصر أو بعد العشاء، فينبغي أن تذهبوا إلى المساجد، وإن كانت إقامتكم للجماعة تكون جماعة، ولكن حيث أن وجودكم منتظم في هذا المكان، فتذهبون إلى المسجد.

стр. 148

الاستمساك بالدين إن الدين الإسلامي هو عزة كل مسلم يعيش على هذه الأرض سواء كان بين أهله أو في بلاد غريبة بعيدة عن أهله ووطنه، ولكن إن رأى المسلم في نفسه ضعفاً أو عدم استطاعة تطبيق شعائر دينه، فعليه أن يهاجر من البلاد التي هو فيها إلى بلاد يستطيع المحافظة فيها على دينه وإظهار شعائره.

стр. 149

الهجرة دروس وعبر إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلَّغ رسالة ربه، وجاهد في الله حق جهاده، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: أيها الناس: اتقوا الله ﵎، وعظِّموا أمره، واحذروا زواجره، واستمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى، الاستمساك بالدين هو الهدف الأسمى لكل مسلم، وهو السياج الحامي لكل حق، إذا حفظ الدين فقد حفظت الأنفس والأموال، وصينت الحريات والكرامات، والتفريط بالدين مآله هلاك النفوس، وخراب الديار، وضياع الحقوق. إن من سنن الله الثابتة أن القُوى المعنوية هي الحافظة للقُوى المادية، فالعقيدة والأخلاق ومناهج التربية هي الوسيلة للحفاظ على أي مكسب مادي، وإذا حصل تفريط أو تساهل فلا يُغني مالٌ ولا تنفع قوة، يقال ذلك -أيها المسلمون- والناس تتحدث عن الهجرة وعبرها، وهو حديث يتجدد ولا ينقضي إذا أراد المسلمون صدق التأسي لصاحب الهجرة محمد ﷺ . معاشر الإخوة! ينحصر معنى الدين عند غير المسلمين في عبادات وطقوس محدودة، ذات أوقات معلومة، وأماكن معينة؛ يزاولها أصحابها حين يجتمعون عليها في معابدهم، وذلك غاية ما يريدون أن يؤدون تلك الطقوس والشعائر، ولكن الإسلام دين الله غير ذلك، إنه الدين الذي رضيه ربنا، وأتم به علينا نعمته وأكمله، فهو كامل متكامل عقيدة وعبادة، وآداباً وأخلاقاً، وأحكاماً شاملة، تنتظم العلاقات بين العبد ونفسه، وبينه وبين ربه، وبينه وبين الخلق أجمعين، إخواناً وأقارب وأبعدين. تتسع دائرة الإسلام لتحيط بكل ذلك وما وراء ذلك، ولا يتحقق الإسلام على وجهه إلا إذا ساد البقعة كلها؛ تقوم فيها أحكامه، وتشيع فيها آدابه، إضافة إلى قيام الشعائر ورسوخ العقائد، وإذا تعذَّر على المسلم إقامة دينه، والالتزام بآدابه، فإنه ينتقل إلى بلد يتحقق فيه ذلك، تكثيراً لسواد المسلمين، ونصرةً لدين الله في العالمين، ولأجل هذا عاتب القرآن أقواماً استكانوا وضعفوا من غير عذر، فلبثوا في أرضٍ كانوا فيها غير قادرين على إقامة الدين على وجهه، ولم ينهضوا لتأييد إخوانهم في بلاد الله الواسعة، ذلك أنهم باستضعافهم غير المعذور، يَجرُّون على أهل الإسلام ضعفاً حين يرضون بالإقامة في ديار الكفر، متخلفين عن تقوية الإسلام في دياره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ [النساء:٩٧]. واليسر في مبادئ الإسلام غير منكور، فيقدر العذر الشرعي لأهله ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً * فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُورا﴾ [النساء:٩٨ - ٩٩].

стр. 150

حقيقة الهجرة إن الهجرة في حقيقتها -أيها المسلمون- معرفة الحق، والانتقال إليه، والاستمساك به، ثم الانتقال به، والدعوة إليه، والصبر على الأذى فيه، تلك هي طريقة رسل الله والسائرين على دروبهم، وفي القرآن الكريم حكاية عن إبراهيم ﵇: ﴿وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [العنكبوت:٢٦]. استمساك بالإسلام، وانتقال به من موقع إلى موقع، فالهجرة حركة ودعوة وجهاد، والمهاجر لا يزال في ساحة الدعوة والجهاد ليس بخارجٍ عنها، إذا ضعف في موطن انتقل إلى موطن يكون فيه أكثر نفعاً وعزاً، تحرف لقتال، أو تحيز إلى فئة من غير تول للدبر. ولئن وقفنا عند هجرة المصطفى محمد ﷺ وقفة تأمل وتدبر! ثم عمل وتأسٍ، فإننا واجدون من ذلك أموراً كثيرة ذات دلالات عميقة، فحين قامت الدولة في دار الهجرة، ووجد المؤمنون عند أهل طيبة النصرة، ثارت ثائرة كفار قريش، وأجمعوا أمرهم على اتخاذ مواقف حاسمة، وكان من ذلك أن تمالئوا على قتل صاحب الدعوة ورئيسها محمد ﷺ . يبتغون من ذلك إيقاف مدَّ الإسلام، وذلك دأب المبطلين في كل زمان ومكان. نعم! حين يئسوا من أن تُجدي محاولاتهم الأولى، وحين لحظوا المؤمنين يتفلتون من أيديهم منتقلين إلى مواقع أقوى وأماكن أرحب، لجئوا إلى قتل المصلح والنيل منه، ظناً منهم أن في ذلك قضاء على الدعوة أو سداً لطريقها، ألا ساء ما يظنون. يقابل هذا درس آخر عجيب! فمحمد ﷺ حين أراد الهجرة استخلف علياً ﵁، ليرد الودائع والأمانات إلى أهلها، إنه محمد ﷺ لم يزل أميناً عندهم قبل البعثة وبعدها. عجباً أيها الإخوة! يودعونه أماناتهم، ويأمنونه على ممتلكاتهم، ثم يسعون في قتله. إن أعداء الإسلام يوقنون في قرارات أنفسهم باستقامة المؤمن وأمانته ونزاهته، فهو في سيرته أتقى، وفي سريرته أنقى، ولكنَّ العمى والهوى والإصرار على الباطل هو الحامل للمحاربة ونصب المكائد، وصدق الله العظيم: ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام:٣٣]. وفي موقف آخر يمر عتبة بن ربيعة والعباس بن عبد المطلب وأبو جهل بن هشام على دار عمر بن ربيعة وقد خلت من أهلها، فقد هاجر رب الدار وزوجه وأخوه، فنظروا إلى الدار مع دور أخرى. تخفق أبوابها ليس بها ساكن، كلٌ قد هاجر إلى الله ورسوله، ثم قال عتبة: أصبحت الدور خلاءً من أهلها، فقال أبو جهل للعباس: هذا من عمل ابن أخيك، فرَّق جماعتنا، وشتَّت أمرنا، وقطع بيننا. سبحان الله! هذا هو شأن أبي جهل وأتباع أبي جهل، يجرمون ويفسدون ثم يرمون بالوزر غيرهم، يريدون قهر المؤمنين، فإذا أظهر المؤمن العزة وأبى الذلة جعل عزته مشكلة المشكلات، ورفضه الذلة مصدر المنغصات، وقد علم عدو الله أنهم لا ينازعونه في عقار ولا قمار، ولا ثمة تجارة يخشون كسادها، ولا مساكن يرضونها، ولكنها الهجرة إلى الله ورسوله. من أجل هذا وأمثاله -أيها الإخوة في الله- مدح الله المهاجرين في القرآن الكريم، وجعل بعضهم أولياء بعض، وقرن الهجرة بالإيمان والجهاد، واعتبر النبي ﷺ هجرة أصحابه عبادة مستمرة، وسأل ربه أن يمضي لأصحابه هجرتهم، واستيقن المهاجرون ذلك، فكانوا يتحرجون من المقام في مكة بعد الحج مخافة أن يعودوا في هجرتهم، وأذن لهم رسول الله ﷺ في ثلاث ليالٍ بعد النسك، وكثير منهم يأبى أن ينزل في داره التي خرج منها مهاجراً إلى الله ورسوله، واتفقوا أن يبدأ تاريخ الإسلام من هجرة رسول الله ﷺ ، فهي حدثٌ عظيم تجلَّى فيه الفرقان بين الحق والباطل، فالهجرة تعبدٌ عند المهاجرين الأولين، وتحول في تاريخ المسلمين. فاتقوا الله رحمكم الله! واعلموا أن الهجرة عند داعيتها ضربٌ من الضروب الشاقة، يتحملها المؤمن في سبيل دينه، إنها تضحية بالمال والأرض في سبيل العقيدة والدين، حينما يقتضي الأمر ذلك، ذلك أن الحفاظ على الدين ضمان للحياة الكريمة، والنفس العزيزة. تلك بعضٌ من عبر، وهذا شيء من اعتبار، فلا يجوز للمسلمين أن يتخذوا من السيرة قشوراً لا تحرك قلوباً، ولا تستثير همماً، ولا أن يكون الأمر عندهم مجرد إعجاب أشبه بتقليد موروث، ومعرفة سطحية مع تخلف في النهج والعمل. سدد الله الخطى، ووفق للصواب، وأعز دينه، وأعلى كلمته، إنه ولي ذلك والقادر عليه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة:٢١٨]. نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبهدي محمد ﷺ ، وهدانا صراطه المستقيم، ووقانا طريق أصحاب الجحيم، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 151

دوافع الهجرة الحمد لله وحده، نصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله؛ بعثه بالهدى ودين الحق، صبر وصابر، وجاهد وهاجر حتى ارتفعت أعلام الدين، وحق القول على الكافرين، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله الأطهار، وأصحابه الأخيار، من المهاجرين والأنصار، والتابعين لهم بإحسان ما تعاقب الليل والنهار. أما بعد: أيها الناس إذا كانت الهجرة في معناها العام هي مجرد الانتقال من بلدٍ إلى بلد، فكثيرون هم المهاجرون، والمنتقلون في بلاد الله الواسعة لغايةٍ وأهداف متنوعة، طلباً للرزق أو الزيادة فيه، أو مزيداً من الراحة والمتعة، وعربي الجاهلية الأولى كثيراً ما ينتقل من أجل الكلأ والعشب، ومساقط المياه، ومفاتن الجاهلية، يبكي على الأطلال، ويخوض معارك دامية مدافعاً عن عنصريةٍ منتنة، أو عادات قبلية بالية. تلك هي دوافع الهجرة عند كثيرٍ من الأمم والشعوب. ولكن الهجرة في أوسع مدلولاتها عند المسلم تعني انتقال الجسم والروح والمشاعر والنزعات؛ مما يكرهه الله ويمقته من معاصيه وأسباب غضبه؛ إلى ما يحبه ويرضاه من الطاعات والقرب، ووسائل الزلفى لديه، يعرض المسلم سلوكه وتصرفاته على سنة صاحب الهجرة محمد ﷺ ، إنها هجرٌ لكل ما حرَّم الله في الأنفس والأهل والبيوت، يعود إلى بيوت المسلمين صدقها واستقامتها ونبلها وغيرتها تعاون على الخير، وحفظ لحقوق الأسرة والجيران. فالبيت المسلم! هو اللبنة في الوطن المسلم، حيث تشع الآداب والمحبة من هذه البيوت إلى السوق والمجتمع، ودواوين العمل. فاتقوا الله -يرحمكم الله- واهجروا الذنوب والخطايا، وابتعدوا عن السفاسف والثنايا، من أجل تطهير النفوس وتزكية القلوب. هذا وصلوا وسلموا على نبيكم نبي الرحمة والملحمة، فقد أمركم بذلك ربكم، فقال عز من قائل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأزواجه وذريته، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين، وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بفضلك وكرمك يا أكرم الأكرمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، وأحم حوزة الدين، واخذل أعداء الملة، واجعل اللهم هذا البلد أمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين. اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأيد بالحق إمام المسلمين، ووفقه لما تحبه وترضاه، اللهم أيده بتأييدك، وانصره بنصرك، واجمع به كلمة المسلمين. اللهم وفق ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك، وسنة نبيك محمد ﷺ ، واجمع كلمتهم على الحق يا رب العالمين. اللهم وأبرم لهذه الأمة أمر رشد، يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر إنك على كل شيء قدير. اللهم انصر المجاهدين الذين يجاهدون في سبيلك؛ لإعزاز دينك وإعلاء كلمتك، اللهم وانصرهم في فلسطين وأفغانستان وفي كل مكان، اللهم قوِّ عزائمهم، واجمع كلمتهم، وسدد سهامهم وآراءهم، واجعل الدائرة على أعدائهم يا قوي يا عزيز. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ، فاذكروا لله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.

стр. 152

من أحكام الجنائز الإنسان روح وجسد، والموت ليس إلا مفارقة تلك الروح لهذا الجسد؛ فهو ليس نهاية الإنسان بل خطوة تلحقها خطوات، وفي آخرها يجد نتيجة عمله قبل الموت. والموت حقيقة مرة لم تغفلها الشريعة، بل ورد من الأحكام الشرعية في الاحتضار والغسل والدفن وصلاة الجنازة ما فيه الكفاية، وأوردت ضوابط في الحزن على الميت لا غنى عنها.

стр. 153

الموت والقبر دروس وعبر الحمد لله المتفرد بالبقاء، ذي العزة والكبرياء، كتب مقادير الخلائق وأقسامها، وقدَّر أمراضها وأسقامها، سبحانه وبحمده له ما في السماوات وما في الأرض ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى، رحمة من لدنه وفضلاً، وحكمة منه وعدلا. أحمده سبحانه وأشكره على حلو القضاء ومره، وأعوذ به من سطوته ومكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له مستزيداً من إحسانه وبره. وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، أحاطه ربه بتأييده ونصره، وبارك عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: أيها المسلمون! الدور ثلاث: أولاً: دار الدنيا. ثانياً: دار البرزخ. ثالثاً: دار الآخرة. وابن آدم: روح وجسد، والدار الآخرة هي دار القرار التي يقوم فيها الناس لرب العالمين. والنعيم المقيم، والعذاب الأليم، على الأرواح والأجساد، والقبر آخر منازل الدنيا وأول منازل الآخرة، وهو: ﴿إما روضة من رياض الجنة، وإما حفرة من حفر النار﴾ وشدته أمارة للشدائد كلها، وما يراه العبد فيه عنوان ما يصل إليه.

стр. 154

حقيقة الموت والموت ليس عدماً محضاً، ولا فناءً صلفاً؛ ولكنه تبدل حال، وانتقال من دار إلى دار، وقد قال : ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [الملك:٢]، قال بعض أهل العلم: قدَّم ذكر الموت على الحياة تنبيه إلى أنه يتوصل به إلى الحياة الحقيقية، وقد قال عز شأنه: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت:٦٤].

стр. 155

المصائب وتذكر الموت إن حقاً على العاقل اللبيب النظر والتفكر، والمحاسبة والتدبر، فكأس المنايا تذوقها حتمٌ على كل حي، فهل ينتظر الصحيح إلا السقم، والكبير إلا الهرم، والموجود إلا العدم، على هذا مضت الخلائق، وعلى هذا جُبِلَت الدنيا اجتماع وفرقة، محيا وممات ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧]، ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [فاطر:١١]. والمصائب خطبٌ موجع، والمنايا حولٌ مفجع، والغنيمة بالصبر والرضا وحسن الظن والاستعداد؛ حتى قال بعض السلف: "لولا المصائب لضربنا القيامة مفاليس". والمرء إذا مات سلا عنه أحبابه، ونسيه أصحابه، وذهل عنه من أنفق عمره في محبته، وأتعب نفسه في ملاطفته. فإذا تذكر الموت متذكر فليكن تذكره لا من أجل فراق الأحباب والأصحاب؛ ولكن من أجل فراق العمل لدار القرار، والزاد للمنقلب والمصير، فمن نظر نظرة استعداد وعمل زاد في الجد والعمل، ومن نظر نظرة فراق وحزن ساءت حاله وزادت حسراته. أيها الإخوة! وهذه وقفة تذكرٌ وتذكير بحال المسلم وهو يودِّع دار الدنيا ويُقبِل على ربه، فهذه الجنائز تمر على الأسماع والأشخاص وقليل من يدكر، وقفة مع أحكامها وآدابها وحكمها وعبرها؛ فدينكم دين الإسلام لم يترك شاذة ولا فاذة إلا وضحها وبينَّها في حكمها وأحكامها وعبرها وأسرارها. وفي هذا المقام يقول الإمام ابن القيم ﵀: "وهدي رسول الله ﷺ في هذا أفضل الهدي، فهو يشتمل على الإحسان إلى الميت، ومعاملته بما ينفعه في قبره ويوم معاده، وعلى الإحسان إلى أهله وأقاربه، وعلى إقامة الحي العبودية لله وحده فيما يُعامل به الميت، وتجهيز المنتقل إلى الله على أحسن أحواله؛ فالمسلمون يقفون صفوفاً يحمدون الله ويستغفرونه لميتهم، ويسألون الله له الرحمة والمغفرة والتجاوز عنه، ثم المشي بين يديه إلى أن يودعوه قبره، ثم يسألون له التثبيت، فهو أحوج ما يكون إليه، ثم يتعاهدوه له بالزيارة في قبره، بالسلام عليه، والدعاء له، كما يتعاهد الحي صاحبه في دار الدنيا" أ. هـ

стр. 156

آداب وأحكام الاحتضار ومن أجل مزيد تفصيل في ذلك أيها المسلمون! فإن أول ما يُنبه إليه من الآداب والأحكام: أن يتعاهد المريض في مرضه؛ فيُؤمر بالصبر على ما أصابه، والرضا بقدر الله وإحسان الظن بربه، فذلك حال المؤمن ﴿فأمره كله له خير؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له، ولا يكون ذلك إلا للمؤمن﴾ ويكون على حال من الخوف والرجاء يخاف عقاب الله بسبب ذنبه وتقصيره، ويرجو رحمته بما يعلم من سعة رحمة ربه. دخل رسول الله ﷺ على شابٍ وهو في مرض الموت، فقال: ﴿كيف تجدك؟ قال: والله يا رسول الله إني لأرجو الله وإني لأخاف ذنوبي، فقال له رسول الله ﷺ : لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو وأمنَّه مما يخاف﴾. وليؤدِّ الحقوق إلى أصحابها إذا تيسر ذلك وإلا فليوص بها، وتوشك المنايا أن تسبق الوصايا، وإذا كان عنده فضل مال فليوص بالثلث فأقل للأقربين من غير الوارثين، ولمن أحب من المسلمين ووجوه الخير، وكم هو جميل أن يحتاط المرء لنفسه فيجعل من وصيته أن يجهز ويدفن على السنة؟ وقد قال حذيفة ﵁: [[إذا أنا مت فلا تؤذنوا بي أحداً فإني أخاف أن يكون نعيا، وأني سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن النعي]] وقال الإمام النووي ﵀: ويستحب له استحباباً مؤكداً أن يُوصيهم باجتناب ما جرت به العادة من البدع في الجنائز. ويؤكد العهد بذلك: وإذا حضره الموت فعلى من حضره من أهله أو غيرهم تذكيره بالآخرة وأمره بالتوبة برفق وتلطف ويلقنه الشهادة؛ لقوله ﵊: ﴿لقنوا موتاكم لا إله إلا الله﴾، ﴿﴾ ويدعون له ولا يقولون إلا خيراً، فقد جاء في الخبر: ﴿إذا حضرتم المريض أو الميت فقولوا خيراً، فإن الملائكة يُؤمنون على ما تقولون﴾.

стр. 157

آداب التعامل مع الميت فإذا قضى وأسلم الروح؛ فتُغمَّض عيناه، ويغطى بدنه ووجهه، ويُدعى له، تقول أم سلمة ﵂: ﴿دخل رسول الله ﷺ على أبي سلمة وقد شق بصره، فأغمضه ثم قال: إن الروح إذا قُبِضَ تبعه البصر؛ فضج ناس من أهله، فقال ﵊: لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير؛ فإن الملائكة يُؤمنون على ما تقولون، ثم قال: اللهم اغفر لـ أبي سلمة وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا ولهم يا رب العالمين، وافتح له في قبره ونوّر له فيه﴾. ولا مانع من تقبيله لمن أحب ذلك من أقاربه أو معارفه. ومن السنة الإسراع في تجهيزه ودفنه بعد تيقن وفاته؛ ففي الحديث الصحيح: ﴿أسرعوا بالجنازة! فإن تكٌ صالحة فخير تقدمونها إليه، وإن تكن سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم﴾، وعند الطبراني بإسناد حسن: ﴿إذا مات أحدكم فلا تحبسوه، وأسرعوا به إلى قبره﴾ وعند أبي داود: ﴿لا ينبغي لجيفة مسلم أن تبقى بين ظهراني أهله﴾ ولا مانع من التأخير لمصلحة تتعلق بذلك؛ كانتظار قريب يحضر قريباً، أو للتعرف على سبب الوفاة إذا كانت بجناية أو جريمة، ثم يقوم بتغسيله من يحسن ذلك من المسلمين العدول ذوي الثقة والديانة من أقاربه أو غيرهم.

стр. 158

غسل الميت والصلاة عليه وفي صفة التغسيل تقول أم عطية ﵂: ﴿دخل علينا رسول الله ﷺ ونحن نغسل ابنته زينب ﵂، فقال: اغسلنها ثلاثاً أو خمساً أو سبعا أو أكثر من ذلك إذا رأيتن ذلك، قالت: قلت: وتراً؟ قال: نعم! واجعلن في الآخرة كافوراً أو شيئاً من كافور، فإذا فرغتن فآذنني، قالت: فلما فرغنا آذناه، فألقى إلينا حقوة -أي: إزاره- فقال: أشعرنها إياه -أي: اجعلنه يلي جسدها- قالت أم عطية: فمشطنها ثلاثة قرون﴾، وفي رواية: ﴿نقضنه ثم غسلنه وظفرن شعرها ثلاث ظفائر، قرنيها وناصيتها وألقينه خلفها، قالت: وقال لنا: ابدأن بميامينها ومواضع الوضوء منها﴾ ويُطيب في بدنه وكفنه، والرجل يغسله الرجال، والمرأة يغسلنها النساء، والزوجان يغسل أحدهما الآخر، ومن كان دون سبع سنين يغسله الرجال والنساء. ومن الآداب في حق الغاسل أن يستر ما يُرى ولا يحدث فيما قد يطلع عليه من مكروه، ولا يحضر الميت إلا الغاسل ومن يعينه، ثم يُكفنَّ بكفن ساتر لجميع البدن، ويكون الكفن حسناً أبيضاً نظيفاً أو جديداً من غير سرف ولا مغالاة، وإذا تيسر فيكون للرجل ثلاثة أثواب؛ فإن رسول الله ﷺ كُفِنَّ في ثلاثة أثواب سحولية من كرسف -أي: من قطن- ليس فيها قميص ولا عمامة، أُدرج فيها إدراجا، والمرأة تُكَّفن في خمسة أثواب إذا تيسر، إزار وخمار وقميص ولفافتين، ثم يُصلى عليها، وكُلمَّا كثر المصلون كان أفضل للميت وأنفع، ويُستحب أن تكثر الصفوف خلف الإمام ثلاثة صفوف فصاعداً، وفي الحديث: ﴿ما من ميت يُصلي عليه أمةٌ من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له إلا شفعوا فيه﴾، وفي حديث آخر: ﴿إلا غفر له﴾، وفي الحديث أيضاً: ﴿ما من رجل مسلم يموت ويقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يُشركون بالله شيئاً إلا شفعوا فيه﴾. وصفة الصلاة: أن يكبر أربعاً، يقرأ بعد الأولى سورة الفاتحة، وبعد الثانية يُصلي على النبي ﷺ ، وبعد الثالثة يخلص الدعاء للميت، وبعد الرابعة يُسلم تسليمة واحدة، ولو سلم تسليمتين فلا بأس. ومن الدعاء المأثور في ذلك: ﴿اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته فتوفه على الإيمان، اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده، اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الذنوب والخطايا كما يُنقَّى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله داراً خيراً من داره، وأهلاً خيراً من أهله، وأدخله الجنة، وقه فتنة القبر وعذاب النار﴾.

стр. 159

اتباع الجنازة واتباع الجنازة حق من حقوق المسلم، وفي الصحيحين: ﴿من شهد الجنازة حتى يُصلى عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تُدفن فله قيراطان، قيل: وما القيراطان؟ قال: مثل الجبلين العظيمين -وفي لفظ مسلم - أصغرهما مثل أحد﴾ قال أبو هريرة ﵁ وهو راوي الحديث: [[لقد فرطنا في قراريط كثيرة]] ويُسنَّ الإسراع بها. يقول أبو بكرة ﵁: [[لقد رأيتنا ونحن مع رسول الله ﷺ نرمل رملاً]] وهو إسراع من غير شدة يخاف منها ضرر على الميت، أو مشقة على المشيعين، ويمشي أمامها وخلفها، وعن يمينها وعن يسارها، والراكب يسير خلفها. يقول أنس ﵁: [[كان رسول الله ﷺ وأبو بكر ﵄ يمشون أمام الجنازة وخلفها]] والنساء لا تتبع الجنائز ولا تزور المقابر؛ لنهي رسول الله ﷺ عن ذلك، ولا يجوز أن يتبع الجنازة ما يخالف الشرع. يقول الإمام النووي ﵀: " واعلم أن الصواب والمختار ما كان عليه السلف -رضوان الله عليهم- من السكون والسكوت في حال السير مع الجنازة؛ فلا ترفع أصوات بقراءة ولا بذكر ولا غير ذلك ". قال ﵀: " والحكمة في ذلك ظاهرة، وهي أنه أسكن للخاطر، وأجمع للفكر، قال: ولا تغتر بكثرة المخالفين".

стр. 160

أحكام القبر وفضل تذكر الموت والدفن في القبر من إكرام الله لابن آدم، قال جلَّ شأنه: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس:٢١] ويوسع القبر، ويعمَّق ويُلحَّد، يقول ﵊: ﴿احفروا، وأوسعوا، وأعمقوا، وأحسنوا﴾ ويدخل الميت القبر من قبل رجليه، يقول ابن سيرين: كنت مع أنس ﵁ في جنازة فأمر بالميت فَشُلَّ من قِبْلَ رجله في القبر، ويوضع على جنبه الأيمن، ووجهه نحو القبلة، ثم يُسدَّ اللحد ويدفن، ويرفع القبر عن الأرض قليلاً ويجعل مسلما، فإذا فرغوا من الدفن استحب أن يدعوا للميت ويستغفروا؛ لقوله ﵊: ﴿استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت؛ فإنه الآن يُسأل﴾. والقبور محترمة لا تُهان، ولا تُوطأ، ولا يُجلس عليها، ولا يُتكأ، ولم يكن من هديه ﵊ ولا سنته تعلية القبور، ولا تشييدها، ولا البناء عليها، وكل هذه بدعٌ منكرة مخالفة لهديه ﵊. ألا فاتقوا الله -رحمكم الله- وزوروا القبور؛ فإنها تذكر الآخرة، وأكثروا من ذكر هادم اللذات -الموت- فمن أكثر ذكر الموت أكرم بثلاثة أشياء: أولاً: تعجيل التوبة. ثانياً: قناعة القلب. ثالثاً: نشاط العبادة. ومن نسي الموت عوقب بثلاث: أولاً: تسويف التوبة. ثانياً: ترك الرضا بالكفاف. ثالثاً: الكسل في العبادة. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران:١٨٥]. نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبهدي محمد ﷺ ، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 161

أحكام التعزية والنياحة الحمد لله خلق فسوى، وقدَّر فهدى، وأسقم وعافى، وأمات وأحيا، وأنَّ عليه النشأة الأخرى. أحمده سبحانه وأشكره، يُجزي كلُّ نفس بما تسعى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الحمد في الآخرة والأولى، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، هدى من الضلالة، وبصَّر من العمى، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه، هم المعالم على الهدى، والتابعين ومن تبعهم بإحسان وسار على نهجهم واقتفى. أما بعد: فلتعلموا -رحمكم الله- أن من آداب الجنائز: الحمد والاسترجاع والرضا، قال سبحانه: ﴿وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٥ - ١٥٧]، وليقل: ﴿اللهم أجرني في مصيبتي واخلفني خيراً منها﴾ وحزن القلب، وبكاء العين من طبع النفس وجبلتها لاحرج فيه ولا مآخذه، فقد بكى رسول الله ﷺ على ابنه إبراهيم، وذرفت عيناه، وقال: ﴿إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، ولا نقول إلا ما يُرضي ربنا، وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون﴾. وتحرم النياحة: وهي شيء زائد عن البكاء، من رفع الصوت، وضرب الوجه، وشق الجيب، وجذب الشعر ونشره، وفي الحديث: ﴿ليس مِنَّا من لطم الخدود، وشقَّ الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية﴾ وقد برأ الرسول ﷺ من الصالقة: وهي التي ترفع صوتها عند المصيبة. ومن الحالقة: وهي التي تحلق شعر رأسها جزعاً. ومن الشاقة: التي تشق جيبها تسخطاً. يقول عبيد بن عمير: " ليس الجزع أن تدمع العين، ويحزن القلب؛ ولكن الجزع القول السيئ والظن السيئ ". ومن الآداب الشرعية المرعية: تعزية أهل الميت؛ فقد جاء في خبر مرفوع: ﴿من عزَّى أخاه المؤمن في مصيبته كساه الله حلة خضراء يحظر بها يوم القيامة، قيل: يا رسول الله! ما يحظر بها؟ قال: يغضب﴾ فيعزيهم بما يسليهم، ويكف أحزانهم، ويحملهم على الرضا والصبر، ويأتي من الدعاء والألفاظ ما ظهر في السنة، وما لا يخالف الشرع، كأن يقول: إن لله ما أخذ، ولله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب، فأحسن الله عزاءك، وجبر مصابك، وأعظم أجرك، وغفر لميتك، وأخلفك خيراً منه، وألهمك الصبر، ورزقك الشكر، والمحروم من حرم الثواب، والمألوم من جزع لأليم المصاب. إن لله عزاءً من كل مصيبة، وخلفاً من كل هالك، ودركاً من كل بائس، فبالله فثق، وإياه فارجُ، فإن المصاب من حرم الثواب، وإياك أن يحبط جزعك أجرك، فتندم على ما فات من ثواب مصيبتك، وإنك لو اطلعت على عظمة ما أعد الله لفضل المصابين لعرفت أن المصيبة قد قصرت عن الثواب. يقول الحسن البصري ﵀: [[ما من جزعتين أحب إلى الله من جزعة مصيبة موجعة محرقة ردها صاحبها بحسن عزاء وصبر وجزعة غيظ رده صاحبها بحلم]]. ألا فاتقوا الله -رحمكم الله- وتذكروا واعتبروا، ثم صلوا وسلموا على من خاطبه ربه بقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِيْنْ مِتَّ فَهُمْ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء:٣٤] نبيكم محمد رسول الله؛ فقد أمركم بذلك ربكم؛ فقال عز قائل عليماً: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وارض اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي وعن الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وجودك وكرمك يا أكرم الأكرمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، واحم حوزة الدين، واخذل الطغاة وأعداء الملة والدين، اللهم انصر دينك، وكتابك، وسنة نبيك محمد ﷺ ، وعبادك الصالحين. اللهم عافنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأيد بالحق إمامنا وولي أمرنا، ووفقه لما تحب وترضى، وأيده بالحق وأيد الحق به، وأعز به دينك، وأعلِ به كلمتك، واجمع به كلمة المسلمين على الحق يا رب العالمين. اللهم وفق ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك وسنة نبيك محمد ﷺ ، واجعلهم رحمة لرعاياهم واجمعهم على الحق يا رب العالمين. اللهم انصر المجاهدين الذين يجاهدون في سبيلك لإعلاء كلمتك، وإعزاز دينك، اللهم انصرهم في فلسطين، وفي كشمير وفي كل مكان يا رب العالمين. اللهم اجعل الدائرة على أعدائهم يا قوي يا عزيز. ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. عباد الله! إن الله يأمر بالعدل والإحسان، وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 162

ميزان السلام إن الأمة الإسلامية عندما تركت منهج الله، وتخلت عن نصرة دين الله سلط الله عليها الأعداء، فداسوا كرامتها، وكسروا عزتها، واستضعفوها، وهذا جزاء من أعرض عن دين الله، والجزاء من جنس العمل، وكما تدين تدان.

стр. 163

دعوة لقادة العالم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلق الله أجمعين، أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأؤمن به وأتوكل عليه، وأساله من فضله المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وهو على كل شيء شهيد، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، شرَّفه بالعبودية والرسالة، فهو أكرم الرسل وأشرف العبيد، منصور برب العزة قبل العدد والسلاح العتيد، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: حُجاج بيت الله أيها المسلمون! أوصيكم ونفسي بتقوى الله ، فتقوى الله أعظم ما تزودتم، وأكرم ما أسررتم، وأجمل ما أظهرتم، وأفضل ما ادخرتم، فاتقوا الله -رحمكم الله- وأعاننا الله على لزومها وكتب لنا ثوابها. أيها الناس! من هنا من بيت الله الحرام من البقاع المقدسة بلاد الأمن والإيمان والسلام والإسلام، حيث نزل الوحي على نبينا محمد ﷺ . من بلاد الحرمين الشريفين حيث انطلقت مبادئ حقوق الإنسان قبل أن يعرف عالم اليوم حقوق الإنسان، بل انطلقت مع حقوق الإنسان حقوق الشجر والحيوان. من الحرم الحرام، والبلد الحرام، وفي الشهر الحرام من مواقع الصلح وحقن الدماء، من مواطن التضحية والفداء، من بلاد العفو والتسامح، حيث أطلق نبينا ﷺ الطلقاء في هذا البلد الطاهر، ومن أجل كل هذه المعاني هذه دعوة لسكان العالم جميعاً ندعوهم بدعوة قرآننا وبنداء كتاب ربنا: ﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:٦٤]. إن قادة العالم يُحدثوننا عن نظام يحفظ للعالم أمنه واستقراره وخيره وخيراته، ويمنوننا بعالم سلم وسلام، تجتنب فيه ويلات الحروب والصراعات، هذه الحروب الشمطاء، والصراعات الكريهة، الذي لا ينتصر فيها غالب، ولا يستسلم فيها مغلوب، يبشروننا بعالم يحفه السلام، ويسوده الحب والصفاء والوئام، ندعوكم دعوةً إلى ديننا، فهو إيمان وعمل، وعلم وأمان، ندعوكم للقراءة المنصفة، والاطلاع المتجرد؛ لتروا ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ:٢٤] ندعوكم لنظر عادل ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾ [سبأ:٢٦].

стр. 164

مفهوم السلام بين الزيف والحقيقة أيها القادة أصحاب القرار أيها الناس! دعوة مخلصة وأنتم ترون الصراع في هذا العالم يتفاقم، والاستغلال يتعاظم، والمطامع لا حدود لها، والموازين لا ضابط لها، دعوة صادقة والبصير يرى أن من بيده القرار ورعاية الحقوق يسلك التعسف بالقوة ومد الذراع القوية لتنال كل من لا يوافق على المشروعات المطروحة. إن هذا مسلك خاطئ، وظنٌ جائر، فالتعسف في استعمال القوة لن يجلب سلاماً، ولن يسكت مظلوماً، ولكنَّه تفجير لمخزون من الحقد لا يقتصر على منظمة أو حزب أو هيئة أو جهة؛ بل سينال كرامة الإنسان كرامة العربي وكرامة المسلم، بل الكرامة كلها وعزة أهل الإسلام في كل الأرجاء. دعوةٌ من مُنطلق ديننا الحق، ومن بدهيات العقل ومسلَّماته، فمن حق المظلوم أن يدافع عن نفسه إذا سُدَّت أمامه محاولة استعادة الحقوق، لا يُلام مظلوم إذا شك في نوايا خصمه إذا كان الوسيط غير منصف لماذا يَصِلُون به إلى نقطة اليأس فيتساوى عنده الموت والحياة، وحينئذٍ لا يبقى عند هذا المسكين شيء يخشى فقدانه؟ مشاهد مُرعبة من الدماء والأشلاء والتشريد والتقتيل يستحيل أن تمحوها الأيام، بل إنه ليشب عليها الولدان، وترضعها الأمهات مع الألبان، إرهاب عسكري وسياسي واقتصادي يجري تنفيذه ويجري التخطيط لآخر مثله. إنها دعوة مشفقة وأنتم تُكافحون الإرهاب، وتستنكرون العنف، وتدعون إلى السلم والسلام. دعوة إلى مشاهدة استئصال الأطفال والنساء وهم في الملآجئ الآمنة، وملاذات الحمايات الدولية، من رحم هذه المآسي تتولد كل ألوان العنف والسفك وتفجير الأنفس، منها وفيها تنبت تنظيمات انتقامية التوجه، ومجموعات عدوانية النزعة، كيف تستبعدون أن يتولد من ركم الجثث إرهابيون؟ ولماذا لا يخرج من بين أنقاض البيوت متطرفون؟ معانات وتسخُّط وجورٌ وتأسف والقسوة لا يُقابلها إلا قسوة، حرب الحجارة، وتفجير الأجساد، وانتفاضة الأطفال والليالي حبالى مشحونة بالغضب والرفض والإباء، إنها حبالى غضب مكتوم، وقهر محبوس، عناقيد غضب يصبها المعتدون وحقيقتها بذور حقد لا تنبت إلا حقدًا، ولا تزرع إلا نقماً وانتقاماً، غزوٌ واجتياح، وتعديات ومظالم لا تدفع إلا إلى الإحباط وفقدان الثقة في المجتمع الدولي كله بنُظمه ومنظماته، فأي عاقلٍ متجرد يُشاهد المناظر الدامية ثم يرى أصحاب القرار وهم يُدافعون عن المعتدي، ويتلمَّسون المصوغات لتصرفاته، ويُحرمون أصحاب الحق من المقاومة ودفع العدوان؟ دعوةٌ صادقةٌ للنظر في مفهوم الأمن الذي يسعى إليه الجميع، والسلام الذي يُحبه الجميع، ويؤمن به الجميع، ويدعو إليه الجميع، هل هو يا ترى أمن طرف واحد وسلام شعب واحد؟ وهل هو حق لجهة دون أخرى؟ أي سلام لا يكون الحديث فيه إلا عن التفوق العسكري لطرف على حساب آخر؟! أي سلام يلتزم فيه قائم على رعاية السلام بتفوق طرف على آخر؟! هل هو سلام بمواصفات خاصة وشروط خاصة؟! أهو سلام الغلبة والتسلط والتهديد ضد كل من لا يرضى بهذا النوع من السلام؟! سلام يَهدم البيوت، ويُشرِّد من في الديار، ويُحاصر الشعوب، ويعتقل المئات، ويجعل رد ظلم من طرف إرهاباً ومن طرف آخر حقاً مشروعاً! سلامٌ تكون فيه الدماء رخيصة، والحقوق مهدرة، والأرض مستباحة، والبيوت غير محترمة! سلامٌ يتخذ العقوبات الجماعية منهجاً! سلامٌ ينتقض السيادة، ويلغي الكرامة، ويهين العزة! أي سلام يحول فيه المنطقة إلى منجم عمالة رخيصة وإلى سوق استهلاكية مسلوبة الإرادة؟! سلام المراوغة، واقتناص المكاسب الاقتصادية! سلام يثمر عنصرية وفقراً، وجوراً منظماً! سلام من طرف لا يرضيه سوى فناء الآخر وهدِّه، وهدم اقتصاده، وتقطيع أوصاله! إنهم يبنون سلاماً على أعواد من القصب تهتز وتتساقط كما لعبت بها رياح الغضب! إنها دعوة إلى توضيح مفهوم السلام. وثمة دعوة أخرى مرتبطة بها وقرينتها: إنها دعوة لأن تقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان، أين ميزان الحق؟! إذا كان عدوان المعتدي دفاعاً على النفس، وحفظاً على أمنه وأمن شعبه، ومقاومة الشعوب للظلم والاحتلال إرهاباً وعدواناً، وتهديد لأمن الآخر وشعبه. كيف ينقطع الظلم؟ ومتى يتوقف العدوان؟ إذا كان حقد العدو غضباً مشروعاً وغضب المظلوم إرهاباً ممنوعاً؟!

стр. 165

مجزرة قانا والصمت العالمي يغضب العالم حينما تطلق رصاصة أو تلقى قذيفة على محتل، ويتداعى العالم بصغاره وكباره إلى مؤتمرٍ عالمي للتنسيق من أجل صنع السلام ومكافحة الإرهاب والتطرف، أما مجزرة قانا والمجازر قبلها فتجري على سمع العالم وبصره، ولا أحد من ذوي القرار يدين، ولا يدعو لمؤتمر يزجرها، فبأي ميزان أجيزت مجزرة قانا؟! وبأي قانون استبيحت دماء أهل قانا؟! وبأي دستور يمنع أهل قانا ومن حول قانا من مقاومة الاحتلال؟! ما حدث في قانا لم تفد فيه مناوشات، ولم توقفه الالتماسات، ولم تقلل من آثاره التأسفات. أربعون ألف قذيفة وأكثر من ستمائة غارة في حربٍ شرسةٍ وعناقيد حقدٍ من أجل كسب أصوات انتخابية، يكسبون من أصوات بقدر ما يقدمون من جثث وأشلاء، يسترضون الناخب بنشر المآسي بكثرة الدماء؛ بل بدماء الأبرياء! ميزان هذا العالم المتحضر يغرق في المساعدات في طرف بلا حدود، وفي طرف آخر إغماض وإجحاف وتجاهل بلا حدود، ازدواجية مقيتة، ومظالم سافرة، في توجهاتهم السياسية، ومسالكهم الأخلاقية، ومصطلحاتهم الإنسانية. ميزان كفة القاتل منهم تمتلئ بالأعذار، وكفة القاتل من غيرهم إرهابي يهدم بيته، ويشرد أهله، وتُحاصر بلدته، ناهيك بميزان الضغط والتعاطف، فالضغط منصب على الضعفاء، والتعاطف يمنح للمعتدين. أين مجلس الأمن وهيئة الأمم من شكوى الشاكين، وأنين الأرامل ماذا يقول الضمير العالمي؟! وأين هي المقاطعة الاقتصادية على كل من ظلم وامتنع من تطبيق القرارات؟ يا قادة العالم! ويا أصحاب الرأي! إن مواجهة التطرف تتطلب تعاملاً بعدلٍ وإنصاف، وتجاهل العدل والسكوت على الظلم يُولِّد المزيد من التوتر والعنف والحروب برغم الهدوء الظاهر الممتلئ باليأس والغبن. إن التحدي الحقيقي في البطالة والفقر والتجويع وفقدان الأمل، إن سياسات الحرمان والتجريف، والعزل والخنق، والقهر والاستغلال الممتدة على مدى السنين هي التي تُغذي التطرف وحب الانتقام وسلوك مسلك الإرهاب. وليعلم أن المؤتمرات الدولية والقوة العسكرية غير قادرة على كبح جماح العنف، وإيقاف توريد الإرهاب، وإنبات التطرف، ولكن الحلَّ -كل الحل- في إعطاء الحقوق، ونشر العدل، وسلوك مسالك الإنصاف والتسامح، وحفظ الكرامة الإنسانية. وإذا كان ذلك كذلك فكيف يُمكن الإقناع والاقتناع بجدوى مشروعات الصلح وضمان استمرارها إذا كانت الموازين بهذا التقلب والمصطلحات بهذا التلاعب. هذا هو النداء، وتلكم هي الدعوة، والله من وراء القصد، والأمر لله من قبل ومن بعد، وهو سبحانه غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمْ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ * وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:٦٠ - ٦٤]. نفعني الله وإياكم بهدي كتابه وسنة نبيه محمد ﷺ . وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 166

إلى متى الذل والهوان الحمد لله ذو القدرة والملكوت، والقوة والجبروت، أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وهو حي لا يموت، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، العزة والمجد والمنعة لمن أطاعه واتبعه، والذلة والصغار والشنار لمن عصاه وخالف أمره، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فأوصيكم -أيها الناس جميعاً- ونفسي بتقوى الله والعمل الصالح، فاتقوا الله ربكم واعملوا صالحاً إنه بما تعملون خبير. أيها الناس! سكوت الشعوب إلى أمد، وصمت المظلوم إلى حين، وما يجري في الساحة لم يبق داراً ولا جداراً، ولم يدع لأصحاب النوايا الحسنة مقالاً، استوى الراضون والرافضون. إن عناقيد الحقد والغضب التي انصبت على الديار أثارت تساؤلات واستفهامات: هل الناس قد غفلوا أكثر مما ينبغي؟! وهل القوم استسلموا لوعود معسولة أكثر مما يجب؟! وهل تنازلوا أكثر مما يلزم؟! وهل استمرءوا التضليل والمخادعات أكثر مما يسوء؟! عناقيد الحقد والغضب رفعت عن المظلوم العتب لينجلي الغبار وتتقشع السحب الظلماء عن رجال يقاومون الضلال بجلد ويرفعون المظالم بمجاهدة، لا يستوحشون جو التخذيل، ولا يتخاذلون لغربة الحق، فهم لا يزالون يُؤدون ما عليهم لربهم ودينهم وأمتهم إلى أن تنقشع الغمة ويحفظ الحق المشروع، ويخرج الإسلام من محنته ناصع الصفحة، بل لعله أن يستأنف زحفه الطهور ليضم إلى قومه قوماً، وإلى رجاله رجالاً، وإلى أرضه أوطاناً. إنهم رجالٌ يتأبون على الهزائم النازلة، ويتوكلون على الله في دفعها ومدافعتها حتى تضمحل وتتلاشى. إن في حكمهم المأثورة، وآدابهم المسطورة: الجزع لا يُغني من القدر، والصبر من أبواب الظفر، والمنية ولا الدنية، واستقبال الموت خير من استدباره، وهالك معذور خير من ناجي فئور، والأيام حُبلى، والتأريخ له ألف عودة وعودة طالما هناك خصومٌ لا يتعظون ولعبر التاريخ لا يدركون. ومن سنن الله المعلومة: أن الشهر -طال أم قصر- سوف يُحاسب الذين يستهترون بالدماء، ويهينون القضايا، إنهم يُساهمون في إحياء تيارات الرفض ونمائها. لقد قال قومنا: نعم للسلام! ولم يقولوا: نعم للاستسلام والتنكيل والإهانة والانتقام، وإذا استرخص العدو الدماء فهي عند أهلها غير رخيصة، ولقد علم قومنا كما يعلم غيرهم أن الأمة التي تقبل الخنوع والذلة وتعطي من نفسها الدنية أمةٌ ماتت فيها المواهب الإنسانية العليا، وارتكست فيها الملكات اليقظة. أي حياة تعيشها إذا هي عاشت خادمة تابعة ذليلة مهانة؟! كل أمة تنتكس عن حمل أعباء الحياة الأبية وتضعف عن الإقدام في ساحة الفداء، وتخشى عواقب المخاطرة والجرأة، فقد حكم عليها بالذلة والموت والهوان، اسمعوا إلى قرآنكم ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمْ اللَّهُ مُوتُوا﴾ [البقرة:٢٤٣]. لقد ماتوا في الديار التي عجزوا عن الدفاع عنها، وعلى الأمم النائمة أن تتحمل أوزار ما تُقاسي وتُعاني، والذي يقبل الذلة يغري الآخرين بالبغي والعدوان، وفي ذلة المظلوم عذر الظالم، وقلَّ ما يقع العدوان على ذي أنفة أو حمية. ألا فاتقوا الله -رحمكم الله- واستمسكوا بعزة أهل الإيمان ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون:٨]. ثم صلوا على نبي الرحمة نبيكم محمد رسول الله، فقد أمركم بذلك ربكم فقال عز من قائل ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وارض اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، واخذل الطغاة والملاحدة، وكل أعداء الدين. اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك، واتبع رضاك يا رب العالمين! اللهم وأيد بالحق إمامنا وولي أمرنا، ووفقه لما تُحب وترضى، وارزقه البطانة الصالحة التي تدله على الخير وتعينه عليه، اللهم أيده بتأييدك وأعزه بطاعتك، وأعز به دينك، وأعلِ به كلمتك، واجمع به كلمة المسلمين على الحق يا رب العالمين! اللهم ووفق ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك، وبسنة نبيك محمد ﷺ ، واجعلهم رحمات لرعاياهم، واجمع كلمتهم على الحق يا رب العالمين!! اللهم وأَبرم لأمة الإسلام أمر رُشد يُعز فيه أهل طاعتك، ويُذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر إنك على كل شيء قدير. ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان، وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 167

نداء القدس ودروس التاريخ أسلافنا وأجدادنا دخلوا الأمصار فاتحين، وعبروا البحار مجاهدين، وحرروا القدس من بين أيدي الصليبية الحاقدة. أما نحن فالأندلس ضيعناها، والقدس بعناها؛ وذلك لأنا تركنا ما كان عليه سلفنا من التمسك بالدين، وذهبنا وراء الشهوات والنزوات، وكانت العاقبة أن ضيعنا أرضنا، وليس لنا سبيل إلى تحرير القدس إلا التمسك بديننا الإسلامي، وإن اليهود يحاربوننا عن دين فلا بد أن نحاربهم عن دين، لا عن قومية أو وطنية أو علمانية.

стр. 168

دروس من التاريخ الحمد لله لم يزل بالإنعام منعماً، وبالإحسان محسناً، أحمده سبحانه وأشكره يغفر ذنبنا، ويجبر كسرنا، ويغيث لهفنا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له هو ربنا ومولانا، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله بعثه منا فضلاً منه ومَنَّا، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه، رجالاً صدقوا ما عاهدوا الله عليه فأبدل خوفهم أمناً، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فأوصيكم -أيها الناس- ونفسي بتقوى الله فاتقوا الله ربكم حق تقاته، واحذروا بطشه ومقته فهو معكم أينما كنتم. أيها المسلمون: إن التاريخ يعيد نفسه، وما أشبه الليلة بالبارحة، وما أكثر العبر وأقل الاعتبار! إن الأمة التي لا تقرأ تاريخها ولا تستفيد من ماضيها، ولا تستفيد من ماضيها لحاضرها ومستقبلها لهي أمة مقطوعة بتة، فالماضي والتاريخ ليس مفتاحاً لفهم الحاضر فحسب، بل هو أساسٌ من أسس إعادة صيغة الحاضر وبناء المستقبل، وكتاب ربنا قد بسط لنا في أحوال الماضين، وقص علينا من قصص الغابرين؛ لأخذ الدروس واستلهام العبر ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف:١١١] ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُون﴾ [يونس:١٤]. أيها الإخوة: إن سجل التاريخ هو المنار المرشد الذي يهدي -بإذن الله- ربان السفينة فيجنبه الصخور المدمرة في قاع البحار، ويقيه الأمواج العاتية فوق سطح المياه. إن واقع الأمة اليوم في كثير من بقاعها وأصقاعها وأحوالها وأوضاعها يستدعي النظر والاعتبار، والتفكر والادكار، ولو أن المسلمين استوعبوا دروس الماضي لما أخطئوا في كثيرٍ مما أخطئوا فيه، والذي ينظر في تغيرات الأمم في مللها وأخلاقها، ويتأمل في تقلبات الدول في سياساتها واقتصادها هو أقدر على تفهم الحوادث الماضية، والتي هي صورة مشابهة لكثيرٍ من الوقائع المعاصرة.

стр. 169

درس من سقوط الأندلس أيها الإخوة: ويسهل الدرس، وتتضح العبرة، وتتجلى الصورة حين تنظر الأمة في ماضي تاريخها، لا في تاريخ غيرها، وحين تكون التجربة قد مرت بها لا بغيرها. ومن أجل هذا فهذه دروس ووقفات مع تاريخ عجيب ودرس ثقيل، وتجربة مرة في فردوس مفقود؛ في أرض بقي فيها المسلمون ثمانية قرون، ثم خرجوا منها بل أخرجوا، وكأن لا أثر لهم فيها ولا عين ما الذي أدخلهم؟ وما الذي أخرجهم؟ ما أكثر العبر وما أقل الاعتبار! وتوشك أن تشبه الليلة البارحة، إنهم أسلافنا وأجدادنا في بلاد الأندلس دخلوها بالإسلام فاتحين، وبالعقيدة مستمسكين، ومن عالي الأخلاق متمكنين لأوامر ربهم متبعين، وعن مناهيه ومساخطه متباعدين كيف دخلوا؟ يقول أحد النصارى في رسالة بعث بها إلى ملكه يصف فيها جيش المسلمين الذين عبروا إلى بر الأندلس بقيادة طارق بن زياد: لقد نزل بأرضنا قومٌ لا ندري أهبطوا من السماء، أم نبعوا من الأرض؟ إنهم القادة والملوك: موسى بن نصير، وطارق بن زياد، والسمح بن مالك، وعبد الرحمن بن حكم، وعبد الرحمن الغافقي في كوكبة من القادة والسادة. فهاهو عبد الرحمن الداخل صقر قريش، ينزل من البحر فتهدى إليه جارية بارعة الجمال، فينظر إليها ويقول: إن هذه لمن القلب والعين بمكان، وأنا إن لهوت عنها بهمتي وبمهمتي ظلمتها، وإن لهوت بها عما أطلبه ظلمت همتي ومهمتي، ثم قال: والله لا حاجة لي بها. لقد سار المسلمون في الأندلس في عزة وقوة ومنعة ووحدة وتماسك على هذا النهج. يذكر ابن تغري بردي: أن المنصور بن أبي عامر كان يسهر على مصالح رعيته، وكانت متابعته لأمور رعيته تستنفذ كل وقته، حتى أنه كان لا ينام إلا سويعات متفرقات، فقيل له: لقد أفرطت في السهر وبدنك يحتاج إلى نومٍ أكثر من هذا. فأجاب: إن الراعي لا ينام إلا إذا نامت الرعية، ولو استوفيت نومي لما كان في بيوت هذا البلد العظيم عينٌ نائمة. هذه هي صورة القوة، وحسن الرعاية، وصدق الحماية، وحفظ البلاد، ولقد بقوا على ذلك قروناً طوالاً محافظين على دينهم، معتزين بإسلامهم، متوحدين في كلمتهم، يجسد ذلك قول بعض المؤرخين من المسلمين: بقينا في الأندلس ما بقينا مع الله، وضاعت الأندلس منا لما أضعنا دين الله.

стр. 170

سبب ضياع الأندلس لقد بدت وبدأت عوامل الضعف، وانحلت الدولة الأموية الواحدة الكبرى إلى دويلات وملوك وطوائف تنافس فيها أصحابها على السلطة، وتناحروا من أجل كراسي الحكم؛ فانتشر بينهم الغدر المستحكم، والخصام الدائم، والكيد المستمر؛ فلا همَّ لأحدهم إلا تحقيق مصالحه الذاتية، وإشباع أنانيته المفرطة، وكأن الأندلس إنما وجدت لمصلحته الخاصة مهما كان ذليل المكانة مهزوز القواعد. إن كل تقدم حضاري، وسموٍ فكري، وثقل سياسي، وارتفاع معنوي، وعز سلطاني، إنما مرده إلى التمسك بدين الله، وهو مرهون بمقدار الالتزام بشرع الله والبعد عن الحياة اللاهية والمجون السافر والحقوق المهدرة يقول ابن خلدون: إذا تأذن الله بانقراض الملك في أمة حملهم على ارتكاب المذمومات، وانتحال الرذائل، وهذا ما حدث في الأندلس وأدَّى إلى ضياعها. بل قد أدرك ذلك كاتبٌ من الخصوم يدون لذلك العصر فهو يقول: العرب هووا وسقطوا عندما نسوا فضائلهم التي جاءوا بها، أصبحوا على قلبٍ متقلب يميل إلى الخفة والمرح والاسترسال بالشهوات. ألا ما أكثر العبر وأقل الاعتبار! وماذا عملت كثيرٌ من وسائل الإعلام الإسلامية اليوم؟ وكتاب ربكم يقول: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً﴾ [الإسراء:١٦]. أيها الإخوة: إن سنن الله في الأمم لا تتخلف، بل لقد ذكر ابن حزم شيئاً خطيراً في بيان الحال التي وصل إليها حكام دويلات الأندلس في سبيل مصالحهم الذاتية، وما يقدمونه للأعداء من تنازلات خطيرة، حتى قال: والله لو علموا أن في عبادة الصلبان تمشية أمورهم لبادروا إليها، فنحن نراهم يستمدون الأعداء فيمكنوهم من حرم المسلمين وأبنائهم، وربما أعطوهم المدن والقلاع طوعاً فأخلوها من الإسلام وعمروها بالنواقيس، فلا حول ولا قوة إلا بالله! أيها الإخوة: إن التاريخ دروس وعبر، لقد انحرف هؤلاء الأسلاف عن دين الله، ووالوا أعداء الله، وتركوا الجهاد في سبيل الله، وقعدوا عن الدفاع عن حرمات المسلمين، وابتعدوا عن أسباب التآلف والاتحاد، وحلت الأثرة محل الإيثار؛ ثم من بعد ذلك تكالبت عليهم القوى المعادية، فتمكنت منهم ومزقتهم شر ممزق.

стр. 171

الإسلام سبيل العزة أيها الإخوة: إن نصوص الشرع ودروس التاريخ تقول: إن العرب والمسلمين بغير الإسلام لا قيام لهم، وإنهم بغير الدين لا عز لهم، فإن الإسلام وحده ولا شيء غيره هو الذي يربي ويبني ويزكي ويقوي ويزرع العزة والمسئولية ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون: ٨] ولقد جسد ذلك عمر ﵁ في مقولته المشهورة: [[لقد كنا أذل قومٍ فأعزنا الله بهذا الدين، ومهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله]] يا قومنا! لقد ابتغى طوائف من قومنا العزة والنصر والوحدة بغير دين الله؛ ابتغوها في القوميات والوطنيات، وفي البائد الفاسد من الأحزاب والانتماءات، فماذا كانت النتيجة؟ إنها الذل -ولا أبلغ من كلمة الذل- وواقع الذل في كثير من الأنحاء والجنبات. إن قضايانا في قدسنا وفلسطيننا وكشميرنا ومواقع أخرى اختزنت الذل في ظل نداءات غير إسلامية، وما واقع هذه القضايا إلا شاهدٌ عليه أبواقٌ كانت تنفخ كاذبة، وتتاجر بهذه القضايا خاطئة ترعد وتزبد، وتحذر وتخبر بالوعود الوهمية حينما كانوا يقولون ويتنادون: تحرير كل شبر من الأرض، وتحرير كل حبة من الرمل، والنضال حتى آخر قطرة من الدم في نداءات وادعاءات صرخوا بها ونفخوا فما رأيت إلا هباءً ورماداً. إن العرب والمسلمين حين ينبذون الإسلام وراءهم ظهرياً؛ فإنهم -والله الذي لا إله غيره- لينتحرون انتحاراً، ويطرحون سعدهم ومجدهم وطاقتهم وقوتهم. ومن أجل استيعاب الدرس والوقفة الصادقة من أجل انطلاقة مثمرة فلنتأمل: إن كثيراً من الكتاب والمفكرين والمحللين والإخباريين الذين يتحدثون عن قضايانا في قدسنا وفلسطيننا وكشميرنا وكل حقوقنا ومغتصباتنا هل سمعتم أحداً منهم يتحدث عن الله وعن رسول الله محمدٍ ﷺ ؟! هل تحدث أحدٌ منهم عن أن عمر بن الخطاب دخل بيت المقدس، وتسلم مفتاح المدينة من النصارى وليس من اليهود؟! ما تحدث متحدثٌ منهم عن أصلنا الديني وتاريخنا الإسلامي لا يتحدثون إلا عن كنعان وميراث كنعان ألا بعداً لـ كنعان كما بعدت ثمود. إن خصومنا هم بنو إسرائيل وأتباع التوراة! وأما بنو قومنا هؤلاء فيا ترى هم بنو من؟! إن كثيرا ًمن بني قومنا لا يتنادون إلا باسم الأرض وحق كنعان، وبالله الذي لا يحلف بغيره إن إدارة المعركة على هذا النحو ما هو إلا ضلال استعماري مرسوم وقع فيه من وقع، في محنة نفسية وعسكرية وسياسية، لن ينالوا -والله- من ورائها خيراً.

стр. 172

الحرب مع اليهود حرب عقيدة إن بني إسرائيل يديرون المعركة ويعقدون ويبرمون باسم الدين، وباسم التوراة، وباسم التلمود، ويتنادون إلى أرض الميعاد، وثلة من بني قومنا يتنادون بـ علمانية وكنعانية إنهم لا يذكرون محمداً ﷺ ، ولا عمر الفاروق، ولا صلاح الدين، ولا شيخ الإسلام ابن تيمية، ولا محمداً الفاتح، ولا التاريخ المجيد كله مسحورون بالاستعمار العالمي الذي ألغى الدين وجعل الشعوب تتنادى بـ القومية والوطنية، وما جنوا من ورائها نقيراً ولا قطميراً يخرجون الإسلام من الميدان، ويبقى الذين يتنادون بالتوراة وحدود التوراة وآمالها ووعودها. نظرة إلى الواقع الأليم في كثيرٍ من أجزاء الأمة وبقاعها، وفي رءوس كثيرٍ من مفكريها ومثقفيها وساستها ومنظريها، تكشف كم بعدت الشقة بين هؤلاء وبين شريعة ربهم، ومناهج التربية تفرض عليهم من وراء حدود، ويتحكم فيها أعداء الإسلام كما يشاءون، وإعلامهم لا يهتم إلا بإثارة الغرائز، وبث الفرقة، ونقل كفاءات الغرب ومجونه فهل على الفيلم الخليع، والغناء الوضيع، والرقص الماجن تربى أمة محمدٍ صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟! إنهم مفكرون ومثقفون ومنظرون لا يعتمدون على الدين في تربية، ولا يتبنونه بتشريع، ولا يوثقون به رباطاً، ولا ينطلقون منه في تضحية.

стр. 173

صور من تجني اليهود ودرس آخر ثقيل، وموقف من الذلة شديد -أيها الإخوة- فلقد أصابنا يهود في ديننا، ونبينا، وقرآننا، ومقدساتنا، وأنفسنا وديارنا، فكلما تقدم المفاوضون معهم خطوة باتجاه السلام المرفوع زاد منهم توجيه الإهانات، وألوان الاحتقارات، وصور الإذلال للمشاعر والشعائر والمقدسات لقد حرقوا المسجد الأقصى، وحفروا من تحته الأنفاق، وصادروا الأراضي، وبنوا مغتصبات سموها مستوطنات، ثم تطاولوا وتطاولوا حتى داسوا القرآن ومزقوه تحت أقدامهم، وأهانوا نبينا محمداً ﵌ بصورهم ورسومهم إنه درس التاريخ القديم والحديث، وإن نصوص شرعنا الذي تزيدنا تمسكاً بكتاب ربنا وصحة طريقنا وإيقاناً بوعد القرآن ووعيده ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيّاً وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيراً﴾ [النساء:٤٥]. هؤلاء هم اليهود بطبعهم وخلقهم، وهم شاهدون على أنفسهم في الماضي والحاضر، ولا يقال هذا تجنياً، ولا تزيداً ولا ادعاءً، ولا استعداءً، فلقد آذوا موسى ﵇ من قبل، ورموا مريم البتول ﵍ بالإفك والبهتان، وقتلوا الأنبياء، وقتلوا الذين يأمرون بالقسط من الناس، وحاولوا قتل نبينا محمدٍ صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وتآمروا عليه، وما انفكوا طوال تاريخهم يكيدون للشعوب، فقد أحلوا الربا، وروجوا الفسوق، وأكلوا أموال الناس بالباطل، واسمعوا إلى كتاب ربكم وهو يحدثكم عنهم: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلاً * وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً * وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء:١٥٥ - ١٥٧] إلى قوله سبحانه: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً * وَأَخْذِهِمُ الرِّبا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء:١٦٠ - ١٦١].

стр. 174

إلى أصحاب المماطلات والمفاوضات نعم، لقد أصابونا في ديننا، ونبينا، وقرآننا، ومقدساتنا، وأنفسنا، وديارنا وإن العقل والمنطق والحكمة يقتضي أن يراجع ذوو الشأن من قومنا هذه المماطلات والمماحكات في المفاوضات، ويعلنوا موقفاً واضحاً من السلام الشامل العادل الذي يعيد المغتصب ويخرج المحتل ويرد المشردين ويخرج المعتقلين لا بد من ربط السلام بالإسلام، فبالله نحلف أنه لن يقوم سلامٌ ما لم يحترم الإسلام ويعرف له قدره في الماضي والحاضر والمستقبل، أما أن يستمر اليهود المحتلون، يحرثون ويزرعون ويمتدون، ويغتصبون تحت وابل القذائف اللفظية العربية الثقيلة التي لا تحرر أرضاً، ولا تعيد حقاً، ولا تحمي طفلاً، ولا تبني بيتاً، ومجلس الأمن الذي يضرب بحق النقض كل ما يعارض مصالح المحتلين، فهذا مالا يمكن أن يحقق سلاماً. ومن جانب آخر فإن الإنصاف يقتضي القول الجازم العاقل أنه لا يمكن أن يكون القتل العشوائي طريقاً للسلام، ولا يكون الاعتداء على غير الغاصبين المحتلين طريقاً للسلام، لكن لابد أن يعلم أن الكبت لابد أن يولد انفجاراً، وأن طمس الحقائق لابد أن يولد عنفاً يجب أن يعي كل عاقل أن هناك حدوداً للقهر والظلم فلا يضيعوا فرص السلام الحقيقي العادل وإن الأمة لتغار على دينها، وتثأر لكرامتها، ولا يمكن أن تكون القضية نهباً لعمليات الطرح والقسمة على موائد الطامعين واللئام! إنها ليست ورقة باهتة يلقى بها على موائد المفاوضات، إنها قضية كبرى تتمرد على الوقت الذي تحصره كتابة سياسية أو تحليل آلي، إنها بقعة مباركة من أرض الله وديار المسلمين تمتد في تاريخ الأمة الإسلامية جمعاء، وتتصل بجذورها وضمائر أجيالها إنْ قصَّر مسئول أو تقاعس جيل فإن القضية أكبر من ذلك وأكبر، إنه نداء متصل من أجل إنصاف القضية وإقرار العدل على الأرض والشعب والقضية ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ * هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ * وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:١٣٨ - ١٤١]. نفعني الله وإياكم بهدي كتابه وبسنة نبيه محمدٍ ﷺ . وأقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه إن ربي قريب مجيب.

стр. 175

المستقبل للإسلام الحمد لله وحده، لا شيء قبله ولا شيء بعده، أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، وأشهد أن سيدنا محمداً عبد الله ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فيا أيها الإخوة! رغم مظاهر القساوة والعتاوة التي توحي بها مشاهد الحاضر المهزوم، والمستقبل الغامض المأزوم، ورغم تكدُّس معالم الفشل في كثيرٍ من الأنحاء، وفي ظل الانحراف الفكري المنهزم رغم كل هذا فإن المسلم المتعلق بربه، المؤمن بوعيده ووعده، والمتبصر بالسنن ونواميس الكون، يرى من وراء ذلك كله فتحاً قريباً، وليس هذا تحدثاً من سياسة قاصرة، ولا من منطق وهمٍ زائل، ولا هو من معطيات واقع مرير، ولكنها روح الأمل الدافع، والفأل الدافق الذي تغرسه في أهل الإسلام حقائق الوحي، وهداية النبوة المحمدية الخاتمة، وشواهد التاريخ فلن تضيع بإذن الله قدسنا، ولا فلسطيننا، ولن تضيع قضايانا، ولن تضيع قضايا وراءها مسلمون مؤمنون. إن القرآن الكريم والسنة المطهرة والتاريخ المحفوظ، يحدثوننا وينبئوننا أن أمة الإسلام أمةٌ متجددة وعودة، كالغيث لا يدرى الخير في أولِّه أو في آخره، إنها أمة غير منقطعة بل متصلة مستمرة بإذن الله إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها يقول ﷺ : ﴿لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله ﵎﴾ فلا تضعف في جانب إلا وتقوى في جانب، ولا تنهزم في ناحية إلا وتنتصر في أخرى، واستقراء التاريخ يؤيد ذلك؛ من خلافة الراشدة، ثم دولة أموية وعباسية، وبعدها دول، من بعدها دول والهجوم على ديار الإسلام، ويقيض الله له من يرده على أعقابه من التتار والصليبيين، وظهر الغزنويون في الهند وأفغانستان، واستعصت القسطنطينية على الأمويين، ولكنها فتحت للعثمانيين بعدما يزيد على سبعة قرون، فتحققت بشارة نبينا محمدٍ صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وحينما خرج المسلمون من الأندلس كان الإسلام قد توغل في أقطار أفريقيا، وشرق أوروبا، وفي جنوب شرق آسيا، وفي جزر أندونيسيا. عباد الله: هذا هو التاريخ، وهذه دروسه، وتلك هي سنن الله في الغابرين والحاضرين، فأبشروا وأملوا، وبدينكم فاستمسكوا، وربكم غالبٌ على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون. ثم صلوا وسلموا على نبي الرحمة والملحمة، فقد أمركم بذلك ربكم، فقال عزَّ قائل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وارض اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين؛ أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وجودك وإحسانك يا أكرم الأكرمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، واحم حوزة الدين، ودمر أعداء الملة وجميع أعداء الدين، اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك الصالحين. اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأيد بالحق إمامنا وولي أمرنا، ووفقه لما تحب وترضى، وخذ بناصيته للبر والتقوى، وارزقه البطانة الصالحة التي تدله على الخير وتعينه عليه، واجمع به كلمة المسلمين على الحق يا رب العالمين! اللهم وفق ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك وبسنة نبيك محمدٍ ﷺ ، واجعلهم رحمة لرعاياهم، واجمعهم على الحق يا رب العالمين! اللهم انصر إخواننا المجاهدين الذين يجاهدون في سبيلك لإعلاء كلمتك وإعزاز دينك، اللهم انصرهم في فلسطين وفي كشمير وفي كل مكان يا قوي يا عزيز، اللهم واجعل الدائرة على أعدائهم، يا قوي يا عزيز! رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.

стр. 176

نظرات في الوقف الوقف صورة من صور الإحسان الكبرى، وقد كان للوقف أهمية عظمى في حياة الصحابة رضوان الله عليهم، وقد كان الصحابة يوقفون أحب الأموال إليهم، والأوقاف لا تقتصر على سد حاجة الفقراء والمساكين والأرامل والأيتام فقط، بل يتعدى الوقف إلى بناء المساجد والمستشفيات والمشاريع الإنمائية، وكفالة طلاب العلم. ويجب على من أراد أن يوقف مالاً في سبيل الله أن يحذر أن يوقف شيئاً لأمور لا ترضي الله جلَّ وعلا، وعلى من تولوا أمور الوقف أن يتقوا الله، ويحفظوا الأمانة المنوطة بأعناقهم.

стр. 177

الوقف صورة كبرى من صور البر والإحسان الحمد لله، الحمد لله على عظيم بره وجزيل إحسانه، أحمده -سبحانه- حمداً يليق بكماله وجلاله وسلطانه، وأشكره على فضله وجوده وامتنانه، شكراً لا يحصيه متحدثٌ بلسانه، ولا بليغٌ ببيانه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً تبلغ الفردوس من جِنانه، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله الداعي إلى سبيل الله ورضوانه، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأنصاره وأعوانه، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. أما بعد: فأوصيكم -أيها الناس- ونفسي بتقوى الله ، فاتقوا الله -رحمكم الله- فتقواه سبحانه هي الذُّخر الباقي، والدرع الواقي، من اتقى الله وقاه، ومن اعتمد عليه كفاه، ومن لاذ به حفظه وحماه. أيها المسلمون: الإسلام دين الكمال والشمول، كمال وشمول يُساير متطلبات الفرد، وحاجات الأمة، ويُحقق العزة والكرامة لأهل الإسلام في دارهم الدنيا والآخرة، دينُ حقٍّ جاء بكل ما يُوثِّق عُرى التواصل بين المسلمين، ويقوِّي آواصر التكافل بين المؤمنين، حوى كل سُبل الخير، وشمل جميع أنواع البر: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة:٢]. لكي يتجسد هذا التعاون، وتتجلى صور البر والتكامل، فليتأمل المتأمل! فيما وضع الله في الناس من مواهب وقدرات، لقد قسَّم سبحانه بينهم تلك المواهب والقدرات: ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف:٣٢]. الناس بحكمة الله ورحمته وعدله يختلفون في مواهبهم وطاقاتهم وعقولهم وجهودهم وهِمَمهم وأعمالهم، منهم من يفتح الله على يديه: ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٣] يوسع عليه رزقه، ويبسط له في ماله، وفئات أخرى قد قُدِّر عليها رزقُها، وقلَّت مواردها، إما لنقصٍ في قُدراتها، وإما لعجزٍ في مدركاتها، وإما لإعاقاتٍ في أبدانها، فيها الصِّغار والقُصَّار، وفيها أصحاب العاهات والإعاقات، لا يقدرون على مباشرة حرف، ولا يحسنون صنائع. إن التكافل في أجلى صوره، والتعاون في أوضح معانيه، يتجلَّى في رعاية أحوال أصحاب هذه الفئات العاجزة، والقدرات القاصرة، في أبدانها وعقولها عاجزة عن تحصيل المال، غير قادرة على موارد الكسب، إنَّ لهذه الفئات نصيباً في أيدي قادرين، وحقاً في هذه الأموال المتكاثرة والثروات المتنامية. وإن الإحسان في الإسلام واسع الأبواب، متعدد الطرق، متنوع المسالك: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٧٧]. أيها الإخوة: وهذه وقفة مع صورة كُبرى من صور البر والإحسان في الإسلام، صُورة تُغطِّي جانباً من جوانب التكافل، وتُعالج معالجةً حقيقةً كثيراً من حاجات المجتمع واحتياجاته. صورة تبرز ما للمال من وظيفةٍ اجتماعية تحقق الحياة الكريمة، وتدفع وطأة الحاجة، وينعم المجتمع كله بنعمة الأُخوة الرحيمة، والألفة الكريمة. صورة يجد فيها العاجز المحتاج في مجتمعه مَن يُشاطره آلامَه وهمومَه، ويفرج عنه أحزانَه وغمومَه. تلكم هي -أيها الإخوة-: الأوقاف والأحباس. الأوقاف تبرز التعاون بنوعَيه، وتجسد التكافل بمسلكَيه: ١ - التعاون بين عموم المسلمين. ٢ - والتكافل بين الأسر والأقارب. الوقف من أفضل الصدقات، وأجلَّ الأعمال، وأبرَّ الإنفاق، وكلما كان الوقف أقرب إلى رضوان الله، وأنفع لعباد الله، كان أكثر بركة وأعظم أجراً. الوقف في الدنيا بر الأصحاب والأقارب، وفي الآخرة تحصيل الثواب وطلب الزلفى من رب الأرباب . الوقف انتفاع دارٌّ متواصل على طبقات المحتاجين، من الأقربين والأبعدين، من الأحياء والميتين إنه عمل صالح، ومسلك رابح. الأوقاف تُجسِّد مسئولية القادرين على القيام بمسئولياتهم: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص:٧٧] إحسانٌ بالقول والمال والعمل. في الوقف ضمانٌ لحفظ المال، ودوام الانتفاع به، وتحقيق الاستفادة منه مُدَداً طويلة، وآماداً بعيدة.

стр. 178

حرص الصحابة على وقف أموالهم قربة إلى الله من أيام الإسلام الأولى بادر أصحاب رسول الله ﷺ في وقف نفيس أموالهم، وتحبيس عزيز دُورِهم وعقارهم.

стр. 179

عمر بن الخطاب يوقف أنفس مالٍ له هاهو عمر بن الخطاب ﵁ يستأذن رسول الله ﷺ في طرق الخير ووجوه البر قائلاً: ﴿يا رسول الله! إني أصبتُ مالاً بـ خيبر، لم أُصِبْ مالاً أنفس عندي منه، فما تأمرني؟ فقال ﵊: إن شئت حبَّسْتَ أصلها وتصدَّقت بها، غير ألا يُباع أصلُها ولا يُوهَب ولا يرد، فتصدق بها عمر في الفقراء، وفي القربى، وفي الرقاب، وفي سبيل الله، وابن السبيل، والضعيف، لا جناح على من وَلِيَها أن يأكل منها بالمعروف، أو يُطْعِم صديقاً غير متمول فيه﴾ متفق عليه.

стр. 180

أبو طلحة ينفق أحب ماله على أقاربه وهذا أبو طلحة ﵁ كان أكثر أنصاريِّي المدينة مالاً من نخل، وكان أحب ماله إليه بَيْرُحاء، مستقبلة المسجد، وكان النبي صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب، قال أنس بن مالك ﵁: ﴿لما نزل قوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران:٩٢] قام أبو طلحة فقال: يا رسول الله! إن الله يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران:٩٢] وإن أحب أموالي إليَّ بَيْرُحاء، وإنها صدقة لله، أرجو برها وذخرها عنده، فضعها حيث أراك الله، فقال رسول الله ﷺ : بَخٍ بَخٍ، ذاك مال رابح -أو رائح- وقد سمعتُ ما قلتَ، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين، قال أبو طلحة: أفعل ذلك يا رسول الله؟ فقَسَّمَها أبو طلحة في أقاربه وفي بني عمه﴾. ووقف أبو بكر ﵁ رِباعاً له بـ مكة على الفقراء، والمساكين، وفي سبيل الله، وذوي الرحم القريب والبعيد. ووقف عثمان، وعلي، والزبير ﵃ أجمعين. ووقف من أمهات المؤمنين: عائشة، وأم سلمة، وصفية، وأم حبيبة ﵅. وخالد ﵁ احتبس أدْرُعَه وعتاده في سبيل الله. يقول جابر ﵁: [[ما بقي أحد من أصحاب رسول الله ﷺ له مقدرة إلا وقف]]. ويقول الإمام الشافعي ﵀: "لقد حفظنا الصدقات من كثير من المهاجرين والأنصار، لقد حَكَى لي عدد كثير من أولادهم وأهليهم أنهم لم يزالوا يلُون صدقاتهم حتى ماتوا، ينقل العامة منهم عن العامة، لا يختلفون فيه". وسار من بعدهم الأغنياء والموسرون من المسلمين، فأوقفوا الأوقاف، وأشادوا الصروح، بنوا المساجد، وأنشئوا المدارس، وأقاموا الأربطة.
следующие страницы →