Полный текст (918 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
واجب المسلمين تجاه خطط أعداء الدين
أيها المسلمون! في هذه الأجواء كان ينبغي أن تكون الجباه مقطبة، والنفوس جادة غير هازلة، كان ينبغي أن يطير النوم من عيون الهاجعين.
أيها الإخوة الأحبة! ومع كل هذا فإن العدو الخطير أهون مما يتصور المتشائمون والمذعورون واليائسون والانهزاميون.
إن الانتصار على الأعداء ولو طال الزمن لا يتطلب إلا سلاحاً واحداً يستخدم بصدق وإخلاص وجد وعزيمة، إنه سلاح محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم؛ سلاح الإيمان بالله، وإخلاص التوحيد والعبادة، والعمل بالإسلام، والسير على نهج محمد ﷺ في السلم وفي الحرب.
يجب أن يعي المسلمون أن الإسلام وحده هو مصدر الطاقة الذي تضيء به مصابيحهم، وتنير به مشاعلهم، وبدون الإسلام ليسوا إلا زجاجات وقوارير فارغة لا يوقدها زيت، ولا يشعلها ثقاب.
ليس للمسلمين عز ولا شرف ولا حق ولا كرامة إلا بالإسلام، إنهم إن أنكروا ذلك، أو تنكروا له، فلن يجدوا من دون الله ولياً ولا نصيراً.
إنهم بغير الإسلام أقوام متناحرة، وقطعان مشتتة، بل سقط متاع، وأصفار من غير أرقام.
يجب أن تربى الأمة على الإقبال على المخاطر لتسلم لها الحياة؛ في دعائم موطدة من الدين القويم والخلق المستقيم، وفي دعاء صادق تنطلق به الحناجر: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٧].
يجب تأصيل التعامل مع المستجدات والأحداث بنظرة إسلامية، واعتماد أجهزة الإعلام بالنظرة الإيمانية، وتوحيد مصدر التثبت في الأنباء على منهج القرآن المدلول عليه بقوله سبحانه: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء:٨٣].
أما اليأس والتيئيس فليعلم أن اليهود تحملوا العيش في الشتات آلاف السنين، ولم ينسوا مزاعمهم في أرضهم الموعودة، فهل يضطرب أهل الحق المسلمون لمتاعب عشرات السنين، تبلغ الخمسين أو الستين أو ما فوق ذلك، ويفرطون في حقوقهم؟! كلا ثم كلا.
إن الأمة بحاجة إلى تربية جادة، تصب الأجيال في قوالب الإيمان، وترصهم في ميادين الجهاد والمثابرة وطول الكفاح.
ولنا من حديث اليأس ما نحذر به الخصوم والأعداء، فحذار من دفع خصمك نحو اليأس.
إن غلق الأبواب، ومحاولة التضييق على الخصم في ركن أو زاوية، وسد فرص الاختيار يفجر طاقات الغضب والكبت، والانتقام والآلام.
إن هذا المسلك يدفع نحو مواقف متطرفة، يغذيها الحقد والتشفي والقمع الطويل.
وبعد -أيها المسلمون- فلنا من كتاب ربنا ما يربينا ويهدينا، ويدلنا ويرشدنا، فقد سرد لنا أنواع القصص، وضرب لنا روائع الأمثال، ثم قال: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً﴾ [الفرقان:٢٠]، وبالتربية القرآنية سوف تنبعث الهمة في الأمة، وينبت فيها الطموح والتطلع العالي، وهمك على قدر ما أهمك، وعلى قدر أهل العزم تكون العزائم.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة:٢١٤] نفعني الله وإياكم بالقرآن العزيز، وبهدي محمد ﷺ .
وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 387
القوة الإيمانية
الحمد لله؛ بلطفه تنكشف الشدائد، وبصدق التوكل عليه يندفع كيد كل كائد، ويتقى شر كل حاسد، أحمده سبحانه وأشكره على جميع العوائد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له في كل شيء آية تدل على أنه الأحد الواحد، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، جاء بالحق وأقام الحجة على كل معاند، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه السادة الأماجد، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فيا أيها المسلمون! إن العظمة الإنسانية والقوة الإيمانية لا تعرف في الرخاء قدر ما تعرف في الشدة، والنفوس الكبار هي التي تملك أمرها عند بروز التحدي، ألا ما أسعد المجتمع بالأقوياء الراسخين من أبنائه، وما أشقاه بالضعاف المهازيل الذين لا ينصرون صديقاً، ولا يخيفون عدوا، ً ولا تقوم بهم نهضة، ولا ترفع بهم راية.
لقد ابيضت عين الدهر، ولم ترَ مثل المؤمن في قوته وبذله وفدائه.
المؤمن لا تخيفه قوة المادة ولا لغة الأرقام؛ فهو يقدم من ألوان التضحية، وضروب الفداء، وأنواع البذل، ما لا يصدقه الأعداء.
المؤمن لا يصرفه عن حقه وعد، ولا يثنيه عن همته وعيد، ولا ينحرف به الطمع، ولا يضله هواه، ولا تغلبه شهوة؛ فهو دائماً داع إلى الخير، مقاوم للشر، آمرٌ بالمعروف، ناه عن المنكر، هادٍ إلى الحق، فاضح للباطل؛ لئن كسر المدفع سيفه، فلن يكسر الباطل حقه.
المؤمن قوي؛ لأنه على عقيدة التوحيد وعلى طريق الحق، لا يعمل لعصبية جاهلية ولا من أجل البغي على أحد، إنه قوي بإيمانه، مستمسك بالعروة الوثقى، يأوي إلى ركن شديد: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٥].
المؤمن بإيمانه ليس مخلوقاً ضائعاً، ولا رقماً هملاً، ولو تظاهر عليه أهل الأرض أجمعون: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣] ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا﴾ [إبراهيم:١٢].
ألا فاتقوا الله رحمكم الله، واستمسكوا بدينكم، وتمسكوا بحقكم، وأحسنوا الظن بربكم و ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:٢٠٠].
ثم صلوا وسلموا على نبيكم محمد النبي الأمي، نبي الرحمة والملحمة، فقد أمركم بذلك ربكم، فقال قائلاً عليماً: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].
اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وارض اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وجودك وإحسانك يا أكرم الأكرمين!
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، واحم حوزة الدين، واخذل الطغاة والملاحدة وسائر أعداء الدين، اللهم وانصر عبادك المؤمنين.
اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح واحفظ أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل اللهم ولايتنا في من خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين.
اللهم أيد بالتوفيق والتسديد إمامنا وولي أمرنا.
اللهم احفظه بحفظك، وأعزه بدينك، وأعل به كلمتك، وارزقه البطانة الصالحة، وأيده بالحق، وأيد الحق به، واجعله نصرة للإسلام والمسلمين، واجمع به كلمتهم على الحق والهدى يا رب العالمين!
اللهم وفق ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك وبسنة نبيك محمد ﷺ ، واجعلهم رحمة لرعاياهم واجمع كلمتهم على الحق يا رب العالمين!
اللهم اغفر للمجاهدين الذين يجاهدون في سبيلك لإعلاء كلمتك وإعزاز دينك.
اللهم انصرهم في فلسطين، وفي كشمير، وفي الشيشان، وفي كل مكان يا رب العالمين، اللهم اخذل أعداءهم، واجعل الدائرة عليهم يا رب العالمين!
اللهم إن اليهود المحتلين قد طغوا وبغوا، وآذوا وأفسدوا، وقتلوا وشردوا، اللهم فرق جمعهم، وشتت شملهم، وأنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، اللهم وأرنا فيهم عجائب قدرتك، واكفناهم بما شئت يا رب العالمين!
اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك محمد ﷺ وعبادك الصالحين، اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا والزلازل والمحن وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن، عن بلادنا وعن سائر بلاد المسلمين يا رب العالمين!
ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
عباد الله! إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون.
فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
стр. 388
الربا هو الدمار
إن رسول الله ﷺ ما ترك خيراً إلا ودلنا عليه، ولا شراً إلا حذرنا منه، وإن الربا من أعظم الكبائر والشرور التي توقع الأمة في الدمار والخراب، وتسبب إنزال الوباء والغلاء والأمراض والأسقام.
وقد حذر الله منه وتوعد من حاربه به بالحرب في الدنيا قبل الآخرة.
стр. 389
جريمة الربا وخطرها الديني والمادي
الحمد لله الواجب حمده، المتعالي جده، أحمده سبحانه وأشكره على آلائه العظام، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه على الدوام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، عظم حلمه فعفا، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله النبي المصطفى، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله الشرفاء، وأصحابه الحنفاء، والتابعين ومن تبعهم بإحسان وسار على نهجهم واقتفى، أثبت ما أثبت ونفى ما نفى.
أما بعد:
فأوصيكم -أيها الناس- ونفسي بتقوى الله ، فاتقوا الله -رحمكم الله- واحذروا الدنيا فإنها حلوة خضرة حُفت بالشهوات، وتحببت بالعاجلة، وتحلَّت بالآمال، وتزينت بالغرور، لا يدوم نعيمها، ولا تُؤمن غوائلها، غرارة ضرّارة، وصفها ربكم عز شأنه بقوله: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً﴾ [الكهف:٤٥] لا زاد فيها مُدَّخر إلا زاد التقوى، ألا فاتقوا الله رحمكم الله!
أيها المسلمون! إن الأمة لتبلغ الأفق الأعلى من العز والمجد؛ حين تحفظ دينها، وتصون أخلاقها، وتحمي أوطانها، وترسخ سيادتها، وتحسن التدبير في مالها واقتصادها.
هذه المقاصد الكبرى، لا تتحقق ولا تحفظ ولا تُحمى إلا بعنصرين عظيمين: عزة النفس وقوتها، وتنمية المال وحسن إنفاقه، تعز النفس وتقوى بالمجاهدة والجهاد، مع صحة المعتقد والاستقامة على الحق وإعداد القوة، أما المال وكسبه وإنفاقه فهو السلاح المضَّاء، والعصب العاصب، يحرك الأمم، ويهدد الدول، ويفجر الحروب.
لا يمكن للأمة أن تبني مجدها وتواجه أعداءها بعد سلاح العقيدة وزاد الإيمان؛ إلا بسلاح المال، وقوة الاقتصاد، وحسن التدبير والمسارعة في العطاء والبذل، ومن ملك المال ملك النفوذ، وذهب أهل الدثور بالأجور، والجهاد بالمال قرين الجهاد بالنفس.
أيها الإخوة المسلمون! إن أجزاءً كثيرةً من هذا العالم في حالٍ من التدهور، سريع أو بطيء، ظاهر أو خفي، وإن كثرة كافرة من أمم الأرض تعمل ويكسب غيرها، وتتعب ويستريح غيرها، وتشقى ويسعد غيرها، وتبأس وينعم غيرها.
أيها المسلمون! لم يحدث أن شاع الفساد وعمّ الاضطراب مثلما شاع في هذه الأزمان المتأخرة، ومع هذه الحضارات المعاصرة؛ سادت الفاحشة، وفشا الخمر، وانتشر القمار والميسر فسادٌ يدخل من كل باب -إلا ما رحم ربي- في هذا العالم المادي المكفهر، والذي تتطور فيه تقنيات التصنيع والإنتاج، فلا ترى إلا التضخم والبطالة وكساد سوق العمل.
стр. 390
الربا من أعظم أسباب الفساد
أيها الإخوة! وهذه وقفة مع سببٍ من أعظم أسباب هذا الفساد -إن لم يكن أعظمها وأكبرها وأفحشها- ذلكم هو الربا والمرابون وأكلة الربا، صورة كُبرى من أكل أموال الناس بالباطل، لقد جُرَّت كثيرٌ من الأمم رويداً رويداً إلى التورط في التعامل بالربا، ووقعت في لهيبه الحارق وشباكه الملتوية؛ مما جعل كثيراً من العقلاء والمستبصرين يرون أن هذا التوريط من أكبر الجرائم الأخلاقية والاقتصادية والسياسية ناهيك عن المخالفة الشرعية.
ما أضعف كثيراً من الأمم إلا أكل الربا والتعامل به، وإذا كان الدَّيْنَ في حق الأفراد هماً بالليل وذلاً بالنهار؛ فإنه في حق الأمم ذلٌ وفقر وانتقاص لكرامة الأمة، ونيلٌ من مصالحها الوطنية، عقلية ربوية قاسية جعلت بلداناً كثيرة مدينة بمئات الملايين والمليارات في أرقامٍ فلكية لا يكاد يُحصى عدها، وما زادها ولا ضاعفها ولا أعجز أصحابها عن سدادها إلا ما يسمونه بمصاريف وخدمات وفوائد الديون، شعوبٌ عصف بها الفقر بسبب الديون الربوية، وبيوتٌ اجتاحها الخراب بسبب أكلها الربا.
أيها المسلمون! المرابي أنانيٌ متسلط، واسع الحيلة ماكر التصرف ناعم الملمس كاشر الأنياب دينه حب المال، ومتعته ابتزاز المحتاجين.
стр. 391
آثار الربا على الأفراد والأمم
الربا استعباد للأمم والأفراد، واستغلالٌ للجهود والعرق، تحت ضغط الحاجة، والعوز في ساعات الضيق والأزمات.
الربا معاملة شرسة لا تعرف الرحمة ولا الإنسانية.
الربا يقوم على نهب أموال الكادحين، وابتزاز خيرات الدول، وسرقة جهد المجتهدين بأبخس الأثمان وأقل التكاليف.
المرابون لا تزيد ثرواتهم إلا إذا كثرت مصائب الناس، وعظمت حاجاتهم، في الأزمات والحروب ترتفع نسب فوائد الربا وعوائد التأمين، إنها أحكامٌ وتشريعات حسب الأهواء والأطماع لا بحسب المصالح الحقيقية للناس والشعوب.
إن فشو الربا يعني خلق الأزمات الاقتصادية، وحلول الكوارث المالية والجوائح المعيشية.
الربا ظلام على الإنسانية في إيمانها وأخلاقها واقتصادها ومعيشتها وصميم حياتها، يمحق سعادة البشرية، ويعطل نموها المتوازن.
بالربا تصبح المجتمعات مرتعاً للكراهية والحقد والبغضاء والشحناء، وميداناً للتنافس غير الشريف الذي تغتال فيه القيم، وتتضاءل معه محاسن الأخلاق.
فشو الربا نذيرٌ بضياع الثروات ومحق البركات، ما التضخم والبطالة والكساد إلا آثارٌ من آثار الربا، الأموال كثيرة، والسيولة متوفرة؛ ولكنها في خزائن المرابين من الأفراد والمصارف والدول.
المصانع تستغني عن عمالها، والشركات تسرح أعداداً هائلاً من موظفيها، والمرابون يقبضون أيديهم، الناس بحاجةٍ إلى السلع والخدمات ولكنهم لا يجدون المال، فتحدث حينئذٍ الهزات الاقتصادية، وتتنزل الكوارث المالية، وتنهار الأسعار، وتضطرب الدورات التجارية، وتفقد العملات قيمتها.
إن الشح في الموارد، والاختناقات في الخدمات، ما هي إلا آثارٌ من آثار الربا الكالح.
فشو الربا يضعف الإنتاج، فالمرابي يكنز ماله ويدخره للحصول على عائدٍ مضمون، ولا يعرضه للمخاطرة، ومن المعلوم لدى المرابي أنه كلما نقص سعر الفائدة زاد الإنتاج، وحينئذٍ تزداد فرص العمل وميادين التشغيل في المعاملات الربوية، الدائن المرابي رابحٌ دائماً، والمديون المكافح هو وحده المعرض للربح والخسارة، ومن المعلوم جزماً أن المال سيئول كله للذي يربح دائماً وهذا ما عليه حال كثير من المصارف الربوية والدول الربوية.
فمعظم المال على وجه الأرض عند فئات محدودة من المصارف وبيوت التجارة، ومن عداهم من الملاك وأصحاب الأعمال والاستثمارات ليسوا سوى أُجراء أو شبه أُجراء يعملون لحساب هذه الفئة المحدودة من أكلة الربا الذين يجنون ثمرات كد الآخرين، وعرق جبين الكادحين.
معاملات ربوية محرمة قاتلة مهلكة تفرزها المصارف الربوية والتعاملات المحرمة، بعيدة عن أخلاقيات التعامل، وضوابط التعايش، وتبادل المصالح.
معاملاتٌ محكومة بمرض التنافس على تكديس الأموال والتهامها، وامتصاص ثروات الشعوب وانتهابها واستلاب جيوب الناس وابتزازها، تحت دعوى النظام العالمي والتجارة العالمية، وما حقيقتها وما مآلاتها إلا حصر للأموال في البطون الواسعة؛ لرهطٍ من المرابين، وتضييق سبل البيع الحلال، وإضعاف طرق الاكتساب المستطاب.
إن ارتفاع الفوائد الربوية يعني ارتفاعاً مبالغاً في الأسعار دون أن يقابل هذا الارتفاع في الأسعار إنتاجٌ أو جهدٌ إنتاجي، وهذا يزيد من مديونات العالم دون زيادة مماثلة في الإنتاج.
إن هذه الفوائد يصعب سدادها، وهي تزداد يوماً بعد يوم من مئات الملايين إلى ملياراتها، وهذا هو التضخم القاتل.
إن عملات العالم تنتحر وتتدهور وتنهار، إنها بالونات لا تزال تمتلئ بالهواء الفاسد حتى تنفجر، ولسوف يعقب ذلك كسادٌ ما بعده كساد.
إن الفوائد الربوية تهدر قيمة النقود، وتهبط بقيم العملات، وتنسف النظام النقدي.
стр. 392
السعادة الحقيقية في ترك الربا والتعامل الحلال
أيها الإخوة في الإسلام! لا سعادة لأهل الأرض كلهم ولا خير ولا بركة إلا بترك الربا، وإسقاطه من المعاملات والتعاملات، إن المخرج هو بناء نظام اقتصادي جديد، خالٍ من الربا والفوائد الربوية قليلها وكثيرها.
إن من المسلمات في عقيدة كل مسلم أن الله لا يمكن أن يحرم شيئاً وتكون البشرية بحاجة إليه، بل لا يمكن أن تصلح به الحياة، إن المصدر المشروع للكسب وسبيل الاستقرار في الاقتصاد هو العمل والجهد والعقل والتخطيط.
وكل إنسانٍ إذا استخدم قوته البدنية، وعقله المفكر، فإنه سوف يكسب حاجته وفوق حاجته بإذن الله، وسواءٌ في ذلك الأفراد أو الأمم.
إن الغنى الحقيقي ليس في تكديس الأموال وكنزها واحتكارها، ولكن الغنى الحقيقي في الاستغناء بالكسب وفتح سبله.
أيها الإخوة! العمل في ديننا قرين الجهاد في سبيل الله: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [المزمل:٢٠] وكل نبيٍ كان له عملٌ وحرفة، وما من نبيٍ إلا رعى الغنم، وما أكل نبي الله داود إلا من عمل يده، وعمر بن الخطاب اشتغل بالصفق في الأسواق، وعثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف مع جملة من صحابة رسول الله ﷺ كانوا من أصحاب رءوس الأموال الكبيرة في كسبٍ شريف وعملٍ منتج جهزوا بها جيوش الجهاد، وفكوا بها بوائق الأمة ليس فيها درهم ربا.
إن ثروة الأمم الحقيقية هو عمل أبنائها وجد أهلها وعمل الأمة المباركة في إنتاجها لحاجاتها في غذائها وكسائها ودوائها وسائر مطالبها، ونظامنا أهل الإسلام نظامٌ عدل في معاملاته وطرق كسبه لا يطغى فيه قويٌ على ضعيف، ولا غنيٌ على فقير، ولا يكون فيه المال دولة بين الأغنياء، من أجلَّ هذا أحل الله البيع وحرَّم الربا، فالنقود لا تلد نقوداً، ولكن المال ينتج بالعمل والتبادلات التجارية والتعرض للربح والخسارة من قبل الجميع.
تبادلٌ في المنافع، قد جعل الناس بعضهم لبعضٍ سخرياً، ولم يجعل الله لأحدٍ حقاً بغير عمل، أو بدون مقابل.
أحلَّ الله البيع؛ لأن فيه عوضاً وتعاوضاً، وحرم الربا؛ لأن فيه زيادة لا مقابل لها، نظام الأخلاق ونظام الاقتصاد مترابطان فلا يقوم اقتصادٌ صحيح بغير خُلقٍ حسن.
إن منع الربا يحمي المجدين العاملين الشرفاء، الذين يتعاطون الأعمال الشريفة، والمشروعات المنتجة، ويضرب على أيدي مصاصي دماء الشعوب وكدها، لقد زعموا -وبئس ما زعموا- أن الربا حاجة ملحة وضرورة عصرية، لا غنى للاقتصاد عنها، ولا قيام للمصارف بدونها، وهذا محض افتراء! فالربا هو الدمار والخراب، ولكن بعض المهزومين، المتعلقين بالأعداء لا يستطيعون أن ينظروا بغير منظارهم.
الربا هو أحد المنافذ التي تمكن منها الأعداء من ثروات كثيرٍ من الأمم ولو كانت هذه الدعوى صحيحة، فها هو الربا قد انتشر في الأرض انتشار السرطان، وهاهي قلاع الربا قد نبتت وبنيت في كل صقعٍ من أصقاع الدنيا صغيرها وكبيرها غنيها وفقيرها والصغير والفقير لا يزال يُعاني من التخلف والقهر والاستعباد والفقر، فهل أغنتكم قلاع الربا؟
وبعد أيها الإخوة! فإن العالم يسير بسرعة مخيفة نحو كارثة اقتصادية بلا حدود، وإن هذه الكارثة لا ترجع إلى أن موارد الخير والرزق في الأرض قد تناقصت، فالموارد للإنسان والحيوان لا تزال في ازدياد، وتقنيات التصنيع في إنتاج الغذاء الكساء والدواء وغيرها ماثلة للعيان.
بل إن بعض الدول تلقي بفائض إنتاجها في البحر حتى لا تنخفض الأسعار، وما يصرف في سباق التسلح يكفي عشر معشاره لرفاه البشرية كلها: ﴿وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [المائدة:١٠] ولكنها آثار ومحق الربا، وآثار إعلان الحرب من الله ورسوله، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ * وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٧٨ - ٢٨١].
نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبهدي محمدٍ ﷺ .
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 393
الأدلة على تحريم الربا
الحمد لله على ما أخذ وأعطى، وعلى ما ابتلى وأبلى، أحمده سبحانه وأشكره، له الحمد في الآخرة والأولى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبد الله ورسوله، نبي الهدى، وخاتم الأنبياء، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد: أيها المسلمون! كتاب ربنا قد جاء بالقول الفصل في أمر الربا، في خبرٍ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولكن ومع كل هذا فلا يزال الناس بحاجة إلى التذكير به، وبيان حرمته، وشدة خطره، وعظيم أثره وآثاره.
إن كثيراً من بقاع العالم غارقة في أوحال الربا، وتحيق بها نذر لعنة رسول الله ﷺ ، ويحيط بها الإعلام والإعلان والإيذان بحرب الله ورسوله، إنها تلاحق العالم وتزلزل أركانه: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً﴾ [النساء:٢٧].
تحريم الربا من المعلوم من الدين بالضرورة في نصوص قطعية من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ : ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ [البقرة:٢٧١ - ٢٧٦].
وفي الحديث الصحيح: ﴿لعن رسول الله ﷺ آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه، وقال: هم سواء﴾ وهو أحد الموبقات السبع الغامسات في الإثم، وهو قرين للشرك والسحر وقتل النفس بغير حق، وفي الحديث: ﴿درهم ربا أشد من ستة وثلاثين زنية في الإسلام﴾ رواه أحمد والدارقطني، ورجال أحمد ثقات، ﴿وإن أربى الربا أن يستطيل المسلم في عرض أخيه﴾ والأحاديث في ذلك كثيرة في عقوبات الدنيا والآخرة.
الربا كسبٌ خبيثٌ محرم مشئومٌ، وسحتٌ لا خير فيه ولا بركة، الربا محاربة لله ورسوله، وكفى في ذلك خطراً ونذراً، ومن ذا الذي يطيق مواجهة حربٍ مع الله ورسوله؟!
وإن آثار هذه الحرب لمخيفة -نسأل الله العفو والسلامة- نقصٌ في الأموال والثمرات، وجدبٌ وغرق وأوجاعٌ مستديمة، وأمراضٌ مستعصية، وحرمانٌ من اللذائذ والطيبات والمتع المباحات، مع ما يصيب الناس من الهم والحزن والعجز والكسل والشح وأسباب القلق، وموجبات الأرق، وعصابات الإجرام، وأنظمة الجور على الأنفس والممتلكات! ألم تقرءوا: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً * وَأَخْذِهِمُ الرِّبا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء:١٦٠ - ١٦١].
وفي الحديث عن ابن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ قال: ﴿ما ظهر في قومٍ الزنا والربا إلا أحلوا بأنفسهم عذاب الله﴾ رواه أبو يعلى والهيثمي، وإسناده جيد.
أيها الإخوة! إن على أهل الإسلام أن يُطهروا عقولهم ونفوسهم، ويوقنوا بأن الطريق المستقيمة واضحة المعالم، ولكن السير فيها لا يتيسر إلا لذوي الاستقامة، فإن الظل لا يستقيم إذا كان العود أعوج.
فاتقوا الله -رحمكم الله- وتأملوا في أنفسكم وحاسبوها، ثم صلوا وسلموا على الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، نبيكم محمد رسول الله ﷺ ، فقد أمركم، بذلك ربكم، فقال عز من قائلٍ عليماً: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].
اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، والخلق الأكمل، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وارض اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين، الذين قضوا بالعدل وبه كانوا يعدلون: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي وعن سائر الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
وعنَّا معهم بعفوك وجودك وإحسانك يا أرحم الراحمين!
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، واخذل الطغاة وأعداء الملة والدين.
اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك محمد ﷺ وعبادك الصالحين.
اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين!
اللهم أيد بالحق والتوفيق إمامنا وولي أمرنا، اللهم انصر به دينك، وأعل به كلمتك، وأعز به أهل الحق، وارزقه البطانة الصالحة، واجمع به كلمة المسلمين على الحق يا رب العالمين!
اللهم وفق ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك وبسنة نبيك محمدٍ ﷺ ، واجعلهم رحمة لرعاياهم، واجمعهم على الحق يا رب العالمين!
اللهم وأبرم لأمة الإسلام أمر رشد، يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، إنك على كل شيء قدير.
اللهم ارفع عنا الغلاء، والوباء، والربا، والزنا، والزلازل، والمحن، وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن، عن بلدنا هذا خاصة وعن سائر بلاد المسلمين يا رب العالمين!
اللهم انصر المجاهدين الذين يجاهدون في سبيلك، لإعزاز دينك، وإعلاء كلمتك، اللهم انصرهم في كل مكان، اللهم انصرهم في فلسطين وكشمير وكوسوفا وفي كل مكان يا رب العالمين!
اللهم انصرهم وأيدهم، اللهم انصرهم على الصهاينة الغاصبين، والصرب الحاقدين، والوثنيين الظالمين.
اللهم كن لهم، وسدد سهامهم وآراءهم، اللهم واجعل الدائرة على أعدائهم، اللهم شتت شملهم، وفرق جمعهم، وأنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين.
ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا و
стр. 394
اللغة عنوان سيادة الأمة
لغة الأمة ميزان دقيق ومعيار أساس في حفظ الهوية وتحديد الذات، فهي شريان الأمة، وأداة الحضارة.
والمسلمون اليوم قد أصيبوا بانهزامية في لغتهم وفي أخلاقهم ومظاهرهم، فمن مظاهر الانهزامية في اللغة عند المسلمين: تعميم اللغة الأجنبية، وانتشارها في أسماء المحلات والسلع والأطعمة، وكذلك التحدث بها لغير حاجة.
стр. 395
اللغة العربية وأهميتها
الحمد لله؛ وهو الأحق أن يحمد، سبحانه وبحمده هو الواحد الأحد الفرد الصمد، أستغفره وأتوب إليه، وأشكره وأثني عليه، وأسأله المزيد من فضله وكرمه، عطاؤه جزيل، وفضله عميم، وخزائنه لا تنفد، وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، نبيٌ لا يكذَّب، ورسول لا يعبد، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ساروا على هدي محمد، فكانوا بالخير أسعد، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ وأخلص لربه وتعبد.
أما بعد:
فأوصيكم -أيها الناس- ونفسي بتقوى الله ، فاتقوا الله رحمكم الله؛ فتقوى الله هي الوصية الجامعة، والذخيرة النافعة، واستعدوا للمنايا فهي لا بد واقعة، واحذروا زخارف الدنيا المضلة، فمن استكثر منها فما ازداد إلا قلة، وليكن استكثاركم وازديادكم من التقوى فهي خير زاد.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر:١٨]
أيها المسلمون: من أحب الله أحب رسوله محمداً ﷺ ، ومن أحب رسوله محمداً ﷺ أحب لغة القرآن الكريم، فهي لغة كريمة نزل بها أفضل كتاب، ونطق بها أفضل مخلوق ﷺ .
هي وعاء علوم الدين، وذخائر التراث، لا تكون معرفة القرآن والسنة إلا بها، ولا يتم فهم علومهما ومقاصدهما بدونها، تعلمها وإتقانها من الديانة، فهي أداة علم الشريعة ومفتاح الفقه في الدين.
أيها الإخوة المسلمون: إن لغة الأمة ميزانٌ دقيق ومعيارٌ أساس في حفظ الهوية وتحديد الذات، فهي شريان الأمة، وأقنوم الحضارة، ومصدرٌ عظيمٌ من مصادر القوة، وإذا أضاعت أمة لسانها أضاعت تاريخها وحضارتها، كما تضيع حاضرها ومستقبلها.
إن اللغة من أهم ملامح الشخصية الإنسانية إن لم تكن أهمها، وهي التي تربط المرء بأهله وأمته ودينه وثقافته، فهي التاريخ، وهي الجغرافيا.
اللغة مظهرٌ من مظاهر قوة الابتكار في الأمة، فإذا ضعفت قوة الابتكار توقفت اللغة، وإذا توقفت اللغة تقهقرت الأمة، وإذا تقهقرت الأمة فذلكم هو الموت والاضمحلال والاندثار.
إن شواهد التاريخ قديمها وحديثها تظهر بجلاء: أنه لم تتقدم دولة ولم تشيد حضارة ما لم تكن العلوم والتعليم بلغة الأمة نفسها لا بلغة أجنبية عنها.
стр. 396
منزلة اللغة العربية وقوتها
أيها المسلمون: وفي شواهد التاريخ -أيضاً- استطاعت لغة القرآن الكريم أن تحقق متطلبات المجتمع التاريخية عبر الأحقاب المختلفة، بكل المستويات الدينية والعلمية، والاقتصادية والاجتماعية، والسياسية والعسكرية في عصر النبوة، ثم في عصر الخلافة الراشدة، ثم في حكم بني أمية، وما رافقه من تعريب الدواوين، ونظم الإدارة للمجتمعات المختلفة، والأقاليم والجيوش والحياة العامة، كما استجابت اللغة لحاجات الحضارة أيام بني العباس وما واكبها من حركة الترجمة، بل هي لا غيرها كانت لغة العلم والبحث العلمي في الطب والعلوم والرياضيات والفلك والهندسة وغيرها.
إن الدولة الإسلامية على مر عصورها لم تأخذ من الأمم في احتكاكها معها إلا بمقدار الحاجة الماسة للتعبير عن بعض المعاني التي لم تكن موجودة في لغتها، ولم تفتنهم لغات هذه الأمم رغم حضاراتها العريقة، كفارس والروم واليونان، بل زادهم ذلك تمسكاً وحرصاً.
والعجيب في هذا التاريخ الإسلامي العظيم، وهذا الدين الأخاذ: أن أبناء الأمم الأخرى هم الذين كانوا يتسابقون إلى تعلم لغة القرآن، لغة الدين والعلم! بل هم الذين نبغوا فيها، وشاركوا على نحوٍ مدهش في وضع قواعدها، وجمع معاجمها، انطلاقاً من الشعور الإسلامي الرائع الذي أحلَّ لغة القرآن أرفع المنازل؛ لأنها لغة الدين والتنزيل، وفي كل أرجاء الأمة وأصقاعها تتردد أصداء هذا الحديث النبوي فيما يروى عنه ﷺ أنه قال: ﴿إن العربية ليست لأحدكم بأبٍ ولا أم، إنما هي اللسان فمن تكلم العربية فهو عربي﴾ والحديث ضعيفٌ في إسناده، ولكنه صحيحٌ في معناه، كما يقرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
стр. 397
استهداف اللغة العربية من قبل أعدائها
أيها الإخوة في الله: وإذا كانت لغة القرآن ولغة الإسلام بهذه القوة، وبهذه المقدرة، وبهذه المنزلة؛ فلا غرابة أن تكون مستهدفة من أعدائها، فلقد علم المشتغلون بدراسات التاريخ المعاصر، والمتابعون لمسيرة الاستعمار وسياساته أن التهجم على اللغة والتهوين من شأنها، والسخرية من المشتغلين بها، والتهكم بها في وسائل الإعلام والقصص والروايات والمسرحيات، في سياساتٍ مرسومة وحملات مكثفة، ثم تلقف ذلك من بعدهم وعلى طريقهم أبناءٌ وأجراء وعملاء نعم.
ليس من المستغرب أن تتعرض لغة شعبٍ من الشعوب في مرحلة الغزو والاحتلال إلى الإذابة والمحو؛ لأن اللغة معلمٌ بارز في تحديد الهوية، وإثبات الذات، فكيف إذا كانت اللغة هي لغة القرآن ولسان الإسلام؟!
وقد يكون من غير الحصيف -أيها الإخوة- أن نلوم أعداءنا فيما يقومون به من أجل مصالحهم، وتحقيق أهدافهم، وسعيهم في تحكيم غيرهم، ولكن الأسف والأسى أن يصدر ذلك ويتبناه فئات من بني قومنا، تعلقوا بالأجنبي وولوا وجوههم شطره ثقافياً وفكرياً، وأصبحوا ينظرون إلى ثقافة الإسلام بازدراء، وإلى لغة القرآن باحتقار، والأجنبي لم يضمن ولاءهم اللغوي فحسب، ولكنه ضمن ولاءهم الفكري والسياسي.
стр. 398
ترك اللغة من مظاهر الانهزامية
لماذا هانت علينا أنفسنا؟
ولماذا هانت علينا بلادنا؟
ولماذا هانت علينا لغتنا -لغة ديننا ولغة قرآننا-؟
إنما أصاب الأمة من ظروفٍ سياسية واقتصادية، وضعفٍ في الديانة، أدى إلى ركود الفكر، وضعف الثقافة، حتى آل الأمر إلى هذه التبعية المشينة، إن الأزمة أزمة عزة لا أزمة لغة، وأزمة ناطقين لا أزمة كلمات.
إن اللغة لم تضعف ولم تعجز، ولكن ضعف أبناؤها، وقصَّر حماتها، وإن من الظلم والحيف أن يتهم هؤلاء الأبناء العاقون الكسالى لغتهم من غير حجةٍ ولا برهان، ضعافٍ في أنفسهم، مهابيل في طموحاتهم، يرهبون أنفسهم بثورة المعلومات، وترتجف قلوبهم بتقدم التقنيات مسكينٌ هذا المثقف الذي ضعف وتخاذل، فشرَّق وغرَّب يفتش لعله يجد ميداناً أو مدخلاً ما الذي يريده هؤلاء المساكين؟
هل يريدون أن ينسلخوا من هويتهم؛ فيهاجروا بألسنتهم وعقولهم إلى أعدائهم، ويتحولوا إلى مخلوقاتٍ تفكر بعقولٍ غير عقولها، وترطن بلسانٍ غير لسانها؟!
هل يتخلون عن هويتهم ودينهم وعزهم بسبب نظرة ضيقة، ومنفعة آلية؟ هي في مآلها ومصيرها ضررٌ ماحق، وخطرٌ داهم، وبلاءٌ مغدق؟
أيها المسلمون: ويزداد الضعف ويتجلى الهوان عند هؤلاء المشككين حين يتفوهون بقولهم: إن استخدام لغة الأمة قد يسبب عزوف الطلاب عن إتقان اللغة الأجنبية؛ مما يؤدي إلى ابتعادهم عن الأبحاث الجديدة والتطور السريع!
ويحدثك آخرون عن سوق العمل: فترى مخذولين، مبهورين، يفاخرون في بعض كلياتهم وأقسامهم بأنهم يدرسون جميع العلوم لديهم بلغة أجنبية؛ بحجة أن سوق العمل يتطلب ذلك، وهي حججٌ يعلم الله ويعلم المؤمنون، ويعلم العقلاء أنها واهية، بل هي -والله- أوهى من بيت العنكبوت لو كانوا يعلمون.
ولكنها أحوال تذكر بعبودية التسلط والاستعمار في بعض البلدان في الماضي، وما أشبه الأجواء الثقافية لعهد العولمة الحاضر بالأجواء الثقافية بعهد الاستعمار الغابر، من حيث جعل الاستلاب الديني عن طريق الهجوم الشرس على اللغة وزعزعتها في حياة الأمة، وإحلال اللغة الأجنبية بمسوغات بالية.
وحين يحدثونك عن اللغة وسوق العمل ليتهم يحدثونك عن مصطلحاتٍ علمية، وتقنيات متقدمة، واتصالٍ بالجديد من العلم والتقنية، ولكنه -مع الأسف- ليس سوى إتاحة لعمالة وافدة متوسطة التأهيل ومتدنية الكفاءة، تتربع على مواقع العمل في المؤسسات والشركات، والأسواق والتجارة، مهمتهم عرض البضائع، وترويج السلع، وترتيب المستودعات، وقيد السجلات، وضبط المراسلات سوق عملٍ مخزي، تحولت به المستشفيات والفنادق وبعض أقسام الجامعات وبعض الأسواق ومعارض البضائع والتجارات، واللوحات الإعلامية والتجارية، تحول كل ذلك إلى بيئات أجنبية، يتبادل فيها أبناء الأمة لغة أو لغات أجنبية، حتى تحولت قوائم الأطعمة والسلع والأسعار إلى اللغة الأجنبية، وفرضت وجودها وأنماطها على شرائح واسعة من أجيال الأمة؛ فاضطربت لغة التفاضل، وفسدت الألسن، وزادوا تخلفاً إلى تخلفهم، وضعفاً إلى ضعفهم، وامتلأت سوق العمل بالوافدين من غير حاجة حقيقية، ويريدون من أبناء الأمة أن يتحدثوا اللغة الأجنبية من أجل هؤلاء، زاعمين أنهم بهذا يهيئون لأبنائهم فرص العمل.
стр. 399
وجود الوافدين ليس مسوغاً لترك اللغة العربية
أيها المسلون: أيها المخلصون: إن وجود وافدين -مهما كان عددهم، ومهما كانت الحاجة إليهم، بل مهما كان مستواهم العلمي والفني- لا يجوز أن يكون سبيلاً للتفريط في السيادة على أرضنا.
وقد علم العقلاء والاجتماعيون -فضلاً عن العلماء والمربين- أن اللغة من أهم مظاهر السيادة، وكم تمزقت بلاد حين تعددت لغاتها، بل لقد ظهرت مبادئ انشقاقٍ وطني في بعض الشعوب، وتصدعت صفوفها، وتسببت في إثارة الفتن والنعرات من أبناء البلد الواحد، مما تشاهد آثاره المدمرة ماثلة أمام العيان والأعداء لنارها يوقدون.
إن من الغفلة الشنيعة الزعم بأن مصلحة السوق ودواعي الاستثمار تتطلب لغة أجنبية، فكل بلاد العالم -ولا سيما المتصدرة منها قائمة التقدمية- لا يمكن أن تؤثر شيئاً على لغتها مهما كانت الأسباب والدواعي والدوافع أما كان الأجدر بهؤلاء -إن كانوا وطنيين مخلصين- أن يجعلوا التحدث بلغتنا شرطاً في العمالة الوافدة بدلاً من إجبار أبنائنا أن يتحدثوا لغة أجنبية من أجل هؤلاء الوافدين؟! إن هذا -والله- لانتكاسة عجيبة.
وبعد: أيها الإخوة! وفي محاسبة جادة، ومساءلة صادقة: إن كثيراً من الشعوب الموصوفة بالنامية قد انزلقت في تعليم أو تعميم اللغة الأجنبية في أبنائها، فماذا أفادت؟ وماذا استفادت؟ هل خرجت من فوق النامية هذه؟
إن أعداءكم اليهود قد أحيوا لغة لهم مندثرة، لا حضارة لها ولا تاريخ؛ فأصبحت هي لغة العلم والأدب والحياة، إن أي أمة تروم التقدم والقوة والعزة والاعتماد بعد الله على نفسها؛ لا يمكن أن تمتلك زمام العلم والتقنية إلا حين تعلم ذلك كلها بلغتها.
﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ * وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ * أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرائيلَ﴾ [الشعراء:١٩٢ - ١٩٧].
نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبهدي محمدٍ ﷺ .
وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 400
حاجة الأمة إلى سياسة لغوية
الحمد لله على توفيقه وهدايته، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه لا منتهى لغايته، وأستغفر الله وأستهديه، وأسأله الإعانة على ذكره وشكره وحسن عبادته، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في أسمائه وصفاته وربوبيته ووحدانيته، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، اجتباه من خلقه واصطفاه لرسالته، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد:
فاتقوا الله -عباد الله- في كل حال، وأخلصوا له في الأقوال والأعمال، والزموا الطاعات والامتثال.
أيها الإخوة المسلمون: لقد ظهرت دعواتٌ تطالب بتعليم اللغة الأجنبية للأطفال الصغار من الصفوف الأولى، وعلت نداءات تدعو إلى تدريس لغة الأجنبي في جميع العلوم، وتعالت أصواتٌ تريد جعل اللغة الأجنبية شرطاً لتحصيل الوظيفة أو العمل!
أيها الإخوة المخلصون: لا بد في الأمة من شموخٍ لا يحني هامته لإغراءات وضع اقتصادي طارئ، أو آليات سوق عابر، أو مكاسب وقتية عاقبتها الهلاك والدمار والذوبان والاندثار.
إن من التناقض الصارخ والغفلة القاتلة: أن يتحدث رواد الفقه والمثقفون عن توطين التقنيات واستنبات العلوم في أرض الوطن، وهم في الوقت نفسه يصرون على الدعوة إلى تدريس العلوم والتقنيات باللغة الأجنبية، والتي لم يتقنها المتعلمون من غير أهلها، ولو أتقنوها -عياذاً بالله- كما يتقنها أهلها فقل على الأمة وعلى لغتها بل على وجودها السلام.
أيها المسلمون: إن الحل والسلامة والحصانة والمشاركة الحقيقية في البناء وسلوك مسالك التقدم الصحيح والنظيف هو بالتصدي لخطر الإذابة للعمل المنظم الجاد بعيداً عن الشعارات الجوفاء، والكتابات الخرساء عملٌ جاد يكسب المناعة ضد محاولة الإذابة وطمس الهوية، ومن ثَم المشاركة في البناء ومعطيات الحضارة الصالحة النافعة؛ إن كان في الأمة غيرة، وإن كان ثَمة صدقٌ وجد في خدمة الدين والأمة واللغة، فالطريق واضح، والمحجة بينة.
إن الأمة تحتاج إلى سياسة لغوية، فليست المشكلة ولا القضية في معرفة النظرية لقواعد اللغة وأصولها؛ بل الذي يحتاجه عموم الناس والمتكلمون هو الكفاءة اللغوية في النطق والكتابة والتعبير نحتاج إلى سياسة لغوية تنسق عمل المؤسسات المعنية باللغة وخطاب الناس، ولا سيما الإعلام بوسائله، والتعليم بمناهجه وطرائقه؛ فتكون الفسحة الميسرة هي الهدف المنشود التحقيق، وحينئذٍ لا تكون لغة مادة دراسية مجردة مفردة معزولة محصورة بين حيطان قاعات الدراسة في ساعات محدودة، بل يجب أن تكون هي لغة الحياة في كل ميادينها، مطلوبٌ الاهتمام الخاص باللغة في التعليم العالي في الأقسام العلمية والنظرية، وإلزام الالتزام بها تدريساً وتحدثاً وكتابة.
مطلوبٌ الغيرة الصادقة على اللغة في الوقفة الصارمة أمام هذه الأسماء التجارية والصناعية الوافدة، التي لا تعكس سوى الانهزام والتبعية والشعور بالذلة والدونية.
وبعد أيها الأحبة في الله: فإن قوة اللغة واستمرارها -بإذن الله- يعتمد بالدرجة الأولى على وعي الأمة وحرصها على رعايتها وحمايتها وانتشارها، واليقين الجازم بأنها صالحةٌ لمقتضيات الحال، قادرة على متطلبات الوقت، ومعطيات التحضر، ومستجدات التطور، وتلك أهدافٌ كبرى تخطط لها الدولة المحترمة والأمة العظيمة، فتقيم المؤسسات المتخصصة، وتبني مراكز البحوث المتقدمة، وتؤسس الهيئات الفنية لتعليم اللغة وتطوير أساليب تدريسها، وترجمة المصطلحات الأجنبية.
لا بد أن يبقى للغتنا سلوكها، ولا بد من تطويق المناعة الذاتية في جسم أبناء الأمة، والاعتزاز بالدين والدار، والتعامل مع اللغة الأجنبية ببصيرة وحسن استفادة من غير ذوبان.
يجب أن نعلن ونلقن، ونرسم أننا بحاجة إلى الأمن اللغوي، كما أننا بحاجة إلى الأمن الفكري والغذائي والمائي، فكل أولئك من ضروريات الحياة والعيش الكريم هذا هو الطريق، وذلكم هو المسار، وعلى الله قصد السبيل، وكفى بربك هادياً ونصيراً.
هذا وصلوا وسلموا على الحبيب المصطفى، والنبي المجتبى، فقد أمكركم بذلك ربكم جل وعلا، فقال عز من قائلٍ عليماً: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].
اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد نبي الرحمة والملحمة، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وارض اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين؛ أبي بكر، وعمر، وعثمان وعلي، وعن الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وجودك وإحسانك يا أكرم الأكرمين!
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، واحم حوزة الدين، وانصر عبادك المؤمنين.
اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأيد بالحق والتوفيق إمامنا وولي أمرنا، ووفقه لما تحب وترضى، وخذ بناصيته للبر والتقوى، وأعز به دينك، وأعلِ به كلمتك، وارزقه البطانة الصالحة، واجعله نصرة للإسلام والمسلمين، واجمع به كلمتهم على الحق والهدى يا رب العالمين.
اللهم وفِّق ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك وبسنة نبيك محمدٍ ﷺ ، واجعلهم رحمة لعبادك المؤمنين، واجمع كلمتهم على الحق يا رب العالمين.
اللهم أبرم لأمة الإسلام أمر رشدٍ يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، إنك على كل شيء قدير.
اللهم انصر المجاهدين الذين يجاهدون في سبيلك لإعلاء كلمتك وإعزاز دينك، اللهم انصرهم في فلسطين وفي كشمير، وفي الشيشان، وانصرهم في كل مكان يا رب العالمين، اللهم سدد سهامهم وآراءهم، واجمع كلمتهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم.
اللهم إن اليهود المحتلين قد طغوا وبغوا وآذوا وأفسدوا وقتلوا وشردوا وهدموا وخربوا، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك، اللهم فرق جمعهم، وشتت شملهم، واجعل بأسهم بينهم، اللهم وأنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين.
اللهم إنا ندرأ بك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم، اللهم وكن للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات.
اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا والزلازل والمحن، وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن، عن بلادنا وعن سائر بلاد المسلمين يا رب العالمين.
ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
стр. 401
الوسطية في منهج أهل السنة والجماعة
إن الله جعل أمة محمد ﷺ خير الأمم، لذلك يقول: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾ ثم جعلها الله أمة وسطاً شاهدة على الناس والأمم السابقة ولذلك يقول: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطاً﴾.
فهم وسط في أمور الدين والحياة جميعاً.
стр. 402
سبب الحديث عن الوسطية
أحمد الله ﵎ وأثني عليه بما هو أهله، وأستغفره وأستهديه وأتوب إليه وأؤمن به وأتوكل عليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا ملجأ ولا منجى منه إلا إليه، وأشهد أن سيدَنا ونبيَّنا محمدٌ عبدُ الله ورسولُه الداعي إلى سبيل ربه صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وعلى أصحابه أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد:
فسلام الله عليكم جميعاً ورحمته وبركاته.
الموضوع -كما في ضمن هذه السلسلة التي يعقدها هذا المسجد المبارك في منهج أهل السنة والجماعة - هو ما رغب الإخوة المنظمون أن يكون تحت عنوان الوسطية في منهج أهل السنة والجماعة.
وعناصر الموضوع -حسب الوقت المتاح- كالتالي:
لماذا الحديث عن الوسطية؟
تعريف بـ أهل السنة والجماعة.
عرض لأهم خصائصهم ومعالم منهجهم.
حديث عن الوسطية ومظاهرها.
أما لماذا الحديث عن الوسطية؟:
فذلك لأن الأمة الإسلامية -ولا سيما في حالها المعاصر- تعيش ضَعفاً ظاهراً في كثير من ديارها وأحوالها، ومن أظهر مظاهر الضعف: ظهور طرفي الإفراط والتفريط والغلو والجفاء ﴿بِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ [الحج:٤٥] ومع الأسف- أن هذا كما هو حال كثير من عموم المسلمين، فهو موجود في بعض من ينتسبون إلى الدعوة والعلم والإصلاح، ففيهم من غلا وأفرط، فنشأت فيهم جماعات تكفير وهجرة، وهناك من فرط وجفا، وأضاع معالم الدين والعقيدة، بقصد جمع الناس ووحدة الصف، ففشى الإرجاء، وانطمس عندهم معالم التوحيد وحقيقة العبادة، والمسلك الوسط في ذلك هو اقتفاء الأثر، وتبين الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم، غير المغضوب عليهم، ولا الضالين، سلوك هذا المسلك حتى يتبين غلو الغالين، وانتحال المبطلين، وتفريط الكسالى والمرجئين، ودعاوى المنهزمين والمرجفين على حد قوله : ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:١٥٣].
стр. 403
معنى الوسطية في اللغة والشرع
أما الوسط والوسطية من حيث المعنى:
فلا يبدو لي أن هناك حاجة إلى بيان معنى الوسطية بشكل مفصل، ولكن يكفي أن نشير إلى أن الوسط في لغة العرب، وفي مختار القرآن الكريم في الوسط والأوسط والوسطى، وأوسطهم هو: معنىً يجمع بين العدل والفضل والخيرية والجودة والرفعة والمكانة العلية والنَّصَف، كما أنه: توسطٌ بين طرفين، أي: بين رغيدتين، كما قالوا: خير الأمور أوسطها، والفضيلة وسط بين رغيدتين.
ولقد جعل الله هذه الأمة وسطاً في كل أمور الدين، فلها من الدين أكمله، ومن الأخلاق أجلها، ومن الأعمال أفضلها على ما سوف يأتي لهذا من مزيد تفصيل إن شاء الله.
стр. 404
تعريف بأهل السنة والجماعة
أما ما يتعلق بتعريف أهل السنة والجماعة:-
فأهل السنة والجماعة يُطلَق بإطلاقين:
إطلاق عام.
إطلاق خاص.
الإطلاق العام: يطلق على أهل السنة والجماعة مقابل الشيعة والخوارج.
ويطلق بإطلاق خاص: وهو مقابل جميع المخالفين من أهل الأهواء.
وهذا هو المراد هنا، فالمراد به السلف، وأهل السنة والجماعة، وأهل الحديث ممن برز مذهبهم ومنهجهم وبخاصة في إثبات الصفات لله ، وقولهم في القرآن بأنه غير مخلوق، وإثبات رؤية الله في الآخرة، وغير ذلك من الأصول المعروفة عند أهل السنة والجماعة.
стр. 405
المراد بالسنة والجماعة
والسنة هي: الطريقة المسلوكة في الدين الذي عليه رسول الله ﷺ وخلفاؤه الراشدون على حد قوله ﷺ في الفرقة الناجية: ﴿مَن كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي﴾.
والمراد بالجماعة: الاجتماع الذي هو ضد الافتراق، فتَسَمَّى أهلُ السنة والجماعة بهذا الاسم؛ لأنهم أهل سنة تمسكوا بسنة رسول الله ﷺ وهديه، واقتفوا طريقته باطناً وظاهراً في الاعتقادات والأقوال والأعمال، وهم الجماعة؛ لأنهم جدُّوا في الاجتماع على الحق والأخذ به، واجتمعوا على أئمتهم، وعلى الجهاد، وعلى السنة والاتباع، وترك الابتداع والأهواء.
стр. 406
مسميات أخرى لأهل السنة والجماعة
كما أنهم هم أهل الحديث والأثر لشدة عنايتهم بحديث رسول الله ﷺ روايةً ودرايةً واتباعاً، فهم يقدمون الأثر على النظر.
وهم السلف إذ المراد بـ السلف: الصحابة ﵃ وتابعوهم وأتباعهم إلى يوم الدين، وقد يراد بـ السلف: القرون المفضلة الثلاثة الأولى.
ومن هنا فإن منهج أهل السنة والجماعة ومذهبم على جهة الإجمال: ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، وأعيان التابعين لهم بإحسان وأتباعهم وأئمة الدين ممن شُهِدَ له بالإمامة وعُرِفَ عِظَمُ شأنِه في الدين، وتلقى الناس كلامَهم خلفاً عن سلف دون مَن رُمِي ببدعةٍ، أو شُهِر بتوجهٍ غير مرضٍ، من أمثال: القدرية، والمرجئة، والجبرية، والجهمية، والمعتزلة، وغيرهم.
стр. 407
معالم أهل السنة والجماعة
قبل أن ندخل إلى صلب الموضوع، لا مانع أن نذكر أهمية منهج أهل السنة والجماعة:
تنبع أهمية هذا المنهج من أهمية الدين نفسه والعقيدة نفسها، وضرورة العمل الجاد الدءوب لأخذ الناس بالحق وأخذهم بدين الله ، وذلك لأمور منها:
стр. 408
من معالم أهل السنة تعظيم الكتاب والسنة والاعتصام بهما
تعظيم الكتاب والسنة والاعتصام بهما عامل مهم لجمع كلمة المسلمين وتوحيد صفوفهم، فلا تجتمع كلمة المسلمين إلا على كتاب الله وسنة نبيه محمد ﷺ ، وعلى نهج الجيل الأول من صحابة رسول الله ﷺ ، أما التجمع على غير ذلك فمصيره الفشل والتفرق.
هذا المنهج يجعل المسلم يُعَظِّم نصوص الكتاب والسنة، وتعصمه -بإذن الله- مِن رَدِّ معانيها، أو التلاعب في تفسيرها فيما يوافق الهوى.
وهذا المنهج يربط المسلم بـ السلف من الصحابة ومَن تبعهم، فتزيده عزة وإيماناً وافتخاراً، فهؤلاء السلف من الصحابة ومَن سار على نهجهم هم سادة الأولياء وأئمة الأتقياء.
وهذا المنهج يتميز بوضوح، حيث إنه يتخذ من الكتاب والسنة منطلقاً في التصور والفَهم، بعيداً عن التأويل والتعطيل والتشبيه، وينجي -بإذن الله- المتمسك به من هلكة الخوض في ذات الله، ورَدِّ النصوص من كتاب الله وسنة نبيه محمدٍِ ﷺ ، ومِن ثَمَّ تُكسِب صاحبَها الرضا والاطمئنان لدين الله وأمره وقدره وتقديره، ولا يكلف العقل التفكير فيما لا طاقة له به من الغيبيات، فهذا المنهج سهل ميسر بعيد عن التعقيد والتعجيز، ولهذا جاء الأثر عن ابن عمر ﵄ أنه قال: [[من كان مستناً، فليستن بمن قد مات، أولئك أصحاب محمد ﷺ ، كانوا خير هذه الأمة وأبرها قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، قومٌ اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ ، ونَقْل دينه، فتشبهوا بأخلاقهم وطرائقهم، فهم أصحاب محمد ﷺ كانوا على هدىً مستقيم ورب الكعبة]] ومن ضمن ذلك مقالة ابن مسعود ﵁ المحفوظة في قوله: [[إن الله نظر في قلوب العباد، فوجد قلب محمد ﷺ خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه، فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد ﷺ ، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه يقاتلون على دينه، فما رآه المسلمون حسناً، فهو عند الله حسن، وما رأوه سيئاً، فهو عند الله سيئ]].
стр. 409
عدم التعصب لأحد غير رسول الله ﷺ
ومن معالم هذا المنهج أيضاً: البُعد عن التعصب إلا لرسول الله ﷺ ، فأهل هذا المنهج هم أعلم الناس بأقواله ﵊ وأحواله وأعظمُهم تمييزاً بين صحيحها وسقيمها.
هذا المنهجٌ يجعل الكتاب والسنة هو الإمام، ويجعل طلب الدين مِن قِبَلِهِما، أي: مِن قِبَل الكتاب والسنة، وما وقع في العقول والخواطر والآراء، فإنه يُعرَض على الكتاب والسنة، فإن كان موافقاً قُبِل، وإن وُجِدَ مخالفاً تُرِك، وليس إقبالٌ إلا على كتاب الله وسنة نبيه محمد ﷺ ، ومِن ثَمَّ صاحب هذا المنهج إذا وَجَد في نفسه حرجاً، فإنه يرجع بالتهمة على نفسه، فإن الكتاب والسنة لا يهديان إلا إلى الحق، وإلى التي هي أقوم، ورأي الإنسان قد يكون حقاً وقد يكون باطلاً.
стр. 410
أهل السنة ليس لهم انتساب خاص
كذلك ليس لهم اسمٌ خاصٌ ينتسبون إليه، كما قال بعض أهل العلم وقد سئل عن السنة، فقال: السنة ما لا اسم له سوى السنة.
وأما غيرهم فينتسبون إلى المقالة تارة، أي: إلى المبدأ، أو إلى القائد تارة، أما أهل السنة فإنما نسبتهم إلى سنة رسول الله ﷺ وحديثه ومأثوره وسلف الأمة.
جميعُ كتبهم المصنفة مِن أولها إلى آخرها في باب الاعتقاد على وتيرة واحدة ونمط واحد، يَجْرُون فيه على طريقة لا يحيدون عنها، بل لو أنك جمعت ما كتبوه وما نقلوه عن سلفهم، لوجدته وكأنه قد جاء عن قلب رجل واحد، وجرى على لسان رجل واحد، ولهذا قال أبو المظفر السمعاني: وكان السبب في اتفاق أهل الحديث أنهم أخذوا الدين من الكتاب والسنة وطريق النقل، فأورثهم الاجتماع والائتلاف، فإن النقل والرواية من الثقاة المتقنين قَلَّما تختلف، وإن اختلفت في لفظة أو كلمة، فذلك الاختلاف لا يضر الدين ولا يقدح فيه، وأما المعقولات والآراء والخواطر فقَلَّما تتفق، فعقل كل واحد ورأيه وخاطره، يُرِي صاحبه غير ما يُرِي الآخر.
стр. 411
من خصائص أهل السنة تبنيهم للتوحيد والدعوة إليه
من خصائص هذا المنهج، أو من معالمه الكبرى كممارسة، أو كمَعْلَم بارز: قضية التوحيد، بمعنى: الحديث عن التوحيد، والدعوة إليه، والالتزام به.
وقضية التوحيد وضدها الشرك، تحتاج إلى وقفة حقيقية لأنها فعلاً ميزة، وهي -مع الأسف- محل تردد عند بعض الناس.
إن من المعلوم تميز هذه البلاد بخاصة -ولله الحمد- بتبنيها لقضية التوحيد والدعوة إليه، وبروز ذلك بروزاً بيناً مما دعا بعضَ الناس والمفكرين وبعض الذين لم يتبينوا المنهج ولم يميزوا، أو بعض المخالفين، لما رأى إصرارَنا على الحديث عن التوحيد والالتزام به والدعوة إليه وتعليمه وتربية الناس عليه ما كان من أمثال هؤلاء إلا أن قالوا: إن هذا المنهج كأنه يشير بأننا نَتَّهِم الناس في عقائدهم، وحقيقةً هذا يحتاج إلى وقفة كبيرة.
فالدعوة إلى التوحيد هي طريق القرآن، والدعوة إلى التوحيد ليست للمشركين فقط ومن قال: إنه لا يُدْعى إلى التوحيد، ولا يُذَكَّر بالتوحيد إلا المشركون فهذا غير صحيح، والقرآن كله حديث عن التوحيد وعن ضده، كما وصف ذلك ابن القيم ﵀.
فالله حينما ذكر عباد الرحمن وذكر صفاتهم، ومعلوم أن عباد الرحمن مؤمنون، بل إنهم هم الصفوة الذين يُقتَدى بهم، قال سبحانه: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً * ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً * إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً * وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾ [الفرقان:٦٣ - ٦٧] هذه كلها صفات لا تلفت النظر من حيث أنها فعلاً صفات سلوكية، وصفات عبادات وتعبد، لكن قال بعدها: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ﴾ [الفرقان:٦٨] مع أن الله سماهم عباد الرحمن، ولا شك أن كلمة عباد الرحمن تعني: أنهم مستقيمون على الطريقة، لكن من صفاتهم: أنهم لا يدعون مع الله إلهاً آخر، مما يدل على أن قضية التوحيد قضية دقيقة.
وفي قوله سبحانه: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ [النساء:٣٦] العلماء ﵏ وقفوا عند هذه الآية وقفة عجيبة ودقيقة، فكلمة (شيئاً) نكرة وفي سياق النهي تفيد العموم، وقد ذكر العلماء التقدير المحذوف، فقالوا: إن التقدير: واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً من الأشياء، فإذا حاولت أن تفهم هذا الفهم الدقيق من المعنى، لا تشركوا به شيئاً من الأشياء، مهما قل، أي: أدنى تعلق بغير الله ، فهو صورة من صور الشرك المحذوف.
فالتقدير الأول: واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً من الأشياء.
والتقدير الثاني: واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً من الشرك.
فشيئاً من الأشياء، أي: شيئاً من المعبودات سواء أكان ذباباً أو أقل من ذباب.
وشيئاً من الشرك، أي: شيئاًَ من أدنى تعلُّق بقلبك، فأنت على خطر؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦].
إذاً حينما نقول: إن من منهجهم الدعوة إلى توحيد الله ، فلأنها هي طريقة القرآن.
وإن شئتم مزيد إيضاح، فالله حذر من الشرك حتى في خطابه الأنبياء، وحاشاهم أن يشركوا، وذكر من سيرهم أنهم يحذرون أبناءهم، وأبناؤهم على الحق، فالله يقول لنبيه محمد ﷺ : ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر:٦٥] وحاشاه أن يشرك، فهل هذا كان اتهاماً للنبي ﷺ في عقيدته أو في توحيده؟!
إنما هي طريقة القرآن، فالله قال لإبراهيم، وإبراهيم هو صاحب الملة الحنيفية، والذي أُمِر نبينا محمد ﷺ باتباعه، قال له: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً﴾ [الحج:٢٦] حاشا إبراهيم عليه االسلام أن يشرك، وهو صاحب الملة الحنيفية، وهو الذي قال: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم:٣٥] ولهذا قال إبراهيم النخعي: "ومَن يأمن الفتنة بعد إبراهيم؟ " وهو الذي قال: ﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٢] وكذلك في آيات كثيرة منها قول الله لنبيه: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولاً﴾ [الإسراء:٢٢] ﴿وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً﴾ [الإسراء:٣٩] وحاشاه ﵇ أن يُشرك.
إذاً مِن أصول أهل السنة والجماعة، ومن منهجهم: الدعوة إلى التوحيد.
يأتي ولهذا لو فكرت -فعلاً- كيف لو أن الناس تُرِكُوا من التعاهد بتوحيد الله ! لا شك أنهم سينحرفون، ولهذا كثرت صور الشرك الموجودة في كثير من بلاد المسلمين من التعلق بالقبور، ودعاء غير الله، والاستغاثة بغير الله، وأشياء كثيرة مما هو شرك أكبر يخرج من الملة، فالناس تضعُف، ولعلك تلاحظ -مع الأسف- حتى في بلادنا لما ضعُف تركيز علمائنا ﵏ في التربية والتعليم، بدأ يظهر قبول الشعوذات والسحر، والكهانة، وشيء ما كنا نعهده، مما يدل على أن النفوس ضعيفة.
إن النفوس ولو كانت مؤمنة، ولو كانت تشهد أن لا إله إلا الله وتشهد أن محمداًَ رسول الله، وتؤمن بالله ، وتؤمن بتوحيد الربوبية، وتؤمن بحق الله وقوته وقدرته وتدبيره، لكن فيها ضعفاً، فتحتاج دائماً أن تعاهَد بالتوحيد، وتعاهَد بالإخلاص إلى الله ، والتعلق به، وتجريد العبادة له ، وإفراده بالعبادة بأنواعها.
إذاً فمن المنهج: الدعوة إلى توحيد الله ، والتحذير من ضده الذي هو الشرك بشتى ضروبه وصنوفه مهما دَقَّ، كيف والنبي ﷺ يقول: ﴿الشرك أخفى من دبيب النملة السوداء في ليلةٍ ظلماء على صخرةٍ سوداء﴾ أخفى؛ لأنه لا يُرَى مما يدل على عِظَم الأمر، وشدة خطره وضرورة التذكير به والدعوة إليه، وتحذير الناس من الشرك، وبيان التوحيد.
стр. 412
من منهج أهل السنة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
كذلك ومن منهجهم أيضاً: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهي قضية مهمة جداً في الدين، فهناك بعض الفرق السابقة تقول بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكن إما بطريقة خارجة عن سلطة الأئمة وولاة الأمور، أو غير ذلك، لكن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر منهجٌ من منهاج أهل السنة والجماعة، وليس الحديث طبعاً عن الإفاضة في دور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الحفاظ على الدين، والحفاظ على الأمة؛ لكن يكفي أن نقارن بين آيتين:
الآية الأولى: في حق المنافقين، قول الله : ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [التوبة:٦٧].
والآية الأخرى: في حق المؤمنين، قوله سبحانه: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:٧١].
وبالمقارنة بين هاتين الآيتين يتبين الفرق الكبير، والمقصود فعلاً بحياة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتبني الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر منهجاً.
الآية الأولى: ﴿﴾ [التوبة:٦٧] (مِنْ) هنا جنسية، يعني كما تقول: هذا مِن هذا، أو هذا البيض مِن هذا البيض، بمعنى: هم متجانسون في الطباع، كأنك تقول: هذا من هذا ﴿﴾ [التوبة:٦٧] جنس واحد، كما تقول العامة أحياناً في بعض الأقاليم: البيض الفاسد يتدحرج مع بعضه، هذه معنى ﴿مِنْ بَعْضٍِ﴾ [التوبة:٦٧] أجناس مِن بعض.
أما أهل الإيمان، فـ ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة:٧١] بمعنى أن بينهم نصرة، بينما المنافقين لا نصرة بينهم، لأن أصلَ النفاق تَلَوُّنٌ، والنفاق سَيْر على حسب المصالح لا على حسب المصلحة الحقيقية ولا على حسب الحق، وإنما على حسب الهوى، ولهذا فإن المنافق يسير على هواه، أو على هوى مَن يخافه، فمن هنا كان بعضهم من بعض.
أما أهل الإيمان المؤمنون ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة:٧١] متناصرون، فما هي مظاهر النصرة؟
ليست المجاملة، ولا النفاق، وإنما: ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة:٧١] مع أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لو أقيم على وجهه فإنه ثقيل، لكن نظراً لأن الذين بينهم ولاء، ونصرة وتعاقد على الحق كان مظهر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فاشياً، بل مسلكاً مِن مسالكهم، لأنك لو تأملتَ في طبائع النفوس، فإن الأمر بالمعروف شاق، والنهي عن المنكر كذلك شاق، فإذا رأيت أخاك على منكر، ثم نهيته عنه، فإن هذا ثقيل على النفس؛ لكن لِمَا وقر في النفس من إيمان، وفي القلب من يقين والتزام أصبح هذا منهجاً ومقبولاً، بل أصبح هذا هو مظهر من مظاهر المؤمنين: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة:٧١].
стр. 413
من منهج أهل السنة ضبط العلاقة بين التوكل والأسباب
وهناك قضية مهمة جداً في بيان هذا المنهج هي: قضية ضبط العلاقة بين التوكل والأسباب:-
تنبع هذه القضية من صفاء المنهج وصفاء العقيدة، وهي أنه لا تختلط عليه ما يتعلق بالإيمان بالله ، والإيمان بقضائه وقدره، والتوكل عليه، وتسليم الأمر له، وأنه سبحانه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، ولا خافض لما رفع، ولا رافع لما خفض، هذه كلها قضايا راسخة في قلب المؤمن، وهذا لا يعني إنكار الأسباب، فالمؤمن الحق يعلم أن الله وضع في هذه الدنيا سنناً، وأن هذه السنن إذا أخذ بها العبد بإذن الله، فإنها تنتج آثارها، فيأخذ بالسبب، ويقوم بمهمة الاستخلاف؛ لأن الله استخلفه في هذه الأرض ليعمرها ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود:٦١] فهو يربط بين الأسباب، فيأخذ بها، ويحتاط لنفسه، وبين الإيمان بالله ، بمعنى أن السبب إذا لم ينتج، فإنه لا ينتكس،؛ لأنه يعلم أن من وراء الأسباب رب الأرباب، ولهذا يكون على عقيدة مطمئنة، يأخذ بالسبب، فإنه إذا تزوج، والزواج سبب للإنجاب بإذن الله، فإذا لم يأته ولدٌ، رضي وسلَّم، فهو قد أخذ بالسبب، لكنه لم يضطرب، ولم ينتكس حينما لم ينتج السبب؛ لأنه يعلم أن الله من وراء الأسباب، وأن الكون كونه، والتدبير تدبيره .
إذاً هناك ربطٌ وثيقٌ وضبطٌ بين التوكل على الله والأخذ بالأسباب، وهذا لا يحتاج إلى توقف كثير.
نأتي إلى قضية الوسطية، مع أن ما سبق كله إشارة للوسطية، فكل ما سبق من مبادئ ومعالم هي لا شك أنها وسط خاصة في مقابل الفرق المخالفة سواء أكانت من غير المسلمين، أو من الفرق المنتسبة إلى الإسلام.
стр. 414
الوسطية والاعتدال في الإسلام
الوسط والمسلك الوسط هو مسلك الإسلام، والله يقول: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ [البقرة:١٤٣] فالوسط هو الخيار، والوسط هو ما يكون بين الطرفين طرفي الإفراط والتفريط، والغلو والجفاء، فقد اختلفت فيها الحوادث حتى أصبحت طرفاً.
فالإسلام دين الوسط، وسوف نأتي إلى وسطية الإسلام عموماً، ثم نأتي إلى وسطية أهل السنة والجماعة على وجه الخصوص، لكن لا شك أن ما نذكره لا يقيم الإسلام على وجهه إلا مَن فَقِهَ هذه الوسطية.
стр. 415
وسطية الإسلام بين الديانات الأخرى
فالإسلام وسطٌ بين طريق المغضوب عليهم أمثال: اليهود الذين قتلوا أنبياء الله، وقتلوا الذين يأمرون بالقسط من الناس، وأسرفوا في التحريم، وحرموا كثيراً مما رزقهم الله، وبين الضالين أمثال: النصارى الذين اتخذوا الأنبياء آلهة واتخذوا الأحبار والرهبان معبودات من دون الله، وأسرفوا في التحليل حتى قالوا: كلُّ شيءٍ طيبٍ للطيبين.
أما أهل الحق، فصراطهم صراط مَن أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
والإسلام وسط في الاعتقاد بين خرافيين يصدقون بكل شيء، ويتعلقون بكل شيء، ويؤمنون بغير برهان حتى عبدوا آلهة من دون الله، فعبدوا الأبقار وقدَّسوا الأحجار والأوثان، وبين مَن يُنْكر كل شيء، ولا يتعلقون إلا بالماديات المحضة، ويتنكرون من رداء الفطرة والعقل وبراهين المعجزات؛ ولكن القرآن يقول لهؤلاء وهؤلاء: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة:١١١].
إن الحديث عن الوسطية في الاعتقاد ملح وبخاصة في عصرنا الحاضر، فتجد حتى في الوقت الحاضر غلواً في الماديات، حتى أنكروا وجود الله وعبدوا المادة، بل وأصبحوا دُهْرِيين، وغلوا في المعبودات حتى عُبد الشيطان، أي: وصل بهم الفراغ الروحي، وهو الشطط والإفراط إلى أن عبدوا الشيطان، في الوقت الحاضر الذي يسمونه عصر التنوُّر، مع أن الشيطان عُبِد من قديم، لكن ظهرت عبادة الشيطان حتى في أبناء هذا الجيل.
فوسطية الإسلام في هذا: الإيمان بالله وحده، إلهاً واحداً ﴿لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤] وكل مَن سواه مخلوق لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراًَ، ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً.
стр. 416
وسطية الإسلام في الأنبياء
والإسلام وسط بين الذين عظَّموا الأنبياء وقدَّسوهم ورفعوهم فوق منزلتهم حتى جعلوهم آلهة، أو أبناء لله، وبين الجفاة الذين كذبوهم وأهانوهم، بل عذبوهم وقتلوهم، بل في الوقت الحاضر بعضهم يقولون: إنهم مجرد مصلحين اجتماعيين، أو هم مصلحون في أوقاتهم فحسب، أما الآن فما أتوا به غير مناسب لهذا الوقت!
стр. 417
وسطية الإسلام في العقل
كذلك الإسلام وسط بين الغلاة في العقل الذين جعلوه مصدر المعارف والحقائق في الوجود وما وراء الوجود، وبين الجفاة الذين تنكروا له وانزلقوا وتعلقوا بالإلهامات، وعَمَت أبصارُهم.
فمع الأسف جمع الماديون بين التعلق بالمادة، والتعلق بالعقل، فما أوصلتهم إليه عقولُهم قبلوه، وما لم تقبله عقولهم ردُّوه، كما أنه يقابلهم طرف آخر أفرطوا، فألغوا عقولهم بالكلية، فتعلقوا بالأوهام، وتعلقوا بالخرافات، فالإسلام وسط من ذلك، فهناك أمور غيبية لا يدركها العقل فيُسَلِّم بها بضوابطها، وأمور معقولات، وقد جعل الله لنا عقولاً، وجعلها هي محطة التكليف.
إذاً نحن أهل الإسلام ديننا دين وسط في ذلك، فالعقل له منزلته، بل العقل هو محطة تكليف، وفي المقابل نحن لا نغلو بحيث ما لم تصدقه عقولنا لا نقبله؛ لأننا نعلم أن العقل محدود، كما أن طاقاتنا كلها محدودة، فقوة اليد، والبصر، والسمع كلها محدودة، كذلك قوة العقل محدودة، لكنها قوة نعترف بها في حدودها.
كذلك ديننا وسط في الأحكام والعبادات، فالتكاليف في حدود الاستطاعة، لم يكلفنا الله إلا في حدود قدرتنا ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] في الصلوات، في الزكاة، في الصيام، في الحج، في سائر المطلوبات الشرعية، بل الذين أرادوا أن يشددوا على أنفسهم في العبادة، نهاهم رسول الله ﷺ ووقف منهم موقفاً شديداً، كما في قصة الثلاثة الذين جاءوا إلى بيوت النبي ﷺ يسألونه عن عبادته: ﴿فكأنهم تقالُّوها، فقال أحدهم: أما أنا فأصلي ولا أنام، وقال الآخر: أصوم ولا أفطر، وقال الثالث: لا أتزوج النساء، فقام النبي ﷺ خطيباً، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ما بال أقوام يقولون كذا وكذا، أما أنا فأصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي، فليس مني﴾.
إذاً هو وسط في التكاليف، بل -في التكاليف- إذا طرأ عليك ظرف خَفَّفَ الله عليك، فإذا جاء ظرف سواء أكان شاقاً أو في الأسباب التي قررها الشرع كالسفر مثلاً، قد لا يكون شاقاً، لكن لو حصل ظرف شاق فإنه يأتي التخفيف.
فإذاً التكاليف وسط، ولهذا المداومة على العبادة تكون في حدود ما تطيق ﴿عليكم من العمل ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا﴾ ﴿وأحب العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه، وإن قل﴾ ولهذا ابن الجوزي ﵀ يعلق على قضية المداومة، فيقول: إنما أحب الله الدائم لمعنيين:
أحدهما: أن التارك للعمل بعد الدخول فيه كالمعرض بعد الوصل، فهو متعرض للذم، ولهذا ورد الوعيد في حق من حفظ آية، ثم نسيها، وإن كان من قبل حفظها لا يتعين عليه.
ثانيهما: أن مداوم الخير ملازمٌ للخدمة، وليس من لازم الباب في كل يومٍ وقتاً كمن لازم يوماً كاملاً، ثم انقطع.
стр. 418
وسطية الإسلام في الأخلاق
والوسطية في الأخلاق:
دين الله وسط بين الغالي الذي جعل الإنسان مثالياً، فأراده في هذه الدنيا مَلَكاً مُبَرَّئاً من كل عيب، سليماً من كل نقص، فطَلَبَ من معالي القيم والآداب ما لم يمكن أن يبلغه إلا بالعصمة لو كان معصوماً، وبين الجفاة الذين جعلوه حيواناً بهيمياً، فلم يعيبوا عليه أن ينحط في السلوك إلى أسفل الدركات، ومع الأسف- أن عصرنا الحاضر شاهد على هذا الانحطاط البهيمي في الشهوات.
إذاً مسلك الإسلام في الأخلاق وسط بين المثالية والواقعية، بمعنى أنه لا شك أن الإسلام وضع لنا نماذج مثالية أَحَبَّ منا أن نرقى إليها، لكنه لم ينكر واقعيتنا وضعفنا كبشر، قال الله : ﴿وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً﴾ [الأنفال:٦٦] ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً﴾ [النساء:٢٨] بل حتى في الجهاد فرض علينا في أول التشريع أن يقف المسلم مقابل عشرة من الكفار، ثم خفف فقال تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفَاً﴾ [الأنفال:٦٦].
فالإسلام وسط بين المثالية النموذج المحلق، وبين الواقعية، مثلاً: في قوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل:٩٠] عدل وإحسان، فالعدل الذي هو إعطاء حق وأخذ حق، كل واحد يطيقه والإحسان فضل، فالإحسان هو الذي تتنافس فيه النفوس الكريمة، وأيضاً- في قوله تعالى مثلاً: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:١٩٤] لكنه قال في مقام آخر: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل:١٢٦] إذاً ﴿فََمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ [البقرة:١٩٤] واقعية ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ﴾ [النحل:١٢٦] مثالية.
إذاً ديننا ذو وسطية في منهج الصدق والأخلاقيات، لا يريدنا أن نكون -فعلاً- كما يقول النصارى: من ضربك على خدك الأيمن فأعطه خدك الأيسر، لا.
هذا خنوع، إنما الغاية التي لا تنقص عنها أن تعطي حقاً وتأخذ حقاً.
والشرف يكون في الإحسان، أما الممنوع فهو الظلم والتعدي، ولهذا حتى في الحرب قال الله : ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا﴾ [البقرة:١٩٠] حتى في الحرب، وهي مقاتلة في سبيل نصرة الحق، لكن لا تعتدي، فلا تمثيل، ولا قطع آذان، ولا أنوف.
فالإسلام وسط يعترف بواقعية البشر كبشر، فهو يعطي حقاً ويأخذ حقاً، ويرفعه إلى السمو في المثالية.
стр. 419
وسطية الإسلام في الاستمتاع بالزينة
وقضية الاستمتاع بالزينة، وهي وسطية ظاهرة في الإسلام، فقد أباح الله لنا الزينة، بل امتن علينا بإباحة الزينة: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ * وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ * وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٥ - ٨].
إذاً هذا مسلك في الإسلام وسط، لَمْ ينكِر، ولم يمنعنا مما وضعه فينا من طبع حب زينة، وحب استمتاع وتمتع، فلم يجعلنا كالذين شددوا على أنفسهم كما قال النبي ﷺ : ﴿فهؤلاء بقاياهم في الصوامع﴾ أو كما في بعض العبادات الوثنية كما عند بعض الهندوكية والروحانيات المغرقة، لا هذه، ولا هذه.
فالزينة مباح لنا أن نستمتع بها، وتأملوا قول الله : ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ﴾ [النحل:٥ - ٦] الثلاث الأولى أساسيات في وظيفة الأنعام ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ﴾ [النحل:٥ - ٦] فجعل هذا مما امتن الله به علينا.
ولو تتأملون المعنى -يا إخواني- أعني إدراك الجمال في الأنعام، والأنعام هي: الإبل، والبقر، والغنم، وقد يكون غيرها من الحيوانات حسب الأقاليم، وليس كل أحد يدرك جمال الأنعام، إلا بعض الهواة، فأنت ربما لا تشاهد غنماً ولا تفكر فيها، ولا تشاهد بقراً؛ لكن بعض الناس مفتون بالغنم، ومفتون حتى بالإبل، فبعض الناس يشتري الإبل بمئات الآلاف، إذاً لا شك أن الجمال في الإبل، أو في الأنعام فإن كان بعضنا لا يدركه، لكن هناك من يدركه، وأظن الشباب الآن يدركون جمال السيارات، وموديلاتها، وألوانها.
فعلى كل حال المقصود: أن هذا لا حرج فيه في حدود ضوابط، فاستمتاعك بالجمال، بل حتى اقتناؤك للجمال كما قال النبي ﷺ في الخيل: ﴿هي لرجلٍ سِتر﴾ فالرجل الذي يعطي حقها ويستمتع بها، ليس عليه شيء، ما دام أن يعطي حقها، فشعورك وإحساسك بالجمال في هذه الأشياء، أو في غيرها مما امتن الله به جائز حتى في الحمير ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل:٨] أي: تتخذها لغير الركوب، تتخذها للزينة، فالخيل والبغال والحمير ربما لا تتخذها للركوب، وتتخذها للزينة، فالآية لا تمنع من ذلك ما دام في حدود وضوابط الشرع.
وإن شئتم آية أخرى فاقرءوا قول الله : ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ [النمل:٦٠] ما معنى: (ذَاتَ بَهْجَةٍ)؟ معناه: أننا من حقنا أن نبتهج بألوان الزهور، وروائحها، وأشكالها؛ لأن الله ما قال: (ذَاتَ بَهْجَةٍ) إلا من باب الامتنان، والله لا يمتن علينا إلا بمباح.
إذاً هذا له حدوده وضوابطه، لكن أن تستمتع، وأن تجد لذة، وأن تمارس لذتك المباحة في الاستمتاع كالاستمتاع مثلاً بالشم فلا بأس، فإذا كان النبي ﷺ يقول: ﴿حُبِّب إليَّ من دنياكم الطيب﴾ فالطيب متعة وكمالي، وليس بضروري، بل الطيب من الكماليات، وقد كان النبي ﷺ يهتم بنفسه وبزينته وجماله في حدود ما يَجِد، وكان يلبس للضيوف ﵊، ويوم الجمعة له حُلَّة، والعيدان لهما حُلَّة، والضيوف لهم حُلَّة، والحُلَّة هي: البدلة المتكاملة، وهي: الطقم الكامل بكامل اللبس، إزاراً ورداءًَ، أو قميصاً وسراويل، على حسب لباس كل بلد، فتسمى حلة، بمعنى: لباس كامل، فالمقصود أن دينَنا وسط: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ * قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ [الأعراف:٣١ - ٣٢] لكن لا إسراف، ولا غلو، ولا تصرف على الأساسيات، بل لها ضوابطها.
стр. 420
وسطية أهل السنة والجماعة
أهل السنة والجماعة وسط، أي: عدول خيار متوسطون بين طرفي الإفراط والتفريط، فهم وسط بين الفرق المنتسبة للإسلام كما أن أمة الإسلام وسط بين الأمم.
стр. 421
وسطية أهل السنة في باب الأسماء والصفات
فهم في باب أسماء الله وصفاته وسطٌ بين المعطلة من الجهمية ومَن على شاكلتهم، وبين أهل التمثيل المشبهة، ويخطئ بعض الذين يكتبون عن منهج السلف في باب الأسماء والصفات، فيظنون أن السلف مفوِّضة، وهذا أمر يجب أن يُجَلَّى كثيراً، فـ أهل السنة والجماعة يثبتون لله أسماءه وصفاته التي سمى بها نفسه، وسماه بها رسوله محمد ﷺ ، ووصف بها نفسه، ووصفه بها رسوله ﷺ ، يثبتونها على الحقيقة، لكنهم يفوضون في الكيفية، فيثبتون أن لله يداً، وأن له عيناً، ، حقيقة كما يليق بجلال الله وعظمته، ولا يلزم أبداً من إثبات الحقيقة التشبيه البتة، والأمر ظاهر؛ لأن المخالفين لمنهج أهل السنة والجماعة يثبتون لله صفاتاً، حتى المعتزلة يثبتون صفة العلم والحياة، والقدرة، والإرادة -على اختلاف في حقائق هذه الصفات بيننا وبينهم- بل الجميع يثبتون أن لله ذاتاً حقيقةً، فنقول لهؤلاء المثبتين: كما أن لله ذاتاً حقيقةً وتقولون -وهذا حق- إنها لا تشبه الذوات، فكذلك له صفات لا تشبه الصفات، فإثباتها على حقيقتها لا يلزم منه التشبيه، فكما أن هناك من أثبت الكلام وهو حق، وأثبت الإرادة، وقال إن الإرادة لا تشبه الإرادات.
فكذلك -أيضاً- الرحمة؛ لأن الذين أثبتوا الإرادة نفوا الرحمة، فما دام أنك أثبت الإرادة لله فأثبت له الرحمة، وما دام أنك قلت: إن الإرادة لا يلزم منها التشبيه، فكذلك إثبات الرحمة لا يلزم منها التشبيه، وهكذا، فالأمر في هذا جلي ولله الحمد.
стр. 422
وسطية أهل السنة في أفعال العباد
كذلك هم وسط فيما يتعلق بأفعال العباد:
بمعنى: أن أهل السنة قالوا: إن للعبد اختياراً ومشيئة وفعلاً يصدر منه، وهو محاسب عليه؛ لكنه لا يفعل إلا بمشيئة الله ، وهناك من أنكر مشيئة الله ، وقال: إن العبد يفعل، وأنكر مشيئة الله، وهناك من ألغى فعل العبد ومشيئته، فتوسط أهل السنة والجماعة على حد قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [التكوير:٢٩] وهذا -أيضاً- جليٌ وبخاصة إذا تبينا أن العبد لا يحاسب من أفعاله إلا على ما كان داخلاً تحت قدرته واختياره، والشيء الذي يفعله بغير اختياره لا يُحاسَب عليه، ولهذا فإن النائم، والمغمى عليه، والعاجز، وإذا سقط الإنسان بنفسه سقوطاً على الخطأ فإنه لا يُحاسبه الله ، وإن كان يحاسَب فيما يتعلق بحقوق الآدميين على تفصيل ليس هذا مكانه، لكن المقصود أن العبد لا يحاسَب إلا على اختياره، فمثلاً: إذا مرض العبد، فإن الله لا يحاسبه لماذا مرضتَ؟ أو لماذا أصاب يدك جرح؟ إنما يحاسبه هل صبر أم لا! لماذا؟ لأن الصبر اختيار، فأنت تحاسَب في المرض على الصبر، ولا تحاسب على ذات المرض، لأن المرض ليس بيدك، بل وقع عليك مرض ليس من اختيارك، وإنما الذي هو داخل تحت اختيارك هو الصبر.
لعل ما قدمتُ فيه شيء من الفائدة، وأكتفي بهذا القدر.
أقول هذا القول، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 423
الأسئلة
стр. 424
الرد على من قال: إن أهل السنة متزمتون
السؤال
بعض الناس يقول عن أهل السنة والجماعة أنهم جماعة متزمتة لا يؤمنون بالتطور، وأن قضايا العصر تحتاج إلى مسايرتها، فما هو رد فضيلتكم على هذا الإشكال؟
الجواب
على كل حال مثل هذا يقال فيهم وفي غيرهم، فهذا يقول: متزمت، وذاك يقول: متساهل، لكن العبرة بالمواقع، والعبرة بالشيء المعاش، أما مثل هذه التهم ماذا تقول فيها؟ وفيما يتعلق بالدين وثوابته وضوابطه وقواعده فأمره جلي، هذا حلال وهذا حرام؛ لأن الإسلام له في كل حادثة فتوى، وله في كل نازلة خطب، لا شك في ذلك، وإذا رجع المسلمون في أمورهم إلى أهل العلم، فإن الأمر يكون جلياً، ويكون منضبطاً؛ لكن -مع الأسف- وبخاصة في وقتنا الحاضر تغيَّرت كثير من الأوضاع، ولا سيما فيما يتعلق بتواصل الناس، وتواصل العالَم، بمعنى أنه كما يقال: أصبح العالَم شبه قرية واحدة، أو مكاناً واحداً، ولهذا فيما يتعلق بوسائل الإعلام المتعددة سواءً، أكان فيما يتعلق بالقنوات الفضائية، أم ما يتعلق بشبكة المعلومات العالمية وغيرها أصبح التواصل بشكل واضح، ومن هنا تأتي البلبلات، ومن هنا لا تستطيع أن تقول القول الفصل، فأنا لا أزعم أنني إذا قلت قولاً سيكون قولي فصلاً، أو حينما يقول فلان لهذا السائل -جزاه الله خيراً- قد تأخذ بما أقول مثلاً، لكن غيرك لن يأخذ بما أقول، فمثل هذا لا أظنه يُحْسَم بمثل أن يثار هذا السؤال، إنما قد يكون متعيَّنٌ على العلماء خاصة أن ينظروا -فعلاً- في المتغيرات، وكيفية بيان الحق للناس، لأنه -مع الأسف- في وسائل الإعلام هذه كلٌّ أو كثير منهم يهرف بما لا يعرف، ويتحدث أناسٌ غير متخصصين البتة، لا يفقهون في دين الله شيئاً، بعضهم قد يكون عنده عاطفة إسلامية، أو يكون -كما يقولون- مفكراً إسلامياً، أو عنده ثقافة إسلامية، وهذا لا يكفي، فيتحدثون بأحاديث خطيرة، ناهيك عن أنهم يأتون به بمقابل واحد منحرف، يعني: شيوعي صرف، أو له مواقف مناوئة صرفة للدين وأهله، وهذا كله لا يمكن، أولاً: لأن مثل هؤلاء لا يعول عليهم، لكن ينبغي على أهل العلم الراسخين والربانيين أن يكون لهم نظر في توعية الناس وتنبيههم وردهم إلى الحق ووقايتهم من كثير من هذه البلبلات.
стр. 425
بذل الوسع في الأسباب لا ينافي التوكل
السؤال
سؤالان متشابهان: يقول الأول منهما: فيما يتعلق بالأسباب يأخذ بعض الناس بعض الأسباب، بل أدنى الأسباب، ويترك أعلاها، وخاصة في بعض الأمور التي يمكن اتخاذ أسباب عدة لها فلو اتخذ أسباباً أعلى يضمنها الشرع؟
السؤال الآخر يقول: هل بذل سبب واحد يكفي إذا لم ينفع، أم بذل أسباب أخرى من الواجب مع فشل السبب الأول؟
الجواب
هذا السؤال غير واضح، لكن فيما يتعلق بالأسباب: الإنسان هو حاكم نفسه ومعلِّم نفسه، بل إذا كان الإنسان كسولاً، فغالباً أنه يُرْجِع الأمور إلى الآخرين، أو يجعل التبعات على الآخرين، وإذا كان ذا همة وعزيمة، فغالباً أن يطرق كل ما يرد في خاطره من أسباب، فالقضية ترجع إلى همة الإنسان، وإلا فالمطلوب منه أن يطرق كل ذلك، وأن يبذل كل سبب، ولا أظن أن هناك سبباً واحداً، في كل أمور الدنيا إنما إذا وجدتَ أن هذا السبب قد استغلق عليك، فانتقل إلى شيء آخر، أو حتى هذا الطريق إذا استغلق عليك فاذهب إلى غيره، أو هذا الباب الذي توجهت إليه سواءً أكان عملاً أو كان زواجاًً أو كان صنعةً، إذا كان هذا الباب ما أفلحت فيه، وقد بذلت جميع الأسباب الموصلة إليه، ثم لم تصل، فانتقل إلى سبب آخر، وهذا معروف، فالناس في حياتهم ومعاشهم يستطيعون أن يتصرفوا، أما الكسول، أو الاتكالي، فهذا هو الذي غالباً يقول: حاولتُ فما استطعتُ، ولهذا يقول البيت المعروف:
أخْلِقْ بذي الصبر أن يظفر بحاجته ومُدْمِنِ القَرْعِ للأبواب أن يَلجا
فلا شك أن الإنسان لا بد أن يدمن القرع ويكثر، وكما قال النبي ﷺ : ﴿إن الله يحب الملحِّين في الدعاء﴾ والله لو شاء لأعطاك مباشرة؛ لكن لا بد من إلحاح وبذل سبب، ومن ذلك -أيضاً- ما ذكره أهل العلم فيما يتعلق بمريم ﵍ حينما أمرها الله أن تهز جذع النخلة حتى يتساقط، فقال أهل العلم:
ألم تر أن الله قال لمريم وهزي بجذع النخل يساقط الرطب
ولو شاء أن تجنيه من غير هزه جَنَتْه ولكن كل شيء له سبب
فالله كان بإمكانه أن يسقطها عليها بدون هز، لكنه تعليم بالأسباب، فالمقصود أن التوجه نحو بذل ما تستطيع من أسباب، وطرق ما تستطيع من أبواب هذا هو الذي يفعله أصحاب الهمم العالية.
следующие страницы →