← Джавами‘

Джавами‘ · id 7735

دروس للشيخ صالح بن حميد

صالح بن حميد

Полный текст (918 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

الأصل الثاني: سلامة كلام المناظر ودليله من التناقض لا بد في المتناظرين أن يكون كلامهما وأدلتهما سالمةً من التناقض، فالمتناقض ساقطٌ بداهةً، ومن أمثلة ذلك: وصف فرعون لموسى ﵇ بقوله: ﴿وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ * فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات:٣٨ - ٣٩] وهو وصف قاله الكفار لكثير من الأنبياء بما فيه كفار الجاهلية لنبينا محمد ﷺ ، فوصفوه بالوصفين: ساحر ومجنون، وهذان الوصفان السحر والجنون لا يجتمعان؛ لأن الشأن في الساحر العقل والفطنة والذكاء، أما المجنون فلا عقل معه البتة، وهذا منه تهافتٌ ظاهر، وتناقض بيِّن، ومثله أيضاً فيما ذكر بعض المفسرين، وقد تكون مسألة تحتاج إلى نظر، لكني سآتي بها للتمثيل فقط، نعت كفار قريش لآيات محمد ﷺ بأنها سحر مستمر في قوله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر:١ - ٢]. قال بعض المفسرين: وهو تناقض، فالسحر لا يكون مستمراً، والمستمر لا يكون سحراً.

стр. 282

الأصل الثالث: ألا يكون الدليل هو عين الدعوى لأنه إذا كان كذلك لم يكن دليلاً، ولكنه إعادة للدعوة بألفاظ وصيغ أخرى، وعند بعض المحاورين من البراعة في تزيين الألفاظ وزخرفتها ما يوهم بأنه يُورد دليلاً، وواقع الحال أنه إعادة للدعوى بلفظ مغاير، وهذا تحايل في أصول الحوار باطل، بل هو حيدةٌ عن طلب الحق وسبيلٌ لإطالة النقاش من غير فائدة. ولعلي أنقلكم إلى بعض الأمثلة التي تشتمل على شيء من التناقض، أحياناً قد يريده المحاور، وهذه الأمثلة متدرجة أحدها بسيط جداً، والثاني إلى حدٍ ما أعمق، والثالث أكثر عمقاً. الأول مثلاً: لو أن أحداً عنده ولدان سعد وسعيد، فأعطى سعداً ولم يُعطِ سعيداً، فقيل له: لماذا أعطيت سعداً؟ قال: لأنه ولدي، وهذا تعليل ساقط؛ لأنه سيقال له: وسعيد أيضاً ولدك، فمثل هذا التعليل غير مقبول. صورة أخرى في الخلاف بين أهل العلم من الفقهاء: بعضهم يرى أن بين الماء الطهور والطاهر فرق يقول: الماء طاهر، وطهور بمعنى يتوضأ به، لماذا طهور؟ قال: لأنه مائع -سائل- فيُقال له: الدهن أيضاً سائل، وأنت لا تقول بأنه طهور. إذاً: هذا التعليل لا يصلح؛ لأنه ينقض الدعوى. مثال ثالث وهو أعمق قليلاً: هو أن بعض طوائف الكفار ينكرون أن تدرك القطعيات بغير الحواس، يقولون: ليس هناك قطعي إلا عن طريق السمع والبصر واللمس، فالمحسوسات هي التي نقطع بها، أما العقليات فلا نقطع بها، فيقولون مثلاً: لا قطع إلا عن طريق الحواس، يقال لهم: هذه قاعدة: لا قطع إلا عن طريق الحواس. حسية أو معنوية؟ يقولون: لا تدرك القطعيات إلا عن طريق الحواس، هذه القضية حسية، أو فكرية؟ فيقولون: فكرية! إذاً، إذا قالوا هذا فقد نقضوا منهجهم، وهناك ردود أخرى منها: أن الجزء أقل من الكبير, والواحد أقل من الألف إلى آخره، لكن هذه فقط من الردود عليهم والتناقض الظاهر.

стр. 283

الأصل الرابع: الاتفاق على منطلقات ثابتة وقضايا مسلمة وهذا الأصل مهم جداً، وهو الذي أشرت إليه في مقدمة الحديث: وهو الاتفاق على منطلقات ثابتة وقضايا مُسَلَّمة، أو بعبارة أصح: لا يجوز الخوض في المسلمات، نقول: هذه المسلمات والثوابت قد يكون مرجعها العقل، أي: أنها عقلية بحتة لا تقبل البحث عند العقلاء متجلية، مثلاً: حسن الصدق، أن يكون الصدق حسناً متفقٌ عليه، قبح الكذب، شكر المحسن، معاقبة المذنب، هذه قضايا لا يختلف عليها أحد. فمثل هذا المسلمات لا يجوز النقاش فيها عند العقلاء، أو تكون مُسلمات دينية لا يختلف عليها المعتنقون لهذه الديانة أو تلك، ونحن مسلمون نضرب بأمثلة إسلامية، فبالوقوف عند الثوابت والمسلمات والانطلاق منها يتحدد مريد الحق ممن لا يريد إلا المراء والجدال والسفسطة، فإذا كانوا من ديانة واحدة وهناك قضايا دينية مُسلَّمة، فلا يجوز النقاش فيها، كذلك إذا كانت قضايا عقلية. إذا كان غير مسلم فإنه يناقش في إثبات أصل الإسلام عنده، ولهذا نقول مثلاً: في الإسلام الإيمان بربوبية الله وعبوديته، واتصافه بصفات الكمال، وتنزهه عن صفات النقص، ونبوة محمد ﷺ ، والقرآن الكريم، والحكم بما أنزل الله؛ هذه قضايا مُسلمة لا يجوز أبداً للمسلمين أن يتناقشوا فيها، إذا كانوا مسلمين، إذا كنت مسلماً هل يتصور أن مسلماً يناقش: هل يُطَّبق شرع الله، أو لا يطبق؟ إلا إذا كان غير مسلم، وإذا كان في نفسه حرج من تطبيق شرع الله فعليه أن يراجع دينه، لأن هذه قضايا مُسلَّمة في الدين، فالقضايا المسلمة لا يجوز أن تكون محل نقاش، ففي قضايا الإسلام وربوبية الله وعبوديته، واتصافه بصفات الكمال وتنزهه عن صفات النقص، ونبوة محمد ﷺ ، والقرآن الكريم، فهذه عند المسلمين قضايا قطعية لا تقبل النقاش، ولا يجوز أن يتناقش فيها مسلم، لأنها أصل الإيمان، وكذلك الحكم بما أنزل الله، وتطبيق الشريعة، لا يجوز أبداً أن يكون محل نقاش. قل مثل ذلك: في الربا، فالربا محسوم؛ والزنا، وتعدد الزوجات قضية محسومة لا يجوز النقاش فيها من حيث إثباتها أبداً، ومثل: عموم الحجاب، لا يجوز النقاش في أصله لأنه محسوم في الكتاب والسنة، لكن قد يكون في جزئيات من المسائل غير مسلمة. نعم. قضية كشف الوجه -مثلاً- قضية تقبل النقاش، لكن حجاب المرأة كحجاب لا يجوز أبداً في أي حال، وكذلك قضية الربا لا يجوز، لكن بعض الصور في مسائل الربا يمكن أن تقبل النقاش، أما مبدأ الربا فإنه لا يجوز بأي حال أن يتناقش فيه. ولهذا نقول: إذا كان الأمر كذلك، فلا يجوز أن تكون هذه محل حوار أو نقاش مع مؤمن بالإسلام، لأنها محسومة، فقضية الحكم بما أنزل الله منصوص عليها في مثل قوله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء:٦٥]، ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [النساء:٦٠]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة:٤٥]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة:٤٧]، وكذلك حجاب المرأة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٩]، وآيات النور، وآيات الأحزاب، وآيات كثيرة. ومن هنا: فلا يمكن لمسلم أن يقف على مائدة حوار مع شيوعيٍ أو ملحدٍ في مثل هذه القضايا؛ لأن النقاش معه لا يبتدئ من هنا، لأن هذه القضايا ليست عند الشيوعي والملحد مُسلَّمة، ولكن قد يكون النقاش معه في أصل الديانة: هل يؤمن بالله؟ هل هو مؤمن بالقرآن؟ هل هو مؤمن بمحمد؟ إذا آمن بمحمد، نقول: افتح القرآن، لأن القضايا ليست عنده مُسلَّمة، ولكن يكون النقاش معه في أصل الديانة في ربوبية الله، وعبوديته، ونبوة محمد ﷺ ، وصدق القرآن الكريم وإعجازه. ولهذا فإننا نقول: من الخطأ غير المقصود عند بعض المثقفين والكاتبين إثارة هذه القضايا، أعني: تطبيق الشريعة؛ الحجاب، وتعدد الزوجات وأمثالها في وسائل الإعلام من صحافة وإذاعة على شكل مقالات أو ندوات بقصد إثابتها أو صلاحيتها، إذا أُثيرت بهذا القصد فهذا لا يجوز، أما إذا كان المقصود النظر في حكمها وأسرارها، وليس في صلاحيتها وملاءمتها، فهذا لا حرج فيه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦]. وأخيراً فينبني على هذا الأصل: أن الإصرار على إنكار المسلمات، والثوابت مكابرة قبيحة، ومماراة منحرفة عن أصول الحوار والمناظرة، وليس ذلك شأن طالبي الحق.

стр. 284

الأصل الخامس: التجرد وقصد الحق والبعد عن التعصب والالتزام بأدب الحوار إن اتباع الحق والسعي للوصول إليه، والحرص على الالتزام به هو الذي يقود الحوار إلى طريق مستقيم لا عوج فيه ولا التواء، ويحول دون الانسياق وراء الهوى سواء كان هوى النفس، أو هوى الجمهور، أو هوى الأتباع، والعاقل -فضلاً عن المسلم الصادق- طالب حق، باحث عن الحقيقة ينشد الصواب، ويتجنب الخطأ، يقول أبو حامد الغزالي: التعاون على طلب الحق من الدين، ولكن له شروط وعلامات: منها: أن يكون في طلب الحق كناشد ضالة لا يفرق بين أن تظهر الضالة على يده، أو على يد معاونه، ويرى رفيقه معيناً لا خصماً، ويشكره إذا عرفه الخطأ وأظهره له. ومن مقولات الإمام الشافعي ﵀ المحفوظة: ما كلَّمتُ أحداً قط إلا أحببت أن يُوفق ويُسدد ويُعان وتكون عليه رعاية الله وحفظه، وما ناظرني فباليت أظهرت الحجة على لساني أو على لسانه. وفي ذم التعصب يقول الغزالي أيضاً: إن التعصب من آفات علماء السوء، فإنهم يُبالغون في التعصب للحق، وينظرون إلى المخالفين بعين الازدراء والاستحقار، فتنبعث منهم الدعوى بالمكافأة والمقابلة والمعاملة، بمعنى: أنهم يتناظرون على أنهم متساوون، وأن كل واحدٍ يُحاول أن يرى أنه يدلي الآخر أو نحو ذلك مما كان ينبغي أن يكون متواضعاً، فتنبعث منهم الدعوى بالمكافأة والمقابلة والمعاملة، وتتوفر بواعثهم على طلب نصرة الباطل، ويقوى غرضهم بالتمسك فيما نسبوا إليه ولو كان باطلاً، ولو جاءوا من جانب اللطف والرحمة والنصح في الخلوة لا في معرض التعصب والتحقير لأنجحوا فيه، ولكن لما كان الجاه -أي: أنهم أصحاب هوى وجاه- لا يقوم إلا بالاستتباع، ولا يستنير الأتباع مثل: التعصب، واللعن، والتهم للخصوم، فاتخذوا التعصب عادتهم وآلتهم. انتهى كلامه. والمقصود من كل ذلك: أن يكون الحوار بريئاً من التعصب، خالصاً لطلب الحق، خالياً من العنف والانفعال، بعيداً عن المشاحنات الأنانية والمغالطات البيانية مما يفسد القلوب ويهيج النفوس، ويُولد النفرة، ويُوغل الصدور، وينتهي إلى القطيعة، وهذا الموضوع سوف يزداد بسطاً في الحديث عن آداب الحوار.

стр. 285

الأصل السادس: أهلية المحاور إذا كان من الحق ألا يمنع صاحب الحق عن حقه، فمن الحق ألا يُعطى هذا الحق لمن لا يستحق، كما أن من الحكمة والعقل والأدب في الرجل ألا يعترض على ما ليس له أهلاً، ولا يدخل فيما ليس هو فيه كفواً. من الخطأ أن يتصدى للدفاع عن الحق من كان على الباطل، وهذا ما يفعله كثيرٌ من المستشرقين، يظنون أنفسهم أنهم مدافعون عن الإسلام، ومن هنا جاءت الزلات من المستغربين حينما تبعوا آثار المستشرقين، ولهذا نقول: من الخطأ أن يتصدى للدفاع عن الحق من كان على الباطل، ومن الخطأ أن يتصدى للدفاع عن الحق من لا يعرف الحق، وهذا قد يقع فيه بعض من يقع، ومن الخطأ أن يتصدى للدفاع عن الحق من لا يدرك مسالك الباطل. إذاً، فليس كل أحد مؤهلاً للدخول في حوار صحي صحيح يؤتي ثماراً يانعة ونتائج طيبة، والذي يجمع لك ذلك كله العلم، فلا بد من التأهيل العلمي للمحاور، ويقصد بذلك التأهيل العلمي المتخصص. إن الجاهل بالشيء ليس كُفُؤاً للعالم به، ومن لا يعلم لا يجوز أن يجادل من يعلم، وقد قرر هذه الحقيقة إبراهيم ﵇ في محاجته لأبيه حين قال بما حكى الله عنه: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً) [مريم:٤٣]. وإن من البلاء أن يكون غير مختص ليعترض على مختص ويخطئه ويغلطه، وإن حق من لا يعلم أن يسأل ويتفهم لئلا يعترض ويجادل بغير علم، وقد قال موسى ﵇ للعبد الصالح: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً﴾ [الكهف:٦٦] فالمستحسن من غير المختص أن يسأل ويستفسر ويفكر ويتعلم ويتتلمذ ويقف موقف موسى مع العبد الصالح، وكثيرٌ من الحوارات غير المنتجة مردها إلى عدم التكافؤ بين المتحاورين، ولقد قال الشافعي ﵀: ما جادلت عالماً إلا وغلبته، وما جادلني جاهلٌ إلا وغلبني. وهذا التهكم من الشافعي ﵀ يشير إلى الجدال العقيم الذي يجري بين غير المتكافئين.

стр. 286

الأصل السابع: قطعية النتائج ونسبيتها هذا أصل مبني على غايات الحوار قطعية النتائج ونسبيتها. ومن المهم في هذا الأصل إدراك أن الرأي الفكري نسبي الدلالة على الصواب أو الخطأ، والذي لا يجوز عليهم الخطأ هم الأنبياء ﵈ فيما يُبلغون عن ربهم ، وما عدا ذلك فيندرج تحت المقولة المشهورة: رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي الآخر خطأ يحتمل الصواب. وبناءً عليه: فليس من شرط الحوار الناجح أن ينتهي أحد الطرفين إلى قول الطرف الآخر، فإن تحقق هذا واتفقا على رأي فنعم المقصود وهو منتهى الغاية، وإن لم يكن فالحوار ناجحٌ إذا توصل المتحاوران بقناعة إلى قبول كل من منهجيهما، يسوغ لكل واحد منهما التمسك به ما دام أنه في دائرة الخلاف السائغ، وما تقدم من حديث عن غاية الحوار يزيد هذا الأصل إيضاحاً، وفي تقرير ذلك يقول ابن قدامة ﵀: وكان بعضهم يعذر كل من خالفه في المسائل الاجتهادية ولا يكلفه أن يوافقه فهمه. انتهى من مقدمة المغني. ولكن يكون الحوار فاشلاً إذا انتهى إلى نزاع وقطيعة وتدابر ومكايدة وتجهيلٍ وتخطئة.

стр. 287

الأصل الثامن: الرضا والقبول بالنتائج الأخير: الرضا والقبول بالنتائج التي يتوصل إليها المتحاورون، والالتزام الجاد بها وبما يترتب عليها، فهذا الأصل لا بد أن يكون متفقاً عليه بينهما وهو الرضا والقبول بالنتائج، وإذا لم يتحقق هذا الأصل كانت المناظرة ضرباً من العبث الذي يتنزه عنه العقلاء. يقول ابن عقيل الحنبلي في كتابه فن الجدل وليقبل كل واحد منهما من صاحبه الحجة، فإنه أنبل لقدره، وأعون على إدراك الحق، وسلوك سبيل الصدق. قال الشافعي ﵁ وأرضاه: ما ناظرت أحداً فقبل مني الحجة إلا عظمُ في عيني، ولا ردها إلا سقط من عيني. هذه إلمامة وإلماحة إلى أصول الحوار دخل بعضها في بعض، وإلا فإن المتتبع لكتب آداب البحث وأنواره سوف يجد أموراً أخرى لم توجد هنا، ولكن ذكرت ما يسمح به المقام، وما أرجو أن ما في إشاراته ما يغني عن كثير من العبارات.

стр. 288

آداب الحوار هذه آداب الحوار وهي ليست أصولاً تقدم بمعنى قواعد، لكنها آداب إذا لم يتسلح بها المتحاورون، فغالباً يطول نقاشهم، وتسوء صدورهم، وتضيق قلوبهم.

стр. 289

الأول: التزام القول الحسن وتجنب منهج التحدي والإفحام إن من أهم ما يتوجه إليه المحاور في حواره هو التزام الحسنى في القول والمجادلة، ففي محكم التنزيل: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء:٥٣]، وقوله : ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥]، وقوله: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً﴾ [البقرة:٨٣]. فحق العاقل اللبيب الطالب للحق أن ينأى بنفسه عن أسلوب الطعن والتجريح والتهزئة والسخرية وألوان الاحتقار والإثارة والاستفزاز. ومن لطائف التوجيهات الإلهية لنبينا محمد ﷺ في هذا الباب: الانصراف عن التعنيف في الرد على أهل الباطل حيث قال الله لنبيه: ﴿وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ * اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [الحج:٦٨ - ٦٩] كأن هذا نوع من المنهج؛ لأن الجدل في بعض الأحيان يجعلك تنصرف وتقف، فإن جادلوك في مقام آخر جادلهم في مقام آخر مبدأ ﴿فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحج:٦٨]، وآية أخرى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ:٢٤]، مع أن بطلانهم ظاهر، وحجتهم ظاهرة، والقضية قضية مقام الربوبية ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ:٢٤]، هذا نوعٌ من القول الحسن في بعض مواطن الجدال. ويلحق بهذا الأصل: تجنب أسلوب التحدي والتعسف في الحديث، وتعمد إيقاع الخصم في الإحراج ولو كانت الحجة بينة، والدليل دامغاً، فإن كسب القلوب مقدَّمٌ على كسب المواقف، يا حبذا لو يحسن هذا العلماء والدعاة -كسب القلوب مقدم على كسب المواقف- وقد تفحم الخصم ولكنك لا تقنعه، وقد تسكته بحجة ولكنك لا تكسب تسليمه وإذعانه، وأسلوب التحدي يمنع التسليم، ولو وجدت القناعة العقلية ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً﴾ [النمل:١٤] والحرص على القلوب واستلال السخائم أهم وأولى عند المنصف العاقل من استكثار الأعداء واستكفاء الإناء. وإنك لتعلم أن إغلاظ القول، ورفع الصوت، وانتفاخ الأوداج لا يُولِّد إلا غيظاً وحقداً وحنقاًُ، ومن أجل هذا فليحرص المحاور ألا يرفع صوته أكثر من الحاجة، فهذه رعونةٌ وإيذاءٌ للنفس وللغير، ورفع الصوت لا يقوي حجةً، ولا يجلب دليلاً، ولا يقيم بُرهاناً، بل إن صاحب الصوت العالي لا يعلو صوته في الغالب إلا لضعف حجته وقلة بضاعته، فيستر عجزه بالصراخ، ويواري ضعفه بالعويل، وهدوء الصوت عنوان العقل والاتزان والفكر المنظم والنقد الموضوعي والثقة الواثقة. على أن الإنسان قد يحتاج إلى التغير من نبرات صوته حسب استدعاء المقام، ونوع الأسلوب لينسجم الصوت مع المقام والأسلوب استفهامياًً كان، أو تقريرياً، أو إنكارياً، أو تعجبياً أو غير ذلك مما يدفع الملل والسآمة، ويعين على إيصال الفكرة، ويجدد التنبيه لدى المشاركين والمتابعين. على أن هناك بعض الحالات الاستثنائية التي يسوء فيها اللجوء إلى الإفحام، وإسكات الطرف الآخر، وذلك فيما إذا استطال وتجاوز الحد، وظلم وطغى وبغى، وعادى الحق، وكابر مكابرة بينة، وفي مثل هذا جاءت الآية الكريمة: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت:٤٦]، وفي قوله تعالى: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء:١٤٨] ففي حالات الظلم والبغي والتجاوز قد يسمح بالهجوم الحاد المركز على الخصم وإحراجه وتسفيه رأيه؛ لأنه يُمثل الباطل، وحسنٌ أن يرى الناس الباطل مهزوماً مدحوراً. وقبل مغادرة هذه الفقرة من الآداب لا بد من الإشارة إلى ما ينبغي من البعد من استخدام ضمير المتكلم إفراداً أو جمعاً، فلا يحسن أن يقول: فعلت، وقلت، وفي رأيي، ودرسنا، وفي تجربتنا، فهذا ثقيل في نفوس المتابعين، وهو عنوان على الإعجاب بالنفس، وقد يؤثر على الإخلاص وحسن القصد، والناس تشمئز من المتعالم المتعالي، ومن اللائق أن يبدأها بضمير الغيبة، فيقول: يبدو للدارس، وتدل تجارب العاملين، ويقوم المختصون، وفي رأي أهل العلم والشأن ونحو ذلك، وإن كان قد لا يكاد الإنسان أن ينفك عن هذا، ولكن قدر الاستطاعة أن يقلل.

стр. 290

الثاني: توضيح عبارات المحاور من غاية الأدب واللباقة بالقول، وعبارة الحوار: ألاَّ يفترض في صاحبه الذكاء المفرط، فيكلمه بعبارات مختزلة، أو إشارات بعيدة، ومِنْ ثمَّ فلا يفهم، كما لا يظن فيه الغباء والسذاجة، أو الجهل المطبق، فيبالغ في شرح ما لا يحتاج إلى شرح، وتبسيط ما لا يحتاج إلى تبسيط، ولا شك أن الناس بين ذلك درجات في عقولهم وفهمهم، فهذا عقله متسعٌ بنفسٍ رحبة، وهذا ضيِّق العقل، وآخر يميل إلى الأحوط في جانب التضييق، وآخر يميل إلى التوسع، وهذه العقليات والمدارك تُؤثر في فهم ما يُقال، فذو العقل اللماح يستوعب ويفهم حرفية النص وفحواه ومراد المتكلم وما بين السطور، وآخر دون ذلك بمسافات، ولقد قال أبو جعفر المنصور للإمام مالك لما أراد تصنيف الموطأ: تجنب شدائد ابن عمر، ورخص ابن عباس، وشواذ ابن مسعود ﵃ أجمعين.

стр. 291

الثالث: الالتزام بموقف محدد في الكلام ومن الآداب: الالتزام بموقف محدد في الكلام فينبغي أن يستقر في ذهن المحاور ألا يستأثر بالكلام، ويستطيل في الحديث، ويسترسل بما يخرج عن حدود اللباقة والأدب والذوق الرفيع، يقول ابن عقيل في كتابه فن الجدل: وليتناوبا الكلام مناوبةً لا مناهبةً بحيث ينصت المعترض للمستدل حتى يفرغ من تقريره للدليل، ثم المستدل للمعترض حتى يُقرر اعتراضه، ولا يقطع أحدٌ منهما على الآخر كلامه، وإن فهما مقصوده من بعضه. قال ابن عقيل: وبعض الناس يفعل هذا - أي: يقطع الكلام - تنبيهاً للحاضرين على فطنته وذكائه. قال ابن عقيل: وهذا ليس فضيلة، إذ المعاني بعضها مرتبطٌ ببعض. ليس شطارة منك أن تفهم ماذا قال؟ المعاني يدل بعضها على بعض، إذ المعاني بعضها مرتبط ببعض، وبعضها دليل على بعض، وليس ذلك علم غيب، أو زجر صادق، أو استخراج ضمير حتى يفتخر به، والطول والاعتدال في الحديث يختلف من ظرف إلى ظرف، ومن حال إلى حال، فالندوات والمؤتمرات تحدد فيها فرص الكلام من قبل رئيس الجلسة، أو مدير الندوة، فينبغي الالتزام بذلك، والندوات واللقاءات في المعسكرات والمتنزهات قد تقبل الإطالة أكثر من غيرها لتهيؤ المستمعين، وقد يختلف ظرف المسجد عن الجامعة والمدرسة وعن دور التعليم الأخرى. ومن المفيد أن تعلم أن أغلب أسباب الإطالة في الكلام، ومقاطعة أحاديث الرجال يرجع إلى ما يلي: أولاً: إعجاب المرء بنفسه. الثاني: حب الشهرة والثناء. الثالث: ظن المتحدث أن ما يأتي به جديدٌ على الناس. رابعاً: قلة اللامبالاة بالناس في علمهم ووقتهم وظرفهم. والذي يبدو أن واحداً من هذه الأربعة إذا استقر في نفوس السامعين، كافٍ في صرفهم وصدودهم ومللهم واستثقالهم لمحدثيهم. إذاً: من آداب الحوار:- ١ - حسن الاستماع، وأدب الإنصات، وتجنب المقاطعة. ٢ - تقدير الخصم واحترامه. ٣ - حصر المناظرات في مكان محدود، وقد ذكر أهل العلم أن المحاورات والجدل ينبغي أن يكون في خلوات محدودة الحضور، قالوا: وذلك أجمع للفكر والفهم، وأقرب لصفاء الذهن، وأسلم لحسن القصد، وإن في حضور الجمع الغفير ما يُحرِّك دواعي الرياء والحرص على الغلبة بالحق والباطل، ومن أطرف الاستدلالات! أنهم استدلوا بمثل قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى﴾ [سبأ:٤٦] أما حينما يكون الحديث مثنى وفرادى، وأعداداً متقاربة، فيكون أدعى إلى استجماع الفكر والرأي، كما أنه أقرب إلى أن يرجع المخطئ عن الحق، ويتنازل عما هو فيه من الباطل أو المشتبه، بخلاف الحال أمام الناس، فقد يعز عليه التسليم والاعتراف بالخطأ أمام مؤيديه، أو مخالفيه.

стр. 292

الرابع: الإخلاص الأدب الأخير هو الإخلاص: هذه الخصلة من الأدب متممة لما ذُكِرَ، من أصل التجرد في طلب الحق إلى آخره، ومن أجلى المظاهر في ذلك أن يُدافع المناظر والمتحاور عن نفسه حب الظهور، والتميز على الأقران، وإظهار البراعة، وعمق الثقافة والتعالي عن النظراء والأنداد. إن قصد انتزاع الإعجاب والثناء واستجلاب المديح مفسدٌ للأمر، صارف عن الغاية، وسوف يكون فحص النفس ناجحاً ودقيقاً لو أن المحاور توجَّه إلى نفسه بهذه الأسئلة: هل ثمت مصلحة ظاهرةٌ تُرجى من هذا النقاش، وهذه المشاركة؟ هل يقصد تحقيق الشهرة، أو إشباع الشهوة في الحديث والمشاركة؟ هل يتوقع أن يتمخض هذا الحوار عن نزاع وفتنة وفتح أبواب من هذه الأبواب التي حقها أن تُسدَّ؟ ومن التحسس الصادق والنصح الصادق للنفس: أن يحذر بعض التلبيسات النفسية والشيطانية، فقد تتوهم بعض النفوس أنها تقصد إحقاق الحق، وواقع دخيلتها أنها تقف مواقف انتصار ذات هوى، ويدخل في هذا الباب: توطين النفس على الرضا والارتياح إذا ظهر الحق على لسان الآخر ورأيه. ومن الجميل وغاية النبل والصدق مع النفس وقوة الإرادة وعميق الإخلاص: أن توقف الحوار إذا وجدت نفسك قد تغيرَّ مسارها ودخلت في مسارب اللجج والخصام ومدخولات النوايا. وأكتفي بهذا القدر، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 293

رهبان الليل رجال الدنيا والآخرة إن الصلاة هي أعظم صلة بين العبد وربه كما جاء في سنة المصطفى ﷺ ، فهي مفتاح لكل خير، ومفرجة لكل هم، وكاشفة لكل غم، إنها مفزع الخائفين وقربى للوجلين، وبرهان ونور للعاصين التائبين. وقيام الليل فضله عظيم فأين المشمرون؟!

стр. 294

مكانة الصلاة في الدين الحمد لله أوجد الكائنات فأبدعها صنعاً، وأحكمها خلقاً، وهدى عباده النجدين، فأسعد فريقاً وفريقاً أشقى، أحمده سبحانه وأشكره، وأثني عليه بما هو أهله، لم يزل للشكر مستحقاً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعبداً ورقاً، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله هو الأخشى لربه والأتقى، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه المقدمين فضلاً وسبقاً، والتابعين ومن تبعهم بإحسان ومن نصر دين الله حقاً وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فأوصيكم -أيها الناس- ونفسي بتقوى الله فاتقوا الله رحمكم الله، وتقربوا إليه بطاعته، والإكثار من ذكره وشكره، وحسن عبادته، توددوا إليه بالتحدث بنعمه، والإحسان إلى خلقه، تعرفوا إليه في الرخاء يعرفكم في الشدة، إنكم لم تخلقوا عبثاً، ولم تتركوا سدىً، ومن خاف اليوم أمن غداً، والربح لمن باع الفاني بالباقي، والخسران لمن سدت مسامعه الشهوات، وآثر الحياة الدنيا. أيها المسلمون: القارئون للتاريخ والناظرون في أحوال الأمم يرون أن هذا العصر هو أعنف عصور البشرية، وأغزرها دماً، وأشدها دماراً. إن من المفارقات العجيبة والمقارنات اللافتة أن يكون ذلك في وقتٍ وصلت فيه الثقافة والعلوم والتعليم والمخترعات والمكتشفات إلى قوةٍ غير مسبوقة، فمن غير المنكور ما يعيشه العالم كله من تقدم مادي له منجزاتٌ خيرة، وآثار نافعة، في الاتصالات والمواصلات والآلات والتقنيات، والصحة والتعليم، وأسباب المعيشة في آثارٍ إيجابية مشهودة في حياة الناس، ولكن ومع كل هذا النفع المشهود يصبح هذا العصر أعظم العصور قسوة ووحشية، غريب وعجيب أن يكون التنوير سبيل التدمير! ولكن يزول العجب وترتفع الغرابة إذا استرجع المسلم قول الله : ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٧] غفلوا عن الآخرة فنسوا ربهم، وجهلوا حقيقة مهمتهم، شرعوا لأنفسهم واستبدوا في أحكامهم وعتوا عتواً كبيراً، لقد كدوا ذكاءهم وسخروا علومهم ووظفوا مخترعاتهم في أسلحة الدمار، والصراع على موارد الخيرات، والتنافس غير الشريف. إن الذي يستحق التوقف والتأمل أن هذا الجهد وهذا التنافس والتصارع الذي يبذل على وجه هذه الأرض في هذه الميادين لو بذل أقل من نصفه في الأدب مع الله وتوقيره، وابتغاء مرضاته، لكسب الناس الدنيا والآخرة جميعاً، ولأظلهم الأمن الوارف، ولأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم، ولكن كثيراً منهم كذبوا وظلموا وآذوا وأفسدوا وأوقدوا حروباً، وأشعلوا صراعات، وأثاروا مشكلاتٍ اقتصادية وسياسية، واستضعفوا أمماً، واستنقصوا حقوقاً، فأُخذوا بما كانوا يكسبون، ولا يزالون تصيبهم بما صنعوا قوارع. إن أهل الإسلام وهم في هذا الشهر المبارك ليعلنون أن باب الصلاح والإصلاح يكمن في صلاح القلوب، وارتباطها بعلام الغيوب، طريق الإصلاح والصلاح لا يكون ولن يكون إلا بالخضوع التام لله الواحد القهار؛ عبادةً، وتذللاً، وانقياداً، وتسليماً. العبادة في الإسلام ذات مدلولٍ واسع، إيمانٌ صادق، وعمل صالح: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣] ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٩٧]. ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:١ - ٣]. ثم بعد ذلك امتلاك الحياة، والأخذ بالأسباب مع الاعتماد على الله، وحسن التوكل عليه، وتسخير ذلك في سبيل الله؛ لإعلاء كلمة الله، وليكون الدين كله لله، وحتى لا تكون فتنة. أيها الإخوة المسلمون: الإنسان ضعيف لا قوة له إلا حين يتصل بربه، الإنسان تواجهه قوى الشر، وتثقل عليه المقاومة بين دفع الشهوات، وإغراءات مطامع يثقل عليه مجاهدة الطغيان، وتطول به الجادة، وتبعد عليه الشقة، ليس له في هذه الأمواج العاتية، ولا مفزع من التيارات الجارفة، إلا الاعتصام بالله واللياذ بجنابه. أيها المسلمون: إن مناسبة الزمان الشريف الذي يعيشه المسلمون هذه الأيام تستدعي الحديث عن أهم العبادات في الإسلام، وأعظمها اعتصاماً بالله سبحانه، تلكم هي العبادة التي يفزع إليها نبينا محمدٌ ﷺ إذا حزبه أمر، وقرة عينه إذا ضاقت عليه المسالك. الصلاة مورد النبع الذي لا يغيب، والكنز الذي يغري ويقني ويفيض، حين تستحكم الأمور، ويشتد هدير الحياة: ﴿يا بلال! أقم الصلاة أرحنا بها﴾. الصلاة: هي عمود الإسلام، وهي بإذن الله مفزع التائبين، وملجأ الخائفين، ونور المتعبدين، وبضاعة المتاجرين، تجلو صدأ القلوب بأنوارها، وتزيل حجب الغفلات بأبكارها، وتنير الوجوه بأسرارها وآثارها، ومن كان أقوى إيماناً كان أحسن صلاةً، وأقبل قنوتاً، وأعظم يقيناً. جاء في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال: ﴿الصلاة خير موضوع فمن استطاع أن يستكثر منها فليستكثر﴾ أخرجه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن.

стр. 295

فضل صلاة الليل عباد الله: وتأتي صلاة الليل والتهجد في الأسحار ليتجلى هذا الاتصال بالله العلي الأعلى في صورة من التعبد بهية بهيجة، فقد صح في الخبر عن رسول الله ﷺ أنه قال: ﴿أفضل الصلاة بعد الصلاة المفروضة صلاة الليل﴾ أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁، ولقد حكى الإجماع على ذلك غير واحدٍ من أهل العلم، والقدوة الأولى والأسوة العظمى نبينا محمد ﷺ : ﴿كان يقوم من الليل حتى تفطرت قدماه الشريفتان﴾ مخرجٌ في الصحيحين. أما في رمضان فكان يجتهد فيه ما لا يجتهد في غيره، وإذا دخل العشر أحيا ليله وأيقظ أهله وشد المئزر: ﴿ومن قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه﴾ وربنا ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل فيقول: ﴿أنا الملك من الذي يدعوني فأستجيب له؟ من الذي يسألني فأعطيه؟ من الذي يستغفرني فأغفر له؟﴾، وفي حديث عمرو بن عنبسة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل الآخر، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن﴾ بل إن في الليل ساعة لا يوافقها عبدٌ مسلم يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إياه، وذلك كل ليلة في صلاة الليل يحيى بها بإذن الله ميت القلوب، وتشحن بها فاتر الهمم، قربة إلى الله، ومنهاة عن الإثم، وتكفيراً للسيئات، ومطردة للداء عن الحسد، وفي الحديث: ﴿عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم﴾.

стр. 296

كلام السلف في قيام الليل يقول وهب بن منبه ﵀: [[قيام الليل يشرف به الوضيع، ويعز به الذليل، وصيام النهار يقطع عن صاحبه الشهوات، وليس للمؤمن راحة دون الجنة]]. ويقول ابن عباس ﵄: [[من أحب أن يهون الله عليه طول الوقوف يوم القيامة، فليره الله في ظلمة الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه]]. إنهم عباد الرحمن: ﴿يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً﴾ [الفرقان:٦٤] انتزعوا نفوسهم من وثر الفرش، وهدوء المساكن، وسكون الليل، وسكون الكون غالبوا هواتف النوم، وآثروا الأنس بالله، والرجاء في وعد الله، والخوف من وعيده: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر:٩] عبادٌ لله قانتون متقون: ﴿قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات:١٧ - ١٨] لصلاة الليل عندهم أسرارها، وللأذكار في نفوسهم حلاوتها، وللمناجاة عندهم لذتها. يقول أبو سليمان الداراني ﵀: [[أهل الليل في ليلهم ألذ من أهل اللهو في لهوهم، ولولا الليل لما أحببت البقاء في الدنيا]]. ولما حضرت ابن عمر ﵄ الوفاة قال: [[ما آسى على شيءٍ من الدنيا إلا على ظمأ الهواجر، ومكابدة الليل]] قيام الليل انقطاعٌ عن صخب الحياة، واتصال بالكريم الأكرم جل وعلا، وتلقي خيوطه ومنحه، والأنس به، والتعرض لنفحاته، والخلوة إليه، الله أكبر! ما طاب لهم المنام، لأنهم تذكروا وحشة القبور، وهول المطلع يوم النشور، يوم يبعث ما في القبور، ويحصل ما في الصدور، ولهذا قال قتادة ﵀: [[ما سهر الليل بالطاعة منافق]]. عباد لله صالحون: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٦ - ١٧] لقد تعددت مقاصدهم، واختلفت مطالبهم، وتنوعت غاياتهم، والليل هو منهلهم وموردهم: ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ [البقرة:٦٠] فهذا محبٌ يتنعم بالمناجاة، وذلك محسنٌ يزداد في الدرجات، ويسارع في الخيرات، ويجد في المنافسات، وآخر خائف يتضرع في طلب العفو، ويبكي على الخطيئة والذنب، وراجٍ يلح في سؤاله ويصر على مطلوبه، وعاصٍ مقصر يطلب النجاة، ويعتذر عن التقصير وسوء العمل، كلهم يدعون ربهم، ويرجونه خوفاً وطمعاً، فأنعم عليهم مولاهم فأعطاهم واستخلصهم واصطفاهم، وقليلٌ ما هم، اكتفوا من الليل بيسير النوم، مشتغلين بالصلاة والقرآن والذكر والصوم، تلكم هي همم القوم، وتأملوا هذه الآية العظيمة: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً * إِنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً﴾ [الإنسان:٢٦ - ٢٧]. الليل ميدان ذوي الهمم العالية من أصحاب العبادات والدعوات، هو الزاد الصالح لرحلة الحياة، أما الذين يحبون العاجلة فصغار الهمم، صغيرو المطالب، يغرقون في العاجلة: ﴿وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً﴾ [الإنسان:٢٧] وفي هذا يقول بعض السلف: [[كيف يرجو النجاة من سوء الحساب من ينام الليل، ويلهو بالنهار]] أما كثيرٌ من أبناء هذا العصر فلهوهم قد استغرق الليل والنهار، نعوذ بالله من الخذلان.

стр. 297

طاعة الله بالنهار تعين على القيام له بالليل أيها الإخوة والأحبة: بضعف النفوس عن قيام الليل تقسو القلوب، وتجف الدموع، وتستحكم الغفلة. ذكر رجلٌ عند رسول الله ﷺ فقيل: مازال نائماً حتى أصبح، فقال ﵊: ﴿ذاك رجل بال الشيطان في أذنه﴾ متفق عليه. إذا أظلم الليل نامت قلوب الغافلين، وماتت أرواح اللاهين، من لم يكن له وردٌ من الليل فقد فرط في حق نفسه تفريطاً كبيراً، وأهمل إهمالاً عظيماً، أي حرمانٍ أعظم ممن تتهيأ له مناجاة مولاه، والخلوة به ثم لا يبادر ولا يبالي؟! ما منعه إلا التهاون والكسل، وما حرمه إلا النوم وضعف الهمة، ناهيك بأقوامٍ يسهرون على ما حرم الله، ويقطعون ليلهم في معاصي الله، ويهلكون ساعاتهم بانتهاك حرمات الله، فشتان بين أولياء الرحمن، وأولياء الشيطان. روى البيهقي في سننه الكبرى بسندٍ صحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿إن الله يبغض كل جعظري جواض، سخاب في الأسواق، جيفة في الليل، حمارٍ بالنهار، عالمٍ بأمر الدنيا، جاهلٍ بأمر الآخرة﴾ لقد عشتم حتى رأيتم أجيالاً من المسلمين تقطع ليلها وتسهر على العبث واللهو في قنواتٍ ماجنة، وغناءٍ ساقط، وتمتعٍ هابط، لماذا تشكو بعض البيوت من ضعف الهمم عن قيام الليل؟ وتخلو منازل من المتهجدين المتعبدين؟ قيل لـ ابن مسعود ﵁: [[ما نستطيع قيام الليل، قال: أقعدتكم ذنوبكم]] وقال رجل لأحد الصالحين: لا أستطيع قيام الليل فصف لي في ذلك دواء؟ فقال: لا تعصه بالنهار وهو يقيمك بين يديه في الليل. فاجتهد حفظك الله أن تصلي ما تيسر من الليل؛ اجتهد أن تصلي التراويح، تصلي ما تيسر من الليل، والقليل من صلاة الليل كثير، واصبر على ذلك وداوم عليه، فبالصبر والمداومة والإخلاص تنل من ربك التثبيت والمعونة، واعلم أن دقائق الليل غالية فلا ترخصها بالغفلة والتواني والتسويف، ومن أرخص الدقائق الغالية ثقلت عليه المغارم وضاقت عليه المسالك: ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ [الكهف:٢٨] ولا تنس -حفظك الله- أهلك فأيقظهم لا ليلتقوا حول مسلسلٍ هابط، أو منظرٍ خالع، ولكن ليقفوا بين يدي خالقهم تائبين منيبين يغسلون خطيئاتهم بدموعٍ نادمة، وقلوبٍ باكية، لعلها أن تمحو الذنوب، ففي الحديث: ﴿رحم الله رجلاً قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته فصلت، فإن أبت نضح في وجهها الماء، ورحم الله امرأةً قامت من الليل فصلت ثم أيقظت زوجها فإن أبى نضحت في وجهه الماء﴾. ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ * الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران:١٥ - ١٧]. نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبهدي محمدٍ ﷺ ، وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 298

الأمور التي تعين على قيام الليل الحمد لله لا تغيض ينابيع فضله، فليس لإحسانه حد، ولا غنى لعباده عن كرمه وإنعامه، فليس لآلائه عد، أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الواحد الأحد الفرد الصمد، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، أفضل رسول، وأشرف عبد صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه سارعوا في الخيرات وشمروا عن سواعد الجد، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فاعلم رحمك الله وأرشدك لطاعته أن من الأسباب الميسرة لقيام الليل، والمعينة عليه؛ الإقبال على الله، وصدق التعلق به مع حسن الظن به سبحانه، وعظم الرجاء فيما عنده، والحرص على الابتعاد عن الذنوب؛ فالذنوب تقسي القلوب، وتقعد الهمم، وحسبك من طعامك لقيمات، فمن أكثر من الطعام ثقلت نفسه، وغلبه نومه، وقد قال وهب بن منبه ﵀: [[ليس أحب إلى الشيطان من الأكول النوام]]. واحرص وفقك الله على سلامة القلب من الحقد والحسد، واجتناب البدع، ولزوم السنة والحرص عليها، وامتلاء القلب من الخوف من الله، مع قصر الأمل، ولتعلم أن أشرف البواعث وأعظمها حب الله ومناجاته، وحب رسوله ﷺ ، وحب كتابه.

стр. 299

وقت صلاة الليل وكيفيتها أما وقت صلاة الليل فهو ممتدٌ من بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر، ومن كل الليل صلى رسول الله ﷺ ، واستقر ورده في السحر، وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود؛ كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه. وفي المأثور من أحوال السلف منهم من يصلي الليل كله، ومنهم من يصلي نصفه، ومنهم ثلثه، ومنهم خمسه، ومنهم سدسه، ومنهم من يصلي ركعاتٍ معدوداتٍ ومن أيقظ أهله فصليا ركعتين كتبا من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات. ومن الآداب التي ينبغي رعايتها في صلاة الليل وقيامه، أن يستفتح بركعتين خفيفتين، ثم يصلي ما كتب له مثنى مثنى يسلم بعد كل ركعتين، ويستحب أن يطيل القراءة والركوع والسجود، ويقرأ ويتدبر ويجتهد في الذكر والدعاء، ويكثر ولا يشق على نفسه فإن رسول الله ﷺ يقول: ﴿عليكم بما تطيقون فوالله! لا يمل الله حتى تملوا، وسددوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيءٍ من الدلجة﴾. وإن مما يحث الهمة ويبعث القوة أن تعلم أنك في أيامٍ فاضلة وأوقاتٍ شريفة في شهرٍ مبارك، المغبون من فرط فيه، والخاسر من لم ينافس فيه، هو ميدان التسابق لقيام الليل، وساحات التنافس للركع السجود، هذه الأيام من أرجى الأيام، فليست قيمة الأيام بساعاتها، ولا قدر الليالي بطولها وعددها، وإنما قيمة الأوقات بما تحمله من خيرٍ للبشر، وسعادة للنفوس. ألا فاتقوا الله رحمكم الله واغتنموا أوقاتكم وأروا الله من أنفسكم خيراً، وتعرضوا لنفحات ربكم: ﴿أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام﴾. ثم صلوا وسلموا على الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، نبيكم محمدٍٍ رسول الله فقد أمركم بذلك ربكم فقال عز من قائل حكيماً: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وارض اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن سائر الصحابة أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وجودك وإحسانك يا أكرم الأكرمين! اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، واحم حوزة الدين، واخذل الطغاة والملاحدة وسائر أعداء الدين. اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك الصالحين. اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا في من خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين! اللهم أيد بالحق والتوفيق والتسديد والتأييد إمامنا وولي أمرنا ووفقه لما تحب وترضى، وارزقه البطانة الصالحة التي تدله على الخير وتعينه عليه، اللهم أعز به دينك، وأعل به كلمتك، واجعله نصرة للإسلام والمسلمين، واجمع به كلمتهم على الحق والهدى يا رب العالمين. اللهم وفق ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك وبسنة نبيك محمدٍ ﷺ ، واجعلهم رحمة لعبادك المؤمنين. اللهم انصر المجاهدين الذين يجاهدون في سبيلك لإعلاء كلمتك، وإعزاز دينك، اللهم انصرهم في فلسطين، وفي كشمير، وفي الشيشان، وفي كل مكانٍ يا رب العالمين! اللهم ربنا سبحانك وبحمدك لا يخلف وعدك، ولا يهزم جندك، نسألك أن تنصر إخواننا المجاهدين في كل مكان، اللهم أيدهم وسددهم وثبت أقدامهم، اللهم إنهم حفاة فاحملهم وعراة فاكسهم وجياع فأطعمهم، اللهم إنهم مظلومون فانصرهم، اللهم واجعل الذلة والصغار والهزيمة على أعدائهم، اللهم أنزل بهم بأسك ورجزك إله الحق! اللهم أنت الله لا إله إلا أنت؛ أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أغثنا، اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفاراً، فأرسل السماء علينا مدراراً، اللهم واجعل ما أنزلته قوةً لنا على طاعتك وبلاغاً إلى حين. اللهم إنا خلقٌ من خلقك فلا تمنع عنا بذنوبنا فضلك. اللهم ارفع عن الغلاء والوباء والربا والزنا والزلازل والمحن وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن عن بلدنا وعن سائر بلاد المسلمين يا رب العالمين! رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 300

إمام دار الهجرة والنصرة الإمام مالك ﵀ إن التاريخ الإسلامي حافل بالأبطال الأفذاذ والأئمة الأخيار الذين شيدوا للأمة مجدها، وحفظوا ثقافتها، ورفعوا رايتها، وأنفوا المذلة والهوان، وفعلوا ما يعزها، وكان من هؤلاء الرجال الإمام مالك ﵀ المعروف بعلمه وورعه وزهده وذكائه واطلاعه، فقد تتلمذ في مدينة الرسول ﷺ على يد الجيل والرعيل الأول من التابعين رضوان الله عليهم.

стр. 301

فجر الإسلام ورجالاته الحمد لله ذي الألطاف والنعم، أحمده سبحانه وأشكره هو ذو الجود والإحسان والكرم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق فأبدع، وصنع فأحكم، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله المبعوث إلى جميع الأمم، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. أما بعد: فأوصيكم -أيها الناس- ونفسي بتقوى الله ، فاتقوا الله رحمكم الله، وأحبوه من كل قلوبكم، فمن امتلأ قلبه بمحبة ربه كمل أنسه، وطاب عيشه، وخف تعلقه بالشهوات، وزاد إقباله على الطاعات، والقلب لا يغنيه ولا يلم شعثه إلا محبة الله وحسن عبادته، ومن أحب الله أحب الله لقاءه، ومن أحب الله استعد للقائه ولم يتعلق قلبه بالدنيا ومطالبها، وعكفت همته على الله ومحبته وإيثار مرضاته، ومن تفكر في عواقب الدنيا أخذ الحذر، ومن أيقن بطول الطريق تأهب للسفر. أيها المسلمون! الناظر في تاريخ الأمم والديانات لا يجد أمة حفلت بالرجال وصنعت بإذن الله الأبطال، وقيادات الأمم وصناع الحضارات عبر الأجيال كما يجد في أمة الإسلام التي تأدبت بأدب القرآن، وتربت في مدرسة النبوة المحمدية: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة:٢]. لقد كانت دعوة الإسلام المباركة مفتاحاً للطاقات الكامنة في الإنسان، وإعمالاً للعقل بعد أن زكاه الإسلام، وأشرقت جوانبه بنور القرآن، وسارع في العمل المثمر على هدي محمدٍ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، انطلق الأميون في كل بقاع الدنيا، وفي شتى ميادين المعرفة والحياة يقودون الناس بدين الله، أصحاب رسول الله ﷺ ورضي عنهم أجمعين، هم حفظة القرآن الكريم وحملته، وأوعية السنة، بسبب وقائعهم وأحوالهم وأحداثهم تنزلت آيات التشريع والأحكام، ومن أجل تعليمهم وردت السنة المطهرة، وعن طريقهم انتشرت الدعوة، وأضاءت بأنوارها مشارق الأرض ومغاربها. لقد كان منهم من تعجز الأجيال أن تأتي بمثله، أبو بكر الصديق وعمر الفاروق وعثمان ذو النورين وعلي أبو السبطين وأبو عبيدة أمين الأمة وخالد سيف الله، في قضايا ولا أبا حسنٍ لها، رضي الله عن صحابة رسول الله ﷺ وأرضاهم أجمعين. ثم جاء من بعدهم أجيال، ولدوا في الإسلام، ورضعوا من المهد معارفه، ثم تحولت هذه العلوم والمعارف في مجتمع الإسلام إلى مدارس ومناهج في كل المجالات، إيذاناً ببدء مرحلة التخصص في العلوم والفنون، في الحديث والرواية، والفقه والدراية، والجرح والتعديل، وعلوم القرآن والتفسير، والأصول والاستنباط، ولكل مدرسة رجالها الذين لا يجارون، وعلماؤها الذين لا يبارون، انقضت عصورهم وحفظت علومهم، وانتهت أجيالهم بعد آجالهم، وما زالوا عمالقة يقودون الدنيا بعلمهم، ويتتلمذ التاريخ كما يتتلمذ الباحثون وطلاب العلم على تراثهم. بليت أجسادهم وبقيت آثارهم في نتاج عقولهم، وأضاءت الدنيا بثمرات علومهم، مدارس ومناهج أخرجت للأمة أمثال الحسن البصري، وسفيان الثوري، وعطاء بن أبي رباح، والليث بن سعد، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، والأوزاعي، وربيعة الرأي، وجعفر الصادق، وابن شهاب الزهري، والأئمة الأربعة، والبخاري ومسلم، وغيرهم كثيرٌ وكثير، مما لا يحصيه عد، ولا يقع تحت حصر. تلقت الأمة بالقبول من هذه المذاهب والمدارس ما وصل إليها، وما كان لها من حواريين دونوا مسائلها، وصنفوا نفائسها، وحفظوا أقوالها، وأصلوا أصولها، وبسطوا فروعها، رجالات حملوا الفقه والدين، وأرسوا مدارس الاجتهاد والفتوى. وما كانت هذه المذاهب بأئمتها ﵏ يوماً، تسلك منهجاً غير الكتاب والسنة، وما كانت يوماً تدعو إلى العمل بخلافهما، إذا تبينت لها الدلالة من النص وصح عندها السند من السنة، وإنهم برآء مما يذكر من تعصب أو خلاف مذموم، لقد كان هؤلاء الأئمة الأعلام وتلاميذهم المخلصون أشد الناس تحذيراً من الانحرافات باسم المذهبية، أو التقليد المتعصب، وأقوالهم في ذلك موفورة مشهورة، كلهم يقول: لا يجوز لأحد أن يقول قولنا من غير أن يعرف دليلنا، وما صح من الحديث فهو المذهب، لا خلاف بين أحدٍ منهم على تقديم الكتاب والسنة على كل ما عداهما، وكلهم يجلون الصحابة رضوان الله عليهم ويأخذون بأقوالهم وفتاويهم واجتهاداتهم، كما يحترمون السلف ويقدرون آراءهم ويجلون استنباطاتهم. أئمة كرام وعلماء أعلام اتبعوا السنن، وسلكوا المسالك الصحيحة في الاجتهاد، فيهم من كثر عنده حملة السنن ورواة الأثر، ومنهم من كان يميل إلى الرأي لبعد داره عن متنزل الوحي، لقد بذلوا أقصى ما بوسعهم في تعريف الناس بدين الله ودعوتهم إليه.

стр. 302

ترجمة الإمام مالك ﵀ أيها الأحبة! ومن أجل الإيمان بهذه المثل الرائعة، والنماذج الفائقة، نتوقف عند إمامٍ من هؤلاء الأئمة، وأحد رجالات هذه الشريعة المحفوظة، ذلكم هو إمام دار الهجرة والنصرة والمؤاخاة والصحبة الإمام مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي ﵀.

стр. 303

مولده ونشأته ولد في المدينة المنورة متنزل الوحي ومهد العلم ومنهل المعرفة، سنة ثلاثٍ وتسعين للهجرة، بها نشأ وترعرع واستقر، شب مالك ﵀ في بيت علم، ولا سيما علوم الحديث والأثر، واستطلاع الآثار وأخبار الصحابة وفتاويهم، فأسرته ﵀ من بيوت العلم المشهورة، والناشئ في العادة تتغذى مواهبه ومنازعه من منزع بيته وما يتجه إليه أهله، فشبت تحت ظلها المواهب، بل كان معاشه في مدينة رسول الله ﷺ ، أضلته سماؤها، وأقلته أرضها، موطن الشرع، ومبعث الهدى، ومعقد الحكم الإسلامي الأول، وقصبة الإسلام في عهد الخلافة الراشدة، اجتمع به الرعيل الأول من علماء الصحابة، ثم تلاميذهم، حتى جاء مالك ﵀ فوجد هذه التركة الثرية من العلم والحديث والفتوى، فنمت مواهبه في كنفها، وجنى من ثمرتها، وتلقى عن رجالها. كان ﵁ من أعقل أهل زمانه، وأعظمهم مروءة، كثير الصمت، قليل الكلام، متحفظ اللسان، وكان يقول: من أحب أن يفتح على قلبه، وينجو من أهوال يوم القيامة، فليكن عمله في السر أكثر منه في العلانية. كما كان حسن الخلق بين أهله وولده، ويقول: إن في ذلك مرضاة لربك، ومثراة في مالك، ومنسأة في أجلك، وقد بلغني ذلك عن بعض أصحاب محمد ﷺ وفي الحديث: ﴿من أحب أن ينسأ له في أثره، ويبسط له في رزقه؛ فليصل رحمه﴾. ولقد حرص مالكٌ ﵀ أن يتمثل حياة رسول الله ﷺ ، وما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم من كريم السجايا وجميل الشمائل وصفاء السرائر، فكانت حياته نبراساً مضيئاً للمتأسي، في مبتدأ حياته، مسه عسر في المعيشة، حتى إن ابنته لتبكي من شدة الجوع لا تجد ما تأكله، وحتى قال تلميذه ابن القاسم: أدى بـ مالك طلب العلم إلى أن ينقض سقف بيته ليبيع خشبه، ثم بسط الله له في رزقه، ورفع عنه الضيق فاتسعت حاله، فكان عند انبساطه معترفاً بفضل الله عليه، حتى إنه ليقول: ما أحب لامرئ أنعم الله عليه ألا يرى أثر نعمته عليه، ويقول: أحب للقارئ أن يكون أبيض الثياب، ولقد كان أثر النعمة عليه بادياً؛ في طعامه وشرابه، وملبسه ومركبه، وكان يعتني بذلك من نفسه في ثيابه وأثاثه، ويستعمل الطيب الجيد.

стр. 304

سيرته أما في سيرته ﵁: فكان لين الجانب، سهلاً منبسطاً مع أصحابه، مع الحفاظ على حال الهيبة والوقار، يقول بعض تلاميذه: كان مالك إذا جلس معنا كأنه واحدٌ منا، ينبسط في الحديث وهو أشد تواضعاً منا له، فإذا أخذ في حديث رسول الله ﷺ تهيبنا كلامه كأننا ما عرفناه ولا عرفنا.

стр. 305

طلبه للعلم أما طلبه للعلم: فكان دءوباً جاداً قد صرف نفسه إليه في همة وصبر، فهو ذو الحافظة الواعية، والقلب العقول، والذكاء المتقد، مع الصلاح والتقى، متحفزاً إلى مجالسة الرجال، ومذاكرة الأفذاذ، ومزاحمة الفحول، من أهل العلم الأعلام، لم تمنعه شدة الحر اللاهب، ولا الجو اللافح من أن يخرج من منزله يترقب أوقات خروج العلماء، يقول ﵀: كنت آتي نافعاً مولى ابن عمر نصف النهار، وما تظلني شجرة من الشمس، أتحيل خروجه فإذا خرج أدعه ساعة حتى إذا دخل قلت له: كيف قال ابن عمر في كذا وكذا؟ ثم أحبس عنه -أي أتوقف عن السؤال- لأنه كان فيه حدة. ويقول أيضاً: صليت يوم العيد فقلت هذا يومٌ يخلو فيه ابن شهاب الزهري فانصرفت من المصلى، حتى جلست على بابه فسمعته يقول لجاريته: انظري من بالباب، فنظرت فسمعتها تقول: مولاك الأشقر مالك، فقال: أدخليه، فدخلت، فقال: ما أراك انصرفت بعد إلى منزلك؟ فقلت: لا. قال: هل أكلت شيئاً؟ قلت: لا. قال: اطعم. فقلت: لا حاجة لي فيه. قال: فما تريد؟ قلت: تحدثني. قال: هات، فأخرجت ألواحي، فحدثني بأربعين حديثاً. فقلت: زدني. فقال: حسبك إن كنت رويت هذه الأحاديث فأنت من الحفاظ. فقلت: قد رويتها -أي حفظتها-. قال: فجذب الزهري الألواح من يدي ثم قال: حدث، فحدثته بها، فردها إليَّ، وقال: قم فأنت من أوعية العلم. أيها الشباب! يا طلبة العلم! هكذا هو الحرص، وهذا هو الجد، هذا الإمام يتحين أوقات الخلوة والفراغ ليحصل على طلبته من العلم وحاجته من الرواية، ناهيكم بما وهبه الله من قوة الحافظة واستيعاب الرواية، أربعون حديثاً بأسانيدها ما أن يفرغ من كتابتها حتى يعيدها عن ظهر قلب، والألواح في يد شيخه، ثم نال هذه الشهادة العالية الغالية (قم فأنت من أوعية العلم). جديرٌ بطلاب العلم، وشباب الإسلام أن ترتفع هممهم، وتعلوا تطلعاتهم، ولا يكتفوا بفتات الموائد، ويعيشوا عالة على أمجاد الماضي، وجهود الأسلاف مع الحرص على الصلاح والتقوى والإخلاص. يقول مالك ﵀: ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما العلم نورٌ يضعه الله في القلب، والعلم لا يأنس إلا بقلب تقيٍ خاشع. لقد نضج الإمام مالك ﵀ في العلم مبكراً، ونبغ في التحصيل على الأقران سابقاً، فتصدر للفتيا وهو فتى، لكنه لم يجلس للإفتاء إلا بعد أن شهد له العلماء بالأهلية. ومن مأثور كلامه في ذلك هذه البليغة الرائعة: لا خير فيمن يرى نفسه في حالٍ لا يراه الناس لها أهلاً، ويقول: ما جلست للفتيا حتى شهد لي سبعون شيخاً من أهل العلم أني موضعٌ لذلك. وكان ورعاً في دين الله، متحرياً في الفتيا، شديد الحذر، ينهى عن التعجل ويقول: ربما وردت عليَّ المسألة فأسهر فيها عامة ليلتي، ويقول: إني لأفكر في المسألة منذ بضع عشرة فما اتفق لي فيها رأيٌ حتى اليوم. وكان ﵀ حين يكثر عليه طلاب المسألة، يكف ويقول: حسبكم من أكثر أخطأ، وكان يعيب كثرة ذلك، ويقول: من أحب أن يجيب عن مسألة فليعرض نفسه على الجنة والنار، وكيف يكون خلاصه في الآخرة ثم يجيب، وسئل عن ثمانٍ وأربعين مسألة فقال في اثنتين وثلاثين لا أدري. ذلكم هو الإمام مالكٌ ﵀، أمد الله في عمره، حتى أوفى على التسعين عاماً، ولازمه المرض آخر أيامه فانقطع عن الخروج للناس ولكنه لم ينقطع عن الدرس والعلم والحديث والفتيا ﵀. أيها المسلمون! أبناء الإسلام! هذه قبساتٌ من سيرته في الحياة، وشذرات من مسيرته في العلم، فلينظر في ذلك ناشئة الإسلام، تأملاً في سير هؤلاء الأعلام، وتتبعاً لحياتهم وهم نشأٌ يتدرجون في مدارج الحياة وشببة يتلقون العلم ويجدون في التحصيل والطلب، وكهولٌ قد برزت مواهبهم، واستقامت مناهجهم، ثم شيوخ قد فاضت علومهم على من حولهم، وضربت إليهم أكباد الإبل، وشدت إليهم الرحال من أقاصي الدنيا، وزخرت مجالسهم بالطلاب، وعمرت حلقاتهم بالتلاميذ وافدين من كل صقع، واردين من كل فجاج، علمٌ وإيمانٌ وتقى. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة:١١]. نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم وبهدي محمدٍ ﷺ ، وأقول هذا القول، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 306

قبسات وحكم من نصائح الإمام مالك الحمد لله، شرح صدور الموفقين بألطاف بره وواسع نعمه، أحمده سبحانه وأشكره على عظيم فضله وجزيل كرمه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، النبي الأمي علمه ربه ما لم يكن يعلم وأفاض عليه من أسرار حكمه، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أنوار العلم ومصابيح الهدى، بلغوا في العلم رسوخ قدمه، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. أما بعد: أيها المسلمون! هؤلاء هم علماؤنا وأئمتنا، كل له شرفه وفضله، ندرس سيرهم، وننظر في آثارهم، ونتلقى علومهم في غير تعصب ولا تحامل، فليس فضل الواحد منهم مشتقاً من نقص غيره، ولا في بخسه حقه حاشا وكلا، إنما فضله نابعٌ من فضل الله عليه، في مواهبه ودراساته، وصلاحه وإخلاصه، واجتهاده في طلب الحق والوصول إليه، ولكل إمام حظه الوافر في ذلك، وحرصه على طلب الحق وتحريه واحتساب النية في ذلك، استمع إلى هذه الحكمة من البصيرة النيرة من مالك ﵀ حين يقول: وأدركت ناساً بـ المدينة لم تكن لهم عيوب، فتكلموا في عيوب الناس؛ فأحدث الله لهم عيوباً، وأدركت أناساً كانت لهم عيوب، فسكتوا عن عيوب الناس، فسكت الناس عن عيوبهم. وعن يحيى بن يحيى الليثي قال: آخر ما اجتمعت بـ مالك، قال: أذكر لك شيئاً تبلغ به حكمة الحكماء: إذا حضرت في مجلس فاستعمل الصمت، فإن أصابوا استفدت، وإن أخطئوا سلمت، وشيئاً تبلغ به علم العلماء: إذا سئلت عما لا تعلم فقل لا أعلم. ولهذا كان من أعظم ما أثر عن مالك ﵀ أنه كان يحذر من المراء في العلم وكثرة الجدال فيه إلا لضرورة ماسة، ويقول: المراء في الدين يذهب بنور العلم، ويقسي القلب، ويورث الضغائن. تلكم هي قبساتٌ وإلماحات، فاتقوا الله رحمكم الله، وحصلوا من العلم ما استطعتم، واعملوا صالحاً، واعبدوا الله على بصيرة: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر:٩]. ثم صلوا وسلموا على الرحمة المهداة، والنعمة المسداة نبيكم محمداً رسول الله فقد أمركم بذلك ربكم فقال من قائلٍ عليماً: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، والخلق الأكمل، وعلى آل بيته الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وارض اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين، والأئمة المهديين الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وجودك وإحسانك يا أكرم الأكرمين! اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، واحم حوزة الدين، واخذل الطغاة والملاحدة وسائر أعداء الدين، اللهم وانصر دينك وكتابك وسنة نبيك محمدٍ ﷺ وعبادك المؤمنين، اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأيد بالحق والتوفيق والتأييد والتسديد إمامنا وولي أمرنا، ووفقه لما تحب وترضى، وخذ بناصيته للبر والتقوى، وأعز به دينك، وأعل به كلمتك، واجعله نصرة للإسلام والمسلمين، واجمع به كلمتهم على الحق والهدى يا رب العالمين! اللهم وفق ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك وبسنة نبيك محمد ﷺ ، واجعلهم رحمة لرعاياهم، واجمعهم على الحق يا رب العالمين! اللهم وأبرم لأمة الإسلام أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر، إنك على كل شيء قدير. اللهم انصر المجاهدين الذين يجاهدون في سبيلك لإعلاء كلمتك وإعزاز دينك، اللهم انصرهم في فلسطين وفي كشمير وفي الشيشان، وفي كل مكان يا رب العالمين! اللهم انصرهم، وأيدهم وسدد سهامهم وآراءهم، اللهم ووحد صفوفهم، وأنزل عليهم نصرك، اللهم واجعل الدائرة على أعدائهم وفرق جمعهم، وشتت شملهم، واجعلهم عبرة للمعتبرين. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، اللهم ارفع عنا الغلا والوبا والربا والزنا والزلازل والمحن وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن، عن بلدنا وعن سائر بلاد المسلمين يا رب العالمين! ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 307

حق الطريق وآداب المرور الأمن قاعدة هامة تقوم عليها سعادة الحياة ورغد العيش واستقرار المجتمع. والحفاظ على الأمن من أول الواجبات في السير والمرور، ومن مظاهر اختلال الأمن حوادث المرور، ولا يخفى مالها من آثار سيئة على الأفراد والمجتمعات. وإماطة الأذى عن الطريق شعبة من الإيمان، وقد غفر الله لرجل بإماطته أذى عن الطريق، وقد أولى الإسلام الطريق رعاية عظيمة، ومما يدل على ذلك الآداب الكثيرة المتفرقة في ثنايا هذه الخطبة.

стр. 308

ضرورة الأمن والحفاظ على الأرواح الحمد لله تفرد بكل كمال، تفضل على عباده بجزيل النوال، بيده الخير؛ ومنه الخير فله الحمد على كل حالٍ، وفي كل حال، في الحال وفي المآل، أحمده سبحانه على ما منح من النعماء، وأشكره على واسع العطاء، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تقدس في الذات والصفات والأسماء، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله سيد المرسلين، وخاتم الأنبياء، وإمام الحنفاء، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله الأوفياء، وأصحابه النجباء، والتابعين ومن تبعهم بإحسان ما دامت الأرض والسماء. أما بعد: فأوصيكم أيها الناس ونفسي بتقوى الله ، فاتقوا الله رحمكم الله، استيقظوا بقوارع العبر، وتفكروا في حوادث الغير، ففي تقلبات الدهر معتبر، وفي طوارق الجديدين مزدجر، وتدبروا مواعظ السنة والكتاب فإنهن صوادق الخبر، فتزودوا بزاد التقوى، وخذوا أهبة التحول وانتبهوا من الغفلة فرحم الله امرأً أحيا سنة مأثورة، وقدم لنفسه أعمالاً صالحةً مبرورة، وراقب مولاه فمولاه على كل شيءٍ شهيد، وحاسب نفسه حذراً من العذاب الشديد. أيها المسلمون: الحياة السعيدة والعيش الرغيد قوامها ظلال الأمن الوارفة بعد الإيمان بالله : ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢] بالأمن على الأنفس، والأمن في الأوطان تتفتح دروب الإنتاج، وتتفتق مهارات الإبداع، ويتحقق بإذن الله النماء. الأمن هو الركيزة التي يقوم عليها استقرار المجتمعات ورخاء الشعوب: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش:٣ - ٤]. وفي نظرة فاحصة يدرك المتأمل أن الأمم تتعرض في حياتها لمتاعب ومشقات بعضها هينٌ يسير وبعضها ثقيلٌ عسير، ولكن الكيان يتزلزل، والرشاد يتخلخل، حين تسترخص الدماء، وتزهق الأرواح.

стр. 309

السلامة بين المبدأ والتطبيق أيها الإخوة المسلمون: الحفاظ على المهج من أغلى المطالب إن لم يكن أغلاها، والإنسان أكرم المخلوقات على الله، خلقه وكرمه وفضله: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ [الإسراء:٧٠] والنفس الإنسانية ليست ملكاً لصاحبها وليست ملكاً لأحدٍ من الناس وإنما هي ملكٌ لله وحده، ومن أجل ذلك حرم سبحانه الاعتداء عليها حتى من قبل صاحبها: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ * وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ [النساء:٢٨ - ٢٩]، ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً) [المائدة:٣٢] ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً﴾ [النساء:٩٣] ومع وضوح ذلك وجلائه في أصول الديانة، وثباته ورسوخه في فقه الشريعة، إلا أنه مع الأسف، وفي خضم الغفلة والإهمال وقلة المبالاة من المرء نفسه وممن حوله من أهله ومن له سلطانٌ عليه، ترى من يجازف ثم يمارس أفعالاً وسلوكيات تلقي بالنفس إلى التهلكة، وتوقع الغير في الهلكة، ترى أرواحاً تزهق، ونساءً تترمل، وأسراً تفنى، وأطفالاً تيتم، وأمراضاً مزمنة، وإعاقاتٍ مستديمة، ترى منشآتٍ تهدم، ومنجزاتٍ تتلف، وآلاف الملايين من الدراهم والدنانير تهدر، فواجع تصل إلى حد الهلع، وخسائر تصل إلى حد الإفلاس، أطفال في مقتبل الحياة، وشباب في نضرة العمر، ما حال البيت وقد فقد عائله؟ وما حال المرأة وقد فقدت من يرعاها وأطفالها؟ وما حال الوالدين وقد زهقت روح شابهم اليافع وصبيهم الأمل؟ ما حال الأسرة وقد حل بها معاقٌ علاجه مكلف، والكد عليه مرهق؟ أصبح مقعداً عاجزاً عالة على أهله ومجتمعه ودولته، حسرة في القلوب، وعبء في الكاهل بسبب ماذا كل هذا؟ ومن أجل ماذا كل هذه المعاناة؟ بسبب فعلٍ متهور، وتصرفٍ طائش، وعملٍ غير مسئول، ماذا يبقى إذا هانت الأرواح، واسترخصت الدماء؟ وإلى أي هاوية هؤلاء ينحدرون؟ لقد فاضت نفوسٌ زكية، ودماء بريئة، فمتى تفيض دوافع العقلانية؟ ومتى تستيقظ مشاعر الإحساس بالمسئولية؟ ومتى يهتدي الضالون؟ ومتى يستفيق الغافلون؟ كل هذه المصائب وجل هذه المآسي راجعة إلى الإخلال بحق الطريق، والتفريط في آداب المسير، والإهمال في قواعد المرور.

стр. 310

حقيقة الطريق ورعاية الدين لآدابها يخيل لفئة من الناس عن رعونة وجهلٍ واستهتار وإهمال أن الطريق هو المكان الذي يتحرر فيه من الضوابط وقواعد التعامل، يتحلل من الآداب والمسئوليات ليعطي نفسه حق التصرف كما يريد والفعل كما يشاء، متجاوزاً الخلق الحسن ومبتعداً عن الذوق الرفيع، الطرق هي مسالك الناس إلى شئونهم، ومعابرهم إلى قضاء حوائجهم، وهي دروبهم في تحركاتهم وتحصيل منافعهم، هي سبيلهم إلى أسواق التجارة وكسب المعاش، وهي منافذهم إلى المعاهد والمدارس ودور العلم والمساجد والمتنزهات، في الأسفار والرحلات، وكل أنواع الحركة والتنقلات. أيها الإخوة المسلمون: إن رعاية الطريق وأداء حقه والالتزام بآدابه من أوضح ما اعتنى به ديننا الحنيف، في مظهرٍ حضاري، وسلوكٍ متحضر، وأدب عالٍ وخلقٍ سامٍ، جاء ليرقى بالمسلمين ويهذب مسالكهم ويحملهم إلى مستوى من الحضارة من قبل أربعة عشر قرناً. استمعوا حفظكم الله إلى هذا القبس من مشكاة النبوة، ترغب به القلوب، وتشنف به الأسماع، يقول ﵊: ﴿عرضت علي أعمال أمتي حسنها وسيئها، فوجدت في محاسن أعمالها، الأذى يماط عن الطريق، ووجدت من مساوئها النخاعة في المسجد لا تدفن﴾. ويقول صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: ﴿خلق كل إنسان من بني آدم على ستين وثلاثمائة مفصل، فمن كبر الله وحمد الله وهلل الله وسبح الله واستغفر الله، وعزل حجراً عن طريق الناس، أو شوكة أو عظماً عن طريق الناس، أو أمر بمعروف أو نهى عن منكر، عدد الستين والثلاثمائة، فإنه يمسي يومئذ وقد زحزح عن النار﴾ أخرجه مسلم. وقال ﵊: ﴿الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان﴾ متفق عليه. وفي خبرٍ عند مسلم ﵀ من قوله ﵊: ﴿لقد رأيت رجلاً يتقلب في الجنة في شجرة قطعها من ظهر الطريق كانت تؤذي المسلمين﴾. وفي رواية في الصحيحين: ﴿بينما رجلٌ يمشي في طريق، وجد غصن شوك على الطريق، فأخره فشكر الله له فغفر له﴾. آداب ديننا في هذا عالية، والأخلاق في الإسلام فاضلة، جاءت لتهذب مسالك المسلمين وتحملهم إلى مستوى من المسئولية والشعور نحو الآخرين ورعاية حقوقهم ومصالحهم، وإنك لتعجب أن تكون مثل هذه الآداب والتوجيهات في منهج أهل الإسلام ثم لا ترى التزاماً، بل ترى في كثيرٍ من المواقع إهمالاً وتقصيراً، فمدن المسلمين وقراهم وطرقهم ومسالكهم مع الأسف تزخر بالمعوقات، وتمتلئ بالمؤذيات والمزعجات؛ من مركباتٍ عاطلة، وأتربة متراكمة، وبقايا ومخلفات، مع حفرٍ مهملة، وأحجار ملقاة، لا يكلف المسلم نفسه أن يضع الشيء في موضعه، ويبعد الأذى عن طريق إخوانه، قياماً بالمسئولية وابتغاء الثواب العظيم من الرب الكريم، وتأملوا قول الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵀: [[لو عثرت دابة بشاطئ الفرات لظننت أني مسئول عنها لم لم أعبد لها الطريق] هذا في تعبيد الطريق للدواب فما بالك بحقوق المسلمين! إن حقوق الطريق وآداب المسير في ديننا كثيرة ودقيقة من غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذكر الله كثيراً، وإرشاد الضال، وهداية الأعمى، وإسماع الأصم، وإغاثة المظلوم، ومساعدة العاجز في حمل متاعه، والمشي على الأرض هوناً، والقصد في السير، وخفض الصوت، والكلمة الطيبة، والماشي يسلم على القاعد والراكب على الراجل والصغير على الكبير: ﴿واتقوا الملاعن الثلاثة: البراز في الموارد وقارعة الطريق والظل، وإذا أتيتم الصلاة فأتوها وعليكم السكينة﴾ وكثرة الالتفات في الطريق يخل بالمروءة، واجتنبوا السخرية بالمارة، والاستهزاء بالعابرين، لا بعبارة ولا بإشارة، واسعَ رحمك الله بشدة ساقيك مع اللهفان المستغيث، واحمل بقوة ساعديك مع العاجز الضعيف، وعليك بمراعاة أدب السير مع الأصحاب، فهذا عبد الله بن مسعود ﵁ خرج من المسجد بعد الصلاة فسار الناس خلفه، فالتفت إليهم وقال: [[لا تفعلوا، إن السير خلفي ذلة للتابع، وفتنة للمتبوع]].

стр. 311

آداب وحقوق أخرى للطريق أيها المسلمون: والأمر في الإسلام لا يقتصر على إماطة الأذى وإزالة العوائق في أعمال فردية، ولكنها ترقى إلى المطالبة بإصلاح وتحسين المرافق، وهو مطلوبٌ من كل قادرٍ عليه وحسب مسئوليته، قياماً بالمسئولية وابتغاء للمثوبة، من المسئولين من ولاة أمور المسلمين ومن دونهم من الأثرياء والموسرين والقادرين، فالدعوة في الإسلام عالية في إنشاء المرافق وبنائها ورعايتها وصيانتها وتحصينها، وهذه سمة من سمات الدين بارزة، وغاية في الأوقاف وسياساتها، أكثر ما تتجلى في إنشاء المرافق وصيانتها: ﴿إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به بعده، أو ولد صالح يدعو له﴾. ولقد قرر أهل العلم ﵏ أن من الصدقة الجارية: حفر الآبار، وشق الأنهار، وغرس الأشجار، وتوسيع الطرق، وبناء الجسور والقناطر، وإنشاء المظلات، وإقامة دور العلاج والاستشفاء، وكل ما تدعو إليه الحاجة وظروف الحياة ومتغيراتها ومستجداتها مما يوافق الشرع وينفع الناس. معاشر الأحبة: ومن إعطاء الطريق حقه ومراعاة آدابه: بذل المزيد من التنبه والحذر وتوقع المفاجآت، وصيانة الطرق والمركبات، والسير في الجانب المخصص من أرصفة المارة، وجسور المشاة، والانتباه من السيارات المسرعة، والاهتمام بوسائل السلامة في الحل والترحال، والسفر والإقامة في النفس والمركبة والراكبين، وتفقد المركبة بأجهزتها وآلاتها وأجزائها وزيادة أحمالها وأوزانها، وحفظ البهائم من التسيب. ومن إعطاء الطريق حقه: تجنب قيادة المركبات في حالات التعب والإعياء والظروف النفسية العصيبة، ولزوم السيطرة على النفس أمام نزواتها الجامحة وغفلتها السادرة.

стр. 312

المسئول الحقيقي عن الأرواح والممتلكات معاشر المسلمين: إن الحفاظ على الأرواح وأمن الجماعة وصيانة الممتلكات مسئولية مشتركة، أساسها الدين وصحة المعتقد، ويقظة الضمير، ثم الوعي الصادق بالمسئولية والتعاون على مستوى الفرد والجماعة، كل مطالب بالقيام بمسئوليته؛ رجل الأمن، ورجل التربية، ورجل الأعمال، ورجل الإعلام، ورب الأسرة، وربة البيت؛ رجل الأمن ينفذ بوعيٍ وفقه وعدالة، ورب الأسرة يرعى بحزم ويراقب بصرامة، ورجل التربية يعلم بإخلاص ويربي بتفانٍ، ورجل الأعمال يدعم ويساند ويبذل، ورجل الإعلام يكتب ويثقف وينشر بمصداقية وتوازن، الأمن غاية الجميع، والسلامة هدف الجميع، ولن يتم ذلك على وجهه إلا بالتعاون بين كل فئات المجتمع وطبقاته في رفع مستوى الوعي وتنمية الحس الأمني، وحفز الهمم من أجل بناء جسورٍ من التعاون والثقة بين فئات المجتمع. لم يكن الخلل ولم تحدث المآسي المفجعة إلا بسب الإهمال والإتكالية وعدم المبالاة، فهذا قد قصر في تبليغ الجهات المسئولة، ومسئول قد قصر في التفاعل مع التبليغ، ومبلغٌ يخشى من تبعات التبليغ، والروتين يصدق ذلك أو يكذبه، وما أدى إلى هذه النتائج الوخيمة إلا التقاعس في أخذ الحيطة، والتهاون في لزوم طريق الحذر، وعدم الأخذ بالحزم في الأمر والعزم على الرشد. ومما لا يمكن إغفاله في هذا الصدد رعاية الأنظمة وتطبيقها بصرامةٍ وعدالة، عقوباتٍ وزواجر جزاءً لمن يخالف وردعاً لمن يريد أن يجازف، حزمٌ شديد يقارنه وعيٌ شديد تتولد من خلالهما رقابة ذاتية، وبمجازاة أفراد ترتدع أمم. لا بد من الحزم في تنفيذ الجزاءات الرادعة، ولا سيما في حق المتهورين وغير المبالين وأصحاب السوابق. لا بد من الاطمئنان على حسن القيادة وفقه الأنظمة وإدراك التعليمات وحسن تطبيقها ودقة الالتزام بها. ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان:١٨ - ١٩]. نفعني الله وإياكم بالقرآن العزيز وبهدي محمدٍ ﷺ ، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 313

الآثار السيئة لحوادث الطريق الحمد لله ولي الحمد، أحمده سبحانه وأثني عليه بما ينبغي لجلاله من الثناء والتمجيد، وأشكره على سوابغ نعمه وقد وعد الشاكرين بالمزيد، فقال في كتابه المجيد: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:٧] وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وهو على كل شيء شهيد، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله صاحب الملة الحنيفية ورافع لواء التوحيد، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ذوي الرأي الرشيد والحكم السديد، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: معاشر المسلمين: حوادث الطرق حربٌ مدمرة بمعداتٍ ثقيلة، تنزف فيها الدماء، وتستنزف فيها الثروات، حرب معلنة ليس فيها إلا كاسب واحد هو الإهمال، وضعف التربية، ونقص الوعي، والتخلي عن المسئولية، ولن يكون فيها الانتصار بإذن الله إلا إذا أعلن الجميع حالة النفير، ما تستقبله المستشفيات والمقابر، وما تحتضنه مراكز التأهيل وملاجئ الأيتام ودور الرعاية الاجتماعية كل ذلك أو جله ضحايا التهور وعدم المسئولية، قطع للأيدي، وبتر للأرجل، وكسر للعظام، موتى، ومشلولون، ومقعدون في صورٍ مأساوية تصحبها دموعٌ وآهات، وتقلبات وأنات، مركباتٍ متنوعة ووسائل نقل متعددة، يساء استخدامها ويقودها من لا يقدرها حق قدرها، فتحصد الأرواح وتهدر الممتلكات، نتاجها هلكى ومعاقون وعجزة، يهلكون أنفسهم ويرهقون اقتصادهم، ويبقون عالة على مجتمعهم ودولتهم. لا بد من التربية والتوجيه من أجل بناء إرادة قوية ومسلكٍ صحيح، لوقف النزوات الطائشة في فعل حضاري ذي أبعادٍ إنسانية نبيلة، يمتزج فيه الرفق مع الصرامة، والعقاب مع التوجيه، والتربية مع المحاسبة، جدية من خلال احترام النظام والدقة في تطبيقه، والعدالة في تنفيذه، والقدوة في التزامه، يكون فيه الأب لأبنائه قدوة، والأخ الأكبر لإخوانه قدوة، والمعلم لتلاميذه قدوة، والمسئول لمن تحته قدوة، لا بد مع معالجات السلوكيات الخاطئة، والمفاهيم المغلوطة، وممارسات المراهقين والأحداث وتهورات الشباب. ألا فاتقوا الله رحمكم الله، والتزموا آداب دينكم، فالسير الآمن مقصدٌ من مقاصد الشريعة ووصفٌ بارز من صفات عباد الرحمن: ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً﴾ [الفرقان:٦٣] وأدب رفيع من آداب القرآن الكريم: ﴿وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً﴾ [الإسراء:٣٧]. ثم صلوا وسلموا على نبيكم محمد، الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، فقد أمركم بذلك ربكم في محكم تنزيله، فقال قولاً كريماً: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأزواجه وذريته، وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين الأربعة: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن الصحابة أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وجودك وإحسانك يا أكرم الأكرمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، واحم حوزة الدين، وانصر عبادك المؤمنين، واخذل الطغاة والملاحدة وسائر أعداء الدين، اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك محمدٍ ﷺ وعبادك الصالحين. اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأيد بالحق والتوفيق والتأييد والتسديد إمامنا وولي أمرنا ووفقه لما تحب وترضى، وخذ بناصيته للبر والتقوى، وارزقه البطانة الصالحة، وأعز به دينك، وأعلِ به كلمتك، واجعله نصرة للإسلام والمسلمين، واجمع به كلمتهم على الحق والهدى يا رب العالمين! اللهم وفق ولاة أمور المسلمين، للعمل بكتابك وبسنة نبيك محمدٍ ﷺ ، واجعلهم رحمةً لرعاياهم، واجمعهم على الحق يا رب العالمين! اللهم وأبرم لأمة الإسلام أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر إنك على كل شيء قدير. اللهم انصر المجاهدين الذين يجاهدون في سبيلك لإعلاء كلمتك وإعزاز دينك، اللهم انصرهم في كل مكان، اللهم انصرهم في فلسطين وفي كشمير وفي الشيشان، اللهم قوِّ عزائمهم، واجمع كلمتهم، وسدد سهامهم وآراءهم. اللهم وأنزل عليهم نصراً من عندك، واجعل اللهم الدائرة على أعدائهم، وشتت شملهم، وفرق جمعهم، واهزمهم وزلزلهم وأنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، اللهم ارحم موتانا، واشف مرضانا، وفك أسرانا، وأصلح لنا شأننا كله، وأحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة. رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 314

فضل الصحابة رضوان الله عليهم الصحابة رضوان الله عليهم أبر هذه الأمة قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، وأقومها هدياً، وأحسنها حالاً، ولا يعرف قدر لأمة إلا بمعرفة قدر عظمائها، وعظماء هذه الأمة بعد رسول الله ﷺ هم أصحابه، وقد ذكر الشيخ عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة، ودلل على ذلك من القرآن والسنة، وبيَّن أن الصحابة يتفاوتون في الفضل، ونحن أهل السنة لا ندعي العصمة لأحد من الصحابة، وقد حذر الله جل وعلا ورسوله من سبهم وأنه يوصل إلى الكفر وإلى الخروج من الملة.

стр. 315

كل أمة تقدر بقدر عظمائها الحمد لله أحصى كل شيءٍ عدداً، خلق الخلق ورفع بعضهم فوق بعضٍ درجات فكانوا طرائق قِدداً، أحمده سبحانه وأشكره، تكاثر إنعامه وإفضاله فلا نحصي له حداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا أشرك به أحداً، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله أكرم به عبداً، وأعظم به سيداً، صلى الله وسلم وبارك عليه، زكى أصلاً وشرف محتداً، وعلى آله نجوم الاهتداء، وأصحابه أئمة الاقتداء، والتابعين ومن تبعهم بإحسان صلاة وسلاماً دائمين أبداً. أما بعد: فأوصيكم أيها الناس ونفسي بتقوى الله ، فاتقوا الله رحمكم الله، فالدنيا غرارة هلك فيها هالكون، فاجعل سفينة النجاة فيها -يا عبد الله- تقوى الله! وعدتك التوكل على الله، وزادك الإيمان والعمل الصالح، فإن نجوت فبرحمة الله، الدنيا قنطرة فاعبرها ولا تعمرها، واعلم أنك لن تبلغ أملك، ولن تعدو أجلك، وليس لك من دنياك إلا ما أصلحت به آخرتك، وأعظم الحسرات غداً أن ترى مالك في ميزان غيرك، فيالها من عثرة لا تقال! وشر المصائب معاصي الله: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [القصص:٦٠]. أيها المسلمون: إن الأسباب التي تحط من أقدار الرجال، وتنتقص وقار العظماء لم تزل تتكاثر، وهي في هذه العصور المتأخرة أكثر تكاثراً، مع أن حاجة الأمم إلى هؤلاء الرجال أمس وألزم، وهؤلاء العظماء كانوا في خدمة أممهم أقدر وأعظم، فكثر التطاول على كل عظمةٍ إنسانية، وفشت بدعة الاستخفاف والزراية باسم العلم والعقلانية، والتجرد في مناهج يزعم أصحابها الموضوعية العلمية والتفكير الحر، يخوضون في هذه القضايا بالباطل بل بالتشهي واتباع مسالك أهل الأهواء، دون الاسترشاد أو الاعتبار بأقوال أهل العلم والتحقيق والصدق والتجرد، حتى أوشك التوقير لمن يستحق التوقير أن يعاب، وتكاثرت أسباب الحط من أقدار ذوي المنازل، والأمة لا يثبت لها حق إن هي لم تعرف حق رجالها، بل الإنسانية ليست بشيء إذا كان عظماء الرجال ليسو بشيء. أيها المسلمون: إن تاريخ الأديان والعقائد تاريخ قيمٍ ومبادئ وليس بتاريخ وقائع وأحداث، ذلك أن الوقائع والأحداث على اختلاف الأعصار متشابهة في ظاهرها وظواهرها، ولكنها تختلف في القيم النفيسة التي تكمن وراءها، هذا التاريخ مليء بالعظات البالغات، والمواقف الرائعات، والأحداث العظام، والمواقف الجسام، سير عطرة، وتاريخ زكي تستضاء به مشاعل الإيمان، وتوقد به مجامر القلوب، ما كان حديثاً يفترى، ولا أساطير تردد، ذلك التاريخ الذي روى وحفظ أنباء أعظم ثلة ظهرت في تواريخ العقائد والديانات، تاريخٌ وحقائق تدون ما كان لأصحاب محمدٍ ﷺ ورضي عنهم وأرضاهم أجمعين من حياة وبذل وفداء وإيمان وعبادة وزهد. إن التاريخ لم يشهد رجالاً عقدوا عزمهم وانطوت نواياهم على غاياتٍ تناهت في العدالة والسمو ثم نذروا لها حياتهم على نسقٍ تناهى في الجسارة والشجاعة والتضحية والبذل كما شهد التاريخ في صحب محمدٍ ﷺ ، أنجز هؤلاء الكرام ما أنجزوه في بضع سنين، أشادوا بكتاب الله وكلماته عالماً جديداً يهتز نبرة، ويتألق عظمة، ويتفوق اقتداراً، صبرٌ وشجاعة، وعلم ومثابرة، وبطولاتٌ تفيض رحمة بالناس وزهداً في الدنيا، وتبتلاً لله وخشوعاً بين يديه، استطاعوا في مثل سرعة الضوء -بإذن الله- أن يضيئوا الدنيا بحقيقة التوحيد ويطهروها من وثنية القرون، أي بذلٍ بذلوا؟ وأي حملٍ تحملوا؟! وأي فوزٍ أحرزوا؟ تحريرٌ -بإذن الله وقوته- من وثنية الضمير وضياع المصير، الظلام يتحول إلى نور، والفوضى تنقلب إلى نظام، والضعف يتبدل إلى قوة، والضياع يصير منعة، والمهانة تصبح عظمة، والجهل يضحى علماً ومعرفة، والعيلة تكون غنى، لقد ورثوا البشرية خير ميراثٍ وأعظم تراث.

стр. 316

عقيدة أهل السنة في الصحابة معاشر المسلمين: من العقائد المقررة، ومن أصول الدين المتقررة في مذهب أهل السنة والجماعة: حب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، والتدين لله بالإقرار بفضلهم من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان. إن الصحابي هو: كل مسلمٍ لقي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ورآه مؤمناً به ومات على ذلك، ومن يكتب له شرف الصحبة لا يتطلب له سوق التعديل، فكفى بشرف الصحبة تعديلاً. يقول الإمام النووي ﵀: وفضيلة الصحبة ولو لحظة لا يوازيها عملٌ ولا تنال درجتها بشيء، والفضائل لا تؤخذ بقياس، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. والإمام أحمد ﵀ يقول: فأدناهم صحبةً هو أفضل من القرن الذين لم يروه -أي: النبي ﷺ ولو لقوا الله بجميع الأعمال. أولئك هم صحب محمدٍ صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لا يذكرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء أو استنقصهم في مقام فهو من المؤمنين على غير سبيل، هم خير الناس للناس، وأفضل تابع لأفضل متبوع، فتحوا القلوب والبلاد بالصدق والإيمان قبل الرمح والسنان، لم يعرف التاريخ البشري تاريخاً أعظم من تاريخهم، ولا رجالاً دون الأنبياء أفضل منهم ولا أصدق، تأمل سيرهم بعين إنصاف في كتاب الله وفي الصحيح من سنة رسول الله ﷺ والثابت من آثارهم وأحوالهم، فترى أمراً عجباً من حال القوم وعظيم ما آتاهم الله من الإيمان والحكمة والشجاعة والقوة، حين بخل غيرهم بالنفس والمال، وحين قعد غيرهم عن مفارقة الأهل والولدان؛ استرخصوها في سبيل الله وإقامة دين الحق ونصرة محمدٍ صلى الله عليه وعلى آله وسلم، استرخصوها حتى تمكنت الأمم والشعوب من العيش في أمنٍ وعدل ورغدٍ ورحمة تحت حكم الإسلام، فارقوا الأوطان، وهجروا الخلان، وقتلوا في سبيل الله الأبناء والآباء والإخوان، بذلوا النفوس صابرين، وأنفقوا الأموال محتسبين، وناصبوا من ناوأهم متوكلين، فآثروا رضا الله على الغنى، والذل في سبيل الله على العز، والغربة على الوطن. هم المهاجرون قال الله تعالى عنهم: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر:٨]. وهم الأنصار أهل المواساة والإيثار الذين تبوءوا الدار والإيمان: ﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر:٩]. وهم التابعون لهؤلاء السابقين: ﴿بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً﴾ [التوبة:١٠٠]. الله عزّ شأنه وتقدست أسماؤه عدلهم وأثنى عليهم في آيات من كتابه يطول سردها، ورسول الله ﷺ أثنى عليهم في أحاديث يعسر حصرها مما يكون القطع بتعديلهم، ولا يحتاج أحدٌ منهم مع تعديل الله إلى تعديل أحدٍ من الخلق: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة:١٠٠]، ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح:١٨]، فحاشاك -رحمك الله- أن تتوقف في شأن أحدٍ منهم، أو تشك في واحدٍ منهم، فلقد ﵃، وعلم ما في قلوبهم، وعفا عنهم، وأنزل السكينة عليهم.

стр. 317

أحاديث تؤكد عقيدة أهل السنة في الصحابة أخرج الترمذي وابن حبان في صحيحه من حديث عبد الله بن المغفل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿الله الله في أصحابي! لا تتخذوهم غرضاً، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه﴾. هم خير القرون وخير الناس وخير الأمم: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠] وفي الحديث الصحيح: ﴿خير القرون قرني وخير الناس قرني﴾. هم أمنةٌ للأمة فإذا ذهب قرنهم وانقرض جيلهم حلت بمن بعدهم الفتن، وظهرت البدع، وبرز الجور والفساد. جاء في صحيح مسلم ﵀ عن أبي بردة عن أبيه قال: ﴿صلينا المغرب مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ثم قلنا: لو جلسنا حتى نصلي معه العشاء؟ قال: فجلسنا فخرج علينا، فقال: مازلتم ههنا؟ قلنا: يا رسول الله! صلينا معك المغرب، ثم قلنا: نجلس حتى نصلي معك العشاء، قال: أحسنتم أو أصبتم، قال: فرفع رأسه إلى السماء، وكان كثيراً ما يرفع رأسه إلى السماء، فقال: النجوم أمنةٌ للسماء فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنةٌ لأصحابي فإذا ذهبتُ أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون﴾. ويقول عبد الله بن مسعود ﵁: [[إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمدٍ ﷺ خير قلوب العباد فاصطفاه لنفسه فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمدٍ ﷺ فوجد قلوب الصحابة خير قلوب العباد، فجعلهم الله وزراء نبيه يقاتلون على دينه]]. فهم أبر هذه الأمة قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، وأقومها هدياً، وأحسنها حالاً، قومٌ اختارهم الله تعالى لصحبة نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم في آثارهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم، شهدوا الوحي والتنزيل، وعرفوا التفسير والتأويل، اختارهم الله لنبيه أصحاباً، وجعلهم لنا قدوةً وأعلاماً، فحفظوا عن نبيهم ما بلغهم عن ربهم، وما سن وما شرع، وحكم وقضى وندب، وأمر ونهى وأدب، وعوه وأتقنوه، ففقهوا في دين الله وعلموا أمر الله ونهيه ومراده بمعاينة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وتلقيهم عنه، وفهمهم المباشر منه، فشرفهم بما منَّ عليهم وأكرمهم، إذ جعلهم موضع القدوة فنفى عنهم الشك والكذب، والغلط والريبة، وسماهم عدول الأمة وأوساطها بمقتضى قوله سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة:١٤٣]، فهم عدول الأمة وأئمة الهدى، وحجج الدين، ونقلة الكتاب والسنة، وحملة الشريعة، وقد ندب إلى التمسك بهديهم والسير على منهجهم وسلوك سبيلهم فقال سبحانه: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ [النساء:١١٥]. أيها المسلم -حفظك الله- اليهود يفاخرون بأصحاب موسى ﵇، ولا يرضون انتقاصهم أو الحط من قدرهم، والنصارى يفاخرون بأصحاب عيسى ﵇ حواريه، ولا يقبلون الغض من شأنهم وانتقاص منازلهم، وأنت يا تابع محمدٍ ﷺ أولى بالغيرة على أصحاب نبيك ومعرفة فضلهم وحفظ مكانتهم! بل إن ربنا جعلهم مثلاً لأهل الكتابين -التوراة والإنجيل- فهم خير الأمم: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ﴾ [آل عمران:١١٠] أمر نبيه بمشاورتهم لما علمه من صدقهم، وصحة إيمانهم، وخالص مودتهم، ووفور عقولهم، ونبالة رأيهم، وكمال نصحهم: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران:١٥٩] ﵃ وأرضاهم أجمعين. إن كل خيرٍ فيه المسلمون إلى يوم القيامة من الإيمان والإسلام والقرآن والعلم ودخول الجنة والنجاة من النار وانتصار الدين وعلو كلمة الله فإنما هو ببركة ما فعله الصحابة الأكرمون، الذين بلغوا الدين وأحسنوا في الاتباع، وكل مؤمنٍ آمن بالله ولرسوله فللصحابة ﵃ فضلٌ عليه إلى يوم القيامة، فالقرآن حق، والنبي حق، والسنة حق، وإنما أدى إلينا ذلك كله أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

стр. 318

الصحابة متفاوتون في الفضل أيها المسلمون: ومع هذا المقام الرفيع الذي قد بلغوه، والقدر العالي الذي حازوه، فإنهم متفاوتون في الفضل، متمايزون في الدرجات، بعضهم أرفع من بعض، ومنازل فئة منهم فوق منازل آخرين من الخلفاء الأربعة الراشدين، وبقية العشرة المبشرين، والسابقين الأولين، وأصحاب بدر، وأهل بيعة الرضوان: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد:١٠] هذا جانب.

стр. 319

لا ندعي عصمة الصحابة وجانب آخر: فإنهم مع هذا المقام الرفيع الذي بلغه جميعهم، والقدر العالي الذي حازوه كلهم، فإنهم غير معصومين، فالخطأ عليهم جائز، والغلط منهم واقع، غير أن هذا بابٌ له ضوابط ومدخل له مزالق، فهم تجوز عليهم الذنوب في الجملة الصغائر منها والكبائر، ولكن لهم من السبق في الإسلام، والجهاد مع رسول الله ﷺ ، ونشر العلم، وتبليغ الدين، وطمس معالم الشرك وإذلال أهله، والذب عن حرمات الدين بنفوسٍ زكية وأرواحٍ طاهرة ما يكفر الله به عن سيئاتهم، ويرفع درجاتهم، فلقد رضي الله عنهم ورضوا عنه وعفا عنهم. يقول الذهبي ﵀: فالقوم لهم سوابق وأعمال مكفرة لما وقع منهم، وجهاد محاء، وعبادة ممحصة، ولسنا ممن يغلو في أحدٍ منهم ولا يدعي فيهم العصمة، وما شجر بينهم نسكت عنه، وهم فيه مجتهدون إما مصيبون فلهم أجران وإما مخطئون فلهم أجرٌ واحد، والخطأ -بإذن الله وفضله- مغفور، والثناء عليهم من الله سابق، وما صدر عنهم من الخطأ والاجتهاد لاحق، محتمل التأويل، والمشكوك الموهوم لا يبطل المحقق المعلوم. ويقول ابن معين ﵀: والإمساك عن ذكر الصحابة وذكر زللهم، ونشر محاسنهم ومناقبهم، وصرف أمورهم إلى أجمل الوجوه من أمارات المؤمنين المتبعين لهم بإحسان الذي مدحهم الله بقوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠]. وبعد: فهؤلاء هم صحب محمدٍ صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ فاحفظوا لهم حقهم وتقربوا إلى الله بحبهم، ورطبوا ألسنتكم بذكر محاسنهم: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْأِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ [الفتح:٢٩]. نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم وبهدي محمدٍ ﷺ ، وأقول هذا القول وأستغفر الله لكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 320

تحريم سب الصحابة الحمد لله القديم في سلطانه، العظيم في إحسانه، أحمده سبحانه وأشكره على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله الداعي إلى رضوان الله وجنانه، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فإن من سمات أهل الحق والإنصاف، وعلامات أهل الأثر والاتباع، ومقاصد الراغبين في السنة، سلامة قلوبهم، وحفظ ألسنتهم للصحابة الأخيار، وحملة الشريعة الأبرار، والذب عن حرماتهم وأعراضهم من لمز الجراحين، وغمز العابثين، وألسنة الحاقدين، واعتقاد فضيلتهم، وصدق خبرهم، وعدالة مسلكهم، والترضي عنهم والترحم عليهم. فاحذر -رحمك الله- أن تكون ممن يغمس لسانه في البهت؛ فيسلب العدالة من الصحب الأطهار، ويلغ في الحرمات، وإياك أن تكون ممن جد وشد وتكلف في جمع المساوئ والعثرات، وجرأ السفهاء والغوغاء على الوقيعة بهم، وقد قال رسول الله ﷺ في الحديث الصحيح المتفق عليه: ﴿لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه﴾. وعن ابن عمر ﵄ قال: [[لا تسبوا أصحاب محمدٍ صلى الله عليه وعلى آله وصبحه وسلم، فلمقام أحدهم ساعة خيرٌ من عمل أحدكم عمره]] وسمع ابن عباس ﵄ رجلاً يثلب من الصحابة، فقال له ابن عباس ﵄: [[أمن المهاجرين الأولين أنت؟ قال: لا. قال: أمن الأنصار أنت؟ قال: لا. قال: فأنا أشهد بأنك لست من التابعين لهم بإحسان]]، وقال بعض السلف: لم يشغلك ذنبك، أما لو شغلك ذنبك لخفت ربك، لقد كان في ذنبك شغلٌ عن المسيئين، فكيف لم يشغلك عن المحسنين؟ أما لو كنت من المحسنين لما تناولت المسيئين، ولرجوت لهم أرحم الراحمين، ولكنك من المسيئين فمن ثم عِبت الشهداء والصالحين. فاحفظ -حفظك الله- ثناء الله عليهم وعفوه عنهم ورضاه عليهم، ولا يكن في قلبك غلٌ على أحدٍ منهم، واستوص بهم خيراً، ففي سبيل ذلك تهون الأرواح، ولا تكن ممن يحترف الطعن وسوء الظن؛ فتتعب نفسك وتؤذي غيرك وتركض وراء السراب بشبهة أحاديث ضعيفة أو مكذوبة وقد تكون أخباراً لها محامل حميدة فتقلبها هفواتٍ ومثالب، وأعيذك بالله أن تقول: إن نبيك محمداً صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يصحبه أصحاب السوء، وقد علمت أن من انطوت سريرته على محبتهم وسلم صدره من الغل عليهم فقد فاز بالمدح المدلول عليه بقول الحق سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠]. ولينظمك الله في سلك من يكشف زوبعات المتعالين، وتبرئة الصحابة المتقين، ومناصرتهم من أقلام الحاقدين، وجهلة الأدباء والمؤرخين، وأهل الأهواء والمبتدعين، فمن خاض في هذه الميادين بجهلٍ أو هوى فَسَوَّد وحرَّف وقلب الحقائق، فأوغل الصدور بسوء الظن، وفرض احتمالاتٍ وخبط في تكهنات ليس لها أصل في الشرع، ولا مكانة في منصف العقل. ألا فاتقوا الله جميعاً -رحمكم الله- واحفظوا إيمانكم وصونوا ألسنتكم، وأحبوا سلفكم، ثم صلوا وسلموا على الرحمة المهداة والنعمة المسداة نبيكم محمد رسول الله فقد أمركم بذلك ربكم فقال عز قائلاً عليماً: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وارض اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن بقية العشرة المبشرين، وعن أهل بدر والشجرة وعن جميع الصحب ﵃ أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وإحسانك وجودك يا أكرم الأكرمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، واحم حوزة الدين، واخذل الطغاة والملاحدة وسائر أعداء الدين، اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك المؤمنين، اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأيد بالحق إمامنا وولي أمرنا ووفقه لما تحب وترضى، وخذ بناصيته إلى البر والتقوى، وأصلح له بطانته، وأيده بالحق، وأيد الحق به، وأعز به دينك، وأعلِ به كلمتك، واجعله نصرة للإسلام والمسلمين، واجمع به كلمتهم على الحق يا رب العالمين، اللهم وفق ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك وبسنة نبيك محمدٍ ﷺ ، واجعلهم رحمة لرعاياهم، واجمع كلمتهم على الحق يا رب العالمين! اللهم وأبرم لأمة الإسلام أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر إنك على كل شيء قدير. اللهم انصر المجاهدين الذين يجاهدون في سبيلك لإعزاز دينك وإعلاء كلمتك، اللهم انصرهم في كل مكان، اللهم انصرهم في فلسطين وكشمير والشيشان وكل مكان يا رب العالمين! اللهم سدد سهامهم وآراءهم، واكتب لهم النصر المؤزر. اللهم واجعل الدائرة على أعدائهم. اللهم فرِّق شمل أعدائهم، وشتت جمعهم، وأنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين. رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ، وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ؛ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
следующие страницы →