← Джавами‘

Джавами‘ · id 7735

دروس للشيخ صالح بن حميد

صالح بن حميد

Полный текст (918 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

وسطية أهل السنة في باب الأسماء والصفات فهم في باب أسماء الله وصفاته وسطٌ بين المعطلة من الجهمية ومَن على شاكلتهم، وبين أهل التمثيل المشبهة، ويخطئ بعض الذين يكتبون عن منهج السلف في باب الأسماء والصفات، فيظنون أن السلف مفوِّضة، وهذا أمر يجب أن يُجَلَّى كثيراً، فـ أهل السنة والجماعة يثبتون لله أسماءه وصفاته التي سمى بها نفسه، وسماه بها رسوله محمد ﷺ ، ووصف بها نفسه، ووصفه بها رسوله ﷺ ، يثبتونها على الحقيقة، لكنهم يفوضون في الكيفية، فيثبتون أن لله يداً، وأن له عيناً، ، حقيقة كما يليق بجلال الله وعظمته، ولا يلزم أبداً من إثبات الحقيقة التشبيه البتة، والأمر ظاهر؛ لأن المخالفين لمنهج أهل السنة والجماعة يثبتون لله صفاتاً، حتى المعتزلة يثبتون صفة العلم والحياة، والقدرة، والإرادة -على اختلاف في حقائق هذه الصفات بيننا وبينهم- بل الجميع يثبتون أن لله ذاتاً حقيقةً، فنقول لهؤلاء المثبتين: كما أن لله ذاتاً حقيقةً وتقولون -وهذا حق- إنها لا تشبه الذوات، فكذلك له صفات لا تشبه الصفات، فإثباتها على حقيقتها لا يلزم منه التشبيه، فكما أن هناك من أثبت الكلام وهو حق، وأثبت الإرادة، وقال إن الإرادة لا تشبه الإرادات. فكذلك -أيضاً- الرحمة؛ لأن الذين أثبتوا الإرادة نفوا الرحمة، فما دام أنك أثبت الإرادة لله فأثبت له الرحمة، وما دام أنك قلت: إن الإرادة لا يلزم منها التشبيه، فكذلك إثبات الرحمة لا يلزم منها التشبيه، وهكذا، فالأمر في هذا جلي ولله الحمد.

стр. 422

وسطية أهل السنة في أفعال العباد كذلك هم وسط فيما يتعلق بأفعال العباد: بمعنى: أن أهل السنة قالوا: إن للعبد اختياراً ومشيئة وفعلاً يصدر منه، وهو محاسب عليه؛ لكنه لا يفعل إلا بمشيئة الله ، وهناك من أنكر مشيئة الله ، وقال: إن العبد يفعل، وأنكر مشيئة الله، وهناك من ألغى فعل العبد ومشيئته، فتوسط أهل السنة والجماعة على حد قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [التكوير:٢٩] وهذا -أيضاً- جليٌ وبخاصة إذا تبينا أن العبد لا يحاسب من أفعاله إلا على ما كان داخلاً تحت قدرته واختياره، والشيء الذي يفعله بغير اختياره لا يُحاسَب عليه، ولهذا فإن النائم، والمغمى عليه، والعاجز، وإذا سقط الإنسان بنفسه سقوطاً على الخطأ فإنه لا يُحاسبه الله ، وإن كان يحاسَب فيما يتعلق بحقوق الآدميين على تفصيل ليس هذا مكانه، لكن المقصود أن العبد لا يحاسَب إلا على اختياره، فمثلاً: إذا مرض العبد، فإن الله لا يحاسبه لماذا مرضتَ؟ أو لماذا أصاب يدك جرح؟ إنما يحاسبه هل صبر أم لا! لماذا؟ لأن الصبر اختيار، فأنت تحاسَب في المرض على الصبر، ولا تحاسب على ذات المرض، لأن المرض ليس بيدك، بل وقع عليك مرض ليس من اختيارك، وإنما الذي هو داخل تحت اختيارك هو الصبر. لعل ما قدمتُ فيه شيء من الفائدة، وأكتفي بهذا القدر. أقول هذا القول، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 423

الأسئلة

стр. 424

الرد على من قال: إن أهل السنة متزمتون السؤال بعض الناس يقول عن أهل السنة والجماعة أنهم جماعة متزمتة لا يؤمنون بالتطور، وأن قضايا العصر تحتاج إلى مسايرتها، فما هو رد فضيلتكم على هذا الإشكال؟ الجواب على كل حال مثل هذا يقال فيهم وفي غيرهم، فهذا يقول: متزمت، وذاك يقول: متساهل، لكن العبرة بالمواقع، والعبرة بالشيء المعاش، أما مثل هذه التهم ماذا تقول فيها؟ وفيما يتعلق بالدين وثوابته وضوابطه وقواعده فأمره جلي، هذا حلال وهذا حرام؛ لأن الإسلام له في كل حادثة فتوى، وله في كل نازلة خطب، لا شك في ذلك، وإذا رجع المسلمون في أمورهم إلى أهل العلم، فإن الأمر يكون جلياً، ويكون منضبطاً؛ لكن -مع الأسف- وبخاصة في وقتنا الحاضر تغيَّرت كثير من الأوضاع، ولا سيما فيما يتعلق بتواصل الناس، وتواصل العالَم، بمعنى أنه كما يقال: أصبح العالَم شبه قرية واحدة، أو مكاناً واحداً، ولهذا فيما يتعلق بوسائل الإعلام المتعددة سواءً، أكان فيما يتعلق بالقنوات الفضائية، أم ما يتعلق بشبكة المعلومات العالمية وغيرها أصبح التواصل بشكل واضح، ومن هنا تأتي البلبلات، ومن هنا لا تستطيع أن تقول القول الفصل، فأنا لا أزعم أنني إذا قلت قولاً سيكون قولي فصلاً، أو حينما يقول فلان لهذا السائل -جزاه الله خيراً- قد تأخذ بما أقول مثلاً، لكن غيرك لن يأخذ بما أقول، فمثل هذا لا أظنه يُحْسَم بمثل أن يثار هذا السؤال، إنما قد يكون متعيَّنٌ على العلماء خاصة أن ينظروا -فعلاً- في المتغيرات، وكيفية بيان الحق للناس، لأنه -مع الأسف- في وسائل الإعلام هذه كلٌّ أو كثير منهم يهرف بما لا يعرف، ويتحدث أناسٌ غير متخصصين البتة، لا يفقهون في دين الله شيئاً، بعضهم قد يكون عنده عاطفة إسلامية، أو يكون -كما يقولون- مفكراً إسلامياً، أو عنده ثقافة إسلامية، وهذا لا يكفي، فيتحدثون بأحاديث خطيرة، ناهيك عن أنهم يأتون به بمقابل واحد منحرف، يعني: شيوعي صرف، أو له مواقف مناوئة صرفة للدين وأهله، وهذا كله لا يمكن، أولاً: لأن مثل هؤلاء لا يعول عليهم، لكن ينبغي على أهل العلم الراسخين والربانيين أن يكون لهم نظر في توعية الناس وتنبيههم وردهم إلى الحق ووقايتهم من كثير من هذه البلبلات.

стр. 425

بذل الوسع في الأسباب لا ينافي التوكل السؤال سؤالان متشابهان: يقول الأول منهما: فيما يتعلق بالأسباب يأخذ بعض الناس بعض الأسباب، بل أدنى الأسباب، ويترك أعلاها، وخاصة في بعض الأمور التي يمكن اتخاذ أسباب عدة لها فلو اتخذ أسباباً أعلى يضمنها الشرع؟ السؤال الآخر يقول: هل بذل سبب واحد يكفي إذا لم ينفع، أم بذل أسباب أخرى من الواجب مع فشل السبب الأول؟ الجواب هذا السؤال غير واضح، لكن فيما يتعلق بالأسباب: الإنسان هو حاكم نفسه ومعلِّم نفسه، بل إذا كان الإنسان كسولاً، فغالباً أنه يُرْجِع الأمور إلى الآخرين، أو يجعل التبعات على الآخرين، وإذا كان ذا همة وعزيمة، فغالباً أن يطرق كل ما يرد في خاطره من أسباب، فالقضية ترجع إلى همة الإنسان، وإلا فالمطلوب منه أن يطرق كل ذلك، وأن يبذل كل سبب، ولا أظن أن هناك سبباً واحداً، في كل أمور الدنيا إنما إذا وجدتَ أن هذا السبب قد استغلق عليك، فانتقل إلى شيء آخر، أو حتى هذا الطريق إذا استغلق عليك فاذهب إلى غيره، أو هذا الباب الذي توجهت إليه سواءً أكان عملاً أو كان زواجاًً أو كان صنعةً، إذا كان هذا الباب ما أفلحت فيه، وقد بذلت جميع الأسباب الموصلة إليه، ثم لم تصل، فانتقل إلى سبب آخر، وهذا معروف، فالناس في حياتهم ومعاشهم يستطيعون أن يتصرفوا، أما الكسول، أو الاتكالي، فهذا هو الذي غالباً يقول: حاولتُ فما استطعتُ، ولهذا يقول البيت المعروف: أخْلِقْ بذي الصبر أن يظفر بحاجته ومُدْمِنِ القَرْعِ للأبواب أن يَلجا فلا شك أن الإنسان لا بد أن يدمن القرع ويكثر، وكما قال النبي ﷺ : ﴿إن الله يحب الملحِّين في الدعاء﴾ والله لو شاء لأعطاك مباشرة؛ لكن لا بد من إلحاح وبذل سبب، ومن ذلك -أيضاً- ما ذكره أهل العلم فيما يتعلق بمريم ﵍ حينما أمرها الله أن تهز جذع النخلة حتى يتساقط، فقال أهل العلم: ألم تر أن الله قال لمريم وهزي بجذع النخل يساقط الرطب ولو شاء أن تجنيه من غير هزه جَنَتْه ولكن كل شيء له سبب فالله كان بإمكانه أن يسقطها عليها بدون هز، لكنه تعليم بالأسباب، فالمقصود أن التوجه نحو بذل ما تستطيع من أسباب، وطرق ما تستطيع من أبواب هذا هو الذي يفعله أصحاب الهمم العالية.

стр. 426

إمكانية توحد المسلمين مع اختلاف توجهاتهم السؤال هناك من يذهب إلى أن المسلمين بحاجة إلى توحيد الصفوف وإن اختلفت توجهاتهم، ويقول: بأن تقسيم المسلمين إلى فرق من شأنه أن يضعف وحدتهم، فلا يتمكنوا من الوقوف في وجه أعدائهم من أهل الكفر، فما الموقف من هذه الدعوى؟ الجواب لا شك أن تحري الحق مطلوب من كل أحد، ويلزم الإنسان أن يتحرى الحق، وأن يسأل الله أن يبصره بالحق، وأن يجعله على الحق وعلى هدى مستقيم، وأيضاً- قضية أن يتصور أن يجتمع الناس على طريق واحد فهذا مما لا يُتَصَوَّر تحقُّقه، فالاختلاف موجود، والنبي ﷺ أخبر أن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، حتى إن بعض العلماء قال: إن هذه هي الفرق الكبار، وإلاَّ فلو أردتَ أن تعدد فرقها ومشتقاتها، لوجدتها أكثر من ذلك، فوجود الاختلاف هذا وارد، ولكن حق المسلم أن يتحرى الحق، وأن يسأل، وإذا اجتهد وتحرى، فالله لا يحاسبه إلا على جهده وبذله وتحريه، وخاصة فيما يتعلق بالعامة، أما العلماء، فشأنهم أكبر، وقضية تصور أن يجتمع الناس -كما قلتُ- هذا بعيد، لكن يمكن ما يسمى بالتعايش، فالتعايش شيء، لكن مع هذا لا بد أن تبقى دعوة الحق، وعلى أهل الحق مسئوليتهم أن يدعوا إلى الحق، وإلى دين الله على بصيرة.

стр. 427

هل تطلب الوسطية في طلب العلم السؤال ما هو الضابط في الوسطية عند أهل السنة والجماعة في طلب العلم وتحصيله؟ الجواب هناك بعض أمور -كما قلنا- في الإحسان، الإحسان مثالي بمعنى: لا يكاد ينتهي الوصول إليه، وهنا تأتي قضية أصحاب الهمم العالية، أين يتنافس الناس؟ وأين يتنافس الشرفاء؟ بل أين يتنافس المؤمنون؟ ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦] ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ [الواقعة:١٠] ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات:٦١] فالعلم شيء عالٍ، ولا أظن أن هناك وسطية في طلب العلم من حيث التحصيل والقوة وبذل الجهد، أما التحري في العلماء الثقات، فنعم، هذا معروف، أن يتحرى الحق والعلماء الثقات، وعمن تأخذ؛ لكن العلم تطلبه حتى تلقى الله ، ولا ينتهي العلم أبداً، وهذا معروف ومن ظن أنه قد علم، فقد جهل وإنما كما قالوا: أعط العلم كلك يُعْطِك بعضَه، فهذا تنافس شريف، وأرجو ألا أكون مغالياً إذا قلت: إنه لا وسطية في العلم، إنما ترقى، ترقى إلى ما شاء الله من حيث ما تريد، سواء العلم الشرعي، والعلم الصحيح، والعلم المباح، والمباح كثير سواء أكان من علوم الدنيا بألوانها مما هو مباح شرعاً، أو كان من العلم الشرعي. ونسيت أن أقول في قضية العبادة في الإسلام: إن العادة بالنية تصبح عبادة، وهذا -أيضاً- مسلك من مسالك الإسلام واسع، وهو أن العادة بالنية تصبح عبادة، فحتى علوم الدنيا مثل: الطب، والهندسة، وغيرها، فهذه لا شك أنها محمودة وطيبة، وعلوم شريفة، لكنها دنيوية، لكن إذا كان لك نية صالحة لخدمة المسلمين وعلاجهم فتؤجر إن شاء الله، وأيضاً- كذلك فيما يتعلق بالصيدلة مثلاً، أو غيرها من المصنوعات بحيث تأتي بأمور مباحة، وتجنب المسلمين المشتبهات، فهذا شيء يتحول إلى عبادة، ويصبح من أشرف العلوم ديناً ودنيا. والمقصود هو أن طلب العلم فيما يتعلق بالوصول إلى المنتهى لا وسط فيه، بل حتى قال العلماء: إن العلم لا يبقى على حال، إن تركته ينقص، ليس إذا تعلمت يبقى على مستواه، لا، بل إما أن يزيد بالتعلم، وإما أن ينقص، ولا يمكن أن يبقى على مستوى ثابت.

стр. 428

حكم الدعاء على كفار معينين السؤال البعض عندما يسمع عن حدوث زلازل أو فيضانات في بلاد الكفار، فإنه يدعو عليهم بالمزيد، وإذا قلنا له: لماذا تتمنى لهم المزيد؟ قال: لأنهم كفار، فما رأيكم في هذا؟ الجواب والله لا يبدو أن هذا متعسف، والدعاء على الكفار على غير جهة التعيين لا مانع منها مثل: لعنة الله على الظالمين، لعنة الله على الكافرين، لكن أن يُدْعَى على معينين فلا، والمسلم ليس باللعان، فلا تدعُ على معين سواء أكان قطراً معيناً أو جهةً معينة، إنما تدعو على عموم الكفار، وعلى الظالمين، لكن لا يُلعن معين، ولا يدعى على معين.

стр. 429

التوبة فعل العبد والتوفيق من الله السؤال هل التوبة تكون معتمدة على توفيق الله فقط، أم على مشيئة العبد بعد مشيئة الله جل وعلا؟ الجواب لا شك أن توفيق الله هو الذي يؤمله العبد، لكنك لو تأملت في شروط التوبة التي ذكرها العلماء لوجدت أن عمل العبد فيها بيِّن، وهي: الإقلاع عن الذنب. وهذا فعلك. والعزم على أن لا تعود. هذا فعلك. والندم على ما فعلت. هذا فعلك. هذه كلها أفعالك أنت، فلا تكون التوبة إلا بهذه الشروط، وهذه الشروط هي أفعالك، ولا شك أن التوفيق بإذن الله ، وهذا معنى قولنا: أنهم يجمعون بين الأسباب والتوكل، ويربطون ويضبطون بين الأسباب والتوكل، فأنت تفعل السبب، فتُقْلِع وتندم وتعزم على ألا تعود، ولو وقعتَ، تعود مرة أخرى وتتوب وتستغفر، وهكذا.

стр. 430

ضعف التوجيه إلى التوحيد والعقيدة السؤال ذكرتم أن منهج السلف أهل السنة والجماعة أنهم دائماً يدعون ويذكِّر بعضهم بعضاً بالعقيدة، لكننا نلحظ في هذا الزمن ضعف هذا الجانب، حيث ضعفت التربية المنزلية، وحصل في بعض المناهج الدراسية ما يضعف جانب التوحيد إضافةً إلى تسلط الإعلانات بنشر ما يفسد العقيدة من أفلام وغيرها، فما توجيهكم للدعاة ولغيرهم في هذا؟ الجواب غالباً هذه هي مهمة الدعاة، والعلماء، وكذلك المناهج -أيضاً- وكذلك البيوت إذا كان فيها طلبة علم، أو أناس على مستوى من التعليم، فهذا جيد؛ لكن قضية التذكير بالتوحيد، وتعليمه، وتربية الناس عليه، هذا الذي يتعاهدها العلماء ومَن في حكمهم من المعلمين وأصحاب المناهج، لأن العامة قد لا يفقهون أحياناً، فيقع أحدهم في الخطأ وهو لا يدري، وإنما مهمة العلماء، ومَن في حكمهم من المعلمين، وأصحاب التوجيه والتربية، والذين لهم تأثير هي توجيه المجتمع، فهذه مسئوليتهم، ولا شك كما أشار السائل الفاضل أن المؤثرات الأخرى الخارجية لها أثر سواء أكان فيما يتعلق بالأفلام أو بالبرامج، وخاصة فيما يتعلق بالإذاعات الأخرى، والوسائل الإعلامية الأخرى، والصحافة، والقنوات، والإذاعات، وغيرها، لا شك أن لها تأثير كبير، ولهذا ينبغي -كما قلت قبل قليل- أن ينظر أهل العلم والتعليم في كيفية مراجعة كثير من الأمور في سبيل وقاية الناس قدر المستطاع من الآثار السلبية لمثل هذه الوسائل.

стр. 431

اختيار الرفقة الصالحة السؤال يواجه كثير من الشباب الذين منَّ الله عليهم بالهداية بمشكلة، وهي الصحبة، فإن استمر مع صحبته السابقة، فقد يعود وينتكس، وإذا صاحب صحبة صالحة أخياراً، فإنه قد يواجه مشكلة أخرى، وهي ممانعة الوالدين من الاستمرار في هذه الصحبة خوفاً من الغلو كما يزعمون، فيعيش الشاب في فراغ وصراع نفسي كبير، أفيدونا بما منَّ الله عليكم من علم كيف الخروج من هذه الحيرة؟ الجواب أما أن تترك قرناء السوء، فهذا لا بد منه، وقد تتركهم تركاً كلياً، وقد يكون فيه نوع -إلى حدٍ ما- من التلطف، ولكن لابد أن تتركهم، ولا بد أن تتجنب كل ما هم فيه من سوء، ولا شك أن الحق في أن تصحب أخياراً، وأن يكون لك أصدقاء فضلاء، والذي يبدو لي: أنه ينبغي أن يكون لك أنت تأثير على والديك، كيف؟ لقد كنت في حال سيء كُنت مع أصدقاء السوء، ولا شك أنهم لاحظوا عليك الآن تغيرات، وهذا أمر حسن، لكن ينبغي أن يلحظوا عليك تغيراً فيما يتعلق بعلاقتك بهم بمعنى أن يزيد إحسانك لهم، وأن يزيد برك، وحسن تعاملك، وأن يظهر عليك مزيدُ صلاحٍ وبرٍّ فيما يتعلق بحقهم، في أمك وأبيك وإخوانك بحيث أنت الذي تسعى في أمور البيت إذا تيسر لك، مثل: حوائج البيت فتأتي بها معك، وملاحظة إخوانك فيما يتعلق بشئونهم الدراسية، بمعنى أن يلحظوا عليك تغيراً إيجابياً فيما يتعلق بأمور البيت وسلوكياتهم، وحينها تأكد أنهم سوف يفرحون كثيراً، أما أن يكون التغير هو أنك كنت قديماً مباسطاً لهم وتتحدث معهم، ثم لما التزمت -كما يقال- أصبحت رجلاً لا تتكلم ولا تتحدث وتنزوي في زاوية من البيت، فهذا غير صحيح، إنما حقهم أن يروا فيك تغيراً إيجابياً نحو حسن العلاقة معهم، وصلاح، وأدب، واحترام، وخدمة، وبر، قدر ما تستطيع باللحظ، وباللفظ، وبتقديم -ما تسميه- خدمات وهدايا إذا كنت تستطيع، وبتحسين علاقتك بإخوانك فتمازحهم، وتجلس معهم، ويكون أكثر أوقاتك وساعاتك مع أهلك، فيرون تغيراً إيجابياً، فبهذا تستطيع أن تؤثر. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 432

إن خير دينكم أيسره الإسلام دين يسر وسماحة، وقد تكلم الشيخ عن تميز الإسلام باليسر والتيسير على الناس، وهناك مظاهر لليسر في هذا الدين وفي هذه الشريعة السمحاء، يسر في العقائد ويسر في كتاب الله، ويسر في الأحكام الشرعية، كما أن هناك يسراً في المعاملات والتعاملات. وقد حذر الشيخ من التشدد والتنطع في الدين، مستدلاً بأحاديث الرسول الكريم ﷺ .

стр. 433

تميز الإسلام باليسر والسماحة الحمد لله مصرف الأوقات، وميسر الأقوات، فاطر الأرض والسماوات، أحمده سبحانه وأشكره؛ والى علينا نعمه وإحسانه، فهو أهل الفضل والمكرمات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ خلقنا لعبادته، ويسر لنا سبل الطاعات، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، جاء بالحنيفية السمحة ويسير التشريعات، اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد أفضل المخلوقات، وأكرم البريات، وعلى آله السادات، وأصحابه ذوي المقامات، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فأوصيكم -أيها الناس- ونفسي بتقوى الله ، فاتقوا الله رحمكم الله، واحذروا الغفلة؛ فإن الموت على جميع الخلائق قد كتب، والحساب عليهم قد وجب تشيعون الأموات وتودعونهم قبورهم، وتأكلون تراثهم وكأنكم مخلدون بعدهم خذوا بالمواعظ، وتيقظوا للحوادث إن بعد العز ذلاً، وبعد الحياة موتاً، وبعد الدنيا أخرى، وإن لكل شيءٍ حساباً، ولكل أجلٍ كتاباً، ولكل حسنة ثواباً، ولكل سيئة عقاباً فاستعدوا لملمات الممات، واستدركوا هفوات الفوات ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية:٢١]. أيها المسلمون: شريعة الإسلام خاتمة الشرائع، أنزلها الله للناس كافة في مشارق أرض الله ومغاربها، للذكر والأنثى، والقوي والضعيف، والغني والفقير، والعالم والجاهل، والصحيح والمريض، ومن أجل هذا جاءت بفضل الله ولطفه وحكمته ميسوراً فهمها، سهلاً العمل بها، تسع الناس أجمعين، ويطيقها كل المكلفين. دين الإسلام رخصة بعد عزيمة، ولين من غير شدة، ويسرٌ من غير عسر، ورفعٌ للحرج عن الأمة والتيسير مقصد من مقاصد هذا الدين، وصفة عامة للشريعة في أحكامها وعقائدها، وأخلاقها ومعاملاتها، وأصولها وفروعها؛ فربنا بمنه وكرمه لم يكلف عباده بالمشاق، ولم يردعنا كالناس، بل أنزل دينه على قصد الرفق والتيسير. شريعة الله حنيفية في التوحيد، سمحة في العمل، فلله الحمد والمنة ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥]، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً﴾ [النساء:٢٨]، ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الحج:٧٨]. أحكام الشرع تطبع في نفس المسلم السماحة والبعد عن التكلف والمشقة، والتعلق الوثيق برحمة الله وعفوه وصفحه وغفرانه: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً﴾ [الطلاق:٧].

стр. 434

مفهوم اليسر والعسر واليسر يا عباد الله: كل عملٍ لا يجهد النفس ولا يثقل الجسم، والعسر: كل ما أجهد النفس وأضر بالجسم. جاء في الحديث الصحيح: ﴿إن هذا الدين متين؛ فأوغلوا فيه برفق﴾ وعن محجن بن الأذرع قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿إن خير دينكم أيسره، إن خير دينكم أيسره، إن خير دينكم أيسره﴾ وفي لفظٍ: ﴿إنكم أمة أريد بكم اليسر﴾ رواه الإمام أحمد بسندٍ صحيح.

стр. 435

معالم اليسر في الشريعة أيها المسلمون: وهذا شيء من بيان معالم اليسر ومظاهر التيسير، تتجلى في كتاب ربنا وفي شخص نبينا محمدٍ ﷺ ، وفي أصول الدين وفروعه.

стр. 436

اليسر في كتاب الله أما الكتاب العزيز فقد أنزله الله ميسر التلاوة، وميسر الفهم، وميسر التدبر والذكر: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:١٧]، ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدّاً﴾ [مريم:٩٧] فكتاب الله ميسر الفهم، تدركه العقول، وترق له القلوب، يلذ استماعه ولا يمل سماعه، وإن كان فيه من الأسرار ودقائق العلوم ما يختص به الراسخون من أهل الذكر.

стр. 437

الرسول ﷺ والتيسير أما محمدٌ ﷺ فقد بعثه الله رحمة للعالمين أجمعين، وهو بالمؤمنين رءوف رحيم، حريص عليهم، عزيز عليه ما يعنتهم ويشق عليهم، يضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم، يقول ﵊: ﴿إن الله لم يبعثني معنتاً ولا متعنتاً، ولكن بعثني معلماً ميسراً﴾ حديث متفق على صحته واللفظ لـ مسلم، وهو الذي يقول عن نفسه ﵊: ﴿أما إني أصوم وأفطر، وأقوم وأرقد، وآكل اللحم، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني﴾، وتقول أم المؤمنين عائشة ﵂: ﴿كان رسول الله ﷺ يحب أن يخفف على الناس﴾.

стр. 438

اليسر في العقائد أما أصول الدين وعقائده فقد جاءت ميسرةً في مطلوباتها، واضحةً في أدلتها؛ من الإيمان بالله وأسمائه وصفاته وكماله، والإيمان بالملائكة، والكتب، والنبيين، والإيمان باليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره. والدلائل على ذلك ظاهرة من النظر في السماوات وفي الأرض وسائر المخلوقات، والسير في الأرض والاعتبار بآثار الأمم، ويأتي ذلك مسلك أصحاب رسول الله ﷺ ، ومن بعدهم من السلف التابعين لهم لم يكونوا أهل تكلف ولا كثرة سؤال أو اختلاف، يقول عبد الله بن مسعود ﵁: [[إياكم والتنطع، إياكم والتعمق، وعليكم بالعتيق]] أي: الأمر القديم الذي عليه رسول الله ﷺ وأصحابه، وهو يسر، والبعد عن التنطع والتكلف والتشدد والتعمق.

стр. 439

اليسر في الأحكام الشرعية أما أحكام الشرع فقد راعت أحوال المكلفين وظروفهم؛ من الصحة والمرض، والحضر والسفر، وأحوال الاضطرار، فأعظم العبادات وأجلها بعد توحيد الله هذه الصلاة المفروضة، فقد ربطت أوقاتها بطلوع الفجر وزوال الشمس وظلها وغروبها: ﴿ما بين المشرق والمغرب قبلة﴾ وفي الطهارة: ﴿إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث﴾ وإذا شق استعمال الماء انتقل إلى التيمم، ويصلي المسلم قائماً، فإن لم يستطع فقاعداً، فإن لم يستطع فعلى جنبه: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]. ويجمع بين الصلاتين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء عند الحاجة، والمسافر يقصر الرباعية إلى ركعتين، وذُكر للنبي ﷺ امرأةٌ تكثر من النوافل، فقال ﵊: ﴿مه!! عليكم بما تطيقون، فوالله لا يمل الله حتى تملوا﴾ وقال ﷺ : ﴿من أم بالناس فليخفف، فإن فيهم الضعيف والمريض وذا الحاجة﴾. والصيام مطلوب من الصحيح المقيم، وقد رخص فيه الإفطار من المسافر والمريض ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥] ولا زكاة ولا حج ولا جهاد إلا على القادر المستطيع: ﴿والحج يوم تحجون، والأضحى يوم تضحون، والفطر يوم تفطرون﴾. والمرأة لها أحكام تناسبها وتراعي أحوالها، والقلم مرفوع عن المجنون والصبي والنائم، ورفع عن الأمة الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه. والأصل في الأشياء الحل والطهارة، والمشقة تجلب التيسير: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة:١٧٣]. والسيئة بمثلها أو يغفرها الله، والحسنة بعشر أمثالها ويضاعفها الله. والمقصود من العبادات والطاعات استقامة النفس، والمحافظة عليها من الانحراف والاعوجاج، وليس المقصود الاستقصاء ولا الإحصاء، ولكن ﴿سددوا وقاربوا واستقيموا ولن تحصوا﴾ ﴿وائتوا من الأعمال ما تطيقون﴾. والاستقامة تحصل بمقدار سهل ينبه النفس فتتلذذ بالعبادة، وإذا دخل العبد في المشقة والملل فقد لذة العبادة، وابتعد عن بواعث الخشوع، بل لقد شرع لنا ديننا من الطاعات ما تقبل عليه النفوس بطبعها، بل مما تنشرح به صدورها وتتباهى به، من العيدين والجمعة وأخذ الزينة والتجمل باللباس والطيب في النفوس والمساجد، والاغتسال، والتغني بالقرآن، وحسن الصوت بالأذان، قال الله: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ * قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف:٣١ - ٣٢].

стр. 440

تحري الرفق في الأمر كله أيها المسلمون: حقٌ على أهل الإسلام أن يسلكوا مسالك الرفق واللين والتيسير في الأمر كله، بلا مداهنة ولا مجاملة ولا مجافاةٍ للحق والطريق المستقيم. عليكم بالتيسير في التربية والتعليم والدعوة إلى الله والرفق بالطلاب والمدعوين، ولقد قال موسى ﵇ للعبد الصالح: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً﴾ [الكهف:٦٦] ﴿لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً﴾ [الكهف:٧٣] خذوا الناس باليسير من الأمر لا تجشموهم المصاعب، ولا تكلفوهم عسراً: ﴿بشروا ولا تنفروا، ويسروا ولا تعسروا﴾، و ﴿ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه﴾. أخرج الترمذي بإسنادٍ حسن عن عبد الله بن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: ﴿حرم على النار كل هينٍ لينٍ سهلٍ قريبٍ من الناس﴾. وعلى أهل العلم -وفقهم الله- ملاحظة التيسير في الفتوى، ومراعاة أحوال المستفتين، وإبعادهم عن مواقف الحرج، مع ما يلزم من تحري الحق والصواب يقول سفيان الثوري ﵀: إنما العلم الرخصة عن ثقة، أما التشديد فيحسنه كل أحد. ويقول إبراهيم النخعي ﵀: إذا تخالجك أمران، فإن أحبهما إلى الله أيسرهما. ويقول الشعبي ﵀: إذا اختلف عليك أمران، فإن أيسرهما أقربهما إلى الله، يقول سبحانه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥]. ومن رقى المنابر، وتبوأ صدور المجالس، فحسنٌ منه أن يقول برفق، ويعظ بلين، وأن يعين الموعوظين على حسن الظن بربهم، فخير دينكم أيسره، وحين بال الأعرابي في المسجد قال رسول الله ﷺ لأصحابه ﵃: ﴿لا تزرموه -أي لا تقطعوا عليه بوله- إنما بعثتم ميسرين﴾ حكمة في الدعوة، وسلامة في الحجة، وإخلاص في النصيحة، وإحسان في الموعظة.

стр. 441

اليسر في المعاملات والتعاملات أيها المسلمون: شريعة الله كلها يسر وسماحة، وميادين اليسر لا تقع تحت حصر، والتيسير في باب المعاملات والتعاملات من أوسع الأبواب وأهم المطلوبات، فيسروا -رحمكم الله- في الحقوق المالية؛ من المهر، والنفقة، والمطالبة بالدين، والحقوق، ولا تشددوا على المعسر ﴿من يسر على معسرٍ يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن نفس عن مسلمٍ كربةً نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة﴾. يسروا -وفقكم الله- على العمال والأجراء والموظفين والخدم، فلا تكلفوهم ما لا يطيقون، وإذا كلفتموهم فأعينوهم. وعلى الولاة والأمراء والآباء والأمهات والأزواج وكل ذي مسئولية أن يرفق بمن تحت يده، ولا يأخذ إلا بحق، وليعف وليصفح ﴿أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور:٢٢]؟ ادفعوا بالحسنى، وإذا أردت أن تطاع فاؤمر بما يستطاع، ولا تنفر ولا تشدد ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [آل عمران:١٥٩]. فاحملوا الزلات، واقبلوا الأعذار، وأعيدوا النظر، واحملوا الناس على السلامة. ألا فسددوا -رحمكم الله- وقاربوا وأبشروا: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٨٦]. نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبهدي محمدٍ ﷺ ، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 442

التحذير من التشدد والتنطع الحمد لله يقول الحق وهو يهدي السبيل، أحمده سبحانه وهو حسبنا ونعم الوكيل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا ند ولا مثيل، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله جاء باليسر والرفق والتسهيل، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ذوي الهدى والتقى والتفضيل، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فإن العسر والتشدد والتنطع كثيراً ما يدعو إليه قلة الفقه في الدين، والجهل بمقاصد الشرع وأصول الملة وضعف العلم، وقد يدعو إليه دوافع من هوى النفوس، وفي الحديث الصحيح: ﴿ولن يشادَّ الدين أحدٌ إلا غلبه، فأوغلوا فيه برفق﴾ يقول ابن نمير: وفي هذا الحديث عَلَمٌ من أعلام النبوة؛ فقد رأينا ورأى الناس قبلنا أن كل متنطعٍ في الدين ينقطع، وليس المراد من قام بالأكمل في الدين والعبادة، فإن هذا من الأمور المحمودة، بل المراد منع الإفراط المؤدي إلى الملل، والمبالغة في التطوع المفضي إلى ترك الأفضل. ومن قلة الفقه في هذا الباب: أن يسلك بعض الناس مسالك التشدد في بعض الظواهر، من الأحكام الفرعية والعبادات والطاعات، ولكنه يتهاون في كبائر معلوم مراتبها من الدين، كالغيبة، والنميمة، والقذف، والحسد، والتماس العيوب للبرآء، وتدبير المكائد لمن خالفه من إخوانه، والوشاية، وأكل أموال الناس بالباطل.

стр. 443

الفرق بين التيسير والتساهل أيها المسلمون: ولا ينبغي أن يفهم من القول بالتيسير والتحذير من التشديد الدعوة إلى التساهل في أمور الدين، عقيدةً وأحكاماً وأخلاقاً، أو التنصل من أحكام الإسلام، أو الضعف في نصرة الدين والحق. وليس من التيسير الإهمال في تربية البنين والبنات، وتركهم نهباً لزيغ العقائد وتيارات الإلحاد، والبعد عن الالتزام بأحكام الإسلام، والحفاظ عليهم من دواعي الفجور واللهو المحرم بحجة التحضر والبعد عن التعقيد وتغير الزمان. وليس من التيسير ما يسلكه بعض من ينتمون إلى الثقافة حين يدَّعون سماحة الدين أمام أعداء الإسلام، ويتنصلون من أحكام الدين وتعاليمه، ثم هم من أشد الناس على الصلحاء والأخيار، بل قد يوظفون دعوى التيسير أداةً لقمع الدعوة إلى الإسلام، وكبت الحق وتكبيله بحجة مساوقة العصر ومتغيرات الزمن. ألا فاتقوا الله -رحمكم الله- ويسروا ولا تعسروا، فإنما بعثتم ميسرين، وسددوا وقاربوا، والقصد القصد تبلغوا. ثم صلوا وسلموا على البشير النذير، والسراج المنير، الرحمة المهداة للعالمين أجمعين، نبيكم محمدٍ سيد المرسلين، فقد أمركم بذلك ربكم فقال في محكم تنزيله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك نبينا محمدٍ صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، والخلق الأكمل، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وارض اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وجودك وإحسانك يا أكرم الأكرمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، واحم حوزة الدين، واخذل الطغاة والملاحدة وسائر أعداء الدين، وانصر عبادك المؤمنين. اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين! اللهم وفق إمامنا وولي أمرنا لما تحب وترضى، وخذ بناصيته للبر والتقوى، وارزقه البطانة الصالحة، وألبسه لباس الصحة والعافية، واجعله نصرة للإسلام والمسلمين اللهم أعز به دينك، وأعلِ به كلمتك، واجمع به كلمة المسلمين على الحق يا رب العالمين! اللهم وفق ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك وبسنة نبيك محمدٍ ﷺ ، واجعلهم رحمة لعبادك المؤمنين، واجمع كلمتهم على الحق يا رب العالمين! اللهم وأبرم لأمة الإسلام أمر رشد يعز فيه من أطاعك، ويهدى فيه من عصاك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، إنك على كل شيء قدير. اللهم انصر المجاهدين الذين يجاهدون في سبيلك لإعلاء كلمتك وإعزاز دينك، اللهم انصرهم في فلسطين وفي كشمير وفي الشيشان وفي كل مكان يا رب العالمين! اللهم عليك باليهود المحتلين الغاصبين، اللهم أنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، اللهم إنا ندرأ بك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم، اللهم واجعل الدائرة عليهم يا رب العالمين! اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، والموت راحة لنا من كل شر، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة. رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ. رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى، وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ؛ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 444

التشبه وروح الانهزام في الأمة شبابنا اليوم قد انجروا وراء الغرب تشبهاً بلبسهم وبكلامهم وبقصات شعرهم إلخ، والله جل وعلا قد ميز كل أمة عن غيرها بمميزات، وعزة الإسلام تكمن في تميز أهله عن غيرهم من أهل الباطل. وقد ساق الشيخ في هذا الدرس أحاديث في تحريم التشبه بالكافرين، كما ذكر مجالات التشبه، وبين خطر التشبه على الأمة الإسلامية. ونبه إلى ضرورة الاستفادة من الآخرين في الصناعات والتقدم التقني، وأنه ليس تشبهاً ولا يدخل ضمن مجالات التشبه.

стр. 445

تميز الأمم بعضها عن بعض والحكمة من ذلك الحمد لله الذي لم يزل بصفات الكمال متصفاً، جوادٌ كريم إذا وعد أنجز ووفى، تواب حليم إذا عصي تجاوز وعفا، أحمده سبحانه وأشكره على ما بسط من آلائه وأوفى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له هو حسبي وكفى، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، أزكى البرية أصلاً، وأعلى الأنام شرفاً، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه الأئمة الحنفاء السادة الخلفاء، والتابعين ومن تبعهم بإحسان وسار على نهجهم واقتفى. أما بعد: فأوصيكم -أيها الناس- ونفسي بتقوى الله ، فاتقوا الله -رحمكم الله- فإن تقوى الله عروة ما لها انفصام، من استمسك بها حمته -بإذن الله- من محذور العاقبة، ومن اعتصم بها وقته من كل نائبة، فعليكم بتقوى الله فالزموها، وجدوا في الأعمال الصالحة واغتنموها، فالزمان يطوي مسافة الأعمار، وكل ابن أنثى راحل عن هذه الدار. أيها المسلمون! قضت سنة الله في هذه الدنيا أن يتصارع الحق والباطل، ويتدافع الهدى والضلال، ويتنازع الصلاح والفساد، وفي محكم التنزيل: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة:٢٥]، ويقول : ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج:٤٠]. فالتدافع في هذه الدنيا قائم بلا انقطاع، والتنازع سِرٌّ من أسرار هذه الحياة، وناموس من نواميس الله في خلقه، يجري على قدر، وينتهي إلى غاية، تدبير من حكيم عليم، ولقد كان من مقتضى ذلك أن تتعدد المجتمعات في صفاتها، وتتنوع في سماتها، فتلتقي كل جماعة على صفات عامة تؤلف بينها، وتشد بنيانها، وتوثق تماسكها، وتوحد صفوفها، لتبدو كالجسد الواحد، وفي ذات الوقت تتميز كل جماعة أو مجموعة عن غيرها بخصائص وعوامل تجعلها ذات استقلال وانفراد، فتشابه أفراد المجموعة يحفظها من التشتت والتفكك، وأما مخالفتها لغيرها فيحميها من الذوبان والاضمحلال، ودين الإسلام -وهو دين الفطرة- يقرر هذه السنة الإلهية، والنظام الرباني، فقد جعل الله الناس أمماً، كما جعلهم شعوباً وقبائل، فقال سبحانه: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ فَلا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدىً مُسْتَقِيمٍ * وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ * اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [الحج:٦٧ - ٦٩]. ويقول سبحانه: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [المائدة:٤٨] وفي هذا الباب وبمقتضى هذه السنن حرص الإسلام على تميز المسلمين عن سائر الأمم بوصفهم أمة مسلمة، فلقد دلت الدلائل والنصوص على حفظ هذا الدين ورعاية تميزه واستقلاله، وخلوصه من تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، وسنة رسول الله ﷺ وشرعته ومنهاجه أقوالاً وأفعالاً ومظاهر تباين سبيل المغضوب عليهم والضالين، وتخالف طريق الكفار والمشركين، والمجوس والوثنيين.

стр. 446

التحذير من التشبه بالكفار إن دين الإسلام مبني على الابتعاد عن مشابهة الكفار، ومن أعظم مقاصد الدين وأصوله تميز الحق وأهله عن الباطل وأهله، وبيان سبيل الهدى والسنة والدعوة إليه، وكشف سبيل الضلالة والتحذير منه، وقد أوضح ذلك نبينا محمد -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وفصَّله، وأمر أمته بمخالفة الكفار في جميع أحوالهم في العقائد والعبادات، والعادات والمعاملات، والآداب والسلوك. عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ﴿بعثت بين يدي الساعة بالسيف، حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذل والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم﴾ رواه أحمد في مسنده، ,وأبو داود في سننه، وحسنه الحافظ ابن حجر، وصححه الحافظ العراقي. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: هذا الحديث أقل أحواله أن يقتضي تحريم التشبه بهم، وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم، وفي الحديث الآخر: ﴿ليس منا من تشبه بغيرنا﴾ رواه الترمذي. وقد تكاثر عن رسول الله ﷺ قوله: ﴿خالفوا المشركين﴾ ﴿خالفوا المجوس﴾ ﴿خالفوا اليهود﴾ ﴿خالفوا أهل الكتاب﴾ ﴿ومن تشبه بقوم حُشر معهم﴾. وقد أورد أهل العلم على هذا أكثر من مائة دليل، قالوا: "حتى في الصلاة التي يحبها الله ورسوله شُرع لنا تجنب مشابهتهم حتى في مجرد الصورة، كالصلاة عند طلوع الشمس وغروبها، فريضةً كان ذلك أو تطوعاً". ويقرر جمعٌ من أهل العلم أن التشبه وجه من وجوه المودة والموالاة، مما يدخل في قوله سبحانه: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة:٢٢].

стр. 447

مجالات التشبه بالكافرين أيها المسلمون! والتشبه يكون بفعل الشيء لأجل أن الأعداء فعلوه، ومن فعل شيئاً لأن غيره قد فعله فقد تشبه به، ومن تبع غيره في فعل منسوب إليه فقد تشبه به، والمتشبه محب لمن يتشبه به، ومحب لعاداته: ﴿والمرء مع من أحب﴾ والإنسان ميَّال بطبعه إلى نظيره وشبيهه، وهذه طبيعة الإنسان مفطورٌ عليها، وهذا يورث مودة وألفاً، فمن تشبه بقوم أو طائفة وجد في قلبه أنساً بهم وميلاً إليهم، كما يجد نفوراً وابتعاداً ممن يخالفه أو يعارضه، وقد شهد الحس والوجدان بأن النفوس مجبولة على حب من يتبعها، ومن تشبه بغيره في مظهره وعادته وسلوكه ولغته أو أي شيء من أشيائه، فإنه يولد إحساساً بالتقارب، وشعوراً بالتعاطف، والطيور على أشباهها تقع، فإذا كانت المشابهة في الأمور الدنيوية تورث مثل هذه المحبة والمودة والميول والمشاكلة؛ فكيف بأمور الدين والتربية والأخلاق والإعجاب بأحوال الأعداء ومبادئهم ونظمهم؟ فإنَّ إفضاءها إلى أنواع من الموالاة أكثر وأشد مما قد يقود الواقع فيها إلى الدخول في قضايا الإيمان ومسائل الاعتقاد. أيها المسلمون! ومن أجل هذا فقد تكاثرت النصوص وتواترت في التحذير من التشبه بالكفار في جميع مللهم وعقائدهم، وفي كل ما له صلة بالعقائد والعبادات والعادات، ففي باب العقائد جاء النهي عن اتخاذ القبور مساجد، وعن الغلو في الصالحين، واتخاذ القبور مشاهد ومزارات والبناء عليها، كما جاء النهي عن التفرق في الدين، وعن العصبيات والتحزبات والشعارات، وكذلك النياحة على الميت، والفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، وحمية الجاهلية. وفي العبادات ورد النهي في مسائل كثيرة من أبواب الأذان والمساجد، والصلاة في أوقات صلاتهم أو هيئاتها، والصيام في أوقات صيامهم، والحج على طريقتهم، والنكاح والذبائح والأعياد. وفي العادات والآداب من اللباس والزي والزينة، والطعام، وتوفير اللحى، وحف الشوارب، وتغيير الشيب، وطريقة إلقاء السلام، والجلوس، والاضطجاع، والأكل بالشمال، والتختم بالذهب، وإسبال الثياب، وحمل الصور، واصطحاب الكلاب، والفن الساقط، والطرب، ومزامر الشيطان.

стр. 448

خطر التشبه بالكفار إن التشبه بالكفار عقائدهم وعباداتهم إظهار لأديانهم الباطلة وعباداتهم الفاسدة ونشرٍ لها، والتشبه بالعادات والصفات إهانة للأمة، وشعور بالضعف والذلة، والتبعية والدونية. وإن المخالفة فيما أمر المسلمون فيه بالمخالفة مصلحة في الدين، وإبقاء عليه، وحفظ له من أسباب الانحلال، كما أن الموافقة فيما نهي عن الموافقة فيه مضرة بالدين وموقعة في أسباب الانحلال. ومع الأسف! فقد نبتت نابتة في العصور المتأخرة، وفي أعقاب الزمن ذليلة مستعبدة، ديدنها التشبه والاستخذاء، ووجد في بعض أهل الرأي وبعض الضعاف من المنتسبين إلى العلم من يهون أمر التشبه بالكفار في اللباس والهيئات والمظهر والخلق، حتى صاروا مسخاً في الأمة، فترى الاستئناس بأحوال الأعداء، والرضا عن مسالكهم، وازدراء المسلمين وتنقصهم، والتنكر للجميل من عوائدهم ومحافظتهم واحتشامهم في سلوكم ولباسهم، ومن انسلخ من عوائد أهل دينه فقد أبرز شأن أعدائه وقدم أمرهم على أمر المسلمين. إن كثيراً منهم يعيشون تشبهاً يقود إلى الذوبان والانحلال والتهتك، بل يقود إلى الفسوق والفجور والحرية المتفلتة، والاختلاط المحرم، وقبول التبرج والسفور، وإبداء الزينة المحرمة، وبسبب الغفلة عن هذه القضية، ضعفت معنويات كثير من المسلمين، وتضعضعت أحوالهم، وتبلبلت أفكارهم، ونشأت فيهم النظريات الهدامة، والأفكار المنحرفة، في عقولهم وديارهم، وشب فيهم فئات لا تعرف للدين منزلة، ولا تعترف للفضيلة بوزن، مظاهر التغريب، وبواطن الانحراف في الأخلاق والعادات، والإفراط في أنواع من الفسوق والفجور، وانتشار الجرائم، مما لم يكن معهوداً في أوساط المسلمين، ترى ما الذي أصاب فئات من أبناء الأمة، فتساقطوا في أحضان الأعداء، خفة في الوزن، وضعة في القدر، فلا دين لله أقاموا، ولا أعداؤهم لهم صدقوا وأخلصوا، فمهما قدم هؤلاء الضعاف من تنازلات وذابوا في شخصيتهم ولاقوا رطانتهم فلن يجدوا ناصراً، ولن يكسبوا وداً: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ﴾ [الملك:٢٠]. أيها المسلمون! إن التحذير من التشبه هو دعوة المصلحين الخُلَّص من حُرَّاس الملة، إنهم مُصلحون أبصروا بالعلل وأسباب الهزائم، وفقهوا طرق العزة وأسباب طمس الهوية ومسالك التبعية من مظاهر الشخصية، والحياة والتفكير مصلحون يدركون أن صحة الطريق بصفاء التميز وتأكيد الخصوصية. فمن كان شحيحاً بدينه، راغباً في خلاص مهجته من عذاب الله فليتق الله، وليلزم هدي الإسلام، ويتبع سبيل المؤمنين، وليحذر طريق المشركين، والمغضوب عليهم والضالين. ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم:٣٠ - ٣٢]. نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبهدي محمد ﷺ . وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 449

الاستفادة من الآخرين في أمور الدنيا الحمد لله خلق النفوس فألهمها فجورها وتقواها، وأرشدها إلى هداها، وحذرها من رداها، أحمده سبحانه وأشكره، شكر من عرف نعمه فرعاها، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له رضيت به رباً وإلهاً، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، أرفع الخلق قدراً، وأعظمهم جاهاً، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: عباد الله! لقد أكمل الله هذا الدين ورضيه، وأتم به على المسلمين نعمته ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣]، فكانت هذه الأمة بالإسلام خير الأمم، ومن المعلوم قطعاً وجزماً أن هذه الخيرية نابعة من كمال دينها، وصفاء عقيدتها، ووفاء شريعتها، لا تكون العزة ولا يتحقق السمو إلا به، بل لا تكون النجاة في الدارين إلا بطريقه، والبشر محتاجون إليه حاجتهم إلى الغذاء والهواء، ومن كمال الدين واكتمال الصورة التفريق البين في ديننا بين منع المشابهة في العقائد والأحكام والأخلاق وبين مشروعية الإفادة مما عند الآخرين من علوم ومعارف وصناعات وأساليب تجارة، ووسائل تقانة، فهذا غير تشبه؛ لأن العلوم والصناعات ترجع -بإذن الله وتوفيقه- إلى الجهود البشرية البحتة من المعلومات والمعقولات والتجارب، كما أن باب البر والصلة، والإحسان والعدل شيء غير الموالاة والمودة: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة:٨] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة:٨]. إن الإسلام لم يُحفظ كيانه، ولم يحتفظ بقوته إلا بالاستقلال في شريعته، وانفراده بأخلاقه ومبادئه، وبعده عن التشبه القائد إلى الذوبان، والمروق والانحلال. ألا فاتقوا الله -رحمكم الله- واعرفوا فضل الله ومنته، وعظموا أمر دينكم، وقدروه قدره، فالعزة لله ولرسوله وللمؤمنين ولكنَّ المنافقين لا يعلمون. ثم صلوا وسلموا على الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، نبيكم محمد رسول الله، فقد أُمرتم بذلك في كتاب الله، فقال ربكم جل في علاه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وارضِ اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي وعن الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وفضلك وجودك وإحسانك يا أكرم الأكرمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، واحم حوزة الدين، وانصر عبادك المؤمنين، واخذل الطغاة والملاحدة وسائر أعداء الدين، اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك محمد ﷺ ، وعبادك الصالحين. اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح واحفظ أئمتنا وولاة أمورنا، وأيد بالحق والتوفيق والتأييد والتسديد إمامنا وولي أمرنا، ووفقه لما تحب وترضى، وخذه بناصيته للبر والتقوى، وأيده بالحق وأيد الحق به، وأعز به دينك، وأعلِ به كلمتك، واجعله نصرة لأوليائك، وارزقه البطانة الصالحة، واجمع به كلمة المسلمين على الحق يا رب العالمين. اللهم وفق ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك، واتباع سنة نبيك محمد ﷺ ، واجعلهم رحمة لعبادك المؤمنين، واجمعهم على الحق يا رب العالمين. اللهم انصر المجاهدين الذين يجاهدون في سبيلك، لإعلاء كلمتك، وإعزاز دينك، اللهم انصرهم في فلسطين وكشمير والشيشان، اللهم انصرهم على عدوك وعدوهم، اللهم سدد سهامهم وآراءهم، وأنزل عليهم نصراً من عندك، اللهم واخذل اليهود ومن شايعهم، اللهم فرق جمعهم، وشتت شملهم، واجعل بأسهم بينهم. اللهم وأرنا فيهم عجائب قدرتك، اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب! اهزم اليهود واخذلهم، وزلزل الأرض من تحتهم، اللهم واجعل بأسهم بينهم فإنهم لا يعجزونك. اللهم إنهم قد طغوا وبغوا وآذوا وأفسدوا وعتوا في الأرض فساداً، وعتوا في عباد الله تقتيلاً وتنكيلاً وهدماً وتشريداً، اللهم عليك بهم، واكفناهم بما شئت يا رب العالمين. اللهم وارفع عنا الغلاء والوباء والربى والزنا والزلازل والمحن، وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن، عن بلدنا هذا وعن سائر بلاد المسلمين يا رب العالمين. ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. عباد الله! إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.

стр. 450

تفسير سور الفاتحة إن الله أنزل القرآن على رسولنا ﷺ على الأحداث والوقائع -أي: مفرقاً- وجعل سوره متفاضلة، فبعضها أفضل من بعض، ومن هذه السور سورة الفاتحة التي جعلها الله أم القرآن الكريم، وركناً من أركان الصلاة، ومفتاحاً للخير والبركات، وجعلها الله شفاء للأرواح والأبدان، وضاعف الأجر والمثوبة لمن اهتدى بهديها.

стр. 451

فضل سورة الفاتحة الحمد لله علَّم القرآن وعلم بالقلم، أخرجنا بهدي كتابه وسنة نبيه محمدٍ ﷺ من حوالك الظلم، أحمده سبحانه وأشكره على عظيم ما تفضَّل وجزيل ما أنعم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الأعز الأكرم، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، أنزل عليه الكتاب والحكمة وعلَّمه ما لم يكن يعلم، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ وسار على النهج الأقوم. أما بعد: فأوصيكم -أيها الناس- ونفسي بتقوى الله ، فاتقوا الله رحمكم الله، فإن ما توعدون لآت، وتزودوا بزاد التُقى قبل الفوات، فلقد علمتم أن أهل هذه الدار مُعرَّضون للآفات، فحاسبوا أنفسكم رحمكم الله، وبادروا بالأعمال الصالحات، قبل أن يفاجأكم هادم اللذات، وارجعوا إلى ربكم فربكم يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات. أيها المسلمون! القرآن هو هداية الله العظمى، صلح باتباعه من لم يعرف قبله صلاحاً، وأفلح بهديه من لم يجد من دونه فلاحاً، وما فقد كثيرٌ من المسلمين اليوم مجد الصالحين من أسلافهم والعزة في الأولين من آبائهم؛ إلا لأنهم لم يهتدوا بالقرآن كهدايتهم، ولم يأخذوا كتاب ربهم بقوة مثل أخذهم، وغفلوا غفلة جسيمة عن القاعدة العظيمة: ﴿لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها﴾ وإذا حصل الضلال -عياذاً بالله- واتباع الهوى، وتجاوز الحق؛ اختلفت قوى الإدراك في الناس، وحينئذٍ تضطرب الأعمال، وتموت العهود، وتفسد الأخلاق، ويحل الشقاء، وتفشو الفرقة، ويسلط الله على الأمة من يستذلها، ويستأثر بشئونها، ويعبث بمقدراتها، ثم يحيق الهلاك، وتمحى الآثار والديار -عياذاً بالله- ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! أيها الإخوة المسلمون: وبين يدي الأمة سورة عظيمة ترسم طريق الهداية وسبيل النجاة، بل تحوي مجمل مقاصد القرآن العظيمة، ومعانيه العالية، من الحكم العلمية، والأحكام العملية، فلئن كان مجمل مقاصد القرآن ومعانيه الثناء على الله ثناءً جامعاً، ووصفه بجميع المحامد، وتنزيهه عن جميع النقائص، وتفرده بالربوبية والألوهية، ثم الأمر والنهي والوعد والوعيد وبيان العاقبة والبعث والجزاء، وسبيل المؤمنين، وطريق الضالين، والنبوات والمواعظ، والأمثال والقصص والعبادات والمعاملات، وتهذيب الأخلاق، وآداب الشرع من أعمال القلوب والجوارح لئن كانت كل هذه المعاني الجليلة هي المقاصد؛ فلقد حوت كل ذلك هذه السورة العظيمة. سورة يقرؤها المسلمون ويرددونها، يحفظونها ويتلونها الصغير منهم والكبير الذكر والأنثى، المتعلم وغير المتعلم إنها فاتحة الكتاب أم القرآن والسبع المثاني الشفاء التام، والدواء الناجع، والرقية النافعة مفتاح الغنى والفلاح، ودافعة الهم والغم والخوف والحزن لمن عرف قدرها، وأعطاها حقها، وأحسن تلاوتها وتدبرها سماها ابن عباس ﵄ أساس القرآن، وقال سفيان بن عيينة ﵀: إنها الوافية، ونعتها يحيى بن كثير ﵀: "بالكافية". أعظم سورة في كتاب الله، يقرؤها المسلم والمسلمة في الصلوات كلها فرضها ونافلتها، فكان من المتعين فهم معناها، وتدبر المراد منها، فالتدبر طريق الخشوع، والفهم معينٌ على حسن العمل، والمسلم في أمس الحاجة إلى معرفة معانيها وإدراك مراميها. أخرج الإمامان: أحمد والبخاري ﵄ وغيرهما عن أبي سعيد بن المعلى ﵁ قال: ﴿كنت أُصلي في المسجد فدعاني رسول الله ﷺ فلم أجبه، فقلت: يا رسول الله! إني كنت أصلي، فقال: ألم يقل الله: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ [الأنفال:٢٤] ثم قال ﵊: لأعلمنك سورة هي أعظم السور في القرآن قبل أن نخرج من المسجد، ثم أخذ بيدي، فلما أراد أن يخرج قلت له: ألم تقل لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن؟ قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] هي السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أوتيته﴾. وروى الإمام مسلم والنسائي وغيرهما عن ابن عباس ﵄ قال: ﴿بينما جبريل ﵇ قاعدٌ عند النبي ﷺ ، إذ سمع نقيضاً من فوق فرفع رأسه، وقال: هذا بابٌ من السماء فتح اليوم، لم يفتح قط إلا اليوم، فنزل منه ملك فقال: هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم فسلم، وقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبيٌ قبلك "فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة" لم تقرأ بحرفٍ منهما إلا أعطيته﴾. وعند البخاري وأحمد من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿أم القرآن هي السبع المثاني والقرآن العظيم﴾. وعند الدارمي والترمذي وغيرهما عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿الحمد لله أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني﴾ قال الترمذي: هذا حديثٌ حسن صحيح.

стр. 452

توضيح معاني سورة الفاتحة معاشر الأحبة المسلمين: من ساعده التوفيق، ونظر بنور البصيرة، تأمل معاني هذه السورة العظيمة، ووقف على أسرارها وما اشتملت عليه من أُمهات المطالب العالية، ودقائق التوجيهات السامية، والحكم والأحكام. أول السورة رحمة، وأوسطها هداية، وآخرها نعمة، وحظ العبد من النعمة على قدر حظه من الهداية، وحظه من الهداية على قدر حظه من الرحمة، فعاد الأمر كله إلى نعمة الله ورحمته وفضله وهدايته، فمن حقق معاني سورة الفاتحة عِلماً ومعرفةً وعملاً وحالاً فقد فاز من الكمال بأوفر نصيب، وصارت عبوديته مع التوفيق والإخلاص عبودية الذين ارتفعت درجتهم إلى مراتب الكمال والإصابة.

стр. 453

مدلول البسملة والحمدلة ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:١] ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٣] أدب الله هذه الأمة فعلَّمها الابتداء بذكر أسمائه الحسنى، وحمده على آلائه العظمى، أمام كل ذي بالٍ من أفعالهم وأقوالهم، وقبل المهم من شئونهم وحاجاتهم، وجعل ذلك سنة يستنون بها وسبيلاً ينتهجونها، فباسمه وحمده افتتاح كلامهم، وصدور رسائلهم، وكتبهم وحاجاتهم، والحمد أوسع الصفات، وأعم المدائح، وجميع أسماء ربنا حمد، وكل صفاته حمد، وأفعاله حمد، وأحكامه حمد، وعدله حمد، ورحمته حمد، وفضله حمد، وإحسانه حمد، وكل صفة عليا واسمٍ حسن وثناءٍ جميل فلربنا جل وعلا أحسنه وأعلاه وأجمله، وكل حمدٍ ومدحٍ وتسبيح وتنزيهٍ وتقديسٍ وجلالٍ وإكرام فلربنا عز وتبارك أكمله وأتمه وأدومه، وهو رب العالمين المالك المتصرف في الخلائق أجمعين، وكل ما سوى الله عالمَ.

стр. 454

(مالك يوم الدين) ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤] الملك والحمد في حق ربنا متلازمان، فكل ما شمله ملكه وقدرته شمله حمده وتمجيده، فهو سبحانه محمودٌ في ملكه، وله الحمد والقدرة مع حمده وثنائه، ويوم الدين يوم الجزاء والحساب، وقد تفرد الرب سبحانه بالحكم بين العباد ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ * الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [غافر:١٦ - ١٧].

стр. 455

لزوم العبادة والاستعانة ثم قال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]. إقرارٌ من العبد وإعلانٌ والتزام بإفراد الله بالعبادة والتوحيد، والبراءة من الشرك وأهله، دقيقه وجليله، وإعلانٌ والتزامٌ بالاعتماد عليه، وتفويض جميع الأمور إليه، فله سبحانه نخشع ونذل ونستكين، إعلانٌ بما صدع به الإسلام من تحرير الأنفس لله، وتخليصها لعبادته وحده لا شريك له، فلا يشرك معه أحد، لا في ربوبيته وألوهيته، ولا في محبته وخوفه، ولا في رجائه والتوكل عليه، فالخضوع والتذلل والتعظيم والسجود والتقرب كل ذلك له وحده فاطر السماوات لا إله إلا هو. (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) تجمع الديانة والشريعة، (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) تجمع الإخلاص والتوكل والتفويض، قال بعض أهل العلم: " من أقر بـ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] وحققها فقد برأ من الجبر والقدر ". وقال بعض السلف: "الفاتحة سر القرآن" وسر الفاتحة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] فالأولى تبرؤ من الشرك، والثانية تبرؤ من الحول والقوة مع التفويض إليه سبحانه، على حد قوله سبحانه في الآية الأخرى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود:١٢٣]، وقوله سبحانه: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً﴾ [المزمل:٩].

стр. 456

طلب العبد الهداية والتوفيق ثم قال تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦]. الهداية إلى الصراط المستقيم من أجل المطالب، ونيل ذلك أشرف المواهب، وتحصيله أنجح الرغائب، فقد علَّم الله عباده كيف يسألونه، فأمرهم أن يقدموا بين يديه حمده وثناءه وتمجيده، والإقرار بتوحيده، والخضوع له، فهاتان وسيلتان إلى مطلوبهم، توسلٌ إليه بأسمائه وصفاته وتوسلٌ إليه بعبوديته، وهما وسيلتان لا يكاد يرد معهما دعاء، فنصف السورة الأول: مجمع الحمد والثناء، ونصفها الثاني: مجمع الحاجات والمطلوبات، فأمرنا سبحانه أن نسأله هداية الصراط المستقيم كل يومٍ وليلة، في صلواتنا الفرائض منها والنوافل، بل في كل ركعةٍ من صلواتنا، فالعبد محتاج إلى معرفة الحق في كل حركة ظاهرة وباطنة، ثم إذا عُرِفَ الحق فهو بحاجةٍ إلى معرفة من يلهمه قصد الحق فيخلص لذلك من قلبه، ثم هو محتاجٌ إلى أن يكون قادراً على فعل الحق، ومن عرف هذه المراتب أدرك أنه محتاجٌ إلى هدايةٍ متجددة في كل وقت، ولهذا فإننا نكرر هذا الطلب والدعاء في كل صلاة وفي كل ركعة. إنه سبيل السعادة والاستقامة على الصراط المستقيم، ولن تكون الاستقامة إلا بالهداية من الله سبحانه؛ فمن لم يجعله ربه عالماً بالحق لم يكن له سبيل إلى الاهتداء، ومن أجاب الله دعاءه أوقفه على الهداية بمراتبها من العلم والقدرة والتوفيق والتثبيت وصرف الموانع والعوارض؛ فيتبين له الرشد من الغي، وطريق المنعم عليهم وطريق ضدهم، فالصراط المستقيم واحد، عليه جميع أنبياء الله ورسله وأتباعهم من الذين أنعم الله عليهم من الصديقين والشهداء الصالحين، ذلكم: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:١٥٣].

стр. 457

المنحرفون عن الصراط المستقيم ثم قال تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧]. هذا بيانٌ لطرفي الانحراف عن الصراط الحق المستقيم، فأحدهما طريق أهل الغضب الذين عدلوا عن الحق قصداً وعناداً، فعندهم فساد في القصد والعمل، والثاني طريق أهل الضلال الذين عدلوا عنه جهلاً وضلالاً، فعندهم فساد في العلم والاعتقاد، فالعالم بالحق المتبع لهواه من المغضوب عليهم، والجاهل بالحق من الضالين، فالمغضوب عليهم ضد المرحومين، والضالون ضد المهتدين. واليهود أنموذج للمغضوب عليهم؛ لأنهم ممن عرف الحق واستبان له؛ فكفر به وجحده، يقول سبحانه: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [البقرة:٩٠]، وقال سبحانه: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [المائدة:٦٠]. والنصارى أنموذج لأهل الضلال، يقول سبحانه: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة:٧٧]. وفي الترمذي وصحيح ابن حبان من حديث عدي بن حاتم ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ﴿اليهود مغضوبٌ عليهم، والنصارى ضالون﴾ قال الترمذي: حسنٌ غريب. أيها المسلمون: وكل عبدٍ محتاج دائماً إلى هذا الدعاء: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٦ - ٧] فإنه لا نجاة في الدارين إلا بهذه الهداية، ولا وصول إلى السعادة في الحياتين إلا في ذلك، ومن فاته الهدى فهو إما من المغضوب عليهم وإما من الضالين، فالصراط المستقيم يجمع أحوال الإنسان كلها من العقائد والعبادات والمعاملات والآداب. قال الله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:٧] من الأفراد الأتقياء، والأمم الفاضلة الذين بهم الاقتداء والتأسي ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧] يجمع أحوال أهل الفساد والأهواء أفراداً وجماعاتٍ، وأحزاباً وطوائف؛ لاجتناب طريقهم والحذر من مسالكهم. وبعد يا عبد الله! فلا جرم! فقد حصل من معاني هذه السورة العظيمة أم القرآن علمٌ إجمالي بما حواه القرآن الكريم من المقاصد والمعاني والأغراض، فلا غرو أن تكون فاتحة الكتاب وأم القرآن والسبع المثاني. رزقنا الله حسن تلاوة كتابه والعمل به، وجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته. ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ * إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ * وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر:٨٥ - ٨٧]. نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبهدي محمدٍ ﷺ أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 458

فاتحة الكتاب شافية للأرواح والأبدان الحمد لله الذي أنزل كتابه مفصل الأحكام، ومحكم الآيات، أحمده سبحانه عمَّت نعماؤه وتوالت منه المنح والمكرمات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تقَّدس في الذات وفي الأسماء والصفات، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، ختمت بنبوته النبوات، وكملت برسالته الرسالات، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذريته أفضل الصلوات، وأتم التسليمات، وأزكى البركات، والتابعين ومن تبعهم بإحسان ما دامت الأرض والسماوات. أما بعد: أيها المسلمون: إن فاتحة الكتاب شافية بإذن الله للداء، كافية للهم، واقية من السوء، رقية لكل مسلم، اشتملت على شفاء القلوب والأبدان. أما القلوب فمدار أمراضها وأسقامها على أمرين: الأول: فساد العلم. الثاني: فساد القصد. ويترتب على ذلك داءان قاتلان: داء الضلال وداء الغضب. فداء الضلال نتيجة لفساد العلم، وداء الغضب نتيجة لفساد القصد، وهذان المرضان هما ملاك أمراض القلوب جميعها، وهداية الصراط المستقيم تتضمن الشفاء من مرض الضلال، وتحقيق (إياك نعبد وإياك نستعين) علماً وعملاً، يتضمن الشفاء من مرض فساد القلب والقصد. وأما تضمنها شفاء الأبدان فهذا خبر أبي سعيد الخدري ﵁ كما في صحيح البخاري وغيره: ﴿أن ناساً من أصحاب النبي ﷺ أتوا على حي من أحياء العرب فلم يقروهم، فبينما هم كذلك إذ لدغ سيد أولئك القوم فقالوا: هل معكم من دواء أو راق؟ فقالوا: إنكم لم تقرونا، ولا نفعل حتى تجعلوا لنا جعلاً، فجعلوا لهم قطيعاً من الشاة، فجعل يقرأ بأم القرآن ويجمع بزاقه ويتفل فبرأ، فأتوا بالشاة، فقالوا: لا نأخذه حتى نسأل النبي ﷺ ، فسألوه فضحك وقال: وما أدراك أنها رقيه؟! خذوها واضربوا لي بسهم﴾ وفي رواية: ﴿فجعل الصحابي يقرأ على الملدوغ بفاتحة الكتاب، فقام اللديغ كأن لم يكن به قلبة﴾.

стр. 459

فضل تدبر سورة الفاتحة أيها المسلم: وينبغي قراءة الفاتحة على مكثٍ وحسن ترتيل وتمهل بخشوع وتدبر، يقف على رءوس الآي، ويعطي القراءة حقها اتقاناً وتجويداً، بعيداً عن التكلف، مع إخلاصٍ يطرد الغفلة، ويجلب الخشية، ويعين على الفهم، ويستفيض ما غاص من الدمع، ففي الصحيحين من حديث عبادة بن الصامت ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ﴿لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب﴾، وعند مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿من صلى صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج﴾ بل إن الله عز شأنه في الحديث القدسي سمَّى الفاتحة صلاة؛ بياناً لعظم شأنها، وكبر منزلتها، فقد أخرج الإمامان مالك ومسلم رحمهما الله وغيرهما عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ﴿قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٣] قال الله تعالى: أثنى عليَّ عبدي، وإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤] قال: مجدني عبدي، وقال مرة: فوض إليَّ عبدي، فإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٦ - ٧] قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل﴾ واللفظ لـ مسلم. ثم بعد الفراغ من الفاتحة يُشرع التأمين، فقد كان الرسول ﷺ يقول: آمين، يمد بها صوته. معاشر المسلمين: هذه هي سورة الفاتحة أم القرآن سبع آيات محكمات، فيها حمد الله وتمجيده، وذكر المعاد، والجزاء، وتوحيد الله، وإخلاص العبادة له، والتضرع إليه بسؤال الهداية إلى صراطه المستقيم، والثبات عليه، فالصراط المستقيم هو القائد إلى الصراط الممدود يوم القيامة، المفضي لمن سلكه إلى جنات النعيم، مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً. والحذر ثم الحذر من مسالك الباطل وأهله ممن غضب الله عليه ولعنه وأضله، وتجنب طريقهم لئلا يحشر معهم. ألا فاتقوا الله رحمكم الله، وأحسنوا القراءة لكتاب ربكم والتدبر والعمل، فقد أنزله ربكم تذكرةً لمن يخشى، ويسره للذكر فهل من مدكر. ثم صلوا وسلموا على نبي الرحمة والملحمة نبيكم محمد رسول الله، فقد أمركم بذلك ربكم فقال في محكم تنزيله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، والخلق الأكمل، وعلى آله وأزواجه وذريته، وارض اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين، الأئمة المهديين، الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وجودك وإحسانك يا أكرم الأكرمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، واحم حوزة الدين، واخذل الطغاة والملاحدة وسائر أعداء الدين. اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك المؤمنين. اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأيد بالحق والتوفيق والتأييد والتسديد إمامنا وولي أمرنا، واكتب له الصحة والسلامة والعافية، وأعز به دينك، وأعل به كلمتك، وارزقه البطانة الصالحة، التي تدله على الخير وتعينه عليه، اللهم وأيده بالحق وأيد الحق به، واجمع به كلمة الحق يا رب العالمين! اللهم وفق ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك وبسنة نبيك محمدٍ ﷺ ، واجعلهم رحمة لرعاياهم، واجمعهم على الحق يا رب العالمين! اللهم وأبرم لأمة الإسلام أمر رشدٍ، يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر، إنك على كل شيء قدير. اللهم انصر المجاهدين الذين يجاهدون في سبيلك لنصرة دينك، وإعلاء كلمتك، اللهم انصرهم في فلسطين وكشمير وفي الشيشان وفي كل مكان يا رب العالمين! اللهم أيدهم وسددهم، اللهم سدد سهامهم وآراءهم، واجمع كلمتهم، ووحد صفوفهم، اللهم واجعل الدائرة على أعدائهم، اللهم وشتت شملهم، وفرِّق جمعهم، واجعل بأسهم بينهم، وأنزل بهم بأسك الذي لا يُرَّد عن القوم المجرمين. ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 460

خطبة الاستسقاء إن هذه الحياة مدبر مقبلها، مائل معتدلها، كثير عللها، إن أضحكت بزخرفها قليلاً، فلقد أبكت بأكدارها طويلاً، ولا مخرج لنا من أكدارها إلا بالتزام شرع الله وطاعته، والابتعاد عن معصيته؛ لأن المعاصي والذنوب سبب كل بلاء وعقوبة، فإلى متى الغفلة وقد فشا الفساد في المجتمعات؟! إنه لا مخرج من سخط الله وعقابه إلا بالتوبة والرجوع إلى الله.
следующие страницы →