← Джавами‘

Джавами‘ · id 7735

دروس للشيخ صالح بن حميد

صالح بن حميد

Полный текст (918 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

النهي عن التنفس في الإناء ومن ذلك النهي عن التنفس في الإناء أو النفخ فيه، ففي الحديث: ﴿إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الإناء، فإذا أراد أن يعود فلينح الإناء، ثم ليعد إن كان يريد﴾ رواه ابن ماجة من حديث أبي هريرة ﵁.

стр. 247

الأمر بتغطية الأواني وربط الأسقية ومن الآداب: الأمر بتغطية الأواني وربط الأسقية حتى لا يصل إليها غبار أو هوام، يقول ﵊: ﴿أطفئوا المصابيح إذا رقدتم، وأغلقوا الأبواب، وأوكوا الأسقية، وخمرِّوا الطعام والشراب ولوا بعود تعرض عليه﴾ أخرجه البخاري.

стр. 248

النهي عن الاغتسال في الماء الراكد ونهى ﵊ عن الاغتسال في الماء الراكد الساكن الذي لا يجري وقال: ﴿ولكن يتناوله تناولاً﴾، ونهى عن التبول في الماء الدائم، بل لقد نهى ﵊ عن التبول قرب الماء، فقال ﷺ : ﴿اتقوا الملاعن الثلاثة: البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل﴾. هذه بعض الآداب والتوجيهات، ولكن مع الأسف الشديد ما لوث الأنهار والبحار على سعتها وكبرها إلا ما جلبه أصحاب التقدم في صناعاتهم ومخترعاتهم ومعداتهم وآلاتهم. ألا فاتقوا الله رحمكم الله: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف:٣١]. ثم صلوا وسلموا على الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، نبيكم محمد رسول الله، فقد أمركم بذلك ربكم في محكم تنزيله، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وارض اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن الصحابة أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وجودك وإحسانك يا أكرم الأكرمين! اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، واخذل الطغاة والملاحدة وأعداء الملة والدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً، سخاءً رخاءً وسائر بلاد المسلمين. اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا في من خافك واتقاك واتبع رضاك، يا رب العالمين! اللهم وفق إمامنا وولي أمرنا بتوفيقك، وأعلِ به كلمتك، وأعز به دينك، واجعله نصرة للإسلام والمسلمين، اللهم وارزقه البطانة الصالحة التي تدله على الخير وتعينه عليه، اللهم واجمع به كلمة المسلمين على الحق يا رب العالمين! اللهم وفق ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك وبسنة نبيك محمد ﷺ ، واجعلهم رحمة لرعاياهم، واجمع كلمتهم على الحق يا رب العالمين! اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك محمد ﷺ وعبادك المؤمنين، اللهم انصر المجاهدين الذين يجاهدون في سبيلك ولإعلاء كلمتك وإعزاز دينك، اللهم انصرهم في كل مكان، اللهم انصرهم في فلسطين، اللهم انصرهم في كشمير، اللهم انصرهم في كوسوفا، اللهم انصرهم على اليهود الغاصبين وعلى الصرب الظالمين، وعلى الوثنيين المعتدين. اللهم فرق جمع هؤلاء المعتدين من اليهود والصرب والوثنيين، اللهم فرق جمعهم، وشتت شملهم، وخالف بين قلوبهم، واجعل بأسهم بينهم، وأنزل عليهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، اللهم واجعل الدائرة عليهم يا قوي يا عزيز! ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرفنا في أمرنا وثبت أقدمانا وانصرنا على القوم الكافرين، ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ، وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى، وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ؛ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً، إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ، واذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 249

العزة في دروس الهجرة (التقويم الهجري) إن العزة والكرامة من أبرز الخلال التي نادى بها الإسلام، وغرسها في نفوس أفراده، وتعهد نماءها بأحكامه وشرائعه وآدابه، ومما ينبغي أن يذكر في ذكرى الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام ضرورة التزام التاريخ الهجري، وأنه لا ينبغي لأمة الإسلام أن تتخذ تواريخ أعدائها من اليهود والنصارى تاريخاً لها، وتدع ما سنه لها الخلفاء الراشدون.

стр. 250

لمن تكون العزة الحمد لله خلق كل شيءٍ فقدره تقديراً، أبدع ما خلق، وأتقن ما صنع حكمةً وتدبيراً، أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، كان على كل شيءٍ قديراً، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، أرسله إلى الخلق بالحق بشيراً ونذيراً، وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، والتابعين ومن تبعهم بإحسان، وسلَّم تسليماً كثيراً. أما بعد: أيها الناس: أوصيكم ونفسي بتقوى الله ، فاتقوا الله -رحمكم الله- حيثما كنتم، فهو سبحانه يعلم ما أخفيتم وما أعلنتم، فزكوا نفوسكم بالتوبة وطهروها، وأيقظوها من سِنَة الغفلة وذكّروها أن لكم موعداً لن تُخلَفوه، وموقفاً بين يدي ربكم لا بد أن تقفوه، ولسوف تأتي كل نفس تجادل عن نفسها، ثم توفى كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون. أيها المسلمون: إن العزة والكرامة من أبرز الخلال التي نادى بها الإسلام، وغرسها في نفوس المسلمين، وتعهَّد نماءها بما شرع من عقائد، وسن من أحكام، ووجَّه من آداب؛ فالمؤمن عزيزٌ بما أعزه الله، وبما منحه من كرامة، قال الله: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون:٨] له الكرامة والعلو: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ [النساء:١٤١]. وكيف لا يكون عزيزاً وهو في معية الله وكنفه ورعايته؟! أي تكريمٍ وإعزاز أعظم وأعلى من مخلوقٍ استخلفه الله في أرضه، وسخر له مخلوقاته في أرضه وسماواته، وكلفه بإقامة الحق، ونشر العدل، وإشاعة الخير، وبسط الفضيلة؟! ربه في معيته، والملائكة الكرام في حفظه، ويطمع ويطمح بإيمانه أن يكون رفيقاً للَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً! هل بعد هذه المعاني الكبيرة، والمشاعر العالية من تكريمٍ وعزة؟! إنها إذا سرت في كيان فرد، جعلت منه إنساناً كريماً، كبير الآمال، واثق الخطى، لا يحني رأسه لمخلوق، ولا تخضع رقبته لجبار، أبِيَّاً على الضيم، عصيَّاً على الذل والهوان. إن المسلم بإيمانه وتوحيده، وحسن ظنه بربه، ينقل أقدامه على هذه الأرض مكيناً كريماً في عزة وخضوعٍ لله وخشوعٍ وخشيةٍ وتقوى ومراقبةٍ لله في السراء والضراء. ومن هذا الخضوع ترتفع الجباه، ومن هذه الخشية يصمد المؤمن ويصد كل ما يأباه، ومن هذه المراقبة لا يتطلع إلا إلى رضا مولاه. يقال ذلك -أيها الإخوة- والمتحدثون يتحدثون هذه الأيام عن الهجرة وحَدَثها، وتاريخها، وعبرها، ولكنه مع الأسف في كثيرٍ من أحواله حديث ذكريات وسرد لأحداثٍ مضت وانقضت، من غير توجهٍ جاد نحو الاستفادة الحقة والتأسي الصادق واقتران الأقوال بالأعمال.

стр. 251

مواقف العزة من هجرة النبي ﷺ وإن من أهم الوقفات التي تستوقف المتأمل، ويتوجه إليها الحديث -وهو حديث المناسبة- موقف العزة الذي تجلى من خلال هذه الهجرة النبوية الشريفة، على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم، ورضي الله عن المهاجرين والأنصار وأرضاهم. وإن درس العزة تحتاجه الأمة في حوالك أيامها، ومظاهر تسلط أعدائها، وصور الذلة والخنوع في كثيرٍ من جنباتها. إن درس العزة والثقة يتجلى في ثقة نبينا محمدٍ ﵌ بربه، ويقينه بحفظه ونصره، قال الله تعالى: ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:٤٠] ثم يقول ﵊ لصاحبه: ﴿ما ظنك باثنين الله ثالثهما﴾. ليكن العدو من يكون وما يكون، في شدته وبطشه وقوة سلاحه وكثرة جنده، فالله أقوى، والمسلم بربه أعز، ولن يُغْلَب صفٌ يكون رب العزة معه بالنصر والتأييد.

стр. 252

أهمية التاريخ العمري في حياة الأمة الإسلامية أيها الإخوة: وهذه وقفةٌ معاصرة، يستبينها درس الهجرة، تبين مدى ما أصاب المسلمين من غفلةٍ واستكانة وانهزام، ومدى ما بلغه الأعداء من تمكنٍ وهيمنة. حساب السنين بتاريخ الهجرة سُنَّةٌ عُمَرية، هدى الله إليها أمير المؤمنين المُحَدَّث عمر بن الخطاب وإخوانه من الصحابة، رضوان الله عليهم، حين تشاوروا في وضع تاريخ يبدأ منه حساب المسلمين، لقد اتفقوا على حدث الهجرة، لأنه الحدث الذي قامت به دولة الإسلام، وصارت به للمسلمين دار، ونشأ لهم به كيان، وشهر الله المحرم جاء بعد شهر الحج، والحج هو آخر الفرائض الكبرى تشريعاً. فاليوم في الإسلام يبدأ من غروب الشمس، والشهر يبدأ من ظهور الهلال، والسنة تبدأ من شهر الله المحرم، هذا هو تاريخ المسلمين، وهذا ما جرى عليه عملهم، وتعاملوا به في كتبهم ومكاتباتهم، ومواعيدهم وآجال حقوقهم وديونهم، إنه تاريخٌ في ذاكرة كل مسلم، عند إشراقة شمس كل يوم، وإطلالة كل شهر، وحلول كل عام. وظل المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها، يؤرخون به أحداثهم، ويسجلون به وقائعهم، ويكتبون به مكاتباتهم، ويثبتون به مواعيدهم، ويقدِّرون به أعمارهم، بل تقوم جملةٌ من الأحكام على هذا التاريخ المجيد. لقد صار هذا التاريخ مترسخاً في نفوس كل المسلمين، عامتهم وعلمائهم، منذ الطفولة المميزة وحتى الشيخوخة المتأخرة، فهو مرتبط بهم ارتباط الأحكام بمواقيتها: في الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، وفي جزئيات الأحكام: في العيدين، وأيام البيض، وستٍ من شوال، وعشرٍ من ذي الحجة، وأيام التشريق، وعاشوراء، في أحكامٍ وأيام لا تقع تحت حصر، يضاف إلى ذلك أيام الإسلام المجيدة المرتبطة بأحداث التاريخ، من مغازي رسول الله ﵌، وسيرته، وأيامه، ثم فتوحات الإسلام من بعده في القادسية، واليرموك، وفتح الأندلس، وحطين، والقسطنطينية، وكل انتصارات المسلمين، وتاريخ أئمة الإسلام وأعلام الأمة.

стр. 253

تخلي الأمة عن تاريخها سبب من أسباب انهزامها وماذا حدث أيها الإخوة؟! لقد جاءت عهود الاحتلال من قِبَل الأعداء، فاحتُلَّت كثيرٌ من ديار المسلمين، وتنبه هؤلاء الأعداء المحتلون لدور هذا التاريخ وأثره في ربط المسلمين بدينهم ومجدهم، في يومهم وشهرهم وعامهم. لقد أدركوا دور هذا في الدين والتاريخ، فخططوا للفصل بين ذاكرة الأمة وتاريخها، فأدخلوا تاريخاً لا يمت لشعائر الإسلام بصلة، ولا تذكّرها أيامه وشهوره وأعوامه بدينها وأحكامها ومجدها، بل إنه تاريخٌ يُشَوِّش الأذهان، ويخلط الأزمان، تاريخٌ يُشْعِر المسلمين بالذلة والتبعية والدونية. لقد عمل الأعداء ودأبوا حتى استطاعوا اقتلاع التاريخ الهجري الإسلامي العُمَري الراشدي من جميع بلاد المسلمين، ما عدا بلاد الحرمين الشريفين، صانها الله وحماها، وستظل بإذن الله حافظةً للعهد، قائمة بالحق، صامدةً ثابتة، مع علمنا وإدراكنا لمحاولة الأعداء التي لا تنثني -مما يؤكد ضرورة اليقظة- ولكنها ثابتةٌ بإذن الله، وكيف لا يكون ذلك، وهي البلاد التي تُحَكِّم شرع الله، وانطلقت منها البعثة والهجرة، وانبعثت منها أفواج الفتوح ورايات الحق؟! أيها الإخوة: إن موقف الدرس والعبرة، وحديث العزة والهجرة، ليستوقف المتأمل، كيف ألغت غالبية المسلمين من ذاكرتها الشهور الهلالية، والسنين الهجرية، والقرون الإسلامية، وأحلت محلها تاريخ الأعداء وقرون المحتلين؟! الله أكبر! ما هذه الذلة؟! وما هذه المهانة؟! لقد جعلوا التاريخ الذي وضعه يوليوس قيصر بدلاً من التاريخ الذي وضعه عمر إمامهم وخليفتهم وصاحب نبيهم ﷺ ؛ ورضي الله عن عمر وعن الصحابة أجمعين. لقد رحل المحتل بعسكره، ولكنه مع الأسف قد غرس البذور في رءوس المنهزمين والمهازيل والأذلاء، فحصلت الاختراقات المطلوبة، فعندما رحل الأعداء كان الطمس قد عم، والانحلال قد حل، وإن شئتم مزيداً من المآسي؛ فانظروا كم تتحدث الصحف ووسائل الإعلام عن الاستعداد والتخطيط لدخول القرن الحادي والعشرين. إنها أمورٌ تُحْشَر حشراً، وإصرارٌ على حشو الأذهان بها قسراً، وكأن دورة الكون والتقدم الحضاري للبشرية، مرتبطة بهذه القرون وحدها. إنكم لتعلمون، ويعلم كل منصفٍ عزيزٍ مستقل، أن التقدم الإنساني ليس مرتبطاً بقرنٍ دون قرن، فالمسيرة الإنسانية قد بدأت فيما مضى، وسوف تستمر بإذن الله وما شاء الله، ولا علاقة لها بحساب السنين من أي نوعٍ كان، شمسياً أو قمرياً أو غيرها. أيها الإخوة: إنه لمن المحزن والمخزي، وإنه لمن الذلة والهوان أن ترى دول الإسلام تؤرِّخ وتحتفل وتبتهج بتاريخ الذين طمسوا دينها، وألغوا تاريخها، وامتهنوا موروثاتها. كيف ترضى أمةٌ هي خير أمةٍ أخرجت للناس، بمن يمحو ذاكرتها، وذاكرة شعوبها، ويلغي تاريخها ويطمس مجدها؟! وإن مما يسوء أن ترى أقلاماً في الأمة، وعقولاً في الناس، قد جدَّت في سلوك مسالك السخرية بتراث الأمة، والتشكيك في ثوابتها، ليتجلى فيها ومن خلالها إهدار الكرامات، واستباحة الحرمات، وتَرْهَقَ الوجوهَ الذلةُ، ويروجَ الباطلُ، وينزوي الحق، ويسود المنكر، ويتلاشى المعروف. إنها زرافاتٌ من حملة الأقلام، ووجوه الإعلام، قد صُنِعَت رءوسهم خارج ديار الإسلام. إن تصورَهم لكثيرٍ من حقائق الإسلام، وحكمَهم في كثيرٍ من القضايا لا صلة له -والله- بدين الله، ولا ارتباط له البتة بشرع الله، بل مع الأسف كل الأسف أن آخر ما يهتمون به هو الإسلام وحاضره وتاريخه ومستقبله ومصيره. لقد كان المخلصون يظنون أن زوال الاحتلال وانكشاف خطط الأعداء كفيلٌ بإعادة هؤلاء إلى صوابهم، ولقد ازداد الأمر وضوحاً وجلاءً في معركة أهل الإسلام هذه الأيام مع اليهود المحتلين ومَن شايعهم! أما كان هذا كافياً في مراجعة الحسابات وتصحيح الأخطاء؟! ولكن مع شديد الأسى لقد كان كثيرٌ من ذلك وهماً، مع علمهم الجازم أنهم هاجت في دمائهم أصول ديانتهم المحرفة ولوثات تعصبهم المقيت، فهجموا على بلاد الإسلام، يبغون محو الأمة والدين والحضارة، وفي ملاقاة هذا العدوان لا تسمع إلا أحاديث الكُتَّاب والمثقفين عن اللهو والغناء، والتسابق المحموم في قنوات الرقص والمجون، فضلاً عن المنكر الصارخ في الإلحاد والتنكر للدين والتاريخ والتراث.

стр. 254

من سنن الله في الأمم أيها الإخوة: إن لله سنناً لا تتخلف، تجري على الأفراد كما تجري على الأمم، فيصيبهم الذل والهوان جزاء ما اقترفوا ولقاء ما قدموا، يسلطُ الله عليهم ما لم يكونوا يحتسبون، قال الله: ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً﴾ [يونس:٢٧]. كيف ترجى عزة أو يؤمَّل النصر، وقد اهتزت العقيدة، وفُقِد المثل الأعلى، وطمس التاريخ؟! بل لا تكاد ترى في مناهجهم وإعلامهم إلا ما يصور الذلة والخنوع والتبعية، وما يُجَرِّد الأمة بأفرادها من كل معاني العزة والعفة والغيرة، وتماسك الشخصية، والبعد عن مواطن الطهر النفسي والجسدي.

стр. 255

النصر على الأعداء بطلب العزة من مظانها أيها الإخوة: ولن تستعيد الأمة حقوقها، ولن تنتصر على أعدائها إلا حين تطلب العزة من مظانها، والعزة لا تطلب من الكافرين، فالعزة تطلب من رب العزة وحده لا شريك له، قال الله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً﴾ [فاطر:١٠]. وعلق على هذه الآية الإمام القرطبي ﵀، وهو ممن عاش أيام سقوط الأندلس وأفول شمس المسلمين هناك. يقول ﵀: "هذا تنبيهٌ لذوي الأقدار والهمم من أين تنال العزة ومن أين تستحق؛ فمن طلب العزة من الله وحده، وصدق في طلبها في افتقارٍ لربه وذلة وسكونٍ وخضوع، وجدها عند الله -إن شاء الله- غير ممنوعة ولا محجوبة عنه، وفي الحديث: ﴿مَن تواضع لله رفعه﴾. قال: ومن طلبها من غيره وكله إلى من طلبها عنده. وقد ذكر الله أقواماً طلبوا العزة عند من سواه، فقال: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً * وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً﴾ [النساء:١٣٩ - ١٤٠]. قال ﵀: فأنبأك صريحاً لا إشكال فيه أن العزة لله سبحانه، يُعِزُّ بها من يشاء، ويُذِلُّ من يشاء، ومن اعتز بالله أعزه الله، ومن اعتز بغيره أذله الله. ألا فاتقوا الله رحمكم الله، فالحق أبلج، والمحجة بيضاء، وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ، والعزة لله وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ، وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة:٥٥ - ٥٦]. نفعني الله وإياكم بهدي كتابه وبسنة نبيه محمد ﷺ . أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 256

اعتزاز السلف الصالح بإيمانهم الحمد لله الكبير المتعال، المتنزه عن الشركاء والأنداد والأمثال، أحمده سبحانه وأشكره بلسان الحال والمقال، فهو ذو الجود والإفضال. وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له، ذو العزة والجلال، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، شامخ العزة وكريم الخلق وشريف الخصال، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه خير صحب وآل، والتابعين لهم ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم المآل. أما بعد: فاتقوا لله عباد الله، واستقيموا على طاعته؛ فقد قال: ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر:١٤]. أيها المسلمون: في ماضي تاريخ المسلمين مرت فتراتٍ حوالَيه، مستهم فيها البأساء والضراء وزلزلوا، فاجتاح التتار ديار المسلمين، فضج منهم السهل والجبل، وأريقت دماء، وسجل التاريخ هول المناظر، وبشاعة الأحوال، وقد وُقِّف زحفُهم، ولكن لم يوقفه إلا العودة إلى الأصل والمنبع، إنه الإسلام ولا شيء غير الإسلام الذي تردد في بطاح عين جالوت، ولم يوقف تيار التتار سوى هذا النداء، نداء الإسلام: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون:٨]. أيها الإخوة: إن العزة الحقة حقيقةٌ تستقر في القلب، فيستعلي بها المرء على كل أسباب الذلة والانحناء لغير الله، عزةٌ يستعلي بها على الشهوات المذلة، والرغائب القاهرة، وحين تتحقق العزة لمؤمن، فلن يملك أحدٌ إذلاله وإخضاعه، وإنما تذل الناسَ شهواتهم ورغباتُهم، ومطامعُهم ومخاوفهم. أيها الإخوة: ليست العزة عناداً جامحاً، يستكبر على الحق، ويتشامخ بالباطل، وليست طغياناً فاجراً، يضرب في عتوٍ وتجبر، وليست اندفاعاً، يخضع لنزوة، ويذل لشهوة، لكنه استعلاءٌ على الذلة والمهانة، واستعلاءٌ على الخضوع لغير الله. هاهو ربعي بن عامر، ابن الصحراء الجافة القاحلة، يباشر الإيمانُ قلبَه، ويستبطن القرآن بين جنبيه، فيقف أمام قائد الفرس، فيسأله رستم، بأبهته وعسكره: من أنتم؟ فيجيب ربعي بن عامر في عزة المؤمن إجابةً خلدها التاريخ: [[نحن قومٌ ابتعثنا الله لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام]] إنها عزة النفس، وعلو العقيدة، وشموخ الراية التي يقف تحتها المؤمن في مواجهة أعداء الله. إنها الثقة بالحق الذي معه، والخير الذي يحمله، عزةٌ تجعله يحمل الآخرين على الحق، لا أن يذوب معهم في الباطل، وهي قبل ذلك وبعده الثقة بالله، والثقة بغلبة الحق وأهله، مهما أصابه من قرحٍ في مسيرة الحياة الطويلة، كما قال : ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:١٣٩ - ١٤١]. فهل يفقه هذا أهل الإسلام؟! وهل يعي المسلمون تاريخهم ومسيرة دينهم؟! هذا وصلوا وسلموا على الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، نبيكم محمد رسول الله، فقد أمركم بذلك ربكم، فقال عز قائلاً عليما: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأزواجه وذريته، وارضَ اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر الصحابة أجمعين، المهاجرين منهم والأنصار، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وجودك يا أكرم الأكرمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، واحمِ حوزة الدين، واخذل الطغاة والملاحدة، وسائر أعداء الدين. اللهم انصر دينك، وكتابك، وسنة نبيك، وعبادك الصالحين. اللهم آمِنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا. اللهم وأيد بالحق إمامنا وولي أمرنا، ووفقه لما تحب وترضى، وخذ بناصيته للبر والتقوى، وأعزه بالحق، وأعز الحق به، وأعز الحق به، واجعله نصرة للإسلام وللمسلمين، واجمع به كلمة المسلمين على الحق يا رب العالمين. اللهم وفق ولاة أمور المسلمين لتحكيم كتابك وسنة نبيك. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ، وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى، وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ؛ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 257

نظرة ومراجعة لمبادئ الحضارة المعاصرة الفتن والمحن وغيرها من الأحداث منبهات تدعو إلى مراجعة الموروث الحضاري، ثقافة وعلماً وعملاً. وإذا كان هذا الموروث عظيماً، فإن تركيب الحضارة القادمة سيتضمن فيما يتضمن البقايا المشرقة من الحضارة السابقة. ومن الظواهر المعاصرة التي ينبغي مراجعتها: التعلق بالماديات، الحروب البشعة وغيرها. وفي هذا المادة بيان لما يلحظه المستقرئ للتاريخ الإسلامي مما قدمه الإسلام للبشرية خلال مراحله المختلفة.

стр. 258

الأحداث الكبرى دعوة إلى مراجعة الماضي الحمد لله حمد الشاكرين، والشكر له شكر الحامدين، تبارك ربنا وتقدس، له جميع المحامد، وتعالى وتكرم، منه جزيل الفضل وجميع العوائد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تمت كلمته، وعمت رحمته، وفاضت نعمته، وهو الإله الواحد، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، المبعوث رحمة للعالمين، فهو البشير والنذير والشاهد؛ صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه، السادة الأماجد، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فأوصيكم أيها الناس ونفسي بتقوى الله ، فاتقوا الله رحمكم الله، فمن اتقى الله وقاه، ومن أناب إليه تاب عليه وهداه، ومن رضي عن الله ﵁ وأرضاه، ومن أذل نفسه في طاعة الله أعزه وأعلاه، من تاجر مع الله ربحت تجارته، ومن هاجر إلى الله صحت هجرته، تأملوا في حوادث الدهر وقوارع العبر، فإنهن صوادق الخبر، حوادث فيها مزدجر، ومتغيرات فيها معتبر، تعير مرة، وتسلب أخرى، وتفسد عامراً، وتعمر قفراً. أيها المسلمون! الفتن والبلايا منبهات وموقظات، تحمل الأمم الحية على العودة إلى نفسها والقيام بهمة إلى مراجعة مواريثها العلمية، ومواقفها العملية، ومسيرتها الحضارية بجدٍ ومصداقية، وصراحة وشفافية. مراجعة تفحص فيها مواريثها، وتقوم عملها، وتمحص ثقافتها، تلك المواريث والثقافات التي تؤثر في حياة الناس، وتوجه سلوكهم، وتصنع اهتماماتهم في محاولة جادة صادقة، لتحديد أسباب القصور ومواطن التقصير. التحديات الكبرى والأزمات المتأزمة، توقظ الأمم، وتنبه الدول، وتشكل التحولات الكبرى في مسيرة الحياة، وتمحو الصور المشوهة، والعناصر الهرمة، والكيانات الرخوة في حياة الشعوب، وتحفزها للانطلاق من جديد. إن إحباطات الماضي، وخيبات الأمل عند الأمم الحية لا تقضي على إمكانات المستقبل، ولكنها تنبه إليها؛ بل تؤكدها وتظهر فاعليتها، ولقد قال الله عز شأنه في ابتلاء يوم أحد: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٠ - ١٤١]. إن الأحداث الكبرى حين تقع لا تخص أمة بعينها، أو دولة بمفردها، ولكنها تشمل رقعة واسعة من الدنيا، إن لم تشمل العالم بأسره، أفراداً وجماعات، وشعوباً ودولاً. أحداثٌ كبرى، تتولد عنها تحولات، وتنتج منها مواقف في الشأن كله، في الاعتقاد والاقتصاد، والسياسة والاجتماع، والتربية والتعليم، وفي ميادين الحياة كلها. وفي ظل هذه الأحداث والابتلاءات يجدر بالعقلاء إعادة قراءة المبادئ، واستعادة النظر في المقررات، كما تراجع النظم وأنماط الحياة، إنه لجميل أن تراجع المبادئ والمقررات، وأجمل منه مراجعة آثار هذه المبادئ، وما صنعته تلك النظم، وما أورثته من نتائج على الأمم والأفراد. وإن من أولى ما يستحق المراجعة وإعادة النظر مبادئ هذا العصر ونظمه ومقرراته وسياساته.

стр. 259

آثار المبادئ المادية وبادئ ذي بدء، فثمة إيجابيات ومحاسن يحسن التمسك بها، والاستزادة منها في ميدان الماديات والمكتشفات والمخترعات والمنتجات السلمية والعلمية، زراعةً وصناعةً، وتجارةً واتصالاتٍ، وطباً وأدويةً، وتقنياتٍ ومواصلاتٍ. ولكن ما أثر هذه المبادئ والمقررات في تكوين الرجال وصناعة الأجيال، واحترام الحقوق، وعدالة التطبيق؟ إن كثيراً من رجال هذه المبادئ أشبه بآلاتٍ طاحنة، وكأن صفة الإنسانية قد نزعت منها نزعاً، ترفع شعارات، ثم توظف توظيفاً ضيقاً، بل تقصر على فئات دون فئات، وأقاليم دون أقاليم؛ من مبادئ الديمقراطية، ومفاهيم الحرية، ومقررات حقوق الإنسان، وما أشبه ذلك، يجب التوقف المتأني عند التناقض الظاهر بين هذه المثل وبين الممارسات. التاريخ المعاصر معتمٌ وقاتم، فيه استعلاء واستكبار وإذلال وإهانة، وفيه استبداد وقهرٌ للشعوب والدول، وفيه سيطرة واحتكار. إن من الأمانة والإنصاف والسلوك العاقل الجدُّ في طلب الحق، وتلمس الخير للبشرية جمعاء، ومراجعة المواقف، والتفكير بشكلٍ جاد في الدوافع الأساسية التي ملأت كثيراً من الشعوب كراهيةً، وولدت عنفاً. أي مبادئ هذه التي تولد الكره؟! وأي مناهج هذه التي تسمح بإذلال الآخرين، وتقبل فيهم الدونية؟! أي مقررات هذه التي تغرس الغطرسة والاستعلاء؟! أي قيمٍ تخرجها هذه المبادئ؟! وأي سياسات ترسمها هذه النظم؟! في مراجعة صادقة يحصل التأمل في هذا العنف الذي يغطي العالم شرقاً وغرباً بأشكاله وأساليبه. إن العنف والتسلط غالباً ما يعبر عنه بأساليب عدوانية؛ كالكراهية والسيطرة على الضعفاء، واستغلالهم المادي والمعنوي، والاتهام بالباطل والاضطهاد. وإذا ساد العنف والتسلط بدل الحوار والتفاهم، فحينئذٍ لا يبقى للضعيف صوتٌ ولا مكان، ولا يبقى للعدالة محلٌ ولا مقام، والأشنع والأفظع حين يكتسي التسلط والعنف بلباس الشرعية، فيأخذ شكلاً مبرمجاً وممنهجاً، تجب اليقظة من أجل إيقاف المد العدواني في العالم، وانتشار بذور الكراهية ومظاهر العنصرية والاستعلاء والتمييز.

стр. 260

الأضرار الفادحة للحروب المعاصرة وإن مما يستدعي المراجعة والنظر هذه الحروب التي تنشب في هذا العصر بين الحين والآخر، كم حصدت من الملايين، وأزهقت من الأرواح، وألقت بأنواع القنابل، واستخدمت من صنوف السلاح أسلحة فتاكة مدمرة لا يقتصر ضررها على قتل من أصابته، ولا ينحسر أثرها في ميدان المعركة، ولكنها الأضرار والأمراض على الأحياء كل الأحياء؛ من إنسانٍ وحيوانٍ وشجرٍ وبيئة، بجرثوميتها، وكيميائيتها، ونوويتها. في رمادها وغبارها وإشعاعاتها قتل وحرق وتدمير وخراب لمساحات هائلة طولاً وعرضاً وعمقاً، مما يهلك الحرث والنسل، والله لا يحب الفساد. أي مبادئ؟! وأي سياسات تخرج منها الصانعون والمخترعون والمستعمرون؟! سجلات حروبٍ مثقلة بالغضب، والظلم، والتعدي، والقسوة، والغلظة، لا تخضع لقانون، ولا يقرها عدل، وكتاب ربنا نحن المسلمين يحدثنا عن القتال في غايته وآدابه: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة:١٩٠]. حروب وأسلحة لا تعرف إلا الإبادات الجماعية، قتلاها بالمئات والألوف والملايين، ودمارها يلف المساكن والمزارع والمساجد والمعابد والأسواق والطرقات. كوارث وحروب هي الأكثر تسميماً في التأريخ، والمستقبل في هذه الحروب مظلمٌ، إن استمر الحال على ما هو عليه. إن الإحصاءات لتئن من الأعداد الهائلة لحصاد هذه الحروب، في قارات الدنيا كلها، إنهم بعشرات الملايين في وحشية مسعورة، وتقنيات مخيفة.

стр. 261

أثر النظرة المادية في الثقافة المعاصرة أيها الناس! وبمراجعة متأنية ونظرة فاحصة، فإن للنظرة المادية السائدة في تلك المناهج وتفسير الأحداث وبناء الغايات ورسم الأهداف أثراً في ذلك عظيماً. لقد بنيت فلسفات هذا العصر ومبادئه وثقافته وسياساته على مادية جافة، فالإيمان مقصورٌ على المحسوسات، لا أثر للغيبيات وما وراء الحس إنما هو التعلق بالدنيا، والإغراق في الاستكثار منها، وقصر العلوم والمعارف والمكتشفات في حدودها. تأملوا هذه اللفتة العظيمة في هذه الآية الكريمة من سورة الروم: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٧]. ليس لأعمال القلوب مكان إنما هو اهتمامٌ باللذائذ، وإغراقٌ واستغراق في الشهوات والمستلذات. ولهذا يتجلى الغلو في العناية بالرياضات البدنية، والألعاب الرياضية، والرقص، والغناء، والتمثيل، واللهو، والطرب، والنحت، والرسم، وما كان على هذه الجادة. ليس للدين أي أثرٍ في الأخلاق والسياسات والفلسفات والمبادئ. الدين عندهم تقليدٌ من التقاليد؛ ليس له أثرٌ في النفوس أو سلطانٌ على القلوب؛ خصامٌ نكد بين العلم والدين والروح والجسد، ليس في تلك الأنظمة الفكرية مكانٌ لله -تعالى الله وتقدس- ولا يشعرون بالحاجة إليه -تنزه وتعاظم- بل الإله في تلك الثقافات والتاريخ يُجَسَّد في آلهة متعددة، تنحت لها التماثيل، وتبنى لها المعابد والهياكل، حتى الأعمال القلبية والمعاني المجردة صنعوا لها آلهة في أجسامٍ وأصنام وأشكال وتماثيل، فللحب عندهم إله، وللجمال عندهم إله. والدين طقوسٌ وترانيم جافة؛ فإذا أديت فتقليد ووراثة. من أجل هذا كله، ظهرت القسوة، وساد العنف، وحل التظالم، واختلطت المبادئ، بل انتكست وانقلبت، إن كثيراً منهم لا يرجون لله وقاراً، وهم عن الآخرة هم غافلون.

стр. 262

المراجعة من أجل العدالة والإنصاف أيها الإخوة في الله! تجب المراجعة الصادقة والجادة من أجل أن يسود العدل والإنصاف، ويحق الحق، ويزهق الباطل. إن العالم بحاجة إلى صياغة سياسة رحيمة، تقطر أخلاقاً وإنصافاً وعدلاً وتديناً، سياسة تلغي هذه الأسلحة الجرثومية، التي تزرع الدمار في الديار، والدمار في الضمائر. سياسة ترعى العدالة في حقوق الإنسان، وحق تقرير المصير، والحرية، والكرامة، والرحمة، والطمأنينة. سياسة تنهي الاستعمار والهيمنة بكافة أشكالها الاقتصادية والفكرية والثقافية. سياسة تقف بصدقٍ إلى جانب الضعيف والمظلوم، حتى ترفع مظلمته، فالعدل لا يحقق بالظلم، والأمن لا يستجلب بالخوف، يجب استبعاد منطق الثأر والانتقام إلى رحاب الحوار وهدوء النقاش. العالم بدوله الصغيرة والكبيرة بحاجة إلى الترابط والتوافق والعيش بسلمٍ وسلام. هذا هو الذي يجب أن يتنادى إليه العقلاء، ويأخذ به المخلصون الذين يقصدون إلى خير البشرية كلها، ولا يحسن بهؤلاء العقلاء والمخلصين أن يغالطوا التاريخ، ويخالفوا السنن، إنهم إن لم يفعلوا ذلك، فإن الضعيف لن يبقى ضعيفاً، والتاريخ حافلٌ بالأمثلة على صعود أمم وهبوط أخرى، وعلو حضارات وانحسار أخرى، وهو حافلٌ كذلك بمشاهد قدرة الشعوب على الصبر والصمود والمصابرة وطول الكفاح والمقاومة، والأيام دول، والزمن قلب، والأمر كله لله، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء:٢٢٧]، ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأحقاف:٢٦]. نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم وبهدي محمدٍ ﷺ ، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 263

استقراء التاريخ الإسلامي الحمد لله الذي أوجد الكائنات بقدرته، وقهرها بقوته، وفاوت بينها بحكمته، أحمده سبحانه وأشكره على كريم فضله وجزيل نعمته. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، نصب الدلائل على وحدانيته. وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، اصطفاه لرسالته، ورحم العالمين ببعثته، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى أصحابه وأزواجه وذريته، والتابعين ومن تبعهم بإحسان وسار على هديه والتزم بسنته. أما بعد: فإن المستقرئ لتأريخ أمة الإسلام، ولا سيما تأريخ الفتن الداخلية، والنكبات الخارجية، ابتداءً بفتنة الردة، ومروراً بالإعصار المغولي، ثم الغزو الصليبي، حتى الاستعمار الحديث والحقبة اليهودية القائمة. إن هذا التأريخ الإسلامي العظيم بقدر ما حمل من الحضارة والإضاءة والعدل والإنصاف مع نفسه ومع الأمم والشعوب التي انضوت تحت حكمه، وانطوت تحت لوائه؛ فلقد أثرت هذه الفتن والأزمات وهناً حضارياً، وصوراً من الغثاء الاجتماعي، حتى ضعضع الدهر كثيراً من جوانب الأمة، وأشمت بها الأعداء، بل أصبح من سلوة النفس الشماتة بالذات، ولكن هذه الفتن وهذه الأزمات في الوقت ذاته شكلت تحديات، وأثارت استفزازات، وجددت عزائم، وشحذت همماً، وحرضت على استئناف الشئون الحضارية.

стр. 264

بصائر الحاضر وبشائر المستقبل إن ما يلحق الأمة من إصاباتٍ وجراحات، إنما هو في الحقيقة منبهات ومحرضات حضارية، تحمل بصائر الحاضر وبشائر المستقبل، وهذه آية أخرى في ابتلاء يوم أحد، يقول الله : ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ * الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ * إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٧٢ - ١٧٥] ومع التسليم بأن ما يصيب الأمة هو بسبب نفسها وأعمالها، فإن من اليقين بأنها -بفضل الله- تمتلك قيم الوحي الثابتة والخالدة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، تؤمن بها وتقوم عليها، وهي المقياس والنبراس الذي يكشف الخلل، ويحدد زاوية الانحراف، وبه -بإذن الله- تكون الأمة قادرة على التصويب والترشيد والنهوض والتجريب.

стр. 265

جهاز المناعة الفكرية إن أصول الشريعة وثوابتها هي -بإذن الله- جهاز المناعة لأزمات الفكر وإصابات العقل وانحرافات المادة، هذا من جانب. ومن جانبٍ آخر فإن من غير المنكور أن التيارات الوافدة المعاصرة حققت نجاحات من الغزو والاحتواء واسعة النطاق في مختلف أنحاء العالم، ولكن الإسلام والمجتمع الإسلامي رغم كل ما يعاني ظل وسيظل -بإذن الله- متماسكاً في مواجهة رياح التغيير، فالإيمان بالإسلام دين الحق راسخ الجذور لدى الشعوب المسلمة كافة، والمسلمون لا يرفضون الجديد المفيد، ولكن المشكلة في أصحاب التيارات الوافدة؛ حين يصرون على أنهم هم الأنموذج الأوحد الذي يجب أن يسود مع التوظيف السيئ للإعلام في التزييف، وقلب الأحداث، وتحليل المواقف، وتفسير الوقائع، والمغالطة في المفاهيم. انحيازٌ وتلفيق، ومغالطة وانتقائية، وهجومٌ وتسفيهٌ واستنقاص. إن المسلم متفتح متجاوب، لا يقف في وجه التقدم النافع، ولا يدعو إلى عزلة علمية أو مادية، ولا يعادي المفيد في الحضارات، ولكنه يرفض التبعية والدونية والاستفزاز، الإسلام عصيٌ عن الاحتواء أو الذوبان، فكثيرٌ من الديانات والمبادئ ذابت واضمحلت وحرفت، أما الإسلام فهو دين الله المحفوظ الخالد الخاتم، فلله الحمد والمنة.

стр. 266

كيفية خروج المسلمين من مشكلاتهم وبعد: فإن الإسلام -وبكل فخرٍ واعتزازٍ وقوة- قد قدم بعقائده وأحكامه وحضارته ومبادئه للبشرية ما لم تقدمه حضارة أخرى، والمسلمون قادرون -بإذن الله- على الخروج من مشكلاتهم، حين ينبذون الفرقة، ويرفضون التمزق، ويكون ذلك -بعون الله- بالإحساس التام بمسئوليتهم، ليس نحو أنفسهم فحسب، بل نحو الإنسانية كلها، إنهم بذلك ينقذون أنفسهم، ويصلحون البشرية، لا بد أن يعرفوا حقيقة دينهم، وطبيعة رسالتهم، ومن ثم يفقهون سنن الله في التغيير وبناء الأمم ومسالك الإصلاح ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١]. ألا فاتقوا الله رحمكم الله، وأقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه، كبر على المشركين ما تدعوهم إليه، الله يجتبي إليه من يشاء، ويهدي إليه من ينيب. ثم صلوا وسلموا على نبيكم محمد رسول الله، فقد أمركم بذلك ربكم في محكم تنزيله، فقال جل شأنه وهو الصادق في قيله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وجودك وإحسانك يا أكرم الأكرمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، واحمِ حوزة الدين، واخذل الطغاة والملاحدة وسائر أعداء الملة والدين. اللهم وانصر عبادك المؤمنين، اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك محمد ﷺ وعبادك المؤمنين. اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل اللهم ولايتنا في من خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين. اللهم أيد بالحق والتوفيق والتسديد إمامنا وولي أمرنا، ووفقه لما تحب وترضى، وخذ بناصيته للبر والتقوى، وارزقه البطانة الصالحة التي تدله على الخير وتعينه عليه. اللهم أعز به دينك، وأعلِ به كلمتك، واجعله نصرة للإسلام والمسلمين، واجمع به كلمتهم على الحق والهدى يا رب العالمين. اللهم وفق ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك وبسنة نبيك محمد ﷺ ، واجعلهم رحمة لعبادك المؤمنين، واجمع كلمتهم على الحق والهدى يا رب العالمين. اللهم انصر المجاهدين الذين يجاهدون في سبيلك لإعلاء كلمتك وإعزاز دينك، اللهم انصرهم في فلسطين، وفي كشمير، وفي الشيشان، وفي كل مكان يا رب العالمين. اللهم إن اليهود المحتلين الغاصبين قد طغوا وبغوا، وآذوا وأفسدوا، وقتلوا ودمروا، اللهم فأرنا فيهم عجائب قدرتك، اللهم واجعل بأسهم بينهم، وأنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، اللهم فرق جمعهم، وشتت شملهم، واجعل الدائرة عليهم، يا قوي يا عزيز. ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. عباد الله! إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذى القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 267

الغيرة على الأعراض إن مقومات الأمم والشعوب هي الأخلاق، والغيرة على الأعراض مقياس دقيق من مقاييس الأخلاق، ومعيار جلي من معايير السلوك، وهناك مؤامرة على هذا الخلق العظيم تتولى كبرها المدنية الغربية الداعية إلى انتهاك الأعراض، وتدنيس حمى حرماتها.

стр. 268

الأخلاق هي مقومات الأمم والحضارات إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، أحمده سبحانه وأشكره، شرع الشرائع لتهدي إلى الخير والرشاد والفضيلة، وسَدَّ الذرائع لتحول عن الشر والفساد والرذيلة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وعد بالثواب كما توعد بالعقاب، فقال: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران:٣٠]. وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، جاء بالحق من عند ربه، فأنار القلوب وهداها، وطهر النفوس من فجورها وزكاها، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. أما بعد: أوصيكم -أيها الناس- ونفسي بتقوى الله وخشيته، وطاعته وطاعة رسوله ﷺ ، فإن الله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور:٥٢]. أيها المسلمون: لا ترجع هزائم الأمم، ولا انتكاسات الشعوب إلى الضعف في قواها المادية، ولا إلى النقص في معداتها الحربية، ومن يظن هذا الظن، ففكره قاصر، ونظره سقيم. إن الأمم لا تعلوا إلا بعد إذن الله، إلا بضمانات الأخلاق الصلبة في سير الرجال، بل إن رسالات الله ما جاءت إلا بالأخلاق وإتمام الأخلاق بعد توحيد الله وعبادته، فقد ورد عن النبي ﷺ أنه قال: ﴿إنما بُعثت لأُتمم صالح الأخلاق﴾.

стр. 269

أهمية اكتساب الأخلاق إن الأخلاق الفاضلة يضعف أمامها العدو، وينهار أمامها أهل الشهوات، حينما يكون المجتمع صارماً في نظام أخلاقه وضوابط سلوكه، غيوراً على كرامة فرده وأمته، مؤثراً رضا الله على نوازع شهواته؛ حينئذٍ يستقيم مساره في طريق الحق والصلاح والرفعة والإصلاح. أيها الإخوة: إن الأخلاق ليست شيئاً يُكتسب من القراءة والكتابة، ولا بالمواعظ والخطابة، ولكنها درجة، بل درجات، لا تُنال -بعد توفيق الله ورحمته- إلا بالتربية والتهذيب، والصرامة والحزم، وقوة الإرادة والعزم. أيها الإخوة: وهذا حديث عن مقياسٍ دقيق من مقاييس الأخلاق، ومعيارٍ جلي من معايير ضبط السلوك، إنه الغيرة على الأعراض، وحماية حمى الحرمات.

стр. 270

منزلة الغيرة على الأعراض أيها الأحبة الغيورون: كل امرئ عاقل، بل كل شهم فاضل لا يرضى إلا أن يكون عرضه محل الثناء والتمجيد، ويسعى ثم يسعى ليبقى عرضه حرماً مصوناً، لا يرتع فيه اللامزون، ولا يدوس حماه العابثون. إن كريم العرض ليبذل الغالي والنفيس للدفاع عن شرفه، وإن ذا المروءة الشهم يقدم ثروته ليسد أفواهاً تتطاول عليه بألسنتها، أو تناله ببذيء ألفاظها، نعم! ويصون العرض بالمال، فلا بارك الله بمال لا يصون عرضاً. بل لا يقف الحد عند هذا، فإن صاحب الغيرة ليخاطر بحياته، ويبذل مهجته، ويعرض نفسه لسهام المنايا عندما يرجم بشتيمة تلوث كرامته، فيهون على الكرام أن تُصاب الأجسام لتسلم العقول والأعراض، وقد بلغ دينكم في ذلك الغاية حين أعلن نبيكم محمد ﷺ قائلاً: ﴿من قُتِلَ دون عرضه فهو شهيد﴾. أيها الإخوة والأخوات: بصيانة العرض وكرامته يتجلى صفاء الدين، وجمال الإنسانية، وبتدنسه وهوانه ينزل الإنسان إلى أرذل الحيوانات بهيمية. يقول الإمام ابن القيم ﵀: " إذا رحلت الغيرة من القلب، ترحل الدين كله ". ولقد كان أصحاب رسول الله ﷺ من أشد الناس غيرةً على أعراضهم، وقد ورد عن رسول الله ﷺ أنه قال يوماً لأصحابه: ﴿إن دخل أحدكم على أهله ووجد ما يريبه، يشهد أربعاً، فقام سعد بن معاذ متأثراً، فقال: يا رسول الله! أأدخل على أهلي، فأجد ما يريبني فأنتظر حتى أشهد أربعاً!! لا والذي بعثك بالحق إن رأيت ما يريبني في أهلي لأطيحن بالرأس عن الجسد، ولأضربن بالسيف غير مصفح، وليفعل الله بي بعد ذلك ما يشاء، فقال ﵊: أتعجبون من غيرة سعد، والله لأنا أغير منه، والله أغير مني، ومن أجل ذلك حرَّم الله الفواحش ما ظهر منها وما بطن إلى آخر الحديث﴾ وأصل الحديث في الصحيحين.

стр. 271

من حرم الغيرة حرم طهر الحياة من حُرم الغيرة حُرم طهر الحياة، ومن حرم طهر الحياة، فهو أحط من بهيمة الأنعام، ولا يمتدح بالغيرة إلا كرام الرجال، وكرائم النساء. إن الحياة الطاهرة تحتاج إلى عزائم الأخيار، وأما عيشة الدعارة، فطريقها سهل، وهو الانحلال والانهيار، وبالمكاره حفت الجنة، وبالشهوات حفت النار.

стр. 272

مدنية العصر دعوة صارخة لهتك الأعراض أيها الإخوة: إن الأسف كل الأسف والأسى كل الأسى! فيما جلبته مدنية هذا العصر من ذبح صارخ للأعراض، ووأد كريه للغيرة، فتجد تفاصيل الفحشاء تعرض من خلال وسائل النشر والإعلام المختلفة، بل إنه ليرى الرجل والمرأة يأتيان الفاحشة وبواعثها ومثيراتها ويشاهدان وهما يعانقان الرذيلة غير مستورين عن أعين المشاهدين والناظرين، لقد انقلب الحال عند كثير من الأقوام، بل الأفراد والأسر، حتى صار الساقطون الماجنون يُمثلون الأسوة والقدوة، ويجعلون من منكرهم وسام افتخار وعنوان رجولة. تصوروا -رعاكم الله وحماكم- خبيثاً وخبيثةً يقفان على قارعة الطريق ليمارسا الفاحشة علانية كما تفعل البهائم من الحمير والخنازير أعز الله مقامكم ونزَّه أسماعكم! هل خلت النفوس من الغيرة؟ وهل غاض ماؤها؟ وهل انطفأ بهاؤها؟ هل في الناس دياثة؟ هل فيهم من يقر الخبث في أهله؟ لا يدري الغيور من يخاطب، هل يخاطب الزواني والبغايا؟ أم الكرام والحرائر؟ إن المدينة المعاصرة هي: إعلان للفحشاء بوقاحة، وإغراق في المجون بتبجح، أغاني ساقطة، وأفلام آثمة، وسهرات فاضحة، وقصص داعرة، وملابس خالعة، وعبارات مثيرة، وحركات فاجرة، ما بين مسموع ومقروء ومشاهد، في صور وأوضاع يُندى لها الجبين في كثير من البلاد والأصقاع إلا من رحم الله على الشواطئ والمنتزهات، وفي الأسواق والطرقات، فلا حول ولا قوة إلا بالله، وحسبنا الله ونعم الوكيل. حسبنا الله من أُناسٍ يهشون للمنكر، ويودون لو نبت الجيل كله في حمأة الرذيلة، وحسبنا الله من فئاتٍ تود لو انهال التراب على الفطرة المستقيمة والحشمة الرفيعة. ما هذا البلاء؟ كيف يستسيغ هذا ذوو الشهامة من الرجال، والعفة من النساء؟ كيف يستسيغون لأنفسهم ولأطفالهم ولفتيانهم ولفتياتهم هذا الغثاء المدمر من ابتكارات البث المباشر، وقنوات الفضاء المباشر؟! أين ذهب الحياء؟! وأين ضاعت المروءة؟! أين الغيرة من بيوت هيأت لناشئتها أدواء الفتنة، وجرتها إلى مستنقعات التفسخ جراً، وجلبت لها محرضات المنكر، تدفعها إلى الإثم دفعاً، وتدعها إلى الفحشاء دعاً؟! اطلعت امرأة شريفة على الخمر، ثم سألت: هل تشرب هذا نساؤكم هذا؟ قالوا: نعم، قالت: زنين ورب الكعبة. أيها الإخوة والأخوات: إن طريق السلامة لمن يريد السلامة بعد الإيمان بالله ورحمته وعصمته، ينبع من البيت والبيئة، فهناك بيئات تنبت الذل، وأخرى تنبت العز، وثمة بيوتات تظللها العفة والحشمة، وأخرى ملؤها الفحشاء والمنكر.

стр. 273

الإسلام والمحافظة على الأعراض أيها الأحبة: لا تحفظ المروءة، ولا يسلم العرض إلا حين يعيش الفتى وتعيش الفتاة في بيت محتشم محفوف بتعاليم الإسلام، وآداب القرآن، ملتزم بالستر والحياء، تختفي فيه المثيرات وآلات اللهو والمنكر، ويتطهر من الاختلاط المحرم. عباد الله: الغيرة الغيرة احذروا الحمو فإنه الموت، واحذروا السائق والخادم، وصديق العائلة وابن الجيران، ناهيك بالطبيب المريب، والممرض المريض، واحذروا الخلوة بالبائع والمدرس في البيت! حذار أن يظهر هؤلاء وأشباههم على عورات النساء. فذلكم اختلاط يتسع فيه الخرق على الراقع، وتصبح فيه الديار من الأخلاق بلاقع! هل تأملتم -وفقكم الله وحماكم- لماذا توصف المؤمنات المحصنات بالغافلات؟ الغافلات وصف لطيف محمود، وصف يجسد المجتمع البريء والبيت الطاهر الذي تشب فتياته زهرات ناصعات لا يعرفن الإثم. إنهن غافلات عن لوثات الطباع السافلة، وإذا كان الأمر كذلك، فتأملوا! كيف تتعاون الأقلام الساقطة، والأفلام الهابطة، لتمزق حجاب الغفلة هذا، ثم تتسابق وتتنافس في شرح المعاصي، وفضح الأسرار، وهتك الأستار، وفتح عيون الصغار قبل الكبار: ﴿أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [الأنعام:٣١]. أيها الإخوة والأخوات: الغيرة الغيرة! إن لم تغاروا فاعلموا أن ربكم يغار، فلا أحد أغير من الله، ومن أجل ذلك حرَّم الفواحش. وقد قال ﷺ : ﴿يا أمة محمد! ما من أحدٍ أغير من الله، أن يزني عبده، أو تزني أمته﴾. وربكم يمهل ولا يهمل، وإذا ضيع أمر الله، فكيف تستنكر الخيانات البيتية، والشذوذات الجنسية، وحالات الاغتصاب، وجرائم القتل، وألوان الاعتداء؟ إذا ضيع أمر الله طفح المجتمع بنوازع الشر، وامتلأ بدوافع الأثرة، وتولدت فيه مشاعر الحسد والبغضاء، ومن ثم قلما ينجو من فساد وفوضى وسفك دماء، وقد قال تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ * أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٢ - ٢٤]. نفعني الله وإياكم بهدي كتابه وسنة نبيه محمد ﷺ . أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 274

حث الإسلام على المحافظة على كيان الأسرة الحمد لله ذي الجلال والعزة، يعلم خائنة الأعين وما تُخفي الصدور، أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، يتولى أهل التقى والعفة بلطفه ورحمته، ويأخذ أهل الفسق والمجون ببأسه ونقمته، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، جاء بكريم الخصال، ومجامع الأخلاق، فحفظ الأمانة، وصان الأعراض، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. أما بعد: أيها المسلمون: كم للفضيلة من حصنٍ امتنع به أولو النخوة، فكانوا بذلك محسنين، وكم للرذيلة من صرعى أوردتهم المهالك، فكانوا هم الخاسرين. في ظلال الفضيلة منعة وأمان، وفي مهاوي الرذيلة ذلة وهوان، والرجل هو صاحب القوامة في الأسرة، وإذا ضعف القوام فسد الأقوام، وإذا فسد الأقوام، خسروا الفضيلة، وفقدوا العفة، وتاجروا بالأعراض، وأصبحوا كالمياه في المفازات، يلغ فيها كل كلب، ويكدر ماءها كل وارد. ﴿جاء شاب إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! ائذن لي في الزنا؟ فأقبل عليه الناس يزجرونه، وأدناه رسول الله ﷺ من مجلسه، ثم قال له: أتحبه لأمك؟ قال: لا والله، جعلني الله فداك، قال رسول الله ﷺ : ولا الناس يحبونه لأمهاتهم، قال: أفتحبه لابنتك؟، قال: لا، قال: ولا الناس يحبونه لبناتهم، ولم يزل النبي ﷺ يقول للفتى: أتحبه لأختك؟ أتحبه لعمتك؟ أتحبه لخالتك؟ كل ذلك والفتى يقول: لا والله! جعلني الله فداك، فوضع النبي ﷺ يده عليه، وقال: اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصِّن فرجه، فلم يكن الفتى بعد ذلك يلتفت إلى شيء﴾ أخرجه الإمام أحمد من حديث أبي أمامة ﵁ وأرضاه. ألا فاتقوا الله -رحمكم الله- وغاروا على حرمات الله؛ يسلم لكم دينكم وعرضكم، ويبارك لكم في أهلكم وذرياتكم، ثم صلوا وسلموا على الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، نبيكم محمد رسول الله، فقد أمركم بذلكم ربكم عز في علاه، فقال عز من قائل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، والخلق الأكمل، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وارض اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين، وعن الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وجودك وإحسانك يا أكرم الأكرمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، واحم حوزة الدين، وانصر عبادك المؤمنين. اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأيد بالحق إمامنا وولي أمرنا، اللهم وأيد بالحق إمامنا وولي أمرنا، وأعزه بطاعتك، وأعز به دينك، ووفقه لما تحب وترضى، وارزقه البطانة الصالحة، واجمع به كلمة المسلمين على الحق يا رب العالمين. اللهم وفق ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك وسنة نبيك محمد ﷺ ، واجعلهم رحمةً لرعاياهم، واجمعهم على الحق يا رب العالمين. اللهم ارفع عنا الغلاء، والوباء، والربا، والزنا، والزلازل والمحن، وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن، عن بلدنا هذا وعن سائر بلاد المسلمين يا رب العالمين. اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق فإنه لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها فإنه لا يصرف عنا سيئها إلا أنت، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين. اللهم أغثنا، اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذاب، ولا هدم، ولا بلاء، ولا غرق. اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً غدقاً سحَّاً مجللاً، عاجلاً غير آجل، نافعاً غير ضار، اللهم غيثاً تسقي به العباد، وتحيي به البلاد، وتجعله بلاغاً للحاضر والباد، اللهم اسق عبادك وبهائمك والبلد الميت، وانشر رحمتك يا أرحم الراحمين. على الله توكلنا، رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان، ِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى، وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ؛ يَعِظُكُمْ؛ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.

стр. 275

أدب الحوار في الإسلام إن الحوار في الإسلام له آداب وأصول ومبادئ وغايات، والغاية المقصودة من الحوار هي إقامة الحجة، والحوار والجدل كلمتان لهما معناهما في اللغة، ويقوم أحدهما مقام الآخر، والخلاف عادة لا يكون إلا في مسائل مختلف فيها؛ لأن القطعيات لا حوار فيها وكذلك المسَلَّمَات.

стр. 276

المراد بالحوار والجدال أحمد الله ﵎، وأصلي وأسلم على رسوله وخيرته من خلقه، ومصطفاه من رسله، سيدنا ونبينا محمد رسول الله، بعثه بالحق بشيراً ونذيراً، فبلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح الأمة، وجعلنا على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وعلى أصحابه أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. أما بعد: أيها الإخوة! أشكر الله على هذا اللقاء الطيب المبارك، ثم أشكر من كان سبباً لحضوري ومثولي بين يديكم لألقي هذه الورقة في مهرجان الجنادرية وأشكر القائمين عليه واللجنة المنظمة لهذا النشاط الثقافي الذي أرجو أن يعدلوا فيه عن كلمةٍ على هامش المهرجان، فأرجو أن يُعتبر النشاط الثقافي زميلاً للمهرجان، فإن الفكر وتربية الفكر، وغذاء الفكر أظنها مقصودٌ أعظمٌ من مقصود المهرجان، فأرجو أن تستبدل هذه العبارة لأني سمعتها هذه الليلة كما سمعتها ليلة أمس، فأرجو أنهم لا يعتبرون أنها على تهميشٍ حقيقيٍ، وإنما هي عبارة دارجة، قد يكون من لفظها لم يقصد المعنى الذي قد يتبادر إلى بعض الذين لا يعرفون مقاصد هذا المهرجان الطيب المبارك الموفق، فهو تراثٌ شعبيٌ نابعٌ من فكر أصيل، ويقصد -أيضاً- تثبيت الفكر الأصيل فكر هذه البلاد النابع من دينها، ومنطلق من رسالة نبيها محمد ﷺ . أيها الإخوة! كما سمعتم الموضوع هو "أدب الحوار" وهذا موضوع اختاره المنظمون ورغبوا من محدثكم أن يتكلم فيه، فسوف يكون الحديث عن تعريفٍ للحوار، وبيانٍ لغايته، ثم إشارة إلى بعض أصول الحوار، ومبادئه، ثم كلام في بعض آداب الحوار. أقول: إن الذي سوف تسمعونه ليس حصراً للأصول، ولا للآداب؛ لأن هذا الأمر وبخاصة من يطلع ويقرأ؛ فإنه سوف يجد فيما يسمع أموراً لم تُذكر، أو لعله لم يسمعها، لأن الأمر فيه سعة، والإحاطة به في مثل هذا المقام متعذرة، ولكن لعلَّ في بعض الأصول والمبادئ التي ذكرت ما يغني عما لم يُذكَر. أيها الإخوة! الحوار والجدال كلمتان لهما معناهما في اللغة ويقوم أحدهما مقام الآخر. الحوار من المحاورة وهي: المراجعة في الكلام، والجدال من: جدل الحبل إذا فتله، الجدال في أصله كان ينبغي أن يكون ممنوعاً، وفي أصل اللغة كان يستعمل لمن خاصم بما يشغل عن ظهور الحق، ووضوح الصواب، ثم استغني في مقابلة الأدلة بظهور أرجحها؛ بمعنى أن تقابل فيما بينها حتى يتبين الأرجح منها. والحوار والجدال كلمتان ذواتا دلالة واحدة، وقد اجتمع اللفظان في قوله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة:١]. ويراد بالحوار والجدال في مصطلح الناس مناقشةٌ بين طرفين، أو أطرافٍ يُقصدُ بها تصحيح كلامٍ، وإظهار حجةٍ، وإثبات حقٍ، ودفع شبهةٍ، ورد الفاسد من القول والرأي، وسوف يتبين هذا من غاية الحوار إن شاء الله، وقد يكون من الوسائل المستخدمة في الحوار، أو في الجدال الطرق المنطقية والقياسات الجدلية من المقدمات والمسلمات مما هو مبسوطٌ في كتب المنطق، وعلم الكلام، وآداب البحث والمناظرة، وأصول الفقه.

стр. 277

غاية الحوار إن الغاية من الحوار -ولعل ذلك كان ظاهراً من التعريف- إقامة الحجة، ودفع الشبهة والفاسد من القول والرأي. إذاً: هو تعاون بين المتناظرين على معرفة الحقيقة والتوصل إليها؛ ليكشف كل طرف ما خفي على صاحبه منها، والسير بطرق الاستدلال الصحيح للوصول إلى الحق. يقول الحافظ الذهبي: إنما وُضعت المناظرة لكشف الحق، وإفادة العالم الأذكى في العلم لمن دونه، وتنبيه الأغفل الأضعف. هذه هي الغاية الأصلية، وهي جلية بيِّنة كما تلاحظون، وثمت غايات وأهداف فرعية، أو ممهدة لهذه الغاية منها: ١/ إيجاد حل وسط يرضي الأطراف: أحياناً قد تحس أن الحوار لا يمكن أن يصل إلى نتيجة قطعية، وهذا سوف نشير إليه في أصول الحوار. إذاً: قد يحتاج الحوار ليس إلى نتيجة قطعية وإنما لتقريب وجهات النظر، وهذا هدف تمهيدي، ولكنه قد يكون نهائياً في مرحلة. ٢/ التعرف على وجهات نظر الطرف الآخر، أو الأطراف الأخرى أيضاً هو هدفٌ تمهيدي هام. ٣/ وهو التنقيب والبحث من أجل الاستقصاء والاستقراء في تنويع الرؤى والتصورات المتاحة من أجل الوصول إلى نتائج أفضل وأمكن، ولو في حوارات تالية، لأنه أحياناً بالغايات التمهيدية نعرف وجهة نظر الأطراف، وليس بالضرورة أن نصل إلى نهاية في أول جلسة، أو في أول مجلس حوار، ويبدو لي أنه إذا وصلنا إلى هذه الغاية في بعض ما يتطلبه فهذا جيد. إذاً: هذا هو الحوار في تعريفه وغايته.

стр. 278

الخلاف قبل أن نأتي إلى أصول الحوار، لا بد من الكلام عن الخلاف، ما معنى ذلك؟ يعني: أن الخلافَ عادةً لا يكون إلا في مسائل مختلف فيها، لأن القطعيات والمسلمات لا حوار فيها، وسوف نذكر هذا في أصل من الأصول، إنما الحوار يكون في الأمور المختلف فيها. إذا كان كذلك، فلا بد أن نشير إشارة إلى أن الخلاف لا بد أن يقع في الناس، ولو يتصور أننا حينما نقيم ندوات أو جلسات حوارية بين مثقفين ومفكرين ومتخصصين أننا نقضي على الخلاف أبد الدنيا، هذا لا يمكن. ومما أحببت أن أُنبه كذلك إلى قضية تتعلق في وقوع الخلاف بين الناس، فنقول: الخلاف واقع يبن الناس في مختلف العصور والأمصار، وهو سنة الله في خلقه، فهم مختلفون في ألوانهم وألسنتهم وطبائعهم ومدركاتهم ومعارفهم وعقولهم، وكل ذلك آية من آيات الله نبَّه عليه القرآن الكريم في قوله : ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾ [الروم:٢٢] هذا في الاختلاف الظاهر، وهذا الاختلاف الظاهري دال على الاختلاف في الآراء والاتجاهات والأغراض، وكتاب الله العزيز يُقرر هذا في غير ما آية مثل قوله : ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود:١١٨ - ١١٩]. يقول الفخر الرازي: والمراد اختلاف الناس في الأديان والأخلاق والأفعال، ومن معنى الآية: لو شاء الله، لجعل الناس على دين واحد بمقتضى الغريزة والفطرة لا رأي لهم فيه، ولا اختيار، وإذاً لما كانوا هذا النوع من الخلق المُسمَّى البشر، يعني: لو لم يختلفوا لما كانوا بشراً، بل لكانوا في حياتهم الاجتماعية كالنحل، أو كالنمل، ولكان في الروح كالملائكة مفطورين على اعتقاد الحق والطاعة ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦] لا يقع بينهم اختلاف ولا تنازع، ولكن الله خلقهم بمقتضى حكمته كاسبين للعلم لا ملهمين عاملين بالاختيار وترجيح بعض الممكنات المتعارضات على بعضها، ولا مجبورين، ولا مضطرين، بل وجعلهم متفاوتين في الاستعداد وكسب العلم واختلاف الاختيار. أما قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود:١١٨ - ١١٩] اللام هنا في "لذلك" يقول أكثر المفسرين: ليست للغاية أي: ما خلقهم ليختلفوا، نحن نعلم أنه خلقهم لطاعته وعبادته، فهو لم يخلقهم للاختلاف، إذاً ما هو هذا الحرف؟ معلوم أنَّ اللام لها أغراض ولها معانٍ في اللغة، قالوا: إن اللام هنا للعاقبة والصيرورة، أي: من ثمرة خلقهم الاختلاف بمعنى: أن يكونوا فريقين ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى:٧] وطبعاً اللام يسمونها لام العاقبة كما يستشهد بالبيت المعروف: له ملكٌ ينادي في كل يومٍ لدوا للموت وابنوا للخراب ابنوا للخراب، ولدوا للموت ليس معناها لدوا من أجل الموت، إنما لدوا وعاقبة ما تلدون للموت، وابنوا ولكن ما تبنونه عاقبته للخراب، لا علته الخراب، فاللام هنا للعاقبة، وليست للتعليل، وقد تُحمل على التعليل من وجهٍ آخر، أي: خلقهم ليستعد كلُّ منهم لشأنٍ وعملٍ، ولذلك خلقهم، أي: يستعدوا حينما كانت عندهم اختلافات. إذاً: ليستعدوا ويتهيئوا فكل مُيَسرٌ لما خلق له، أي: خلقهم ليستعد كلٌ منهم بشأنه وعمله، ويختار بطبعه أمراً وصنعةً مما يستتب به نظام العالم، ويستقيم به أمر المعاش، فالناس محامل لأمر الله، ويتخذ بعضهم بعضاً سُخرياً، خُلِقُوا مُستعدين للاختلاف والتفرق في علومهم ومعارفهم وآرائهم ومشاعرهم وما يتبع ذلك من إرادتهم واختيارهم في أعمالهم ومن ذلك الإيمان والطاعة والمعصية. هذا الخلاف متقرر وأمرٌ معروف، لكن هنا نقطة لا بد من التنبيه إليها وهي؟ وضوح الحق وجلاؤه، أي: أنه على الرغم من حقيقة وجود هذا التباين بين الناس في عقولهم ومدركاتهم وقابليتهم للاختلاف إلا أن الله وضع على الحق معالم، وجعل على الصراط المستقيم منائر، وعليه حُمِل الاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود:١١٩] وهو المنصوص عليه في آية أخرى في قوله: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢١٣] وذلك أن النفوس هناك جردت من أهوائها، وجدَّت في تلمس الحق، فإنها مهدية إليه، بل إن في فطرتها ما يهديها، وتأمل ذلك في قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم:٣٠]، قال بعدها: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم:٣١ - ٣٢] وفي مثل هذا يقول الله : ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم:٣٠] فهو أصل الفطرة، ولهذا جاء في الحديث النبوي: ﴿ما من مولود إلا ويولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه﴾ وقال ﵊: ﴿كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء- أي: مستوفية الخلق- هل تحسون فيها من جدعاء؟ -أي: مقطوعة الأذن- حتى أنتم تجدعونها﴾ كذلك الإنسان مخلوق على الفطرة ومهدي إلى الحق، لكن تأتي الأهواء، وتستهويه الشياطين، وقرناء السوء، فيتأثر وقد لا يهدى إلى الحق بسبب هذه العوامل. يوضح جلاء الحق ووضوحه أن أصول الدين، وأمهات الفضائل، وأمهات الرذائل، مما يتفق العالم الرشيد العاقل على حسن محموده وحمده، والاعتراف بعظيم نفعه، وتقبيح سيئه وذمه، كلُّ ذلك جاء في عبارات جلية واضحة ونصوص بينة لا تقبل صرفاً ولا تأويلاً ولا جدلاً ولا مراءً، وجعلها أم الكتاب الذي يدور عليها وحولها، فكل ما جاء في دين الأحكام، ولم يعذر أحد في الخروج عليها -وسوف نُشير إلى هذا في أحد أصول الحوار- وحذَّر من التلاعب بها، وتطويعها للأهواء والشهوات والشبهات، بتعسف التأويلات والمصوغات مما سنذكره كأصل من أصول الحوار، أما ما دون ذلك فقد عُوجِلَ الخلف إذا ما اختلفوا في غيرها، ورفع الحرج عنهم، بل جعل للمخطئ أجر، وللمصيب أجران تشجيعاً لنظره، وتلمس الحق، واستهداء المصالحة الرابحة للأفراد وللجماعات، ولربك في ذلك الحكمة البالغة، والمشيئة النافذة. إذاً: هذا بما يتعلق بالخلاف ووجوده ووقوعه ووضوح الحق فيما بين ذ

стр. 279

أصول الحوار

стр. 280

الأصل الأول: سلوك الطرق العلمية والتزامها عندما يدخل المتحاوران في الحوار فإنهما يلتزمان بالطرق العلمية، من هذه الطرق مثلاً: تقديم الأدلة المثبتة، بمعنى: أن كل طرف يُقدِّم أدلته المثبتة أو المرجحة للدعوى، أما أن يكون كلاماً في هواء، وكلاماً هباءً، فهذا معلوم أنه بعيد عن الحوار، فمن أصول الحوار أن تأتي بأمر واضح بيِّن في نفسك إما بجلاء عباراته، أو بجلاء دليله. ثانياً: صحة النقل في الأمور المنقولة لا بد منها، وفي هذين الطريقين جاءت القاعدة الحوارية المشهورة: إن كنت ناقلاً فالصحة، وإن كنت مُدَّعياً فالدليل. هذه قضية لا يجوز أن يدخل المتحاوران إلا وقد تسلحا بها، لأن المادة التي معهما أو يريدان أن يطرحاها فيما بينهما لا بد أن تكون مُدعمة بدليل إن كانت قضايا عقلية، وإذا كانت أخباراً لا بد أن تكون مثبتة، وفي التنزيل جاء قوله : ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة:١١١] وقد جاء ذلك في أكثر من آية، وجاء قوله تعالى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي﴾ [الأنبياء:٢٤] وجاء في آية أخرى في بني إسرائيل: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران:٩٣] هذا هو الأصل الأول.

стр. 281

الأصل الثاني: سلامة كلام المناظر ودليله من التناقض لا بد في المتناظرين أن يكون كلامهما وأدلتهما سالمةً من التناقض، فالمتناقض ساقطٌ بداهةً، ومن أمثلة ذلك: وصف فرعون لموسى ﵇ بقوله: ﴿وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ * فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات:٣٨ - ٣٩] وهو وصف قاله الكفار لكثير من الأنبياء بما فيه كفار الجاهلية لنبينا محمد ﷺ ، فوصفوه بالوصفين: ساحر ومجنون، وهذان الوصفان السحر والجنون لا يجتمعان؛ لأن الشأن في الساحر العقل والفطنة والذكاء، أما المجنون فلا عقل معه البتة، وهذا منه تهافتٌ ظاهر، وتناقض بيِّن، ومثله أيضاً فيما ذكر بعض المفسرين، وقد تكون مسألة تحتاج إلى نظر، لكني سآتي بها للتمثيل فقط، نعت كفار قريش لآيات محمد ﷺ بأنها سحر مستمر في قوله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر:١ - ٢]. قال بعض المفسرين: وهو تناقض، فالسحر لا يكون مستمراً، والمستمر لا يكون سحراً.

стр. 282

الأصل الثالث: ألا يكون الدليل هو عين الدعوى لأنه إذا كان كذلك لم يكن دليلاً، ولكنه إعادة للدعوة بألفاظ وصيغ أخرى، وعند بعض المحاورين من البراعة في تزيين الألفاظ وزخرفتها ما يوهم بأنه يُورد دليلاً، وواقع الحال أنه إعادة للدعوى بلفظ مغاير، وهذا تحايل في أصول الحوار باطل، بل هو حيدةٌ عن طلب الحق وسبيلٌ لإطالة النقاش من غير فائدة. ولعلي أنقلكم إلى بعض الأمثلة التي تشتمل على شيء من التناقض، أحياناً قد يريده المحاور، وهذه الأمثلة متدرجة أحدها بسيط جداً، والثاني إلى حدٍ ما أعمق، والثالث أكثر عمقاً. الأول مثلاً: لو أن أحداً عنده ولدان سعد وسعيد، فأعطى سعداً ولم يُعطِ سعيداً، فقيل له: لماذا أعطيت سعداً؟ قال: لأنه ولدي، وهذا تعليل ساقط؛ لأنه سيقال له: وسعيد أيضاً ولدك، فمثل هذا التعليل غير مقبول. صورة أخرى في الخلاف بين أهل العلم من الفقهاء: بعضهم يرى أن بين الماء الطهور والطاهر فرق يقول: الماء طاهر، وطهور بمعنى يتوضأ به، لماذا طهور؟ قال: لأنه مائع -سائل- فيُقال له: الدهن أيضاً سائل، وأنت لا تقول بأنه طهور. إذاً: هذا التعليل لا يصلح؛ لأنه ينقض الدعوى. مثال ثالث وهو أعمق قليلاً: هو أن بعض طوائف الكفار ينكرون أن تدرك القطعيات بغير الحواس، يقولون: ليس هناك قطعي إلا عن طريق السمع والبصر واللمس، فالمحسوسات هي التي نقطع بها، أما العقليات فلا نقطع بها، فيقولون مثلاً: لا قطع إلا عن طريق الحواس، يقال لهم: هذه قاعدة: لا قطع إلا عن طريق الحواس. حسية أو معنوية؟ يقولون: لا تدرك القطعيات إلا عن طريق الحواس، هذه القضية حسية، أو فكرية؟ فيقولون: فكرية! إذاً، إذا قالوا هذا فقد نقضوا منهجهم، وهناك ردود أخرى منها: أن الجزء أقل من الكبير, والواحد أقل من الألف إلى آخره، لكن هذه فقط من الردود عليهم والتناقض الظاهر.

стр. 283

الأصل الرابع: الاتفاق على منطلقات ثابتة وقضايا مسلمة وهذا الأصل مهم جداً، وهو الذي أشرت إليه في مقدمة الحديث: وهو الاتفاق على منطلقات ثابتة وقضايا مُسَلَّمة، أو بعبارة أصح: لا يجوز الخوض في المسلمات، نقول: هذه المسلمات والثوابت قد يكون مرجعها العقل، أي: أنها عقلية بحتة لا تقبل البحث عند العقلاء متجلية، مثلاً: حسن الصدق، أن يكون الصدق حسناً متفقٌ عليه، قبح الكذب، شكر المحسن، معاقبة المذنب، هذه قضايا لا يختلف عليها أحد. فمثل هذا المسلمات لا يجوز النقاش فيها عند العقلاء، أو تكون مُسلمات دينية لا يختلف عليها المعتنقون لهذه الديانة أو تلك، ونحن مسلمون نضرب بأمثلة إسلامية، فبالوقوف عند الثوابت والمسلمات والانطلاق منها يتحدد مريد الحق ممن لا يريد إلا المراء والجدال والسفسطة، فإذا كانوا من ديانة واحدة وهناك قضايا دينية مُسلَّمة، فلا يجوز النقاش فيها، كذلك إذا كانت قضايا عقلية. إذا كان غير مسلم فإنه يناقش في إثبات أصل الإسلام عنده، ولهذا نقول مثلاً: في الإسلام الإيمان بربوبية الله وعبوديته، واتصافه بصفات الكمال، وتنزهه عن صفات النقص، ونبوة محمد ﷺ ، والقرآن الكريم، والحكم بما أنزل الله؛ هذه قضايا مُسلمة لا يجوز أبداً للمسلمين أن يتناقشوا فيها، إذا كانوا مسلمين، إذا كنت مسلماً هل يتصور أن مسلماً يناقش: هل يُطَّبق شرع الله، أو لا يطبق؟ إلا إذا كان غير مسلم، وإذا كان في نفسه حرج من تطبيق شرع الله فعليه أن يراجع دينه، لأن هذه قضايا مُسلَّمة في الدين، فالقضايا المسلمة لا يجوز أن تكون محل نقاش، ففي قضايا الإسلام وربوبية الله وعبوديته، واتصافه بصفات الكمال وتنزهه عن صفات النقص، ونبوة محمد ﷺ ، والقرآن الكريم، فهذه عند المسلمين قضايا قطعية لا تقبل النقاش، ولا يجوز أن يتناقش فيها مسلم، لأنها أصل الإيمان، وكذلك الحكم بما أنزل الله، وتطبيق الشريعة، لا يجوز أبداً أن يكون محل نقاش. قل مثل ذلك: في الربا، فالربا محسوم؛ والزنا، وتعدد الزوجات قضية محسومة لا يجوز النقاش فيها من حيث إثباتها أبداً، ومثل: عموم الحجاب، لا يجوز النقاش في أصله لأنه محسوم في الكتاب والسنة، لكن قد يكون في جزئيات من المسائل غير مسلمة. نعم. قضية كشف الوجه -مثلاً- قضية تقبل النقاش، لكن حجاب المرأة كحجاب لا يجوز أبداً في أي حال، وكذلك قضية الربا لا يجوز، لكن بعض الصور في مسائل الربا يمكن أن تقبل النقاش، أما مبدأ الربا فإنه لا يجوز بأي حال أن يتناقش فيه. ولهذا نقول: إذا كان الأمر كذلك، فلا يجوز أن تكون هذه محل حوار أو نقاش مع مؤمن بالإسلام، لأنها محسومة، فقضية الحكم بما أنزل الله منصوص عليها في مثل قوله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء:٦٥]، ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [النساء:٦٠]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة:٤٥]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة:٤٧]، وكذلك حجاب المرأة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٩]، وآيات النور، وآيات الأحزاب، وآيات كثيرة. ومن هنا: فلا يمكن لمسلم أن يقف على مائدة حوار مع شيوعيٍ أو ملحدٍ في مثل هذه القضايا؛ لأن النقاش معه لا يبتدئ من هنا، لأن هذه القضايا ليست عند الشيوعي والملحد مُسلَّمة، ولكن قد يكون النقاش معه في أصل الديانة: هل يؤمن بالله؟ هل هو مؤمن بالقرآن؟ هل هو مؤمن بمحمد؟ إذا آمن بمحمد، نقول: افتح القرآن، لأن القضايا ليست عنده مُسلَّمة، ولكن يكون النقاش معه في أصل الديانة في ربوبية الله، وعبوديته، ونبوة محمد ﷺ ، وصدق القرآن الكريم وإعجازه. ولهذا فإننا نقول: من الخطأ غير المقصود عند بعض المثقفين والكاتبين إثارة هذه القضايا، أعني: تطبيق الشريعة؛ الحجاب، وتعدد الزوجات وأمثالها في وسائل الإعلام من صحافة وإذاعة على شكل مقالات أو ندوات بقصد إثابتها أو صلاحيتها، إذا أُثيرت بهذا القصد فهذا لا يجوز، أما إذا كان المقصود النظر في حكمها وأسرارها، وليس في صلاحيتها وملاءمتها، فهذا لا حرج فيه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦]. وأخيراً فينبني على هذا الأصل: أن الإصرار على إنكار المسلمات، والثوابت مكابرة قبيحة، ومماراة منحرفة عن أصول الحوار والمناظرة، وليس ذلك شأن طالبي الحق.

стр. 284

الأصل الخامس: التجرد وقصد الحق والبعد عن التعصب والالتزام بأدب الحوار إن اتباع الحق والسعي للوصول إليه، والحرص على الالتزام به هو الذي يقود الحوار إلى طريق مستقيم لا عوج فيه ولا التواء، ويحول دون الانسياق وراء الهوى سواء كان هوى النفس، أو هوى الجمهور، أو هوى الأتباع، والعاقل -فضلاً عن المسلم الصادق- طالب حق، باحث عن الحقيقة ينشد الصواب، ويتجنب الخطأ، يقول أبو حامد الغزالي: التعاون على طلب الحق من الدين، ولكن له شروط وعلامات: منها: أن يكون في طلب الحق كناشد ضالة لا يفرق بين أن تظهر الضالة على يده، أو على يد معاونه، ويرى رفيقه معيناً لا خصماً، ويشكره إذا عرفه الخطأ وأظهره له. ومن مقولات الإمام الشافعي ﵀ المحفوظة: ما كلَّمتُ أحداً قط إلا أحببت أن يُوفق ويُسدد ويُعان وتكون عليه رعاية الله وحفظه، وما ناظرني فباليت أظهرت الحجة على لساني أو على لسانه. وفي ذم التعصب يقول الغزالي أيضاً: إن التعصب من آفات علماء السوء، فإنهم يُبالغون في التعصب للحق، وينظرون إلى المخالفين بعين الازدراء والاستحقار، فتنبعث منهم الدعوى بالمكافأة والمقابلة والمعاملة، بمعنى: أنهم يتناظرون على أنهم متساوون، وأن كل واحدٍ يُحاول أن يرى أنه يدلي الآخر أو نحو ذلك مما كان ينبغي أن يكون متواضعاً، فتنبعث منهم الدعوى بالمكافأة والمقابلة والمعاملة، وتتوفر بواعثهم على طلب نصرة الباطل، ويقوى غرضهم بالتمسك فيما نسبوا إليه ولو كان باطلاً، ولو جاءوا من جانب اللطف والرحمة والنصح في الخلوة لا في معرض التعصب والتحقير لأنجحوا فيه، ولكن لما كان الجاه -أي: أنهم أصحاب هوى وجاه- لا يقوم إلا بالاستتباع، ولا يستنير الأتباع مثل: التعصب، واللعن، والتهم للخصوم، فاتخذوا التعصب عادتهم وآلتهم. انتهى كلامه. والمقصود من كل ذلك: أن يكون الحوار بريئاً من التعصب، خالصاً لطلب الحق، خالياً من العنف والانفعال، بعيداً عن المشاحنات الأنانية والمغالطات البيانية مما يفسد القلوب ويهيج النفوس، ويُولد النفرة، ويُوغل الصدور، وينتهي إلى القطيعة، وهذا الموضوع سوف يزداد بسطاً في الحديث عن آداب الحوار.

стр. 285

الأصل السادس: أهلية المحاور إذا كان من الحق ألا يمنع صاحب الحق عن حقه، فمن الحق ألا يُعطى هذا الحق لمن لا يستحق، كما أن من الحكمة والعقل والأدب في الرجل ألا يعترض على ما ليس له أهلاً، ولا يدخل فيما ليس هو فيه كفواً. من الخطأ أن يتصدى للدفاع عن الحق من كان على الباطل، وهذا ما يفعله كثيرٌ من المستشرقين، يظنون أنفسهم أنهم مدافعون عن الإسلام، ومن هنا جاءت الزلات من المستغربين حينما تبعوا آثار المستشرقين، ولهذا نقول: من الخطأ أن يتصدى للدفاع عن الحق من كان على الباطل، ومن الخطأ أن يتصدى للدفاع عن الحق من لا يعرف الحق، وهذا قد يقع فيه بعض من يقع، ومن الخطأ أن يتصدى للدفاع عن الحق من لا يدرك مسالك الباطل. إذاً، فليس كل أحد مؤهلاً للدخول في حوار صحي صحيح يؤتي ثماراً يانعة ونتائج طيبة، والذي يجمع لك ذلك كله العلم، فلا بد من التأهيل العلمي للمحاور، ويقصد بذلك التأهيل العلمي المتخصص. إن الجاهل بالشيء ليس كُفُؤاً للعالم به، ومن لا يعلم لا يجوز أن يجادل من يعلم، وقد قرر هذه الحقيقة إبراهيم ﵇ في محاجته لأبيه حين قال بما حكى الله عنه: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً) [مريم:٤٣]. وإن من البلاء أن يكون غير مختص ليعترض على مختص ويخطئه ويغلطه، وإن حق من لا يعلم أن يسأل ويتفهم لئلا يعترض ويجادل بغير علم، وقد قال موسى ﵇ للعبد الصالح: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً﴾ [الكهف:٦٦] فالمستحسن من غير المختص أن يسأل ويستفسر ويفكر ويتعلم ويتتلمذ ويقف موقف موسى مع العبد الصالح، وكثيرٌ من الحوارات غير المنتجة مردها إلى عدم التكافؤ بين المتحاورين، ولقد قال الشافعي ﵀: ما جادلت عالماً إلا وغلبته، وما جادلني جاهلٌ إلا وغلبني. وهذا التهكم من الشافعي ﵀ يشير إلى الجدال العقيم الذي يجري بين غير المتكافئين.
следующие страницы →