← Джавами‘

Джавами‘ · id 7735

دروس للشيخ صالح بن حميد

صالح بن حميد

Полный текст (918 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الوقف الوقف كذلك هو أمرٌ جلي، وحقه أن يفرد -حقيقةً- بحديث؛ لأنه يمثل مرحلة من تطور الأمة؛ لكن مع الأسف الأمة أضاعت أوقافها، وأضاعت كثيراً من حالها، فلو أن الأوقاف عادت إليها وظيفتها، فإن الأمر سوف يختلف كثيراً، وسوف تجد كثيراً من الذين يحتاجون إلى رعاية يمكن أن يُرْعَوا من غير أن تتطلع أيديهم إلى ما في أيدي الناس، أو ما في أيدي الأثرياء، حتى إن بيت المال يخف كثيراً من أحماله لو أن نظام الوقف أقيم على وجهه، مع أني أعرف -كما تعرف الصحف وغيرها- أن الوزارة لها توجه محمودٌ في محاولة الاستفادة من الوقف. فيمثِّل الوقف في تاريخ الأمة ركنا قوياً في الرعاية الاجتماعية، لما يتضمنه من شروط الواقفين، لصرف غلة الوقف على العجزة والأرامل والمساكين وذوي الحاجات؛ بل حتى على طلبة العلم وإحياء العلم ورسالته ووظائفه، والأوقاف العامة والخاصة مفوضةٌ إلى القضاة، فإن خص الإمام بها من يصلح لها وفوضَّها إليه، صح ذلك، وليست دائماً مفوضة للأئمة؛ فإذا كان الواقف -كما تعلمون- وضع ناظراً، فإن كان عدلاً، فإنه يتعين عملاً بشرط الواقف كما هو معروف. والأوقاف واسعة في ميادينها، فنهاك أوقاف مساجد، وأوقاف أربطة، وأوقاف مدارس، ونزل مسافرين، وأشياء كثيرة.

стр. 72

المنظور المعاصر للرعاية الاجتماعية نأتي الآن إلى الرعاية الاجتماعية في المنظور المعاصر:- قبل الحديث عن العصر الحاضر يحسن أن ننبه إلى متغيرات لا بد من ملاحظتها مع العصر الحاضر. لقد حدث في الوقت الحاضر ونتيجة للانقلاب الصناعي الذي لم يعد مقتصراً على الدول الصناعية، بل تعداه للدول النامية، حدث تغير أدى إلى تخلخل التركيبة الاجتماعية، وطبيعة العلاقات الاجتماعية والأسرية. ومن مظاهر ذلك: أولاً: تحول السكان من الأرياف والقرى والبوادي إلى المدن مما أضعف دور الجماعات الأولية، كالأسرة والأقرباء والجيران وأهل الخير. ثانياً: حلت مؤسساتٌ مجتمعيةٌ في المناطق الحضرية محل الأسرة وأهل الخير في أداء كثيرٍ من وظائفها حتى التعليم والصحة، وقد كانت في السابق هي مسئوليات أسرية خالصة. ثالثاً: قلَّ إسهام الأطفال وكبار السن في الحياة الأسرية في المناطق الحضرية بعد أن كان إسهامهم رئيسياً في الزراعة والرعي، بل وفي كل مناشط الحياة. رابعاً: ضعف أثر الدين أن الذي كان يحكم العلاقات الاجتماعية من الحياة الزوجية والأقربين والأرحام مما أدى إلى تفككٍ ملحوظ، بل لقد كانت الأسرة في السابق تضم ثلاثة أجيالٍ تحت سقفٍ واحد مع الأقرباء والخدم وغيرهم، وهذا الضعف بالتالي أدى إلى التقليل من مقدرة الأسرة على رعاية المسنين والمعاقين وأصحاب القوى الضعيفة والناقصة. خامساً: التقلبات الاجتماعية والجغرافية والوظيفية -بل والحياة الشخصية- في المدن أضعفت من روابط الجيرة، وكذلك المهن الحرفية التي كانت قوية في العهود السابقة تلاشت؛ لأنه جاء عصر الآلة. سادساً: عصر الآلة الحاضر أدى إلى تعطل كثيرٍ من الحرف والمهن، مما يترتب عليه فائضٌ في العمالة يفوق باستمرار فرص العمل المتاحة مع تدني الأجور وشروط العمل الثقيلة وعدم مسايرة المهارات للتطور التقني المذهل. هذه المتغيرات جعلت من الملاحظ أن برامج الرعاية الاجتماعية تختلف في مداها وممارستها وتنظيمها من بلد إلى بلد، ومن فترة إلى فترة، بل إنها قد تختلف حسب الظروف وطبيعة الأخطار، والتقلبات في الأقاليم والمناطق مناخياً واقتصادياً ونوع الحرف والمهن، حتى قالوا: إن إصابات العمل في البلدان الصناعية أكثر منها في غيرها. بعد هذا التمهيد والمتغيرات نأتي إلى الاتجاهات في وظيفة الرعاية الاجتماعية في المنظور المعاصر:- أي: المنظور المعاصر ما هي نظرته إلى الرعاية الاجتماعية؟ هل هي وظيفة الدولة؟ أو وظيفة القطاع الخاص؟ أو وظيفة الأسرة؟ إلخ. هناك اتجاهان جليان وكبيران، ولكلٍّ وجهته، فالباحثون والكاتبون في الرعاية الاجتماعية لهم اتجاهان في النظر إلى الرعاية الاجتماعية ودورها الوظيفي في المجتمع.

стр. 73

الاتجاه الأول: الوظيفة الاستثنائية يرى أصحاب هذا الاتجاه أن الرعاية الاجتماعية وظيفتها استثنائية، أي: مؤقتة، وأصحاب هذا الاتجاه يرون أن الرعاية الاجتماعية هي وضعٌ استثنائي، ينبغي أن يقتصر دور الدولة فيه في النطاق الضيق، فدور الدولة في الرعاية -عند أصحاب هذا الاتجاه- يجب أن يبقى محدوداً، قالوا: إن الدولة أهدرت كثيراً من الموارد في برامج رعاية اجتماعية غير ضرورية، ولا تمثل أسبقية هامة، قالوا: وتدخل الدولة الواسع في هذا المجال يسهم في تطوير الاتجاهات الاستهلاكية التي تعتمد على موارد الدولة وإمكانياتها، وتنفق بصورة غير مُرَشَّدة، فالدولة يجب ألا تتوغل في وظائف ومسئوليات يمكن أداؤها بصورة أفضل بواسطة الأسرة والجمعيات التطوعية والمؤسسات الدينية والخاصة. قالوا: وإذا تدخلت الدولة فيجب أن يقتصر تدخلها على حالات الحرمان القصوى في الظروف الاستثنائية، عندما تعجز القناتان الطبيعيتان وهي الأسرة وسوق العمل، إذ هاتان المؤسستان هما الجهة المفضلة لإمداد الفرد باحتياجاته في الظروف العادية. وخلاصة هذا الاتجاه: أن أجهزة الرعاية الاجتماعية التي تقدمها الدولة يجب أن يكون دوراً مؤقتاً، ووفقاً لهذا المفهوم للرعاية الاستثنائية والمؤقتة، فإن الرعاية الاجتماعية يجب ألا تصبح جزءاً روتينياً من البرامج الحكومية، وإنما يجب أن يُنْظَر إليها على أساس أنها عملية برٍ وإحسان وصدقة، حتى لا يستمرئُها المحتاج ويتكئُ عليها.

стр. 74

الاتجاه الثاني: المؤسسية الدائمة يرى أصحاب هذا الاتجاه أن الرعاية الاجتماعية مؤسسية دائمة، ومعنى ذلك أن الدولة هي خير مقدمٍ للرعاية الاجتماعية التي تشمل التعليم والعمل والصحة والإسكان وتأمين الدخل، بناءً على أن كل ذلك حقٌ للمواطن، ليس فيه منة ولا صدقة، كما أنها -على حسب رأيهم هذا- ليست خاصة بالحالات غير السوية أو الأشخاص غير الطبيعيين في قواهم، وعليه فإن الرعاية الاجتماعية وضعٌ مناسبٌ ووظيفةٌ مشروعة من وظائف المجتمع لمساعدة الأفراد لتحقيق ذاتيتهم، ولعل هذا ينسجم مع التعريف الذي أشرنا إليه في أول الحديث. فالرعاية الاجتماعية بمعناها الشامل تهدف إلى توفير الخدمات التي تشبع الاحتياجات الأساسية لكل المواطنين، ويُلْحظ أن هذين الاتجاهين برزا نتيجة المجتمع الصناعي وتعقيداته، والتي أصبحت حقائق معترفاً بها، لعدم قدرة الفرد على تلبية أو إشباع كل احتياجاته بالاعتماد على نفسه أو على أسرته أو على سوق العمل، فأصبحت حقيقة واقعية، ومن هنا برزت المؤسسات التي تساعد الفرد على تحقيق وضعيته الاجتماعية العادية بصورةٍ دائمة وكافية. إذاً هذان هما الاتجاهان، ولعلنا نشير -بعد الحديث عن هذا إلى السعودية والرعاية الاجتماعية- إلى رأيٍ وسطٍ في هذا إن شاء الله.

стр. 75

السعودية والرعاية الاجتماعية من غير المنكور توجه هذه البلاد وهي الحاكمة بشرع الله إلى السير على هدي رسوله محمدٍ ﷺ حين أنشأت دُور الرعاية الاجتماعية، ووضعت نظماً تحفظ لهؤلاء حقوقهم، وتعترف بجميلهم، وتقدر لهم خبرتهم كأنظمة التقاعد والضمان الاجتماعي، وإن كنا نؤكد أنها أنظمة تحتاج إلى إعادة نظر وتطوير، كشأن أي نظام تمر عليه فترة من الزمن. وإذا رجعنا إلى هذه الأنظمة -التقاعد والتأمين، والضمان الاجتماعي- نلاحظ أنها تهتم بجانبٍ، وهو جانب الحاجة أو الإشباع المادي إن صح التعبير، ولكن النظرة التطورية التي أشرتُ إليها أيضاً تستدعي المتأمل والمهتم أن يعيد النظر في هؤلاء الكبار ليدرك أنهم -وبفضل الله أولاً، ثم بفضل التطور الصحي التي تشهده البلاد- أصبح أحدهم يعيش فترة طويلة من حياته، وهو يتمتع بصحة جيدة، وبقوى بدنية ممتازة. إذاً: هو يحتاج إلى رعاية من نوع آخر، فهو ليس بحاجة إلى نوع من الخدمات السابقة، وإنما هو محتاجٌ إلى رعاية تنتشله من عزلته، وتشعره بكيانه، وتعترف له بسابق فضله، وتؤمن ببقاء الحاجة إليه. وهذا نوع متطور من الرعاية، فهي رعاية تهتم به في نواحيه النفسية والشخصية، تمنعه من الوحدة والانعزال، وتملأ عليه وقته بطريقة علمية مفيدة من غير إحساسٍ بشفقة خاصة أو استضعافٍ أو مِنَّة. وإن العمل الخيري مما يتجسد شامخاً في هذه البلاد وأهلها وقيادتها بفضل الله ومَنِّه.

стр. 76

تشجيع العمل الخيري في بلاد الحرمين إنها تشجع كل متوجهٍ إلى الخير ومبتغٍ للفضل وتعينه في تذليل ما تواجهه من عقبات، والجمعيات الخيرية في بلادنا لا تكاد تقع تحت حصرٍ في المدن والقرى والأرياف، وكل ذلك مضبوط بضوابط الشرع، محكومٌ بأصوله وقواعده، وما أشرتُ إليه من إسهاماتٍ قبل قليل في دور الخلفاء كان فيه تنبيه إلى بعض ما تقوم به قيادتنا في هذا المجال.

стр. 77

السعودية تنشئ عدة مراكز للرعاية الاجتماعية أقول: وقد يحسن الربط بين ما يتوجه إليه العالم اليوم من الحديث عن خصخصة المؤسسات، والمرافق التي تتبع الدولة لجعل إدارتها بأيدي القطاع الخاص، وبين ما تحدثنا عنه فيما سبق من دور الخلفاء والأمراء وهو الذي قلت لكم: إنه قد يكون جمعاً بين الاتجاهين: اتجاه القاعدة الاستثنائية، واتجاه القاعدة الدائمية. هذا الربط بين ما تحدثنا عنه فيما سبق من دور الخلفاء والأمراء وأهل الثراء في رعاية بعض هذه المرافق، وبين الاتجاهين اللذين ذكرناهما في وظيفة الرعاية الاجتماعية، فالذي يبدو في نظر محدثكم أن بروز هذه المراكز كالمركز الذي نحن فيه، مركز الأمير سلمان الاجتماعي، فالذي يبدو في نظر محدثكم أن بروز هذه المراكز هو نوعٌ من الخصخصة أو هو نوعٌ من المرتبة الوسطى بين تدخل الدولة الكامل وبين انفراد القطاع الخاص بهذه المراكز والمؤسسات الخدمية الاجتماعية، وعلى أي نحوٍ كان التوجه أو الترجيح، فإن هذه المراكز بهذه الصفة تمثل صورة ناجحة في أداء الرعاية الاجتماعية لوظيفتها على ما سنرى متجسداً في خاتمة حديثنا عن مركز الأمير سلمان الذي نحن في رحابه هذه الليلة. وتوجه الدولة في الخصخصة توجهٌ قوي جداً، ويتبناه سمو الأمير نايف باعتباره رئيساً لمجلس القوى العاملة، وهو متابع متابعة كبيرة جداً، خاصة للندوة التي أقيمت العام الماضي، وكان لها توصيات، وأيضاً هذا العام -كما تعلمون- تابع توصياتها، حتى إنه قال: إن الوطن ليس هو المصلحة الاقتصادية وحدها، ولكنه باختصار هو الحياة.

стр. 78

نبذة عن مركز الأمير سلمان الاجتماعي نأتي في نهاية حديثنا ولقائنا، لأتحدث عن مركز الأمير سلمان الاجتماعي. فهذا المركز ينتسب إلى شخصية في بلادنا مرموقة، لها بصماتها التي لا تمحى، وبخاصة في حاضرة البلاد وعاصمتها رياضنا النضرة، ومن غير المبالغ فيه أن نقول: إنها لم تكن لتصبح بهذه النضارة لولا توفيق الله أولاً ثم هذا العمل الدءوب المتميز الذي يوليه سموه لها ولأهلها وأبنائها والوافدين إليها من أنحاء المملكة وخارجها. إن هذا المركز يمثل منتدىً ثقافياً اجتماعياً صحياً وظيفياً مهنياً، ولعل ما رُسم للمركز من أهدافٍ طموحةٍ تلبي طموحات الأمير من تقديم الرعاية المفتوحة لكل مرتاديه، حيث يجدون فيه ما يشغل الوقت، ويبهج النفس من برامج هادفة ومناشط متنوعة، تتناسب مع الظروف والإمكانات في مناخٍ اجتماعيٍ تسوده روح المودة والاحترام مع جو التعاطف والمرحمة، في مركز متكامل المرافق من الأنشطة الثقافية والرعاية الاجتماعية بشتى مجالاتها صحيةًَ وغذائيةً وترويحية. إنه مركزٌ يستفيد ويفيد، يستفيد من ذوي الخبرة والتجربة ممن يرغبون في تقديم خدماتهم وشغل أوقاتهم بأسلوبٍ علمي، كما أن من طبيعة إنشائه فتحه أبوابه لإسهام كل مختصٍ، حيث يتيح جو المشاركة في العلاقات الاجتماعية من أجل اكتساب المزيد من المعرفة وتنمية القدرات وكسب المهارات، ولعل من أهم مهام المركز تهيئة كل منتمٍ إليه ليدرك متغيرات المجتمع وتعاقب الأجيال، لتبقى الجماعات بكل فئاتها محتفظة بتواصلها الاجتماعي والأسري. إنه مركزٌ يتيح جو المشاركة في العلاقات الاجتماعية والمناسبات المتعددة من أجل اكتساب المزيد من المعرفة وتنمية القدرات وكسب المهارات. هذا ما تيسر تدوينه، وأرجو ألا أكون أطلت عليكم، وأسأل الله أن يوفقنا جميعاً لما يحبه ويرضاه. والموضوع ثَرِيٌّ وثَرٌّ، ويحتاج إلى مزيد من البسط والكتابة أيضاً وبنوع من العمل الموسوعي أو الفهرسي وبخاصة فيما يتعلق بحصر صور الرعاية الاجتماعية في تاريخ أمتنا من خلال طبيعة وظائف الأوقاف، ومن خلال المدارس، ومن خلال الأربطة، ومن خلال النُّزُل، فلو أن الإنسان درسها ودرس شروط الواقفين وشَرَط أيضاً توجيهات الولاة فيها -كما أشرنا إلى ذلك- وكذلك الفقهاء وتوجيهات العلماء -كما أشرنا في كلام بدر الدين بن جماعة - فإن هذا سوف يعيد لنا أولاً ثقتنا بأمتنا وبأنفسنا ويعلم أن ما جاء به المعاصرون ما هو إلا بناء على ما سبقهم من أمم وبخاصة أمتنا، كما أشار المستشرق في كلامه الذي استشهدنا به. وأقول هذا القول، وصلى الله على محمدٍ وآله وصحبه وسلم.

стр. 79

الأسئلة .

стр. 80

حكم التأمين الاجتماعي والتأمين التجاري وغيرهما السؤال فضيلة الشيخ: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ما حكم التأمين الاجتماعي؟ وما يُقْصَد به؟ وما حكم التأمين على السيارات أفتونا مأجورين. الجواب أنا ليس عندي تصورٌ كامل عن بعض صوره، هناك من الصور ما هو ليس بجائز قطعاً، كالتأمين على الحياة، والتأمين التجاري، هذا لاحَظوا حرمتَه، وأفتى فيه علماؤنا، ومجامع الفقه أفتت بحرمة التأمين التجاري، وكذلك التأمين على الحياة. لكن هناك صور من التأمين، كالتأمين التعاوني، بمعنى: أن تجتمع مجموعة، سواء أكانت باسم شركة أو باسم آخر، بحيث تدفع مبالغ إسهاماً منها، وهذا المبلغ لا مانع أن يُتاجَر به، بمعنى أن يُنَمَّى بحيث أن هؤلاء المشاركين إذا احتاجوا أو أصابتهم نكبات يأخذون من هذا الصندوق؛ لكنهم يدفعون نصيبهم على شكل تبرع، لا يُقصَد من ورائه التجارة، ولا يُقصَد من ورائه تنمية هذا السهم أو تنمية هذا النصيب الذي أسهم به صاحبه. كذلك -أيضاً والأمر يحتاج إلى مزيد من البحث- فيما يتعلق بالتأمين الصحي ونحوه، رأيتُ كلاماً جميلاً لمتقدمين وبخاصة أن التأمين الصحي إذا كان أيضاً من جهة بيت المال أو كان أيضاً من حيث الغرامة التي تترتب على المقصر في طبيبٍ ونحو ذلك، فهذا أيضاً فيه إشارات علمائنا بما يفيد الجواز، ولكني لا أجزم بذلك، والأمر يحتاج إلى مزيد نَظَر.

стр. 81

كتب في الرعاية الاجتماعية السؤال ما هو أفضل مؤلَّف تنصح بقراءته في مجال الرعاية الاجتماعية؟ الجواب فيما يتعلق بالرعاية الاجتماعية يبدو لي أن الموضوع ما زال جديداً، بمعنى أن الرعاية الاجتماعية تحتاج إلى كتابة من منظور إسلامي إن صح التعبير، وهناك كتب يمكن أن تكون مصدراً لها: فهناك كتاب جميل اسمه: تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام، لـ بدر الدين بن جماعة، وهو جميلٌ جداً في هذا الباب. ويوجد كتاب: غياث الأمم، للإمام الجويني، فيه كلام جميل. كذلك كتب الأحكام السلطانية، تتكلم كلاماً جميلاً في هذا الباب، وتشير إلى حقوق هؤلاء الضعاف والعجزة واليتامى والأرامل وأبناء السبيل في إشاراتٍ جميلة جداً، لكن الموضوع لا يزال محتاجاً إلى كتابة بمنظور جديد من حيث التنظيم والتبويب، وإن كان التأصيل موجوداً. كذلك كتاب التنظيم الإسلامي للمجتمع للشيخ محمد أبي زهرة لا بأس به. وهناك كتب في الخدمة الاجتماعية؛ لكنها ليست من منظور إسلامي، وإن كانت لا غبار عليها، لكنها تبحث في منظور معاصر بحت، ككتاب الخدمة الاجتماعية لـ محمود حسن، والخدمة الاجتماعية لـ صلاح الدين علي، والرعاية الاجتماعية وأثرها على مداخل الخدمة الاجتماعية المعاصرة للدكتور مختار عجوبة، وهذه كتب يمكن أن يستفاد منها.

стр. 82

سؤال عن الجمعيات وأين دورها الفعال السؤال يقول السائل: جمعيات البر منتشرة، ولها موارد ضخمة، وأثرها محدود، هل من نظرة أخرى لتنظيمها والاستفادة منها بشكلٍ أفضل؟ الجواب والله لست أدري، ليس عندي -الحقيقة- معلومات دقيقة في هذا الباب، لا أدري من أتيت بحكمك هذا؛ وأهل هذه البلاد يحبون الإسهام كثيراً في أمور الخير، وبخاصة إذا وثقوا بالقائمين عليه، وهم -والحمد لله- ثقات، والجمعيات -والحمد لله- تحظى بكثيرٍ من التأييد من القادرين والمستطيعين والموسرين، وأيضاً القائمون على الجمعيات فيما أعلم أخيار، وحريصون جداً على أن يصرفوا ما يردهم من أموال في وجوهها، وفيما نعلم أنها محكومة بأنظمة سواء مصادق عليها من جهة وزارة العمل والشئون الاجتماعية، وهي دقيقة جداً في هذا، ومحكومة بضوابط وقوائم إلخ. وحتى الإدارة فهي حديثة؛ لكن أحياناً قد يمكن النظر إلى حدٍ ما: تباطؤ وصول الإعانات أحياناً، فقد يكون هناك مزيد تحر، هذه قد تحتاج فعلاً إلى أن يُقضَى على شيء من الروتين، ويُقضَى على شيء من هذه الأشياء، وإن كان دافعها خير وتحرٍ وحرص على براءة الذمة؛ ولكن ينبغي أيضاً لهذا الحرص أن يصحبه حرصٌ على هؤلاء الذين ينتظرون هذا المدد من هذه الجمعيات، وبخاصة فيما يتعلق بالجمعيات التي تعين على المساعدة في الزواج.

стр. 83

أسئلة تختص بمركز الأمير سلمان الاجتماعي السؤال ثلاثة أسئلة في سؤال: السؤال الأول: فضيلة الشيخ: بودي أن تشير إلى مجالات الدعوة إلى الله في هذا المركز؟ السؤال الثاني يقول: ما رأي فضيلتكم في القسم النسائي في هذا المركز؟ هل هو من أبواب الخير أم من أبواب الشر التي فتحت على المسلمين في هذا العصر؟ السؤال الثالث: هل يجوز للمرأة أن تمارس الألعاب الرياضية؛ لأنه يوجد قسم في هذا المكان مخصص للنساء لممارسة الرياضة؟ فما هي ضوابط هذا العمل؟ الجواب كلها تحتاج إلى تفصيل. أما مجال الدعوة إلى الله فلا شك أنه حقٌ، وأظنه -إن شاء الله- في ذهن القائمين على هذا المركز، وبخاصة أيضاً إذا عرفنا أن الدعوة إلى الله ميادينها واسعة، حينما يأتي المنتسب إلى هذا المركز، ويعلم أن قواعد المركز ملتزمة بالشرع، ويأتي هو ملتزماً بالشرع في أداء أنشطته وممارسة أنشطته، فهذا نوعٌ من الدعوة، بمعنى: أنه لا ينتسب إلى هذه المراكز إلا من يحافظ على شعائر هذا الدين، سواء أكانت بإقامة الصلوات أو بالالتزام بالأمور الشرعية فيما يتعلق بكشف عورات أو السباحة إلخ، والسباحة إذا كانت بنية صالحة: فهي عبادة، وقد قال عمر ﵁: [[علموا أولادكم الرماية والسباحة وركوب الخيل]] مثلاً إذا دخل بقصد: إعداد القوة، لقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال:٦٠] ويبدو لي أنه يحسن أن تمتلئ ردهات المركز بكتابة هذه الآيات وهذه الأحاديث التي إذا دخل المشارك بنية تطبيقها، كان دخوله نوعاً من الدعوة إلى الله ، كإصلاح النفس. فالدعوة ميدانها واسع، وإن كنتُ أقول: قد لا يلزم أن يكون النشاط الذي يقوم به هذا المركز نفس النشاط الذي يقوم به جهاز متخصص بالدعوة كوزارة الدعوة والشئون الإسلامية مثلاً أو وزارة الأوقاف والدعوة والإرشاد، بل يمكن أن تكون الدعوة من خلال طبيعة النشاط، ما دام المنتسبون سينضبطون بضوابط الشرع، وليذكر المنتسبون بهذه النصوص الشرعية وبهذه الضوابط الشرعية، فيبدو لي أن هذا قدرٌ كبيرٌ جداً في المساعدة على الالتزام والانضباط الشرعي. عموماً القسم النسائي أيضاً ينطبق عليه ذلك إذا كان ملتزماً ومنضبطاً. ولا شك أنه قسم حساس، ومع الأسف أنه قد يأتي أناسٌ مغرضون يسيئون، وأرجو أن يكون عند المسئولين -وظننا حسن جداً بهم- الحس المرهف؛ بحيث يكون الداخل إلى المركز ملتزماً بضوابط هذا المركز القائم على الضوابط الشرعية التي هي دستور هذه البلاد وقانونها. ومن هنا أرجو مخلصاً ألا نسمع عن المنتسبات لهذا المركز -سواء أكُنَّ من الإداريات والقائمات عليه إدارياً أو المنتسبات ممن يمارسن الأنشطة- أرجو ألا نسمع إلا ما يسر، وما يعكس أخلاق النساء في هذه البلاد، فنحن مسلمون، ولا عز لنا إلا بالإسلام، ولا قيمة لنا إلا بالإسلام، ونرفض أي مبدأ أو أي دعوة مهما كانت هذه الدعوة، ومهما كان غلافها، فالذي أرجوه مخلصاً أن يكون من ذات المركز رقيبٌ؛ حتى يكون منضوياً تحت هذه المظلة التي نعيش في أمنها وأمانها ورخائها وتحت رايتها لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله ﷺ .

стр. 84

حكم أخذ الآباء إلى دور العجزة السؤال بعض الناس -هدانا الله وإياهم- إذا عجز أحد أقاربه أو أصابه خلل في المخ، قام بوضعه في دور المسنين والعجزة مع استطاعته القيام به ورعايته، وقد يكون أحد والديه، أليس هذا مخالفاً لقول الله : ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً﴾ [الإسراء:٢٣] ولقول النبي ﷺ : ﴿رغم أنفُ﴾ إلى آخر الحديث؟ الجواب لا شك أن هذا -مع الأسف- من الأمور التي يندى لها الجبين، لأن الله في قوله سبحانه: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً﴾ [الإسراء:٢٣] والكبر هنا مطلق، فالكبر يصل إلى ما قبل الوفاة؛ لأنه لو كان قوياً سليم القوى، فما لك منه؟! ولو كان يخدم نفسه فأين البر؟! فإذا كانت كلمة (أُف) منهياً عنها، فما بالك بما هو أشد منها؟! فلا شك أن الأمر خطير، اللهم إلا إذا كان شيئاً لا تستطيعه كما لو كان رعاية صحية، فإذا كان رعاية صحية كأن يحتاج إلى علاج أو يحتاج إلى تنويم في المستشفى، فهذه أمور أخرى ولا شك، وأحياناً قد يكون أحد الوالدين مصاباً بجلطة، وإذا كان في المستشفى فإنه يُخدم أكثر، بل ربما لو بقي عندك لمات، باعتبار أنك لا تستطيع أن تغذيه، لأنه لا يتغذى من فمه، ولا يتغذى بطريقة طبيعية، فهذه أمور مستثناة إذا كان المستشفى فعلاً أصلح له وأكثر رعاية، لكن يبقى عنايتك به، وهو هناك في المتابعة والملاحظة والحرص على أن تكون بجانبه والصدق في الدعاء له، فهذه قضايا لا بد من رعايتها والاعتناء بها.

стр. 85

دور المسلمين نحو الفقراء والمحتاجين السؤال فضيلة الشيخ: ما هو دورنا كأفراد للوقوف مع الأسر المعدمة والمحتاجين كاليتامى والأرامل ومساعدة الأسر التي يغيب عنها ولي أمرها كالسفر ونحوه؟ أرجو بيان دورنا في الوقوف مع الأسرة المحتاجة لذلك. الجواب أنا أرجو أن يكون هذا هو السؤال الأخير؛ لأنني أرجو أن يكون كل ما ذكرتُه يصب في هذا الأمر، فما دام أننا سمعنا الرعاية الاجتماعية، وسمعنا كثيراً من الميادين والمجالات، وكثيراً من هؤلاء الذين يعينهم الله ، فيقومون بهذه الأدوار النبيلة في رعاية هؤلاء ممن نقصت قدراتهم، فحقٌ علينا فعلاً أن نتقرب إلى الله وأن نجعل ديننا واقعاً في أعمالنا، ونحن لا نتكلم عن مثاليات، بل نتكلم عن شيء واقع، تاريخنا حافل، ومع الأسف قد تكون المتغيرات التي أشرت إليها فيما يتعلق بالصناعة وما الصناعة، والمجتمع الحضري والبدوي، مع الأسف قد يكون لها تأثير؛ لكن لا ينبغي لنا أبداً أن نتأثر بها، وبخاصة أن أمامنا نصوص شرعنا حية ماثلة، ومذكرون وواعظون، وكثيرٌ من الميادين والمجالات تقابلنا، فتذكرنا بهذه النصوص في مناهجنا الدراسية وفي منابرنا، فينبغي أن نتقي الله ، وكما قلتُ أنا لم أورد نصوصاً لأني أعرف أن كثيراً منها نعرفه وكثيراً منها نسمعه ولله الحمد، وكتاب رياض الصالحين كله مليء بمثل هذا، فمجرد أن يُفتح أي باب من كتاب رياض الصالحين تجد فيه من هذا الشيء الكثير. وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 86

الزلازل والكوارث اعتبار واصطبار إننا نجد الآن أن العلم بدأ يقبض وذلك بموت جهابذة العلماء، أما الكوارث فلا يمر علينا شهر أو أسبوع إلا وسمعنا بزلزال هنا، وبفيضان هناك، وهذه الكوارث آيات من آيات الله ونذير منه ينذرنا بها.

стр. 87

الزلازل والكوارث آيات ونُذُر الحمد لله، الحمد لله الذي جعل لكل شيء قدراً، وأحاط بكل شيء خبراً، أحمده سبحانه وأشكره، نعمه علينا تترى، أسبل علينا من رحمته ستراً، وأفرغ علينا بفضله صبراً. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، خُص بالمعجزات الكبرى، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. أما بعد: فأوصيكم -أيها الناس- ونفسي بتقوى الله ، فاتقوا الله رحمكم الله، واحفظوا الله ما استحفظكم، وكونوا أمناء على ما استودعكم، فإنكم عند ربكم موقوفون، وعلى أعمالكم مجزيون، وعلى تفريطكم نادمون: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء:٢٢٧]. أيها المسلمون: لقد قضت سنة الله أن تُبتلى النفوس في هذه الدنيا؛ بالخير والشر، والأمن والخوف، والمنح والمحن، والأقربين والأبعدين: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء:٣٥] ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [آل عمران:١٨٦]. وإن هذه الابتلاءات بأنواعها تستجيش أصغر القوى، وتستثير كامن الطاقات، وتفتح في القلوب منافذ، وفي النفوس مسارب ما كان ليتبينها أهل الإيمان إلا تحت مطارق هذه التقلبات والابتلاءات. وفي هذه الأيام الأخيرة المتسارعة فقدنا علماءً وملوكاً، وأمراءً وأعياناً، في مواقف من الجنائز تشيعونها كل يوم وساعة عزَّ فقدهم، وشقَّ فراقهم، ولكنهم ذهبوا بآجالهم وعاشوا من الأيام ما كُتِب لهم، هم السابقون ونحن اللاحقون رحمنا الله وإياهم وعفا عنا وعنهم، وغفر لنا ولهم. وتلاحقت آياتٌ ونُذُر كسوفٌ وزلازل في أحداث مهيبة، وآياتٍ منذرة يخوف الله بها عباده، وما أصاب إخواننا المسلمين في تركيا من مصاب جلل هز القلوب أعظم مما هز الأرضين، وإن مشاهد الضحايا والمنكوبين لتتفطر لها الأفئدة نسأل الله أن يرحم موتانا وموتاهم، ويشفي مرضانا ومرضاهم، ويجنبنا وإياهم الزلازل والمحن وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن. أيها المسلمون: آيات الله وابتلاءاته يرسلها على عباده نذراً وتخويفاً خسوفٌ وكسوفٌ؛ وزلازلُُ وفيضانات ورياحٌ وأعاصيرُ أوبئةٌ وأمراضٌ آيات لا تمنعها حدودٌ جغرافية، ولا تقوى عليها تحالفاتٌ دولية، ولا تقف دونها نظم التفتيش الأمنية، ولا تُفْرَض عليها مقاطعاتٌ عالمية، بل لا تفرق بين خصومٍ وحلفاء صورٌ من صور العولمة الحقيقية إذا كانوا جادين في تحييد المصطلح آثارها وكوارثها لا تبين بين المصابين والضحايا. وإن من العقل والبصر الوقوف عند هذه الآيات لعل الله أن يوقظ القلوب من الغفلة ويرحم بالرجوع إليه. عباد الله: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، سبحانه وبحمده، لا يقع شيء في كونه إلا بإذنه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة:٢٦] فيزدادوا إيماناً مع إيمانهم، كما يزدادوا خوفاً ومحاسبةً ورجوعاً وإنابةً واستغفاراً وتوبة، وأما الذين في قلوبهم مرض فحالهم كحال الماديين والملاحدة الذين لا يرون إلا الأسباب المادية البحتة، وأما النذر الإلهية والحكم الربانية فهم عنها غائبون، لا يرفعون بها رأساً، ولا يلقون لها اعتباراً.

стр. 88

الأسباب الحسية والحكم البالغة عباد الله: إن الأسباب الحسية وظواهر العلل يدركها البشر بما أعطاهم الله من عقولٍ وعلوم وتجارب ومعارك؛ لكنهم لا يدركون ما أودع الله فيها من الآيات الباهرة والحكم البالغة إذا غلبت عليهم الغفلة وحقت عليهم الضلالة. حينما سُئل رسول الله ﷺ عن الأهِلَّة جاء الجواب متوجهاً لبيان الفوائد الشرعية العملية: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة:١٨٩] أما تحولات القمر الهلالية والبدرية فشأنٌ فلكي ومدْرَكٌ بالحس والنظر لا يترتب عليه في ذاته نفعٌ بشري، فتوجه الجواب إلى ما ينبغي الاهتمام به من آثار هذه التغيرات وفوائد هذه التحولات؛ من معرفة السنين والحساب، وحساب المواعيد والأوقات مما ينفع في العاجل والآجل. لقد منح الله الإنسان القدرات على إدراك ما وراء الحواس ليترقى في مدارك للكمال الإيماني والعقلي والعملي، وهذا الترقي يمثل أرفع جوانب الإنسانية في الإنسان وأخصها وأعلاها تميزاً في ميادين الاعتقادات والقيم. أما الذين يريدون أن يحصروا الإنسان في محيط الماديات البحتة، والمُحَسَّات المجردة؛ فقد حطُّوا من قيمة الإنسان في عقله وقلبه، وردوه إلى رجعية في التفكير، وأسفلية في النظر.

стр. 89

مواقف للعبرة والاستبصار إن نبينا محمداً صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما وقع الكسوف خرج فزعاً يجر رداءه، يخشى أن تكون الساعة كيف وهو القائل ﵊: ﴿لا تقوم الساعة حتى يُقْبَض العلم، وتكثر الزلازل، ويتقارب الزمان﴾ أخرجه البخاري وفي رواية عند أحمد والدارمي: ﴿إن بين يدي الساعة مَوَتاناً شديداً وبعده سنوات الزلازل﴾.

стр. 90

الاهتمام بأسباب الكوارث العلمية فقط معاشر المسلمين: زلزالٌ لم يستغرق خمساً وأربعين ثانية، ماذا كانت نتائجه وما هي آثاره؟ عشرات الآلاف من الموتى والمصابين، وخسارات مادية هائلة إنهم لا يزالون يُحْصُون ويعدون ويحسبون، نسأل الله أن يرحم الموتى وأن يعوض المسلمين خسائرهم. ولكن هلاَّ وقفوا أمام القضايا الإيمانية؟! أهل العلم والإيمان يربطون بين هذه الآيات والنذر وبين أعمال بني آدم ابتلاءًَ من ربهم وتخويفاً وذكرى لعلهم يرجعون: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم:٤١]. وإن مما يستوقف النظر والتأمل -والموقف موقف اعتبارٍ واستبصار- اهتمامهم المجرد بالأسباب العلمية البحتة، فتراهم يقولون: هذه طبقة زحفت على طبقة، وهذا صدعٌ حصل على عمق كذا وكذا، وأشد من ذلك قول بعضهم: إن المنطقة الفلانية لم تتأثر بهذا الزلزال أو توابعه! والتاريخ يشهد والناس يشهدون أنها تضرب بإذن الله وأمره في أي مكان وفي أي زمان، من دون سابق إنذار، ولا يكاد في عصورنا المتأخرة يخلو عامٌ أو أقل من عام إلا ويشهد الناس هذه الآيات والنذر، بأعاصيرها وفيضاناتها وزلازلها ورياحها في شرق العالم وغربه، وشماله وجنوبه فهل من مُدَّكر؟!!

стр. 91

قولهم: ضحايا الكوارث ومما يستوقف النظر والتأمل -والموقف موقف اعتبارٍ واستبصار- ما يعبر عنه بعضهم في ضحايا الكوارث بقولهم: إنهم ضحايا أبرياء سبحان الله! أبرياء؟! مَن الذي ظلمهم؟! لقد كان الأولى والأجدر أن يعلموا أن هذه حوادث ونوازل وابتلاءات يقدرها الله ويسوقها، والموت ليس عقوبة، فربنا -جلَّ وتقدس- له الخَلْق كله، وله الملك كله، وبيده الأمر كله، وإليه يرجع الأمر كله، تعالى وتبارك أمات وأحيا، وأضحك وأبكى، وكل شيءٍ عنده بأجلٍ مسمى، كلٌ من عند ربنا، نرضى ونسلِّم، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [الكهف:٤٩]. هذه الآيات والأحداث يتلقاها المؤمن موقناً بقدرة الله الخالق العظيم وقدره، يخشى غضبه ويؤمِّل رحمته في عظيم ابتلاءاته. أيها المسلمون: ومما ينبغي أن يُذْكَر فيُشْكَر -والموقف موقف اعتبارٍ واستبصار- أن كثيراً من الناس عندما حدث الكسوف ظهر فيهم رجوعٌ إلى ربهم، ففزع كثيرٌ منهم إلى الصلاة، وقصدوا بيوت الله يتوجهون لربهم بالدعاء والتضرع، ولقد كان لكثيرٍ من أجهزة الإعلام دورٌ مشكورٌ غير منكور. فهل يا ترى نقف وقفة لنرى عِظَم أثر الإعلام بوسائله المتنوعة، إذا توجه إلى الناس بجدية في التوعية وإحسانٍ في التوجيه وأسلوبٍ ناصع في البيان والبلاغ؟!

стр. 92

سفينة النجاة في الابتلاءات أيها الإخوة المسلمون: إنها آياتٌ وحوادث ونذر لا ينبغي أن تمر على عاقل ثم لا يستفيد منها دروساً وعبراً، ومن دَرَى حكمة الله في تصريف الأمور وجريان الأقدار لن يجد اليأس إلى قلبه سبيلاً، مهما قست الحوادث، وتوالت العقبات، وتكاثرت النكبات، فالإنسان إلى ربه راجع، والمؤمن بإيمانه مستمسك، ولأقدار الله مسلِّم، وعلى سننه جارٍ. إننا نخاطب أنفسنا ونخاطب إخواننا المسلمين المنكوبين والمبتلين في كل مكان: إن سفينة النجاة في هذه الابتلاءات هي الإيمان بالله، والصبر على مجاري الأقدار، فاللجوء إلى الله وحده حين تهتز الأسناد، وبالإيمان والصبر والرضا واليقين تتفتح البصيرة، فلا يرى العبد ملجأً من الله إلا إليه. إخواني: هذه الدنيا كم من واثقٍ فيها فجعته وكم من مطمئنٍ إليها صرعته وكم من محتالٍ فيها خدعته وكم من مختالٍ فيها أذلته حلوُها مر، وعذبها أجاج وجودها إلى عدم، وسرورها إلى حزن، وكثرتها إلى قلة، وعافيتها إلى سقم، وغناها إلى فقر الدار مكَّارة، والأيام غرَّارة أهلها منها في خوفٍ دائمٍ، إما نِعَمٌ يخشون زوالها، وإما بلايا يخافون وقوعها، وإما منايا حَتْمٌ وقوعها، وكل ما فوق التراب صائرٌ إلى تراب.

стр. 93

الصبر على أقدار الله أيها الإخوة الأحبة: الاعتبار والاصطبار -بإذن الله- مطية لا تكبو، وسيف لا يخبو، وهما -بإذن الله- جندٌ لا يُهْزَم، وحصنٌ لا يُهْدَم سترٌ عند الكروب، وعون على الخطوب. إن من المعلوم أن من أعظم المقامات في ذلك الصبر على أقدار الله المؤلمة، التي تنال العبد في نفسه وماله وأهله، ولقد جاء في الخبر: ﴿إن العبد إذا سبقت له من الله منزلة فلم يبلغها بعمل ابتلاه الله في جسده أو ماله أو ولده، ثم صبر على ذلك حتى يبلغ المنزلة التي سبقت له من الله ﴾ ﴿والبلايا مكفراتٌ للذنوب﴾ ﴿ومن يرد الله به خيراً يُصِب منه﴾. يا إخوني! إن العبد إذا اتجه إلى ربه بتوحيدٍ خالص، وعزيمةٍ صادقة، وتوبةٍ نصوح، موقناً برحمته، واجتهد في الصالحات؛ دخلت الطمأنينة إلى قلبه، وانفتحت أبواب الأمل في وجهه، واستقام على الطريقة، واستتر بستر الله. اسمعوا واحفظوا واعملوا بقول نبيكم محمدٍ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: ﴿ما أصاب عبداً همٌ ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك ابن عبدك، ابن أمتك، ماضٍ فِيَّ حكمك، عدلٌ فِيَّ قضاؤك، أسألك بكل اسمٍ هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي وغمي؛ إلا أذهب الله غمه وأبدله مكانه فرحاً. قالوا: يا رسول الله! ينبغي لنا أن نتعلم هذه الكلمات؟ قال: أجل! ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن﴾. اللهم أيقض من الغفلة قلوبنا، اللهم أيقض من الغفلة قلوبنا، واختم بالصالحات أعمالنا، وآنس في القبور وحشتنا، وارحم اللهم إليك منقلبنا، ونسألك الشكر على نعمائك، والصبر على بلائك، ونسألك برحمتك مغفرة الذنوب، وستر العيوب. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٥ - ١٥٧]. نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبهدي محمدٍ ﷺ . أقول هذا القول، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 94

الشكوى إلى الله لا تنافي الصبر الحمد لله مُوْلِي النعم، وصارف النقم، أحمده سبحانه وأشكره، ذو الجود والكرم. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، ذو الشرف الأسمى، والمقام الأعظم، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ذوي الأمجاد والشيم، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. أما بعد: عباد الله: إن عِظَم الجزاء مع عِظَم البلاء، وإن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فعليه السخط، وإذا أراد الله بعبده الخير عجَّل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبده الشر أمسك عنه بذنبه، حتى يوافى به يوم القيامة، بهذا جاءت الأخبار عن نبيكم محمدٍ ﷺ . أيها الإخوة: إن الشكوى إلى الله لا تنافي الصبر والرضا بأقدار الله؛ فيعقوب ﵇ تدرَّع في بلواه في حالَيه بالصبر الجميل، فقال في الأولى: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف:١٨] وقال في الثانية: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً﴾ [يوسف:٨٣] وهو الذي قال: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف:٨٦]. ونبي الله أيوب ﵇ قال الله عنه: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٣] فجاءه الغوث الرباني: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ﴾ [الأنبياء:٨٤] كما جاء الثناء العلوي: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص:٤٤]. والمذموم -أيها الإخوة- هو شكوى الله وليس الشكوى إلى الله، فمن ابتغى الرضا ورام السعادة فليُعِدَّ لتقلبات الأحداث وتغير الأحوال قلباً صبوراً ولساناً لربه ذكوراً، فالكرام هم الأصبر نفوساً، ولقد فاز الصابرون بعز الدارَين: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر:١٠] ولهم من الله معيته: ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال:٤٦] وأكرمهم المولى بمحبته: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٦]. جعلنا الله وإياكم ممن إذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر، وإذا أذنب استغفر، فتلكم هي عنوان السعادة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:٢٠٠]. عباد الله: ثم صلوا وسلموا على الرحمة المهداة والنعمة المسداة، نبيكم محمد رسول الله، فقد أمركم بذلك ربكم جلَّ في علاه، فقال عز من قائل عليماً: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد نبي الرحمة والمرحمة، وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وارضَ اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين، الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون؛ أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن بقية العشرة، وأصحاب بدر والشجرة، وعن الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وجودك وإحسانك يا أكرم الأكرمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، وانصر عبادك المؤمنين، واخذل الطغاة والملاحدة وسائر أعداء الدين. اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل اللهم ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين! اللهم وفق إمامنا وولي أمرنا بتوفيقك، وأعزه بطاعتك، وأعلِ به كلمتك، وارزقه البطانة الصالحة، واجعله نصرة للإسلام والمسلمين، واجمع به كلمتهم على الحق يا رب العالمين! اللهم وفق ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك، وبسنة نبيك محمدٍ ﷺ ، واجعلهم رحمة لرعاياهم، واجمعهم على الحق يا رب العالمين! اللهم أبرم لأمة الإسلام أمر رشدٍ يُعَزُّ فيه أهل طاعتك، ويُذَلُّ فيه أهل معصيتك، ويُؤْمَر فيه بالمعروف ويُنْهَى فيه عن المنكر، إنك على كل شيء قدير. اللهم انصر المجاهدين الذين يجاهدون في سبيلك لإعزاز دينك وإعلاء كلمتك، اللهم انصرهم في فلسطين وفي كشمير، وفي كل مكان يا رب العالمين! اللهم واجعل الدائرة على أعدائهم. اللهم فرق شملهم، وشتت جمعهم، واجعل بأسهم بينهم، وأنزل بهم غضبك ورجزك يا إله الحق! اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا والزلازل والمحن وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن، عن بلدنا هذا وعن سائر بلاد المسلمين يا رب العالمين! اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات برحمتك يا أرحم الراحمين. رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.

стр. 95

السعادة الحقيقية ومصادرها السعادة يطلبها الجميع، والقليل من يجدها، فالناس في منظورهم أن السعادة إما في المال أو الجاه أو المنصب، وهي في الحقيقة بالإيمان بالله جل وعلا. والعمل والكد والذهاب والإياب في طلب الرزق مع الإيمان بالله والرضا بأقدار الله عامل من عوامل السعادة. والعلم يجلب للمؤمن السعادة، ولا ينبع السخط على أقدار الله إلا من الشك وعدم اليقين بالله جل وعلا، والمتسخط إن فتش نفسه وجد أن هناك شكاً في قلبه، فالشك والتسخط أخوان، والرضا واليقين قرينان.

стр. 96

حقيقة السعادة ومصادرها الحمد لله إيماناً بكماله وجلاله، ويقيناً بعلمه وحكمته، ورضا وطمأنينة بعدله ورحمته، أحاط بكل شيء علماً، وأحصى كل شيء عدداً، أحمده سبحانه وأشكره، له الملك وله الحمد، نعمه على خلقه لا تعد، وفضله عليهم لا يحد، وما بكم من نعمة فمن الله، وما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، وصفيه وخليله، وأمينه على وحيه، من اتبعه واستمسك بهديه فلا يضل ولا يشقى، ومن أعرض عنه فإن له معيشة ضنكاًَ، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أهل السعادة والرضا، والتابعين ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فأوصيكم -أيها الناس- ونفسي بتقوى الله ، فاتقوا الله واستغفروه فهو سبحانه أهل التقوى وأهل المغفرة، وما من خيرٍ إلا والتقوى موصلة إليه ودليلٌ عليه، وما من شر إلا والتقوى حرزٌ منه حصين ودرعٌ منه مكين. أيها المسلمون: من يقاسي شدة الفاقة والبؤس يرى السعادة في الغنى وعند الأغنياء، ومن تتقلب به الأوجاع والأمراض يرى السعادة في صحة الأبدان وسلامة الأعضاء، والمستضعف الذي سلبت حقوقه ولم يقوَ على خلاصها يرى السعادة عند ذوي السلطان والجاه، ومن أشرب قلبه الفسوق والمجون والخلاعة والدعارة يرى السعادة أن تحف به الشهوات من كل جانب ليطلق لها العنان كيف يشاء يبحث الناس عن السكينة والطمأنينة، وينشدون السعادة والرضا، ويبتغون السرور والحبور، ويطلبونها في القوة والجاه، والثراء والحرية، والمناصب والرتب. السعادة -أيها الإخوة- ليست في المال الوفير، ولا في الجاه العريض، ولا في البنين ونيل المآرب، ولقد قال الله في أقوام: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة:٥٥] عذابٌ في الحياة الدنيا مشقة وألم، وهمٌ وسقم، إنه معذب النفس، متعب القلب، لا يغنيه قليل ولا يشبعه كثير عذابٌ وشقاء لا ينفك فيه عن ثلاثة: همٌ لازم، وتعبٌ دائم، وحسرة لا تنقضي ولو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا تراب ويتوب الله على من تاب، ومن كانت الدنيا همه فرق الله عليه شمله، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له. السعادة شيء لا يرى بالعين، ولا يقاس بالعدد، ولا تحويه الخزائن، ولا يشترى بالدرهم والدينار. السعادة شيء داخل الجوانح، يغتبط به الجنان، ويمتلئ به الجنبان صفاءٌ في النفس، وطمأنينة في القلب، وانشراحٌ في الصدر، وراحة في الضمير، وهدوء في البال إنها شعورٌ جميلٌ بالغبطة، وإحساسٌ لذيذٌ بالطمأنينة، مع بهجة وأريحية وانطلاق نفسٍ في سكينه. تصور أن واحداً من ذوي الجاه والثراء ابتلي بمرضٍ مزمن، يؤتى له بأطايب الطعام فلا يأكل، وإن أكل فلا يستلذ، أشرف مرة من نافذة بيته المنيف، وأطل من سرير مرضه الوثير، فلاحت منه التفاتة إلى عاملٍ من عماله قد افترش جانباً من الأرض تحت ظل شجرة، يأكل رغيفه مع إدامٍ يسير، لقمة في فمه وأخرى في يده وثالثة ترقبها عينه، كم يتمنى هذا الوجيه لو كان في متعة هذا العامل وصحته!

стр. 97

الإيمان بالله مصدر السعادة إن السعادة مصدرها القلب، ومظهرها الرضا، ودليها إدراك النعمة والاعتراف بها، ولا ترى أوضح ولا أفضح من خيبة إنسان يطلب السعادة في شهوات الدنيا، وقد علم -وعلمتم- أن طالبها يظل منهوماً لا تنقضي شهواته هلعاً تتشعب رغباته، ثم يقوده همه إلى منازعة الآخرين أرزاقهم، وخصامهم في حقوقهم، فيُشقي ويَشقى، وفي العداوة والبغضاء يسعى، ومن الهم والنكد يزداد ملأ فكره بهموم الحياة، وفتنه اللهو والمجون، قد أعمته فوادح الزمن وقوارع الدهر، ولو دقق هذا وحقق لوجد أن كل ما ظفر به فعقباه حزن، وعاقبته خُسر؛ إما بذهاب المأمول، أو بذهاب الآمال. أيها الإخوة: لن يجد امرؤٌ ما يملأ نفسه رضاً بأقدار الحياة سوى الإيمان بالله، واللجوء إلى جناب ربه والانطراح بين يديه. إن الحياة بغير الدين تعقيدٌ تحفها المنغصات، وبضعف الدين تنبت الاضطرابات الاجتماعية، والأمراض النفسية، فيفزع المبتلون إلى المهدئات والمسكنات، بل إلى المسكرات والمخدرات -عياذاً بالله- قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾ [طه:١٢٤] ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام:١٢٥]. إن الدنيا عند المؤمن ليست عبئاً مضجراً، ولا لغزاً محيراً، ولكنها مرحلة ومزرعة، ودار ممرٍ واختبار يرجو بعدها لقاء الله، الإيمان سفينته، والعبادة وسيلته. إن المؤمن تغمره السعادة؛ لأنه موقن بأن الحياة محفوفة بأقدار الله؛ فلا يأس على ما فات، ولا فرح بما حصل لا يستسلم للخيبة، ولا يهلك نفسه تحسراً، بل كل مواقف الدنيا عنده ابتلاءٌ بالخير أو ابتلاءٌ بالشر، ولئن زلزلته وقائع البلوى ردَّه الإيمان إلى استقرار النفس، وبرد اليقين، ورباط الطمأنينة، فنعم بالسكينة من غير هلعٍ ولا شقاق. المؤمن يملك السعادة والراحة التي تجمع له بين التوكل والعمل الكادح، لا يزعزعه جزع ولا يرهقه قلق، يعمر الحياة نشاطاً ويغمرها جهاداً.

стр. 98

العمل سبب في السعادة أيها الإخوة: إن السعادة لا تحصل بالهروب والإهمال؛ ولكنها في مواجهة الحياة وغاياتها، إن ثمة أسباباً يحسن تحصيلها ورعايتها فهي عوامل الإسعاد وجالبات الرضا، جاء في الحديث عنه ﷺ : ﴿من سعادة ابن آدم المرأة الصالحة والمسكن الطيب والمركب الطيب﴾. أسبابٌ وعوامل منظورٌ فيها إلى النوع والكيف، وحسب الإنسان أن يسلم بإيمانه من المنغصات، ويتيسر له من القوت ويتحقق له من الأمن والعافية ما جسده الحديث النبوي الآخر: ﴿من أصبح آمناً في سربه، معافى في بدنه، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها﴾. إن المال يحقق السعادة إن ابتغى به متعة عيشٍ مباحة، ولذة نفسٍ جائزة، ومكرمة تبتغي ذكرها، وصالحة تبتغي عند الله أجرها وإن لم يكن كذلك فإنه لا يعدو أن يكون حزماً من الورق الملون، أو لمعاناً من المعدن الثقيل، أو أكواماً من الطين والتراب، عليك غرمه ولغيرك غنمه. السعيد لا يأكل أكثر مما يأكل الناس، ولا يملك أكثر مما يملك الناس، ولكنه يرضى أكثر مما يرضى الناس، سبحان الله يا عباد الله! إن أسباب الرزق أدق من أن يدرك الناس حكمتها وأسرارها إن في الناس طلاب رزق لا ينالون خبزهم ولا خبز عيالهم إلا من قاع البحار اللجية، يغشاها موجٌ من فوقه موج، وآخرون طيارون رزقهم فوق السحاب يبتغونه صعداً في أعالي السماء، ومن بين هؤلاء وهؤلاء عمال المناجم والأنفاق، ينقبون الحجارة ويفجرون الصخور، لا يرون ضوء الشمس ولا بياض النهار، ومن دون هؤلاء وأولئك من يأتيه رزقه عند بابه، ليس في رءوس الجبال ولا في أعماق البحار: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف:٣٢]. السعداء مؤمنون عاملون، وعلى ربهم متوكلون، وبحكمته واثقون، وبأقداره موقنون نصيبهم المقسوم في السماء سيهبط إلى الأرض هذه هي السعادة ذات الخلق السمح والنفس المطمئنة. وإن من مصادر الشقاء وأسباب التعاسة أن تكثر البطالة، وينتشر الذين يتكففون الناس، وينظم إليهم رواد المقاهي والأندية البطالون الذين خلوا من أي عمل وإن السعادة لهم ولغيرهم أن تهيأ لهم فرص العمل؛ صناعة وزراعة، وحرفة وتجارة، مستفيدين من مستجدات العصر ووسائله الحسنة، ويهتم بذلك ولاة أمور المسلمين، وعلى رجال الأعمال كفلٌ في هذا غير يسير.

стр. 99

العلم والتربية من أسباب السعادة ولئن كان العمل عاملاً من عوامل السعادة كبيراً؛ فإن العلم قريبه، ويقصد بالعلم الفقه في شئون الناس، وأمن الحياة علمٌ واستنارة يرتفع بها صاحبها عن مصاف الجهل والجهلاء، فالجهال تصعب قيادتهم، ويشق توجيههم، وتقل راحتهم، وتصعب إراحتهم: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص:٥٥]. وتكون الشخصية المتعلمة إذا كانت متفتحة تدرك الحق والنافع، وتفهم المطلوب وتحسن التجاوب، وإن ردود الفعل غير المهذبة من الجهال هي العلة في كثيرٍ من أسباب الشقاء، وعدم انتظام طرق المعاش. ثم -أيها الإخوة- لا خير في علم إذا لم يصحبه خلقٌ كريم، وأدبٌ سامٍ، يتربى عليه أفراد الأمة؛ من الصبر والعزم، والجد والإقدام، والأمانة والصدق، والحلم وسماحة النفس، ورقة العاطفة، ولا سبيل إلى ذلك إلا بتربية البيت والمدرسة مقدمة بقالب الدين والشرع المطهر، فيتولد الحياء والعفاف، وسعة الأفق وانشراح الصدر: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ [الشرح:١ - ٣]. تربية تأخذ بالناشئة إلى ربهم؛ فيلجئون إلى ذكره وشكره، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨] ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف:٣٦] تربية تبعدهم عن الغل والحسد، وتملأ قلوبهم بحب الخير للناس، وسؤال الله من فضله للنفس وللناس أجمعين، قال تعالى: ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾ [النساء:٣٢].

стр. 100

الهدوء والانضباط من عوامل السعادة وإن من أهم ما تتوجه إليه التربية ويستجلب السعادة الهدوء والانضباط، فالفوضى والاضطراب الشخصي، والانزعاج النفسي من أظهر مظاهر الشقاء إن المضطرب غير المنضبط يلقي ببصره هنا وهناك، ينزعج ويزعج، وإنكم لتعلمون كم يجلب تجاوز الأنظمة المرعية من الشقاء الاجتماعي والضغط النفسي فضلاً عن عدم وصول الحق إلى مستحقه وتجاوزه إلى غير أهله، فأي سكينة ترجى حين تسود الفوضى؟! أيها المسلم: أنت سعيد إذا عرفت قدر النعمة التي أنعم الله بها عليك سعيدٌ إذا عرفت نفسك وطلبت السعادة من نفسك لا ممن حولك سعيدٌ بإيمانك وخلقك وحبك للناس سعيدٌ إن كنت مع ربك فشكرت النعمة وصبرت على البلية، فكان لك الربح في الحالين وحسن الثواب في الحياتين. الله أكبر! سعادة عند أهل الإيمان لو علم بها المحرومون من أهل الثراء والجاه وأهل الكفر والنفاق لجالدوا عليها بالسيوف، بل إن الملاحدة لما رأوا ما يغشى أهل الإيمان من الرضا والطمأنينة والقناعة والسكينة؛ ظنوا بجهلهم أن الدين قد خدر أهله، وما درى هؤلاء المساكين أن أهل الإيمان موقنون بأن أهل الأرض والسماوات لو اجتمعوا على أن ينفعوا أحداً بشيء لم ينفعوه إلا بشيء قد كتبه الله له، ولو اجتمعوا على أن يضروه بشيء لم يضروه إلا بشيء قد كتبه الله عليه. مؤمنون بأن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة، وعندهم في دينهم الإيمان مقرونٌ بالعمل، ونواميس الكون وسنن الله لا تتبدل من أجل كسولٍ أو خامل والشفاء بإذن الله مرتبطٌ بالعلاج، والحصاد لا يكون إلا بعد الزرع، فاعمل وادأب وخذ وطالب وارض بما قسم الله لك من غير يأسٍ يدخل قلبك، ومن غير حقدٍ يأكل فؤادك، ومن غير حسدٍ يأكلك ويأكل حسناتك إن سلكت هذا المسلك فلسوف تعب السعادة عباً، ولسوف تتنزل عليك السكينة تنزلاً. وبعد -أيها الإخوة- فهذا هو الإمام ابن القيم ﵀ يقول: إن في القلب شعثاً لا يلمه إلا الإقبال على الله، وإن فيه وحشة لا يزيلها إلا الأنس بالله، وإن فيه حزناً لا يذهبه إلا السرور بمعرفة الله وصدق معاملته، وإن فيه قلقاً لا يسكنه إلا الفرار إليه، وفيه فاقة لا يسدها إلا محبته والإنابة إليه، ودوام ذكره وصدق الإخلاص له، وفيه حسراتٌ لا يطفئها إلا الرضا بأمره ونهيه، والصبر على قضائه إلى يوم لقائه، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾ [الفتح:٤]. نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبهدي محمدٍ ﷺ . أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 101

حياة الأشقياء الحمد لله الذي خلق فسوى، وقدر فهدى، وأضحك وأبكى، وأسعد وأشقى، أحمده سبحانه وأشكره، له الحمد في الآخرة والأولى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، الأبر الأتقى صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه آمنوا بربهم وصدقوا بالحسنى، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فاتقوا الله -أيها الناس- واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله. أيها المسلمون: إن البصير لا يأسى، فإن الأسى كله وأشده لأقوامٍ مخذولين تنكروا لفطرهم، وأظلمت بالشكوك قلوبهم لم تنفذ إليهم أشعة الإسلام بسكينة، ولا تسربت إليهم أنوار اليقين براحة، أولئك الأشقياء المطموسون الذين يجادلون في الله بغير علمٍ ولا هدىً ولا كتاب منير مساكين ثم مساكين، دخلوا الحياة وخرجوا منها ولم ينعموا بأطايب ما فيها، وأعظم ما فيها الإيمان بالله والاحتماء بجنابه خسروا أنفسهم وخسروا حياتهم الساخطون الشاكون لا يذوقون للسرور طعماً حياتهم سوادٌ ممتد، وظلامٌ متصل، وليلٌ حالك، لا يرقبون الفجر الصادق.

стр. 102

الشك والتسخط والرضا واليقين والغريب -أيها الإخوة- أن هناك ترابطاً وثيقاً بين الشك والتسخط، فلا سخط من غير شك؛ فلا تكاد ترى سخطاً من غير شك، ولا شكاً من غير تسخط. قال ابن القيم ﵀: قلَّ أن يسلم الساخط من شكٍ يداخل قلبه، وإذا فتش نفسه وجد يقينه معلولاً مدخولاً. فالرضا واليقين إخوان، والسخط والشك قرينان والساخط المتسخط دائم الحزن والكآبة، ضيق النفس والصدر، ضائقٌ بالناس وضائقٌ بنفسه، الدنيا في عينيه مثل سم الخياط. أما الرضا فهو سكون وطمأنينه، وراحة فيما قدر الله واختار من أنعم الله عليه بالرضا تأتيه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم، لا يصبح ولا يمسي إلا راضياً مرضياً، لا يرى إلا الحسن والسرور، فإن عين الرضا تعمى عن العيوب، وعين السخط تملؤها المساوئ وليس من شرط الرضا ألا تحس بالمكاره، ولكن الرضا ألا تعترض على المقادير، ولا تتسخط على المكتوب. هنيئاً لمن ملأ الرضا فؤاده، فإنه لا يتحسر على ماضٍ باكياً حزيناً، ولا يعيش حاضراً ساخطاً جزوعاً، ولا ينتظر المستقبل خائفاً وجلاً، ولا يعيش في رهبة من غموض، ولا توجسٍ من جبروت إيمانه مصدر أمانه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢] هذا وصلوا وسلموا على نبي الرحمة والهدى نبيكم محمدٍ المصطفى، فقد أمركم بذلك ربكم فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد الرحمة المهداه، والنعمة المسداه، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وارض اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين، أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وجودك وإحسانك يا أكرم الأكرمين. اللهم أعزَّ الإسلام والمسلمين، وأذلَّ الشرك والمشركين، واخذل الطغاة والملاحدة وسائر أعداء الدين، اللهم واحمِ حوزة الدين. اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل اللهم ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين. اللهم أيد بالحق إمامنا وولي أمرنا ووفقه لما تحب وترضى، وخذ بناصيته للبر والتقوى، وأعز به دينك، وأعلِ به كلمتك، وأصلح له بطانته، واجمع به كلمة المسلمين على الحق يا رب العالمين. اللهم وفق ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك وبسنة نبيك محمدٍ ﷺ ، واجعلهم رحمة لرعاياهم، واجمعهم على الحق يا رب العالمين. اللهم أبرم لأمة الإسلام أمر رشدٍ يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، إنك على كل شيء قدير. اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا والزلازل والمحن وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن، عن بلدنا هذا وعن سائر بلاد المسلمين يا رب العالمين. ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غِلاً للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم. ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.

стр. 103

المرأة والتغريب تغريب المرأة المسلمة سلاح فتك بقطاع كبير من المسلمين، وترنحت تحت وطأة ضرباته شريحة عظيمة من شباب المسلمين، ولا تزال الدعوة إلى تحرير المرأة بالمفهوم الغربي قائمة على أشدها لإلحاق البقية الباقية من بنات المسلمين بمن قد سبق، وهذه المحاضرة تبين المفهوم الصحيح للحرية، والحقوق المشروعة للمرأة، وتزيل كثيراً من اللبس الحاصل في ذلك عند كثير من المسلمين.

стр. 104

جوانب ذكر المرأة في القرآن الحمد لله رب العالمين حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، له الحمد في الآخرة والأولى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا عبد الله ورسوله، بعثه ربه بالرحمة والهدى، جعلنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وعلى آله أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فأشكر الإخوة في مركز الدعوة والإرشاد بـ جدة والمكتب التعاوني دعوتهم لي للمشاركة في هذا الموضوع المهم، وفي هذه القضية التي هي من أهم القضايا، وحينما رغبوا مني أن يكون عنوان هذا اللقاء: المرأة والتغريب، كان في ذهني أشياء ظننت أنها تخص هذا العنوان، ولكن لما رأيت القائمة التي يحتويها هذا النشاط الطيب المبارك، وهذه القضايا المبثوثة في هذا البرنامج، والتي كما أشار أخي فضيلة الشيخ: أحمد بن عبد العزيز الحمدان أنهم في منتصفه، أو في آخر المجموعة الأولى منه، وجدت أن القضايا أو بعض هذه العناوين فيها شيء من التشابه، ولا غرابة؛ لأن القضايا المثارة في الساحة ما أثيرت إلا بسبب الرياح التي تهب على كثير من بقاع وديار المسلمين من الشرق والغرب، فتأملت فيما قد يحتاج إلى مزيد تركيز، فرأيت بعض عناصر قد أعرضها كلها أو أعرض شيئاً منها حسب ما يتسع له المقام، وإن كان بعضها يدل على بعض، فأولها موضوع قضية المرأة، والثاني استعراض آيات كريمات تجسد ما سوف نعنيه بقضية المرأة، ثم الوضع السيئ للمرأة في ممارسات بعض المسلمين، ثم شعار تحرير المرأة، ثم فكرة الصراع بين الرجل والمرأة، ثم تعليم المرأة، ثم عمل المرأة، وأقف عند هذا المصطلح، أو بتعبير أدق الحط من عملها في المنزل، ثم المرأة في الواقع المعاصر أو المرأة بين نظرتين. ولا أدري هل سوف يتسع المقام لكل هذا؟ ولكني رأيت أن هذا كله مما يدخل في التغريب، على أن للتغريب أيضاً مفردات أخرى قد لا يتسع لها المقام، مع أن كثيراً من دعاة التغريب وخاصة حينما ينظر في أول ما ابتدأت هذه الرياح -كما قلت- أن كثيراً ممن تبنوها غير محمودي السيرة، تشربوا ثقافة غير ثقافة أهل الإسلام، لهم اتصال فكري وقد يكون بعضه سياسي مع جهات استعمارية، وبخاصة نشوء مثل هذه التيارات والرياح: قضايا الحجاب، والاختلاط، وقوامة الرجل، والخلط بين العادات والأحكام الشرعية، أو محاولة القول بأن الأحكام الشرعية نوع من العادات كما في الحجاب وقالوا في الفصل بين الرجل والمرأة، وأيضاً قضايا اللباس والاحتشام في قضايا نتعرض لها في ثنايا الحديث. أولا: ً قضية المرأة. لا تظنوا أن قضية المرأة هي وليدة الساعة، أو أنها أتى بها المستغربون، أو من يزعمون النهضة والتقدم ونحو ذلك، المرأة صنو الرجل، والمرأة جزء من الحياة، والمرأة ركن شاء الله لها ذلك، وأعطاها من المسئولية وحفظ لها من الحقوق ما للرجل، ولهذا سوف أستعرض معكم آيات من كتاب الله ، وعليكم أن تستصحبوا أن قرآننا تنزل على قلب نبينا محمد ﷺ منذ أربعة عشر قرناً، وعليكم أن تتفكروا كيف كان العالم قبل ألف وأربعمائة سنة أو ما يزيد عن ألف وأربعمائة سنة، كيف كان اليونان؟ كيف كان الصينيون؟ كيف كان الهنود؟ كيف كان الرومان؟ كيف كانت أوروبا بأجناسها؟ كيف كان اليابانيون؟ كيف كان الفرس، كيف كان العالم؟! لا يكاد ينظر في شيء، ولا تكاد تكون حضارة محفوظة ومكتوبة ومدونة كحضارتنا أهل الإسلام أبداً، إنما رءوس أقلام، وخطوط باهتة عن بعض الشخصيات كـ أفلاطون، أو بعض الملوك ونحو ذلك ككسرى وقيصر، لا تكاد تجد شيئاً مكتوباً يمثل حضارةً متقدمة تقدماً علمياً، وبخاصة في قضايا المرأة، في قضايا الحقوق. وأما كتاب ربنا فتنزل بهذا الحديث المستفيض عن الحياة كلها، عن المستويات فيها، بقطع النظر عن كلام الآخرة فهذا شيء جلي وليس محل حديثنا، حديثنا عن القرآن والسنة؛ قرآن نبينا الذي تنزل على قلبه ﷺ وسنة رسولنا ﷺ وسيرته في قيام هذه الحياة برجلها وامرأتها، أتى دينٌ كامل، وفصل كل قضايا الحياة ودقائقها، بما في ذلك قضية المرأة، فلا يظن الظانون حينما نتحدث عن المرأة في هذا العصر الذي يزعمونه عصر نهضة وتقدم؛ أننا ندافع، أو أننا في الموقف الضعيف، أو أننا كنا في الظلمات. القضية كبيرة: أوروبا كانت في عهد ظلمات وفي القرون الوسطى، وكنا في عصور النهضة، كان ديننا هو القائد، وكان ديننا هو الحاكم، وكانت حضارتنا هي التي تغطي العالم، وحكمنا لا تغيب عنه الشمس؛ بعدل ونور وعدالة، وحقوق بينه للرجال والأطفال والنساء، والحيوان والحجارة والأشجار، وحقوق المسلمين وغير المسلمين من الرهبان والشيوخ والصبيان، فإذا كانوا يتحدثون عن عصر ظلمات فهو في حقهم هم. إذاً: فحينما نتحدث عن قضية المرأة فنحن لا نتحدث من موقف ضعف ولا لأننا محل شبهة، نحن نقول: قال الله وقال رسوله في وحي تنزل على نبينا محمد ﷺ بنوعية القرآن والسنة منذ أربعة عشر قرناً. أولاً: من المعلوم في أسلوب اللغة العربية أن الخطاب للذكر هو خطاب للأنثى من باب التغليب، وهذا أسلوب في لغة العرب، بل حتى في اللغات الأخرى وهو ما يسمى بالجنس، فحين يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [الانفطار:٦] ليس المقصود الذكر وحده، وحينما يقول الله : ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر:١ - ٢] معلوم أنه لا يراد به الذكر وحده، وحينما يقول: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العصر:٣] بالاستثناء لا يريد به الرجال وحدهم، وهذا كثير، ومعروف في اللغة وعند الفقهاء ﵏، فأي حكم فهو للرجال والنساء؛ هذا جانب. إذا خصت المرأة بخطاب، وهذا هو الذي سوف نستعرضه فيما بين يدي من آيات، فهي في الكلام عن المرأة. وأعيد مرة أخرى أن قضية المرأة قضية مبحوثة في ديننا بكل جوانبها، لا لأننا من موقف ضعف، وإنما فعلاً لأن الدين جاء لإقامة الحياة على وجهها بذكرها وأنثاها، ولهذا حاولت أن أحصر الكلام في أربعة موضوعات هي في بعض آيات كتاب الله: أولها: آيات في المساواة في الخلق والتكوين والأصل. ثانياً: آيات في خطاب التكليف والمسئولية. ثالثاً: آيات في أحوال الاستضعاف. رابعاً: آيات في الجزاء والثواب.

стр. 105

آيات المساواة مع الرجل في الخلق والتكوين فمثلاً: في آيات المساواة في الخلق والتكوين والأصل، ولا أقول: المساواة في الأحكام، المساواة في الأحكام قد لا يتسع له هذا المقام، وإن كان في أصل العناصر التي عندي، ولكن لا أستطيع، وعلى كل فهن لا يساوين الرجال في الأحكام لأن الله يقول: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ﴾ [البقرة:٢٢٨] ولم يقل: ولهن مثل الذي على الرجال. فالحقوق مقابل الواجبات، والمساواة أصلاً غير مطلوبة، ولا تستقيم الحياة بالمساواة، ليس بين الرجل والمرأة وإنما حتى ما بين الرجل والرجل؛ لأن الثواب على قدر المسئولية، فالعسكري غير المدني والطبيب غير الأستاذ وغير المهندس، والجاهل غير العالم والحاكم غير المحكوم كلٌ له منزلة ومقام، فالتفرقة ليس لأجل الخلقة وإنما لأن المسئوليات التي ترتبت تقتضي اختلافاً في الثواب والجزاء، وخاصة الثواب الدنيوي. أما الأخروي فمتساوون، ولا بأس أن نخرج قليلاً إلى قول النبي ﷺ : ﴿النساء ناقصات عقل ودين﴾ نقص دينها أنها لا تصلي إذا حاضت، لكن ليس ثوابها ناقص وقتئذٍ بمعنى: أن الرجل يصلي في الشهر ثلاثين يوماً والمرأة تصلي ثلاثاً وعشرين يوماً إذا كان عادتها سبعة أيام والثواب واحد، فنقص دينها لا لنقص ثوابها ثم إن الشرع نهاها أن تصلي، وكذلك الصيام لا تصوم لكنها تقضي، فليس هناك في الآخرة نقص إنما نقص بقدر المسئولية مقابل الحق، ولهذا قال: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ﴾ [البقرة:٢٢٨] ولم يقل: ولهن مثل الذي للرجال. فالرجال لهم امتيازات بقدر ما عليهم من مسئولية -هذا كما قلت للإخوة الموظفين- وإنما أتكلم على المساواة في الخلق والتكوين والأصل، الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى﴾ [الحجرات:١٣] إذاً متساوون. ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] ذكراً كان أم أنثى، ويقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [النساء:١]. إذاً: كلهم مخلوقون من نفس واحدة فلا تفرقة في هذا الأصل هو الذي ﴿هَو الذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [الأعراف:١٨٩] وجعل منها: (من) هنا تبعيضية، أي: فلا تمايز في هذا الباب، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً﴾ [الروم:٢١] أي: خلقها من نفسك، فأريد أن تسترجعوا معي أننا نتحدث عن قرآن نزل منذ أربعة عشر قرناً، فنحن كما قلت: لا ندافع، ولسنا في موقف ضعف، وإنما إذا كان الناس في عمى، أو كنا قد غفلنا عن ديننا وقرآننا حصل ما حصل وإلا فنحن ما أتينا بشيء اخترعناه من عندنا.

стр. 106

آيات في خطاب التكليف والمسئولية نأتي إلى خطاب التكليف والمسئولية. الله يقول: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ [النساء:٣٢] الخطاب موجه للرجال وللنساء، إذن للمرأة مقامها في المجتمع ودورها في المسئولية، وخاطبها الله كما خاطب الرجال، وقضيتها أيضاً معتنىً بها؛ لأنها هي بناء الدنيا، فالدنيا مبنية على الرجل والمرأة، بل نبينا محمد ﷺ يوم أن تحدث في حجة الوداع عن قضايا كبرى كالتوحيد والربا تحدث عن المرأة حديثاً مستفيضاً، وتحدث عن الدماء والجاهلية والقصاص إلى آخره، وقال: ﴿استوصوا بالنساء خيراً﴾ فقضية المرأة فعلاً هي من أكبر القضايا لا لأننا نتحدث عن نهضة وتقدم، إنما نتحدث عن شيء قرره ديننا، قال تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ﴾ [النساء:٧]. وفي الآية الأخرى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ [النساء:٣٢] بل يقول الله أول هذه الآية: ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء:٣٢] وواضح أن الخطاب للرجال والنساء، فالنساء قد تفضل على الرجال؛ في قربها من ربها، في اجتهادها في عملٍ، لأن الله عدل رحيم، فمن عمل لقي جزاء ما عمل، ولهذا قال سبحانه: ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾ [النساء:٣٢]. آية أخرى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ﴾ [الحجرات:١١] خطاب للجنسين في هذه القضية وإن كانت السورة كلها مبتدئة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات:١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ [الحجرات:٦] وبعد ذلك ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنْ الظَّنِّ﴾ [الحجرات:١٢] كلها للرجال والنساء لكن هنا أيضاً أفرد النساء بالخطاب وأفرد الرجال بالخطاب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ [الحجرات:١١]، هنا أريد بها الرجال بدليل أنه قال: ﴿وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ﴾ [الحجرات:١١]. وهناك قضية المباهلة، والمباهلة هي تحمل المسئولية، وقصة المباهلة أنه أتى وفد من نجران إلى النبي ﷺ ، وأخبرهم النبي أنه تنزل الوحي بشأن عيسى، فخالفوه فدعاهم إلى المباهلة، وفي هذا قال الله تعالى: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾ [آل عمران:٦١] فالجميع يتحمل مسئولية استحقاق لعنة الله على الكاذبين فدعي الرجال والنساء والأطفال، فالكل يتحمل المسئولية. والآية الطويلة في سورة الأحزاب بعد قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً﴾ [الأحزاب:٢٨] إلى أن قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ [الأحزاب:٣٣] ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً﴾ [الأحزاب:٣٤] قال بعدها: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٣٥]. إذاً: الخطاب للجميع، والمسئولية للجميع، والقضية قضية الجميع، وهذا قبل أربعة عشر قرناً، ماذا كانت أوروبا، وماذا كانت الصين، وماذا كانت الهند؟ كان العالم كله يغط في نوم عميق، بل حتى العرب يتنزل عليهم هذا القرآن الذي قضى الله أن يكون خاتم الديانات، وأن يكون محفوظاً إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها حجة لله على خلقه، بعد هذه الآية قال الله : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً﴾ [الأحزاب:٣٦] خطاب تكليف ومسئولية وتحمل للجنسين. قضية أيضاً كبرى جداً، في قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [التوبة:٧١] من أكبر المسئوليات مسئولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي بها قيام الأمة، وهي قوله:

стр. 107

آيات في أحوال الاستضعاف وقد قصدت إفرادها بالذكر؛ لأن ديننا لا يرى أن المرأة مستضعفة وحدها، وإنما الاستضعاف شيء طارئ على الرجال والنساء في أحوال، أما المرأة فلها مسئوليتها التامة والكاملة، لكن إذا جاءت ظروف فيها استضعاف فالقرآن ذكر الرجال والنساء، فمثلاً في قوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً﴾ [النساء:٧٥] والآية الأخرى في نفس السورة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً * إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً * فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً﴾ [النساء:٩٧ - ٩٩]، إذاً أحوال الاستضعاف تطرأ على الرجال والنساء والولدان. كذلك أيضاً في قضية الفتح، وكيف أن الله أخر الفتح لحكمة يراها، ومنها قوله : ﴿وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الفتح:٢٥] فأحوال الاستضعاف، والنظر حتى في جميع الأحكام للرجال والنساء. وفي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً﴾ [الأحزاب:٥٨] ومثله قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج:١٠]. فهذا يدل على أن على الكل مسئولية، وعلى أن الكل تنبني عليه القضايا في هذه الدنيا وعليه فيها مسئوليات، وكلٌ عليه مسئوليته. إذاً: هذا استعراض في بعض أحوال الاستضعاف، وأن المرأة ليست مستضعفة لخلقتها، وإنما هي مسئولة على قدر طاقتها والرجل على طاقته لكن الأحوال الطارئة للجميع.

стр. 108

آيات في قضية الجزاء والثواب الله يقول: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران:١٩٥] ويقول تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل:٩٧]، وقال: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [غافر:٤٠] ويقول الله : ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ﴾ [التوبة:٧١] قال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً﴾ [التوبة:٧٢] وكذلك في سورة الأحزاب حينما قال: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً * لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب:٧٢ - ٧٣] إذن هذا للرجال والنساء.

стр. 109

الوضع السيئ للمرأة عند بعض المسلمين وشعار تحرير المرأة نأتي إلى قضية الوضع السيئ للمرأة المسلمة في بعض أقطار المسلمين وأعصارهم.

стр. 110

الوضع السيئ للمرأة لا يقره الإسلام لا شك أن وضع المرأة المسلمة في العصور المتأخرة كان فيه من السوء والظلم والغم ما لا يخفى ولا ينازع فيه، وأهل العلم والرأي والعقل في المجتمع مدركون بأن هذا الوضع للمرأة وللمجتمع ليس من الإسلام، فوجدت بعض الممارسات والأخطاء التي لا تقر، ونوع من الاحتقار، ونوع من غمط الحقوق، بل قد تمنع من الميراث، وقد تجبر في زواج، بل حتى إذا جاء ذكرها في بعض الديار يقال: (أكرمكم الله) حتى ولو كانت أمه، وهذا ليس من الدين في شيء، وليس من الغيرة، وليس من الحشمة، فهذه قضايا لا شك أنها ليست من الإسلام، وإنما هي عادات بالية وتقاليد أكثر ما أملاها الجهل، وقد يحصل تقصير من طلبة العلم في بيان هذا الحق، وكان ينبغي أن تكون هناك تدخلات من أصحاب القرار في سبيل رفع مثل هذا النوع من المظالم، ولهذا فلا شك طبعاً أن المطالبة بالإصلاح، وتحسين وضع المرأة، ورفع هذه الصور من الظلم عنها، لا شك أنه حق، بل إنه ليكتسب من القوة والمشروعية والقبول بقدر ما وقع على المرأة من ظلم وانتقاص. هذا كما قلنا أمر لا ينازع فيه، والسبب في ذلك أن ديننا واضح، وكما أوردنا الآيات السابقة، فكذلك الأحكام ظاهرة، وخطاب المرأة في العبادات وفي الحقوق والواجبات واضح، وأي لبس وتشويش فإزالته بالرجوع إلى كتاب الله، وإلى سنة نبيه ﷺ ، وإلى فهوم أهل العلم الصحيحة السليمة، ولا نحتاج إلى استيراده من أي جهة. لا أستطرد في هذا لأنتقل إلى شعار تحرير المرأة.
следующие страницы →