Полный текст (918 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
نظرات في الوقف
الوقف صورة من صور الإحسان الكبرى، وقد كان للوقف أهمية عظمى في حياة الصحابة رضوان الله عليهم، وقد كان الصحابة يوقفون أحب الأموال إليهم، والأوقاف لا تقتصر على سد حاجة الفقراء والمساكين والأرامل والأيتام فقط، بل يتعدى الوقف إلى بناء المساجد والمستشفيات والمشاريع الإنمائية، وكفالة طلاب العلم.
ويجب على من أراد أن يوقف مالاً في سبيل الله أن يحذر أن يوقف شيئاً لأمور لا ترضي الله جلَّ وعلا، وعلى من تولوا أمور الوقف أن يتقوا الله، ويحفظوا الأمانة المنوطة بأعناقهم.
стр. 177
الوقف صورة كبرى من صور البر والإحسان
الحمد لله، الحمد لله على عظيم بره وجزيل إحسانه، أحمده -سبحانه- حمداً يليق بكماله وجلاله وسلطانه، وأشكره على فضله وجوده وامتنانه، شكراً لا يحصيه متحدثٌ بلسانه، ولا بليغٌ ببيانه.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً تبلغ الفردوس من جِنانه، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله الداعي إلى سبيل الله ورضوانه، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأنصاره وأعوانه، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد:
فأوصيكم -أيها الناس- ونفسي بتقوى الله ، فاتقوا الله -رحمكم الله- فتقواه سبحانه هي الذُّخر الباقي، والدرع الواقي، من اتقى الله وقاه، ومن اعتمد عليه كفاه، ومن لاذ به حفظه وحماه.
أيها المسلمون: الإسلام دين الكمال والشمول، كمال وشمول يُساير متطلبات الفرد، وحاجات الأمة، ويُحقق العزة والكرامة لأهل الإسلام في دارهم الدنيا والآخرة، دينُ حقٍّ جاء بكل ما يُوثِّق عُرى التواصل بين المسلمين، ويقوِّي آواصر التكافل بين المؤمنين، حوى كل سُبل الخير، وشمل جميع أنواع البر: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة:٢].
لكي يتجسد هذا التعاون، وتتجلى صور البر والتكامل، فليتأمل المتأمل! فيما وضع الله في الناس من مواهب وقدرات، لقد قسَّم سبحانه بينهم تلك المواهب والقدرات: ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف:٣٢].
الناس بحكمة الله ورحمته وعدله يختلفون في مواهبهم وطاقاتهم وعقولهم وجهودهم وهِمَمهم وأعمالهم، منهم من يفتح الله على يديه: ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٣] يوسع عليه رزقه، ويبسط له في ماله، وفئات أخرى قد قُدِّر عليها رزقُها، وقلَّت مواردها، إما لنقصٍ في قُدراتها، وإما لعجزٍ في مدركاتها، وإما لإعاقاتٍ في أبدانها، فيها الصِّغار والقُصَّار، وفيها أصحاب العاهات والإعاقات، لا يقدرون على مباشرة حرف، ولا يحسنون صنائع.
إن التكافل في أجلى صوره، والتعاون في أوضح معانيه، يتجلَّى في رعاية أحوال أصحاب هذه الفئات العاجزة، والقدرات القاصرة، في أبدانها وعقولها عاجزة عن تحصيل المال، غير قادرة على موارد الكسب، إنَّ لهذه الفئات نصيباً في أيدي قادرين، وحقاً في هذه الأموال المتكاثرة والثروات المتنامية.
وإن الإحسان في الإسلام واسع الأبواب، متعدد الطرق، متنوع المسالك: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٧٧].
أيها الإخوة: وهذه وقفة مع صورة كُبرى من صور البر والإحسان في الإسلام، صُورة تُغطِّي جانباً من جوانب التكافل، وتُعالج معالجةً حقيقةً كثيراً من حاجات المجتمع واحتياجاته.
صورة تبرز ما للمال من وظيفةٍ اجتماعية تحقق الحياة الكريمة، وتدفع وطأة الحاجة، وينعم المجتمع كله بنعمة الأُخوة الرحيمة، والألفة الكريمة.
صورة يجد فيها العاجز المحتاج في مجتمعه مَن يُشاطره آلامَه وهمومَه، ويفرج عنه أحزانَه وغمومَه.
تلكم هي -أيها الإخوة-: الأوقاف والأحباس.
الأوقاف تبرز التعاون بنوعَيه، وتجسد التكافل بمسلكَيه:
١ - التعاون بين عموم المسلمين.
٢ - والتكافل بين الأسر والأقارب.
الوقف من أفضل الصدقات، وأجلَّ الأعمال، وأبرَّ الإنفاق، وكلما كان الوقف أقرب إلى رضوان الله، وأنفع لعباد الله، كان أكثر بركة وأعظم أجراً.
الوقف في الدنيا بر الأصحاب والأقارب، وفي الآخرة تحصيل الثواب وطلب الزلفى من رب الأرباب .
الوقف انتفاع دارٌّ متواصل على طبقات المحتاجين، من الأقربين والأبعدين، من الأحياء والميتين إنه عمل صالح، ومسلك رابح.
الأوقاف تُجسِّد مسئولية القادرين على القيام بمسئولياتهم: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص:٧٧] إحسانٌ بالقول والمال والعمل.
في الوقف ضمانٌ لحفظ المال، ودوام الانتفاع به، وتحقيق الاستفادة منه مُدَداً طويلة، وآماداً بعيدة.
стр. 178
حرص الصحابة على وقف أموالهم قربة إلى الله
من أيام الإسلام الأولى بادر أصحاب رسول الله ﷺ في وقف نفيس أموالهم، وتحبيس عزيز دُورِهم وعقارهم.
стр. 179
عمر بن الخطاب يوقف أنفس مالٍ له
هاهو عمر بن الخطاب ﵁ يستأذن رسول الله ﷺ في طرق الخير ووجوه البر قائلاً: ﴿يا رسول الله! إني أصبتُ مالاً بـ خيبر، لم أُصِبْ مالاً أنفس عندي منه، فما تأمرني؟ فقال ﵊: إن شئت حبَّسْتَ أصلها وتصدَّقت بها، غير ألا يُباع أصلُها ولا يُوهَب ولا يرد، فتصدق بها عمر في الفقراء، وفي القربى، وفي الرقاب، وفي سبيل الله، وابن السبيل، والضعيف، لا جناح على من وَلِيَها أن يأكل منها بالمعروف، أو يُطْعِم صديقاً غير متمول فيه﴾ متفق عليه.
стр. 180
أبو طلحة ينفق أحب ماله على أقاربه
وهذا أبو طلحة ﵁ كان أكثر أنصاريِّي المدينة مالاً من نخل، وكان أحب ماله إليه بَيْرُحاء، مستقبلة المسجد، وكان النبي صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب، قال أنس بن مالك ﵁: ﴿لما نزل قوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران:٩٢] قام أبو طلحة فقال: يا رسول الله! إن الله يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران:٩٢] وإن أحب أموالي إليَّ بَيْرُحاء، وإنها صدقة لله، أرجو برها وذخرها عنده، فضعها حيث أراك الله، فقال رسول الله ﷺ : بَخٍ بَخٍ، ذاك مال رابح -أو رائح- وقد سمعتُ ما قلتَ، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين، قال أبو طلحة: أفعل ذلك يا رسول الله؟ فقَسَّمَها أبو طلحة في أقاربه وفي بني عمه﴾.
ووقف أبو بكر ﵁ رِباعاً له بـ مكة على الفقراء، والمساكين، وفي سبيل الله، وذوي الرحم القريب والبعيد.
ووقف عثمان، وعلي، والزبير ﵃ أجمعين.
ووقف من أمهات المؤمنين: عائشة، وأم سلمة، وصفية، وأم حبيبة ﵅.
وخالد ﵁ احتبس أدْرُعَه وعتاده في سبيل الله.
يقول جابر ﵁: [[ما بقي أحد من أصحاب رسول الله ﷺ له مقدرة إلا وقف]].
ويقول الإمام الشافعي ﵀: "لقد حفظنا الصدقات من كثير من المهاجرين والأنصار، لقد حَكَى لي عدد كثير من أولادهم وأهليهم أنهم لم يزالوا يلُون صدقاتهم حتى ماتوا، ينقل العامة منهم عن العامة، لا يختلفون فيه".
وسار من بعدهم الأغنياء والموسرون من المسلمين، فأوقفوا الأوقاف، وأشادوا الصروح، بنوا المساجد، وأنشئوا المدارس، وأقاموا الأربطة.
стр. 181
دوافع الوقف
ولو تأملتَ دقيق التأمل! لرأيت أن هؤلاء القادرين الأخيار، والأغنياء الأبرار، لم يدفعهم إلى التبرع بأنْفَس ما يجدون، وأحب ما يملكون، ولم يتنازلوا عن هذه الأموال الضخمة والثروات الهائلة إلا لِعِِظَم ما يرجون من ربهم، ويُؤمِّلون من عظيم ثواب مولاهم، ثم الشعور بالمسئولية تجاه الجماعة والأقربين، يدفعهم كل ذلك إلى أن يرصدوا الجزيل من أموالهم ليستفيد إخوانهم أفراداً وجماعات، جمعيات وهيئات، أقرباء وغرباء.
وثمة دافع آخر وهو: الدافع الأسري العائلي؛ إذ تتحرك عنده مشاعر القُربى، وعواطف الرحمة، فيندفع ليؤمِّن لذريته مورداً ثابتاً يعينهم على نوائب الدهر، وتقلبات الزمن، فيحميهم -بإذن الله- من الفاقة، أخذاً من عموم قوله ﷺ : ﴿إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس﴾ بل إن من هؤلاء الأغنياء الحكماء قد يتوجسون خيفة من أن بعض الذرية لا يحسن التصرف في الثروة، أو يخشى عليهم الخلاف والنزاع والفرقة، فمن أجل مصلحتهم ومصلحة ذرياتهم وأقاربهم يُوقفون بعض الأعيان والأصول ليحفظ الثروة من الضياع، ويكف الأيدي من التلاعب، وبهذا يكون النفع مستمراً، والفائدة متصلة غير منقطعة.
قال بعض أهل العلم: الوقف شُرِع لمصالح لا توجد في سائر الصدقات، فإن الإنسان رُبَّما صرف مالاً كثيراً ثم يُفنى هذا المال، ثم يحتاج الفقراء مرة أخرى، أو يأتي فقراء آخرون فيبقون محرومين، فلا أحسن ولا أنفع للعامة من أن يكون شيءٌ حبساً للفقراء وأبناء السبيل، يُصْرَف عليهم من منافعه ويبقى أصله.
في الوقف تطويل لمدة الانتفاع من المال، فقد تُهَيَّأ السبل لجيلٍ من الأجيال لجمع ثروةٍ طائلة، ولكنها قد لا تتهيأ للأجيال التي بعده؛ فبالوقف يمكن إفادة الأجيال اللاحقة بما لا يضر الأجيال السابقة.
стр. 182
الوقف مجالاته واسعة وميادينه متعددة
أيها الإخوة: والأوقاف والأحباس ليست مقصورة ولا محصورة في الفقراء والأقربين، ولكنها أوسع من ذلك وأشمل.
لقد كان للوقف أثراً عظيماً في نشر الدين، وحمل رسالة الإسلام، ونشاط المدارس، والحركة العلمية في أقطار المسلمين وأقاليمهم، في حركة منقطعة النظير غير متأثرة بالأحداث السياسية والتقلبات الاجتماعية، فوفَّرت للمسلمين نتاجاً علمياً ضخماً، وتراثاً إسلامياً خالداً، وفحولاً من العلماء برزوا في تاريخ الإسلام؛ بل في تاريخ العالم كله.
في الوقف: تحقيق مصالح للأمة، وتوفير لكثير من احتياجاتها، ودعم لتطورها ورقيها وصناعة حضارتها.
إنه يوفر الدعم المادي للمشروعات الإنمائية والأبحاث العلمية.
إنه يمتد ليشمل كثيراً من الميادين والمشروعات التي تخدم في مجالات واسعة وميادين متعددة ومتجردة.
إن المساجد ما كانت لتُعْمَّر وتنتشر هذا الانتشار في تاريخ الإسلام كله إلا بطريق الأوقاف أوقاف يُصْرَف ريعها من أجل حفظ كتاب الله وكتابته وطباعته ونشره، ويُصْرَف في الدراسات القرآنية, وخدمة علوم السنة وسائر فروع علوم الشريعة.
الأوقاف دعامة من الدعامات الكُبرى للنهوض بالمجتمع، ورعاية أفراده، وتوفير الخدمات الاجتماعية والصحية والتعليمية.
بالأوقاف تُبْنَى مَصَحَّات ومستشفيات، يُراعى فيها أحوال الفقراء وذوي الدخول المتدنية.
تُشاد بها دور وملاجئ وأربطة تحفظ اليتامى، وتؤوي الأرامل، وتقي الأحداث مصارع الضياع، نُزُلٌُ وفنادق تؤوي المنقطعين والمحتاجين من الغرباء وأبناء السبيل، مؤسسات إغاثية ترعى المنكوبين من المسلمين في كل مكان، صناديق أوقاف لإعانة المعسرين وتزويج غير القادرين.
تقوم على الأوقاف مدارس وجامعات، وعلوم وأبحاث، ذوو اليسار والغنى، يمدون المؤسسات والصناديق الوقفية بأموالهم، والخبراء والمتخصصون والمتفرغون الموثوقون يديرون هذه المؤسسات والصناديق بشروط دقيقة، وأنظمة شاملة، على ما يقتضيه الشرع المطهر.
أيها المسلمون: إن الإسلام بتاريخه وحضارته قد تميزَّ فيما تميز بما أبرزه المسلمون من أوقاف على مساجدهم ومدارسهم وطلبة العلم فيهم، وذوي الحوائج منهم، مما كان له الأثر البالغ في نشر الإسلام، وتنشئة المسلمين على العلم والصلاح، وحفظ كرامة المحتاجين، ورعاية الأقربين، وحفظ أصول الأملاك، فأغنت -بإذن الله- وأغاثت وأعفَّت وعاشوا أعزة لا يمدون يداً للئيم.
وبعد أيها الإخوة: ففي نظرة عاقلة متبصرة يتبين أن مال الإنسان ما قدَّمه لنفسه ذخراً عند ربه: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ [الأنعام:٩٤].
وفي الحديث الصحيح: ﴿يقول ابن آدم: مالي مالي! وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدَّقت فأبقيت، وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس﴾.
وفي الحديث الآخر: ﴿إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به بعده، أو ولد صالح يدعو له﴾ والإنسان ينتقل من دنياه غنياً عما خلف، فقيراً إلى ما قدم.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٧٢].
نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبهدي محمد ﷺ .
وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 183
نصائح تتعلق بالوقف
الحمد لله على ما هدى، والشكر له على ما أنعم وأولى، أستغفره وأتوب إليه، يعلم السر وأخفى.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً تُقرب لديه الزلفى، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله الأصفياء، وأصحابه النجباء، والتابعين ومن تبعهم بإحسان ومن سار على نهجهم واقتفى.
أما بعد:
стр. 184
الوقف بين القُرب والبدع
فاتقوا الله -عباد الله- وليتقِ الله الواقفون ونُظَّار الأوقاف، وليتحرَّ الواقف في وقفه أن يكون مما يُتَقَرَّب به إلى الله ، مبتعداً عن المبتدَعات والمحرَّمات، وإقامة مواسم البدع، مبتغياً في وقفه مرضاة الله، متبعاً سنة رسول الله ﷺ ، معظِّماً حرمات الله.
وليحذر مما يفعله بعض الواقفين من المقاصد السيئة الذين يجعلون من الوقف ذريعةً لحرمان بعض الذرية، فيحرِمون البنات، أو يجعلون القسمة ضيزى بين الذكور والإناث: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً﴾ [النساء:٩].
لقد كثرت هذه المآثم حتى شوَّهت الأوقاف، وأخفت في بعض الأحيان خيراتها ومنافعها، ولقد ظهر شيء من هذا الانحراف في أواخر عهد الصحابة رضوان الله عليهم حتى قالت أم المؤمنين عائشة ﵂ منكرة على هؤلاء فعلتهم قالت: [[ما وجدت للناس مثلاً اليوم في صدقاتهم إلا كما قال الله : ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾ [الأنعام:١٣٩] والله إنه ليتصدق الرجل بالصدقة العظيمة على ابنته فتُرَى غَبارَة -أي: نضارة- صدقته عليها، وتُرَى ابنته الأخرى، وإنه لتُعْرَف عيها الخصاصة -أي: المجاعة وشدة الحاجة- لِما أبوها أخرجها من صهرته]].
стр. 185
يا نظار الوقف! الزموا الأمانة واحذروا الخيانة
أما نُظَّار الأوقاف والمتولُّون عليها فقد سلَّطهم الله على هذه الأوقاف ومكَّنهم منها، فليتقوا الله في ما عَهُد إليهم وما ائتمنوا عليه من أموال المسلمين، وليحذروا غضب الله وسخطه ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ﴾ [الشعراء:٨٨]، ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غافر:٥٢].
يا نظراء الأوقاف! إن في أعناقكم صِغاراً وقُصَّاراً، وعجزة وأرامل، لا يحسنون التصرف في الأموال، ولا يقدرون على الإحسان بالأعمال، بل لعلهم لا يعرفون ما الذي لهم، إن في أماناتكم فقراء في أشد الحاجة إلى سد العَوَز.
أيها الإخوة: إن الخونة من النُّظَّار ومتولي الأوقاف أشد جُرماً من اللصوص وقطَّاع الطريق.
إن اللص يحتال ويسلب من غيره؛ ولكنَّ هذا الخائن يسلب مما هو مؤتَمَن عليه، اللص ضرره على الأحياء، أما هذا الخائن فضرره على الأحياء والأموات، اللص لا يسطو في الغالب إلا على مَن هم مظنة الغنى والثراء، أما هذا المجرم الأثيم فيسطو على حقوق الأرامل واليتامى والمساكين، يقطع ما أمر الله به أن يوصل.
ما أعظم ذنب الخونة هؤلاء! وما أشد وزرهم! جعلوا غلات الأوقاف نهباً لهم ولمن حام حولهم؛ فنُهِبَت الأراضي، وخُرِّبت الدور، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!
وعلى قضاة المسلمين -وفقهم الله وأعانهم- أن يولوا الأوقاف مزيد العناية في أهلها ومستحقيها وأصولها ونُظَّارها ومتوليها.
والمسلمون كلهم في الحق متضامنون ومتعاونون، وعلى دفع الظلم والإثم متآزرون، والجميع غداً بين يدي الله موقوفون، وبأعمالهم مجزيون، وعلى تفريطهم نادمون: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء:٢٢٧].
هذا وصلوا وسلموا على المبعوث رحمةً للعالمين، النبي الصادق الأمين، فقد أمركم بذلك ربكم، فقال عز قائلٍ عليماً: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].
اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، والخلق الأكمل، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين.
وارضَ اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين، الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بعفوك وجودك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، واحمِ حوزة الدين، وانصر عبادك المؤمنين.
اللهم انصر دينك، وكتابك، وسنة نبيك محمد ﷺ ، وعبادك المؤمنين.
اللهم آمِنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل اللهم ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين!
اللهم وفق إمامنا بتوفيقك، وأيده بتأييدك، وأصلح له بطانته، وأعز به دينك، وأعلِ به كلمتك، واجمع به كلمة المسلمين على الحق يا رب العالمين!
اللهم وفق ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك وبسنة نبيك محمد ﷺ ، واجعلهم رحمة لرعاياهم، واجمعهم على الحق يا رب العالمين!
اللهم وأبرم لأمة الإسلام أمر رشد، يُعَزُّ فيه أهل طاعتك، ويُذَلُّ فيه أهل معصيتك، ويُؤْمَر فيه بالمعروف، ويُنْهَى فيه عن المنكر، إنك على كل شيء قدير.
اللهم وأصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، والموت راحة لنا من كل شر، وأحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة.
اللهم انصر المجاهدين الذين يُجاهدون في سبيلك، ولإعلاء كلمتك، وإعزاز دينك.
اللهم انصرهم في فلسطين، وكشمير، وكوسوفا وفي كل مكان يا رب العالمين.
اللهم انصرهم وأيدهم وأعنهم ولا تعن عليهم، واجعل لهم من لدنك ولياً ونصيراً ومعيناً وظهيراً.
اللهم واخذل أعداءهم، واجعل الدائرة عليهم، واجعل كيدهم في نحورهم يا قوي يا عزيز.
رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ.
فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.
стр. 186
أفرأيت من اتخذ إلهه هواه
لقد حذر الشارع الحكيم من الهوى واتباعه، وبين أن بعض المتبعين للهوى قد اتخذوه إلهاً، وعلَّق فساد السماوات والأرض باتباع الأهواء، ومن القضايا التي قام الشيخ بتوضيحها، بيان أن حق الاختيار والتشريع لله، وأن الاستجابة لا تكون إلا لله ورسوله ﷺ .
стр. 187
آيات منذرة من اتباع الهوى
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الحمد في الآخرة والأولى، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله بعثه بالهدى، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجعلنا على المحجة البيضاء، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله الأصفياء، وأصحابه الأتقياء، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ وسار على نهجهم واقتفى.
أما بعد:
فإن أحسن الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار.
أيها الإخوة: أحييكم بتحية الإسلام، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
إن هذا التقديم الذي قدم به فضيلة الشيخ مرحباً ومبدياً التحايا والترحيبات -وقبل ذلك لقيت ترحيباً حاراً غمرني وأخجلني- من أهل هذا البلد المضياف الطيب الكريم، وهو غير مستغرب منهم ولا فيهم، فهم أهل الكرم والخير والفضل، فشكر الله لهم، وأجزل لهم المثوبة، وأخص بالذكر-: ﴿ومن لا يشكر الناس، لا يشكر الله﴾ كما جاء في الحديث- نادي مرخ الرياضي، فقد كنا باستضافته الليلة الماضية ولا زلنا، ورأينا فيه أموراً طيبةً ومشجعة، فحق على أهل العلم، وعلى أهل الدعوة أن يشاركوا بتوجيههم في مسيرته الطيبة الخيرة، ليكون على النحو المرضي الذي يسر أهل الخير، فلهم مني خالص الشكر وجميل الثناء.
أيها الإخوة: الحديث الذي رُغب مني أن أتقدم به إليكم، وهي كلمات في هذا البيت من بيوت الله، حول الهوى - ونعوذ بالله من اتباع الهوى- وقد قدم فضيلة الشيخ، وأشار إلى عظم هذه المسألة، وأهمية هذا الأمر، وقد سمى الله بعض المتبعين للهوى أنهم قد اتخذوه إلهاً في آيات كثيرة.
ومن هنا فإن هذا الحديث سوف يكون مشتملاً على عدة أمور لعل فيها جمعاً لهذا الموضوع، وإلا فهو واسع، ومن هذه الأمور التي سوف تعرض في هذا اللقاء استعراض بعض الآيات في الهوى، واتباعه والتحذير منه ولا سيما أهله، ومنه كذلك تقرير أن حق الاختيار، وحق الأمر والنهي هو لله وحده.
فإذا تقرر هذا وعلم المسلم أن الله وحده له حق الخلق، فليعلم أن الله وحده له حق الاختيار، قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص:٦٨].
وهذا الأمر إذا استقر في النفوس، واستيقنته القلوب، حينئذٍ يتبين كيف يصيب الشطط أصحاب الهوى، وأتباع الهوى، ثم بعد ذلك نتكلم عن الاستجابة لله ولرسوله، وأنه لا تتحقق الاستجابة إلا بالتجرد من الهوى، وأن من انقاد إلى الهوى فقد جانب الاستجابة لله ولرسوله بمقتضى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [القصص:٥٠].
ثم بعد ذلك نشير إلى شيء من الشهوات والشبهات الصادة عن سبيل الله ، والقائدة إلى الهوى، ثم نبين مواطن يتبين فيها امتحان الهوى، وكيف يتحسس المسلم هل هو متبع لهواه أم ليس متبعاً لهواه، ثم النقطة الأخيرة لصور من اتباع الهوى، بحيث إنه حينما يشعر بها المسلم ويراها يكون عنده ميزان، هل هو متبعٌ لرغبات نفسه، أم متبع لقول الله وقول رسوله في أمور قد تشتبه، لكن حينما أنقلها لكم -كما صورها العلماء- فإني لا آتي بجديد، وأنا حريص على أن أكون متصلاً بكتب أهل العلم، فأغلب ما سوف تسمعونه هو من كلام السلف ﵏، وأخص شيخ الإسلام والإمام شمس الدين ابن القيم ﵀، وقبله الإمام ابن الجوزي.
من الآيات التي فيها ذكر الهوى وسوء اتباعه وصفة متبعيه ومصيرهم قوله تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم:٢٣] وسوف تأتي إشارة إلى منهج المصطفى ﷺ ، والسر في قوله تعالى في أول السورة: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم:٢] وجاء في ثناياها: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾ [النجم:٢٣] ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾ [النساء:١٣٥].
إذاً: فإن مقابل الحق القسط والحكم بالعدل: الهوى؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾ [النساء:١٣٥].
ومن ذلك قوله تعالى مبيناً حال الفريقين -فريق الجنة وفريق السعير-: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات:٣٧ - ٤١].
إذاً: إيثار الحياة الدنيا، والطغيان المادي نتيجة الثرى مظهر من مظاهر اتباع الهوى، أما من خاف مقام ربه، ونهى النفس عن الهوى، فإن الجنة هي المأوى.
ومن ذلك أيضاً قوله تعالى، وهذا أيضاً في مسلك من مسالك أهل العلم -نسأل الله السلامة- ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ [الأعراف:١٧٥ - ١٧٦].
فإذاً قد يكون من مسالك أهل العلم- نسأل الله السلامة- ما يقود إلى الهوى، وسوف نشير إلى ذلك في ثنايا الحديث، ومن ذلك أيضاً قوله تعالى في خطابه لنبيه موسى: ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى﴾ [طه:١٦].
ومن ذلك أيضاً قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً * أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الفرقان:٤٣ - ٤٤] وهذا شأن الكافرين مهما كان عندهم من العلوم، ومهما كان عندهم من المعارف، وكذلك المنافقون؛ بل حتى العصاة أثناء مزاولة المعاصي، فهم متبعون أهواءهم، مغلقون عقولهم، بل عقولهم مطبوع عليها أثناء الإتيان للمشتهيات، حتى قال ﷺ : ﴿لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن
стр. 188
تقرير أن حق التشريع لله
إذا كان الأمر كذلك، وإذا كان هذا هو شأن اتباع الهوى، وما يؤدي إليه الهوى؛ فعلينا أن نقرر حقيقة لا بد أن ننطلق منها، وعلى ضوئها يكون بعدنا وقربنا من الحق، يقول الله : ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [القصص:٦٨] ومن إعجاز القرآن الذي يدل على أنه حق من عند الله، ولا تنقضي عجائبه أن هذه الآية هي في نفس السورة التي يقول الله فيها: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص:٥٠].
فما هي المناسبة بينهما عندما قال الله: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص:٥٠] وقال بعد السياق: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص:٦٨] ثم بعد آيات تأتي قصة قارون: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أشَدُّ قُوَةً وَأكْثَرُ جَمْعاً﴾ [القصص:٧٨]؟ فتفسيرات وتبريرات كل فيها مخالف للحق، ومتبع فيها الهوى والرغبات والشهوات، وخاصة شهوة المال، وكذلك شهوة الحكم والاستعلاء عند فرعون، فالآيات التي في سورة القصص كلها تتكلم عن سلطان الحكم، وسلطان المال ممثلاً في سلطان قارون، فالسورة هذه فيها عجائب، وفيها هاتان القاعدتان: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [القصص:٥٠] وفيها: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص:٦٨].
عند تقرير حق الاختيار لله يتبين لنا مسالك أهل البدع، ومسالك أهل الأهواء، وذلك أن الله يقول: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص:٦٨] ولاحظ أن الله قرن الخلق بالاختيار.
إذاً: الخلق مسلَّم، والناس يعلمون أن الخالق هو الله وحده، ولم يدع أحدٌ أنه يخلق أو يرزق، والمشركون مقرون لله بتوحيد الربوبية، وأنه هو الخالق الرازق، المحيي المميت، منزل الغيث إلى آخره كما أن له حق الخلق، ولهذا قال: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص:٦٨] ليس لأحد من خلق الله مهما كانت منزلته، ومهما كان مقامه الخيرة من أمره، سواء كان ملكاً أو نبيناً أو ولياً، فكيف بمن دونه من أهل علم أو دونهم؟!
فالاختيار لله في أمر التشريع بأمر التوجيه: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص:٦٨] ثم قال: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [القصص:٦٨].
إذاً: من أعطى الاختيار لغير الله، أو أعطى لغير الله حق الاختيار فهو مشرك كمن أعطى حق الخلق لغير الله.
وأكثر ما ينصب هذا الأمر على العبادة التي هي محض حق لله وحده، أما في أمور الدنيا فقد جعل الله للناس فيها نوع اختيار، والأصل فيها الإباحة، لكن في العبادات، الأيام أيام الله، والبلاد بلاد الله، فاختار الله أماكن وجعلها أشرف البقاع، فليس لنا أن نضفي على أي بقعة قداسة، ولا نعتقد فيها أي بركة إلا بمقتضى النص، ومن ذلك أن الله خص مكة وشرفها، وبين ذلك في كتابه، وبينه لنا رسوله محمد ﷺ : ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً﴾ [آل عمران:٩٦ - ٩٧].
والمدينة شرفها الله، وأخبر نبينا ﷺ ما فيها من الفضل، وبيت المقدس الله أخبر عن فضله، فقال :
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء:١].
فالبركات لا نعرفها إلا بمقتضى ما أخبرنا الله ورسوله محمد ﷺ .
إذاً: فحق الاختيار، أن يختار هذا المكان ليكون أطهر البقاع، وذلك المكان ليكون فيه مزيد فضل، وليس لنا أن نقول: إن تلك البقعة مباركة أو مقدسة، أو فيها فضل أو حسنات، هذا فيما يتعلق بالأماكن.
أما الذي يتعلق بالأيام والشهور والساعات فالأصل أن الأيام أيام الله، وأنها متساوية إلا إذا جاء خبرٌ من الله في كتابه، أو خبرٌ عن رسوله محمد ﷺ يقول فيه: إن هذا فيه مزية، وقد جاءت أيام لها مزايا، وشهور لها فضائل، تختلف عن الأشهر الأخرى، فشهر رمضان له فضل، فمن أدى فيه نافلة كان كمن أدى في غيره فريضة، ومن أدى فيه فريضة كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه، وهذا فضل عظيم، ولا نستطيع أن نقول: إن هذا في شوال، أو صفر، أو ربيع، ثم في نفس رمضان هناك أيام تفضل، فالأيام العشر الأخيرة أفضل من بقية أيام رمضان، وليلة القدر أفضل الليالي كلها.
إذاً: هذه كلها لا نعرفها بالاجتهاد، ولا نعرفها بالعقل، إن فعلنا هذا سلكنا جانب البدع، وحينئذٍ البدع هي بمستحسنات عقولنا، أي: بأهوائنا، وهذا اتباع للهوى ولا محالة.
ونبينا محمد ﷺ أخبرنا، أن ليومي الإثنين والخميس مزيد فضل بالصيام خاصة، وليس فيه مزيد فضل الصدقة.
ويوم الجمعة له مزيد فضل -لكن لا يصام- وفضله في ساعة الإجابة التي فيه، وفي كثرة الصلاة والسلام على النبي ﷺ ، وعلى حسب ما ورد في النصوص، إذاً: لا نجتهد فنقول: يوم الجمعة فاضل فنحن نتصدق فيه ونصوم، لا.
فالفضل إنما يتأتى بمقتضى النص.
فيوم الإثنين فضله في الصيام، ولهذا لا يمكن أن يحتج علينا أحد ويقول: يوم الإثنين هو يوم ولد فيه الرسول ﷺ ، إذاً: فكل أيام المولد له ﷺ نحتج بها، نقول: لا.
الفضل في يوم الإثنين هو للصيام، ولا نضع ولائم، ولا احتفالات، ولا زيادة صدقات.
إنما نقتصر في التعبد على النص، وليس لنا أن نختار.
ومثل هذا حفل يوم الخميس ويوم الجمعة، وصيام ست من شوال هذا خاص، ولا نصو
стр. 189
الاستجابة لله ولرسوله
قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [القصص:٥٠] إذاً الأمر مقسوم إلى طريقين: إما الاستجابة لله ولرسوله، وإما اتباع الهوى لا محالة: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [القصص:٥٠].
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١] وكما ورد في الحديث: ﴿لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به﴾ والحديث فيه مقال.
стр. 190
علاقة المحبة بالاتباع
ولا مانع أن نقف قليلاً عند موضوع المحبة لأنها تقيد موضوع الهوى، والنبي ﷺ يقول كما في حديث أنس في البخاري: ﴿ثلاثٌ من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار﴾.
إذاً: قضية المحبة لا شك أن للنفس فيها مدخل، والله وضع في فطر الناس أن يحبوا أشياء، والله حينما استخلفهم في هذه الدنيا وسخر لهم ما سخر، واستعمرهم فيها -أي: طلب منهم عمارتها- هيأ لهم الوسائل والأسباب، وغرس في فطرهم محبة الدنيا والأموال والأولاد والأزواج والبيوت والبلاد والمساكن، فالإنسان يحب وطنه ومسكنه، ويحب أشياء كثيرة.
إذاً: هذه الأمور فطرية، ونحن نعلم أن الإسلام لا يعارض الفطرة، وأن الأشياء الغريزية مقرة في الدين، ولهذا حينما حرم الزنا أباح النكاح، ولم يلم على محبة المال والأهل، إنما يتبين الهوى -كما سنذكر في صور اتباع الهوى- حينما يكون ثَم ابتلاء، ولهذا في قوله ﷺ : ﴿أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما﴾ هذا معناه: أنه يحب، فالإنسان في فطرته أنه يحب ولده ومن أحسن إليه، ويحب صديقه وجاره، ويحب ابن بلده أكثر من الغريب، فهذه قضايا معروفة.
ويبين هذا ويقرره آية أخرى، وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْأِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة:٢٣ - ٢٤].
إذاً: أغلب هذه الأشياء المذكورة هي المحاب، وهي التي يحبها الإنسان، ويميل إليها بطبعه، ويفضلها على كثير مما يراه: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ﴾ [التوبة:٢٤] فالإنسان يحب أهله وقبيلته وأبناء بلده، ﴿وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا﴾ [التوبة:٢٤] وكذلك يحب المال، وكل تلك المحبة إنما هي لعمارة الأرض؛ لأنه مكلف بعمارتها على ما أمر الله به، لكن حينما يتعارض عنده أمران: شهوة نفسه وزوجه وماله، مع أمر النبي ﷺ أو أمر الله ، فإن قدم شهواته ومحابَّه على مراضي الله وأوامره؛ حينئذٍ يكون قد اتبع الهوى، وهذا هو الابتلاء، أما حينما لا يكون هناك تعارض لا يكون هناك ابتلاء كما سنرى في صور اتباع الهوى، ولهذا قال الله : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ [الحج:١١].
والهوى أخشى ما يكون في حال الابتلاء والافتتان، ولهذا بعض الناس قبل أن تهيأ له سبل المعاصي واتباع الهوى يؤدي الصلوات الخمس ويستمر في الطاعة، لكن حينما تلوح لائحة هوى، كأن ينفتح له باب تجارة أو باب شهوة من زنا ونحوه؛ فإنه يسقط على وجهه، وبعض الناس قد يحافظ على الصلاة ولكنه يغش في تجارته، أو يرابي أو يرتشي، وهنا الخطورة! يصلي ويتعبد وهو منحرف في اتجاه آخر، هنا يكون محك اتباع الهوى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية:٢٣].
إذاً: بهذا التقرير يتبين معنى قوله : ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص:٥٠].
стр. 191
كلام ابن القيم في الاستجابة لله ولرسوله
ولـ ابن القيم ﵀ كلامٌ جميلٌ في الاستجابه لله ولرسوله قال: افترض الله على عباده طاعة الرسول ﷺ وتعزيره وتوقيره ومحبته، والقيام بحقوقه، وسد دون جنته الطرق، فلن تفتح لأحد إلا من طريقه ﵊، فشرح له صدره، ورفع له ذكره، ووضع عنه وزره، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمره، ففي المسند من حديث أبي منيب الجرشي عن عبد الله بن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقومٍ فهو منهم﴾.
وجانب التشبه اتباع للهوى، وكما أن الذلة مضروبة على من خالف أمره؛ فالعزة لأهل طاعته ومتابعته، قال : ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٩].
وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون:٨] وقال تعالى: ﴿فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٥] ويقول : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:٦٤].
قال: وبحسب متابعة الرسول ﷺ تكون العزة والكفاية والنصرة، كما أنه بحسب متابعته تكون الهداية والفلاح والنجاح، فالله سبحانه علق سعادة الدارين بمتابعته، وجعل شقاوة الدنيا والآخرة في مخالفته، فلأتباعه الهدى والأمن، والفلاح والعزة والكفاية والنصرة والولاية والتأييد وطيب العيش في الدنيا والآخرة، ولمخالفيه الذلة، والصغار والخوف والضلال والخذلان والشقاء في الدنيا والآخرة.
وقد أقسم ﷺ بأنه لا يؤمن أحدكم حتى يكون أحب إليه -يعني: النبي ﷺ من ولده ووالده والناس أجمعين، رواه أحمد والبخاري والنسائي.
وأقسم الله بأنه لا يؤمن من لا يحكِّمه في كل ما تنازع فيه، ثم يرضى بحكمه، ولا يجد في نفسه حرجاً مما حكم به، ثم يسلِّم له تسليماً، وينقاد له انقياداً، فقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦] فقطع التخيير بعد أمره وأمر رسوله، فليس لمؤمن أن يختار شيئاً بعد أمره وأمر رسوله، بل إذا أمر فأمره حتمٌ، وإنما في قول غيره إذا خفي أمره.
يعني: إذا لم تكن هناك دلالة واضحة من نص حديث النبي ﷺ أو حتى في القرآن وإنما تبين في قول غيره كقول العلماء به وبسنته، فبهذه الشروط يكون قول غيره سائغ الاتباع، لكنه ليس واجباً، فلا يجب اتباع قول أحدٍ سواه، بل غايته أن يسوغ له اتباعه، ولو ترك الأخذ بقول غيره لم يكن عاصياً لله ورسوله، وهذه قضية مهمة في التقليد، وفي اتباع الهوى، وفي اتباع العلماء وتقديرهم واحترامهم، وهناك فرق بين احترامهم وبين النظر أنهم لا يخطئون، أو التعصب لهم، أو نحو ذلك.
"ولو ترك الأخذ بقول غيره لم يكن عاصياً لله ولا لرسوله، فأين هذا ممن يجب -وهو النبي ﷺ على جميع المكلفين اتباعه، ويحرم عليهم مخالفته؟
فلا يمكن أن يُنْصَبَ قول أحد من أهل العلم مقابلاً لقول النبي ﷺ ، ويجب عليهم ترك قولهم لقوله ﷺ ، فلا حكم لأحدٍ معه، ولا قول لأحدٍ معه، كما لا تشريع لأحدٍ معه، وكل من سواه فإنما يجب اتباعه على قوله إذا أمر بما أمر به، ونهى عما نهى عنه، فكان مبلغاً محَضاً ومخبراً، لا منشئاً ومؤسساً.
فمن أنشأ أقوالاً، وأسس قواعد بحسب فهمه وتأويله، لم يجب على الأمة اتباعها، ولا التحاكم إليها حتى تعرض على ما جاء به الرسول ﷺ ، فإن طابقته ووافقته، وشهد لها بالصحة قبلت حينئذٍ، وإن خالفته وجب ردها واطراحها، فإن لم يتبين فيها أحد الأمرين جعلت موقوفةً، وكان أحسن أحوالها أن يجوز الحكم والإفتاء بها وتركه، وأما أنه يجب ويتعين، فكلا".
إذاً: هذا فيما يتعلق بالاستجابة إلى الرسول ﷺ ، فإنه لا يسع أحداً ألبتة أن يسمع كلام أحدٍ غير كلام رسول الله ﷺ ، وبخاصة إذا كان معارضاً ومشتبهاً، وهذا يظهر كما قلنا في قضية التقليد، وفيما يدور أحياناً في الساحة بين أهل العلم، والمشتغلين بالدعوة في بعض أنواع التوجهات، أو التعصب نحو عالم من العلماء وبخاصة بعض العلماء المعاصرين، فهؤلاء ينبغي أن يعرف فضلهم وعلمهم وباعهم في الدعوة، ولكن الحق أحب إلينا منهم.
وهذا هو الذي يجب أن يتقرر وإلا فكثيرٌ من الذين يقل فقههم أو من الذين لهم أغراض يظن أو يتظاهر بأنه ينتصر للحق، بينما هو ينتصر لنفسه أو لشيخه، وقد قرر ذلك ابن رجب ﵀ تقريراً بديعاً في جامع العلوم والحكم.
يقول: "المجتهد قد أدى ما عليه واجتهد، وتوصل إلى ما توصل إليه، لكن المقلد -وخاصة يقصد طلبة العلم المقلدة- تجده ينتصر لقول هذا الإمام سواء كان حنبلياً، أو شافعياً، أو حنفياً، أو حتى معاصراً وهو في قرارة نفسه لم يتمثل أنه الحق، وإنما يريد أن ينصر إمامه".
فالأئمة المجتهدون أو غيرهم براء مما يفعله هذا المقلد لهم، فكثير منهم يقول: إما أنه ينتصر لنفسه، أو ينتصر لشيخه، ويلبس ذلك بأنه ينتصر للحق، فهنا مداخل دقيقة جداً ينبغي أن يتحراها أهل العلم، ويتحراها أهل الدعوة، نسأل الله السلامة.
إذاً: بعد أن تبين وتقرر المقصود بأن حق الاختيار هو لله وحده، كما أن له حق الخلق في قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص:٦٨] ثم تبين لنا كذلك الاستجابة لله ولرسوله، وأن من لم يستجب، فإنه متبعٌ هواه شاء أم أبى، ولو لبس ذلك بلباس الحق، وهذه قضايا كثيراً ما يكون مدخلها قلبي، على معنى لا تستطيع أن تستكشفه.
فحينما يكون هناك ردود بين العلماء -وبخاصة المعاصرين- فالذي يخشاه المطلع أو القارئ أنه يتلمس من ثنايا هذه الردود أن هناك هوى في النفس وتشهياً، وهو لا يريد الحق لمحض الحق، وإنما يريد الانتصار والعلو، ويريد دحر كلام صاحبه، وأحياناً قد يكون من المعالم على هذا والدلائل عليه: اللجوء إلى التجريح الشخصي، فتجده ينال من عرضه، بينما القضية لا تحتمل، ولا يحتاج إلى أنك تتكلم فيه، أو في شخصه، أو في حاله، وإنما يكون الكلام في الباطل الذي أتى به إن أتى باطلاً، أو شبهةً إن كان اشتبه عليه أمر، أو لَبْس إن حصل عليه لَبْس.
أما أن يميل المرء أو يجنح في عباراته إلى النيل الشديد من غير داع، أو استطال في أعراض المسلمين، فهذا لا شك أنه قد يباح عرضه كما ذكر بعض العلماء: أ
стр. 192
كيفية تبين اتباع الهوى
متى يفحص الإنسان نفسه، ويعلم هل هو متبع لهواه أو لا؟
وهذا قد أشرت إليه قبل قليل في الابتلاء، حينما يبتلى الإنسان إما بالخير، أو بالشر، قد يبتلى بثراء، أو بمال، أو يبتلى بجاه، أو بصحة، أو يبتلى بزوجة يحبها وأولاد، فيتعلق بهذه الأمور، فتكون صوارف عن اتباع الحق، أما في حال الاعتدال فليس هناك ابتلاء.
стр. 193
تقرير ابن تيمية لحديث الأقرع والأبرص والأعمى
قرر شيخ الإسلام ابن تيمية مسألة الابتلاء تقريراً عجيباً في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾ [الحج:١١].
فالابتلاء هو قصة الأعمى والأبرص والأقرع من بني إسرائيل الذين أخبر عنهم النبي ﷺ في حديث أبي هريرة المعروف بحديث الابتلاء، فكانوا في حالٍ يبدو عليهم الهدوء والصلاح، فلما ابتلاهم الله بالمال انتكسوا، ولهذا قيل: (إن من العصمة ألا تقدر)، فبعض الناس أحياناً قد يبتلى بأسفار، فيفسد ويمرج، بينما كان هادئاً لا يتطلع، وليس هناك مغريات ومعاصي، وقد تجده ينبذ أهل المعاصي، لكن حينما يقدر يغلبه هواه، فهذا اتباع الهوى، ومثله أيضاً عندما يكون فقيراً بلا مال، فإذا جاءه مال كان كما قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [التوبة:٧٥ - ٧٦].
فإذاً يتبين امتحان الهوى عند الابتلاء فيقول ابن الجوزي ﵀: تأملت أمراً عجيباً، وأصلاً ظريفاً، وهو انهيال الابتلاء على المؤمن -والمؤمن مبتلى- وعرض صور اللذات عليه مع قدرته على نيلها، وخصوصاً ما كان في غير كلفة من تحصيل كمحبوب موافق في خلوة حصينة إلى آخره، ثم ساق قصة يوسف ﵇، فقال: والله ما صعد يوسف ﵇، ولا ساد إلا في مثل ذلك المقام -يعني: مقام الابتلاء- ابتلي وكان الجو مهيأً للمعصية، فحماه الله .
فيقول ابن الجوزي: فبالله عليكم تأملوا حاله لو كان وافق هواه من كان سيكون.
ثم أيضاً أطال في هذا، وبين عاقبة الصبر، وقارن ذلك بين ذل إخوانه يقول: ومن تأمل ذلة إخوة يوسف ﵇ يوم قالوا: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾ [يوسف:٨٨] عرف شؤم الزلل إلى آخره.
فالهوى اختباره ومحكه هو عند الابتلاء بالخير، أو بالشر.
стр. 194
صور من اتباع الهوى
منها: أن بعض الناس يتعاطى العبادات وكأنها عادات، فتجده في بلده يصلي، لكن إذا سافر تقاعس كثيراً -نسأل الله السلامة- وأخرجها عن وقتها، أو تركها بالكلية ونحو ذلك وهذا انتكاس، يقول تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ﴾ [الحج:١١] ولم يقل خيراً أو شراً، لأنها قد تكون في ظاهرها خيراً أو سروراً ﴿انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾ [الحج:١١] فهذه صورة.
ولهذا قال ابن الجوزي: ترى كثيراً من الناس يتحرزون من رشاش النجاسة، ولا يتحاشون من غيبة.
وهذه قضية مهمة في التفاوت بين العبادات، تجده فعلاً يتهجد في الليل أو يصلي؛ لكن يقع في أعراض الناس وأشياء كثيرة؛ لأنه اتخذها عادة، ولم يأت على القضايا الإسلامية والعبادة على أنها عبادة وتقرب إلى الله ، بينما ما يأتيه من أمور يتساهلها قد تكون محبطة لعمله.
قال: أو يتهجدون بالليل ويؤخرون الفريضة عن الوقت؛ في أشياء يطول عددها من حفظ فروع وتضييع أصول.
يقول: بحثت عن ذلك، فوجدته في شيئين:
أحدهما: العادة.
والثاني: غلبة الهوى في تحصيل المطلوب، فإنه قد يغلب فلا يترك سمعاً ولا بصراً.
ومن الناس: من يطيع في صغار الأمور دون كبارها، وفيما كلفته عليه خفية، وفيما لا ينقصه شيئاً من عادته في مطعم وملبس، ونرى أقواماً يوسوسون في الطهارة، ويستعملون ماءً كثيراً، ولا يتحاشون من الغيبة.
قال: هناك أقوام يستعملون التأويلات الفاسدة في تحصيل أغراضهم مع علمهم أنها لا تجوز، وهذا أحياناً كما قلنا في الردود: يأخذ تأويلات ويتعسف فيها وهو يعلم في قرارة نفسه غير ذلك؛ لكن من أجل أن ينتصر لرأيه أو أن ينتصر لشيخه إلى آخره.
قال: ونرى أقواماً يتركون الذنوب لبعدهم عنها، فقد ألفوا الترك، وإذا قربوا منها لم يتمالكوا أنفسهم.
كما قلنا: بعض الناس قد يترك المعصية لأن الجو لا يساعد عليها، لكن إذا رأى جواً يساعد على المعصية وقع فيها.
هذه قضايا خطيرة وأرجو ألا أطيل، هذا وأسأل الله أن يوفقنا جميعاً لما يحبه ويرضاه، وأختمها بعبارة: (إن متبع الهوى يرى ذليلاً، ضعيف الإرادة، عبداً لهواه ومشتهياته، فحقيقته مقهورٌ مستكين، بخلاف غالب الهوى، فإننا نراه ذا عزيمة وهمة تعلوه العزة والمهابة، وقارن ذلك بين وصف الله للمؤمنين والمنافقين: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون:٨]).
وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله وسلم على خير خلقه نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 195
الأسئلة
.
стр. 196
الحكم على شخص بأنه متبع لهواه
السؤال
متى يحكم على الشخص بأنه قد اتخذ إلهه هواه؟ أو ما التعريف الشامل للهوى؟
الجواب
لعله فُهم من عموم ما سبق أن الهوى يطلق بإطلاقات، الحكم بغير الحق هو حكم بالهوى، والشهادة بغير الحق مهما كانت هي شهادة بالهوى حتى لو كانت لصالح فلان أو فلان، وعموم اتباع الهوى هو مخالفة ما جاء عن الله وعن رسوله، فمن خالفها فهو متبع لهواه، لكن فيما يتعلق باجتهاد المجتهدين فيما للاجتهاد فيه مسار، فهذا ليس اتباعاً للهوى، لأن هناك أموراً تركها الشارع لاجتهاد المجتهدين، وجعلها مجالاً للاجتهاد، فما كان من هذا النوع، أو من هذا الباب، فإن الاجتهاد فيه من أهله لا يعتبر اتباعاً للهوى.
أما ما عدا ذلك وكان مخالفةً بينةً، أو أن إنساناً سلك مسلكاً خطأً من غير تحر، فهذا اتباعٌ للهوى، وهو يختلف، فمنه ما هو في حدود المعاصي، وقد يكون صغيرة وقد يكون كبيرة، ومنها ما هو مخرجٌ من الملة.
أما من اتخذ إلهه هواه فهذا هو الذي لم ينقد لكتاب الله ولا لسنة رسوله محمد ﷺ ، وإنما اتبع رغباته، وانقاد إلى مشتهيات نفسه، فالحلال عنده ما حل في اليد، والحرام عنده ما حرم منه.
فهذا هو من اتخذ إلهه هواه، سواء في أموره الخاصة أو البيتية أو السوقية أو العامة إلى آخره.
стр. 197
التعامل مع من لا يقبل النصح
السؤال
بعض الناس إذا بينت له الحق في أمر ما، رد عليك بأن ذلك من خصوصياته، أو قال لك: ذنبي على جنبي، هل يعتبر ذلك من اتباع الهوى، وهل يكون كمن عبد مع الله غيره، أفيدونا مأجورين؟
الجواب
أما أنه يقول: ذنبي على جنبي، أو نحو ذلك، هذا لا شك أنه خطأ، لأن من المعلوم في هذا الدين أن التناصح بين المسلمين حق من حقوقهم، وأن حق المسلم أن ينصح لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، ثم أيضاً الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على كل أحد بقدر استطاعته؛ لعموم قوله ﷺ : ﴿من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه﴾.
فإذا رأيت أخاك على منكرٍ، فحقٌ عليك أن تنهاه بالطريقة التي ترى أنها مجدية، فإن كنت قادراً على التغيير باليد كما لو كان المنكر في بيتك، أو مع من لك عليه يد مثل أبنائك أو الذين تحت سلطتك وسلطانك، كما لو كنت رئيس مصلحة، أو وجيهاً في قوم تستطيع ما لا يستطيعه من دونك، فإذاً الأمر في حقك أعظم وهكذا، فهذه الكلمة لا شك أنها غير مقبولة، ولا يمكن أنها تكون مسوغاً لمن رأى منكراً أن يمتنع عن إنكاره وهو قادر على إنكاره.
أما أنه يكون عابداً مع الله غيره، فهذا كما قلنا يختلف على حسب مواقع المخالفة قد تكون صغيرة، وهذا لا يكون مشركاً، وقد تكون كبيرةً، فالذنب فيها أعظم، وقد تصل إلى حد الشرك كما قال الله في أهل الكتاب: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣١] لأنهم أطاعوهم في تحريم ما أحل الله، وتحليل ما حرم الله، وكذلك قال الله في حق المشركين في سورة الأنعام: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام:١٢١].
إذاً: هذا النوع من الطاعة يكون شركاً وكما يسميه العلماء شرك الطاعة.
стр. 198
معنى مقولة: إكرام النفس هواها
السؤال
أرجو إيضاح بدعة من يقول: "إكرام النفس هواها"، كما هو دارجٌ على ألسنة الناس، وما هو البديل لذلك أثابكم الله؟
الجواب
الأرجح أن هذه ليست بدعة، ويبدو أن التعبير بها له مساغ، وله وجه فمعنى: إكرام النفس هواها، ليس المقصود طبعاً إكرام النفس هواها في مخالفة الشريعة، وإنما في الأمور المعتادة من الناس، على معنى مثلاً: رغبت منه أن يدخل بيتك، وكان ظرفه لا يسمح، وألححت قليلاً، ثم رأيت عنده تمنع، فقلت: إكرام النفس هواها، هذا معناه أني لا أريد أن أشق عليك، كأنه يقول: أنا قدرت ظرفك، وأنا أردت إكرامك، وحيث إنني لم أكرمك في استضافتك في بيتي، فأنا أكرمك بأن لا يكون في نفسي حرج، وأن أتركك على هواك، هذا هو المقصود، وليس المقصود مخالفة الشريعة، لا.
هذه عادةً يتحدث بها الناس فيما أعلم في الأمور المعتادة في العادات، ليس في حدود الشريعة، تقول له: صلِّ، يقول: لا.
تقول: إكرام النفس هواها! هذا لا يقال، إنما الكلام غالباً في المعتاد كما قلنا في الاستضافة، في نحو طلب أشياء لم يتمكن من تحقيقها، سواء من ممتلكاته أو غيرها، فألححت عليه، فوجدت عنده تمنعاً، فقلت: إذاً إكرام النفس هواها، فهذا لا شيء فيها، أما أنها في أوامر الشريعة أو نواهيها، ثم تقول: إكرام النفس هواها، هذا لا يجوز، وليس هذا هو المقصود فيما أعلم من معتاد العبارة بين الناس.
стр. 199
معنى آية: (وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ)
السؤال
ما معنى القاسطون في قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً﴾ [الجن:١٥]؟
الجواب
القاسطون غير المقسطين، المقسطون هم العادلون، أما القاسطون فهم الظالمون.
стр. 200
حكم متابعة الرياضة بكثرة والحب والبغض فيها
السؤال
هل عليّ حرجٌ في متابعة الرياضة، لا سيما أنها تشغل وقتي كله لأشاهدها، وإن قرأت أقرأ لها، وإن سمعت أسمع لها، وأحب من أجلها، وأبغض من أجلها، هل في هذا متابعة للهوى؟
الجواب
إذا كان على هذا النحو الذي صورت فنعم، هذا متابعة للهوى تشغل كل وقتك، وتحب فيها، وتعادي فيها -نسأل الله السلامة- وأخشى أن يرقى بك هذا إلى أن تخرج من الملة، إذا كنت تحب فيها وتبغض وتشغل كل وقتك، ولا شك أننا نحب الأشياء المباحة، فالإنسان يحب أهله وأولاده وكتبه وممتلكاته، وهواياته وبعض الناس يحب السباحة أو الصيد.
ولا شك في أن المسلمين من العصور القديمة والحديثة يهوون الصيد ويذهبون إليه، ويحبون التنزه والتمشية والسباحة والرماية والجري وأنواع من الرياضات المشروعة، فهوايتها ومشاهدتها كذلك من الأمر المباح بالضوابط الشرعية ولا مانع، لكن لا يجوز أن يشغل عن واجب، أو أن يؤدي إلى الوقوع في محرم، أو حتى المكروه، فإذا كان كذلك، فحينئذٍ يصل إلى دائرة المحرم، وقد يترقى إلى دائرة اتباع الهوى المذموم ذماً كلياً، فإذا كان على هذا النحو الذي وصفت أنها تشغل الوقت كله، وتحب وتوالي فيها، إنما المحبة العادية، فمثلاً حينما تتنافس مع إنسان في محبة صيدٍ أو سباحةٍ، أو حتى محبة من الألعاب المباحة والهوايات المباحة، فيقع بينكم تنافس، هذا تنافس مقبول، وعادة يكون في الفطرة البشرية من أجل الاستزادة إلى حد مقبول، لكن إذا تجاوز إلى أن يشغل عن واجب، أو يوقع في محرم أو قطيعة رحم أو نحو ذلك، فهذا لا يجوز، لأنه حسب ما يؤدي إليه.
стр. 201
نصيحة لبائعي المجلات
السؤال
نرجو منكم نصيحة لبعض أصحاب المحلات التي تقوم ببيع المجلات التي بغلافها وبداخلها صور للنساء، ودعاية للدخان التي تهدف إلى نشر الفساد بين الشباب والشابات، وهدم الأخلاق والانحلال، ونشر الفواحش، وإفساد شباب وشابات هذه الديار الطاهرة حماها الله، وكذلك فيها استلاب لأموال المسلمين، وتدمير أخلاقهم، وأن أهل هذه المحلات مسئولون أمام الله ؛ لأنهم يعينون على نشر الفساد في الأرض؟
الجواب
جزاك الله خيراً وأفادك، لا كلام بعد كلامك هذا، هو كلامٌ جامعٌ مانعٌ، ولا شك أن التناصح والتذكير مطلوب، وكثير من أصحاب المحلات قد يسمعون مثل هذا، ولكن ليعلموا أنهم إذا لم يجدوا في أنفسهم استجابة لمثل هذا الكلام الطيب، والذي يذكر بالله ، ويخوف من عذابه، ويخوف كذلك أولاً من وقوع البلاء بالمسلمين عموماً إذا فشت المعاصي، ولم يحدث تذكير ولا تناصح، لأن الله ذكر أنه لم ينجح إلا الذين كانوا ينهون عن السوء: فـ ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ [الأعراف:١٦٥] فلا شك أن حقنا وحق الأخ السائل أن نناصح وأن نبين، وأن صاحب المحل إذا لم يستجب، فعليه أن يفتش في نفسه.
فيخشى عقوبة الله عليه في نفسه، وأن تنزع بركات ماله، وأن يرى سوءاً في أهله، لأني أخشى أن يكون علم، أو لم يعلم أنه ممن يحب أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، لأنه إذا كانت المجلات على النحو التي وصفها صفه الأخ الفاضل تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، فإن الله توعد الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذابٌ أليمٌ في الدنيا والآخرة، فقدر هذا العذاب الأليم في الدنيا في نفسه؛ إما بسلب أرزاقه، وإما في نزع بركاته، وإما أن يرى الخبث والفحشاء في أهله، هذه القضايا كلها على المسلم أن يتبصر فيها، وأن يفتح قلبه للناصحين، وقد قال الله في نبي من الأنبياء حينما قال: ﴿وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف:٧٩] فاخش على نفسك إذا كنت لا تحب أن تكون من الناصحين، أو تستثقل الواعظين.
стр. 202
كتافات الأسفنج في لباس المرأة
السؤال
إن بعض النساء تقوم بوضع كتافات السفنج على الكتف في بعض الملابس، فهل هذا الأمر جائز شرعاً؟ وهل يعتبر هذا داخلٌ في قول الرسول ﷺ : ﴿لعن الله الواصلة والمستوصلة﴾ نرجو شرح الحديث أثابكم الله؟
الجواب
لا يبدو أن هذه داخلة في الواصلة والمستوصلة، لأن هذه متعلقة بوصل الشعر بآخر، وهذا ما يظهر لي والله أعلم، أما فيما يتعلق بوضع الكتافات كما قالت، إن كان ليس فيها تلبيس أو تدليس، فأرجو أن لا بأس به، لأن المرأة قد تلبس أشياء فيها شِعار، أو قصد به التشبه بأعداء الله ، فهذا ينهى عنه، وإلا الأصل في مثل هذا إن لم يكن فيه تزوير ولا تدليس ولا غش، ولا فيه دعوة إلى فسوق، أو يكون شعاراً للفساق أو للفاسقات، فالأصل أنه لا مانع منه، على أن المرأة ينبغي أن تلبس الحشمة، بل يجب عليها أن تلبس لباس الحشمة، وأن تبتعد عن كل ما يجلب ريبة، أو يورث شيئاً مما يقع في النفس منه شيء من شبهةٍ أو حرام.
стр. 203
حكم استخدام سحر المحبة
السؤال
بعض النساء يأخذها اتباع الهوى والغيرة، فتعمل هذا العمل: وهو أنها تضع لزوجها شيئاً كي يحبها، ويلزم من ذلك أن يكره بقية أزواجه، ما هذا العمل التي تعمله، هل هو حلال أو حرام؟ وأرجو أن تنصح النساء، فإنه منتشر.
الجواب
إذا كان مثل هذا فهذا لا يجوز بأي حال، فإن النبي ﷺ يقول: ﴿لا تسأل إحداكن طلاق ضرتها لتكفأ ما في إنائها﴾ فإنه لا يجوز بأي حال، وحينما حاول نساء النبي ﷺ أن يمنعنه من شرب العسل في بيت مارية في القصة المعروفة، قال الله : ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِنْكُنَّ﴾ [التحريم:٥] فلا يجوز للنساء أن يسلكن مثل هذا المسلك، وإنما تكون المرأة عادلة، إن لم تكن محسنة، لأن هناك درجتين:
درجة العدل.
درجة الإحسان.
العدل هو: أخذ الحق، وإعطاء الحق، أما الإحسان، فهو التفضل وإعطاء أكثر من الحق، لكن لا يجوز أن ينقص الأمر عن العدل، فيجب عليها أن تعدل، والله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة:٨].
فالتي تريد أن تنحرف عن جانب العدل والاستقامة هو انحرافٌ عن التقوى وبعدٌ عنها.
ومعلوم أن هذا لا يجوز، ويحرم تعاطي مثل هذا؛ فإن كانت تقوم بالسحر من نفسها؛ فبعض العلماء يرى أن الساحر كافر، وأنه يكفر الساحر المتعلم السحر، أما إن كانت تذهب إلى سحرة وكهان- نسأل الله السلامة- فالنبي ﷺ يقول: ﴿من أتى كاهناً فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد﴾ ويقول: ﴿لم تقبل له صلاة أربعين يوماً﴾ فإذا كان من هذا النحو، ومن هذا الباب، فنعوذ بالله، ونعيذكم بالله أن يكون في هذه البلاد الطاهرة والمعروفة بالتوحيد وبالدين والاستقامة، وهي نموذج يضرب مثلا للاستقامة والبعد عن مثل هذه الشعوذات والكهانة، فنعيذكم بالله من ذلك.
стр. 204
نصيحة للذين يتغيبون عن المحاضرات
السؤال
تقام محاضرات بين الحين والآخر في النادي، ولكن نلاحظ إحجام البعض، وخاصةً كبار السن عن الحضور، مما يوقع المسئولين في حرج، نرجو توجيه كلمةٍ بهذه المناسبة، وإبداء الصورة الحقيقية للنادي؟
الجواب
على كل حال جلب المستمعين يكون بعدة أمور:
منها الحرص على ألا يكون إلا مع من يرضاه الناس، والحمد لله الناس في هذه البلاد -أقصد بلادنا كلها- هم على خير، ولا يحبون إلا الخير، ويكرهون السوء، والدعوة إلى السوء.
وحقٌ على النادي أن يجتهد في أن يكون ما يدعو إليه يحقق رغبات هؤلاء المشايخ والآباء، ثم أيضاً قد تكون هناك ظروف وأشياء تحول دون هذا، وخاصة قد يكون بعد المكان، أو موعد المحاضرة أو الندوة غير مناسب، ونحو ذلك، لكن على كل حال لا شك أن الأصل هو أن المسلمين يتكاتفون في هذا، ويعلموا أنهم إن لم يشغل مثل هذا أهل الحق، فإنه سوف يشغله أهل الباطل، وكما قيل: إن العقل -ومثله النادي- كالإناء إن لم تشغله بالماء شغله الهواء، فلا بد من شغله، ولهذا أنصح كل من عنده وقت، وكل من عنده حسن توجيه ونفع ويريد الاستفادة أن يقصد مثل هذه التجمعات ليكثر سواد أهل الحق، ويكثر سواد أهل الخير، ويغيض إن كان فيهم أهل باطل، وبهذه النظرة، وهذه النفس إن شاء الله مع لباقة وانفتاح في النفس وانشراح، ولا يأتي إنسان منغلق ناقم؛ فهذا أيضاً لا يفيد ولا يجدي، ولا يحقق الغرض المطلوب.
стр. 205
وجوب التوبة
السؤال
أنا شاب منَّ الله عليَّ بالهداية، وقد كنت قبل هذا ألعب الورقة، وكنت أطلق كثيراً بسبب هذه اللعبة، وقد تبت الآن منها، فهل عليَّ كفارة، أم تجزئ التوبة؟
الجواب
التوبة من المعاصي واجبة كما يقول العلماء؛ وعلى المسلم حال ما يفعل معصية أن يتوب، وأن يبادر وألا يسوف، فالله يتوب على الذين يتوبون من قريب: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء:١٧] فليبادر بالتوبة من أي معصية، ولعل الله وفقك للتوبة النصوح، وهأنت تشكر الله على ما منَّ به عليك من حسن استقامة، أما ما يتعلق بالطلاق، فهذا يحتاج إلى أن أسمع الصيغة، أو الصيغ التي كنت تتلفظ بها، لأنه بموجبها أو بحسب اللفظ يكون الحكم.
стр. 206
الاحتجاج على المعاصي بالقدر
السؤال
كثيرٌ من الناس إذا دعوا إلى الله وإلى خشيته، يقولون: إن الله قدر المقادير، ويحتجون بقول الرسول ﷺ : ﴿إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار، فيدخلها الحديث﴾ فماذا يكون الرد على مثل هؤلاء جزاكم الله خيراً؟
الجواب
الأمر الأول: لا أدري هل أنت تعد نفسك من أصحاب النار، أو من أصحاب الجنة، لأنك تقول: فيسبق عليه الكتاب، ما أدري أعددت نفسك من أيهما، معلوم أنك لا تدري ولا تعلم.
ثم أيضاً الاحتجاج بالقدر لا شك أنه إما احتجاج عاجز وإما متبع للهوى، لأن الله حينما كلف المكلف إنما كلفه بأشياء في حدود استطاعته البدنية، والفكرية وتحت قدرته، فالأمور التي لا تقدر عليها، وليس لك فيها اختيار، ليست محل تكليف، وهذا أمر معلوم، فحينما تسقط من السطح أو حينما يصيبك مرض، فالله لا يسألك عن المرض، ولا يسألك عن السقوط، وإنما يسألك عما هو في حدود قدرتك، وهو الصبر مثلاً؛ لكن لا تقول لماذا مرضت؟ ولماذا جرحت؟ وإنما هل صبرت أم لا؟ فالله يبتلي بالخير ويبتلي بالشر، فبالشر يكون الصبر، وعلى الخير يكون الشكر، ونحو ذلك هذه واحدة.
والأمر الثاني: أن القدْر نوعٌ من القدَر ليس مجبراً، وهو بمعنى علم الله بما هو كائن، والمقصود هنا -والله أعلم- هو علم الله بما هو كائن، ولا يترتب عليه إجبار، تعالى الله عن التشبيه والتمثيل، لو أن عندك ولدين، فتقول لأحدهما: أنت سوف تنجح هذا العام، وتقول للآخر: أنت لن تنجح، وأنت قصدت بهذا الذي ينجح، لأنك رأيته مجتهداً، ورأيته مقبلاً على دروسه، ورأيته مذاكراً ومهتماً بأعماله المدرسية يومياً، ونحو ذلك مما يكون مؤدياً إلى النجاح، ورأيت في الآخر إهمالاً وكسلاً، فقلت للمجد: أنت ناجح، وقلت للكسول: أنت غير ناجح، ثم جاء الامتحان، ونجح فعلاً من قلت إنه سوف ينجح، ورسب من قلت إنه لن ينجح، هل ممكن أن الذي رسب سوف يحتج عليك، ويقول: يا أبي! أنت قلت كذا وكذا؟ وهل كان علمك مجبراً؟ فإذا كان بحق البشر وهم يعلمون بمجرد بعض الظواهر، فكيف بالله تعالى المحيط بكل شيء علماً، فهذا نوع من القدر هو بمعنى علم الله تعالى، وهذا هو المقصود والله أعلم.
стр. 207
الحث على دعم المجاهدين
السؤال
يعيش إخواننا المجاهدون الأفغان أياماً عصيبة بمناسبة حلول موسم الشتاء والثلوج عليهم، وحاجتهم تضاعفت، وقلّ الدعم من إخوانهم المسلمين، لأنهم تصوروا أنهم قد انسحبوا، ولكنهم في الواقع لا زالوا يدعمون عملاءهم من الشيوعيين، أرجو حث الموجودين بالتبرع لإخوانهم، وحث النساء على ذلك أيضاً، لأنه سيقف على الأبواب بعض الإخوة لجمع التبرعات، وسيقف على باب النساء امرأة لجمع التبرعات من النساء أيضاً؟
الجواب
لا شك أن هذا الأمر من الأمور التي يُنبه عليها، وإخوانكم المجاهدون في أفغانستان هم على ثغر من ثغور الإسلام، وسنوات عديدة وهم يقفون هذا الموقف، وإخوانهم أمدوهم بما يسر الله ، وقد كان لمددهم بعد توفيق الله الأثر الكبير، وتحقق شيء كثير، وعجزت دولة تعتبر من أعظم دول العالم، بل إحدى دولتين عظيمتين عن أن تحقق مآربها، وقيض الله للمجاهدين القوة والصمود، وأجبروا الكفرة الشيوعيين على الخروج من الديار، ولكنهم أبقوا لهم، ورتبوا مع إخوانهم في الغي من دول أخرى مما جعل أعوانهم يصمدون هذا الصمود، وكان حقاً، ولا زال على كل مسلم عنده نجدة، وعنده مقدرة أن يعين إخوانه؛ وبخاصة في مثل هذه الظروف العصيبة، وجو الشتاء القارس، فإن طبيعة بلادهم يأتيها شتاء شديد جداً، ويصعب على إخوانكم التحرك والتنقل وتحقيق ما يريدون من قهر العدو، وتوالي الضربات عليه مع أنهم- ولله الحمد- لهم تمكنهم ولهم سيطرتهم، ولكن أولاً تبتغون بذلك وجه الله، ويكون لكم أجر المجاهد، وأنتم ردءهم، وأنتم الصفوف الخلفية لهم، فأوصيكم وأوصي نفسي بالاهتمام والاجتهاد في هذا الأمر؛ لعل الله أن يعز أوليائه ويعلي دينه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على خير خلقه نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 208
خطبة عيد الأضحى المبارك ١٤٠٧هـ[١]
إن الله بعث إبراهيم ﵇ بالحنيفية السمحة، وأمره أن يعلن الحج إلى بيت الله الحرام بعد بنائه له، ثم بعث محمداً ﷺ على هذه الملة، وحول القبلة إلى الكعبة، فهذا شرف لهذا البيت الحرام، وشرف لأهله، وأمر داع إلى أن يعتصم الناس بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فالدين واحد، والقبلة واحدة، والرسول واحد، والتفرق مذموم، والركون إلى أعداء الله من نواقض هذا الدين.
стр. 209
مكانة بيت الله وميزاته في الإسلام
الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر! خلق الخلق وأحصاهم عدداً، وكلهم آتيه يوم القيامة فرداً.
الله أكبر! عنت الوجوه لعظمته، عز سلطانه، وعم إحسانه.
الله أكبر! كلما ذكره الذاكرون، الله أكبر! عدد ما هلل المهللون، وكبَّر المكبرون، وسبح المسبحون.
الله أكبر! كلما أحرموا بالحج ملبين، وقصدوا البيت الأمين، فطافوا وسعوا، وشربوا من زمزم، وصلوا خلف المقام، والتزموا الملتزم.
الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرةً وأصيلاً.
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، أحمده سبحانه وأشكره، فتح أبوابه للتائبين، ورحمته قريبٌ من المحسنين.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إله الأولين والآخرين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، بعثه رحمةً للعالمين، أدَّى الرسالة، ونصح الأمة، وبلَّغ البلاغ المبين، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى صحابته أجمعين، ومن دعا بدعوته واهتدى بهديه إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً.
الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
أما بعد:
فيقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج:٢٦] بيت الله المعظم هو رمز الحنيفية السمحة ملة إبراهيم إمام الحنفاء، جعل الله به الأسوة بالدين، وبه الاقتداء في البراءة من الشرك وأهله: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ﴾ [الممتحنة:٤] وأمر نبينا محمداً ﷺ باتِّباع هذه الملة، والسير على هذه الطريقة، قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل:١٢٣] فجدد المصطفى هذه الملة، وأنار السبيل، ودعا إلى عبادة الله وحده، وإخلاص الدين له، فالعبادات بأنواعها محض حق الله، فلا معبود بحقٍ إلا الله، الواحد الأحد الفرد الصمد، فالدعاء لله وحده، والخوف والرجاء من الله وحده، والشفاعة لله جميعاً، هذا هو أصل الدين وقاعدته، وهو منطلق هذه البيت المشرف، وأخص خصائصه، فيطهر من الشرك ورجس الأوثان، وتلتقي عليه جموع المؤمنين الموحدين، وتتوجه إليه الأبدان والأفئدة، تلك خصيصة ظاهرة.
стр. 210
الأمان والحرمة للبيت الحرام وأهله
وخصيصة أخرى وميزة عظمى لهذا البيت ولأهله ووفوده تلك الخصيصة المتمثلة في قول الحق ﵎: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً﴾ [البقرة:١٢٥] فما برح بحفظ الله وكنفه يطاول الزمان في منعة من الله وأمان، يتطلع إليه المسلمون، ويتنافس في تفيؤ ظلاله المتنافسون، يعيشون في أمنه وأمانه، وتوافر أرزاقه، وتكاثر خيراته قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا﴾ [القصص:٥٧].
стр. 211
حرمة زعزعة أمن الحرم
تلك نعمة يفيض بها الله على هذا البيت وأهله وقاصديه يمتن بها عليهم.
وإن مما يتنافى مع حرمة هذا البيت، ومع أمن هذا البيت: السعي في زعزعة أمن آمنيه، وبث القلاقل فيهم، وإحداث الفتن بينهم، وإثارة الشغب حولهم.
كيف وقد خاطب الله أهل الإيمان، وناداهم بنداء الإيمان؛ لتجنب امتهان حرمة شعائر هذا البيت، زماناً ومكاناً، فقال عز من قائل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة:٢]؟! فكيف يكون حال من لم يُعظِّم شعائر الله ولا الشهر الحرام؟!
стр. 212
واجب المسلمين نحو بيت الله الحرام
إن واجب كل مسلم أن يسهم في تهيئة الجو الآمن المطمئن؛ ليؤدي حجاج هذا البيت مناسكهم، ويقفوا بين يدي مولاهم، قائمين وعاكفين، وركعاً وسجوداً بخشوعٍ وأمان، منقطعين عن الشواغل، متبتلين إلى الله بصدق التوجه.
بل لقد نهى الله عن مجرد الجدال تعظيماً لحرمة الزمان والمكان، وانصرافاً للتزود بالتقوى حيث يكمل جلال الموقف، وجو السكينة الذي يجب أن يتهيأ لوفد الله، ولضيوف الرحمن، فمن خالف ذلك وأراد بهذا البيت سوءاً فقد توعده الله بقوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج:٢٥].
وإن ما أقدم عليه بعض الحجاج من إثارة الشغب، وإحداث القلاقل والفتن، وترويع الآمنين في جوار هذا البيت وما تسبب عن ذلك من قتل نفوسٍ بريئة لا يرتضيه مؤمنٌ يقدر لهذا البيت حرمته، ويعرف له قدسيته؛ مهما كانت المقاصد والغايات فكيف إذا كانت أهدافاً مشبوهة، وغاياتٍ مدخولة؟!
فحقٌ على كل مؤمنٍ قصد هذه البقاع الطاهرة، يرجو الرحمة، ويؤمل في مغفرة الله له ويتطلع إلى حجٍ مبرور؛ حقٌ عليه أن يتجنب كل ما يشوش على الآمنين أمنهم، وعلى المتعبدين عباداتهم؛ من صخبٍ ومجادلات ورفع أصواتٍ بما لا يليق، فلا تحلّوا شعائر الله ولا الشهر الحرام إن كنتم مؤمنين.
стр. 213
ضرورة تقوية الروابط بين المسلمين
إن حق بيت الله المطهر، وحرمه الآمن، وجمعه العظيم، أن تتأكد به الصلات، وتتوثق عنده العلاقات على تقوى من الله ورضوان، إذ لم يشهد التاريخ أمتن ولا أطهر ولا أعمق من أخوة الدين ورابطة الإيمان، اسألوا الأوس والخزرج! اسألوا المهاجرين والأنصار! ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً﴾ [آل عمران:١٠٣] كيف انطوت تلك القبائل المتناحرة بالأمس تحت راية المثنى، وسعد بن أبي وقاص، وخالد بن الوليد، وعقبة بن نافع، وموسى بن نصير، وقتيبة بن مسلم، ومحمد بن القاسم، كيف جاهدت تلك الأمة تحت راية صلاح الدين؟
خاطب النبي ﷺ طائفة من أصحابه بقوله: ﴿ألم آتكم ضلالاً فهداكم الله بي؟ وعالة فأغناكم الله بي؟ وأعداءً فألف بين قلوبكم بي؟﴾ ولقد أجابوا وقالوا وصدقوا: لله ورسوله المن والفضل، وقال تاريخ الإسلام من بعدهم: لله ولرسوله المن والفضل.
أيها المؤمنون حجاج بيت الله! ألم تكن هذه الأمة قبل الإسلام على ضلال؟ وأي ضلال أعظم من عبادة الأوثان والطواغيت، وعبادة الشهوات؟
كان يمزقها القتل والقتال، ويسودها الفقر والذل والتشتت، بأسهم بينهم شديد، وما هي إلا أن هبت ريح الإيمان؛ فأصبح الذين كانوا بالأمس ضلالاً لا يعرفون ديناً، ولا يحملون علماً، أصبحوا أعلام هدى، وأئمةً راشدين، حملوا مشاعل الهداية إلى مشارق الأرض ومغاربها، يدعون إلى الهدى، ويصبرون على الأذى، ويبصرون أهل العمى، فما أعظم أثرهم على الناس.
أيها المؤمنون: ما أعظم أثرهم في العقائد والأخلاق، وفي الآداب والاجتماع؛ بهم قامت دولة التوحيد والإيمان، وعمرت سوق الجنة.
стр. 214
ضعف الروابط الجاهلية في تجميع شمل الأمة
أمة الإسلام: هذه حقائق وعلاماتٍ شامخة لا يشك فيها مؤرخ، ولا ينكرها منصف.
يا أتباع محمد ﷺ !
لماذا يتعلق أقوامٌ بحبالٍ أوهى من خيوط العنكبوت؟! يستبدلون بحبل الله وحبل رسوله عصبياتٍ وقوميات وجنسيات لم تزدهم إلا ضلالاً، ولم يجدوا من ورائها إلا تفرقاً؟!
ضلالاتٌ في الاعتقاد، وفوضى في الفكر، وتفسقٌ في الأخلاق، وتفككٌ في الروابط الاجتماعية، أشبه ما يكونون حالاً بالجاهلية الأولى.
أيها الإخوة في الله: لقد ثبت ضعف أي رابطة عن القدرة على جمع الصفوف، أو قهر الشهوات العارمة، أو محو الأنانيات المستحكمة، إذا تجردت عن العقيدة الصحيحة، والإيمان الصادق، والتربية الصالحة، ومن أجل تبيين هذا الأمر ليوازن مريد الإصلاح بين ربح الأمة وخسارتها، بين دخلها وخرجها، يوازن بين الربح لما كان الاستمساك بالعروة الوثقى، والاعتصام بحبل الله، والتألق بركاب محمدٍ ﷺ وركبه، يقارن بين ذلك وبين خسارتها حين انفصلت عن هذا الركب الميمون، وانطوت كل فئة على نفسها، وعاشت في عزلة عن شقيقاتها، وتمسكت بعصبيات، ودعت إلى نعرات لم تزدها إلا تباراً، فتمكن أعداؤها، وأكل الذئاب كل قاصية، فاستبيح الحمى، ونهبت الديار، وسلبت الخيرات، وتداعت على الأمة السباع المسعورة، وفرقتهم السياسات الممقوتة، ثم أقبل بعضهم على بعضٍ يتلاومون.
الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد!
إن المجرم في حق أمة الإسلام من يسعى لإضعاف صلتها بالدين، أو يسعى في أن يزعزع من نفوسها اليقين، ومن يحول بينها وبين نبيها محمدٍ ﷺ .
وإنها الرزية كل الرزية في أمة شرّفها الله بالإسلام، وأعزها بهذا الدين، فتخلع عنها ثوبه، وتأبى السير تحت لوائه، وترضى أن تقاتل ذليلة تحت ألوية الجاهلية، والنعرات العنصرية، والشعارات الحزبية.
стр. 215
الاعتصام بالدين والاجتماع عليه
أيها المؤمنون: إن الواقع لشاهدٌ على أن هذه الأمة إن لم تجتمع على الدين فلن تجتمع على غيره، وإن لم تعتصم بحبل الله فرقها أعداء الله، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٩ - ١٥٠] فليس إلا الإسلام جامعاً، وليس غير الدين مؤلفاً.
إن الانفصال عن دوحة الدين المباركة، والانقطاع عن الموكب المحمدي، والإعراض عن الإسلام الميمون؛ خسارة لا تعوض؛ بل هلاكٌ ما بعده هلاك، مهما ظهر البريق، ومهما عظم السراب، إنها لا تعوض بلباقة أو كياسة، ولا تعوض ببراعة أو حسن سياسة، لا يغني عنها مظاهر ولا حسن أزياء.
إن المظاهر والقشور لا تغني فتيلاً عن الحقيقة والجوهر، إن العبرة والمعول على ما يعمر القلوب من إيمانٍ ويقين، وليس بما يكسوا الأجساد من فاخر الثياب وأنواع المياثر.
لقد خرج الفاتحون من المسلمين إلى العالم بثيابٍ مرقعة، ونعالٍ مخصوفة، يروي الحافظ ابن كثير في تاريخه، فيقول: لما قدم عمر ﵁ الشام عرضت له مخاضة، فنزل عن بعيره، ونزع نوقيه -يعني: خفيه- فأمسكهما بيده، وخاض الماء ومعه بعيره، فقال له أبو عبيدة منتقداً: قد صنعت اليوم صنعاً عظيماً لأهل الأرض، صنعت كذا وكذا، فضربه عمر على صدره، وقال: [[أو غيرك يقولها يا أبا عبيده؟! إنكم كنتم أذل الناس، وأحقر الناس، وأقل الناس، فأعزكم الله بالإسلام، فمهما تطلبون العزة بغيره يذلكم الله]].
هذا هو واقع التاريخ يا أمة محمد!
الله أكبر الله أكبر لا إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد!
إن الاستقلال المنشود، والعز المبتغى هو الاعتزاز بالإسلام والعمل به، والمذلة والمهانة والتبعية بالتطلع إلى السير في ركاب الحضارات الخاوية، والإصرار على تطبيق نظم غير إسلامية في بلاد الإسلام وفي بيوت المسلمين.
إن الله قد اختار هذه الأمة لحمل أمانة الوحي، فإن استهانة بهذا الاصطفاء، وتركت العمل بدينها، وهدرت الدعوة إليه، ورضيت بأن تكون ذليلة وراء هذا أو ذاك، فما أهونها على الله، وإن الله لها لبالمرصاد: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ﴾ [الملك:٢٠].
следующие страницы →