← Джавами‘

Джавами‘ · id 7735

دروس للشيخ صالح بن حميد

صالح بن حميد

Полный текст (918 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

حرمة زعزعة أمن الحرم تلك نعمة يفيض بها الله على هذا البيت وأهله وقاصديه يمتن بها عليهم. وإن مما يتنافى مع حرمة هذا البيت، ومع أمن هذا البيت: السعي في زعزعة أمن آمنيه، وبث القلاقل فيهم، وإحداث الفتن بينهم، وإثارة الشغب حولهم. كيف وقد خاطب الله أهل الإيمان، وناداهم بنداء الإيمان؛ لتجنب امتهان حرمة شعائر هذا البيت، زماناً ومكاناً، فقال عز من قائل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة:٢]؟! فكيف يكون حال من لم يُعظِّم شعائر الله ولا الشهر الحرام؟!

стр. 212

واجب المسلمين نحو بيت الله الحرام إن واجب كل مسلم أن يسهم في تهيئة الجو الآمن المطمئن؛ ليؤدي حجاج هذا البيت مناسكهم، ويقفوا بين يدي مولاهم، قائمين وعاكفين، وركعاً وسجوداً بخشوعٍ وأمان، منقطعين عن الشواغل، متبتلين إلى الله بصدق التوجه. بل لقد نهى الله عن مجرد الجدال تعظيماً لحرمة الزمان والمكان، وانصرافاً للتزود بالتقوى حيث يكمل جلال الموقف، وجو السكينة الذي يجب أن يتهيأ لوفد الله، ولضيوف الرحمن، فمن خالف ذلك وأراد بهذا البيت سوءاً فقد توعده الله بقوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج:٢٥]. وإن ما أقدم عليه بعض الحجاج من إثارة الشغب، وإحداث القلاقل والفتن، وترويع الآمنين في جوار هذا البيت وما تسبب عن ذلك من قتل نفوسٍ بريئة لا يرتضيه مؤمنٌ يقدر لهذا البيت حرمته، ويعرف له قدسيته؛ مهما كانت المقاصد والغايات فكيف إذا كانت أهدافاً مشبوهة، وغاياتٍ مدخولة؟! فحقٌ على كل مؤمنٍ قصد هذه البقاع الطاهرة، يرجو الرحمة، ويؤمل في مغفرة الله له ويتطلع إلى حجٍ مبرور؛ حقٌ عليه أن يتجنب كل ما يشوش على الآمنين أمنهم، وعلى المتعبدين عباداتهم؛ من صخبٍ ومجادلات ورفع أصواتٍ بما لا يليق، فلا تحلّوا شعائر الله ولا الشهر الحرام إن كنتم مؤمنين.

стр. 213

ضرورة تقوية الروابط بين المسلمين إن حق بيت الله المطهر، وحرمه الآمن، وجمعه العظيم، أن تتأكد به الصلات، وتتوثق عنده العلاقات على تقوى من الله ورضوان، إذ لم يشهد التاريخ أمتن ولا أطهر ولا أعمق من أخوة الدين ورابطة الإيمان، اسألوا الأوس والخزرج! اسألوا المهاجرين والأنصار! ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً﴾ [آل عمران:١٠٣] كيف انطوت تلك القبائل المتناحرة بالأمس تحت راية المثنى، وسعد بن أبي وقاص، وخالد بن الوليد، وعقبة بن نافع، وموسى بن نصير، وقتيبة بن مسلم، ومحمد بن القاسم، كيف جاهدت تلك الأمة تحت راية صلاح الدين؟ خاطب النبي ﷺ طائفة من أصحابه بقوله: ﴿ألم آتكم ضلالاً فهداكم الله بي؟ وعالة فأغناكم الله بي؟ وأعداءً فألف بين قلوبكم بي؟﴾ ولقد أجابوا وقالوا وصدقوا: لله ورسوله المن والفضل، وقال تاريخ الإسلام من بعدهم: لله ولرسوله المن والفضل. أيها المؤمنون حجاج بيت الله! ألم تكن هذه الأمة قبل الإسلام على ضلال؟ وأي ضلال أعظم من عبادة الأوثان والطواغيت، وعبادة الشهوات؟ كان يمزقها القتل والقتال، ويسودها الفقر والذل والتشتت، بأسهم بينهم شديد، وما هي إلا أن هبت ريح الإيمان؛ فأصبح الذين كانوا بالأمس ضلالاً لا يعرفون ديناً، ولا يحملون علماً، أصبحوا أعلام هدى، وأئمةً راشدين، حملوا مشاعل الهداية إلى مشارق الأرض ومغاربها، يدعون إلى الهدى، ويصبرون على الأذى، ويبصرون أهل العمى، فما أعظم أثرهم على الناس. أيها المؤمنون: ما أعظم أثرهم في العقائد والأخلاق، وفي الآداب والاجتماع؛ بهم قامت دولة التوحيد والإيمان، وعمرت سوق الجنة.

стр. 214

ضعف الروابط الجاهلية في تجميع شمل الأمة أمة الإسلام: هذه حقائق وعلاماتٍ شامخة لا يشك فيها مؤرخ، ولا ينكرها منصف. يا أتباع محمد ﷺ ! لماذا يتعلق أقوامٌ بحبالٍ أوهى من خيوط العنكبوت؟! يستبدلون بحبل الله وحبل رسوله عصبياتٍ وقوميات وجنسيات لم تزدهم إلا ضلالاً، ولم يجدوا من ورائها إلا تفرقاً؟! ضلالاتٌ في الاعتقاد، وفوضى في الفكر، وتفسقٌ في الأخلاق، وتفككٌ في الروابط الاجتماعية، أشبه ما يكونون حالاً بالجاهلية الأولى. أيها الإخوة في الله: لقد ثبت ضعف أي رابطة عن القدرة على جمع الصفوف، أو قهر الشهوات العارمة، أو محو الأنانيات المستحكمة، إذا تجردت عن العقيدة الصحيحة، والإيمان الصادق، والتربية الصالحة، ومن أجل تبيين هذا الأمر ليوازن مريد الإصلاح بين ربح الأمة وخسارتها، بين دخلها وخرجها، يوازن بين الربح لما كان الاستمساك بالعروة الوثقى، والاعتصام بحبل الله، والتألق بركاب محمدٍ ﷺ وركبه، يقارن بين ذلك وبين خسارتها حين انفصلت عن هذا الركب الميمون، وانطوت كل فئة على نفسها، وعاشت في عزلة عن شقيقاتها، وتمسكت بعصبيات، ودعت إلى نعرات لم تزدها إلا تباراً، فتمكن أعداؤها، وأكل الذئاب كل قاصية، فاستبيح الحمى، ونهبت الديار، وسلبت الخيرات، وتداعت على الأمة السباع المسعورة، وفرقتهم السياسات الممقوتة، ثم أقبل بعضهم على بعضٍ يتلاومون. الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد! إن المجرم في حق أمة الإسلام من يسعى لإضعاف صلتها بالدين، أو يسعى في أن يزعزع من نفوسها اليقين، ومن يحول بينها وبين نبيها محمدٍ ﷺ . وإنها الرزية كل الرزية في أمة شرّفها الله بالإسلام، وأعزها بهذا الدين، فتخلع عنها ثوبه، وتأبى السير تحت لوائه، وترضى أن تقاتل ذليلة تحت ألوية الجاهلية، والنعرات العنصرية، والشعارات الحزبية.

стр. 215

الاعتصام بالدين والاجتماع عليه أيها المؤمنون: إن الواقع لشاهدٌ على أن هذه الأمة إن لم تجتمع على الدين فلن تجتمع على غيره، وإن لم تعتصم بحبل الله فرقها أعداء الله، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٩ - ١٥٠] فليس إلا الإسلام جامعاً، وليس غير الدين مؤلفاً. إن الانفصال عن دوحة الدين المباركة، والانقطاع عن الموكب المحمدي، والإعراض عن الإسلام الميمون؛ خسارة لا تعوض؛ بل هلاكٌ ما بعده هلاك، مهما ظهر البريق، ومهما عظم السراب، إنها لا تعوض بلباقة أو كياسة، ولا تعوض ببراعة أو حسن سياسة، لا يغني عنها مظاهر ولا حسن أزياء. إن المظاهر والقشور لا تغني فتيلاً عن الحقيقة والجوهر، إن العبرة والمعول على ما يعمر القلوب من إيمانٍ ويقين، وليس بما يكسوا الأجساد من فاخر الثياب وأنواع المياثر. لقد خرج الفاتحون من المسلمين إلى العالم بثيابٍ مرقعة، ونعالٍ مخصوفة، يروي الحافظ ابن كثير في تاريخه، فيقول: لما قدم عمر ﵁ الشام عرضت له مخاضة، فنزل عن بعيره، ونزع نوقيه -يعني: خفيه- فأمسكهما بيده، وخاض الماء ومعه بعيره، فقال له أبو عبيدة منتقداً: قد صنعت اليوم صنعاً عظيماً لأهل الأرض، صنعت كذا وكذا، فضربه عمر على صدره، وقال: [[أو غيرك يقولها يا أبا عبيده؟! إنكم كنتم أذل الناس، وأحقر الناس، وأقل الناس، فأعزكم الله بالإسلام، فمهما تطلبون العزة بغيره يذلكم الله]]. هذا هو واقع التاريخ يا أمة محمد! الله أكبر الله أكبر لا إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد! إن الاستقلال المنشود، والعز المبتغى هو الاعتزاز بالإسلام والعمل به، والمذلة والمهانة والتبعية بالتطلع إلى السير في ركاب الحضارات الخاوية، والإصرار على تطبيق نظم غير إسلامية في بلاد الإسلام وفي بيوت المسلمين. إن الله قد اختار هذه الأمة لحمل أمانة الوحي، فإن استهانة بهذا الاصطفاء، وتركت العمل بدينها، وهدرت الدعوة إليه، ورضيت بأن تكون ذليلة وراء هذا أو ذاك، فما أهونها على الله، وإن الله لها لبالمرصاد: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ﴾ [الملك:٢٠].

стр. 216

العودة إلى الله من أسباب النصر فاتقوا الله يا أمة الإسلام! وعودوا إلى دينكم فبه المعتصم، وإلى الله وحده الملجأ، أسلموا وجوهكم لله رب العالمين، وأخلصوا دينكم لله، فلن يكون النصر واسترداد الحق حتى يعود رهبان الليل وفرسان النهار وما ذلك على الله بعزيز. فلا تزال طائفة من هذه الأمة على الحق منصورة، لا يضرهم من خالفهم، ولا من خلافهم حتى يأتي أمر الله ﵎. وإن أمة الإسلام -بإذن الله- ستأخذ من دهرها دروساً، ومن مواسمها ومناسباتها عظاتٍ وعبراً، وتأخذ من الحج اجتماع الكلمة، ومن عيد الأضحى التضحية، وستنفض الغبار المتراكم عليها وتنفي عنها كل متطفلٍ من غير طبيعتها، والأمل بالله يفوق كل أمل، والرجاء به فوق كل رجاء، والله غالبٌ على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم. الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد.

стр. 217

وصية إلى ولاة الأمور والعلماء الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر! أوجد الكائنات بقدرته، فأتقن ما صنع. الله أكبر! شرع الشرائع فأحكم ما شرع. الله أكبر! لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع. الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على نبيه المصطفى، وعلى آله الأصفياء، وأصحابه النجباء، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد. أما بعد: فاتقوا الله -عباد الله- واعلموا أن ضعف حال المسلمين، واضطراب أمورهم لم يكن إلا من عند أنفسهم، وإن تسلط الأعداء لم يكن إلا بسبب أعمالهم والتقصير في مسئولياتهم وإسناد الأمور إلى غير أهلها. فيا حكام الإسلام! ويا ولاة أمور المسلمين! اتقوا الله فيما وليتم، أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه، ارفعوا راية الكتاب والسنة، ولوا أعمالكم من يخاف الله ويتقيه، وتتحقق فيه الكفاية للعمل، اتق الله في توجيه الرعية، لا يكن في أجهزة الإعلام إلا ما فيه إصلاحٌ وصلاح، وتوجيهٌ وترسيخ إيمان، وحب إسلام. مناهج التعليم يجب أن تنتج رجالاً أوفياء لدينهم وإخوانهم المسلمين، تنتج أهل صلاحٍ وإصلاح، أذلة على المؤمنين، أعزة على الكافرين، ولاؤهم لله ولرسوله وللمؤمنين. علماء الإسلام يا دعاة الخير والصلاح! أنتم ورثة الأنبياء، اتقوا الله فيما علمكم الله، ضاعفوا الجهود في الدعوة إلى الله، أرشدوا عامة المسلمين إلى الحق، بينوا للناس ما نزل إليهم، فقد أخذ الله عليكم الميثاق لتبيننه للناس ولا تكتمونه، ادعوا إلى تحكيم شرع الله، وتطبيق أحكامه في جميع شئون الحياة، أقيموا واجب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وخذوا على أيدي السفهاء: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:٣١] ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢] ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْر َ) [الحج:٧٧] ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج:٧٨]. واعلموا أنكم في أيام فاضلة، ومواسم كريمة، فاشغلوها بذكر الله، واعمروها بالتكبير والتهليل، وعظموا شعائر الله وحرماته.

стр. 218

الأضحية وأحكامها وإن من أعظم ما يتقرب به من الله في هذه الأيام الأضاحي، فهي سنة الخليلين إبراهيم ومحمد عليهم الصلاة والسلام، جاء في الحديث عن عائشة ﵂، أن النبي ﷺ قال: ﴿ما عمل ابن آدم يوم النحر من عملٍ أحب إلى الله من إراقة دم، وإنها لتأتي يوم القيامة بقرونها وأظلافها، وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع على الأرض، فطيبوا بها نفساً﴾. ولتعلموا -وفقني الله وإياكم لصالح العمل- أن وقت الذبح يبدأ من بعد صلاة العيد إلى غروب الشمس في آخر أيام التشريق، ولا يجزئ في الأضاحي المريضة البيَّن مرضها، ولا العوراء البين عورها، ولا العرجاء التي لا تطيق المشي مع الصحيحة، ولا الهزيلة التي لا مخ فيها، ولا الهتماء التي ذهبت ثناياها من أصلها، ولا العضباء التي ذهب قرنها أو قطعت أذنها، ولا الجدباء التي نشف ضرعها ويبس من الكبر. ولا يجزئ من الإبل إلا ما تم له خمس سنين، ومن البقر ما تم له سنتان، ومن المعز ما تم له سنة، ومن الضأن ما تم له ستة أشهر، وتجزئ البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة، والشاة تجزئ عن الرجل وأهل بيته، ولا يبيع منها شيئاً، ولا يعطي الجزار أجرته منها. فاتقوا الله عباد الله! وانبذوا عن أنفسكم الشح والبخل، وأنفقوا من مال الله الذي آتاكم، وأكثروا من ذكر الله، وصلوا الأرحام، وبروا بوالديكم، وأكرموا اليتامى والمساكين، وتصافحوا وتناصحوا وتسامحوا، وأزيلوا الغل والشحناء من قلوبكم، وتزاوروا وتهادوا، واحذروا الكبر والغيبة والنميمة، وكونوا عباد الله إخواناً. ثم صلوا وسلموا على المبعوث رحمةً للعالمين؛ فقد أمركم بذلك ربكم، فقال عز من قائل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أصحابه أجمعين، وارض اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك يا أكرم الأكرمين! اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، واحم حوزة الدين، ودمر اليهود ومن شايعهم وسائر الكفرة والملحدين، اللهم جنبنا الفتن والقلاقل والمحن ما ظهر منها وما بطن، عن بلدنا هذا خاصة، وعن سائر بلاد المسلمين، اللهم من أرادنا وأراد المسلمين بسوء فاشغله بنفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميره. اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأيدهم بالحق، وأيد الحق بهم، واجعلهم هداةً مهتدين. اللهم وفق ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك وسنة نبيك محمد ﷺ ، اللهم اجمع كلمتهم على الحق يا رب العالمين! اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك محمدٍ ﷺ . اللهم وفق حجاج بيتك لحجٍ مبرور، وسعيٍ مشكور، وذنبٍ مغفور، واكتب لهم الصحة والسلامة ولسائر المسلمين في برك وبحرك أجمعين. اللهم انصر المجاهدين الذين يجاهدون في سبيلك؛ لإعلاء كلمتك، وإعزاز دينك، اللهم كن لهم ولا تكن عليهم، اللهم أيدهم بتأييدك، وانصرهم بنصرك، واجعل الدائرة على أعدائهم يا قوي يا عزيز! ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان، وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون. الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد.

стр. 219

خطبة عيد الأضحى [٢] لبيت الله العظيم عدة مزايا، منها استتباب الأمن، وأنه تجبى إليه الأرزاق من كل مكان. والشيخ قد تحدث في هذه الخطبة عن ذلك، كما دعا إلى الوحدة الإسلامية، وأوصى المسلمين باغتنام مواسم الحج، كما حث على مراجعة الأمة حساباتها، وإصلاح ما اضطرب من شئونها حتى تكون أمة واحدة قاهرة لعدوها.

стр. 220

بعض مزايا البيت الحرام الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى، أحمده سبحانه وأشكره، جعل هذا البيت مثابة للناس وأمناً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، خير من صام وصلى، وطاف وسعى، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله الأصفياء، وأصحابه النجباء، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الجزاء. أما بعد: يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً﴾ [آل عمران:٩٦ - ٩٧]. أيها المسلمون: بيت الله المعظم هو ملتقى جموع المسلمين، وقبلة أهل الإسلام، تتوجه إليه القلوب والأبدان، ويفد إليه الحجاج والعمار رجالاً ونساءً: ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج:٢٧ - ٢٨] مجيبين ملبين: لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك! وما برح هذا البيت المُشرف بحفظ الله وكنفه يطاول الزمان؛ شامخ البنيان، في مناعة من الله وأمان، يتطلع إليه المسلمون، ويتنافس في بلوغ رحابه المتنافسون، يعيشون في أمنه وأمانه، وتوافر أرزاقه، وتكاثر خيراته، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص:٥٧] وقال عز من قائل: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت:٦٧] لقد جمع الله لهذا البيت وأهله مزيتين بهما تحصل السعادة بتمامها، والطمأنينة بكمالها: ضمان الأرزاق، والأمان من الخوف: ﴿لْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش:٣ - ٤] إنها إجابة دعوة إبراهيم الخليل ﵇: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة:١٢٦]. أيها المؤمنون: وإن من التحدث بنعم الله الإشارة إلى جلائها بين المزيتين، وظهورهما واقعاً معاشاً، وأثراً ملموساً، فلله الحمد والمنة، رغدٌ في العيش، واستتبابٌ في الأمن، وتوفرٌ في المطاعم والمشارب، ورخصٌ في الأسعار، ويسرٌ في الحصول عليها، مما يشهده الحاضر والباد. ولقد أعان الله القائمين على أمر هذه البلاد، وهيأ لهم خدمة الحرمين الشريفين على وجه يستبشر به أهل الإيمان، وقبل ذلك وبعده حكَّموا الكتاب والسنة، وأظهروا أمر الشريعة، فراية الدين مرفوعة، وأهل الحق ظاهرون، فزادهم الله صلاحاً وإصلاحاً وإعانة وسداداً. وإن هذا الخير المشهود مع ما يرجى من أملٍ في المزيد المنشود، عائدٌ إلى الاستقامة على الحق، والقيام بواجب الشكر، ومعرفة نعم الله وقدرها حق قدرها: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:٧] ﴿رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم:٣٧]. إنهم يأكلون ويطعمون ويشربون ويستمتعون؛ ولكن: ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم:٣٧] فهدف السكنى بجوار البيت الحرام هو: إقامة الصلاة على أصولها، وأداؤها على وجهها، والشكر على نعم الله المتوافرة ورزقه الكريم.

стр. 221

من أسرار الحج أيها الإخوة في الله ضيوف بيت الله! هذه بعض خصائص هذا البيت المعظم، وتلك بعض مزاياه، فلا يسع مؤمناً قصد هذه البقاع الطاهرة يرجو الرحمة ويأمل في المغفرة ويتطلع إلى حجٍ مبرور؛ لا يسعه إلا البعد عن كل ما يشوش على الآمنين أمنهم، والمتنسكين نسكهم، من صخبٍ ومجادلات ورفع أصواتٍ بما لا يليق، فلا تحلّوا شعائر الله ولا الشهر الحرام. وإن من أسرار هذه الشعائر والمشاعر: وقوعها بعد شهر رمضان وفي الأشهر الحرم؛ أما شهر رمضان فالشأن أن يخرج منه الصائم القائم، وقد تطَّهر من الأرجاس والأنجاس، ولا سيما رجس الشحناء ودغل القلوب، أما الأشهر الحرم فقد قال الله فيها: ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة:٣٦] مما يشعر بالكف عن كافة وسائل الظلم، والمجاوزات، والتزام الاستقامة والأدب مع هذا البيت وأهله وضيوفه، يؤيد هذه الأسرار الدقيقة والأهداف السامية النبيلة الآية الكريمة: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٧].

стр. 222

دعوة للمسلمين إلى الوحدة والاعتصام بالكتاب والسنة أمة الإسلام ضيوف الرحمن في بيت الله المطهر في جوار الكعبة المعظمة! يجب أن تتأكد الصلات بين المسلمين، وتتوثق الوشائج، وتتجلى الوحدة الإسلامية في أظهر معانيها، إذ ينضوي المسلمون تحت -شعار الإسلام- شعار التوحيد، تكبيرٌ وتهليل، وذكرٌ وتلبية، فلا مكان لأي لونٍ من ألوان العصبية، ولا مجال لأي مبدأ أو شعار. إن أمة الإسلام تعيش في هذه الأعصار ليالٍ حالكة، وسراديب مظلمة، يسودها تفرقٌ واختلاف، وتناحرٌ وتطاحن، فمتحتمٌ عليها أن تفوق إلى نفسها، وتجمع صفوفها، وتأخذ من هذه المناسبة، وهذا التجمع الإسلامي العظيم فرصة التصحيح لروح الإخاء، واليقين لحقيقة الرابطة، والتجسيد لمنابع الحج، التي أهمها وأعظمها الوئام والتكاتف ضد أعداء الأمة المتربصين بها الدوائر.

стр. 223

نداء لأولياء أمور المسلمين يا زعماء الإسلام: ويا قادة المسلمين! يجب استشعار هذه الوحدة والبعد عن التنكر لها أو استبعادها، مهما كان على الديار الإسلامية من سحائب الشقاق، وغيوم التفرق، فكتاب ربنا محفوظ، وسنة نبينا بينة، وهما المرجع في كل خصام، والحكم في جميع ما اختلف فيه. لماذا لا يكون ذلك ونبينا محمدٌ ﷺ قد وضعنا على المحجة وقال في مثل هذا الموسم: ﴿تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله﴾. فالإيمان بهذه الحقيقة، واطمئنان القلب إليها، يُوقظ في أعماق النفس النداء النبوي الكريم في مثل هذه المناسبة أيضاً حيث قال ﵊: ﴿ألا لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض﴾ فبمثل هذا التوجه، وعلى هذا النحو، تقتحم الصعاب، وتتحقق الآمال، وتكون للمسلمين عزة وقوة، قوة لا للتخريب والاستلاب، ولكن لدفع شر المعتدي، واسترداد الحق من المغتصب في أفغانستان وفلسطين، وسائر المغتصبات من ديار المسلمين.

стр. 224

دعوة للاعتصام بحبل الله وجمع الكلمة فاتقوا الله أيها المسلمون واتقوا الله يا ولاة أمور المسلمين! فإن الأمة الآن في أشد حاجة من أي وقتٍ مضى إلى جمع الكلمة، والتمسك بالدين، وتوحيد خط المسيرة في الأساليب والمناهج ووسائل التوجيه الاجتماعي، وشتّى مسارات الحياة، من أجل أن تتوثق الروابط، وتحمل أمةٌ من العبث والفوضى، والفساد والإلحاد، قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران:١٠٣]. نفعني الله وإياكم بهدي كتابه، وبسنة نبيه محمد ﷺ ، وجمع كلمة المسلمين على الحق. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 225

ضرورة اغتنام فرص الحج الحمد لله، كتب العزة للمسلمين بالإسلام، أحمده وأشكره على جزيل الفضل والإنعام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله جعل الذلة والصغار لمن خالف أمره، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه والتابعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. أما بعد: فاتقوا الله أيها المؤمنون! واغتنموا فرصة هذه اللقاءات المباركة في هذه الرحاب الطاهرة الآمنة الوادعة، واعقدوا العزم على العمل الصالح لجماعة المسلمين، والدعوة لإحياء ما اندرس من معالم الحنيفية، والبعد عن كافة أشكال الوثنية وأرجاسها، فجمع الحجيج فرصة للأمة لتعيد فيه كل عامٍ ما تصدع من بنيانها، وتصلح ما اضطرب من شئونها، فهي أمة واحدة، وإن تناءت الديار، وتباعدت الأوطان، وهي جسدٌ واحد وإن اختلفت الألسن، وتعددت الألوان. هذا وصلوا وسلموا على المصطفى من ولد عدنان، فقد أمركم بذلك ربكم فقال عز من قائل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين، وارض اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بعفوك وكرمك يا أكرم الأكرمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذِّل الشرك والمشركين، واحمِ حوزة الدين، ودمر اليهود ومن شايعهم، وسائر الطغاة والملحدين، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم آمنّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأيدهم بالحق وأيد الحق بهم، واجعلهم هداة مهتدين. اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك محمدٍ ﷺ وعبادك الصالحين. اللهم وفق قادة المسلمين للعمل بكتابك، والحكم بشريعتك، واجمع كلمتهم على الحق يا رب العالمين. اللهم وفق قادة المسلمين للعمل بكتابك، والحكم بشريعتك، واجمع كلمتهم على الحق يا رب العالمين. اللهم وأبرم لهذه الأمة أمر رشدٍ، يعز فيه أهل طاعتك، ويُذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، ويُنهى فيه عن المنكر، إنك على كل شيء قدير. اللهم انصر إخواننا المجاهدين في كل مكان، الذين يجاهدون لإعلاء كلمتك، وإعزاز دينك. اللهم أيدهم بتأييدك، وانصرهم بنصرك، وكن معهم ولا تكن عليهم، واجعل الدائرة على أعدائهم يا قوي يا عزيز. اللهم تقَّبل من الحجاج حجهم، اللهم وفقهم لحجٍ مبرور، وسعيٍ مشكور، وذنبٍ مغفور، ويسر لهم جميع الأمور. ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 226

قضية البوسنة والهرسك المشكلة والحل إن قضية البوسنة هي القضية الفاضحة لجريمة النظام الدولي الجديد، ومثال للتخاذل العالمي الصارخ عن نصرة الحق، وهي فاضحة للمبادئ المزورة لأدعياء حقوق الإنسان وحماة ديمقراطية التقدم، وينبغي أن يعرف المسلمون أن الحرب حرب عقيدة ودين بين المسلمين وأعدائهم من اليهود والنصارى وأذنابهم.

стр. 227

القضية الفاضحة للسلام المكذوب والديمقراطية الزائفة الحمد لله ذي العزة والقدرة والملكوت، والقهر والقوة والجبروت، أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، لا إله إلا هو يحيي ويميت وهو حي لا يموت، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، جعل رزقه تحت ظل رمحه، والعزة والمجد والمنعة لمن أطاعه واتبعه، والذلة والصغار والشنار لمن عصاه وخالف أمره، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فأوصيكم -أيها الناس- ونفسي بتقوى الله والعمل الصالح، فاتقوا الله ربكم: ﴿وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [سبأ:١١]. أيها المسلمون: يضيق بعض المثقفين حينما يكون الحديث عن الأعداء -أعداء الدين والملة- ولا أدل على ضيقهم وتبرمهم من قولهم: إن الأحاديث عن الأعداء مبالغٌ فيها، إنها أحاديث عجزة، وتسميات فاشلة العجزة والفاشلون هم الذين يُعلِّقون أخطاءهم على أعدائهم، وينسبون فشلهم إلى غيرهم. أمَّا الآن فلعل إخواننا -هداهم الله- قد استفاقوا، ولعلَّ صُبحهم قد استبان، فقد جاءت الفاضحة قولاً وعملاً، بالكلمة المسموعة، والصورة المشاهدة، جاءت الفاضحة بأبشع أشكال العنصرية، وأجلى مبارزة في عداء الإسلام وأهله، إنها قضية إخواننا في البوسنة والهرسك، ولقد كانت ولا تزال قضيتنا في فلسطين، وقضايانا في كشمير، والشيشان، وبورما، والفليبين ومواطن أخرى من العالم في دول وأقلياته ملتهبة تارة وصامدة أخرى، قضايانا مع اليهود والنصارى والمشركين. ولكنها الفاضحة الماثلة والحية القائمة، إنها جريمة النظام الدولي الجديد، والتخاذل الصارخ، والتواطؤ الجلي. إنها فاضحة النفاق الرسمي، والنفاق الدولي، فاضحة للمبادئ المزورة من حقوق الإنسان وديمقراطية التقدم، فاضحة لكنها بشعارات العدالة والحرية وحق تقرير المصير وسيادة الدول، والقانون، والشريعة الدولية. وتذكر -يا أخي- ما شئت من هذه الألفاظ والمصطلحات التي يلوكها الإعلام بوسائله وقنواته ويروجها ليخدع بها الناس، ويُخدِّر الكثير من مغفليهم ومغفلينا.

стр. 228

التفرقة الدينية والصليبية في الغرب منطقة البوسنة ميدان الفصل بألوان الخداع السياسي والنفاق الدبلوماسي، فاضحة لأولئك الذين يتزعمون العالم الحر، ويدافعون عن حقوق الإنسان، ويرفعون المظالم عن البشرية، فاضحة للغرب وأهله بنصرانيته وصليبيته. إنهم قوم لا يستطيعون العيش ولا يطيقونه إلا بالتفرقة الدينية والتمييز العنصري، فاضحة ثم فاضحة حين يرفضون أن تقوم دولة مسلمة من بني جلدتهم في أوروبا، لقد أثبتت قضية البوسنة أن النصارى لا يقبلون تعدد الأديان ولا تعدد المذاهب، فهذه هي البوسنة، وتلك هي الشيشان، وكم هو من حقك -أيها المسلم- أن تنظر في الأحزاب وتفسرها بعد ذلك وتعرف بواعثها وغاياتها. إنها فاضحة لأعداء الإسلام، وهي فاضحة -في ذات الوقت- لفئات من أهل الإسلام، دولاً، وشعوباً، في تخاذلهم عن حقوق إخوانهم في سلامة أنفسهم، وأعراضهم، وحماية ديارهم وأوطانهم، والغيرة على عقيدتهم وأمتهم، وهي فاضحة للمهزومين في داخل نفوسهم، فالغرب -يا هؤلاء- لا يكفيه أن يلبس المهزومون من اللباس كما يلبسون، وأن يجروا كلاباً بقلائد الذهب كما يجرون، لا يكفيه أن يُردد الرقيع من فطرياته، والحقير من تقليعاته. إن مقصدهم الأعظم، وهدفهم الأكبر هو التخلي عن الإسلام، والانتماء إلى المحفل الكنائسي: ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة:٢١٧].

стр. 229

المعايير الغربية والرؤية النصرانية هي الحكم في قضية البوسنة لقد أضحى من الجلي البيَّن أن معايير المصالح الغربية والرؤية النصرانية هي الحاكمة في القضية، وهي التي تُحدِّد المسار وتقرر المصير. ومن أجل مزيد من الإثبات لبعض من لا يزال في قلوبهم ريب وفي نفوسهم شك، هذا متحدث منهم ذو مقام رفيع يقول عن هذه الفاضحة وقد صدقكم فيما قال: إن الصرب هم حلفاء الغرب المخلصون في عملية التطهير التي تتم من أجل التخلص من الأقليات غير المرغوب فيها. إن الغرب قد صنف الصرب كمعتدين، ولكنه يأبى أن يضعهم في مصاف الأعداء، والسبب -والكلام لا يزال لهذا المتحدث منهم- هو أننا نحن الغربيين ونحن الأوروبيين نحارب نفس العدو الذي يُحاربه الصرب، ذلكم هو الإسلام والمسلمون. إن الغرب -ولا يزال يتحدث- قد يلقي بعض قنابل الدخان في مواجهة الصرب، ولكنه لن يتدخل بصورة حاسمة ضدهم؛ لأنهم يقومون بمهمة تحقق هدفاً تطلع إليه الغرب، ووجد في الصرب ضالته المنشودة بتنفيذ تلك العملية القذرة. إنه إذا كان لابد -ولا يزال الحديث له- من تدخل غربي في البوسنة، فإن ذلك التدخل سيتم بالضرورة على حساب الضحية وهم مسلمو البوسنة، وإن قوة التدخل التي أنشئت ستكون مهيأة لمواجهة أي تحرك من جانب مسلمي البوسنة. وختم كلامه بقوله: إنه لولا التحالف بين الغرب وبين الصرب لانتهت هذه الحرب منذ زمن طويل. إن الغرب يواجه الصرب بليونة، وضحية تلك الحروب الشريرة هي الثقافة الإسلامية، التي يرى الغرب أنها تتعارض مع نظام دولي بلا قيم ولا مبادئ، يريد الغرب أن يفرضه على الجميع انتهى كلامه. ويقول أحد وزراء خارجيتهم وقد سُئِلَ عن مسوغات وجود حلف الأطلسي وقد انهار الاتحاد السوفيتي يقول: إن المواجهة القادمة ستكون مع العالم الإسلامي!! ويقول رئيس وزراء إحدى دولهم معلقاً على أحداث البوسنة: إننا لن نسمح بقيام دولة إسلامية في أوروبا.

стр. 230

الواجب على المسلمين تجاه العداء النصراني أيها المسلمون: إنه كلام واضح فاضح، وحال القضية أوضح وأفظع، وهذه هي الحقيقة! فيا ليت قومي يعلمون. يجب الكف عن المبررات المتهالكة، وصرف النظر عن الوعود والاجتماعات المخدرة، كلهم متواطئون وكلهم أفّاكون يتلاعبون بالضعاف، تارة يتشاورون، وأخرى يتلاومون، وهذا يتمهل، وهذا يستنكر، وهذا عنده خُطة، وذلك يطرح خيارات في كلام ملَّ العالم ترداده، ودعاوى أصم الأسماع دويها، وكرهتها وتفطرت لها القلوب، وأسفر أصحابها عن وجه كالح وعنصرية شوهاء، وحقد دفين، وحيف قاتل. من يُصدِّق أن الأمم المتحدة بأعضائها، ومجلس أمنها، لا تستطيع حماية الملاذات الآمنة، وقد جردت أهلها من السلاح، أم أنها أسد على قوم نعامة على آخرين؟! معايير ومكاييل متباينة في معاجلة المشكلات والأزمات!

стр. 231

حقيقة العداء بين المسلمين والصرب إن ما يحدث هو حرب عقيدة، وإبادة شعب، وإلغاء وطن، إنما هو اجتثاث جذور الإسلام من أوروبا، من أجل هذا! لم يسمع الغرب صراخ الأطفال، وأنين الثكلى، لم يأبه بانتهاك الأعراض، ولم يكترث بجثث الشيوخ وسحق الأبرياء، أين أنتِ يا منظمات العصر الدولية؟ وأين أنتِ يا لجان حقوق الإنسان؟ أين هي الأعراف الدولية؟ وأين هي المواثيق الدولية؟ هل يحتاج أن يَذكر التاريخ أو يُذَكِّر أن الغرب لا يزال يدفع لليهود ثمن ما فعلته النازية في بضع مئات من اليهود، ولكن ما يفعله مجرمو الصرب بمئات الآلاف من المسلمين لا يثير أي شفقة ولا يدر أي دمعة! سقطت الملاذات الآمنة، وكان على رأس الساقطين معها: الأمم المتحدة بقواتها وقراراتها ووعيدها وتهديدها. وعلى رأس الساقطين أيضاً: حلف الأطلسي، وقوة التدخل السريع، ومع هذا السقوط تجسد الانفراط الدولي والفوضى العالمية في نظامها الجديد، فوضى على مستوى كبريات دول العالم لم يسبق لها مثيل، كثرة الهرج والمرج وربك أعلم بمصيرها ومصير أهلها، تدهور مجلس الأمن، وضاعت الأمم المتحدة، وذابت المبادئ، صورة حية، وشاهدة من حياة وحوش الغاب، وفوضى السباع، لا يريدون سلماً ولا سلاماً ولا إسلاماً، ليس إلا المصالح السياسية الضيقة، والاحتكار الاقتصادي الخانق، وديكتاتورية تفسير المصطلحات والمبادئ.

стр. 232

آثار ونتائج الحرب العقدية بين المسلمين والصرب إذا كان ما يحدث هو حرب عقيدة وإبادة شعب وإلغاء وطن؛ فإنه من جانب آخر استثارة لعوامل العنف وتوليد لبؤر الإرهاب، وتنمية لكوامن الرفض. أي إرهاب أعظم من هذا الإرهاب الذي يمارسه الصرب الصليبي الحاقد؟! إذا لم يكن هذا هو الإرهاب الدولي فما هو الإرهاب إذاً؟! وإذا لم يكن هذا هو التطرف الدولي فما هو التطرف إذاً؟! ولماذا لا يولد في مثل هذه الأجواء كل ألوان التطرف وأصناف الإرهاب؟! ماذا على شعب البوسنة لو تحوَّل إلى شعب ينتقم لنفسه، وينتصر لحقه، في عمليات ثأر لدينه وأهله وكرامته؟ إن في داخل النفس البشرية نزعات تدميرية، ورغبات جامحة بالانتقام والتدمير والهدم، ماذا على شعب البوسنة ومن ورائه أمة الإسلام أن ينتقموا لأنفسهم ويجاهدوا في سبيل ربهم، وقد رأوا ما لحق ديارهم من دمار، ومساجدهم من هدم، وأهلهم من تقتيل وتشريد، وقضاياهم من خذلان، دمار وأشلاء، وجوع وفقر، واغتصاب وتشريد هذه هي القضية بصورها ومجرياتها، وبواعثها وغاياتها. إنها بلاء ومحنة لمن كان له قلب من أهل الإسلام، ولقد آن الأوان أن يخرج المسلمون عن صمتهم، وينطقوا من بعد طول سكوتهم، هؤلاء هم الأعداء، وهذه هي الفاضحة: ﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ * إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ [الممتحنة:١ - ٢] ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الممتحنة:٩]. نفعني الله وإياكم بهدي كتابه وبسنة نبيه محمد ﷺ . أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 233

بيان شناعة الجريمة الدولية في البوسنة والهرسك الحمد لله أعطى فأجزل، ومنَّ فأفضل، أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، صاحب الخلق الأفضل، والنعت الأكمل، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان وسار على نهج صبر الأولين. أما بعد: أيها الإخوة: في ذاكرة التاريخ ليست هذه هي المذبحة الأولى التي يتعرض لها المسلمون من قبل أعدائهم من اليهود والنصارى والمشركين، مع التتار مذابح وفي الأندلس وبلاد الشام مع الصليبيين مذابح وفي بلاد البلقان مع الشيوعيين والنصارى مذابح وفي الهند وكشمير مذابح وفي فلسطين وصبرا وشاتيلا مع اليهود مذابح وفي بورما والفليبين مذابح، ولكن مذبحة البوسنة تزداد شناعتها، وتعظم فضاعتها، بجلاء موقف عالم اليهود والنصارى المستحكم، وتخاذل المسلمين أنفسهم، وهوانهم على أنفسهم وعلى الناس. إنها مأساة عميقة الأثر جسيمة الخطب! في عبث دولي قذر، وتصرفات ساخطة مزرية، ولن يكون الحلَّ ولن يتم الخروج من المأساة إلا حين تتولد القناعات، بأن حماية الأديان، والحفاظ على الأوطان، لا يكون ولن يكون من خلال مفاوضات كاذبة، والتماسات هزيلة، ووعود مضللة، وكلمات معسولة، ولكنها العقيدة الإيمانية، والتربية الصارمة، والقوة الضاربة، والتخطيط السليم، والصبر الجميل، وقذيفة من حديد خير من ألف قذيفة من كلام، وإننا لن نمل مناشدة دولنا الإسلامية، وشعوبنا المسلمة؛ لتقف مع قضاياها وقوفاً صادقاً مع وضوح في الرؤية وتمييز للأعداء: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيّاً وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيراً﴾ [النساء:٤٥].

стр. 234

مواقف الدول الإسلامية تجاه قضية البوسنة يجب أن تعي الدول الإسلامية دورها وقوتها وإمكانياتها، تعي ذلك من خلال مواقف واضحة في سياستها، واقتصادها، وسلاحها، وجندها، في هيئاتها ومنظماتها، تنطلق من عقيدتها في قرآنها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:٥٧]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الممتحنة:١] ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة:٣٦] ﴿إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التوبة:٣٩]. لابد من غضبة لله، وغيرة على دينه وحرماته، شعب مسلم يقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد ﷺ ، يُسفك دمه، ويُنتهك عرضه، ويُشرد من دياره، ويُذبح ذبح النعاج! لقد علَّمكم قرآنكم أن المصائب والمصاعب والابتلاءات والمحن هي طريق الوحدة والقوة، وهي طريق النصر والفرج: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٠ - ١٤١] ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾ [الشرح:٥ - ٦].

стр. 235

آمال ومبشرات تجاه القضية البوسنية أيها الإخوة: وعلى الرغم من هذا الظلام الدامس، والإجرام المتكالب، فلا يزال في الأمة أمل وآمال، وإن من مبشرات الأمل ومن المنطلقات الصحيحة، ما يُسمع من نداء هنا ونداء هناك في التنادي على الحق من أصوات مسلمة، وحناجر مؤمنة، ويأتي في مقدمتها ما تتطلع به بلاد الحرمين الشريفين -حماها الله وحرسها- حكومة وشعباً من مواقف واضحة نحو قضايا الأمة بعامة وقضية إخواننا في البوسنة والهرسك خاصة، في مواقف رسمية، ومحافل دولية، وتحركات شعبية، وهيئات إغاثية، ولجان خيرية. وإنها لمنطلقات صحيحة، ومواقف داعمة، يجب تأييدها وبذل المستطاع لها مادياً ومعنوياً ودعاءً ونصرة، كما يجب أن تنضم معها وتعاضدها جهود الأمة في أطرافها الأخرى، حكومات وشعوباً ومنظمات وهيئات، وإعادة للنظر، وتقويم لمسار الأمة ومواقفها من أعدائها، فمن المؤكد كل التأكيد أنه لن يحفظ لأهل البوسنة حقهم، ولن يحفظ لأمة الإسلام حقها في قضاياها، إلا دينها وعقيدتها وقوتها الذاتية بإذن الله وتوفيقه، مع الصمود والإصرار، والجهاد في سبيل الله، ومعرفة العدو ومنازلته، من أجل عيش كريم، ووجود شامخ، وعزة مؤمنة: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون:٨]. هذا وصلوا وسلموا على نبيكم محمد، نبي الرحمة والمرحمة، فقد أمركم بذلك ربكم، فقال عز من قائل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وجودك وإحسانك يا أكرم الأكرمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمِّر الكفرة والطغاة والملحدين، اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم أيد بالحق إمامنا وولي أمرنا، ووفقه لما تُحب وترضى، وارزقه البطانة الصالحة، وأعنه على أمور دينه ودنياه، واجمع به كلمة المسلمين على الحق يا رب العالمين. اللهم وانصر دينك وكتابك وسنة نبيك محمد ﷺ وعبادك الصالحين، اللهم لا حول ولا قوة إلا بك، أنت رب المستضعفين، وناصر المستغيثين، اللهم لا يُعجزك تجبر المتجبرين، ولا كيد الكائدين، اللهم مُنَّ على إخواننا في البوسنة والهرسك بالنصر والتأييد، اللهم اكتب لهم نصراً من عندك، وأيدهم بجند من عندك، اللهم وأنزل عذابك ورجزك على الصرب الظالمين وأعوانهم. اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزم الصرب الظالمين، وانصر إخواننا عليهم، اللهم لا يُخلف وعدك، ولا يُهزم جندك، انصر إخواننا المجاهدين في سبيلك في كل مكان، اللهم إن الأعداء قد طغوا وبغوا وعاثوا في الأرض فساداً، اللهم أنزل عليهم بأسك ورجزك يا قوي يا عزيز. سبحانك وبحمدك لا إله إلا أنت، أنت حسبنا ونعم الوكيل. اللهم وأبرم لهذه الأمة أمر رشد، يُعز فيه أهل طاعتك، ويُذل فيه أهل معصيتك، ويُأمر فيه بالمعروف، ويُنهى فيه عن المنكر، إنك على كل شيء قدير. ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار. عباد الله: اذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 236

الماء سر الحياة آيات الله في الآفاق والأرض والسماوات كثيرة، من هذه الآيات نعمة عظيمة وجليلة، إنها نعمة الماء، أعظم النعم، عليه تقوم الحياة، وهو أساس الحضارة والرقي، وعماد الاقتصاد ومصدر الرخاء، فالواجب علينا معرفة عظم هذه النعمة، واستغلالها، وتجنب التبذير والإسراف فيها.

стр. 237

الماء آية من آيات الله الكونية الحمد لله بارئ البريات وعالم الخفيات، المطلع على الضمائر والنيات، أحمده سبحانه وأشكره، أحاط بكل شيء علماً، ووسع كل شيء رحمة وحلماً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وكل شيء عنده بمقدار، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، خاتم الأنبياء، وأكرم من مشى تحت أديم السماء. اللهم صلِ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد نبي الرحمة، وعلى آله وأصحابه خير صحب وآل من خير أمة، والتابعين ومن تبعهم بإحسان ما تجددت نعمة بعد نعمة. أما بعد: أيها الناس: أوصيكم ونفسي بتقوى الله ، فاتقوا الله -رحمكم الله- وبادروا آجالكم بأعمالكم، واستعدوا للرحيل فقد جد بكم، فربكم لم يخلقكم عبثاً، ولم يترككم سدىً، فتزودوا من دنياكم ما تحرزون به أنفسكم غداً، فرحم الله عبداً اتقى ربه، ونصح نفسه، وقدم توبته، وغلب شهوته، فالأجل مستور، والأمل خادع. أيها المسلمون: آيات الله في الآفاق وفي الأنفس، وفي السماوات وفي الأرض كثيرة يمر عليها الناس وهم عنها معرضون، نعم وآلاء تتوجه إليها البصائر والأبصار في مكنونات هذا الكون، والظواهر والأحوال في تأملات واسعة الآماد، ممتدة من المنشأ حتى المعاد. فالأرض فراش ومهاد، والسماء سقف محفوظ ومرفوع بغير عماد، ظواهر عجيبة في تقلب الليل والنهار، والفلك الدوار، والرياح المرسلة، والأمواج الهادئة والهادرة. سَبْحٌ من التفكر عظيم في هذا الكون الواسع الفسيح. تفكر وتأمل يحيي القلوب، ونظر وتبصر يستجيش العقول في بدائع صنع الله الذي أتقن كل شيء؛ لينظر في آثار الربوبية وليكون التوحيد كله لله.

стр. 238

بيان أهمية الماء في الحياة عباد الله: وهذه وقفة مع نعمة واحدة من هذه النعم وآية كبرى من هذه الآيات، أنعم الله بها على خلقه، منها خلقهم، وعليها أقام حياتهم، وقسم أرزاقهم، وهي بإذن الله سر الحياة. ورد لفظها بمشتقاتها في كتاب الله أكثر من مائة وستين مرة. تنزل من السماء، وتخرج من الأرض، وتتشقق منها الجبال، وتتصدع منها الحجارة. طالما تلذذ بذكرها الأدباء، وتغنى بسلسبيل نظمها الشعراء. تصورها يرطب القلوب، وذكرها يهز النفوس، بل إنها -بإذن الله- حياة الروح والبدن. تلكم هي: هذا السائل المبارك الطهور، إنه الماء، واقرءوا إن شئتم في كتاب الله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء:٣٠] ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ [النور:٤٥].

стр. 239

الماء من أعظم النعم الماء من أعظم ما امتن الله به على عباده: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنْتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنْ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ * لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة:٦٨ - ٧٠]. وقال تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرْ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً * ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقّاً * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبّاً * وَعِنَباً وَقَضْباً * وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً * وَحَدَائِقَ غُلْباً * وَفَاكِهَةً وَأَبّاً * مَتَاعاً لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ﴾ [عبس:٢٤ - ٣٢]. إن ذكر الماء في كتاب الله بمفرداته ومكوناته من البحار والأنهار والسحاب يدل على عظم أثره في حياة البشرية. هذا السائل المبارك هو أغلى ما تملك الإنسانية لاستمرار حياتها بإذن الله، أدرك ذلك الناس كلهم كبيرهم وصغيرهم عالمهم وجاهلهم، حاضرهم وباديهم، عرفوه في استعمالاتهم وتجاربهم وعلومهم، إن خف كان سحاباً، وإن ثقل كان غيثاً ثجاجاً، وإن سخن كان بخاراً، وإن برد كان ندى وثلجاً وبرداً. تجري به الجداول والأنهار، وتتفجر منه العيون والآبار، وتختزنه تجاويف الأرض والبحار: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ [الحجر:٢٢] وقال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ﴾ [المؤمنون:١٨].

стр. 240

الحكمة من خلق الماء هو ماء الحياة لكل الأحياء على هذه الأرض بقدرة الله، ماء فرات وماء ثجاجٌ، تحيون به أنفسكم، وتروون به عطشكم، وتطهرون أجسادكم، وتصنعون طعامكم، وتغسلون متاعكم، ماء مبارك طهور، يسقي الحرث، وينبت الزرع، ويشرب منه أنعام وأناس كثير: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً * لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَاماً وَأَنَاسِيَّ كَثِيراً * وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً﴾ [الفرقان:٤٨ - ٥٠]. قال الله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ * يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل:١٠ - ١١] ماء طهور، أغنى الله به بني آدم عن الحرام، والنجس في المطعوم والمشروب والدواء، فسبحان الله! عباد الله: الماء أصل المعاش وسبيل الرزق، يقول عمر ﵁: [[أينما كان الماء كان المال، وأينما كان المال كانت الفتنة]].

стр. 241

الماء وسيلة لحسن الثواب ووسيلة للعذاب عباد الله: عجباً لهذا الماء! جعله الله وسيلة لحسن الثواب في الدنيا، ففي التنزيل العزيز يقول الله: ﴿وَأَلَّوْ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً﴾ [الجن:١٦] كما إنه وسيلة عقاب على المذنبين المكذبين: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر:١١ - ١٢]. وفي الآية الأخرى يقول الله: ﴿فَكُلّاً أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾ [العنكبوت:٤٠]. بل إنه من أعظم أنواع النعيم في الجنة للمتقين كما يقول المولى جل في علاه: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ [محمد:١٥] ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ * وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ﴾ [الواقعة:٣٠ - ٣١]. كما أنه في صور أخرى وسيلة لعذاب أهل النار عياذاً بالله من النار: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً﴾ [الكهف:٢٩] وكما قال الله: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد:١٥]. أيها المسلمون: إن السعي في حصر خصائصه ووظائفه ومنافعه وفوائده تعجز الحاصرين، فلا شراب إلا بماء، ولا طعام إلا بالماء، ولا دواء إلا بالماء ولا نظافة إلا بالماء، ثم لا زراعة إلا بالماء، بل ولا صناعة إلا بالماء. لم تنقص قيمته لا بتقدم الإنسانية ولا بتخلفها، بل لقد زادت أهميته ثم زادت، حتى صاروا يتحدثون عن الأمن المائي والصراع على موارد المياه ومصادرها ومنابعها. الماء هو عماد اقتصاد الدول، ومصدر رخائها بإذن الله، بتوافره تتقدم وتزدهر، وبنضوبه وغوره وشح موارده تحل الكوارث والنكبات: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ [الملك:٣٠] ﴿وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾ [المؤمنون:١٨].

стр. 242

التحذير من الإسراف في الماء أيها المسلمون: إن الإنسان المعاصر قد وصل استهلاكه للماء إلى أرقام من الإسراف مخيفة، وبخاصة ما يصرف في الاستحمام والمراحيض والسباحة، وسقي الحدائق وأمثالها، فأما المستعمل في الشرب والطهي فلا يتجاوز نسبة (٢%). إن توفير المياه وحماية مصادرها ورعاية محطات تنقيتها أهداف سامية لكل دولة، فالمساس بها والعبث بها، وإهمالها يشكل خطراً على أمنها وحياة رعاياها. أيها الإخوة الأحبة: وإن عقيدتنا بربنا ، واعتمادنا عليه كبير، فهو سبحانه يصرف الماء بين الناس ليذكّروا، ولكن الأخذ بالأسباب، والسلوك على نهج محمد ﷺ في التوسط والقصد والبعد عن الإسراف هو المنهج الحق، لا فضل للأمة في أن تبدد خيراتها بيديها، ولكن الفضل كل الفضل أن تكون قوية مسيطرة على أمورها، متحكمة في نظمها، حازمة في تدبير شئونها. إن الأمة تملك عزها، وتحفظ مجدها، بالحفاظ على ثرواتها ومواردها، والتحكم بما في يديها. إن الأمة إذا وقعت في عسر بعد يسر، تجرعت مرارة الهوان المصحوبة بحسرات الندم، فالإسراف يفضي إلى الفاقة، وبالإسراف تهدر الثروات، وتقوض البيوتات، وفي عواقبه البؤس والإملاق، يقول الله: ﴿وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ * الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ﴾ [الشعراء:١٥١ - ١٥٢]. المسرف همته الوصول إلى متعته ولذته، ولا يبالي بمصيره ولا بمصير أمته، كما حكى القرآن عنهم: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً﴾ [الإسراء:١٦].

стр. 243

الهدي النبوي في استعمال الماء عباد الله: إن الماء مورد عظيم، بل إنه من أكبر الموارد التي تحتاج إليها كل أمة في كثير من ميادين حياتها ومعاشها، ولقد ورد في شريعة محمد ﷺ الحث على المحافظة عليه، والاقتصاد في استعماله، وتجنب الإسراف في استخدامه واستهلاكه في وجوه الاستخدامات كافة، شرباً وطهياً، واغتسالاً وغسلاً، وغير ذلك. وتأملوا في سنة نبيكم محمد ﷺ : ﴿فقد كان يغتسل بالصاع، ويتوضأ بالمد﴾ رواه أحمد ومسلم وغيرهما. وفي رواية الصحيحين: ﴿كان يغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد، ويتوضأ بالمد﴾ بل جاء عند مسلم من حديث عائشة ﵁: ﴿أنها كانت تغتسل هي والنبي ﷺ في إناء واحد يسع ثلاثة أمداد أو قريباً من ذلك﴾. وفي رواية عند أبي داود من حديث أم عمار: ﴿أنه ﵊ توضأ بماء في إناء قدر ثلثي مد﴾. ولقد شدد أهل العلم ﵏ في المنع من الإسراف بالماء ولو كان على شاطئ النهر أو البحر. يقول أبو الدرداء ﵁: [[اقتصد في الوضوء ولو كنت على شاطئ نهر]]. وقال محارب بن دثار: [[كان يقال: من ضعف علم الرجل ولوعه بالماء في الطهور]]. وجاء رجل إلى ابن عباس ﵄، فقال: ﴿يـ ابن عباس كم يكفيني من الوضوء؟ قال: مد، قال: كم يكفيني لغسلي؟ قال: صاع، فقال الرجل: لا يكفيني، فقال ابن عباس ﵄: لا أم لك! قد كفى من هو خير منك، رسول الله ﷺ ﴾ رواه أحمد والبزار والطبراني بسند رجاله ثقات. أيها المسلمون: لا بد من الأخذ بالحزم في هذا الشأن، فالله لا يحب المسرفين، والمبذرون هم إخوان الشياطين، وإن عدم الشعور بالمسئولية، ونزعة الاتكالية، وإلقاء التبعة على الآخرين، مصيبة قاتلة، وسبيل لانهيار المجتمع، وضياع لحقوقه ومرافقه، فإذا تنصل المرء من مسئوليته، وتفلت من التزاماته؛ أصبح عضواً فاسداً وكلاً على مجتمعه، وعبئاً على أمته، ولو تعلل كل مؤمن بتقصير غيره؛ لما بقي في الدنيا حوافز للخير؛ لأن وجود الإهمال في بعض الأفراد أمر لا بد من وقوعه بصورة ما، في كل زمان ومكان، والعقلاء والجادون يتخذون من وقوع الأخطاء عند الآخرين مواطن عظة واعتبار، فيحاولون ما استطاعوا إصلاح الخطأ، وتغيير المنكر، والتعاون على البر والتقوى. إن من الخطأ المدمر، والهلاك المرضي: أن يتهاون بعض الناس فيقول: هذا من مسئولية فلان، وتلك من مسئولية الجهة الفلانية، والحق قوله ﷺ : ﴿كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته﴾. أيها المسلمون: وما يتحدث به بعض المهتمين من ذوي الشأن في أنحاء كثيرة من العالم من ظهور نقص في المياه، وتخوف من الشح في مصادرها، أمر ينبغي أن يؤخذ مأخذ الجد، وإن كان اعتماد المسلم على ربه سبحانه، فيضرع إليه ويلجأ إلى رحمته، فيستقيم على الطريقة، فيسقيه ماء غدقاً، ويتأخر الغيث عن موعده، فيتوجه المسلمون إلى ربهم دعاءً وصلاةً واستسقاءً. ومع كل ذلك لا بد أن يُؤخذ بالأسباب، فحسن الاستعمال، والاقتصاد في الاستهلاك، مسلك إسلامي رشيد، وما يتحدث عنه هؤلاء من مؤشرات نذر، وما يتحدثون عنه من الأمن المائي، وحروب المياه، ومعارك التعطيش، فإن الذي يجب أن يعلم، أن قضايا المياه قضايا إنسانية، وضرورات حياتية، يجب أن ينأى بها عن دائرة الصراعات والحروب، والابتزاز والمتاجرات والمزايدات، ولكنهم مع الأسف يؤذون البشرية، ويخوفونها بحروبهم الباردة والساخنة. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمْ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمْ الأَنهَارَ * وَسَخَّرَ لَكُمْ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ * وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم:٣٢ - ٣٤]. نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبهدي سيد المرسلين. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 244

الآداب الإسلامية في المحافظة على الماء الحمد لله المتفرد بربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، القائم على كل النفوس بآجالها، العالِم بتقلبها وأحوالها، أحمده سبحانه وأشكره، نفذت في خلقه مشيئته، ومضت فيهم إرادته، فهم على أقدارهم يمشون، وبما تيسر لهم من الأعمال يعملون. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، أكمل به الدين وأظهره على جميع الأديان، صلى الله وسلم وبارك عليه ما تعاقب الجديدان، وعلى آله وأصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسان. أما بعد: أيها المسلمون: من قضايا الإصلاح الاجتماعي: النظر في المرافق العامة، والالتفات إلى تحمل المسئولية فيها ورعايتها، والمحافظة عليها، حتى تحقق غايتها في منافعها، وحسن الاستفادة منها، ودعوة الإسلام في ذلك واسعة دقيقة، من رعاية الطرق، وصيانة المياه، والمحافظة على الظل، ومنع الأذى بكل صوره، وكف الشرور بأنواعها، مما يؤدي إلى صلاح المجتمع وعمارة مرافقه، وحسن استعمالها، والاستفادة منها؛ مما يجسد التحضر بأرقى صوره في الفرد والجماعة. أيها الأحبة: وهذه صورة من صور المحافظة على الماء في ديننا، ولا سيما في حفظها من التلوث، ذلك الأمر الذي لم تعرفه البشرية إلا في وقتها الحاضر، واعتبرته سمة من سمات تقدمها وتحضرها. لقد كانت وصايا نبيكم محمد ﷺ وتوجيهاته في ذلك واضحة، في حفظ الماء، والمحافظة عليه، واستعماله طهوراً نقياً، نظيفاً خالياً من التلوث وأسباب التلوث.

стр. 245

النهي عن إدخال اليد في الإناء عند الاستيقاظ من النوم عباد الله: تأملوا حفظكم الله بعض هذه الوصايا: لقد نهى ﵊ من استيقظ من منامه أن يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً، وقال: ﴿فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده﴾. فلعله مس سوءته، أو حك شيئاً متقرحاً من جسده، أو لعل هناك حِكَماً لم تتبين بعد. ومن هذه التوجيهات النبوية: التخصيص في وظائف اليدين، فاليد اليمنى تبعد عن مجالات التلوث والأقذار، وكل أمر يستدعي زيادة في الطهارة والتحرز. فتناول الطعام والشراب والمصافحة مخصوص باليمين، ومن أجل هذا نهى الإسلام أن تمس العورة باليمين، أو مواطن النجاسات والمستقذرات، تقول عائشة ﵂: ﴿كانت يد رسول الله ﷺ اليمنى لطهوره وطعامه، وكانت يده اليسرى لخلائه وما كان من أذى﴾ أخرجه أبو داود بسند حسن. وفي الحديث الصحيح: ﴿إذا بال أحدكم فلا يأخذنَّ ذكره بيمينه، ولا يستنجي بيمينه، ولا يتنفس في الإناء﴾ أخرجه البخاري.

стр. 246

النهي عن التنفس في الإناء ومن ذلك النهي عن التنفس في الإناء أو النفخ فيه، ففي الحديث: ﴿إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الإناء، فإذا أراد أن يعود فلينح الإناء، ثم ليعد إن كان يريد﴾ رواه ابن ماجة من حديث أبي هريرة ﵁.

стр. 247

الأمر بتغطية الأواني وربط الأسقية ومن الآداب: الأمر بتغطية الأواني وربط الأسقية حتى لا يصل إليها غبار أو هوام، يقول ﵊: ﴿أطفئوا المصابيح إذا رقدتم، وأغلقوا الأبواب، وأوكوا الأسقية، وخمرِّوا الطعام والشراب ولوا بعود تعرض عليه﴾ أخرجه البخاري.

стр. 248

النهي عن الاغتسال في الماء الراكد ونهى ﵊ عن الاغتسال في الماء الراكد الساكن الذي لا يجري وقال: ﴿ولكن يتناوله تناولاً﴾، ونهى عن التبول في الماء الدائم، بل لقد نهى ﵊ عن التبول قرب الماء، فقال ﷺ : ﴿اتقوا الملاعن الثلاثة: البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل﴾. هذه بعض الآداب والتوجيهات، ولكن مع الأسف الشديد ما لوث الأنهار والبحار على سعتها وكبرها إلا ما جلبه أصحاب التقدم في صناعاتهم ومخترعاتهم ومعداتهم وآلاتهم. ألا فاتقوا الله رحمكم الله: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف:٣١]. ثم صلوا وسلموا على الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، نبيكم محمد رسول الله، فقد أمركم بذلك ربكم في محكم تنزيله، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وارض اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن الصحابة أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وجودك وإحسانك يا أكرم الأكرمين! اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، واخذل الطغاة والملاحدة وأعداء الملة والدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً، سخاءً رخاءً وسائر بلاد المسلمين. اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا في من خافك واتقاك واتبع رضاك، يا رب العالمين! اللهم وفق إمامنا وولي أمرنا بتوفيقك، وأعلِ به كلمتك، وأعز به دينك، واجعله نصرة للإسلام والمسلمين، اللهم وارزقه البطانة الصالحة التي تدله على الخير وتعينه عليه، اللهم واجمع به كلمة المسلمين على الحق يا رب العالمين! اللهم وفق ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك وبسنة نبيك محمد ﷺ ، واجعلهم رحمة لرعاياهم، واجمع كلمتهم على الحق يا رب العالمين! اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك محمد ﷺ وعبادك المؤمنين، اللهم انصر المجاهدين الذين يجاهدون في سبيلك ولإعلاء كلمتك وإعزاز دينك، اللهم انصرهم في كل مكان، اللهم انصرهم في فلسطين، اللهم انصرهم في كشمير، اللهم انصرهم في كوسوفا، اللهم انصرهم على اليهود الغاصبين وعلى الصرب الظالمين، وعلى الوثنيين المعتدين. اللهم فرق جمع هؤلاء المعتدين من اليهود والصرب والوثنيين، اللهم فرق جمعهم، وشتت شملهم، وخالف بين قلوبهم، واجعل بأسهم بينهم، وأنزل عليهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، اللهم واجعل الدائرة عليهم يا قوي يا عزيز! ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرفنا في أمرنا وثبت أقدمانا وانصرنا على القوم الكافرين، ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ، وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى، وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ؛ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً، إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ، واذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 249

العزة في دروس الهجرة (التقويم الهجري) إن العزة والكرامة من أبرز الخلال التي نادى بها الإسلام، وغرسها في نفوس أفراده، وتعهد نماءها بأحكامه وشرائعه وآدابه، ومما ينبغي أن يذكر في ذكرى الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام ضرورة التزام التاريخ الهجري، وأنه لا ينبغي لأمة الإسلام أن تتخذ تواريخ أعدائها من اليهود والنصارى تاريخاً لها، وتدع ما سنه لها الخلفاء الراشدون.

стр. 250

لمن تكون العزة الحمد لله خلق كل شيءٍ فقدره تقديراً، أبدع ما خلق، وأتقن ما صنع حكمةً وتدبيراً، أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، كان على كل شيءٍ قديراً، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، أرسله إلى الخلق بالحق بشيراً ونذيراً، وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، والتابعين ومن تبعهم بإحسان، وسلَّم تسليماً كثيراً. أما بعد: أيها الناس: أوصيكم ونفسي بتقوى الله ، فاتقوا الله -رحمكم الله- حيثما كنتم، فهو سبحانه يعلم ما أخفيتم وما أعلنتم، فزكوا نفوسكم بالتوبة وطهروها، وأيقظوها من سِنَة الغفلة وذكّروها أن لكم موعداً لن تُخلَفوه، وموقفاً بين يدي ربكم لا بد أن تقفوه، ولسوف تأتي كل نفس تجادل عن نفسها، ثم توفى كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون. أيها المسلمون: إن العزة والكرامة من أبرز الخلال التي نادى بها الإسلام، وغرسها في نفوس المسلمين، وتعهَّد نماءها بما شرع من عقائد، وسن من أحكام، ووجَّه من آداب؛ فالمؤمن عزيزٌ بما أعزه الله، وبما منحه من كرامة، قال الله: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون:٨] له الكرامة والعلو: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ [النساء:١٤١]. وكيف لا يكون عزيزاً وهو في معية الله وكنفه ورعايته؟! أي تكريمٍ وإعزاز أعظم وأعلى من مخلوقٍ استخلفه الله في أرضه، وسخر له مخلوقاته في أرضه وسماواته، وكلفه بإقامة الحق، ونشر العدل، وإشاعة الخير، وبسط الفضيلة؟! ربه في معيته، والملائكة الكرام في حفظه، ويطمع ويطمح بإيمانه أن يكون رفيقاً للَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً! هل بعد هذه المعاني الكبيرة، والمشاعر العالية من تكريمٍ وعزة؟! إنها إذا سرت في كيان فرد، جعلت منه إنساناً كريماً، كبير الآمال، واثق الخطى، لا يحني رأسه لمخلوق، ولا تخضع رقبته لجبار، أبِيَّاً على الضيم، عصيَّاً على الذل والهوان. إن المسلم بإيمانه وتوحيده، وحسن ظنه بربه، ينقل أقدامه على هذه الأرض مكيناً كريماً في عزة وخضوعٍ لله وخشوعٍ وخشيةٍ وتقوى ومراقبةٍ لله في السراء والضراء. ومن هذا الخضوع ترتفع الجباه، ومن هذه الخشية يصمد المؤمن ويصد كل ما يأباه، ومن هذه المراقبة لا يتطلع إلا إلى رضا مولاه. يقال ذلك -أيها الإخوة- والمتحدثون يتحدثون هذه الأيام عن الهجرة وحَدَثها، وتاريخها، وعبرها، ولكنه مع الأسف في كثيرٍ من أحواله حديث ذكريات وسرد لأحداثٍ مضت وانقضت، من غير توجهٍ جاد نحو الاستفادة الحقة والتأسي الصادق واقتران الأقوال بالأعمال.
следующие страницы →