Полный текст (918 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
عقيدة أهل السنة في الصحابة
معاشر المسلمين: من العقائد المقررة، ومن أصول الدين المتقررة في مذهب أهل السنة والجماعة: حب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، والتدين لله بالإقرار بفضلهم من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان.
إن الصحابي هو: كل مسلمٍ لقي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ورآه مؤمناً به ومات على ذلك، ومن يكتب له شرف الصحبة لا يتطلب له سوق التعديل، فكفى بشرف الصحبة تعديلاً.
يقول الإمام النووي ﵀: وفضيلة الصحبة ولو لحظة لا يوازيها عملٌ ولا تنال درجتها بشيء، والفضائل لا تؤخذ بقياس، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
والإمام أحمد ﵀ يقول: فأدناهم صحبةً هو أفضل من القرن الذين لم يروه -أي: النبي ﷺ ولو لقوا الله بجميع الأعمال.
أولئك هم صحب محمدٍ صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لا يذكرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء أو استنقصهم في مقام فهو من المؤمنين على غير سبيل، هم خير الناس للناس، وأفضل تابع لأفضل متبوع، فتحوا القلوب والبلاد بالصدق والإيمان قبل الرمح والسنان، لم يعرف التاريخ البشري تاريخاً أعظم من تاريخهم، ولا رجالاً دون الأنبياء أفضل منهم ولا أصدق، تأمل سيرهم بعين إنصاف في كتاب الله وفي الصحيح من سنة رسول الله ﷺ والثابت من آثارهم وأحوالهم، فترى أمراً عجباً من حال القوم وعظيم ما آتاهم الله من الإيمان والحكمة والشجاعة والقوة، حين بخل غيرهم بالنفس والمال، وحين قعد غيرهم عن مفارقة الأهل والولدان؛ استرخصوها في سبيل الله وإقامة دين الحق ونصرة محمدٍ صلى الله عليه وعلى آله وسلم، استرخصوها حتى تمكنت الأمم والشعوب من العيش في أمنٍ وعدل ورغدٍ ورحمة تحت حكم الإسلام، فارقوا الأوطان، وهجروا الخلان، وقتلوا في سبيل الله الأبناء والآباء والإخوان، بذلوا النفوس صابرين، وأنفقوا الأموال محتسبين، وناصبوا من ناوأهم متوكلين، فآثروا رضا الله على الغنى، والذل في سبيل الله على العز، والغربة على الوطن.
هم المهاجرون قال الله تعالى عنهم: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر:٨].
وهم الأنصار أهل المواساة والإيثار الذين تبوءوا الدار والإيمان: ﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر:٩].
وهم التابعون لهؤلاء السابقين: ﴿بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً﴾ [التوبة:١٠٠].
الله عزّ شأنه وتقدست أسماؤه عدلهم وأثنى عليهم في آيات من كتابه يطول سردها، ورسول الله ﷺ أثنى عليهم في أحاديث يعسر حصرها مما يكون القطع بتعديلهم، ولا يحتاج أحدٌ منهم مع تعديل الله إلى تعديل أحدٍ من الخلق: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة:١٠٠]، ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح:١٨]، فحاشاك -رحمك الله- أن تتوقف في شأن أحدٍ منهم، أو تشك في واحدٍ منهم، فلقد ﵃، وعلم ما في قلوبهم، وعفا عنهم، وأنزل السكينة عليهم.
стр. 317
أحاديث تؤكد عقيدة أهل السنة في الصحابة
أخرج الترمذي وابن حبان في صحيحه من حديث عبد الله بن المغفل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿الله الله في أصحابي! لا تتخذوهم غرضاً، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه﴾.
هم خير القرون وخير الناس وخير الأمم: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠] وفي الحديث الصحيح: ﴿خير القرون قرني وخير الناس قرني﴾.
هم أمنةٌ للأمة فإذا ذهب قرنهم وانقرض جيلهم حلت بمن بعدهم الفتن، وظهرت البدع، وبرز الجور والفساد.
جاء في صحيح مسلم ﵀ عن أبي بردة عن أبيه قال: ﴿صلينا المغرب مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ثم قلنا: لو جلسنا حتى نصلي معه العشاء؟ قال: فجلسنا فخرج علينا، فقال: مازلتم ههنا؟ قلنا: يا رسول الله! صلينا معك المغرب، ثم قلنا: نجلس حتى نصلي معك العشاء، قال: أحسنتم أو أصبتم، قال: فرفع رأسه إلى السماء، وكان كثيراً ما يرفع رأسه إلى السماء، فقال: النجوم أمنةٌ للسماء فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنةٌ لأصحابي فإذا ذهبتُ أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون﴾.
ويقول عبد الله بن مسعود ﵁: [[إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمدٍ ﷺ خير قلوب العباد فاصطفاه لنفسه فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمدٍ ﷺ فوجد قلوب الصحابة خير قلوب العباد، فجعلهم الله وزراء نبيه يقاتلون على دينه]].
فهم أبر هذه الأمة قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، وأقومها هدياً، وأحسنها حالاً، قومٌ اختارهم الله تعالى لصحبة نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم في آثارهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم، شهدوا الوحي والتنزيل، وعرفوا التفسير والتأويل، اختارهم الله لنبيه أصحاباً، وجعلهم لنا قدوةً وأعلاماً، فحفظوا عن نبيهم ما بلغهم عن ربهم، وما سن وما شرع، وحكم وقضى وندب، وأمر ونهى وأدب، وعوه وأتقنوه، ففقهوا في دين الله وعلموا أمر الله ونهيه ومراده بمعاينة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وتلقيهم عنه، وفهمهم المباشر منه، فشرفهم بما منَّ عليهم وأكرمهم، إذ جعلهم موضع القدوة فنفى عنهم الشك والكذب، والغلط والريبة، وسماهم عدول الأمة وأوساطها بمقتضى قوله سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة:١٤٣]، فهم عدول الأمة وأئمة الهدى، وحجج الدين، ونقلة الكتاب والسنة، وحملة الشريعة، وقد ندب إلى التمسك بهديهم والسير على منهجهم وسلوك سبيلهم فقال سبحانه: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ [النساء:١١٥].
أيها المسلم -حفظك الله- اليهود يفاخرون بأصحاب موسى ﵇، ولا يرضون انتقاصهم أو الحط من قدرهم، والنصارى يفاخرون بأصحاب عيسى ﵇ حواريه، ولا يقبلون الغض من شأنهم وانتقاص منازلهم، وأنت يا تابع محمدٍ ﷺ أولى بالغيرة على أصحاب نبيك ومعرفة فضلهم وحفظ مكانتهم! بل إن ربنا جعلهم مثلاً لأهل الكتابين -التوراة والإنجيل- فهم خير الأمم: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ﴾ [آل عمران:١١٠] أمر نبيه بمشاورتهم لما علمه من صدقهم، وصحة إيمانهم، وخالص مودتهم، ووفور عقولهم، ونبالة رأيهم، وكمال نصحهم: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران:١٥٩] ﵃ وأرضاهم أجمعين.
إن كل خيرٍ فيه المسلمون إلى يوم القيامة من الإيمان والإسلام والقرآن والعلم ودخول الجنة والنجاة من النار وانتصار الدين وعلو كلمة الله فإنما هو ببركة ما فعله الصحابة الأكرمون، الذين بلغوا الدين وأحسنوا في الاتباع، وكل مؤمنٍ آمن بالله ولرسوله فللصحابة ﵃ فضلٌ عليه إلى يوم القيامة، فالقرآن حق، والنبي حق، والسنة حق، وإنما أدى إلينا ذلك كله أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
стр. 318
الصحابة متفاوتون في الفضل
أيها المسلمون: ومع هذا المقام الرفيع الذي قد بلغوه، والقدر العالي الذي حازوه، فإنهم متفاوتون في الفضل، متمايزون في الدرجات، بعضهم أرفع من بعض، ومنازل فئة منهم فوق منازل آخرين من الخلفاء الأربعة الراشدين، وبقية العشرة المبشرين، والسابقين الأولين، وأصحاب بدر، وأهل بيعة الرضوان: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد:١٠] هذا جانب.
стр. 319
لا ندعي عصمة الصحابة
وجانب آخر: فإنهم مع هذا المقام الرفيع الذي بلغه جميعهم، والقدر العالي الذي حازوه كلهم، فإنهم غير معصومين، فالخطأ عليهم جائز، والغلط منهم واقع، غير أن هذا بابٌ له ضوابط ومدخل له مزالق، فهم تجوز عليهم الذنوب في الجملة الصغائر منها والكبائر، ولكن لهم من السبق في الإسلام، والجهاد مع رسول الله ﷺ ، ونشر العلم، وتبليغ الدين، وطمس معالم الشرك وإذلال أهله، والذب عن حرمات الدين بنفوسٍ زكية وأرواحٍ طاهرة ما يكفر الله به عن سيئاتهم، ويرفع درجاتهم، فلقد رضي الله عنهم ورضوا عنه وعفا عنهم.
يقول الذهبي ﵀: فالقوم لهم سوابق وأعمال مكفرة لما وقع منهم، وجهاد محاء، وعبادة ممحصة، ولسنا ممن يغلو في أحدٍ منهم ولا يدعي فيهم العصمة، وما شجر بينهم نسكت عنه، وهم فيه مجتهدون إما مصيبون فلهم أجران وإما مخطئون فلهم أجرٌ واحد، والخطأ -بإذن الله وفضله- مغفور، والثناء عليهم من الله سابق، وما صدر عنهم من الخطأ والاجتهاد لاحق، محتمل التأويل، والمشكوك الموهوم لا يبطل المحقق المعلوم.
ويقول ابن معين ﵀: والإمساك عن ذكر الصحابة وذكر زللهم، ونشر محاسنهم ومناقبهم، وصرف أمورهم إلى أجمل الوجوه من أمارات المؤمنين المتبعين لهم بإحسان الذي مدحهم الله بقوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠].
وبعد: فهؤلاء هم صحب محمدٍ صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ فاحفظوا لهم حقهم وتقربوا إلى الله بحبهم، ورطبوا ألسنتكم بذكر محاسنهم: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْأِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ [الفتح:٢٩].
نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم وبهدي محمدٍ ﷺ ، وأقول هذا القول وأستغفر الله لكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 320
تحريم سب الصحابة
الحمد لله القديم في سلطانه، العظيم في إحسانه، أحمده سبحانه وأشكره على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله الداعي إلى رضوان الله وجنانه، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فإن من سمات أهل الحق والإنصاف، وعلامات أهل الأثر والاتباع، ومقاصد الراغبين في السنة، سلامة قلوبهم، وحفظ ألسنتهم للصحابة الأخيار، وحملة الشريعة الأبرار، والذب عن حرماتهم وأعراضهم من لمز الجراحين، وغمز العابثين، وألسنة الحاقدين، واعتقاد فضيلتهم، وصدق خبرهم، وعدالة مسلكهم، والترضي عنهم والترحم عليهم.
فاحذر -رحمك الله- أن تكون ممن يغمس لسانه في البهت؛ فيسلب العدالة من الصحب الأطهار، ويلغ في الحرمات، وإياك أن تكون ممن جد وشد وتكلف في جمع المساوئ والعثرات، وجرأ السفهاء والغوغاء على الوقيعة بهم، وقد قال رسول الله ﷺ في الحديث الصحيح المتفق عليه: ﴿لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه﴾.
وعن ابن عمر ﵄ قال: [[لا تسبوا أصحاب محمدٍ صلى الله عليه وعلى آله وصبحه وسلم، فلمقام أحدهم ساعة خيرٌ من عمل أحدكم عمره]] وسمع ابن عباس ﵄ رجلاً يثلب من الصحابة، فقال له ابن عباس ﵄: [[أمن المهاجرين الأولين أنت؟ قال: لا.
قال: أمن الأنصار أنت؟ قال: لا.
قال: فأنا أشهد بأنك لست من التابعين لهم بإحسان]]، وقال بعض السلف: لم يشغلك ذنبك، أما لو شغلك ذنبك لخفت ربك، لقد كان في ذنبك شغلٌ عن المسيئين، فكيف لم يشغلك عن المحسنين؟ أما لو كنت من المحسنين لما تناولت المسيئين، ولرجوت لهم أرحم الراحمين، ولكنك من المسيئين فمن ثم عِبت الشهداء والصالحين.
فاحفظ -حفظك الله- ثناء الله عليهم وعفوه عنهم ورضاه عليهم، ولا يكن في قلبك غلٌ على أحدٍ منهم، واستوص بهم خيراً، ففي سبيل ذلك تهون الأرواح، ولا تكن ممن يحترف الطعن وسوء الظن؛ فتتعب نفسك وتؤذي غيرك وتركض وراء السراب بشبهة أحاديث ضعيفة أو مكذوبة وقد تكون أخباراً لها محامل حميدة فتقلبها هفواتٍ ومثالب، وأعيذك بالله أن تقول: إن نبيك محمداً صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يصحبه أصحاب السوء، وقد علمت أن من انطوت سريرته على محبتهم وسلم صدره من الغل عليهم فقد فاز بالمدح المدلول عليه بقول الحق سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠].
ولينظمك الله في سلك من يكشف زوبعات المتعالين، وتبرئة الصحابة المتقين، ومناصرتهم من أقلام الحاقدين، وجهلة الأدباء والمؤرخين، وأهل الأهواء والمبتدعين، فمن خاض في هذه الميادين بجهلٍ أو هوى فَسَوَّد وحرَّف وقلب الحقائق، فأوغل الصدور بسوء الظن، وفرض احتمالاتٍ وخبط في تكهنات ليس لها أصل في الشرع، ولا مكانة في منصف العقل.
ألا فاتقوا الله جميعاً -رحمكم الله- واحفظوا إيمانكم وصونوا ألسنتكم، وأحبوا سلفكم، ثم صلوا وسلموا على الرحمة المهداة والنعمة المسداة نبيكم محمد رسول الله فقد أمركم بذلك ربكم فقال عز قائلاً عليماً: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].
اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وارض اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن بقية العشرة المبشرين، وعن أهل بدر والشجرة وعن جميع الصحب ﵃ أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وإحسانك وجودك يا أكرم الأكرمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، واحم حوزة الدين، واخذل الطغاة والملاحدة وسائر أعداء الدين، اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك المؤمنين، اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأيد بالحق إمامنا وولي أمرنا ووفقه لما تحب وترضى، وخذ بناصيته إلى البر والتقوى، وأصلح له بطانته، وأيده بالحق، وأيد الحق به، وأعز به دينك، وأعلِ به كلمتك، واجعله نصرة للإسلام والمسلمين، واجمع به كلمتهم على الحق يا رب العالمين، اللهم وفق ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك وبسنة نبيك محمدٍ ﷺ ، واجعلهم رحمة لرعاياهم، واجمع كلمتهم على الحق يا رب العالمين!
اللهم وأبرم لأمة الإسلام أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر إنك على كل شيء قدير.
اللهم انصر المجاهدين الذين يجاهدون في سبيلك لإعزاز دينك وإعلاء كلمتك، اللهم انصرهم في كل مكان، اللهم انصرهم في فلسطين وكشمير والشيشان وكل مكان يا رب العالمين!
اللهم سدد سهامهم وآراءهم، واكتب لهم النصر المؤزر.
اللهم واجعل الدائرة على أعدائهم.
اللهم فرِّق شمل أعدائهم، وشتت جمعهم، وأنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين.
رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ، وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ؛ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ.
فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
стр. 321
من أسس العمل الصالح
لقد امتن الله علينا بدين الإسلام، ويسره لنا وضاعف أجر العاملين، ولكن للعمل أسس وضوابط لا بد من اتصافه بها حتى يقبل عند الله، ويؤتي ثماره، وفي هذه المادة يذكر الشيخ ضوابط العمل الصالح وأسسه، وهي تهم كل مسلم.
стр. 322
الأعمال الصالحة ومنزلتها
الحمد لله الحليم الغفار، النافذ قضاؤه بما يجري من الأقدار، يدني ويبعد ويشقي ويسعد وربك يخلق ما يشاء ويختار، أحمده سبحانه وأشكره على جزيل إنعامه، وعطائه المدرار، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له يكور النهار على الليل ويكور الليل على النهار، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله البشير النذير والمصطفى المختار، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله الأبرار، وأصحابه الأخيار من المهاجرين والأنصار، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد:
فأوصيكم -أيها الناس- ونفسي بتقوى الله ، فاتقوا الله رحمكم الله، وارغبوا فيما عنده، ولا تغرنكم الحياة الدنيا فطالبها مكدود، والمتعلق بها متعبٌ مجهود، والزاهد فيها محمود، واستعيذوا بالله من هوىً مطاع، وعمرٍ مباع، ورحم الله عبداً أُعطي قوةً وعمل بها في طاعة الله، أو قَصُر به ضعفٌ فكف عن محارم الله.
أيها المسلمون! للمسلم في كل ساعةٍ من عمره وظيفة لربه عليه أن يقوم بها حسب الاستطاعة، وعلى قدر الطاقة: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦] ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] إنها وظائف ومطلوبات تستغرق الحياة كلها: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩] ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣].
ناهيكم أيها المسلمون! بما امتنَّ الله به على عباده من مواسم الفضل ونفحات الدهر في شهر رمضان كله، ثم في عشره الأخيرة، وفي عشر ذي الحجة، وفي يوم عرفة، ثم في الحج ومناسكه، في كل هذه المواسم والنفحات مزيد الفضل ومضاعفات الأجر، إن هذه الوظائف والمرغوبات تستدعي من المسلم الحصيف أن يتلمس الأعمال الصالحات ويتحراها في حقيقتها وأثرها وسعتها وثمارها.
أيها المسلمون حجاج بيت الله! الأعمال الصالحات منزلتها في الدين عظيمة ومرتبتها في الإسلام عالية، فهي قرين الإيمان في كتاب الله وأثره وثمرته وجزاؤه: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً﴾ [طه:١١٢] ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً﴾ [الكهف:١٠٧] ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٩٧] وكتاب الله العزيز وسنة محمدٍ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قد قضى في بيان حقيقة ذلك ومتطلباته، وأثره وثماره، وسعة دائرته، وعلامة صحته، وأسباب قبوله.
أيها الإخوة! إن الإيمان بالله ومعرفته وتوحيده، ومعرفة الحق وإخلاص العمل، ولزوم السنة، وأكل الحلال، والمداومة والقصد والتوسط، وإتباع السيئة الحسنة، والتوبة والاستغفار، والبكاء على الخطيئة؛ كل أولئك علائم ومنارات، وضوابط ومتطلبات لتحقيق العمل الصالح، فمن عرف الله ولم يعرف الحق لم ينتفع، ومن عرف الحق ولم يعرف الله لم ينتفع، ومن عرف الله وعرف الحق ولم يخلص العمل لم ينتفع، ومن عرف الله وعرف الحق وأخلص العمل ولم يكن على السنة لم ينتفع، وإن تم له ذلك ولم يأكل الحلال ويجتنب الحرام وأكب على الذنوب لم ينتفع.
стр. 323
شروط العمل الصالح
عباد الله! لا يرجو القبول إلا مؤمنٌ بربه وبآياته، عابد مخلص، وجه مشفق يستصغر عباداته، ويستغل طاعاته، مدركٌ لجلال الله وعظمته، وعلمه وإحاطته، رقيبٌ له في شعائره ومشاعره.
стр. 324
خلوه من الشرك
أيها المسلمون حجاج بيت الله! العمل الصالح لا بد أن يكون سليماً من الشرك كبيره وصغيره، دقيقه وجليله، خفيه وجليه ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [الكهف:١١٠] وفي الحديث الصحيح يقول الله : ﴿أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه﴾
стр. 325
المتابعة للنبي ﷺ
ولا بد في العمل الصالح: أن يكون سليماً من البدع ومحدثات الأمور، يقول ﵊: ﴿من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد﴾ وفي رواية: ﴿من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد﴾ ويقول: ﴿وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة﴾ فلا بد من لزوم متابعة المصطفى محمدٍ ﷺ ، فلا يعبد الله إلا بما شرع رسول الله ﷺ ، وفي التنزيل العزيز: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران:٣١] ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣] بالمتابعة يتحصن المسلم من البدع كلها، فخير الهدي هدي محمدٍ ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها.
стр. 326
الإخلاص فيه لله تعالى
والعمل الصالح أيها الإخوة المسلمون! لا بد فيه من الإخلاص، فإن من أشد المفسدات ومانعات القبول ومبعدات التوفيق عدم الإخلاص، والإشراك في النية والمقاصد، وفي الحديث: ﴿إياكم وشرك السرائر، يقوم رجل فيصلي فيزين صلاته جاهداً لما يرى من نظر رجل إليه فذلك شرك الصغائر﴾ رواه ابن خزيمة في صحيحه.
وإذا كان الرياء هو العمل لأجل الناس، فإن هناك نوعاً خطيراً ذلك هو العمل لأجل النفس وحظوظها، لا لأجل الله وابتغاء مرضاته والأمل فيما عنده، إن من عدم التوفيق أن يعمل العبد ليرضي نفسه ويبتغي حظوظ دنياه، يصوم ويتصدق ويتزهد ويتورع لما يرجو من الدنيا وغايتها.
الإخلاص حفظك الله: أن يستوي حال الظاهر والباطن، فإن المخلص يعمل عمله لله سواء رآه الناس أو لم يروه، وسواء كان له حظ من حظوظ الدنيا أو لم يكن، فليس له توجه إلا لله، وليس له طمعٌ إلا في جنة الله، وليس له غاية إلا في رضوان الله، وليس له هربٌ إلا من سخط الله، وليس له حذر إلا من عذاب الله، المخلص لن يزيد عمله لأجل حظوظ عاجلة ولا ينقص بنقصها، إن كان في الساقة كان في الساقة، وإن كان في الحراسة كان في الحراسة، إذا حضر لم يعرف وإذا غاب لم يثقل.
أيها المسلمون حجاج بيت الله! إن موضوع النيات ومعالجاتها موضوعٌ خطيرٌ ودقيق، هو أساس القبول والرد، وهو سبيل الفوز والخسران، يقول سفيان الثوري ﵀: ما عالجت شيئاً أشد من نيتي فإنها تنقلب عليَّ.
وعن يوسف بن أسباط: تخليص النية وفسادها أشد على العاملين من طول الاجتهاد.
وما أتي كثيرٌ من الناس إلا من ضياع نياتهم وضعف إخلاصهم.
الله الله في أنفسكم عباد الله، إن المطلوب في الأعمال الصالحة رعاية القلوب وإخلاصها؛ فبالإخلاص -بإذن الله- يورث القوة في الحق والصبر والمصابرة والمداومة، وبالإخلاص يتضاعف أجر العمل ويعظم وثوابه، بل الإخلاص يجعل المباحات طاعات وعبادات وقربات، ومن ثم تكون حياة العبد كلها لله ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣].
стр. 327
طيب المأكل والملبس
أيها الإخوة! ويقترن بالإخلاص تحري الطيبات، فالله طيب لا يقبل إلا طيباً، والطيب ما طيبه الشرع لا ما طيبه الذوق، والطيب توصف به الأعمال والأقوال والاعتقادات ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة:١٠٠].
ومن صفات نبينا محمدٍ ﷺ أنه يحل الطيبات ويحرم الخبائث، والمؤمن طيب كله؛ قلبه ولسانه وجسده، فقلبه طيب لما وقر فيه من الإيمان، ولسانه طيب لما يقوم به من الذكر، وجسده طيب لما تقوم به الجوارح من كل عملٍ صالح.
ومن أعظم ما يحصل به طيب العمل: طيب المطعم وحل المأكل، فالعمل الصالح لا يزكو إلا بأكل الحلال، وقد أمر الله به المؤمنين كما أمر به المرسلين، فقال آمراً رسله ﵈: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً﴾ [المؤمنون:٥١] وقال آمراً عباده المؤمنين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة:١٧٢].
يقول بعض السلف: لو قمت قيام السارية لم ينفعك شيء حتى تنظر ما يدخل في بطنك، ﴿وكل لحمٍ نبت من سحت فالنار أولى به﴾.
стр. 328
الاعتدال والمداومة على العمل
ولا تنس -رعاك الله- وأنت تتحرى الأعمال الصالحة المداومة عليها، ففي الخبر الصحيح من حديث عائشة ﵂ قالت: ﴿سئل رسول الله ﷺ : أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: أدومها وإن قل﴾ وقد كان عمله ﵊ ديمة.
يقول الإمام النووي ﵀: بدوام القليل تستمر بالذكر والمراقبة والإخلاص والإقبال على الله، فينمو القليل الدائم حتى يزيد على الكثير المنقطع أضعافاً كثيرة.
ويقول ابن الجوزي ﵀: مداوم الخير ملازم لخدمة مولاه، وليس من لازم الباب في وقتٍ ما كمن لا زم يوماً كاملاً ثم انقطع.
ويقترن بالمداومة تحري القصد، والاعتدال، والتوسط، ومراعاة الحقوق والواجبات، والموازنة بين المسئوليات ﴿فإن لنفسك عليك حقاً، ولزوجك عليك حقاً، ولزورك عليك حقاً، فأعط كل ذي حقٍ حقه﴾ فلا ينبغي للعبد أن يجتهد في جانب ليفرط في جوانب ﴿فسددوا وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة، والقصد القصد تبلغوا﴾ ﴿وإن الله لا يمل حتى تملوا﴾ ﴿واكلفوا من العمل ما تطيقون﴾.
أيها الإخوة! هذا هو العمل الصالح، وهذه هي مقتضياته ومتطلباته، ومع هذا فإن العبد محل التقصير، ومحط الخطايا، ﴿وكل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون﴾ الموقفون للعمل الصالح ذوو قلوبٍ مخلصة، وتوحيدٍ خالص، وهممٍ جادة، موفون بتكاليف الشرع، بعيدون عن الغفلة والأثرة، يسلكون مسالك الإيثار: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً﴾ [الإسراء:٥٧].
﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُون َ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون:٥٧ - ٦١].
نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبهدي محمدٍ ﷺ ، وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة؛ فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 329
المبادرة بالأعمال الصالحة قبل الفوات
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة مستيقنٍ بها في جنانه ومقرٍ بها بلسانه، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله المبلغ للوحيين سنته وقرآنه، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين.
أما بعد:
أيها الإخوة المسلمون! الغفلة رأس الخطايا، يقول الحسن ﵀: [[الحسنة نور في القلب وقوة في البدن، والسيئة ظلمة في القلب ووهن في البدن، وظلم المعصية يطفئ نور الطاعة]] فاجتهدوا رحمكم الله في المبادرة للخيرات، والمسارعة في الطاعات، والمسابقة إلى الصالحات ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة:١٠ - ١١] ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُون﴾ [المطففين:٢٦] ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات:٦١].
فاستبقوا الخيرات وفقكم الله، فإن الآفات تعرض، والموانع تمنع، والموت يأتي بغتة، والتسويف من مداخل الشيطان، والمبادرة أخلص للذمة، وأحزم في الأمر، وأبعد عن المطل، وأربى للرب، وأمحى للذنب، ولقد استوقف الصالحين قول الله : ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة:٢٧] فكان فيها خوف السلف، بكى عامر بن عبد الله حين حضرته الوفاة فقيل له: [[ما يبكيك وقد كنت وكنت؟ قال: إني أسمع الله يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [لمائدة:٢٧]]]، ويقول أبو الدرداء ﵁: [[لئن أستيقن أن الله قد تقبل مني صلاةً واحدة أحب إليَّ من الدنيا وما فيها، إن الله يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [لمائدة:٢٧]]].
ألا فاتقوا الله رحمكم الله واحذروا وحاسبوا.
كيف بمن عرف الله فلم يؤد حقه؟!
وكيف بمن يدعي محبة رسول الله ﷺ ولم يعمل بسنته؟!
وكيف بمن يقرأ القرآن ولم يعمل به؟!
تقلب في نعمة الله فلم يشكرها، لم يتخذ الشيطان عدواً، لم يعمل للجنة، ولم يهرب من النار، لم يستعد للموت، اشتغل بعيوب الناس وغفل عن عيوب نفسه، هذا وأمثاله في غمرة ساهون، تستدرجهم النعم ويطغيهم الغنى ويلهيهم الأمل ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ﴾ [المجادلة:١٩] ولسوف يندمون إن لم يتوبوا، ولات ساعة ندم.
ألا فاتقوا الله رحمكم الله! وجدوا واجتهدوا، وسددوا وقاربوا، والقصد القصد تبلغوا، ثم صلوا وسلموا على نبيكم محمدٍ رسول الله؛ فقد أمركم بذلك ربكم، فقال عز من قائل عليماً: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].
اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وارض اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين؛ الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن الصحابة أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وجودك وإحسانك يا أرحم الراحمين!
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، واحم حوزة الدين، واخذل الطغاة وأعداء الملة والدين.
اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم وأيد بالحق إمامنا وولي أمرنا ووفقه لما تحب وترضى، اللهم وأصلح له بطانته وأيده بالحق، وأيد الحق به، وأعلِ به كلمة الدين، واجعله نصرة لعبادك المؤمنين، واجمع به كلمة المسلمين على الحق يا رب العالمين!
اللهم وفق ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك وبسنة نبيك محمدٍ ﷺ ، واجعلهم رحمة لعبادك المؤمنين، واجمع كلمتهم على الحق والهدى يا رب العالمين!
اللهم وأبرم لأمة الإسلام أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر، إنك على كل شيء قدير.
اللهم انصر المجاهدين الذين يجاهدون في سبيلك لإعزاز دينك وإعلاء كلمتك، اللهم انصرهم في فلسطين وفي كشمير وفي كل مكان يا رب العالمين!
اللهم سدد سهامهم وآراءهم، واجمع كلمتهم على الحق، وكن لهم، اللهم أيدهم وسددهم، اللهم واجعل الذلة على أعدائهم، وأنزل بهم بأسك الذي لا يرد على القوم المجرمين.
سبحانك ربنا، عزَّ جاهك وجل ثناؤك وتقدست أسماؤك، سبحانك وبحمدك لا يهزم جندك ولا يخلف وعدك، اللهم إن هؤلاء اليهود المحتلين الغاصبين قد طغوا وبغوا، وآذوا وأفسدوا، وقتلوا وشردوا، وأحرقوا ودمروا، اللهم إنا نجعلك في نحورهم ونعوذ بك من شرورهم، اللهم فرق جمعهم، وشتت شملهم، واجعل بأسهم بينهم، اللهم اهزمهم وزلزلهم واجعل الدائرة عليهم، اللهم انصر إخواننا في فلسطين عليهم يا قوي يا عزيز!
اللهم من أرادنا وأراد المسلمين بسوء فأشغله في نفسه واجعل كيده في نحره واجعل تدبيره تدميره يا رب العالمين!
اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، اللهم ارفع عنهم الغلاء والوباء والربا والزنا والزلازل والمحن وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن عن بلادنا هذا وعن سائر بلاد المسلمين يا رب العالمين!
رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ، وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ؛ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ.
فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
стр. 330
ولا تتداووا بحرام
بين المادية البحتة والشعوذة والدجل تتوسط الحقيقة التي يدركها من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
ويختلف الناس في تعاملهم مع الشيطان وشره ووسواسه، ولكن من تمسك بالسنة فقد نجا بإذن الله.
وفي هذه المادة بيان لذلك ولما ينبغي أن يكون عليه الإنسان من إيمان بالمادة وإيمان بالغيب وبيان لأهمية الاعتصام بالله والتوكل عليه.
стр. 331
صلاح الأجساد وصلاح الاعتقاد
الحمد لله أهل الحمد والثناء، يضل بعدله ويهدي بفضله، من اهتدى من عباده فلنفسه سعى، ومن عذاب الله نجا، ومن أعرض وأبى فعلى نفسه جنى، وإن الجحيم هي المأوى.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الحمد في الآخرة والأولى، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، أنقذ به من الضلالة، وهدى به من العمى، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أئمة الهدى، ومصابيح الدجى، والتابعين ومن تبعهم بإحسان وعلى طريقهم اقتفى.
أما بعد:
فيا أيها الناس: اتقوا الله ربكم؛ فهو سبحانه أحق أن يُطاع فلا يُعصَى، ويذكر فلا يُنسَى، ويُشكَر فلا يُكفَر.
أيها المسلمون: ربنا الذي في السماء تقدس اسمه لا إله غيره، من اعتصم به هُدِي إلى صراطٍ مستقيم، ومن استعان به واستعاذ أوى إلى ركنٍ شديد، نَزَّل من القرآن ما هو شفاءٌ ورحمةٌ للمؤمنين، أعظم ما تتعلق به القلوب رجاؤه، وأعذب ما تلهج به الألسن ذكره ودعاؤه، سبحانه وتقدس وتبارك، لا شفاء إلا شفاؤه، خلق الأجساد وعللها، والأرواح وأسقامها، والقلوب وأدواءها، والصدور ووسواسها.
стр. 332
ضياع الحق بين طرفي نقيض
أيها الإخوة: صلاح الجسد مرتبط بصحة المعتقد، بل متى يصلح الجسد إذا لم يصلح المعتقد؟!
حين يضعف وازع الإيمان، ويختل ميزان الاعتقاد، تختلط الحقائق بالخرافة، وتنتشر الخزعبلات والأوهام، ويفشو الدجل والشعوذة، ويضيع الحق بين فريقَين:
ضُلاَّلٌ ماديون: ينكرون الغيب وعالمه، ويكفرون بما جاء به رسل الله من الحق، وكل ما عدا المادة فهو عندهم أساطير الأولين؛ أوهام ومعتقدات من معتقدات المجتمعات البدائية؛ أساطير تخطاها الإنسان المتحضر، الإيمان بالغيب عندهم رِدَّةٌ حضارية إلى عصور الظلام.
يقابلهم فريقٌ آخر: عشعشت الخرافات في رءوسهم، وامتلأت بالخزعبلات صدورُهم، تعلقت قلوبهم بالسحر والكهانة، وارتبطت بصائرهم بالتنجيم والعِرافة، والضرب بالكف والرمل، والنظر في الوَدَع والخرز، والاستسقاء بالأنواء.
وكلا الفريقين قد سلك مسالك الجاهلية.
أما الأولون: فجاهليتهم الإعراض عن العلم المتنزل على رسل الله، ورفض ما جاء به المرسلون، وقبول ما جاء عن الفلاسفة والملاحدة والزنادقة، قد قال الله عنهم وعن أمثالهم: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [غافر:٨٣].
وأما الآخَرون: فاعتمدوا التقاليد الفاسدة، وبنوا حياتهم على الظنون والتخرصات، وتعلقوا بأهل الكهانة والسحر والتنجيم، فهم في لون آخر من الجاهلية الجهلاء: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور:٤٠].
стр. 333
وسوسة الشيطان
أيها المسلمون: إن الإنسان جسدٌ وروح؛ فكما يتأثر بالمادة وأسبابها؛ من طعامٍ وشراب، وحَرٍّ وقَرٍّ، وغذاءٍ ودواء، فإنه يتأثر بالمؤثرات الروحية بإذن الله.
فالشيطان وجنوده جعل الله لهم تسلطاً على بني آدم: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُوراً﴾ [الإسراء:٦٤]، ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف:١٧].
وأخبرنا نبيكم محمد ﷺ أنه: ﴿ما من أحدٍ من بني آدم إلا قد وُكِّل به قرينه من الجن، قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: وإياي؛ إلا أن الله أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير﴾ أخرجه مسلم.
وفي خبر عند مسلم أيضاً: ﴿إن الشيطان يحضر أحدكم عند كل شيء من شأنه﴾.
بل إن هذا التأثير -أيها الإخوة- منه ما هو وسوسة وإيحاء، ومنه ما هو محسوس وملموس.
وتظهر الوسوسات والإيحاءات في صورٍ وأحوال من الدوافع والانفعالات؛ ففي هاجس الفقر، وحب المال، ومسالك الفحشاء: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة:٢٦٨].
وفي حب الأولاد والعواطف: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ﴾ [الإسراء:٦٤] ﴿النظرة سهم من سهام إبليس﴾.
وفي انفعالات الغضب يتغلغل الشيطان ليخرج المرء عن طوره المعتدل، فيسب ويشتم ويقطع الرحم ويطلِّق، وفي الحديث: ﴿إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم﴾ متفق عليه.
حتى انفعالات الغيرة النسائية -أيتها الأخوات المسلمات- للشيطان فيها نصيب، فحينما افتقدت عائشة ﵂ حبيبها محمداً ﷺ ذات ليلة أدركتها الغيرة، فقال ﵊ لها: ﴿أوقد جاءك شيطانك؟! فقالت: أوَمعي شيطان؟! قال: نعم، قالت: ومع كل إنسان؟ قال: نعم﴾ رواه مسلم.
بل إن الشيطان قد يبث المخاوف في النفس ويهز القلوب بالقلق والحزن: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٧٥]، ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئاً إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المجادلة:١٠].
ويترقى ذلك إلى بث النزعات العدوانية: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ [الإسراء:٥٣].
وفي الخبر عند الشيخين: ﴿إن الشيطان يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن لم ييئس من التحريش بينهم﴾.
стр. 334
تأثير الشيطان المحسوس
أما التأثير المحسوس والملموس فقد أخبر ﵊ أن: ﴿أن كل بني آدم يطعن الشيطان في جنبه بإصبعه حين يولد﴾ رواه البخاري.
وقال أيضاً: ﴿إن عدو الله إبليس جاء بشهابٍ من نار ليجعله في وجهي﴾ أخرجه مسلم.
стр. 335
الوقاية والعلاج من أمراض الأرواح والأجسام
وهذه الآثار أيها الأحبة معنويُّها وحسيُّها لها وقايتها وعلاجها، إذا رزق العبد إرادة قوية مؤمنة متعلقة بربها واثقة به: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل:٩٩ - ١٠٠].
﴿جيء إلى النبي ﷺ بصبيٍ به مَسٌ من الشيطان، فنفث ﵊ في فيه ثلاثاً وقال: بسم الله، أنا عبد الله، اخسأ عدوا الله﴾ رواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي.
واشتكى ابن أبي العاص إلى النبي ﷺ شيئاً يأتيه يصرفه عن صلاته، فقال ﷺ : ﴿ذاك شيطان، ثم ضرب على صدر ابن أبي العاص وقال: خذ عدو الله ثلاثا﴾ رواه ابن ماجة بسند صحيح.
وقال ﷺ : ﴿إذا تثاءب أحدُكم فليمسك بيده على فيه؛ فإن الشيطان يدخل﴾، وقال: ﴿إذا استيقظ أحدكم من منامه فليستنثر ثلاثاً فإن الشيطان يبيت على خيشومه﴾.
стр. 336
اختلاف الناس في ضعف النفوس وقوتها
إذا كان الأمر كذلك أيها المسلمون، فلتعلموا أن الناس تختلف في ضعف نفوسها، وقوة إرادتها، وصدق يقينها، وتعلقها بربها، وقوة تأثير الوساوس عليها.
فأهل الإيمان والتقوى: ﴿إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف:٢٠١] تذكروا ورجعوا إلى ربهم موقنين أنه النافع الضار، الحكيم المدبر، ﴿فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف:٢٠١]، ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾ [يونس:٩] فيعتدل حالهم، ويستقيم مزاجهم، اتقوا ربهم فجعل لهم نوراً يمشون به، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً﴾ [الطلاق:٢ - ٣] إنهم مؤمنون غير متذبذبين، متزنون غير مترددين، إيمان راسخ، ومعتقد ثابت، لا تقعدهم الضغوط، ولا تستفزهم الأوهام، شيطانهم في وسواسه خناس، نفوس طيبة، بذكر الله مطمئنة، ترضى بربها، وتؤمن بما جاء من عنده، متطهرة من الغل، صادقة في التعامل.
وثمة نفوس -أيها الإخوة- ذات تردد وتعجل، وقلة صبر وقلق، متسرعة في مواقفها، متقلبة في انفعالاتها، تتعرض للمزعجات النفسية، والمقلقات الداخلية، يتلبسها الخوف والاضطراب، والعدوان والغضب، ضعيفة الإبصار، مهتزة الجنان، ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ [الأعراف:٢٠٢] سرعان ما ينساقون وراء الأوهام، بل ينجرون إلى ألوان من الانحرافات والمعاصي، فيكثر وسواسهم، ويعظم بغير الله تعلقهم، ويشتد بالخزعبلات اهتمامهم: فيما يسمعون، وفيما يرون، وفيما يعطون.
стр. 337
بعض الحقائق في العلاج الشرعي
أيها الأحبة: إن عقيدة المسلم في كتاب الله واضحة، وفي سنة رسول الله ﷺ بينة، القرآن لهذه الأدواء هو الشفاء، ولكنه لأهل الإيمان خاصة: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء:٨٢]، ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ﴾ [فصلت:٤٤].
علاج أدوائكم في قرآنكم وفي سنة نبيكم محمدٍ ﷺ ، وطلب العلاج مشروع، والأخذ بالأسباب المباحة مطلوب، فقد قال رسول الله ﷺ : ﴿لكل داءٍ دواء، فإذا أصاب الدواء الداء برئ بإذن الله﴾ وقال أيضاً: ﴿ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاءً﴾ هذا لفظ البخاري وزاد أحمد: ﴿عَلِمَه مَن عَلِمَه، وجَهِلَه مَن جَهِلَه﴾.
وهذا الدواء لا يكون ولن يكون فيما حرم الله ورسوله: ﴿فتداووا -عباد الله- ولا تتداووا بحرام﴾ و ﴿ليس منا مَن تَطَيَّر أو تُطِيِّر له، أو تَكَهَّن أو تُكُهِّن له، أو سَحَر أو سُحِر له﴾ و ﴿من أتى كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ ﴾.
وحصول البرء والشفاء بيد الله وإذنه، فلا يأْس من روح الله، ولا استبعاد لفرج الله: ﴿عجباً لأمر المؤمن! إن أمره كله له خير، إن أصابته سراء شكر؛ فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر؛ فكان خيراً له، ولا يكون ذلك إلا للمؤمن﴾.
هذه هي العقيدة وهذا هو المنهج؛ ولكن أين العقيدة من أناس خفافيش القلوب، ضعاف النفوس، تعلقوا بالدجالين، ولحقوا بركاب المشعوذين وضلوا في متاهات الكذب والكهانة؟! فسادُ معتقد، وضياعُ مال، ودوامُ مرض.
إنكم تعلمون -والمرضى يعلمون- أنهم قلما يجدون عند هؤلاء الدجالين شفاءً ونفعاً، قد يجدون عندهم راحة نفسية لفترة قصيرة، ثم لا يلبثون أن ينتكسوا إلى حالٍ أشد، فلا شُفِي لهم مريض، ولا ارتفعت عنهم حيرة، أضاع نفسه وخسر ماله، وهل سلم له دينه يا ترى؟!
غرقوا في دجل، وشعوذات، وعُقَدٍ، وهمهمات، وعزائم، وطلاسم، وتلطخ بالنجاسات في المقابر والخَرِبات وبيوت الخلاء؛ يعقدون الخيوط، وينفثون العقد، ويوقدون المباخر، نعوذ بالله من شر النفاثات في العقد.
وكثيرٌ من هؤلاء المعالجين ذوو قلة في الديانة، وخبثٍ في النفس، وشر في العمل، وفتنة للذين في قلوبهم مرض، ناهيك عما يظهر عليهم من مخالفات في الدين بينة؛ تكاسلٌ عن الصلاة، وخلل في السلوك، وجُرأة على المحرمات، وأكلٌ لأموال الناس بالباطل، وخلوات بالأجنبيات؛ بل قد يباشر ما لا يحل له من نظرٍ ومس وجس.
إن ضررَ هؤلاء يتعاظم، وخطبَهم يشتد؛ فحق على أهل العلم والإيمان أن يشتد نكيرهم: [[إن الله لَيَزَعُ بالسلطان ما لا يَزَعُ بالقرآن]].
فعلى ولاة أمور المسلمين أن يخلِّصوا هؤلاء الضعاف العامة من أشباه الرجال والنساء والصبيان، عليهم أن يخلصوهم من براثن الأفَّاكين الأكَّالين لأموال الناس بالباطل، عبدة الدرهم والدينار، الذين ينازعون الله رب العالمين ما اختص به من الربوبية وعلم الغيب؛ ويجب أن يُنْقَض ذلك ويُنَظَّم بضوابط الشرع وما ينفع الناس.
ولقد حمد كل صاحب سنة ودين ما قام به ولاة أمور هذه البلاد -وفقهم الله- من متابعة لهؤلاء المشعوذين والدجالين وإنزال العقاب الرادع بهم بما يقضي به الشرع المطهر.
سدد الله الخطا، وبارك في الجهود، وزادهم إحساناً وتوفيقاً، وحفظ الله على أمة الإسلام دينها وحسن معتقدها، وأصلح بالها؛ إنه سميع مجيب.
أقول هذا القول، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 338
فضل التعلق بالله والاعتصام به
الحمد لله؛ كفى وشفى.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله النبي المصطفى، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أهل البر والوفا، والتابعين ومن تبعهم بإحسان وسار على هديهم واقتفى.
أما بعد:
فيا أيها الناس: ﴿مَن تعلق شيئاً وُكِل إليه﴾.
مَن تعلق بربه ومولاه ربِّ كل شيء ومليكِه، كفاه ووقاه، وحفظه وتولاه؛ فهو نعم المولى ونعم النصير.
ومَن تعلق بالكهنة والسحرة والشياطين والمشعوذين وغيرهم من أفَّاكي المخلوقين، وَكَلَه الله إلى مَن تعلق به؛ والتعلق يكون بالقلب وبالفعل، ويكون بهما جميعاً.
فالمتعلقون بربهم، المنزلون به حوائجهم، المفوِّضون إليه أمورهم، يكفيهم ويحميهم؛ يقرِّب لهم البعيد، وييسر لهم العسير.
ومَن تعلق بغير ربه وسَكَن إلى رأيه وعقله، واعتمد على دوائه وتمائمه، وَكَلَه ربه إلى ما تعلق به وخَذَلَه.
يقول عطاء الخراساني: [[لقيت وهب بن منبه وهو يطوف بالبيت، فقلت: حدثني حديثاً أحفظه عنك في مقامي هذا وأوجز، قال: نعم، أوحى الله ﵎ إلى نبيه داوُد ﵇: يا داوُد! أما وعزتي وعظمتي لا يعتصم بي عبدٌ من عبادي دون خلقي، أعرف ذلك من نيته، فتكيده السماوات السبع ومن فيهن، والأراضون السبع ومن فيهن، إلا جعلتُ له من بينهن مخرجاً، أما وعزتي وعظمتي لا يعتصم عبدٌ من عبادي بمخلوقٍ دوني، أعرف ذلك من نيته، إلا قطعتُ أسباب السماء من يده، وأسخت الأرض من تحت قدمه، ثم لا أبالي بأي أوديتها هلك]].
ألا فاتقوا الله رحمكم الله، وأحسنوا الظن بربكم، وأحسنوا العمل؛ فربكم سبحانه رب الأرباب، ومسبب الأسباب، و ﴿تداووا ولا تتداووا بالحرام﴾.
هذا وصلوا وسلموا على المبعوث رحمةً للعالمين، فقد أمركم بذلك ربكم، فقال عز من قائل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].
اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين.
وارضَ اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وجودك يا أكرم الأكرمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، واحمِ حوزة الدين، ودمر الطغاة والملحدين.
اللهم وانصر عبادك المؤمنين.
اللهم وانصر دينك، وكتابك، وسنة نبيك محمدٍ ﷺ ، وعبادك الصالحين.
اللهم آمِنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا في من خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين!
اللهم وأيد بالحق إمامنا وولي أمرنا، ووفقه لما تحب وترضى، وارزقه البطانة الصالحة.
اللهم وأعز به دينك، وأعلِ به كلمتك، واجمع به كلمة المسلمين على الحق يا رب العالمين!
اللهم وفق ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك وبسنة نبيك محمدٍ ﷺ ، واجعلهم رحمة لرعاياهم، واجمعهم على الحق يا رب العالمين!
اللهم وأبرم لأمة الإسلام أمر رشد؛ يُعَزُّ فيه أهل طاعتك، ويُذَلُّ فيه أهل معصيتك، ويُؤْمَر فيه بالمعروف، ويُنْهَى فيه عن المنكر؛ إنك على كل شيء قدير.
اللهم انصر المجاهدين الذين يجاهدون في سبيلك لإعلاء كلمتك وإعزاز دينك.
اللهم انصرهم في فلسطين، والشيشان، وفي كشمير، والبوسنة، وفي كل مكانٍ يا رب العالمين!
اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا والزلازل والمحن وسوء الفتن، ما ظهر منها وما بطن، عن بلدنا هذا وعن سائر بلاد المسلمين يا رب العالمين.
رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ، وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى، وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ؛ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ.
فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.
стр. 339
رؤية الهلال
لقد كان لديننا من حساب الزمن موقف واضح، إذ ربط كثيراً من أحكامه وشرائعه بالهلال والأشهر الهلالية، مما يبين أهمية الزمن وأهمية استغلاله في الطاعات والقربات.
стр. 340
الحث على استغلال الأعمار قبل الندم
الحمد لله أوجد الكائنات بقدرته، وفاوت بينها بحكمته، أحاط بها علماً، ووسعها حكماً، أحمده سبحانه وأشكره، عمَّنا فضلاًَ وإنعاماً، وأولانا عقولاً وأفهاماً.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جلَّ عن الشريك والنظير، وتنزه عن الوزير والظهير، وكل الخلق إليه فقير، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، الرسول الأمين، ورحمة الله للعالمين أجمعين، اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه وذريته، ومن اقتفى أثره، وسار على طريقه وسنته، وسلَّم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فأوصيكم -أيها الناس- ونفسي بتقوى الله، فاتقوا الله رحمكم الله، فالأيام قلائل، والأهواء قواتل، فليعتبر الأواخر بالأوائل.
مَن كان الموت طالبه، كيف يلذ له قرار؟!
ومَن كان رحيله إلى الآخرة فليست له الدنيا بدار!
بنو آدم فرائس الأحداث، وغرائس الأجداد، لقد صدق الزمان في تصريفه وما كذب، وأرى الناس في تقلباته العجب.
فبادروا -رحمكم الله- أيامكم قبل هجوم الفاقرة، واستعدوا للقدوم إلى الآخرة: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ * فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات:١٣ - ١٤].
стр. 341
مسيرة الزمن
أيها المسلمون: الوقت هو ظرف الزمان الذي يعيش فيه الأحياء، وتسير فيه الحياة من المولد حتى الممات في كل لحظة من لحظات هذا الزمن تخلع الموجودات قديمها، وفي كل آن من آنائه تلبس جديداً: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [النور:٤٤].
الزمن يسير في اتجاه واحد لا يتوقف، الذاهب منه لا يُرد، والقادم منه لا يُوقف ولا يُدفع، والإنسان هو المخلوق من بين المخلوقات الذي يشعر بالزمن، ويدرك حركته، ويبصر آثاره، ويلحظ مسيره.
والناس في مدرسة الزمن بين غافل لا يرى للحياة لوناً، ولا يذوق لها طعماً، لا يختلف أمسه عن يومه، ولا يومه عن غده، وآخر حي يقظ، يشهد آثار الزمن في نفسه، وفي كل مظهر من مظاهر الحياة والأحياء: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُنِيراً * وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً﴾ [الفرقان:٦١ - ٦٢].
القلوب اليقظة تتجدد فيها الحياة كلما دارت الأفلاك، وتتوثب فيها المنافسة كلما سارت الكواكب.
معاشر المسلمين: يقول الله: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن:٥] يجريان بدقة بالغة، ويسيران بانتظام مستمر، وقد هدى الله الإنسان لإدراك مسيرهما، لينظم أوقاته، ويعرف اتجاهاته، فعرف الأفلاك في دورانها، والنجوم في سيرها ومنازلها، وتقلب الأيام في فصولها، صيفها وشتائها، وخريفها وربيعها: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً﴾ [الإسراء:١٢].
في تعاقب الشهور والأهلة مشهد الفناء على رءوس الأحياء، تمضي الأيام، وتمضي معها أشطار العمر وأجزاؤه في تقلب الزمن، وتجدد الأيام، ذكرى للقلب، وموعظة للنفس، ومزدجر للبشر.
стр. 342
موقف الإسلام من الزمن
أيها المسلمون: لقد كان لديننا من حساب الزمن موقف واضح؛ إذ ربط ذلك بالهلال والأشهر الهلالية، فربط به حسابها، وتقدير أوقاتها في أمور الدين والدنيا والتشريع: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [يونس:٥].
لقد قدر الله بمنه ولطفه القمر منازل، وجعل له أحوالاًَ من الإهلال والإبدار؛ لنعلم عدد السنين والحساب، فجاءت كثير من الأحكام والتشريعات مرتبطة بالأوقات:
قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً﴾ [النساء:١٠٣].
- ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥].
- ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة:١٨٩].
- ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام:١٤١].
- ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً﴾ [الأحقاف:١٥].
- ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق:٤].
عبادات وأحكام موقوتة بمواقيت محدودة، مرتبطة بالزمن، وموقظة للشعور بالمحاسبة مع طلوع كل هلال تتجدد المشاعر، وتتجاوب النفوس مع مواقيت الأهلة، ودورات الزمن كلما أطل هلال سرت في نفوس المتعبدين المتفكرين تأملات تبعث على تجديد الصلة بالله، وقوة دفّاقة تقود إلى سلوك أقوم، ربي وربك الله يا هلال، هلال رشد وخير.
معاشر الإخوة: إن ارتباط حساب الزمن بالأهلة تيسيراً على العباد، فقد أقيم لأوقات العبادات علامات واضحة، لا يختص بمعرفتها فئة دون فئة، بل يشترك في إدراكها والعلم بها العامة والخاصة.
فلم ترتبط بوسائل غامضة، ولا بحسابات دقيقة، بل أنيطت بأمور محسوسة، وعلامات مشاهَدة، وكواكب سيارة يعرفها المتعلم والأمي، والحاضر والبادي، ويهتدي بطلوعها وغروبها المكلفون أجمعون، من رؤية، وطلوع، وغروب، وظل، وزوال.
стр. 343
طريقة الشارع في تعليق الأحكام الشرعية على الأهلة
لقد أنيط ضبط كثير من الأمور الموقوتة المتعلقة بالعبادات والمعاملات بما تدركه فهومهم من مكلفين، وما جرت عليه عاداتهم، ولم يكلفوا في شئونهم العامة قوانين دقيقة، ولا مقاييس لا يدركها إلا مختصون، أو قلة من المختصين، والسر في ذلك أن الضبط بالمواقيت مقياس تحضر الأمم؛ ولكن مزيد التدقيق في التوقيت تضييق وحرج، فإذا ما دققت وسائل التوقيتات ضاق الحال على المكلفين.
من أجل هذا -أيها المسلمون- كان مدار الأحكام والتعاملات على أمور ميسرة يعرفها العامة والخاصة، وبناءً على ذلك فقد علق الشارع الأحكام المرتبطة بالأشهر على الأهلة، بإحدى طريقتين:
- إما رؤية الهلال.
- وإما إكمال العدة ثلاثين.
وهما طريقتان ميسرتان، يعرفهما عموم الخلق فهو ربط بأمر محسوس يستوي في إدراكه جميع البشر.
عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ﴿إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غُمَّ عليكم فاقدروا له﴾ أخرجاه في الصحيحين.
وعن عبد الله بن عباس ﵄ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ﴿لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غُمَّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين﴾ رواه مالك وأبو داود والترمذي والنسائي.
والشهر الهلالي يكون تارة ثلاثين يوماً، وتارة تسعةً وعشرين يوماً، ففي الحديث الصحيح: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿الشهر يكون تسعاً وعشرين، ويكون ثلاثين، فإذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غُمَّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين﴾ أخرجه الشيخان وغيرهما.
وأصح المعلومات ما شوهد بالبصر، وسُمي الهلال هلالاًَ لظهوره وبيانه، والحكم مبني على رؤية الهلال بالبصر، لا على ولادته ولا على وجوده في السماء، فإن لَمْ يُرَ بالبصر أكمل الناس عدة الشهر ثلاثين يوماً، ففي الحديث الصحيح: ﴿فإن حال دونه غمامة فأتموا العدة ثلاثين﴾ وهو توجيه جلي؛ لأن الهلال إذا لَمْ يُرَ بسبب حائل من غمام أو غبار فإن المطلوب إكمال ثلاثين يوماً، ولا يتكلف المسلمون أكثر من ذلك.
والرؤية شيء حسي عملي، وليست فكراً ولا حساباً، يقول الإمام ابن القيم ﵀: وكان من هديه ﷺ ألا يدخل في صوم إلا برؤية محققة أو بشهادة شاهد واحد، فإن لم يكن رؤية ولا شهادة أكمل عدة شعبان ثلاثين يوماً.
وقد تواترت الأحاديث بالأمر بصيام رمضان إذا رئي هلال رمضان، والفطر إذا رئي هلال شوال، وإتمام العدة ثلاثين إذا لَمْ يُرَ الهلال، فالحكم متعلق برؤية.
على أن من المعلوم المتقرر لدى أهل العلم خاصة، ولدى أهل الإسلام عامة أن النص الصحيح لا يعارض العقل الصريح، وأن حقائق الدين لا تتعارض مع الثابت من حقائق العلم، حتى قال الإمام الشاطبي ﵀: "كل معنى لا يستقيم مع الأصول الشرعية أو القواعد العقلية القطعية لا يعتمد عليه".
كما أن الشهادة إذا اقترن بها ما يكذبها من المنافاة لبداهة العقل أو حقائق العلم فإنها تُرَد.
ومع وضوح هذا وجلائه؛ لكن يجب أن يُعْلَم ويتقرر أن الحكم بأن هذا مصادم للعقل أو معارض للمقطوع به من الحقائق أمر دقيق، ولا يُقبل من كل أحد، ولا سيما بعض العقلانيين الذين يسارعون إلى مثل هذه الأحكام، فلا يؤخذ منهم في مثل هذا رأي أو قول، بل لا يقبل هذا إلا من أهل علم وبصيرة، من الذين جمع الله لهم بين العلم الراسخ، والفقه العميق، والعقل الراجح مع الورع والتقوى، وحسن التدين.
وبعد أيها المسلمون: ففي حسابنا أهل الإسلام، وفي تقويمنا الهلالي لا يكاد شهر رجب يقبل ومن ورائه شهر شعبان حتى يتنسم المسلمون عبق شهر القرآن الكريم، ولا يكاد يطل على الناس هلاله حتى يغمر حياة أهل الإيمان نور الخشية والذكر الجميل.
هلال رمضان طلعة الوليد، وبشير الخير، ومشرق أنوار القرآن، وشذا نفحات الجنان، وواحة الاسترواح في صحراء الضعف والتقصير، وراح الأرواح بالصلاة والصيام والقيام والقرآن والذكر الحكيم.
من أجل هذا تربى المسلم أن يقول إذا رأى الهلال: ﴿هلال رشد وخير، هلال رشد وخير، هلال رشد وخير، آمنت بالذي خلقك، الحمد لله الذي ذهب بشهر كذا وجاء بشهر كذا، ربي وربك الله، اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام﴾.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ * وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس:٣٧ - ٤٠].
نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبهدي محمد ﷺ .
وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 344
اختلاف مطالع الأهلة بين البلدان والأقاليم
الحمد لله، الحمد لله بنى السماء فأحكم ما بنى، أحمده سبحانه وأشكره أجزل العطاء لمن كان محسناً، وغفر الذنب لمن أساء وجنى.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، مسراً ومعلناً، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، دعا إلى الله فما ضعف وما وَنَى، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه أهل العز والسنا، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
إن اختلاف مطالع الأهلة بين البلدان والأقاليم أمر متقرر عند أهل الشأن، ولكن أهل العلم ﵏ اختلفوا إذا رئي الهلال في بلد أو إقليم فهل يلزم جميع البلدان الصيام؟
فذهب جمهور أهل العلم إلى أن لكل قوم رؤيتهم.
وذهبت طوائف من أهل العلم إلى القول بلزوم الصوم على الجميع.
والأمر في هذه المسألة واسع، والاجتهاد فيها فسيح، غير أنه لا ينبغي التهويل ولا الإرجاف في أن اختلاف الأقطار الإسلامية في يومي الصوم والإفطار مدعاة للتفكك والنزاع.
فالدعوة إلى وحدة المسلمين واتحادهم أمر غير مختلف عليه، بل هو من أعظم المطالب الشرعية، وينبغي على أهل العلم والدين والفقه والرأي تكريس الجهد وتكثيف العمل من أجل هذه الوحدة العظيمة؛ ولكن اختلاف المسلمين في يوم صومهم ويوم فطرهم، لا أثر له في هذا المطلب السامي؛ لأن المسلمين كانوا متحدين مع اختلافهم في وقت دخول الشهر وخروجه، فهذا عبد الله بن عباس ﵄ في مدينة رسول الله ﷺ لم يوافق معاوية ﵁ في الشام في يوم الدخول، ولا في يوم الخروج، ولم تتفرق القلوب، ولم يتشتت شمل الأمة الموحدة.
والوحدة الإسلامية لا تتم بارتجالية الفكر، ولا بعاطفة الشعور، إن من الجميل والأولى الاشتغال بما يجمع الكلمة من الحكم بشرع الله، ورسم طريق الإصلاح، وسلامة القلوب، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وتربية أبناء المسلمين على منهج الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة.
وهناك -أيها المسلمون- أمر آخر مرتبط بهذه المسألة، ذلكم أن أعياد المسلمين ليست مهرجانات لمظاهر الأفراح، ولكنها إلى جانب ذلك هي أعياد يُراعى فيها الانقياد والطاعة، فهي فرحة وعبادة، يؤديها المسلمون ويمارسونها طاعة لله: ﴿لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة:١٨٥] لا حسب الأهواء والرغبات والمصالح، فالتوجيه الشرعي صريح: ﴿لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروا الهلال، فإن غُمَّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين﴾.
ألا فاتقوا الله رحمكم الله، واستقيموا على الطاعات، وتأملوا في حكم التشريع.
ثم صلوا وسلموا على البشير النذير، والسراج المنير، نبيكم محمد المصطفى ورسولكم المجتبى، فقد أمركم بذلك ربكم جلَّ وعَلا فقال في محكم كتابه قولاً كريماً: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].
اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، نبيه الرحمة والملحمة، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين.
وارضَ اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن الصحابة أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وجودك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، واحمِ حوزة الدين، وانصر عبادك المؤمنين، واخذل الطغاة والملاحدة وسائر أعداء الدين.
اللهم آمِنا في أوطاننا، اللهم آمِنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل اللهم ولايتنا في من خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين.
اللهم وفق إمامنا وولي أمرنا بتوفيقك، وأيده بتأييدك، وأعز به دينك، وأعلِ به كلمتك، وارزقه البطانة الصالحة، وأصلح له شأنه، واجمع به كلمة المسلمين على الحق يا رب العالمين.
اللهم وفق ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك وبسنة نبيك محمد ﷺ ، واجعلهم رحمة لعبادك المؤمنين، واجمع كلمتهم على الحق يا رب العالمين.
اللهم وأبرم لأمة الإسلام أمر رُشد، يُعَزُّ فيه أهل طاعتك، ويُهْدَى فيه أهل معصيتك، ويُؤْمَرُ فيه بالمعروف، ويُنْهَى فيه عن المنكر، إنك على كل شيء قدير.
اللهم انصر المجاهدين في سبيلك، اللهم انصر المجاهدين في سبيلك في كل مكان.
اللهم انصرهم في فلسطين، وفي كشمير، وفي الشيشان.
اللهم واجعل الدائرة على أعدائهم يا رب العالمين.
اللهم عليك باليهود المحتلين.
اللهم عليك باليهود المحتلين الغاصبين.
اللهم إنهم قد طغَوا وبغَوا وآذَوا وأفسدوا وقتَّلوا ودمَّروا.
اللهم وأنزل بهم بأسك الذي لا يُرد عن القوم المجرمين.
اللهم وارحم موتانا، واشف مرضانا، وفك أسرانا، وأصلح لنا شأننا كله يا رب العالمين.
اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين.
اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا.
اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفاراً، فأرسل السماء علينا مدراراً، واجعل ما أنزلته قوة لنا على طاعتك، وبلاغاً إلى حين.
ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم.
ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من القوم الخاسرين.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان، وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون.
فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.
стр. 345
من جوامع المواعظ في فقد العلماء
ذكر الشيخ جملة من الوصايا والتوجيهات والتحذيرات، فوصية بالتقوى، وتحذير من الموت، ووصية بالسكوت عما لا يعني، وتحذير من خطر اللسان في كثرة الكلام، وتحذير من الشهوات والشبهات، وأمر بكثرة الطاعات.
ثم تحدث الشيخ عن العلماء ومنزلتهم، وأنهم هم الهداة الذين ينيرون للناس الطريق، فإذا فقدوا أظلمت الدنيا وتخبط الناس في ظلمات الجهالة، وذكر أنه لابد من معرفة حق العلماء وإنزالهم منزلتهم التي أنزلهم الله إياها
стр. 346
فائدة المواعظ والوصايا
الحمد لله وسعت رحمته ذنوب المسرفين، وأعجزت آلاؤه عد العادين، أحمده سبحانه لا تحجب عنه دعوة، ولا تخيب لديه طلبة، ولا يضل عنده سعي، وأشكره وأثني عليه، رضي من عظيم النعم بقليل الشكر، وغفر بالندم كبير الذنب، ومحا بتوبة ساعة خطايا سنين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة تبلغ الآمال، وتهدي من الضلال، وتحفظ النعم من الزوال.
وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، أرسله ربه هدىً ورحمة، وسراجاً منيراً، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله الذين أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، وعلى أصحابه ﵃ وأرضاهم وأعد لهم مغفرة وأجراً كبيراً، والتابعين ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فيا أيها المسلمون: التاريخ ديوان البشرية، والتراث سجل الأمم، يدون فيه حلو الأيام ومرها، ويحفظ فيه تجارب الناس خيرها وشرها، وفي مدونات التاريخ وسجلات الأمم تأتي وصايا الحكماء، ونصائح العقلاء، ومواعظ الواعظين، وآداب المتأدبين تأتي خلاصة لهذه التجارب، ونتيجة لهذه المدونات، كأنها الثمار ودرر البحار، وما زالت الأقوال المأثورة، والأمثال الجارية، والحكم المحفوظة، والوصايا السائرة، تملأ أحاديث الناس، فتؤدب الناشئة، وتصقل التجربة، وتزكي الخبرة، وتزين المجالس.
ونحن أمة الإسلام قد جاءنا الوحي من كتاب ربنَّا عز شأنه، وسنة نبينا محمد ﷺ مرشداً للأمة في مسيرتها، وهادياً لها في طريقها، ثم من بعد ذلك تجيء رجالات هذه الأمة في خلفائها وأئمتها، وعلمائها وصلحائها، وناصحيها وواعظيها، من الخلفاء الراشدين، والأئمة المهديين، والعلماء الربانيين، والصالحين المصلحين، والذين يأمرون بالقسط من الناس.
وشرائع الدين وتوجيهات الشرع كلها دالة على معالي الأمور، مرشدة لكريم الأخلاق، زاجرة عن الدنايا، ناهية عن القبائح، باعثة على صواب التدبير، قائدة إلى حسن التقدير.
وطرق الخير -بفضل الله- كثيرة، وأبواب البر واسعة، وصلاح الدين بصلاح الزمان، وصلاح الزمان بصلاح الناس، وصلاح الناس -بعد توفيق الله- بالإرشاد وحسن التوجيه والتفصيل.
стр. 347
جملة من الوصايا والتوجيهات
أيها المسلمون: وهذه جملة من الوصايا والتوجيهات، دونها الأقدمون ووعظ بها الواعظون مأخوذة من كتاب الله وسنة رسوله محمد ﷺ ، وكلام أهل العلم والصلاح والحكمة.
стр. 348
الوصية بالتقوى والاستعداد للموت
فأول الوصايا، وصية الله للأولين والآخرين، في قوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء:١٣].
فعليكم بتقوى الله، عليكم -رحمكم الله- بتقوى الله وحده لا شريك له، وخشيته ومراقبته، والحذر من سخطه واعتصموا بحبله، واعمروا قلوبكم بذكره، أحيوا قلوبكم بالمواعظ، وثبتوها باليقين، وذللوها بذكر الموت، وبصروها بفجائع الدنيا، وحذروها تقلبات الدهر، ونوروها بالحكمة، وانظروا في أخبار الماضين وسير الأولين، وخافوا إن عصيتم ربكم عذاب يوم عظيم.
الحذر الحذر -يا عباد الله- أن تكونوا ممن لا تنفعه المواعظ، وممن لا يحبون الناصحين، فلقد ذم الله أقواماً وسجل عليهم سوء مقالتهم: ﴿قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ * إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ * وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء:١٣٦ - ١٣٨]، وقال في قوم آخرين: ﴿وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف:٧٩].
انظر -يا عبد الله- أي رجل تكون إذا وقفت بين يدي الله فسألك عن نعمه عليك كيف رعيتها، الزم ما ألبسك الله من العافية بالذكر لمعاده، وما أنت صائر إليه، وموقوف عليه، ومسئول عنه، واعمل بما يحفظك الله به، وما ينجيك من عذابه وأليم عقابه، فإن الله قد أحسن إليك وأتم نعمته عليك.
واعلم أن الدنيا دار بلغة، وطريق إلى الآخرة، وأن المرد إلى الله، وأن الإنسان طريد الموت لا ينجو هاربه، ولا يفلت طالبه، فهو مدركه لا محاله، فكن منه على حذر، ولمقدمه على استعداد: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجمعة:٨] ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء:٧٨].
واعلم يقيناً أنك لن تبلغ أملك، ولن تعدو أجلك، فأجمل في الطلب، واقتصد في المكسب، وتحرى طيب المطعم والمشرب، فبئس الطعام الحرام، وارض بما قسم الله تكن غنياً، وما أطال عبدٌ الأمل إلا أساء العمل ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر:٣].
فاحتط لنفسك واستقل من عثرتك، فلست في دار المقام، فلقد نادى المنادي بالرحيل، فما بقاء المرء بعد ذهاب أقرانه! وطوبى لمن كان من الدنيا على وجل! ويا بؤس من يموت وتبقى من بعده ذنوبه.
دع الغفلة فإنك لم تزل في هدم عمرك وتناقص أيامك منذ أن خرجت من بطن أمك، فحاسب نفسك في الرخاء قبل حساب الشدة، فإن من حاسب نفسه في الرخاء كان مرجعه إلى الرضا والغبطة، ومن ألهته حياته وشغلته أهواؤه عاد أمره إلى الحسرة والندامة.
أصلح مثواك، ولا تبع آخرتك بدنياك، وليكن أول ما تلزم به نفسك -يا عبد الله- وتنظر فيه لشأنك صلاح دينك، وصحة معتقدك، وصدق إخلاصك، ولزوم ما افترض الله عليك.
стр. 349
المحافظة على الصلوات والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
حافظ على الصلوات الخمس في الجماعة في مواقيتها، فقد قال الله في محكم تنزيله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت:٤٥] وصلِّ من الليل ما تيسر واعط كل ركعة حقها مر بطاعة الله وأحبب إليها، وانه عن معاصي الله وأبغض إليها، فذلك سبيل المؤمنين: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ [التوبة:٧١].
стр. 350
التحذير من الشبهات والشهوات
واحذر من الشبهات والشهوات والأمور المبتدعة، يسلم لك دينك، وتستقم لك مروءتك، واتق كل شيء تخاف فيه تهمة في دينك أو دنياك.
стр. 351
البر بالوالدين وصلة الأرحام
بر والديك، وخصهما منك بالدعاء، وأكثر لهما من الاستغفار، ففي التنزيل العزيز: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ [نوح:٢٨] ويقول سبحانه: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾ [الإسراء:٢٤].
صل من قطعك، وأعط من حرمك، واعف عمن ظلمك، وعف عن المحارم تكن عابداً، وأحسن إلى جارك تكن مؤمناً ارحم المسكين، وأكرم الغريب، واسع على الأرامل، ففي الحديث الصحيح: ﴿الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، أو قال: كالصائم لا يفطر والقائم لا يفتر مخرَّج في الصحيحين.
стр. 352
التحذير من الظلم
وظلم الضعيف أفحش الظلم، وكل معروف صدقة، ولا تقرب مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن، وقد علمت قول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾ [النساء:١٠].
وإذا وعدت الخير فأنجزه، واقبل الحسنة وادفع بها، وغض الطرف عن عيوب الناس، فطوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس، واجعل من نفسك ميزاناً فيما بينك وبين غيرك، فأحبب لغيرك ما تحب لنفسك، ولا تظلم كما تحب ألا تُظلم، وأحسن كما تحب أن يحسن إليك، واستقبح من نفسك ما تستقبح من غيرك، وارض من الناس ما ترضاه لهم من نفسك، يجمع لك ذلك كله قول نبيك محمد ﷺ : لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه مخرَّج في الصحيحين.
стр. 353
التحذير من خطر اللسان
اترك من أعمال السر ما لا يحسن بك أن تعمله في العلانية، واحفظ لسانك من الكذب وقول الزور وأبغض أهله، فأول فساد الأمور الجرأة على الكذب وتقليد المنافق والكذوب، والكذب رأس المأثم، ففي الحديث الصحيح: وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً.
فتكلَّم -رحمك الله- بخير وإلا فاسكت، واجتنب فضول الكلام، واسمع قول نبيك محمد ﷺ : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت فلا تقل ما لا تعلم، وإن قلَّ ما تعلم، وخير القول ما نفع، والقول على الله بغير علم قرين الشرك بالله، وسبيل من سبل الشيطان العريضة، ولقد قال سبحانه: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٦٨ - ١٦٩].
فدع -رحمك الله- القول فيما لا تعرف، والخوض فيما لم تكلف وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم﴾.
стр. 354
الحث على الصبر والمصابرة
املك نفسك عند الغضب، والزم الوقار والحلم، واحذر الحدة والطيش والغرور والتكبر، فالحلم بالتحلَّم، والصبر بالتصُّبر، واطرح عنك واردات الهموم بعزائم الصبر، وحسن اليقين، فالصبر عز والفشل عجز، وفي الحديث: واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسر وإنك لن تنال ما تحب إلا بترك ما تشتهي، ولا تدرك ما تأمل إلا بالصبر على ما تكره وعليك بالاقتصاد في الأمور كلها، فالقصد داعية الرشد، والرشد دليل التوفيق، والتوفيق طريق السعادة وقوام الدين، والقصد في شأن الدنيا يورث العز، ويحصِّن من الذنوب وأحسن الظن بربك تستقم حالك، فبحسن الظن تحصل القوة والطمأنينة، ولا تحمل على يومك هم غدك، فكل يوم مرهون بوظيفته، ولا تؤخر عمل اليوم إلى الغد فتزدحم عليك الأعمال فتضيع، وإن لغدٍ أموراً وحوادث تلهيك عن عمل يومك الذي أخرت، واليوم إذا مضى ذهب بما فيه، وإذا أخرت عمله اجتمع عليك أمر يومين، فشغلك ذلك وثقل عليك حتى تعرض عنه وتفرط فيه.
стр. 355
عزة النفس
احفظ نفسك عن كل دنية، ولا تكن عبداً لغيرك وقد جعلك الله حراً، واليسير من الله أعظم وأكرم من الكثير من خلقه، وَكُلْ من عند الله، واؤمر بالمعروف تكن من أهله، واصحب الأخيار تكن منهم، ويعينونك على أمر الله، ولقد قال شأنه: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧].
следующие страницы →