← Джавами‘

Джавами‘ · id 7735

دروس للشيخ صالح بن حميد

صالح بن حميد

Полный текст (918 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

البر بالوالدين وصلة الأرحام بر والديك، وخصهما منك بالدعاء، وأكثر لهما من الاستغفار، ففي التنزيل العزيز: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ [نوح:٢٨] ويقول سبحانه: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾ [الإسراء:٢٤]. صل من قطعك، وأعط من حرمك، واعف عمن ظلمك، وعف عن المحارم تكن عابداً، وأحسن إلى جارك تكن مؤمناً ارحم المسكين، وأكرم الغريب، واسع على الأرامل، ففي الحديث الصحيح: ﴿الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، أو قال: كالصائم لا يفطر والقائم لا يفتر مخرَّج في الصحيحين.

стр. 352

التحذير من الظلم وظلم الضعيف أفحش الظلم، وكل معروف صدقة، ولا تقرب مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن، وقد علمت قول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾ [النساء:١٠]. وإذا وعدت الخير فأنجزه، واقبل الحسنة وادفع بها، وغض الطرف عن عيوب الناس، فطوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس، واجعل من نفسك ميزاناً فيما بينك وبين غيرك، فأحبب لغيرك ما تحب لنفسك، ولا تظلم كما تحب ألا تُظلم، وأحسن كما تحب أن يحسن إليك، واستقبح من نفسك ما تستقبح من غيرك، وارض من الناس ما ترضاه لهم من نفسك، يجمع لك ذلك كله قول نبيك محمد ﷺ : لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه مخرَّج في الصحيحين.

стр. 353

التحذير من خطر اللسان اترك من أعمال السر ما لا يحسن بك أن تعمله في العلانية، واحفظ لسانك من الكذب وقول الزور وأبغض أهله، فأول فساد الأمور الجرأة على الكذب وتقليد المنافق والكذوب، والكذب رأس المأثم، ففي الحديث الصحيح: وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً. فتكلَّم -رحمك الله- بخير وإلا فاسكت، واجتنب فضول الكلام، واسمع قول نبيك محمد ﷺ : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت فلا تقل ما لا تعلم، وإن قلَّ ما تعلم، وخير القول ما نفع، والقول على الله بغير علم قرين الشرك بالله، وسبيل من سبل الشيطان العريضة، ولقد قال سبحانه: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٦٨ - ١٦٩]. فدع -رحمك الله- القول فيما لا تعرف، والخوض فيما لم تكلف وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم﴾.

стр. 354

الحث على الصبر والمصابرة املك نفسك عند الغضب، والزم الوقار والحلم، واحذر الحدة والطيش والغرور والتكبر، فالحلم بالتحلَّم، والصبر بالتصُّبر، واطرح عنك واردات الهموم بعزائم الصبر، وحسن اليقين، فالصبر عز والفشل عجز، وفي الحديث: واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسر وإنك لن تنال ما تحب إلا بترك ما تشتهي، ولا تدرك ما تأمل إلا بالصبر على ما تكره وعليك بالاقتصاد في الأمور كلها، فالقصد داعية الرشد، والرشد دليل التوفيق، والتوفيق طريق السعادة وقوام الدين، والقصد في شأن الدنيا يورث العز، ويحصِّن من الذنوب وأحسن الظن بربك تستقم حالك، فبحسن الظن تحصل القوة والطمأنينة، ولا تحمل على يومك هم غدك، فكل يوم مرهون بوظيفته، ولا تؤخر عمل اليوم إلى الغد فتزدحم عليك الأعمال فتضيع، وإن لغدٍ أموراً وحوادث تلهيك عن عمل يومك الذي أخرت، واليوم إذا مضى ذهب بما فيه، وإذا أخرت عمله اجتمع عليك أمر يومين، فشغلك ذلك وثقل عليك حتى تعرض عنه وتفرط فيه.

стр. 355

عزة النفس احفظ نفسك عن كل دنية، ولا تكن عبداً لغيرك وقد جعلك الله حراً، واليسير من الله أعظم وأكرم من الكثير من خلقه، وَكُلْ من عند الله، واؤمر بالمعروف تكن من أهله، واصحب الأخيار تكن منهم، ويعينونك على أمر الله، ولقد قال شأنه: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧].

стр. 356

الدعاء وأثره ثم قبل ذلك وبعده، اعلم أن الذي بيده خزائن السموات والأرض قد أذن لك بالدعاء وتكفل لك بالإجابة، وأمرك أن تسأله ليعطيك، وتسترحمه ليرحمك، ولم يجعل بينك وبينه من يحجبه عنك، ولم يلجئك إلى من يشفع لك إليه، ولم يمنعك إن أسأت من التوبة، ولم يعاجلك بالنقمة، ولم يقنطك من الرحمة، بل جعل التوبة من الذنب حسنة، وحسب سيئتك واحدة وحسنتك عشراً، بل ضاعفها أضعافاً كثيرة. وإذا ناديته سمع نداءك، وإذا ناجيته علم بنجواك، تفضي إليه بحوائجك، وتشكو إليه همومك، وتسأله كشف كربك، وتستعين به على إنجاز أمورك، فاستفتح بالدعاء أبواب نعمته، واستمطر بالسؤال شآبيب رحمته، ولا تستبطئ الإجابة، فإن العطية على قدر النية، وربما أخر عنك الإجابة ليكن أعظم للأجر وأجزل للعطاء، وربما صرف عنك من الشر بدعائك ما لا تعلمه، وساق لك ما هو خير لك مما لا تعلمه. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:١ - ١١]. نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبهدي محمد ﷺ ، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 357

منزلة العلماء والصالحين الحمد لله خلق الخلق وأنشأهم فأحسن الإنشاء، وأعطى وأنعم فأجزل في العطاء، أحمده سبحانه وأشكره، له الخلق والأمر وبيده التقدير والتدبير، يعلي قدر من يشاء ويخفض ويؤخر كما يشاء، اصطفى المرسلين والأنبياء، ورفع درجات أهل الإيمان والعلماء، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له المتفرد بالربوبية والألوهية والصفات والأسماء، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله خير من وطئ الحصى، وأشرف من نزل البيداء، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله السادة الأولياء، وأصحابه الكرام النجباء، نالوا بصحبته المنازل العلى، والتابعين ومن تبعهم بإحسان وسار على طريق الحق واهتدى. أما بعد: فيا أيها المسلمون: العلماء بعلومهم، والحكماء بحكَمِهم، والصالحون بوصاياهم، هم -بإذن الله- نجوم هادية لمن سار في الليالي المظلمة، ودفة محكمة لمن خاض عباب البحار الموحشة، وغيث مدرار يأتي على الأرض الهامدة، فتهتز وتربو ثم تنبت من كل زوج بهيج ومن أجل هذا فما كان حديثاً يفترى، ولا فتوناً يتردد، تلك السير الرائعة والتراجم الماتعة، التي تبين وتنبئ عن حياة أهل العلم والفضل من أئمة الهدى وأعلام السلف علماء ربانيون، وأئمة متقون ينفع الله بهم ويبارك في علومهم يبلغون الدين أحسن بلاغ، ويحفظون الأمة -بإذن الله- من الضياع هم المرجع في العلوم والحكم، وحسن المواعظ، ولزوم السنة والسير على نهج السلف الصالح، فهم هداة ينيرون السبيل للسالكين تنقضي أعمارهم، وتمر حياتهم على هذه الدنيا مرور الغيث الهامع، فتخضر الأرض وتنبت وتثمر، فيحمد الوارد والصادر، ويسجل التاريخ حديثهم للرواة، ويحفظ أيامهم وسيرهم نبراساً للدعاة فهم -بتوفيق الله- الحديث الحسن لمن وعاه اشتغلوا بالعلم وتحصيله وتحقيقه وتفصيله الواحد منهم أمة لما جمع الله فيهم من خصال الرجال، وضم من محاسن الأقوال والأفعال، فكانوا مضرب المثال ومحط الرحال. العلماء هم منائر الأرض ومنابرها، وهم نجومها وزينتها نجوم إذا انطمست ضل السائرون طريقهم، وكواكب إذا تهاوت التبست على الحيارى مسالكهم. أثنى الله عليهم ورفع مقامهم ونوه بذكره فقال: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١]. وخصهم نبينا محمد ﷺ بالفضل الأسنى في أحاديث شتى، في مثل قوله ﷺ : إن الله وملائكته وأهل السموات والأرض حتى النملة في جحرها وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير حديث صحيح أخرجه الترمذي وغيره من حديث أبي أمامة ﵁ والحافظ ابن القيم ﵀ يقول: هم في الأرض بمنزلة النجوم في السماء، بهم يهتدي الحيران في الظلماء وحاجة الناس إليهم أعظم من حاجتهم إلى الطعام والماء، وطاعتهم أفرض من طاعة الأمهات والآباء، بنص الكتاب العزيز كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩] وأولوا الأمر: هم الأمراء والعلماء. وبموتهم وانطفاء أنوارهم تنتقص الأرض من أطرافها، كما ذكر ذلك حبر الأمة عبد الله بن عباس ﵄ فقال: [[خراب الأرض بموت علمائها وفقهائها وأهل الخير فيها]]. فرفع الله في عليين منازلهم، وأحسن في الدارين مثوبتهم، وأجزل لهم أجرهم، وحفظ أثرهم وآثارهم، وعوض المسلمين بفقدهم خيراً.

стр. 358

حفظ الله تعالى لدينه بالعلماء ولكن مما يعزي نفوس أهل الإسلام في فقد علمائهم والأسى على فراقهم؛ أن الله سبحانه بفضله ورحمته قد حفظ على هذه الأمة دينها، وحفظ لها كتابها، فالفضل الإلهي والفيض الرباني ليس مقصوراً على بعض العباد دون بعض، ولا محصوراً في زمن دون زمن، فلا يخلو زمن وعصر من علماء يقيمهم في كل فترة من الزمن، أئمة عدولاً من كل خلف، أمناء مخلصين، علماء مصلحين، بصراء ناصحين ينفون عن دين الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، يدعون إلى الهدى، ويذبون عن الحمى، ويصبرون على الأذى فليس حفظ دين الله مقصوراً على حفظه في بطون الصحف والكتب، ولكنه بإيجاد من يبين للناس في كل وقت وعند كل حاجة، فالله سبحانه له المنة والفضل، يتفضل على الخلف كما تفضل على السلف. ألا فاتقوا الله رحمكم الله، واعرفوا للعلماء فضلهم، واقدروهم قدرهم، واحفظوا لهم مكانتهم. ثم صلوا وسلموا على نبيكم محمد إمام الحنفاء وسيد الأنبياء، فقد أمركم بذلك ربكم فقال جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله الطبيين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وارض اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين؛ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن سائر الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وجودك يا أكرم الأكرمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، واحم حوزة الدين، واخذل الطغاة والملاحدة وسائر أعداء الدين اللهم وانصر عبادك المؤمنين اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك المؤمنين. اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأيد بالحق والتوفيق والتأييد والتسديد إمامنا وولي أمرنا، وأعز به دينك، وأعلِ به كلمتك، ووفقه لما تحب وترضى، وارزقه البطانة الصالحة، واجمع به كلمة المسلمين على الحق والهدى يا رب العالمين. اللهم وفق ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك، وبسنة نبيك محمد ﷺ ، واجعلهم رحمة لرعاياهم، واجمع كلمتهم على الحق يا رب العالمين. اللهم وأبرم لأمة الإسلام أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، إنك على كل شيء قدير. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 359

البيت العتيق ووفود الرحمن إن الله فضل بعض الأيام والشهور على بعض، وكذلك فضل بعض الأماكن على بعض، وإن من هذه البقاع المفضلة بيت الله الحرام الذي جعله الله قبلة المسلمين، وشرفه ببناء إسماعيل وإبراهيم، وخروج محمد ﷺ داعية فيه إلى الناس أجمعين، وأكرم الله بيته بمضاعفة الحسنات والأجور وثقل المعصية والفجور.

стр. 360

فضل مكة وبيت الله الحرام الحمد لله الذي جعل البيت الحرام مثابة للناس وأمناً، وخصه بأول بيت وضع للناس مباركاً للعالمين وهدىً ويُمناً، حرَّمه وعظَّمه يوم خلق السماوات والأرض، وجعله لطالبي خيري الدارَين كفايةً ومغنى، أحمده سبحانه وأشكره وأستعينه وأستغفره. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، رضي لنا الإسلام ديناً، فضلاً منه ومَنَّاً، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله وحبيبه وخليله بعثه مِنَّا، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فأوصيكم -أيها الناس- ونفسي بتقوى الله ، فاتقوه رحمكم الله، فقد فاز من أطاعه واتقاه، وخاب -والله- وخسر من كفر به وعصاه، وويل لمن زلت به قدماه، يوم يُكشَف الغطاء والبصر حديد، وينظر المرء ما قدمت يداه. أيها الإخوة المسلمون: إن ما يكتبه الكاتبون، ويؤلفه المؤلفون، ويبحثه الباحثون، في فضل مكة وفي شرف البيت وفي تعظيم المشاعر، لا يعدو أن يكون عيضاً من فيض، فليس شرف هذه البقاع الطاهرة بالذي يُسْتَوعَب، وحسب الراغب، بل حسب العاشق الإلماع دون الإشباع، وتكفيه الإشارة عن طويل العبارة. اللهم زد هذا البيت تشريفاً وتكريماً ومهابةً وبراً، وزد من شرَّفه وعظَّمه ممن حجَّه واعتمره، وسكن فيه وجاوره تشريفاً وتعظيماً وتكريماً، ومهابةً وبراً. أيها الإخوة: لقد اقتضت حكمة الله أن يجمع أهل الإسلام على قبلة واحدة، كما شاء سبحانه أن يحفظ هذا البيت ليبقى قياماً للناس، ومثابة وأمناً، ومبعثاً للوحي، ومصدراً للإيمان. رفع الخليل وابنه إسماعيل ﵉ قواعد البيت، وخُتِمَت النبوَّات والديانات بمحمد ﷺ ، لتكون لأمته -أمةِ التوحيد- قيادة ركب البشرية وهدايتها: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [الحج:٧٨]. البيت الحرام قبلة المسلمين، رمز التوحيد، ومظهر الإيمان، تشرئب إليه القلوب، وتتطاول إليه الأعناق، فهو مظهر وحدتهم، وسر اجتماعهم، ومحور شعائرهم قال تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة:١٤٤] ﴿من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم﴾. من هذا التاريخ تصدَّرت مكة، وشرفت الكعبة، وتقدس البيت، يدينون لله بزيارته، ويتقربون لله بحَجِّه، وأمم الإسلام تولِّيه شطرها، فلا تمر ساعة أو لحظة من ليل أو نهار إلا وهم متوجهون إلى هذا البيت، ما بين قائم وقاعد، وراكع وساجد، وقانت وخاشع. هو أول البيوت وضعاً، بنته الأنبياء الكرام بأيديها؛ إبراهيم وإسماعيل ومحمد عليهم الصلاة والسلام، فله شرف الأولوية، ودوام الحرمة، ومباشرة الأنبياء.

стр. 361

مضاعفة الأجور في البيت الحرام قال أهل العلم: إن مواضع العبادات لا تتفاضل فيما بينها من جهة العبادة، ولكنها تتفاضل بما تختص به من طول الزمان، وقِدَم البنيان، والنسبة إلى الباني وحسن المقصد، وقد جمع الله ذلك كله لهذا البيت المحرم. فهو أول بيت وُضِع للناس، وقد نسبه الله لنفسه تشريفاً وتكريماً: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ﴾ [الحج:٢٦] وقد باشر بناءه إبراهيم وإسماعيل ومحمد عليهم الصلاة والسلام. ثم الحظوا هذا السر: فإن الله لَمَّا أراد أن يفرض على عباده حج بيته، قدم بذكر محاسن البيت، وعِظَم شأنه، وكبير شرفه، تشويقاً وإغراءً وتمجيداً وتشريفاً، فقال عز شأنه: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران:٩٦ - ٩٧]. بيت الله مبارك، الصلاة فيه بمائة ألف صلاة، والحسنات فيه مضاعفة، أفاض الله عليه من بركات الأرض، وثمرات كل شيء في وادٍ غيرِ ذي زرع، فيه من الأقوات أكثرها، ومن الثمار أجودها، ومن الأثمان أقلها، ثمرات تُجْبَى إليه من حيث تكون، فتُساق إلى مكة سَوقاً، تهوي إليه أفئدةٌ من الناس من أشراف الأمم، وأعيانها، وعلمائها، وصلحائها، ومن كل طبقاتها، رجالاً وركباناً، يأتون من كل فج عميق، شدوا الرحال إلى بيت الله فرضٌ وحتمٌ على كل مسلم مستطيع. وقصد البيت مكفر للذنوب ﴿مَن حج فلم يرفث ولم يفسق، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه﴾ والمتابعة بين الحج والعمرة تنفي الفقر والذنوب.

стр. 362

مهوى الأفئدة إلى بيت الله الله أكبر! الأفئدة تهوي إلى هذا البيت وتأوي في رقرقة ورفرفة، تهوي إلى أهله في هذا الوادي الجديب. من الناس من بلَّغهم الله بيته، فذاقوا وارتشفوا، وعرفوا واغترفوا، فمهما ترددوا عليه لا يبغون عنه حِولاً، ولا يقضون منه وطراً، إذا ذكروا بيت الله حنُّوا، وإذا تذكروا بُعدهم عنه أنُّوا، ثم لا يزالون يجأرون إلى مولاهم بقلوب مشفقة ودموع مغرورقة، ونفوس متحرقة، أن يعيدهم إليه مرة بعد مرة، وكرة بعد كرة. ومنهم من فاته القُرب والدُّنو، فهو يؤمُّه بقلبه في كل حين وآن، ويولِّي إليه وجهه حيث ما كان، لم يُكتب له الوصول إلى البيت، لكن قلبه موصولٌ برب البيت، أعاقته المعاذير، ولم تسعفه المقادير، كلما أذن مؤذن الحج تولوا وأعينهم تفيض من الدمع، فنَصَبوا موائد اللهف، وأراقوا دموع الأسف، حنين أفئدتهم لا ينقطع، ومُنى نفوسهم لا ينقضي.

стр. 363

البيت الحرام مدار لقيام أمر الدنيا والدين وكما جعله الله مهوى الأفئدة، فقد جعله للناس قياماً، فهو مدار لقيام أمر دينهم ودنياهم، باجتماع أمرهم عليه، وتوجُّهِهم في الصلاة من كل مكان إليه، يحتاجون إليه في تمدنهم الذي به كمال معاشهم، وحسن معادهم. وكم هو جميلٌ لذي الفقه والبصر، أن يقارن بين المال والكعبة في هاتين الآيتين الكريمتين: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً﴾ [النساء:٥]. وبين قوله سبحانه: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِلنَّاسِ﴾ [المائدة:٩٧]. يوضح ذلك الإمام القرطبي ﵀، رابطاً بين وظيفة الملوك والولاة، ووظيفة هذا البيت المعظم، فهو يقول ﵀: قال العلماء: إن الله خلق الخلق، وفيهم طبع من التحاسد والتنافس، والتقاطع والتدابر، والسلب والنهب، والقتل والثأر، فكان من حكمة الله الإلهية، ومشيئته الأزلية أن هيأ لهم وازعاً يدوم معه الحال، ورادعاً يُحمد معه المآل، فجعل لهم من أنفسهم ولاة وسلاطين يمنعونهم من التنازع، ويحملونهم على التآلف، ويردون الظالم عن المظلوم، ويحفظون لكل ذي حق حقه، فتجري على رأيهم الأمور، ويكف الله بهم عاديات الجمهور. ثم قال: وكذلك بيت الله سبحانه عظَّمه في قلوبهم، وأوقع هيبته في نفوسهم، وعظَّم فيهم حرمته، فقال عز من قائل: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت:٦٧] فكان موضعاً مخصوصاً، لا يدركه ظلوم، ولا يناله غشوم، يحجز قويهم عن ضعيفهم، ومسيئهم عن محسنهم، وظالمهم عن مظلومهم، يقيمون بجواره، ويحجون إلى عرصاته، فتقوم بهذا المصالح والمنافع، جذب إليه الأفئدة، وجلب إليه الأرزاق، وهو قيام لهم في أمر دينهم، يهذب أخلاقهم، ويزكي نفوسهم، يجمع كلمتهم، ويقطع دابر أعدائهم، قياماً للناس. فالكعبة المشرفة ليست نصَباً تذكارياً، يُتَعَلَّق به تَعَلُّق الآثار، ولكنها دين وعقيدة وعبادة، لا تقوم للمسلمين قائمة بدونها، ولا تكتمل للمسلمين شخصيتهم الشرعية ما لم يجتمعوا حولها ويعظِّموا حرمتها، وإذا أذن الله بخراب الدنيا سلط الله على هذا البيت من يهدمه، فقيام البيت قيام الناس, والله غالب على أمره.

стр. 364

البيت الحرام مثابة وأمنا أيها الإخوة: ولَمَّا جعله الله قياماً للناس، جعله مثابة أمن ومباءة سلام: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً﴾ [آل عمران:٩٧] بل لقد امتد رواق هذا الأمر المكي حتى نال الوحش والطير والشجر. ما أحوج البشرية المُفَزَّعَة الوَجِلَة المتطاحنة المتصارعة إلى منقطة الأمان التي جعلها الله في هذا المكان، وجعلها في هذا الدين، وبيَّنها للناس في هذا الكتاب، الأمن لا يكون إلا في جوار الله، والخوف لا يكون إلا في البُعد عن هدى الله. نعمة الأمن شديدة المساس بالإنسان، عظيمة الوقع في حسه، متعلقة بحرصه على نفسه. تأملوا قول كفار قريش لمحمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ [القصص:٥٧]. إن كثيراً من ضعاف الإيمان يسلكون هذا المسلك الجاهلي، يشفقون من اتباع شرع الله، ويخشون من السير على هدي الله، وَجِلُون من عداوة أعداء الله ومكرهم، يرهبون من تألُّب الخصوم عليهم، يشفقون من المضايقات الاقتصادية وغير الاقتصادية. ﴿إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ [القصص:٥٧] ماذا كان جوابه؟ وماذا كان الرد؟ لقد جاء الرد القرآني واضحاً: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص:٥٧] من الذي وهبهم الأمن في ديارهم؟! ومن الذي جعل لهم البيت أمناً حراماً؟! ومن الذي جعل القلوب تأوي إليه، تحمل من ثمرات الأرض وأرزاقها، تتجمع في حرم الله من كل صقع بعد أن تفرقت في مواطنها ومواسمها؟! فما بالهم يخافون أن يتخطفهم الناس لو اتبعوا هدى الله؟! أفمن أمَّنهم وهم عصاة يَدَع الناس يتخطفونهم وهم تقاة؟! بل ماذا حصل لَمَّا اتبعوا الهدى مع محمد ﷺ ؟! ألم تُفْتَح لهم مشارق الأرض ومغاربها؟! ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص:٥٧] لا يعلمون أين يكون الأمن، ولا يعلمون أين تكون المخافة، لا يعلمون أن الأمر كله لله. إن بيت الله هو دار الهدى، رحابه الأمن، وجواره البركة، من قلب الحرم الأطهر انطلقت القصة الكبرى والخطب الجلل، في الحرم ولد الهدى وتنزل الوحي: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر:١ - ٥]. من الحرم بدأت كتائب الإسلام زحفها لاستئصال الجاهلية، تبدد الظلام، وتوقظ النيام، وتنشر الإسلام، وتبسط السلام. الارتباط بالبيت العتيق ارتباط بأهداب الرسالة وجذور الديانة. من الأميين التائهين في الصحراء أُخْرِجَت للناس خير أمة، انتشروا وانبثوا كما تُرْسِل الشمس أشعتها حياةً للأرض المَيْتَة، وضياءً للقلوب المظلمة. تدوِّي بطاحُ مكة لتحكي التاريخ، وسيرة العدل، ومسيرة الحق، وميزان القيم، وسوق الفضيلة. على رمالها عُفِّر الشرك، وعلى جبالها تحطَّمت الأصنام، وفي شعابها أُزْهِقَ الباطل. أيها الإخوة: هذا هو بيت الله، وتلكم هي بعض خصائص حرمه ومزايا كعبته. وإن شئتم مزيداً من النظر والتأمل فتفكروا وتدبروا: ما الذي أتى بضيوف الرحمن؟! وما الذي حبب للمجاورين الجوار؟! ترى القلب الساكن يتحرك ويتحرك حتى يرحل إلى أطهر الأماكن! الانتقال إليه أجمل ساعات العمر! وشهوده أعز وقائع الدهر! فلِلَّه كم لهذه الديار من حبيب وسليب؟! وكم أُنْفِق في حبها وبلوغها وخدمتها من الأموال والأرواح؟! كم نفوس طاهرات قد أحرمت؟! وكم أرواح زاكيات قد هتفت؟! وكم شفاه نقيات كبرت وهللت؟! وكم أيْدٍ كريمات رمت واستلمت؟! وكم أقدام شريفات طافت وسعت؟! هنا يتجلى الشرف والتقديس، حين تنتقل الخطى بين المشاعر، وتهتف مع الملأ الطاهر في مظاهر من التقوى، ورسوم من الخشوع، ورقة المشاعر، لا لباس أنصع من لباس الحجاج والمعتمرين، ولا عبير أزكى من شعث المحرمين والمجاهدين. فيا لَشَرف رَكْب الملبِّين والطائفين! ويا لكرامة رءوس المحلِّقين والمقصِّرين! وناهيك ثم ناهيك بأنَّات التائبين وتأوُّهات الخاشعين، ومناجاة المنكسرين! هل أُتْعِبَت النفوس، وهل أُنْفِقَت الدراهم إلا في طاعة الله؟! وهل تُرِك الأهلون وعُطِّلَت الأعمال إلا طمعاً في جنة الله؟! الإسلام هو الداعي، والإيمان هو الحادي. لبيك لبيك لبيك، لا شريك لك، لبيك لبيك وسعديك، والخير كله بيديك. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ * وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج:٢٦ - ٢٨]. نفعني الله وإياكم بهدي كتابه وبسنة نبيه محمد ﷺ . وأقول قولي هذا. وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 365

مضاعفة الأوزار والآثام في بيت الله الحمد لله أسكن من ذرية إبراهيم بواد غير ذي زرع فطابوا مقيلاً، وجعل أفئدةً من الناس تهوي إليهم فتطير بأجنحة الشوق بكرةً وأصيلاً، أحمده سبحانه وأشكره، قوله الحق: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً﴾ [النساء:١٢٢] ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران:٩٧]. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله اتخذه خليلاً، كما اتخذ إبراهيم خليلاً، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه، ساروا على النهج، وحافظوا على العهد، وما بدلوا تبديلاً، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فاتقوا الله أيها الناس؛ فتقوى الله وقاية من عذابه، واحذروا المعاصي؛ فإنها موجبات غضبه وأليم عقابه، وهُبُّوا من الغفلات: ﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [لقمان:٣٣] فلسوف يفاجئ الغافل ما ليس في ظنه ولا حسابه. أيها المسلمون! هذا هو بيت الله، وهذا هو حرمه وفضله، فحقه أن يُعظَّم ويُكرَّم، ويُقدَّس ويطهر. ألا فليتقِ الله المجترئون على حرمات الله، وليتق الله من لم يعظِّم شعائر الله، إن الذنب ليعظُم في حرم الله وجوار بيته، عليهم أن يطهروا نفوسهم من موبقات الذنوب، ويطهروا بيت الله من رجس الأعمال. ليتقِ الله الغارقون في الملاهي، وأسبابها ووسائلها، وليتقِ الله أَكَلَةُ الربا، ومقترفو الزنا، ومتعاطو الخمور والمخدرات، أين أدب الجوار؟! وأين وازع الإيمان؟! وأين شكر النعمة؟! متى يتوب من لم يتب وهو في حرم الله؟! أما علم هذا أن الله قد جعل قصد بيته مكفِّراً لما سلف من الذنوب؟! ﴿فمن حج ولم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه﴾. يا هذا! إن الهَمَّ بالسيئة -وإن لم تُفْعَل- مُتَوَعَّد عليها بالعذاب والعقاب: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج:٢٥]. والإلحاد -وقاك الله-: كل ما خالف الشرع من ترك المأمورات أو فعل المنهيات، حتى عد بعض أهل العلم احتكار الطعام بـ مكة من الإلحاد في الحرم. يقول عبد الله بن مسعود ﵁: [[لو أن رجلاً هَمَّ فيه بإلحاد وهو بـ عدن أبين لأذاقه الله عذاباً أليماً]]. أما علمت أن الله قد قَصَم عدوان المعتدين! ودَحَر جيش الغازي! ونُكِّسَت أعلام الباغي؟! ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل:١]. وهل ترى أعظم خسارةً وأقل نصيباً ممن أنعم الله عليه بزيارة بيته أو جوار حرمه، ثم كَرَّ على أعماله فهدم ما بنى، وشتت ما جمع، انتكس بعد هدى، وارتكس بعد الصفاء، وسوَّد صفحاته بأعمالٍ شوهاء؟! وإن لضيوف الرحمن حقاً، فاعرفوا حقهم يا أهل الحرم. أيها المجاورون في الحرمين الشريفين! اعرفوا لضيوف الرحمن حقهم، ولوفود بيت الله واجبهم من التكريم، وحفظ الحقوق، والصدق في معاملاتهم، وإرشاد ضالهم، والنصح في توجيههم، فأدوا لهم حقهم، واشكروا فضل الله عليكم، يا أهل الحرم! وولاة الأمر في الحرمين الشريفين -وفقهم الله- قد بذلوا وأنفقوا، ووسعوا وجددوا، قياماً بحق الولاية، وشكراً للنعمة، وإكراماً لوفود الله، فشكر الله مساعيهم، وبارك في جهودهم، وتقبل منا ومنهم، فأروا الله من أنفسكم خيراً، واشكروا نعمة الجوار، واعرفوا حق هذه الديار. ثم صلوا وسلموا على المبعوث رحمة للعالمين، المبعوث من هذه البقاع نبيكم محمد رسول الله، فقد أمركم بذلك ربكم فقال عز قائلاً عليماً: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى أزواجه أمهات المؤمنين. وارضَ اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وجودك وإحسانك يا أكرم الأكرمين! اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، واخذل الطغاة والملاحدة وجميع أعداء الدين. اللهم آمِنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين! اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك محمد ﷺ وعبادك الصالحين. اللهم أيد بالحق إمامنا وولي أمرنا ووفقه لما تحب وترضى، وخذ بناصيته للبر والتقوى، واجعله نصرة للإسلام والمسلمين، وأعز به دينك وأعلِ به كلمتك، وارزقه البطانة الصالحة، واجمع به كلمة المسلمين على الحق يا رب العالمين! اللهم وفق ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك وبسنة نبيك محمد ﷺ ، واجعلهم رحمة لرعاياهم، واجمعهم على الحق يا رب العالمين! اللهم انصر المجاهدين الذين يجاهدون في سبيلك لإعلاء كلمتك وإعزاز دينك. اللهم انصرهم في فلسطين، وفي كشمير، وفي كل مكان، اللهم أيدهم، وأعنهم، ولا تعن عليهم، اللهم قهم شر أعدائهم إنك سميع مجيب. رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ، وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ؛ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.

стр. 366

الصائمون وتهذيب السلوك نزول القرآن هو إذن من الخالق بهداية المخلوقين، بعد رحلة مريرة في أرجاء الظلام الحالك والضلال المريب، فكان شهر رمضان فاتحة لهداية الإنسان، وهو شهر لا يخفى أثره في حياة الأمة وتهذيب أخلاق المسلمين، وقد بينت هذه الخطبة بعض آداب الصائم وبعض المخالفات التي قد يقع فيها، بالإضافة إلى بيان موجز لبعض الطاعات التي ينبغي استغلال دقائق رمضان وساعاته الذهبية فيها.

стр. 367

رمضان شهر الصيام والقرآن الحمد لله، الحمد لله مصرف الأمور بأمره، ومعز الدين بنصره، ومذل الكفر بقهره، أحمده سبحانه وأشكره، أظهر دينه على الدين كله، وجعل العاقبة للمتقين بفضله. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة مَن طهر بالتوحيد قلبه، وأرضى بحسن العبادة ربه، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، جاء بالصدق، وتأيد بالحق، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله البررة الأطهار، وأصحابه الأئمة الأخيار، والتابعين ومن تبعهم بإحسان ما تعاقب الليل والنهار. أما بعد: فأوصيكم -أيها الناس- ونفسي بتقوى الله ، فاتقوا الله -رحمكم الله- وتقربوا إليه بطاعته وحسن عبادته، تعرفوا إليه في الرخاء يعرفكم في الشدة، توددوا إليه بذكره وشكره، والتحدث بنعمه، والإحسان إلى خلقه، فهو سبحانه معكم أين ما كنتم، من حاسب نفسه وألزمها طاعة ربه وجد ذلك عند الله مُدَّخراً، ومن ضيع وأهمل فسوف يجده محضراً: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران:٣٠]. أيها المسلمون! شهر رمضان المبارك شهر أمة محمدٍ ﷺ ، تنزل عليها فيه كتابها: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة:١٨٥] شهر حقق الله لها فيه كثيراً من انتصاراتها: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [آل عمران:١٢٣] شهر فتح الله فيه مكة البلد الحرام، فقطع دابر الوثنية، وقوَّض بُنيانها: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾ [الإسراء:٨١] شهر رمضان شهر جهادٍ وجلاد، وجدٍّ واجتهاد، عبادةٌ ومجاهدة، يعيشه المسلمون في حركةٍ مستمرة، ليس شهر رهبانية ولا بطالة، شهر صيامٍ وقيام، وذكر وشكر، ودعاء وتبتل. المسلمون بالصيام والقيام لا يعرفون الكسل ولا الملل، ولا يرضَون أن يعيشوا في ذيل القافلة، ولا في مؤخرة الركب، فربهم سبحانه يحب معالي الأمور ويكره سفاسفها.

стр. 368

أثر القرآن في حياة هذه الأمة المسلمون هم أهل القرآن، والقرآن روحٌ من أمر الله، يُحيي رميم الأمم والهمم، ونورٌ يهدي إلى السبيل الأقوم: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢]. لقد قاد القرآن العزيز خُطَى هذه الأمة فجعلها خير أُمةٍ أخرجت إلى الناس، وجعلها الشاهدة على الأمم، والأمينة على القيم، فاستنقذت البشرية بإذن ربها من الظُلَم: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ [البقرة:١٤٣]، ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠]. ولا يزال هذا الكتاب غضاً طرياً كما نَزَل، ولا يزال قادراً على تجديد شأن الأمة في أفرادها وجماعتها، يبعث فيها روح الحياة كلما خبت جذوتُها، أو ضعفت همَّتها. ورمضان المعظم مطلع فجر الرسالة التي حررت الإنسانية من رق العبودية لغير الله. في رمضان تنزل القرآن، فتقشع بنور الوحي ظلام الجهل، وقضى نهج الهدى على مسالك الضلال. والارتباط بين شهر رمضان وتنزل القرآن شيءٌ عجيب!

стр. 369

فضل الصيام وآدابه إنَّ في النفوس نوازع شهوةٍ وهوى، وفي الصدور دوافع غضبٍ وانتقام، وفي دروب العمر خطوباً ومشاق، والصوم شهر الصبر والمصابرة، والقرآن شفاءٌ لما في الصدور. الصوم ترويضٌ للغرائز، وضبطٌ لما في النفس من نوازع، الموفَّقون هم الذين يتجاوزون الصعاب، ويأخذون بالعزائم، ويفطِمون نفوسهم عن كثيرٍ من الرغائب، والطريق إلى المجد العالي لا يكون إلا بركوب المصاعب. في الصوم تربيةٌ للإرادة الإنسانية، وبناءٌ لقوتها في الخير ومسالكه، وصرفٌ لها عن الشر ونوازعه، إرادةٌ تُهَذَّب بها الغرائز، وقوةٌ ينبثق عنها خلق المراقبة والمحاسبة؛ إن قوة الإرادة وصدق المحاسبة ينبت في النفس خُلُقاً يُمسك بزمامها عن الاستسلام للشهوات العابرة، والرغبات الجامحة، والأهواء الدنيئة، والإنسان لا يكون سوياً ما لم يملك إرادةً تضبط سلوكه، فتجعله صارماً يقظاً. ومن أجل هذا فإن الصائم يجوع وهو على الطعام قادر، ويدع الماء وهو إلى الشراب محتاج، ولا رقيب عليه إلا الله، بل لا يخاف ولا يرجو إلا الله، يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجل الله. في الصيام الحق الألسنة صائمة عن الرفث والجهل والصخب، والآذان معرضة عن السماع المحرم، والأعين مصونة عن النظر المحظور، القلوب كافة لا تعزم على إثمٍ أو خطيئة، في النهار عملٌ وحركة، وفي الليل تهجدٌ وتلاوة، يُصاحب ذلك إيقاظ لمشاعر الرحمة، ودُرْبَة على المصابرة، وطاعة لله رب العالمين. وفي المقابل! فإن ضعيف الإرادة وقليل المحاسبة يقع أسير شهواته، وعبد مشتهياته، لا تنتهي مطامعه، ولا تنقضي مطالبه، يجرُّه الشيطان إلى كل منحدر، وتهيم به النفس الأمارة بالسوء في كل وادٍ، ويتمزق كل مُمَزَّق، يتردى في التهلكة، ويعيش في دروب الشقاء إن لم تتداركه رحمة الله: ﴿تعس عبد الدينار! تعس عبد الدرهم! تعس عبد الخميلة! تعس عبد القطيفة﴾. أيها الإخوة! إن الصيام جُنَّة، وغاية الصيام عند الصائمين أن تصوم الجوارح كلها، لم يكن الصيام -يا أصحاب الإرادات- منعاً من المفطرات الحسية من الطعام والشراب والشهوة، ولكنه إلى جانب ذلك كفٌ عن مساوئ الأخلاق، وترفعٌ عن سفاسف الأمور: ﴿الصيام جُنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابَّه أحدٌ أو قاتله فليقل: إني صائم، إني صائم﴾. كيف يكون صيام المغتاب والنمام؟! أم كيف يتم صيامٌ عند شاهد الزور! وآكل أموال الناس بالباطل؟! ومَن لم يكف عن هذه القبائح وأضرابها فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه. وكيف يكون الصيام عند من يزيدهم الصيام ضيقاً في الصدور، وطيشاً في السلوك، وغضباً في التعامل، وما هذبت له العبادة عادة؟!

стр. 370

جماع مخالفات الصائمين أيها الصائمون والصائمات! ومن أجل مزيدٍ من الإيضاح، وفي مزيدٍ من النظر والتأمل ذكر أهل العلم أن جِماع المخالفات ومواطن ضعف الإرادات يتأكد في أمورٍ أربعة: ١ - فضول الكلام. ٢ - وفضول النظر. ٣ - وفضول المخالطة. ٤ - وفضول الطعام. وحظ الصائم من صيامه بمقدار ضبطه في ذلك وانضباطه.

стр. 371

فضول الكلام أما الكلام: فميزانه التوجيه النبوي الكريم: ﴿مَن كان يؤمن بالله واليوم والآخر فليقل خيراً أو ليصمت﴾. و ﴿مَن ضمن ما بين لحييه وما بين رجليه ضمنتُ له الجنة﴾. و ﴿إن الرجل ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها، يزل بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب﴾. ولقد قال بعض السلف: "ما عقل دينه من لم يحفظ لسانه". ومعلوم أن الكذب، والغيبة، والنميمة، والنفاق، والفحش، والمراء، وتزكية النفس، والخوض في اللغو، والكلام فيما لا يعني، والتحريف في القول، كله من طريق اللسان، ومن علامة إعراض الله عن العبد أن يُشْغِلَه فيما لا يعنيه. ومن أجل هذا كان السلف إذا صاموا جلسوا في المساجد، يقولون: نحفظ صيامنا.

стр. 372

فضول النظر أما فضول النظر: فإنه يُوقع في غفلة، واتباع الهوى، ويورث حسرة وحُرقة، ويُذهب نور البصيرة، ويجلب الذل والمهانة، بل إنه يوجب استحكام الغفلة عن الله والدار الآخرة، حتى قيل في قوم لوط: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر:٧٢]. فحق على المؤمنين والمؤمنات، والصائمين والصائمات أن يغضوا أبصارهم، ويحفظوا فروجهم، ذلك أزكى لهم، ناهيكم -عباد الله- بمن ابتُلِي بالساقط من الفضائيات والقنوات، وشبكات المعلومات.

стр. 373

فضول الخلطة أما فضول الخلطة: فلا تكون السلامة منها إلا باجتناب من إذا تكلم لا يفيد، وإذا تكلمت إليه لا يُحسن الإنصات، كلامه ثقيل لا تطيقه الصدور، وإن سكت فأثقل من الرحى لا يُطاق حمله، ولا يُستطاع دفعه، لا يعرف نفسه فيضعها في منزلتها، ولا يعرف غيره فيلزم أدبه، والخلطاء عند الحكماء ثلاثة: ١ - مَن خُلطته كالغذاء: لا يستغنى عنهم، وهم العلماء العاملون، والصالحون الناصحون. ٢ - وخلطاء كالدواء: يخالَطون عند الحاجة في أمور المعاش والمشاركات، وأنواع المعاملات المباحات. ٣ - وأما الثالث: فداءٌ سُقام: والداء درجات! منه ما هو عضال قتَّال، ومنه ما هو دون ذلك.

стр. 374

فضول الطعام أما فضول الطعام: فالقائد إليه شهوة البطن، وما أخرج الأبوَين من الجنة إلا الرغبة في الأكل من الشجرة، فغلبتهما شهوتهما فأكلا، فبدت لهما سوءاتهما، والبطن ينبوع الشهوات، والمعدة منبت الأدواء والآفات، وما ملأ ابن آدم وعاءً شراً من بطن. والاعتدال في الطعام يُورث الاعتدال في الطبع، والهدوء في القلب، وضعف الهوى، وقلة الغضب. وقد أُثر عن بعض الحكماء: لا تأكلواً كثيراً، فتشربوا كثيراً، فتخسروا كثيراً. ومن حكمة لقمان: إذا امتلأت المعدة، نامت الفكرة، وقلّت الحكمة، وقعدت الأعضاء عن العبادة. ويكفي وعيداً على الاسترسال في الشهوات قول الحق ﵎ في أقوامٍ يومَ القيامة: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ [الأحقاف:٢٠]. أيها الإخوة! إن فضول هذه الأشياء إما أن تكون معاصي أو بريداً إلى المعاصي، وإن الصيام بحِكَمه وأسراره، والقرآن بهديه وآياته طريق جليٌ لتهذيبها، وسبيلٌ مستبينٌ لضبطها، توجيهاتٌ لإحكام لجام اللسان، وتقلبات البصر، وآداب في ضبط شهوة البطن والفرج، ذلكم هو الصوم في شيءٍ من حكمه وأسراره، يشعر العبد بضعفه وعجزه. إنه الصيام! إنه منع مشروع من أجل تمام الخضوع والخشوع، إنه أستاذ الأمانة، ومعلم الصدق والمحاسبة، ومورث المراقبة لله رب العالمين، إنه السر بين العبد وربه. فاتقوا الله -رحمكم الله- واعرفوا لهذا الشهر فضله، واحفظوا صومكم، وتعرضوا لنفحات ربكم، وأروا الله من أنفسكم خيراً. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة:١٨٥ - ١٨٦]. نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبهدي محمدٍ ﷺ . وأقول هذا القول، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 375

بعض مجالات المسابقة في الطاعة الحمد لله جعل الصيام كفارةً للآثام، أحمده سبحانه وأشكره، فتح أبواب رحمته وضاعف الإنعام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ذو الجلال والإكرام، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، أفضل من صلَّى وصام، وقام بالليل والناس نيام، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله البررة وأصحابه الكرام، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: أيها المسلمون! لئن كان الصيام كفاً عن المحرمات، وحجباً للنفس عن بعض المشتهيات، فإنه بجانب آخر ميدان للمسابقات في الأعمال الصالحات ذكرٌ لله، وتلاوةٌ لكتابه، واستغفارٌ، ودعاءٌ، وقيامٌ، وقنوتٌ، فاشتغلوا رحمكم الله بأنواع الطاعات.

стр. 376

فضل الذكر والاستغفار فالذكر قوتُ القلوب، به -بإذن الله- تُسْتَدفع الآفات، وتُكْشَف الكُرُبات، وتهون المصيبات، رياض جنة المتعبدين، ورءوس أموال المتاجرين، حتى قال بعض الصالحين: "عجباً من الناس! يبكون على من مات جسده، ولا يبكون على من مات قلبه! ". وأرشد الحسن البصري ﵀ رجلاً شكا إليه قسوة قلبه، فقال: أذِبْه بالذكر. وأكثروا من الاستغفار، فإنه قليل الذكر، والعبد لو بلغت ذنوبه عنان السماء ثم استغفر ربه لوجد ربه تواباً رحيماً ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [النساء:١١٠]. ولقد قال علي ﵁: [[ما ألْهَمَ الله عبداً الاستغفار وهو يريد أن يعذبه]].

стр. 377

تلاوة القرآن وقيام الليل وأكثروا من تلاوة كتاب ربكم، فإن شهركم هو شهر القرآن ﴿شِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس:٥٧] وإن الله ليرفع بهذا القرآن أقواماً ويضع به آخرين، فكونوا من أهل القرآن (أهل الله وخاصته). قوموا من الليل ففي الحديث: ﴿نعم الرجل عبد الله! لو كان يصلي من الليل﴾ وأفضل الصلاة بعد المكتوبة قيام الليل، كما في الخبر الصحيح. ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يقبل دعاءً من قلبٍ غافلٍ لاهٍِ. وترصدوا الأوقات الشريفة، وتحرَّوا ساعات الإجابة. تقبَّل الله صيامكم وقيامكم وأصلح أعمالكم. ألا فاتقوا الله ربكم، وأحسنوا أعمالكم، وصلوا وسلموا على محمدٍ النبي الأمي، فقد أمركم بذلك ربكم فقال عزَّ مِن قائل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأزواجه وذريته. وارضَ اللهم عن الخفاء الأربعة الراشدين، الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وجودك وإحسانك يا أكرم الأكرمين! اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، واحمِ حوزة الدين، واجعل اللهم هذا البلد آمناً مطمئناً سخاءً رخاءً وسائر بلاد المسلمين. اللهم وأيد بالحق إمامنا وولي أمرنا، ووفقه لما تحب وترضى. اللهم وفقه بتوفيقك، وأعزه بطاعتك، وأعز به دينك، وأعلِ به كلمتك، واجمع به كلمة المسلمين على الحق يا رب العالمين! اللهم وأبرم لهذه الأمة أمر رشد، يُعَزُّ فيه أهل طاعتك، ويُذَلُّ فيه أهل معصيتك، ويُؤْمَر فيه بالمعروف، ويُنْهَى فيه عن المنكر، إنك على كل شيء قدير. اللهم وفق ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك وبسنة نبيك محمدٍ ﷺ ، واجعلهم رحمة لرعاياهم، واجمع كلمتهم على الحق والهدى يا رب العالمين. اللهم انصر المجاهدين الذين يجاهدون في سبيلك لإعلاء كلمتك وإعزاز دينك. اللهم انصرهم في كل مكان. اللهم انصرهم في فلسطين، وكشمير، والشيشان اللهم أيدهم بتأييدك، وأعزهم بنصرك. اللهم سدد سهامهم وآراءهم، واجمع كلمتهم، ووحد صفوفهم، وارحم ضعفهم، واجبر كسرهم، وقَوِّ عزائمهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم. اللهم واخذل اليهود ومن شايعهم، اللهم عليك بهم، فإنهم لا يعجزونك. إلهنا! إن هؤلاء اليهود قد طغوا وبغوا وظلموا وأفسدوا، اللهم فأرنا فيهم عجائب قدرتك. اللهم وأنزل عليهم بأسك الذي لا يُرد عن القوم المجرمين. اللهم من أرادنا وأراد المسلمين بسوءٍ فأشغله بنفسه، واجعل تدبيره تدميره يا قوي يا عزيز! رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى، وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ؛ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.

стр. 378

القوة سِرُّ عز الأمة إن القوة في الحق هي سر عز الأمة الإسلامية، ولا يعرف فضل القوة المؤيدة للحق إلا من شقي تحت وطأة الطغيان، وقد أمر الإسلام بالقوة التي تقيم بين الناس موازين القسط، وتبسط بينهم العدل، وقد أدرك أعداء الدين هذا السر، فعملوا على بث الوهن في نفوس المسلمين مما أدى بهم إلى حب الدنيا وكراهية الموت.

стр. 379

القوة في الحق الحمد لله؛ خلق الخلق فأتقن وأحكم، وفضَّل بني آدم على كثير ممن خلق وكرَّم، أحمده سبحانه حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، يليق بجلاله الأعظم، وأشكره وأثني عليه على ما تفضل وأنعم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الأعزُّ الأكرم، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله المبعوث بالشرع المطهر والدِّين الأقوم، صلى الله وبارك عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فأوصيكم أيها الناس ونفسي بتقوى الله ، فاتقوا الله رحمكم الله، فمن اتقى ربه فاز وسعد، ونال يوم الجزاء جميل ما وُعد، أخلصوا لربكم في العبادة والطاعة، والزموا الجمعة والجماعة، وبادروا الأعمار بصالح الأعمال، وأعدوا العدة ليوم لا بيع فيه ولا خلال، اعتبروا بما طوت الأيام من صحائف السالفين، واتعظوا بما أذهبت المنايا من أماني المسرفين. أيها المسلمون! ما أجمل القوة في الحق حين تندفع برداً وسلاماً، فترفع المظالم النازلة على الأفئدة الكسيرة، وتطفئ الآلام المبرحة التي تحل بالمظلومين والمستضعفين، ولا يعرف فضل القوة المؤيدة للحق إلا من شقي تحت وطأة الطغيان دهراً طويلاً، إن الضعيف والمظلوم كليهما يستقبلان طلائع القوة وزمجرتها كبوارق صبح تشق دامس الظلام، ما أجمل القوة العادلة عندما تحق الحق وتبطل الباطل.

стр. 380

فضل القوة في الحق إن القوة التي تقيم بين الناس موازين القسط، وتبسط بينهم العدل، هي ما أمر به الإسلام، وربى عليه أتباعه؛ بل حضَّ على بذل النفس والنفيس من أجله، وفي الحديث الصحيح: ﴿المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير﴾ وفي التنزيل العزيز: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال:٦٠]. الحق المسلوب لن يستطيع رده إلا رجال، لهم جرأة في الحق تربو على جرأة عدوهم في الباطل، وعندهم حرص على التضحية في سبيل الله أشد من حرص عدوهم على المؤامرة والسطو والاحتفاظ بمكاسب الحرام. ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:١١١].

стр. 381

سر هزائم الأمة الإسلامية إن ما ظفر به أعداء الأمة من سطو واستيلاء لا يرجع إلى خصائص القوة في أنفسهم بقدر ما يعود إلى آثار الوهن في صفوف أصحاب الحق. ومع طغيان الأثرة، واستبداد الظلم، وانفلات موازين الحق والعدل؛ يبقى العالم محتاجاً إلى القوة التي تعرف العدل والنظام مثل حاجته إلى الطعام والشراب أو أشدّ، بل لا لذة لطعام ولا شراب إذا ساد الخوف وفشا الظلم. أيها الإخوة المسلمون! لقد تغير الزمن على المسلمين، فانكمشوا بعد امتداد، ووهنوا من بعد قوة، وما ذلك إلا لسر؛ ولكنه ليس بسر، لقد كشفه نبينا محمد ﷺ في قوله: ﴿يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها، قالوا: أمن قلة نحن يومئذٍ يا رسول الله؟ قال: بل أنتم يومئذٍ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن، قالوا: وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت﴾. هذا هو مبعث الوهن الحقيقي، وذلكم هو سر الضعف المهين، أن تخرج الأمة إلى دنياها ومتاعها، فتعيش أسيرة لأوضاعها الرتيبة، متعلقة بشهواتها، لا هم لها إلا الرغائب المادية. حب الدنيا يجعل الهمام ضعيفاً رخواً خواراً، يضعف أمام امرأة يحبها، أو شهوة يطلبها، أو لذة عارضة ينشدها. وكراهية الموت تجعل الأفراد والجماعات يؤثرون حياة ذليلة على موت كريم، يؤثرون حياة يموتون فيها كل يوم موتاً من بعد موت، وذلاً من بعد ذل، على موتٍ كريم يحيون بعده حياة الخالدين.

стр. 382

حياة الغثاء حياة الغثاء لها سمتان: أولاهما: خفة الوزن. وثانيهما: التفكك والتحلل. وكل ذلك يولد نتيجة مخيفة، إنها فقد السير على الصراط المستقيم، فالغثاء يساق مساق الزبد الجفاء على الأطراف والهوامش. وفي أجواء الوهن والغثاء يتولد الخفافيش؛ ثرثرتهم أكثر من إنتاجهم، ودعاواهم أكثر من حقائقهم، وشهواتهم أملك لأزمتهم. الأمة تعيش أزمات وهزائم، وهؤلاء خفافيش سامدون يضحكون ولا يبكون، وفي الأندية يتسامرون، وفي أجواء من الجدل العقيم يتفيقهون؛ بل هم في خوض يلعبون، ديدن كثير منهم التلاسن في القنوات والمحطات والكتابات، مما ولد موت الشعور، وعدم الاكتراث بأحداث الأمة وهمومها.

стр. 383

آثار الوهن في أحوال الضعف، وحياة الهوان، وهجواء الغثاء، ترى نفوساً تحللت من المعاصي، وشعوباً انحلت بالإسراف، وأقواماً تهدمت لحب الدنيا وكراهية الموت؛ وحينئذٍ ينتصر الكافرون، وينتفش المبطلون. حين تضعف الأمة، يطمع فيها من لا يستطيع الدفاع عن نفسه، والقطيع السائب تفترسه الكلاب قبل الذئاب، المعارك يربحها أصحاب العقائد والمبادئ والتضحيات، ولا يربحها المهازيل عباد الشهوات، وأسارى الدنيا. أي ذل وأي إهانة وأي وهن أكبر من أن يقتل فئام من العرب والمسلمين ولا يسمى ذلك إرهاباً، ويقيدون ويؤسرون ولا يعد ذلك ذلاً؟! أما غيرهم من أبناء الأمم الأخرى، فإن اعتراض طريقهم، أو تهديد أمنهم، أو الوقوف في مصالحهم يعد جريمة كبرى، وينشئ أزمة عالمية، ويشغل المحافل الدولية، وتتردى أصداؤه في وسائل الإعلام الكبرى. أوضاع حلت بالأمة في كثير من ديارها وأصقاعها، دكت كيانها، ومزقت شملها، وأغرت أعداءها بالانقضاض عليها. أيها المسلمون! إن المسلم لا يقيم العزاء على شيء فاته، ولا يندب حظه لأمر نزل به، ولكنه ينظر ويتأمل، ويذكر سنن الله، فهو يفقه كل الفقه أن الانتصار والهزيمة ليست حظوظاً عمياء ولا هي خبط عشواء كلا ثم كلا! بل إن الأمور تسير إلى نهايتها وفق سنن الله ومقاديره، ولا مبدل لحكمه، وعند النظر والتحقيق والحساب الدقيق، تدرك أن الضعيف هو الذي فعل ذلك بنفسه، والمنتحر لا يتهم أحد بقتله، فهو قاتل نفسه.

стр. 384

خطر أعداء الدين إن الأعداء لم ينتصروا بقواهم الخاصة قدر ما انتصروا بضعف كثيرٍ من القلوب في إيمانها، وافتقار الصفوف إلى الوحدة والتراص.

стр. 385

أسلحة أعداء الدين أيها المسلمون! ليست أثقال القوة العسكرية، ولا القنابل الذرية، ولا أسلحته الجرثومية أخطر أسلحة عدونا. إن أخطر أسلحة وأمضاها: زيوف الأفكار التي تسوق المسلمين إلى الدمار، وإطلاق الأهواء، والغرائز والشهوات، والأنانيات، وفشو المظالم، وهضم الحقوق، بعد اهتزاز ثوابت الإيمان، وضوابط الأخلاق، وبث روح اليأس والتيئيس في النفوس. أيها الإخوة المسلمون! إن المتأمل في هزائم الأمة، وصراعها مع أعدائها، يدرك أن الجهود الماكرة للأعداء في ميادين التربية والتعليم والإعلام قد آتت كثيراً من أكلها، والمر من ثمارها. من عشرات السنين وخطط الأعداء جادة في ذود الأجيال عن القرآن الكريم ذوداً، وتجهيلهم بدينهم تجهيلاً. قوى كافرة ماكرة إذا احتاج الأمر إلى اللين لانت، وإذا احتاج إلى القسوة بطشت. في لينها تدس السموم، وفي شدتها تقتحم الهمجية والجبروت، يخفرون كل ذمة، ويخادعون في كل قضية، الغاية عندهم تبرر الوسيلة، يجيدون العبث والتحريف والتجسس والإفساد.

стр. 386

واجب المسلمين تجاه خطط أعداء الدين أيها المسلمون! في هذه الأجواء كان ينبغي أن تكون الجباه مقطبة، والنفوس جادة غير هازلة، كان ينبغي أن يطير النوم من عيون الهاجعين. أيها الإخوة الأحبة! ومع كل هذا فإن العدو الخطير أهون مما يتصور المتشائمون والمذعورون واليائسون والانهزاميون. إن الانتصار على الأعداء ولو طال الزمن لا يتطلب إلا سلاحاً واحداً يستخدم بصدق وإخلاص وجد وعزيمة، إنه سلاح محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم؛ سلاح الإيمان بالله، وإخلاص التوحيد والعبادة، والعمل بالإسلام، والسير على نهج محمد ﷺ في السلم وفي الحرب. يجب أن يعي المسلمون أن الإسلام وحده هو مصدر الطاقة الذي تضيء به مصابيحهم، وتنير به مشاعلهم، وبدون الإسلام ليسوا إلا زجاجات وقوارير فارغة لا يوقدها زيت، ولا يشعلها ثقاب. ليس للمسلمين عز ولا شرف ولا حق ولا كرامة إلا بالإسلام، إنهم إن أنكروا ذلك، أو تنكروا له، فلن يجدوا من دون الله ولياً ولا نصيراً. إنهم بغير الإسلام أقوام متناحرة، وقطعان مشتتة، بل سقط متاع، وأصفار من غير أرقام. يجب أن تربى الأمة على الإقبال على المخاطر لتسلم لها الحياة؛ في دعائم موطدة من الدين القويم والخلق المستقيم، وفي دعاء صادق تنطلق به الحناجر: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٧]. يجب تأصيل التعامل مع المستجدات والأحداث بنظرة إسلامية، واعتماد أجهزة الإعلام بالنظرة الإيمانية، وتوحيد مصدر التثبت في الأنباء على منهج القرآن المدلول عليه بقوله سبحانه: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء:٨٣]. أما اليأس والتيئيس فليعلم أن اليهود تحملوا العيش في الشتات آلاف السنين، ولم ينسوا مزاعمهم في أرضهم الموعودة، فهل يضطرب أهل الحق المسلمون لمتاعب عشرات السنين، تبلغ الخمسين أو الستين أو ما فوق ذلك، ويفرطون في حقوقهم؟! كلا ثم كلا. إن الأمة بحاجة إلى تربية جادة، تصب الأجيال في قوالب الإيمان، وترصهم في ميادين الجهاد والمثابرة وطول الكفاح. ولنا من حديث اليأس ما نحذر به الخصوم والأعداء، فحذار من دفع خصمك نحو اليأس. إن غلق الأبواب، ومحاولة التضييق على الخصم في ركن أو زاوية، وسد فرص الاختيار يفجر طاقات الغضب والكبت، والانتقام والآلام. إن هذا المسلك يدفع نحو مواقف متطرفة، يغذيها الحقد والتشفي والقمع الطويل. وبعد -أيها المسلمون- فلنا من كتاب ربنا ما يربينا ويهدينا، ويدلنا ويرشدنا، فقد سرد لنا أنواع القصص، وضرب لنا روائع الأمثال، ثم قال: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً﴾ [الفرقان:٢٠]، وبالتربية القرآنية سوف تنبعث الهمة في الأمة، وينبت فيها الطموح والتطلع العالي، وهمك على قدر ما أهمك، وعلى قدر أهل العزم تكون العزائم. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة:٢١٤] نفعني الله وإياكم بالقرآن العزيز، وبهدي محمد ﷺ . وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 387

القوة الإيمانية الحمد لله؛ بلطفه تنكشف الشدائد، وبصدق التوكل عليه يندفع كيد كل كائد، ويتقى شر كل حاسد، أحمده سبحانه وأشكره على جميع العوائد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له في كل شيء آية تدل على أنه الأحد الواحد، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، جاء بالحق وأقام الحجة على كل معاند، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه السادة الأماجد، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فيا أيها المسلمون! إن العظمة الإنسانية والقوة الإيمانية لا تعرف في الرخاء قدر ما تعرف في الشدة، والنفوس الكبار هي التي تملك أمرها عند بروز التحدي، ألا ما أسعد المجتمع بالأقوياء الراسخين من أبنائه، وما أشقاه بالضعاف المهازيل الذين لا ينصرون صديقاً، ولا يخيفون عدوا، ً ولا تقوم بهم نهضة، ولا ترفع بهم راية. لقد ابيضت عين الدهر، ولم ترَ مثل المؤمن في قوته وبذله وفدائه. المؤمن لا تخيفه قوة المادة ولا لغة الأرقام؛ فهو يقدم من ألوان التضحية، وضروب الفداء، وأنواع البذل، ما لا يصدقه الأعداء. المؤمن لا يصرفه عن حقه وعد، ولا يثنيه عن همته وعيد، ولا ينحرف به الطمع، ولا يضله هواه، ولا تغلبه شهوة؛ فهو دائماً داع إلى الخير، مقاوم للشر، آمرٌ بالمعروف، ناه عن المنكر، هادٍ إلى الحق، فاضح للباطل؛ لئن كسر المدفع سيفه، فلن يكسر الباطل حقه. المؤمن قوي؛ لأنه على عقيدة التوحيد وعلى طريق الحق، لا يعمل لعصبية جاهلية ولا من أجل البغي على أحد، إنه قوي بإيمانه، مستمسك بالعروة الوثقى، يأوي إلى ركن شديد: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٥]. المؤمن بإيمانه ليس مخلوقاً ضائعاً، ولا رقماً هملاً، ولو تظاهر عليه أهل الأرض أجمعون: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣] ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا﴾ [إبراهيم:١٢]. ألا فاتقوا الله رحمكم الله، واستمسكوا بدينكم، وتمسكوا بحقكم، وأحسنوا الظن بربكم و ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:٢٠٠]. ثم صلوا وسلموا على نبيكم محمد النبي الأمي، نبي الرحمة والملحمة، فقد أمركم بذلك ربكم، فقال قائلاً عليماً: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وارض اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وجودك وإحسانك يا أكرم الأكرمين! اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، واحم حوزة الدين، واخذل الطغاة والملاحدة وسائر أعداء الدين، اللهم وانصر عبادك المؤمنين. اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح واحفظ أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل اللهم ولايتنا في من خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين. اللهم أيد بالتوفيق والتسديد إمامنا وولي أمرنا. اللهم احفظه بحفظك، وأعزه بدينك، وأعل به كلمتك، وارزقه البطانة الصالحة، وأيده بالحق، وأيد الحق به، واجعله نصرة للإسلام والمسلمين، واجمع به كلمتهم على الحق والهدى يا رب العالمين! اللهم وفق ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك وبسنة نبيك محمد ﷺ ، واجعلهم رحمة لرعاياهم واجمع كلمتهم على الحق يا رب العالمين! اللهم اغفر للمجاهدين الذين يجاهدون في سبيلك لإعلاء كلمتك وإعزاز دينك. اللهم انصرهم في فلسطين، وفي كشمير، وفي الشيشان، وفي كل مكان يا رب العالمين، اللهم اخذل أعداءهم، واجعل الدائرة عليهم يا رب العالمين! اللهم إن اليهود المحتلين قد طغوا وبغوا، وآذوا وأفسدوا، وقتلوا وشردوا، اللهم فرق جمعهم، وشتت شملهم، وأنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، اللهم وأرنا فيهم عجائب قدرتك، واكفناهم بما شئت يا رب العالمين! اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك محمد ﷺ وعبادك الصالحين، اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا والزلازل والمحن وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن، عن بلادنا وعن سائر بلاد المسلمين يا رب العالمين! ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. عباد الله! إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون. فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 388

الربا هو الدمار إن رسول الله ﷺ ما ترك خيراً إلا ودلنا عليه، ولا شراً إلا حذرنا منه، وإن الربا من أعظم الكبائر والشرور التي توقع الأمة في الدمار والخراب، وتسبب إنزال الوباء والغلاء والأمراض والأسقام. وقد حذر الله منه وتوعد من حاربه به بالحرب في الدنيا قبل الآخرة.

стр. 389

جريمة الربا وخطرها الديني والمادي الحمد لله الواجب حمده، المتعالي جده، أحمده سبحانه وأشكره على آلائه العظام، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه على الدوام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، عظم حلمه فعفا، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله النبي المصطفى، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله الشرفاء، وأصحابه الحنفاء، والتابعين ومن تبعهم بإحسان وسار على نهجهم واقتفى، أثبت ما أثبت ونفى ما نفى. أما بعد: فأوصيكم -أيها الناس- ونفسي بتقوى الله ، فاتقوا الله -رحمكم الله- واحذروا الدنيا فإنها حلوة خضرة حُفت بالشهوات، وتحببت بالعاجلة، وتحلَّت بالآمال، وتزينت بالغرور، لا يدوم نعيمها، ولا تُؤمن غوائلها، غرارة ضرّارة، وصفها ربكم عز شأنه بقوله: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً﴾ [الكهف:٤٥] لا زاد فيها مُدَّخر إلا زاد التقوى، ألا فاتقوا الله رحمكم الله! أيها المسلمون! إن الأمة لتبلغ الأفق الأعلى من العز والمجد؛ حين تحفظ دينها، وتصون أخلاقها، وتحمي أوطانها، وترسخ سيادتها، وتحسن التدبير في مالها واقتصادها. هذه المقاصد الكبرى، لا تتحقق ولا تحفظ ولا تُحمى إلا بعنصرين عظيمين: عزة النفس وقوتها، وتنمية المال وحسن إنفاقه، تعز النفس وتقوى بالمجاهدة والجهاد، مع صحة المعتقد والاستقامة على الحق وإعداد القوة، أما المال وكسبه وإنفاقه فهو السلاح المضَّاء، والعصب العاصب، يحرك الأمم، ويهدد الدول، ويفجر الحروب. لا يمكن للأمة أن تبني مجدها وتواجه أعداءها بعد سلاح العقيدة وزاد الإيمان؛ إلا بسلاح المال، وقوة الاقتصاد، وحسن التدبير والمسارعة في العطاء والبذل، ومن ملك المال ملك النفوذ، وذهب أهل الدثور بالأجور، والجهاد بالمال قرين الجهاد بالنفس. أيها الإخوة المسلمون! إن أجزاءً كثيرةً من هذا العالم في حالٍ من التدهور، سريع أو بطيء، ظاهر أو خفي، وإن كثرة كافرة من أمم الأرض تعمل ويكسب غيرها، وتتعب ويستريح غيرها، وتشقى ويسعد غيرها، وتبأس وينعم غيرها. أيها المسلمون! لم يحدث أن شاع الفساد وعمّ الاضطراب مثلما شاع في هذه الأزمان المتأخرة، ومع هذه الحضارات المعاصرة؛ سادت الفاحشة، وفشا الخمر، وانتشر القمار والميسر فسادٌ يدخل من كل باب -إلا ما رحم ربي- في هذا العالم المادي المكفهر، والذي تتطور فيه تقنيات التصنيع والإنتاج، فلا ترى إلا التضخم والبطالة وكساد سوق العمل.

стр. 390

الربا من أعظم أسباب الفساد أيها الإخوة! وهذه وقفة مع سببٍ من أعظم أسباب هذا الفساد -إن لم يكن أعظمها وأكبرها وأفحشها- ذلكم هو الربا والمرابون وأكلة الربا، صورة كُبرى من أكل أموال الناس بالباطل، لقد جُرَّت كثيرٌ من الأمم رويداً رويداً إلى التورط في التعامل بالربا، ووقعت في لهيبه الحارق وشباكه الملتوية؛ مما جعل كثيراً من العقلاء والمستبصرين يرون أن هذا التوريط من أكبر الجرائم الأخلاقية والاقتصادية والسياسية ناهيك عن المخالفة الشرعية. ما أضعف كثيراً من الأمم إلا أكل الربا والتعامل به، وإذا كان الدَّيْنَ في حق الأفراد هماً بالليل وذلاً بالنهار؛ فإنه في حق الأمم ذلٌ وفقر وانتقاص لكرامة الأمة، ونيلٌ من مصالحها الوطنية، عقلية ربوية قاسية جعلت بلداناً كثيرة مدينة بمئات الملايين والمليارات في أرقامٍ فلكية لا يكاد يُحصى عدها، وما زادها ولا ضاعفها ولا أعجز أصحابها عن سدادها إلا ما يسمونه بمصاريف وخدمات وفوائد الديون، شعوبٌ عصف بها الفقر بسبب الديون الربوية، وبيوتٌ اجتاحها الخراب بسبب أكلها الربا. أيها المسلمون! المرابي أنانيٌ متسلط، واسع الحيلة ماكر التصرف ناعم الملمس كاشر الأنياب دينه حب المال، ومتعته ابتزاز المحتاجين.
следующие страницы →