← Джавами‘

Джавами‘ · id 7735

دروس للشيخ صالح بن حميد

صالح بن حميد

Полный текст (918 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

طلب العبد الهداية والتوفيق ثم قال تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦]. الهداية إلى الصراط المستقيم من أجل المطالب، ونيل ذلك أشرف المواهب، وتحصيله أنجح الرغائب، فقد علَّم الله عباده كيف يسألونه، فأمرهم أن يقدموا بين يديه حمده وثناءه وتمجيده، والإقرار بتوحيده، والخضوع له، فهاتان وسيلتان إلى مطلوبهم، توسلٌ إليه بأسمائه وصفاته وتوسلٌ إليه بعبوديته، وهما وسيلتان لا يكاد يرد معهما دعاء، فنصف السورة الأول: مجمع الحمد والثناء، ونصفها الثاني: مجمع الحاجات والمطلوبات، فأمرنا سبحانه أن نسأله هداية الصراط المستقيم كل يومٍ وليلة، في صلواتنا الفرائض منها والنوافل، بل في كل ركعةٍ من صلواتنا، فالعبد محتاج إلى معرفة الحق في كل حركة ظاهرة وباطنة، ثم إذا عُرِفَ الحق فهو بحاجةٍ إلى معرفة من يلهمه قصد الحق فيخلص لذلك من قلبه، ثم هو محتاجٌ إلى أن يكون قادراً على فعل الحق، ومن عرف هذه المراتب أدرك أنه محتاجٌ إلى هدايةٍ متجددة في كل وقت، ولهذا فإننا نكرر هذا الطلب والدعاء في كل صلاة وفي كل ركعة. إنه سبيل السعادة والاستقامة على الصراط المستقيم، ولن تكون الاستقامة إلا بالهداية من الله سبحانه؛ فمن لم يجعله ربه عالماً بالحق لم يكن له سبيل إلى الاهتداء، ومن أجاب الله دعاءه أوقفه على الهداية بمراتبها من العلم والقدرة والتوفيق والتثبيت وصرف الموانع والعوارض؛ فيتبين له الرشد من الغي، وطريق المنعم عليهم وطريق ضدهم، فالصراط المستقيم واحد، عليه جميع أنبياء الله ورسله وأتباعهم من الذين أنعم الله عليهم من الصديقين والشهداء الصالحين، ذلكم: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:١٥٣].

стр. 457

المنحرفون عن الصراط المستقيم ثم قال تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧]. هذا بيانٌ لطرفي الانحراف عن الصراط الحق المستقيم، فأحدهما طريق أهل الغضب الذين عدلوا عن الحق قصداً وعناداً، فعندهم فساد في القصد والعمل، والثاني طريق أهل الضلال الذين عدلوا عنه جهلاً وضلالاً، فعندهم فساد في العلم والاعتقاد، فالعالم بالحق المتبع لهواه من المغضوب عليهم، والجاهل بالحق من الضالين، فالمغضوب عليهم ضد المرحومين، والضالون ضد المهتدين. واليهود أنموذج للمغضوب عليهم؛ لأنهم ممن عرف الحق واستبان له؛ فكفر به وجحده، يقول سبحانه: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [البقرة:٩٠]، وقال سبحانه: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [المائدة:٦٠]. والنصارى أنموذج لأهل الضلال، يقول سبحانه: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة:٧٧]. وفي الترمذي وصحيح ابن حبان من حديث عدي بن حاتم ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ﴿اليهود مغضوبٌ عليهم، والنصارى ضالون﴾ قال الترمذي: حسنٌ غريب. أيها المسلمون: وكل عبدٍ محتاج دائماً إلى هذا الدعاء: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٦ - ٧] فإنه لا نجاة في الدارين إلا بهذه الهداية، ولا وصول إلى السعادة في الحياتين إلا في ذلك، ومن فاته الهدى فهو إما من المغضوب عليهم وإما من الضالين، فالصراط المستقيم يجمع أحوال الإنسان كلها من العقائد والعبادات والمعاملات والآداب. قال الله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:٧] من الأفراد الأتقياء، والأمم الفاضلة الذين بهم الاقتداء والتأسي ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧] يجمع أحوال أهل الفساد والأهواء أفراداً وجماعاتٍ، وأحزاباً وطوائف؛ لاجتناب طريقهم والحذر من مسالكهم. وبعد يا عبد الله! فلا جرم! فقد حصل من معاني هذه السورة العظيمة أم القرآن علمٌ إجمالي بما حواه القرآن الكريم من المقاصد والمعاني والأغراض، فلا غرو أن تكون فاتحة الكتاب وأم القرآن والسبع المثاني. رزقنا الله حسن تلاوة كتابه والعمل به، وجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته. ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ * إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ * وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر:٨٥ - ٨٧]. نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبهدي محمدٍ ﷺ أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 458

فاتحة الكتاب شافية للأرواح والأبدان الحمد لله الذي أنزل كتابه مفصل الأحكام، ومحكم الآيات، أحمده سبحانه عمَّت نعماؤه وتوالت منه المنح والمكرمات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تقَّدس في الذات وفي الأسماء والصفات، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، ختمت بنبوته النبوات، وكملت برسالته الرسالات، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذريته أفضل الصلوات، وأتم التسليمات، وأزكى البركات، والتابعين ومن تبعهم بإحسان ما دامت الأرض والسماوات. أما بعد: أيها المسلمون: إن فاتحة الكتاب شافية بإذن الله للداء، كافية للهم، واقية من السوء، رقية لكل مسلم، اشتملت على شفاء القلوب والأبدان. أما القلوب فمدار أمراضها وأسقامها على أمرين: الأول: فساد العلم. الثاني: فساد القصد. ويترتب على ذلك داءان قاتلان: داء الضلال وداء الغضب. فداء الضلال نتيجة لفساد العلم، وداء الغضب نتيجة لفساد القصد، وهذان المرضان هما ملاك أمراض القلوب جميعها، وهداية الصراط المستقيم تتضمن الشفاء من مرض الضلال، وتحقيق (إياك نعبد وإياك نستعين) علماً وعملاً، يتضمن الشفاء من مرض فساد القلب والقصد. وأما تضمنها شفاء الأبدان فهذا خبر أبي سعيد الخدري ﵁ كما في صحيح البخاري وغيره: ﴿أن ناساً من أصحاب النبي ﷺ أتوا على حي من أحياء العرب فلم يقروهم، فبينما هم كذلك إذ لدغ سيد أولئك القوم فقالوا: هل معكم من دواء أو راق؟ فقالوا: إنكم لم تقرونا، ولا نفعل حتى تجعلوا لنا جعلاً، فجعلوا لهم قطيعاً من الشاة، فجعل يقرأ بأم القرآن ويجمع بزاقه ويتفل فبرأ، فأتوا بالشاة، فقالوا: لا نأخذه حتى نسأل النبي ﷺ ، فسألوه فضحك وقال: وما أدراك أنها رقيه؟! خذوها واضربوا لي بسهم﴾ وفي رواية: ﴿فجعل الصحابي يقرأ على الملدوغ بفاتحة الكتاب، فقام اللديغ كأن لم يكن به قلبة﴾.

стр. 459

فضل تدبر سورة الفاتحة أيها المسلم: وينبغي قراءة الفاتحة على مكثٍ وحسن ترتيل وتمهل بخشوع وتدبر، يقف على رءوس الآي، ويعطي القراءة حقها اتقاناً وتجويداً، بعيداً عن التكلف، مع إخلاصٍ يطرد الغفلة، ويجلب الخشية، ويعين على الفهم، ويستفيض ما غاص من الدمع، ففي الصحيحين من حديث عبادة بن الصامت ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ﴿لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب﴾، وعند مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿من صلى صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج﴾ بل إن الله عز شأنه في الحديث القدسي سمَّى الفاتحة صلاة؛ بياناً لعظم شأنها، وكبر منزلتها، فقد أخرج الإمامان مالك ومسلم رحمهما الله وغيرهما عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ﴿قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٣] قال الله تعالى: أثنى عليَّ عبدي، وإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤] قال: مجدني عبدي، وقال مرة: فوض إليَّ عبدي، فإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٦ - ٧] قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل﴾ واللفظ لـ مسلم. ثم بعد الفراغ من الفاتحة يُشرع التأمين، فقد كان الرسول ﷺ يقول: آمين، يمد بها صوته. معاشر المسلمين: هذه هي سورة الفاتحة أم القرآن سبع آيات محكمات، فيها حمد الله وتمجيده، وذكر المعاد، والجزاء، وتوحيد الله، وإخلاص العبادة له، والتضرع إليه بسؤال الهداية إلى صراطه المستقيم، والثبات عليه، فالصراط المستقيم هو القائد إلى الصراط الممدود يوم القيامة، المفضي لمن سلكه إلى جنات النعيم، مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً. والحذر ثم الحذر من مسالك الباطل وأهله ممن غضب الله عليه ولعنه وأضله، وتجنب طريقهم لئلا يحشر معهم. ألا فاتقوا الله رحمكم الله، وأحسنوا القراءة لكتاب ربكم والتدبر والعمل، فقد أنزله ربكم تذكرةً لمن يخشى، ويسره للذكر فهل من مدكر. ثم صلوا وسلموا على نبي الرحمة والملحمة نبيكم محمد رسول الله، فقد أمركم بذلك ربكم فقال في محكم تنزيله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، والخلق الأكمل، وعلى آله وأزواجه وذريته، وارض اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين، الأئمة المهديين، الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وجودك وإحسانك يا أكرم الأكرمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، واحم حوزة الدين، واخذل الطغاة والملاحدة وسائر أعداء الدين. اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك المؤمنين. اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأيد بالحق والتوفيق والتأييد والتسديد إمامنا وولي أمرنا، واكتب له الصحة والسلامة والعافية، وأعز به دينك، وأعل به كلمتك، وارزقه البطانة الصالحة، التي تدله على الخير وتعينه عليه، اللهم وأيده بالحق وأيد الحق به، واجمع به كلمة الحق يا رب العالمين! اللهم وفق ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك وبسنة نبيك محمدٍ ﷺ ، واجعلهم رحمة لرعاياهم، واجمعهم على الحق يا رب العالمين! اللهم وأبرم لأمة الإسلام أمر رشدٍ، يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر، إنك على كل شيء قدير. اللهم انصر المجاهدين الذين يجاهدون في سبيلك لنصرة دينك، وإعلاء كلمتك، اللهم انصرهم في فلسطين وكشمير وفي الشيشان وفي كل مكان يا رب العالمين! اللهم أيدهم وسددهم، اللهم سدد سهامهم وآراءهم، واجمع كلمتهم، ووحد صفوفهم، اللهم واجعل الدائرة على أعدائهم، اللهم وشتت شملهم، وفرِّق جمعهم، واجعل بأسهم بينهم، وأنزل بهم بأسك الذي لا يُرَّد عن القوم المجرمين. ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 460

خطبة الاستسقاء إن هذه الحياة مدبر مقبلها، مائل معتدلها، كثير عللها، إن أضحكت بزخرفها قليلاً، فلقد أبكت بأكدارها طويلاً، ولا مخرج لنا من أكدارها إلا بالتزام شرع الله وطاعته، والابتعاد عن معصيته؛ لأن المعاصي والذنوب سبب كل بلاء وعقوبة، فإلى متى الغفلة وقد فشا الفساد في المجتمعات؟! إنه لا مخرج من سخط الله وعقابه إلا بالتوبة والرجوع إلى الله.

стр. 461

خطر المعاصي والذنوب الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، سبحانه وبحمده، أوجد الكون ودبَّره، وخلق الإنسان من نطفة فقدره، ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ، ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ، ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ. والشكر لربنا على جميل لطفه، وجزيل ثوابه، وواسع فضله، عَظُم حِلْمُه فستر، واستغفره المذنبون فغفر، وبسط يده بالعطاء فأكثر، قصَدَتْه الخلائق بحاجاتها فأعطاها، وتوجهت إليه القلوب بلهفاتها فهداها. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تكفَّل برزق جميع الخلائق، وتعرَّف إلى خلقه بالدلائل والحقائق، له الحكمة فيما قدَّر وقضى، وإليه وحده تُرفَع الشكوى، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، أرفعُ عباد الله قدراً، وأكثرهم لمولاه شكراً، وأعظمهم لربه ذكراً، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه، صفوة الله من خلقه، وخيرته من عباده، والتابعين ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. نستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم ونتوب إليه، نستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم ونتوب إليه، سبحانك ربنا، أنت إلهنا، ونحن عبيدك، أنت الملك، لا إله إلا أنت، ظلمنا أنفسنا، واعترفنا بذنوبنا، فاغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا، وما أسررنا وما أعلنا، وما أنت أعلم به منا، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت. أما بعد: عباد الله: أوصيكم ونفسي بتقوى الله ، فاتقوا الله -رحمكم الله- فتقوى الله طريق النجاة والسلامة، وسبيل الفوز والكرامة، بالتقوى تزداد النعم، وتتنزل البركات، وبها تُصْرَف النقم، وتستدفع الآفات. عباد الله: تأملوا في هذه الحياة، مُدْبِرٌ مُقْبِلُها، ومائلٌ مُعْتَدِلُها، كثيرةٌ عللها، إن أضحكت بزخرفها قليلاً، فلقد أبكت بأكدارها طويلاً. تفكروا في حال مَن جَمَعَها ثم مُنِعَها، انتقلت إلى غيره، وحَمَل إثمها ومغرمها، فيا لحسرة من فرط في جنب الله! ويا لندامة من اجترأ على محارم الله! أقوام غافلون، جاءتهم المواعظ فاستقلوها، وتوالت عليهم النصائح فرفضوها، توالت عليهم نعم الله فما شكروها، ثم جاءهم ريب المنون، فأصبحوا بأعمالهم مرتهَنين، وعلى ما قدمت أيديهم نادمين: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء:٢٠٥ - ٢٠٧].

стр. 462

المعاصي والذنوب سبب كل عقوبة وبلاء عباد الله: ما حل بسالف الأمم من شديد العقوبات، ولا أُخِذوا مِن غِيَرٍ بفظيع المَثُلات، إلا بسبب التقصير في التوحيد والتقوى، وإيثار الشهوات، وغلبة الأهواء: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف:٩٦]. إن كل نقص يصيب الناس في علومهم وأعمالهم، وقلوبهم وأبدانهم، وتدبيرهم وأحوالهم، وأشيائهم وممتلكاتهم، سببه -والله- الذنوب والمعاصي: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠] وقال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم:٤١]. إنَّ ما تُبْتَلى به الديار، من قلة الغيث، وغور الآبار، وما يصيب المواشي والزروع من نقصٍ وأضرار، ليس ذلك لعمر الله من نقص في جود الباري جل شأنه وعَظُم فضله، كلا ثم كلا! ولكن سبب ذلك كله إضاعة أمر الله، والتقصير في جنب الله. إن المعاصي تفسد الديار العامرة، وتسلب النعم الباطنة والظاهرة، كيف يطمع العبد في الحصول من ربه على ما يحب، وهو مقصر فيما يجب، ذنوب ومعاصٍ إلى الله منها المشتكى، وإليه وحده المفر، وبه سبحانه المعتصَم. اضطراب عقدي، وتحلل فكري، وتدهور أخلاقي، جَلََبَته قنواتٌ فضائية، ووسائلُ إعلامية، وشبكاتٌ معلوماتية، رِباً وَزِناً، وضعفٌ في العفة والحشمة، فتنٌ ومحنٌ بألوانها وأوصافها، ألوان من الجرائم والفسوق والفجور والانحراف، بل إلحاد وكفريات، من خلال كثير من القنوات، ثم تظالُمٌ بين العباد، وأكلٌ للحقوق، ونهبٌ لأموال الناس بالباطل، كيف يُرجَى حصول الغيث وفي الناس مقيمون على الغش، ومصرُّون على الخيانات، ورسول الله ﷺ قد برئ من الغش والكذب، والمكاسب الخبيثة تستدرج صاحبها، حتى تمحقه محقاً، وتنزع البركة منه نزعاً. نعم، لولا الذنوب وآثارها، والمظالم وشؤمها، لصبت السماء أمطارها، ولبادرت غيثها ومدرارها.

стр. 463

صور المجاهرة بالمعاصي عباد الله: إن من البلاء ألا يحس المذنب بالعقوبة، وأشد منه أن يقع السرور بما هو بلاء وعقوبة، فيفرح بالمال الحرام، ويبتهج بالتمكن من الذنب، ويُسَر بالاستكثار من المعاصي، ألا ترون المجاهرة بالمعاصي وإعلانها؟! كيف تُرْجَى السلامة والعافية مع المجاهرة؟! وقد قال نبيكم محمد ﷺ : ﴿كل أمتي معافىً إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة: أن يعمل العبد بالليل عملاً، ثم يصبح قد ستره ربه، فيقول: يا فلان، قد عملتُ البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، فيصبح يكشف ستر الله عليه﴾. ومن المجاهرة: أن يذكر الماجن مجونه، وينشر الفاسق فسقه في خمور ومعازف، وآلات غناء محرم. يا أصحاب الإعلام والأقلام! اتقوا الله فيما تكتبون وتنشرون. إذا اشتدت ملابسة الذنوب للقلوب، أفقدتها الغيرة على الأهل والمحارم؛ فلا تستقبح قبيحاً، ولا تُنكر منكراً. أيها المسلمون: لقد فشا في كثير من المجتمعات الربا والزنا، وشُرِبت الخمور والمسكرات، وأدمنت المخدرات، وكَثُر أكل الحرام، وتنوعت فيه الحيل، شهاداتٌ باطلة، وأيمانٌ فاجرة، وخصومات ظالمة، ارتفعت أصوات المعازف والمزامير، وفشت رذائل الأخلاق ومستقبح العادات، في البنين والبنات، فإلى متى الغفلة عن سنن الله؟! ونعوذ بالله من الأمن من مكر الله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الأنفال:٥٣].

стр. 464

الحث على التوبة والعودة إلى الله تعالى أيها الإخوة في الله: إن ربكم يخوفكم بالآيات والنذر، والشدة والنكال، زلازل وبراكين، ورياح وأعاصير، وحروب وفيضانات، يصيب بها من يشاء، ويصرفها عمَّن يشاء، وهو شديد المحال. عباد الله: تفكروا رحمكم الله في حُكْم المولى وحِكْمته في تصريف الأمور، وتدبير الأحوال، ما أصاب العباد فبما كسبت أيديهم؛ ولكنه بفضله يعفو عن كثير: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر:٤٥]. ومن أجل هذا: فارجعوا إلى ربكم، وتوبوا إليه، واستغفروه، وأحسنوا الظن به، واجعلوا الرجاء في مولاكم نصب أعينكم، ومحط قلوبكم، فربكم نعم المولى ونعم المرتجى، يغفر الذنوب، ويكشف الكروب، ولا يملأنّ قلوبكم اليأس من رَوح الله وفضله وإفضاله، فتظنون به ما لا يليق بجلاله وكماله، أليس هو الذي رزق الأجنة في بطون أمهاتها، رباها صغاراً، وغمرها بفضله كباراً؟! تراكمت الكروب فكشفها، وحلَّت الجدوب فرفعها، أطعم وأسقى، وكفى وآوى، وأغنى وأقنى، نعمه لا تُحصى، وإحسانه لا يستقصى، كم قصَدَتْه النفوس بحوائجها فقضاها؟! وانطرحت بين يديه ففرَّج كربها وأرضاها؟! سبحانه وبحمده! لا رب لنا سواه، ولا نعبد إلا إياه، لا ملجأ ولا منجى منه إلا إليه، هو ربنا ومولانا، وهو أرحم الراحمين، وأكرم الأكرمين. فراجعوا أنفسكم -رحمكم الله- بالاعتراف بتقصيركم وعيوبكم، وتوبوا إلى ربكم مِن جميع ذنوبكم، ووجِّهوا قلوبكم إلى مَن بيده خزائن الرحمة والأرزاق، وأمِّلوا الفرَج من الرحيم الخلاق، فأفضل العبادة انتظار الفرج، واحذروا اليأس والقنوط، واجتنبوا التسخط والضجر، توبوا إلى ربكم من ذنوب تمنع نزول الغيث، وأقلعوا عن مظالم تحجب أبواب البركة، تعطَّفوا على فقرائكم بالرحمة والإحسان، أدُّوا الحقوق إلى أصحابها، وردُّوا المظالم إلى أهلها، قوموا بمسئولياتكم على وجهها، أحسنوا إلى الخدم والعاملين، واليتامى والمستضعفين، أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه، ولا تبخسوا الناس أشياءهم، ولا تأكلوا أجرهم ومرتباتهم، مرُوا بالمعروف وانهوا عن المنكر، وأصلحوا ذات بينكم، وأحسنوا تربية بناتكم وأبنائكم وبَرُّوا والدِيكم، وصِلُوا أرحامكم، أدُّوا زكاة أموالكم طيبةًَ بها نفوسكم، وتصدقوا من فضول أموالكم، واتقوا النار ولو بشق تمرة. عباد الله: هأنتم قد حضرتم بين يدي ربكم، تبسطون إليه حاجتكم، وتشكون جدب دياركم، وذلكم بلاء من ربكم، فلعلكم إليه ترجعون، ومن ذنوبكم تستغفرون، فأقبلوا عليه وتقربوا بصالح الأعمال لديه، ابتهلوا وتضرعوا وادعوا واستغفروا، فقد ربط سبحانه في كتابه بين الاستغفار وحصول الغيث المدرار. اقرءوا وصية نبي الله نوح ﵇ لقومه: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً﴾ [نوح:١٠ - ١٢]. ووصية هود ﵇ لقومه: ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ [هود:٥٢]. ولازموا الثناء على ربكم، وأكثروا من الصلاة والسلام على نبيكم، الهادي البشير، سيدنا وإمامنا وقدوتنا، فالدعاء موقوف بين السماء والأرض حتى يُصَلَّى على النبي ﷺ كما جاء في الأثر. اللهم صلَّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد. اللهم صل على محمد وعلى آله وأزواجه وأصحابه. رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ. اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين. اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا. اللهم اسقنا غيثاً، مغيثاً، هنيئاً، مريئاً، طبقاً، سحاً، مجللاً عاماً، نافعاً غير ضار، عاجلاً غير آجل. اللهم تحيي به البلاد، وتغيث به العباد، وتجعله بلاغاً للحاضر والباد. اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذاب، ولا هدم، ولا بلاء، ولا غرق. اللهم اسقِ عبادك وبلادك وبهائمك، وانشر رحمتك، وأحيِ بلدك الميت. اللهم أنبت لنا الزرع، وأدر لنا الضرع، وأنزل علينا من بركاتك، واجعل ما أنزلته قوةً لنا على طاعتك، وبلاغاً إلى حين. اللهم إنا خلق من خلقك، فلا تَمْنَعَنَّا بذنوبنا فضلك، اللهم إنا خلق من خلقك، فلا تَمْنَعَنَّا بذنوبنا فضلك، اللهم إنا خلق من خلقك، فلا تَمْنَعَنَّا بذنوبنا فضلك. سبحان الله، عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا، رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ. اللهم ارفع عنا من الجوع والجهد والعري، واكشف عنا من البلاء ما لا يكشفه إلا أنت. اللهم إن نستغفرك، إنك كنت غفاراً، فأرسل السماء علينا مدراراً. اللهم اسقنا الغيث، وآمِنا من الخوف، ولا تجعلنا آيسين، ولا تهلكنا بالسنين. اللهم ارحم الأطفال الرُّضَّع، والشيوخ الرُّكَّع، والبهائم الرُّتَّع، وارحم الخلائق أجمعين. اللهم يا ذا الجلال والإكرام، يا بديع السموات والأرض، يا حي يا قيوم! لا تكلنا إلى أنفسنا، ولا إلى حولنا، ولا إلى قوتنا، فإننا فقراء إليك، محتاجون إليك، اللهم فارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، وأغث قلوبنا وديارنا. اللهم أغدق علينا من كرمك العميم، واصبغ علينا من فضلك العظيم. اللهم إنا نسألك البركة في أعمالنا وأعمارنا، وأولادنا وبلادنا، وأموالنا وأوقاتنا، وحروثنا وزروعنا، وتجاراتنا وصناعاتنا. رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا، رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا، رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ، وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا، أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ. اللهم انصر دينك وكتابك، وسنة نبيك محمدٍ ﷺ وعبادك الصالحين. اللهم ادفع عنا الغلاء والوباء، والربا والزنا، والزلازل والمحن، وسوء الفتن، ما ظهر منها وما بطن، عن بلدنا وعن سائر بلاد المسلمين يا رب العالمين! اللهم آمِنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأيد بالحق والتوفيق والتأييد والتسديد إمامنا وولي أمرنا، وارزقه البطانة الصالحة، واجمع به كلمة المسلمين على الحق يا رب العالمين. اللهم رد عنا كيد الكائدين، اللهم رد عنا كيد الكائدين، وعدوان المعتدين، واقطع دابر الفساد والمفسدين. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. عباد الله: اقلبوا أرديتكم تأسياً بنبيكم محمد ﷺ ، واجتهدوا في الدعاء، وألِحُّوا في المسألة، وأخلصوا، وأحسنوا، وادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، عسى ربكم أن يرحمكم؛ فيغيث القلوب بالرجوع إليه، والبلد بإنزال الغيث عليه. سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

стр. 465

التفقه في الدين فضله ووسائله لقد فشا فينا الجهل وعم وطم، وذلك لقلة اهتمامنا بالعلم الشرعي، وفي هذا الدرس يتحدث الشيخ حول التفقه في الدين، فذكر تعريفه في اللغة، كما توقف عند حديث: ﴿من يرد الله به خيراً يفقه في الدين﴾ وذكر عدة فوائد من هذا الحديث. وهناك وسائل للتفقه في الدين منها: الإخلاص، والتلقي عن المشايخ، والتحلي بآداب طالب العلم والتواضع وعدم التكبر إلخ، وقد ذكر الشيخ كلاماً جميلا لابن القيم يتعلق بارتباط العلم بالخشية، وأن هناك علماً لا يورث خشية، فهذا يسمى علماً ولكنه لا ينفع، وأما العلم النافع فهو الذي يورث خشية الله.

стр. 466

معنى التفقه في الدين إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونؤمن به ونتوكل عليه، ونثني عليه الخير كله. أشكره ولا أكفره، وأسأله المزيد من فضله وكرمه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ الملكُ الحقُّ المبينُ، إله الأولين والآخرين. وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله؛ بعثه بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين؛ تركنا على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وعلى أصحابه أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فإن أحسن الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها الإخوة: أحييكم بتحية الإسلام، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته. ثم بعد حمد الله والثناء عليه بما هو أهله، والصلاة والسلام على رسوله، فلا بد من شكر من كان له فضلٌ في ترتيب هذا اللقاء وتنظيم هذا الاجتماع في هذا البيت من بيوت الله. ومن أخص من يخص بالذكر فضيلة إمام المسجد الشيخ حمد المطوع، والشيخ تركي بن قعود، وآخرين من ورائهم لا تعلمونهم الله يعلمهم! أسأل الله أن يجزي كل محسن بإحسانه ويثيبه، ويجعل هذا الاجتماع مقرباً إلى رضوانه، وأن يكتب لنا ذلك في ميزان حسناتنا؛ ما كان منه من صواب، وما كان سوى ذلك، فأسأل الله أن يعفو ويسامح. أيها الإخوة: الموضوع الذي اختير لهذا اللقاء، وقد اختاره الإخوة هنا، اختاروه بعنوان: التفقه في الدين فضله ووسائله. وهو موضوع لا شك جدير بالاهتمام، وجدير بالنظر، وجدير بالتذاكر فيه، ولا شك أنهم ما اختاروا هذا إلا لما لهم من خبرة، ولما يعرفونه من حاجة الناس إلى مثل هذا. ويكفي لجاذبيته وبيان أهميته: عنوانه (التفقه في الدين) فهو متضمن لكلمتين عظيمتين التفقه والدين، التفقه مضافاً إلى الدين، ولهذا سوف يأتي معنا في ثنايا الحديث إشارات كثيرة، وبخاصة عند قوله ﷺ : ﴿من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين﴾؛ فإن هذه الكلمة من النبي ﷺ -وقد أوتي جوامع الكلم- على وجازتها وعلى قلة ألفاظها، فإنها مليئة بالمعاني كما سوف نشير ولا نستبق الأحداث. أرجو أن يتسع الوقت للحديث عن جملة من العناصر؛ أذكرها تذكيراً بها: منها التفقه في الدين من حيث معناه، ثم بيان ما كان منه فرض عين وما كان فرض كفاية، ثم إِشارة إلى طبيعة العلم النافع وآثار هذا العلم، وقد يكون فرصة لأن يختبر الإنسان نفسه في هذا الباب، ثم إشارة إلى صفات طالب العلم والفقه؛ صفات على جهة الإجمال، ثم صفات على جهة التفصيل تتضمن الوسائل. وقبل ذلك فضل العلم وشرف مرتبته؛ لأن العنوان -كما تعرفون- متعلق بالفضائل والوسائل، ثم وسائل عملية، وهي فيها إشارة إلى الصفات ولكنها في الواقع وسائل، منها ما هو وسائل معنوية لا يكاد يتحقق الفقه الحقيقي إلا بها، من الإخلاص والخشية والعمل بالعلم، ثم التلقي عن المشايخ، وسوف يكون لنا فيه وقفة، ثم التواضع وعدم الاستنكاف من تلقي العلم في أي زمن من العمر ومن أي عالم مهما صغر سنه أو لم تكن لك به معرفة من قبل. ثم مبادرة الشباب، وفرص العمر، والبعد عن الشواغل والتسويف، ثم الأدب لتلقي العلم، ثم عدم التعجل في التصدر، ثم قول لا أدري، ثم عدم الاستنكاف عن السؤال مهما بلغ الإنسان من مراحل علمه وتعلمه. وهذا إجمال لما سوف يكون الحديث عنه، ولعل الوقت يتسع لكل ذلك، وإن لم يكن فأرجو أن آتي عليه ولو على شيء من الإجمال.

стр. 467

تعريف التفقه التفقه مأخوذ من الفقه، والتفقه ذاته جاء في خبر الله وخبر رسوله ﷺ ، أما خبر الله فقوله سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة:١٢٢]. فجاء النص على التفقه في الدين بذاته. أما خبر رسول الله ﷺ ، فقوله ﵊: ﴿من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين﴾. ولاحظوا أن الآية والحديث كلها ربطت الفقه بالدين، فلا يكون الفقه نافعاً ولا مفيداً إلا حينما يكون مرتبطاً بالدين، وسوف يكون لنا -كما قلت- وقفات عند هذا. والتفقه مأخوذ من الفقه، والفقه هو الفهم، ولهذا يقول الله في المنافقين: ﴿لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً﴾ [النساء:٧٨]. وسوف يأتي معنا كلام جميل لـ ابن القيم في الفرق بين العلم النافع وغير النافع، بين علم منفي وعلم مثبت. وصف الله تعالى المنافقين بأنهم لا يفقهون حديثاً، مع أنهم يفقهون ولهم عقول ويفهمون، لكن ما هو الفقه الذي لا يفقهونه؟ يقول الله في سحرة اليهود: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٠٢]. في أول الآية أثبت لهم العلم، وفي آخرها نفاه عنهم فما هو الفقه المثبت والمنفي؟

стр. 468

الفقه أخص من الفهم حينما نقول: الفقه، فإنما نقصد به نوعاً خاصاً من الفهم، فهو فهم مرتبط بالدين، فالتفقه في الدين مقصود به فهم مسائل الدين؛ من صلاة وصوم ومعاملة ونكاح، وكل ما يجب على المكلف معرفته من أمر عباداته ومعاملاته، بل حتى ما يتعلق بعلمه بالله ، وصفاته وما يجب من القيام بأمره وتنزيهه عن النقائص، وهذا كله لا يكون إلا بالعلوم الشرعية المعروفة؛ من التفسير والحديث والفقه والعلوم الخادمة لذلك؛ من المصطلح والأصول ونحو ذلك.

стр. 469

مسائل في حديث: (من يرد الله به خيراً) ويتبين ذلك أيضاً من قوله ﷺ : ﴿من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين﴾. فعندنا جملة أمور تضمنها هذا الحديث: أولاً: قوله: (من يرد الله) كأن الأمر راجع إلى إرادة الله ، وإن كان لا شك في أن كل شيء تحت قدرة الله وإرادته وتصرفه وتدبيره ، لكن لماذا خص الفقه في الدين بارتباطه بإرادة الله في قوله ﷺ : ﴿من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين﴾. فلنا جملة وقفات على هذا الحديث (من يرد الله) ثم (خيراً) ثم (يفقهه في الدين) ثم المفهوم المخالف لهذا الحديث.

стр. 470

وقفة مع (من يرد الله) من يرد الله: يدل على أن الفقه أحياناً لا ينفع فيه الكسب، وإنما هو راجع إلى ما يفتح الله به على طالب العلم من الحق والخير، ولهذا يتنافس الناس في طلب العلم، ولكنَّ هناك أناساً يفتح الله عليهم بالعلم وبالورع وبالتقوى وبالصلاح ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً﴾ [الكهف:٦٥].

стр. 471

وقفة مع لفظ (خيراً) (خيراً) قال العلماء: إنها مُنَكَّرة، والتنكير هنا للتعظيم، من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، فالخيرية في الفقه في الدين وليست في أي فقه، وإنما أن تفقه دينك وأن تفقه أمر دينك، ومفهومه: أن من لم يرد الله به خيراً لا يفقهه في الدين، وورد حديث عند أبي يعلى قال: ﴿ومن لم يفقهه لم يبالِ الله به﴾، قال الحافظ ابن حجر: هذه الزيادة ضعيفة، لكن معناها صحيح؛ لأن من لم يتفقه في الدين ويعرف أمور دينه كان على جهل، وإذا كان جاهلاً بأمور دينه، وبما طلب الله منه باعتباره مكلفاً، فلا شك أنه لم يرد الله به خيراً، وأنه على خطر كبير.

стр. 472

الفقه منه ما هو فرض عين وما هو فرض كفاية تثور أمامنا قضية: هل التفقه في الدين مطلوب من جميع المكلفين؟ الفقه المذكور في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [التوبة:١٢٢] مقصور على طائفة، وسوف يكون لنا معها أيضاً وقفة إن شاء الله، لكن قوله ﷺ : ﴿من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين﴾، إذا كان مفهومه أن من لم يفقهه الله في دينه لم يرد به خيراً، فالأمر خطير.

стр. 473

الفقه الواجب هناك نوعان من الفقه: النوع الأول مطلوب من الجميع، والنوع الآخر مطلوب من بعضهم. العلم الذي هو مطلوب من الجميع هو ما يسميه العلماء: فرض العين، وفرض العين مطلوب من كل مكلف؛ لأن كل المسلمين مطالبون بأحكام الشرع ما كان منها فرض عين، وفروض الأعيان معروفة، فمنها ما يتعلق بتحقيق التوحيد، وشهادة ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ومعرفة ذلك؛ بحيث يعبد كل مكلف ربه على بصيرة، ولهذا قال الله : ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد:١٩]. فهناك نوعٌ من العلم لا بد من التفقه فيه، وهو فروض الأعيان: من تحقيق التوحيد، ومعرفة معنى لا إله إلا الله والعمل بمقتضاها ومعرفة معناها، وما أثبتت وما نفت -فلا بد أن يعرف ذلك كل مكلف- ومعنى شهادة أن محمداً رسول الله وتحقيقها ومقتضى الطاعة والتسليم لرسول الله ﷺ ، فإن هذا من المقتضيات المهمة، ولا بد أن يعرفها كل مكلف، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦]، وكما قال الله : ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥]. فمقتضى الشهادة: أن يخضعوا لله ولرسوله وأن يستسلموا وأن ينقادوا، وكل ما جاءهم عن الله وعن رسوله فعلى العين والرأس. هذه قضية كبرى لا بد أن يفقهها كل مكلف، ولهذا كان من دقائق دعوة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ ما بثه من معلومات في كتبه الصغيرة للعامة: كـ الأصول الثلاثة والقواعد الأربعة ونحو ذلك، فلا بد أن يفقهوها وأن يعرفوها، وكان هذا من فقهه ﵀، أنه بث مثل هذا، ولا يكاد يوجد عامي في كثير من الأعصار السابقة إلا كان يفقهها ويكاد يحفظها عن ظهر قلب؛ لأنه يعرف معانيها، فهي من الأمور الهامة جداً التي تتعلق بجميع الناس. ومن ذلك الصلاة والصيام والحج لمن قصد الحج، والزكاة لمن كان ذا مال، فلا بد أن يعرف ويفقه هذه الأحكام. فالصلاة غير الصحيحة مردودة على صاحبها، والرسول ﷺ لما رأى المسيء صلاته قال: ﴿ارجع فصل فإنك لم تصل﴾. فهذا فقه لا بد منه لكل الناس، وهو فقه في الدين، وفي فروض الأعيان من الصلاة والصيام والزكاة لمن عنده مال، وكذلك أيضاً ما يتعلق بالحج لمن يحج. وكذلك الأمور التي تتعلق بخاصته: إذا كان تاجراً فلا بد أن يعرف أحكام التجارة، حتى لا يقع في المحرم، ليس الواجب أن يعرف كل الواجبات والسنن، إنما يعرف المحرم ليتقيه، من الربا والغش والتدليس، والمعاملات المشتبهة لا بد أن يفقهها التاجر، وهي في حقه فرض عين. الزارع لا بد أن يفقه الزراعة، ويعرف الأمور التي تتعلق بأحكام زكاة الزروع، وكذلك أصحاب المواشي، وأصحاب السائمة والرعاة، كل هؤلاء لا بد أن يعرفوا الأحكام المتعلقة بأمورهم؛ لأنها أمور مطالبون بها، وهم مكلفون بحدود ما اهتموا به.

стр. 474

وقفة مع قوله تعالى: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً) النوع الثاني: فرض كفاية، وهذا هو الذي قصدته الآية في قوله سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [التوبة:١٢٢]. سوف نقف عند هذه الآية لنتبين نوعاً من الفقه في هذه الآية. الآية كما تعلمون في سورة التوبة، وسورة التوبة تسمى سورة براءة، وتسمى الفاضحة، وتسمى المقشقشة؛ لأن حديثها عن الجهاد وعن القتال عجيب، وحديثها عن فضح القاعدين والمنافقين شيء كبير، وقال الله فيها: ﴿انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٤١]، وقال: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة:٣٦]. فكان القتال فيها صريحاً، والأمر فيها يكاد يكون لجميع الناس. في هذا الحديث العظيم، وفي هذا التهييج الكبير للقتال وبيان أهميته للأمة، وبيان أثره عليها قوة وضعفاً وعزة وانتكاساً، وجاءت قضية المخلفين وقضية الثلاثة الذين خلفوا، وآيات تهتز وتقشعر منها الأبدان في ثنايا ذلك يقول الله : ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة:١٢٢]. فبعد هذا الحث العظيم على الجهاد ومنزلته من فروض الأمة ومن موقفها ومن حياتها وتاريخها، كأنه يفهم أن الأمة لا بد أن تنفر كلها للجهاد، فتأتي هذه الآية لتبين المطلوب الحقيقي، ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة:١٢٢]، مع أن فيها تفسيرات كثيرة، ولكن الأظهر وهو الذي يراه جمهور العلماء هو ما ستسمعونه إن شاء الله. ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة:١٢٢]، أي: ليس للمؤمنين أن ينفروا كافة للقتال؛ لأن هذا يترتب عليه أمور أخرى. يقول القرطبي في تفسيره: يتبين أن الجهاد ليس على الأعيان، فلو نفر الكل لضاع من وراءهم من العيال، ولكن ليخرج فريق منهم للجهاد، وليقم فريق منهم يتفقهون في الدين، ويحفظون الحريم، حتى إذا عاد النافرون أعلمهم المقيمون ما تعلموه من أحكام الشرع. ثم قال: وهذه الآية أصل في وجوب طلب العلم. ففي الآية إيجاب التفقه بالكتاب والسنة وأنه على الكفاية دون الأعيان. وجاء هذا بعد الأمر الكبير بالجهاد لبيان منزلة التفقه في الدين، وأن على طائفة من الأمة أن تتفقه في دين الله، بمعنى: تعرف دقائق الأحكام وما كان من فروض الكفاية، فجميع أمور الدين عقيدة وشريعة وأخلاقاً وسائر ما يعرف بالأحكام من تحصيل الحقوق وإقامة الحدود والفصل بين الخصوم، هذه كلها علوم لا يتفرغ الناس لها كلهم، ولا يستطيعون أن يقومون بها كلهم، ولكن تتخصص فئة تقوم نيابة عن المسلمين بهذه العلوم، حتى تحفظ على الناس دينهم، وحتى تكون هي المرجع لحفظ هذا الدين. ففرض الكفاية هذا هو الذي غالباً سيكون حديثنا عنه، وهو الذي سنتكلم عن فضله ووسائله، أما الفقه الذي يعم الناس كلهم فهو أمر واجب، وأشرنا أن بعض فروض الأعيان يتعلق بكل مكلف حسب طبيعة عمله، وأن هناك فروض أعيان على المسلمين كلهم كما يتعلق بالصلاة والزكاة والحج والصيام الخ، وهناك أمور تتعلق بكل مكلف بخصوصه على حسب تخصصه ومهمته، إذا كان غنياً، ففي الزكاة وإذا كان حاجاً، ففي الحج، حتى في النكاح يعرف أحكام النكاح وحقوق أهله عليه، وحقوق أهله نحوه الخ. إذا كان هذا هو العلم بنوعيه الكفائي والعيني، فإن التفقه في الدين يظهر طلبه وشدة طلبه من هذه الآية: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [التوبة:١٢٢]، ثم قوله ﷺ : ﴿من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين﴾، ولا شك أن هذا من أظهر الأمور على الحث على التفقه؛ لأن كل عاقل -فضلاً عن كل مسلم- يفقه عن الله وعن رسوله ﷺ يريد الخيرية، ويرجو أن تناله هذه الخيرية.

стр. 475

فضل طلب العلم أما فضل الفقه والتفقه فمعلوم أن لطلب العلم فضيلة عظيمة، ومرتبة شريفة، ونبيكم محمد ﷺ يقول: ﴿من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع، وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض، والحيتان في جوف الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر﴾. والأحاديث في فضل العلم كثيرة ومتواترة عن نبينا محمد ﷺ ، والآثار عن السلف الصالح شيء كثير، ولا يكاد يقع تحتها حصر، ولا أريد أن أسرد النصوص أمامكم سرداً، فإن أمامي حشداً منها، ولكني أجتزئ منها حسب المقام.

стр. 476

آثار عن السلف في فضل العلم منها: أن علياً الأزدي جاء إلى ابن عباس وقال: يـ ابن عباس ما أفضل الجهاد؟ فقال ابن عباس: أقلت الجهاد؟ فقال: نعم. فقال ابن عباس: [[ألا أدلك على ما هو خير لك من الجهاد؟! تأتي مسجداً فتقرأ فيه القرآن وتتعلم فيه الفقه]]. الذي يبدو أن ابن عباس ﵁ ورحمه بفقهه وهو حبر الأمة، وقد دعا له النبي ﷺ بقوله: ﴿اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل﴾ يبدو أنه أدرك من الرجل أن غناءه في العلم والتحصيل والإفادة أكثر من غنائه في الجهاد، ولهذا نصحه بهذا، وهذا هو الذي ينبغي أن يعرفه طلبة العلم أو عموم المتطلعين إلى وجوه الخير الكثيرة؛ لأن أبواب الخير كثيرة وكبيرة، والإنسان لا يستطيع في عمره أن يأتي عليها كلها؛ فعليه أن يتوجه إلى ما يرى أن فيه فائدة، ويستطيع أن يغني فيه كثيراً. فكأن ابن عباس ﵄ لاحظ ذلك على هذا الرجل وهو يريد الجهاد فقال: ألا أدلك على خير من ذلك؟! أن تأتي مسجداً فتقرأ فيه القرآن، فيبدو أن عنده قدرة على التعليم والتعلم وعلى تربية الناس، فمن هنا قال له: هذا خيرٌ لك من الجهاد، والجهاد في هذه الحالة فرض كفاية. ويقول الشافعي ﵀: طلب العلم أوجب من صلاة النافلة وأوجب هنا بمعنى: أولى، فطلب العلم أولى من صلاة النافلة، وهذا في حق من يستفيد من العلم. وعمر بن الخطاب ﵁ كان في المدينة، فجاءه عامله على مكة نافع بن الحارث الخزاعي فقال: من استخلفت في مكة؟ فقال: استخلفت فيها مولى لنا، قال عمر: استخلفت مولى؟! فقال: إنه قارئ لكتاب الله، عالم بالفرائض، فقال عمر: أما إن نبيكم محمداً ﷺ قد قال: ﴿إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين﴾. وكأنه يشير إلى قوله تعالى أيضاً: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١].

стр. 477

العلماء أكثر الناس خشية لله والآيات في هذا كثيرة مثل قوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨]، وقوله : ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران:١٨]، فجعل الله أهل العلم شهداء على وحدانيته، بعد شهادته وشهادة ملائكته على ذلك، لم يستشهد من سائر المخلوقات بعد الملائكة إلا أولي العلم، وكفى بهذا شرفاً وفضلاً! فقد استشهدهم على أعظم شيء مستشهد عليه، وهو التوحيد. والله يقول: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ [يوسف:٨٣]، قال فيها زيد بن أسلم: هو بالعلم، ولا شك أن يوسف ﵇ ارتفع بأمور كثيرة، وكان مما ارتفع به يوسف العلم ولا شك. والله لم يأمر نبيه محمد ﷺ أن يتزود من شيء إلا من العلم فقط، فقال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ [طه:١١٤]. وهناك نصوص كثيرة في الحث على العلم. لكن نقف عند قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨]؛ فإن لـ ابن القيم فيها كلاماً جميلاً. ابن القيم يلحظ أن في الآية حصراً، فمعناها: أن من لم يخش الله فليس بعالم، وأنه لا يخشى الله إلا عالم ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] ويقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ * جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة:٨ - ٩]، فتكون النتيجة أن العلماء هم خير البرية، لأن خير البرية من خشي الله، ولا يخشى الله إلا العلماء، فيكون العلماء خير البرية، وهذا استنتاج لطيف وهو ظاهر أيضاً. يقول ابن القيم: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] يقتضي الحصر من طرفين بمعنى: لا يخشاه إلا العلماء، ولا يكون عالماً إلا من يخشاه، فلا يخشاه إلا عالم، وما من عالم إلا وهو يخشاه، أي: إذا انتفى العلم انتفت الخشية، وإذا انتفت الخشية دلت على انتفاء العلم. لكن وقع غلط في مسمى العلم اللازم للخشية كأنه يقول: هناك علماء نسب الله إليهم علماً، كما في قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ [البقرة:١٠٢] أي: يعلمون هم على حسب ما جاء في كتبهم أن من فعل السحر واشتراه ليس له في الآخرة من خلاق، فعندهم هذا العلم. يقول ابن القيم: وإبليس من أعلم الناس، وفرعون من أعلم الناس، حتى قال موسى لفرعون: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء:١٠٢]، وقال الله في قوم ثمود: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت:١٧]، وقال في عاد وثمود: ﴿وَعَاداً وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ [العنكبوت:٣٨]، وقال في عموم قوم فرعون: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً﴾ [النمل:١٤]، فأنفسهم مستيقنة لما جاء به موسى ﵇. وسنة الله في عموم البشر أنه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة:١١٥]. إذاً: إن عندهم علم عن الآخرة وعما جاءت به الرسل كما دلت عليه هذه الآية، ولكن بالمقابل سماهم الله جاهلين، كما يقول ابن القيم، يقول: وهؤلاء -أي: الذين عندهم هذه العلوم- هم الذين قد حكم الله عليهم في مقام آخر أنهم جاهلون، في مثل قوله سبحانه: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩]، أي: الكفار، وقال: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً﴾ [الفرقان:٦٣]، فالجاهلون هنا هم الكفار الذين علموا أنه رسول الله وقامت عليهم الحجة وعلموا صدقه. فهذا العلم الذي علموه لا ينافي الحكم على صاحبه بالجهل، فهو جاهلٌ باعتبارٍ عالمٌ باعتبارٍ آخر، يثبت الله له العلم في موضع، وينفيه عنه في موضع آخر؛ فالمثبت لهم هو العلم الذي تقوم به عليهم الحجة، والمنفي عنهم هو العلم النافع الموجب للخشية. إذاً: في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨]، علم خاص، فإذا لم يورثك علمك خشية فعليك أن تفتش نفسك، وقد ذكر الله في آية السحر علمين: أثبت أحدهما لهم، ونفى الآخر عنهم، ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٠٢]، فوصفهم مرة بأنهم يعلمون، ووصفهم مرة بأنهم يجهلون. ولهذا قال

стр. 478

صفات إجمالية لطالب العلم نذكر الصفات الإجمالية لطالب العلم، ثم بعض الصفات التفصيلية. من أهم ما يظهر على طالب العلم من صفات: أنه يعمل بعلمه؛ يأتمر بالأوامر، وينزجر عن النواهي، ويتذكر إذا ذكر، ويخشى الله ويتقيه، إذا قيل له: اتق الله خشي وخضع، ويراقب ربه ويستحييه؛ لماذا؟ لأنه يحس أنه قد حمل أعباء الرسل، وصار شهيداً في القيامة على من خالف أهل الملل، يقول الله : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة:١٤٣]. ويقول العلماء: إن الحجة على من علم العلم فأغفله آكد منها على من قصر عنه وجهله، ومن أوتي العلم فلم ينتفع، وعن الزواجر لم يرتدع، وارتكب من المآثم قبيحاً، ومن الجرائم فضيحاً، كان علمه حجة عليه. صاحب العلم الذي انتفع بعلمه يظهر عليه السمت والصلاح، لربه ذاكر، ولنعمه شاكر، وعليه متوكل، أهم أموره عنده الورع في دينه، واستعمال تقوى الله ومراقبته فيما أمره به ونهاه عنه، يأخذ نفسه بالبعد عن المشتبهات، مستمسكاً بالحلم والوقار، مجتنباً الكبر والإعجاب، متواضعاً لأهل الفضل والعلم، يدع الجدال والمراء، آخذاً بعرى الرشد والأدب، يرجى خيره، ويؤمن شره، ويسلم من ضره، ولا يسمع نميمة، ولا يرضى بغيبة. والكلام في هذه الصفات يطول، ثم مثل هذا موته خسارة على الأمة في بنيانها، فهو كوكب غاب من سمائها.

стр. 479

وسائل طلب العلم أما الوسائل التي يحقق بها بإذن الله العلم النافع والفقه في الدين، فقد ذكر بعضها في الأبيات المعروفة، المنسوبة للإمام الشافعي: أخي لن تنال العلم إلا بستةٍ سأنبيك عن تفصيلها ببيان ذكاءٌ وحرصٌ واجتهادٌ وبلغةٌ وإرشادُ أستاذٍ وطولُ زمانِ وسيأتي هذا معنا فيما يتعلق بالمشايخ، لكن هناك أيضاً أموراً أدق من هذه، وهي التي حريٌ أن يفتش عنها طالب العلم، وهي أيضاً في أبيات منسوبة للشافعي حينما قال: شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي وقال اعلم بأن العلم نور ونور الله لا يهدى لعاصي

стр. 480

الإخلاص ومما ينبغي أن يتصف به طالب العلم: الإخلاص: فمهم جداً أن يقف طالب العلم وطالب الفقه عند الإخلاص، ولا شك أنكم سمعتم بهذا كثيراً، فالحديث عن الإخلاص كثير جداً، ولا يكاد واعظ يعظ إلا ويذكر الإخلاص، سواء ما يتعلق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو ما يتعلق بطلب العلم، أو في أي عمل تأتيه، بل حتى في عملك وفي وظيفتك؛ فهو المحك وعليه المدار، ولا نعيد ما قاله أهل العلم، لكن نشير إلى بعض ذلك إشارة ونحن نتكلم عن العلم. لعلكم تلاحظون أن كثيراً من أهل العلم يحاول أن يبدأ مؤلفه بحديث: (إنما الأعمال بالنيات)؛ لأنه يستشعر أن هذه القضية ينبغي أن تكون هي الشغل الشاغل لطالب العلم؛ فعليه أن يهتم بفحص قلبه، وملاحظته، والعناية به، ورعايته، كيف لا والنبي ﷺ يقول: ﴿من طلب العلم ليماري به السفهاء، أو يجادل به العلماء، أو يصرف به وجوه الناس إليه، أدخله الله النار﴾؟! وأول من تسعر بهم النار -كما تعلمون- عالم لم يعمل بعلمه؛ تعلم العلم لغير الله، وفي حديث آخر: ﴿من تعلم علماً مما يبتغى به وجه الله، لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا، لم يجد عرف الجنة يوم القيامة﴾. وحري أن نقف عند هذا دائماً، ونحاسب عليه أنفسنا، لكن هناك دائماً سؤال يثور على طلبة العلم، وبخاصة حينما يبتدئون، لأن طالب العلم وهو ناشئ صغير، لم يتضلع بالعلم، ولم يفقه ما عليه السلف والعلماء السابقون، حينما يبدأ غالباً يجد في نفسه منازعة. فلا ينبغي أن تصرفه هذه المنازعة عن السير في طلب العلم، ما دام الله قد فتح عليه، وأحس بانتفاع واندفاع، وأحس برغبة، فعليه أن يستمر؛ لأن العلماء ﵏ يقولون: طلبنا العلم للدنيا فأبى إلا أن يكون لله. فلا ينبغي أن يكون هذا الهاجس صارفاً لك عن طلب العلم، لكن ينبغي أن يكون حافزاً لك؛ لا شك أنه يجب عليك أن تراجع قلبك دائماً، وتحاول أن تخلص نيتك؛ لكن إذا وفقك الله وازددت من العلم، وحرصت على العمل ونوافل العبادات، فسوف تخلص نيتك بإذن الله، وبخاصة إذا وفقك الله، وقرأت كثيراً من تراجم العلماء وسيرهم، وسمعت كلامهم وحضهم، فإن هذا سوف ينير قلبك ويشفيه بإذن الله. وقد ورد في ذم الرياء بعض الزواجر كقول حماد بن سلمة حيث يقول: من طلب الحديث لغير الله مكر به. فينبغي أن يجد طالب العلم في تطهير قلبه من كل غش ودنس. ويقول سهل: حرام على قلب أن يدخله النور وفيه شيء مما يكرهه الله . أي: إذا استمر. ويقول سفيان الثوري: ما عالجت شيئاً أشد من نيتي. فيحتاج القلب إلى علاج، ولا ينبغي أن يكون ذلك سبيلاً للتقاعس، ينبغي أن تكون دافعاً لا داعياً للتقاعس، وأبو يوسف ﵀ يقول: يا قوم! أريدوا بعلمكم وجه الله، فإني لم أجلس مجلساً قط أنوي فيه أن أتواضع إلا لم أقم حتى أعلوهم، ولم أجلس مجلساً قط أنوي فيه أن أعلوهم إلا لم أقم حتى أفتضح. فينبغي أن يكون هذا بين العينين، لأن العلم عند أهل الإسلام عبادة وقربى إلى الله ، فإن خلصت النية قُبل وزكا ونما، وإن قصد به غير وجه الله حبط وضاع وخسرت الصفقة.

стр. 481

الخشية الخشية من أهم وسائل طلب العلم المعنوية، وإذا انغرس الإخلاص في القلب ظهرت الخشية، والله يقول في أهل الكتاب: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة:٤٤]، لاحظ هذا الارتباط العجيب! فهذه مسئولية كلف الله بها هؤلاء؛ إذ طلب منهم أن يحفظوا كتاب الله الذي هو التوراة، فقال: ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة:٤٤]. فأهم ما ينبغي أن يعالج طالب العلم نفسه خشية الله ، والله يقول: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨]. وسبق أن وقفنا عند هذه الآية، وبينا توضيح ابن القيم ﵀ فيها، وعليها يقول الربيع بن أنس: من لم يخش الله تعالى فليس بعالم. ويقول مجاهد: إنما العالم من خشي الله . وساق الدارمي الحديث بسنده عن كعب الأحبار، قال: [[إني لأجد نعت قومٍ يتعلمون لغير العمل، ويتفقهون لغير العبادة، ويطلبون الدنيا بعمل الآخرة، ويلبسون جلود الضأن، قلوبهم أمر من الصبر، أبي يغترون؟! وإياي يخادعون؟! فبي حلفت لأتيحن لهم فتنة تذر الحليم فيهم حيران]]. حينما تقع الفتن، فكثيراً ما تلتبس الأشياء، لكن إذا جعل الله في قلب العبد نوراً -وبخاصة طالب العلم؛ لأنه هو كاشف المدلهمات والظلمات- إذا جعل الله في قلبه نوراً ونبراساً، كان هذا النبراس متولداً من إخلاصه ومن خشيته لله ، فإنه سوف ينجو من هذه الظلم، وسوف يخرج من هذه الفتن.

стр. 482

التلقي عن المشايخ والعلماء من وسائل العلم المعروفة التلقي عن المشايخ، وعدم تعجل التصدر، وهذان الأمران مهمان جداً في أن يحقق الإنسان حقيقة الفقه في دين الله ، أما التلقي عن المشايخ، فهو أصل من أصول العلم الصحيحة، ومن البدايات الصحيحة لطالب العلم، والطريق المأمون بإذن الله وتوفيقه، ويخطئ من يظن أنه يبلغ في العلم مبلغه من غير تلقٍ عن أهل العلم. ولهذا قيل: إذا رمت العلوم بغير شيخ ضللت عن الطريق المستقيم لا بد للإنسان أن يتلقى العلم عن شيخ، وهناك استثناءت نذكرها. وهناك فوائد من التلقي عن المشايخ: منها: أن الشيخ يختصر لك الطريق، في إرشادك وفي تعريفك بالكتب، وفي تخير الكتب لك على حسب مستواك وإدراكك الذهني، وعلى حسب طموحك واجتهادك، لأنكم تعرفون أنه قد يدرس مجموعة من الطلاب، ثم بعد فترة إذا هذا قد نبغ وهذا لم ينبغ، ولكن في النهاية يخرجون كلهم محصلين، فالشيخ يستطيع أن يعرف كيف يعطي هذا الكتاب الفلاني، ثم ينقله إلى الكتاب الآخر وهكذا. فالشيخ يختصر لك الطريق لأنه يعرفك وهو بك أبصر من حيث كسلك وإدراكك العقلي، ثم إن الشيخ قرأ كثيراً وقطع مراحل، وله خبرات عشرات السنوات، فهو يعرف الضعيف والصحيح والراجح والمرجوح، ويعرف المصطلحات ويبين لك، فإذا قرأت أنت بنفسك فإنك تحتاج إلى سنين وتتعثر، أما مع شيخك فسوف تجد أنك قطعت سنين كثيرة قد لا تصل إلى نفس المرحلة التي سوف تصلها وأنت تتلقى من شيخ، وربما قضيت فيها عشرين سنة، بينما كان يكفيك لتبلغ هذه المرحلة خمس سنوات أمام الشيخ. ومنها: أن الشيخ يقرأ أحسن ما يجد، ويحفظ أحسن ما يقرأ، ويبث لتلاميذه أحسن ما يحفظ؛ فهو يعطيك خلاصات، لبناً خالصاً سائغاً للشاربين من بين فرث ودم. ومنها: أن هناك ارتباطاً بين التلميذ والشيخ، وهو ارتباط عجيب، أحياناً تقرأ شيئاً بنفسك فلا تفهمه، وإذا قرأته على الشيخ فهمته بسرعة، وهذا شيء ملحوظ، ولهذا يقول الشاطبي: كم من مسألة يقرؤها المتعلم بنفسه ويحفظها ويرددها، فلا يفهمها، وتبقى مستغلقة عليه، فإذا ما ألقاها إليه معلمه وشيخه فهمها بغتة -أي: مباشرة من غير أي واسطة- وحصَّل معرفتها في الحال. ويحكى أن الإمام النووي ﵀ كان يحفظ كتاب التنبيه لـ أبي إسحاق الشيرازي، والإمام النووي معروف بعلمه وفضله وعظم قدره، وكان أيضاً يتلقى العلم عن المشايخ، لكنه أثناء قراءته فهم أن الغسل يجب بخروج الريح، فكان كلما خرج منه ريح ذهب فاغتسل، حتى اكتشفه فيما بعد، لأن الإنسان قد يقرأ ويفهم خطأً، وهذا كله في وقت التلقي، فلن يقضي الإنسان عمره كله في الجلوس عند المشايخ، لكنك تفرغ مرحلة الطلب للمشايخ، وبعد ذلك لا شك أنه ستكون قد عرفت الطرق، وقد تكون لك صلة بالمشايخ بطريقة أو بأخرى، تعرف من خلالهم الوسائل والكتب والمراجع والمصادر، لكن المشايخ في فترة الطلب يوفرون لك الوقت، ويختصرون لك الطريق. رابعاً: من ثمار التلقي التأثر بالشيخ، ولهذا ينبغي للإنسان أن يتحرى الشيوخ الذين يتلقى عنهم، بل -كما تعلمون- ما كانت الرحلة في طلب العلم إلا لتحصيل العلم من شيوخ بأعيانهم أيضاً، والتفتيش عن أمثال هؤلاء الشيوخ؛ ومن فوائد ذلك التأثر بحسن الاقتداء، فالطالب يجالس شيخه ويلحظه، ويستفيد من حركاته وسكناته، قال الأعمش: إننا نستفيد من الشيخ حتى في لبس نعله، وقد تصحبه إلى بيته أيضاً، وتلحظ شيئاً من تصرفاته البيتية. يقول عمرو بن الحكم تلميذ الإمام مالك: دعانا الإمام مالك مع جملة من الطلبة إلى بيته للغداء، فلما دخلنا أرانا بيت الخلاء، وأرانا مكان الشرب، ثم دخل قليلاً ثم عاد إلينا، فقلنا له: لماذا فعلت هذا؟ قال: أما بيت الخلاء ومكان الشرب فأخشى أن يحتاجه بعضكم، وأما أني دخلت قليلاً فحتى تأخذوا أماكنكم؛ لأني قد لا أعرف مجالسكم، يقول: دخلت حتى تأخذوا مجالسكم بأنفسكم ثم أتيت حتى يرتفع الحرج فهو يقول: لا أعرفكم كلكم، ولعل بعضكم يستحق التقديم، وأخطئ في حقه، فيكون ذلك على نفسي، فآثرت السلامة. إذا كان الأمر كذلك، فينبغي لطالب العلم أن يتحرى الشيوخ من أهل العلم والفضل والورع والتقى وسلامة المعتقد؛ لأن أثر الشيخ على تلاميذه عظيم، يقول أحد السلف: [[العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم]] لكن الشيوخ بشر، وقد تجد عندهم نقصاً، لكن هذا النقص لا ينبغي أن يمنعك من أن تتلقى منه فَنَّه، إذا كان لا يوجد من هو أصلح منه؛ لأن بعض الفنون يتقنها بعض الناس، وقد لا يكون هو بالحال المرتضى في كل شأنه، فلا مانع أن تتلقى علمه الذي اختص به؛ إن وجدت خيراً منه وأتقى وأورع فلا وإلا أخذت عنه، ولهذا يقول: خذ العلم ولا تنظر إلى عملي، لكن على كل حال هذا في الأحوال المستثناة.

стр. 483

الرحلة في طلب العلم قد يقول قائل: أنا في بلد ناءٍ ليس عندنا شيخ -في قرية أو إقليم فيه جهل- نقول: إما أن ترحل، فالعلماء كانوا يرحلون، فإذا كانت ظروفك لا تسمح، من حيث وضعك المادي فحاول أن تتواصل مع العلماء بأي وسيلة. والعلم غالباً يرتبط بالفقر، ويجب أن يعرف الناس هذا، لأن طالبه مشغول، وعليه أن يتحمل ويصبر، وقد قالوا: إن الفقيه هو فقير، وإنما راء الفقير عكفت أطرافها، ويقول أحد الشعراء: سألت الفقر أين أنت مقيم قال تحت عمائم الفقهاء فالعلم قد لا يورث غنىً، فينبغي أن يوطن طالب العلم نفسه على الفقر؛ وقد يكون غنياً؛ لكن الأصل هو عدم ارتباط العلم مع الغنى، ومن طلب العلم للمال فيا خسارته! على كل حال قد يقول قائل: أنا لا يتوفر عندي شيخ، وفي بلدنا جهل أو نحن في قرية نائية أو في بادية، نقول: إما أن ترحل إذا كنت تستطيع، ونحن نعرف كيف كان علماؤنا ﵏ يرحلون، وإلا فلا مانع أن تقرأ بنفسك، وتحاول قدر ما تستطيع أن تكون على اتصال مع العلماء بأي وسيلة من وسائل الاتصال.

стр. 484

سماع الأشرطة لكن -أيها الإخوة- عصرنا الحاضر فيه مزايا أكثر مما عند المتقدمين؛ مثلاً قضية الأشرطة؛ فهي نعمة من الله ولا شك، وهي تمثل مرحلة وسطاً بين فقد العالم وبين الحضور الشخصي، الحضور الشخصي هو الأول، لكن إذا لم يمكن فاستمع إلى أشرطة، لكن ما هي الأشرطة التي نقصدها؟ نحن نتكلم عن العلم، علم العقيدة، والفقه، والحديث، ومصطلح الحديث، والنحو، فإذا كانت تلك المواد مسجلة لعلماء فهذا الذي نقصده، لا نقصد المواعظ العامة فهي شيء آخر. شيخنا الشيخ ابن عثيمين حفظه الله له تعليق على زاد المستقنع يستطيع أن يقتنيه من كان في منطقة لا يستطيع الحضور على شيخ في بلده، فيمكن أن يستفيد منه. كيفية الاستفادة من الشريط: ينبغي أن تحضر الشريط أولاً، وتحضر الكتاب، وتفتح الكتاب، وتسمع الشيخ وتعلق على كتابك، هذا هو التلقي، بل قد يكون فيه ميزة للشريط، وهي: أنك قد تجعل الشيخ يرجع كل فترة إذا لم تفهم، بدلاً من أن تسأل الشيخ، يمكن أن تسأله مرةً ومرتين ثم تستحي، لكن الشريط تعيده عشرين مرة وتسمع، لكن ينبغي أن تعرف أن هذا يتطلب منك صبراً، الشريط الواحد يتطلب خمس ساعات في جلسة واحدة، ولا أظنها تكفيك، إذا كنت تفتح الكتاب وتسمع الشيخ وتقف وتعلق، لماذا؟ لأن هذه هي الفائدة، يكون عندك كتاب -مثلاً- الروض المربع أو زاد المستقنع وحده أو كلاهما معاً، كلما قال الشيخ: هذه المسألة الراجح فيها كذا، هذه معناها كذا، هذه المفردة كذا، تكتب، أما أن تضعه في السيارة وتسمع فهذا لا يفيد، بعض الناس يسمعه في السيارة فمثله كمثل الماء في الغربال. لكن تقفل على نفسك الغرفة، وتجلس خمس ساعات إلى ست ساعات، وتثني ركبتك، وتكتب وتعلق، فحينئذ تستفيد، فهذه مرحلة وسط بين قلة الشيوخ وما بين الحضور على الشيخ، والحضور على الشيخ لا شك أنه أكثر بركة وفيه خير كثير.

стр. 485

التواضع وعدم التكبر ومنها: التواضع وعدم الاستنكاف من الأخذ عن الأصاغر. وطالب العلم ينبغي أن يتواضع في عدة أمور: يتواضع مع العامة، ويتواضع مع زملائه، ويتواضع مع المشايخ، ولا يحتاج لأن نطيل في الوقفة عند هذه النقطة، فعلى الإنسان أن يحاسب نفسه. تواضع مع العامة، ولا تظن -يا أخي- أن التواضع يفقدك مهابة، ولا تظن أن التواضع يفقدك منزلة؛ بل إنه يرفعك، وهذا معروف، الناس تعرف المتكبر، لكن المشكلة أن المتكبر لا يعرف من نفسه أنه متكبر، وهذا من الضلال، والمتواضع تعرف أنه متواضع، وهو كبير عند الله وعند الناس، ومن تواضع لله رفعه. فمن فضل الله لطالب العلم وعنايته به أن يرزقه التواضع، والبعد عن احتقار الناس، وبخاصة أهل العلم من الأقران وأمثالهم، وهمه الحرص على التحصيل والازدياد من طلب العلم في كل مراحله، ولو كان شيخاً حوله الحلق وحوله العمائم، وكذلك لا يستنكف عن الأخذ عن الأصاغر. وقد قال عمر ﵁: [[تعلموا قبل أن تسودوا]]، وللعلماء فيه تفسيرات، بمعنى قبل أن تكونوا كباراً لكم مقام اجتماعي، وحينئذ الإنسان إذا كبر قد لا يتعلم، إما كبراً، وإما احتشاماً، وإما لكثرة المشاغل، وقيل: (قبل أن تسودوا) أي: قبل أن تخرج اللحية السوداء، الطلب في زمن الصغر، وقيل (قبل أن تسودوا) أي: قبل أن تتجاوزوا الكهولة ويبدأ الشيب وينتهي سواد اللحية، وقيل (قبل أن تسودوا) أي: قبل أن تتزوجوا؛ لأن من تزوج صار سيد أهله، وانشغل بأهله وخاصةً إذا ولد له. ولهذا عقبها أبو عبد الله البخاري ﵀ في صحيحه؛ لأنه أورده في صحيحه مقولة عمر: [[تفقهوا قبل أن تسودوا]] قال: وبعد أن تسودوا. بمعنى: أن العلم لا ينتهي، ولهذا نقول: لا يستنكف الإنسان من أن يأخذ العلم حتى عن الأصاغر وأن يسأل، ولهذا قالوا: وليس العمى طول السؤال وإنما تمام العمى طول السكوت على جهل وكان جماعة من السلف يستفيدون من طلبتهم، حتى أن أبا بكر الحميدي -وهو تلميذ الشافعي - يقول: صحبت الشافعي من مكة إلى مصر، فكنت أستفيد منه المسائل، وكان يستفيد مني الحديث. فـ الشافعي يستفيد من تلميذه الحديث؛ لأنه كان يرى أن تلميذه متميز في الحديث، وكذلك أيضاً كان الإمام الشافعي يقول لـ أحمد وكان أحمد من تلاميذه، يقول: إذا صح عندكم الحديث فأعلمونا نأخذ به. وصح أن جماعة من الصحابة كانوا يأخذون عن التابعين. فلا ينبغي للإنسان أن يستنكف من ذلك، وقد يكون مما يهدينا إلى هذا توجيه ربنا لنبيه ﷺ وأمره له بأن يقرأ على أبي بن كعب، ولهذا قال العلماء: إن هذا دليل على أنه لا يمتنع الفاضل من الأخذ عن المفضول.

стр. 486

الحرص على الطلب في سن الشباب كذلك أيضاً من الوسائل: أن الإنسان يبادر الشباب وزهرة العمر -كما أشرنا في خبر عمر - ومعروف أن العلم في الصغر كالنقش على الحجر، وينبغي للإنسان أن يبتعد عن الشواغل قدر ما يستطيع، وأن ينصرف عن الشواغل وكذلك التسويف، فقد قال السلف: اجتنبوا سوف فإنها مهلكة، وعليه قدر ما يستطيع أن يتخلص من العلائق والشواغل والعوائق، ويحاول قدر ما يمكن ألا يستسلم لشيء منها. أما الذين يستسلمون للأجواء، يقول: اليوم حر واليوم صيف، وهذا وقت ربيع وهو وقت التنزهات، فهذا من الملهيات، ولهذا قال -أظنه الزمخشري -: إذا كان يؤذيك حر المصيف وقر الخريف وبرد الشتا ويلهيك حسن زمان الربيع فأخذك للعلم قل لي متى؟

стр. 487

الأدب مع العلماء كذلك أيضاً من أهم ما ينبغي: الالتزام بالأدب، والحرص عليه، ونقصد بالأدب أن تتعلم الأدب من الشيوخ، يقول ابن سيرين: كانوا يتعلمون الهدى أو الهدي كما يتعلمون العلم. والهدى والهدي كلاهما صحيح، وهما بمعنى: السمت والاستقامة والشيء الذي يؤخذ به في السلوك، ويقول الحسن: إن كان الرجل ليخرج في أدب نفسه السنتين ثم السنتين. ويقول سفيان بن عيينة: إن رسول الله ﷺ هو الميزان الأكبر، وتعرض الأشياء على خلقه وسيرته وهديه، فما وافقها فهو الحق، وما خالفها فهو الباطل. ويقول حبيب بن الشهيد التجيبي: يا بني! اصحب الفقهاء والعلماء، وتعلم منهم، وخذ من أدبهم؛ فإن ذلك أحب إليَّ من كثير من الحديث. ويقول مخلد بن حسن لـ ابن المبارك: نحن إلى كثير من الأدب أحوج منا إلى كثير من الحديث. والأعمش يقول: كانوا يتعلمون من الفقيه كل شيء حتى لباس نعليه. فالأدب مهم جداً، وأحياناً قد تلاحظون نقصاً في الأدب من بعض طلبة العلم مع أنفسهم ومع زملائهم ومع مشايخهم، ومن حُرم الأدب فإنه يحرم خيراً كثيراً.

стр. 488

عدم حب التصدر كذلك أيضاً: عدم تعجل التصدر بمعنى: ألا ينتصب للتدريس إذا لم يكن أهلاً، أو يذكر دروساً لا يعرفها، عليه أن يقول: لا أدري، والرسول ﷺ يقول: ﴿المتشبع بما لم يعطَ كلابس ثوبي زور﴾. ويقول أبو بكر الشبلي: من تصدر قبل أوانه فقد تصدى لهوانه. ويقول أبو حنيفة ﵀: من طلب الرئاسة في غير حينه لم يزل في ذل ما بقي، واللبيب من صان نفسه عن تعرضها لما يعد فيها ناقصاً، وبتعاطيه إياها ظالماً. قول: لا أدري أمر معروف أيضاً، والله يقول: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النحل:١١٦]، كذلك لا ينبغي له أن يستنكف عن السؤال وأن يسأل، فإنما شفاء العي السؤال. إذا كنت لا تدري ولم تك بالذي يسائل من يدري فيكف إذاً تدري؟ وقالوا: إن حسن السؤال هو نصف العلم، والمراد بالسؤال ما قصد به الطالب الفائدة، أما سؤال التعنت، أو سؤال البروز على الأقران، أو سؤال إظهار التعالم فإن هذا من قلة الأدب، بل من قلة التوفيق، ولهذا ينبغي لطالب العلم -في أي مكان حتى ولو كان في حلقات- ألا يوجه سؤالاً لأي واعظ أو دارس أو طالب علم إلا إذا كان يريد حقاً أو فائدةً، أما أن يسأل ليختبر أو ليظهر علمه أو ينافس زملاءه، فهذا ليس من الأدب، بل لعله من علامات الحرمان.

стр. 489

العمل بالعلم ونختم بما بدأنا به فيما يتعلق بالإخلاص في الخشية، ومن أعظم آثارها العمل، أي: أن يكون علمكم حافزاً للعمل، فإن معاذ بن جبل ﵁ يقول: [[اعلموا ما شئتم أن تعلموا، فلن يأجركم الله بعلم حتى تعملوا]]. وهذا باب من الفقه عظيم، وهو الحرص على أخذ العلم من أجل العمل، بل لا ينبغي لطالب العلم أن يجاوز شيئاً من العلم حتى يقوم بحقه من العمل، والكلام في هذا معروف، ويكفي قول الله : ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً * وَإِذاً لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً﴾ [النساء:٦٦ - ٦٨]. فهذه المواعظ كلها يترتب عليها العمل؛ فعلمك خير واعظ لك، وليس بعد علمك واعظ، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً * وَإِذاً لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً﴾ [النساء:٦٦ - ٦٨]. أكتفي بهذا القدر، وأسأل الله أن يوفقنا جميعاً لما يحبه ويرضاه، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 490

الأسئلة

стр. 491

قول بعض الناس (لا أتعلم العلم حتى لا يكون حجة علي) السؤال إنني لا أريد التفقه في الدين، وذلك لئلا يكون حجة عليَّ، فهل هذا صحيح؟ الجواب أظن هذا من مداخل الشيطان، فإذا كان الله قد وهبك ذكاءً وفقهاً وفهماً ورغبة وتحس أن عندك ميولاً نحو طلب العلم وتحصيله والتزود منه، فعليك أن تقدم وألا تجعل للشيطان عليك مدخلاً، ومعالجة النية هي شأن العلماء كما قال سفيان، والله سوف يعينك، ولو أن الناس أخذوا بمثل ما أخذت لما ظهر لنا البخاري ولا مسلم ولا من قبلهم ولا من بعدهم، ولا شك أن ورعهم وعلمهم وفضلهم كان وراء ما نشر الله لهم من ذكر. ولكن عليك أن تدافع هاجس قلة الإخلاص أو الرياء أو الغايات الدنيوية من طلب العلم أو الشهادات أو الوظائف أو نحو ذلك، تدافعها قدر ما تستطيع، ولكنها لا تكون مانعاً لك من التحصيل، فاستعن بالله ، ما دامت الوسائل عندك والله يعينك.

стр. 492

الشكوى من الملل في طلب العلم السؤال أنا أحاول باستمرار طلب العلم -ولله الحمد والفضل والمنة- ولكنني في بعض الأحيان أحس بالملل، فما هي الطريقة والوسيلة التي أسلكها لذهاب هذا الملل؟ الجواب أولاً: كان هناك أمور لم يكن هناك متسع من الوقت للحديث عنها، وخاصة فيما يتعلق بالصبر، فإن من أهم وسائل التحصيل الصبر، فلا أبد أن تصبر، ويبدو لي غالباً أن الصبر يكون في السنوات الأولى، بعدها حينما تستلهم العلم وتتلذذ، فإنك تجد أن العلم حياتك، حتى قال ابن المبارك: لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف. أي: في طلب العلم. فإن فيه لذائذ عجيبة! وخاصة حينما تستعصي على طالب العلم مسألة ثم يبذل أياماً في استكشافها والبحث عنها، فهذه تساوي عنده مئات الألوف والملايين، ويعود مرة أخرى ليبحث فيجد أن نشاطه يتجدد. أخي! عليك بالصبر، ولا ينال العلم إلا بالصبر، لكن هذا لا يعني ألا يكون لك وقت تتسلى فيه، وبخاصة في بعض العلوم، وبعض العلوم ثقيلة وجامدة، ولا شك أن معاناتها ومعالجتها تحتاج إلى وقت، لكن لا مانع أن تجعل لك فسحة في بعض كتب الأدب المباح والشعر، والحديث مع الزملاء، وقراءة الأشياء الخفيفة والقراءات السريعة، وقد يكون ذلك عن طريق سماع الأشرطة أو عن طريق الحضور للمشايخ، وهذا فيه فائدة وفيه مسلاة لكن وأنت قد وضعت لنفسك البرنامج المعين، ووضعت لنفسك الخطة المعينة في إنهاء هذا الكتاب، وإنهاء هذا الفن، ولا شك أن كل النفوس تمل، وروحوا القلوب ساعة، لكن على أن تكون متوجهاً للعلم طول حياتك، والله يعينك.

стр. 493

الانتقال من دراسة الهندسة إلى العلوم الشرعية السؤال سائل يقول: إنه طالب في كلية الهندسة، وهو متردد في إكمال الدراسة في هذه الكلية، ويرغب في التحويل لكي يدرس العلوم الشرعية، فما توجيه فضيلتكم؟ الجواب أنا إذا جاءني أمثال هؤلاء أوصيهم أن يستمروا في تخصصهم، وبخاصة إذا كانوا من أهل الفضل والصلاح، وفي سيماهم الخير، فالذي أراه -وخاصة إذا كنت قد قطعت شوطاً طويلاً- أن تستمر في الذي أنت فيه، فالذي أنت فيه من فروض الكفاية، وإذا تولاه صلحاء وأخيار، كانوا خيراً لهذه الأمة وسبيلاً لاستقلالها الحقيقي؛ لأن هذه العلوم -كما تعلمون- الأمة تحتاجها، وبخاصة في عصرنا الحاضر، فقد تنوعت العلوم وتشعبت، وصارت الحاجة إليها أكبر من ذي قبل، من حيث طبيعة حاجات الناس، وطبيعة أوضاعهم؛ في معاشهم ومساكنهم وملابسهم. فالذي أراه أن تستمر على ما أنت عليه، وهذا لا يتعارض مع طلبك للعلم الشرعي على قدر ما عندك من وقت، وتقرأ وتحضر على المشايخ في الأوقات التي تراها مناسبة، حتى ولو كانت في الصيف، فتخصصه وتقرأ فيه، وإن كان حفظاً تحفظ، وإن كان فهماً وتعليقاً وشرحاً تكتب وتعلق مع المشايخ، فهذا الذي يبدو لي، إلا إذا كنت لست ناجحاً في تخصصك، ولك عوائق كثيرة، أما إذا كنت ناجحاً في التخصص وصالحاً في نفسك -وأتوسم أنك من أهل الصلاح- فإذا كنت من أهل الصلاح متفوقاً في هذا الفن، فنحن بحاجة إلى أن يدخله الصالحون، أما إذا كنت ترى أنك متعثرٌ لأي ظرف من الظروف وتريد أن تنتقل، فهذا شيء آخر.

стр. 494

حكم من توفي وعليه دين مقسط السؤال سائل يقول: إن والده توفي وعليه دين لصندوق التنمية العقاري، ولديه سيولة كافية لتسديد الدين دفعة واحدة. هل الأفضل الوفاء بالدين حالاً، أو الوفاء بالدين حسب الأقساط المتبعة؟ الجواب الأصل أن الميت إذا مات تحل آجال الديون، ويبقى الحق متعلقاً بالتركة، لكن ما دام أن الدائنين -وهم الدولة جزاهم الله خيراً- يتركون الموضوع على ما هو عليه، بمعنى: أنه ما دام القسط مستمراً، فإذا كنت أنت قد يسر الله لك، وتريد أن تقضي دين والدك من حقك فهذا جيد، وكذلك تخلص البيت ليكون لكم جميعاً أو لإخوانك أو للورثة، وغالباً -كذلك- إذا عجلت الأقساط يكون هناك إسقاط لجزء من المبلغ كما هو معلوم، من دفعها جميعاً فإن الدولة تتنازل عن جزء من المال، فإذا كان هذا مقصودك فهذا جيد، ولعل المسارعة يكون فيها خير كثير.

стр. 495

معنى أخذ الأدب من المشايخ السؤال فضيلة الشيخ! ذكرتم خلال المحاضرة بأنه ينبغي لطالب العلم الاستفادة من شيخه وهذا كلام صحيح، ولكنكم ذكرتم أنه يأخذ من شيخه حتى حركاته وسكناته، هل هذا على الإطلاق أم لا؟ الجواب أنا لا أقول: يأخذ، إنما أقول: طبيعة التلميذ أنه يتأثر بشيخه حتى في حركاته، لكن لا يأخذ كل شيء، فإذا كان حركات النبي ﷺ قالوا: إنها حركات وأعمال جبلية، وقال بعضهم: لا يتأسى بها، وكان ابن عمر ﵁ يتأسى بالنبي ﷺ في كل شيء حتى في مشيه، فمن شدة التعلق أن الإنسان يتأثر، لا أنه يأخذ، فإذا كنت قلت: يأخذ، فقد أخطأت في التعبير، إنما مقصودي: دقة التأثر بحيث أن طالب العلم يتأثر بحركات وسكنات شيخه.
следующие страницы →