← Джавами‘

Джавами‘ · id 7735

دروس للشيخ صالح بن حميد

صالح بن حميد

Полный текст (918 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

قول بعض الناس (لا أتعلم العلم حتى لا يكون حجة علي) السؤال إنني لا أريد التفقه في الدين، وذلك لئلا يكون حجة عليَّ، فهل هذا صحيح؟ الجواب أظن هذا من مداخل الشيطان، فإذا كان الله قد وهبك ذكاءً وفقهاً وفهماً ورغبة وتحس أن عندك ميولاً نحو طلب العلم وتحصيله والتزود منه، فعليك أن تقدم وألا تجعل للشيطان عليك مدخلاً، ومعالجة النية هي شأن العلماء كما قال سفيان، والله سوف يعينك، ولو أن الناس أخذوا بمثل ما أخذت لما ظهر لنا البخاري ولا مسلم ولا من قبلهم ولا من بعدهم، ولا شك أن ورعهم وعلمهم وفضلهم كان وراء ما نشر الله لهم من ذكر. ولكن عليك أن تدافع هاجس قلة الإخلاص أو الرياء أو الغايات الدنيوية من طلب العلم أو الشهادات أو الوظائف أو نحو ذلك، تدافعها قدر ما تستطيع، ولكنها لا تكون مانعاً لك من التحصيل، فاستعن بالله ، ما دامت الوسائل عندك والله يعينك.

стр. 492

الشكوى من الملل في طلب العلم السؤال أنا أحاول باستمرار طلب العلم -ولله الحمد والفضل والمنة- ولكنني في بعض الأحيان أحس بالملل، فما هي الطريقة والوسيلة التي أسلكها لذهاب هذا الملل؟ الجواب أولاً: كان هناك أمور لم يكن هناك متسع من الوقت للحديث عنها، وخاصة فيما يتعلق بالصبر، فإن من أهم وسائل التحصيل الصبر، فلا أبد أن تصبر، ويبدو لي غالباً أن الصبر يكون في السنوات الأولى، بعدها حينما تستلهم العلم وتتلذذ، فإنك تجد أن العلم حياتك، حتى قال ابن المبارك: لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف. أي: في طلب العلم. فإن فيه لذائذ عجيبة! وخاصة حينما تستعصي على طالب العلم مسألة ثم يبذل أياماً في استكشافها والبحث عنها، فهذه تساوي عنده مئات الألوف والملايين، ويعود مرة أخرى ليبحث فيجد أن نشاطه يتجدد. أخي! عليك بالصبر، ولا ينال العلم إلا بالصبر، لكن هذا لا يعني ألا يكون لك وقت تتسلى فيه، وبخاصة في بعض العلوم، وبعض العلوم ثقيلة وجامدة، ولا شك أن معاناتها ومعالجتها تحتاج إلى وقت، لكن لا مانع أن تجعل لك فسحة في بعض كتب الأدب المباح والشعر، والحديث مع الزملاء، وقراءة الأشياء الخفيفة والقراءات السريعة، وقد يكون ذلك عن طريق سماع الأشرطة أو عن طريق الحضور للمشايخ، وهذا فيه فائدة وفيه مسلاة لكن وأنت قد وضعت لنفسك البرنامج المعين، ووضعت لنفسك الخطة المعينة في إنهاء هذا الكتاب، وإنهاء هذا الفن، ولا شك أن كل النفوس تمل، وروحوا القلوب ساعة، لكن على أن تكون متوجهاً للعلم طول حياتك، والله يعينك.

стр. 493

الانتقال من دراسة الهندسة إلى العلوم الشرعية السؤال سائل يقول: إنه طالب في كلية الهندسة، وهو متردد في إكمال الدراسة في هذه الكلية، ويرغب في التحويل لكي يدرس العلوم الشرعية، فما توجيه فضيلتكم؟ الجواب أنا إذا جاءني أمثال هؤلاء أوصيهم أن يستمروا في تخصصهم، وبخاصة إذا كانوا من أهل الفضل والصلاح، وفي سيماهم الخير، فالذي أراه -وخاصة إذا كنت قد قطعت شوطاً طويلاً- أن تستمر في الذي أنت فيه، فالذي أنت فيه من فروض الكفاية، وإذا تولاه صلحاء وأخيار، كانوا خيراً لهذه الأمة وسبيلاً لاستقلالها الحقيقي؛ لأن هذه العلوم -كما تعلمون- الأمة تحتاجها، وبخاصة في عصرنا الحاضر، فقد تنوعت العلوم وتشعبت، وصارت الحاجة إليها أكبر من ذي قبل، من حيث طبيعة حاجات الناس، وطبيعة أوضاعهم؛ في معاشهم ومساكنهم وملابسهم. فالذي أراه أن تستمر على ما أنت عليه، وهذا لا يتعارض مع طلبك للعلم الشرعي على قدر ما عندك من وقت، وتقرأ وتحضر على المشايخ في الأوقات التي تراها مناسبة، حتى ولو كانت في الصيف، فتخصصه وتقرأ فيه، وإن كان حفظاً تحفظ، وإن كان فهماً وتعليقاً وشرحاً تكتب وتعلق مع المشايخ، فهذا الذي يبدو لي، إلا إذا كنت لست ناجحاً في تخصصك، ولك عوائق كثيرة، أما إذا كنت ناجحاً في التخصص وصالحاً في نفسك -وأتوسم أنك من أهل الصلاح- فإذا كنت من أهل الصلاح متفوقاً في هذا الفن، فنحن بحاجة إلى أن يدخله الصالحون، أما إذا كنت ترى أنك متعثرٌ لأي ظرف من الظروف وتريد أن تنتقل، فهذا شيء آخر.

стр. 494

حكم من توفي وعليه دين مقسط السؤال سائل يقول: إن والده توفي وعليه دين لصندوق التنمية العقاري، ولديه سيولة كافية لتسديد الدين دفعة واحدة. هل الأفضل الوفاء بالدين حالاً، أو الوفاء بالدين حسب الأقساط المتبعة؟ الجواب الأصل أن الميت إذا مات تحل آجال الديون، ويبقى الحق متعلقاً بالتركة، لكن ما دام أن الدائنين -وهم الدولة جزاهم الله خيراً- يتركون الموضوع على ما هو عليه، بمعنى: أنه ما دام القسط مستمراً، فإذا كنت أنت قد يسر الله لك، وتريد أن تقضي دين والدك من حقك فهذا جيد، وكذلك تخلص البيت ليكون لكم جميعاً أو لإخوانك أو للورثة، وغالباً -كذلك- إذا عجلت الأقساط يكون هناك إسقاط لجزء من المبلغ كما هو معلوم، من دفعها جميعاً فإن الدولة تتنازل عن جزء من المال، فإذا كان هذا مقصودك فهذا جيد، ولعل المسارعة يكون فيها خير كثير.

стр. 495

معنى أخذ الأدب من المشايخ السؤال فضيلة الشيخ! ذكرتم خلال المحاضرة بأنه ينبغي لطالب العلم الاستفادة من شيخه وهذا كلام صحيح، ولكنكم ذكرتم أنه يأخذ من شيخه حتى حركاته وسكناته، هل هذا على الإطلاق أم لا؟ الجواب أنا لا أقول: يأخذ، إنما أقول: طبيعة التلميذ أنه يتأثر بشيخه حتى في حركاته، لكن لا يأخذ كل شيء، فإذا كان حركات النبي ﷺ قالوا: إنها حركات وأعمال جبلية، وقال بعضهم: لا يتأسى بها، وكان ابن عمر ﵁ يتأسى بالنبي ﷺ في كل شيء حتى في مشيه، فمن شدة التعلق أن الإنسان يتأثر، لا أنه يأخذ، فإذا كنت قلت: يأخذ، فقد أخطأت في التعبير، إنما مقصودي: دقة التأثر بحيث أن طالب العلم يتأثر بحركات وسكنات شيخه.

стр. 496

مستأجرون لا يشهدون الصلاة في المسجد السؤال ما رأي فضيلتكم في رجل يسمح بتركيب الدش للمستأجرين في بيته، وهم أيضاً لا يشهدون الصلاة مع المسلمين في المساجد؟ وهل يجوز له تجديد عقودهم وهم لا يشهدون الصلاة مع المسلمين في المساجد؟ الجواب لا شك أن هذا من البلاء والامتحان، وعلى الناس أن يتواصوا بالحق والخير والصبر، وينشروا فيما بينهم خوف الله وخشيته، وإلا فهذا من البلاء، والذي أرجوه من هذا وأمثاله إذا كان باستطاعته أن يوجههم ويبصرهم وينصحهم، وبخاصة إذا كان يستطيع في قوة تأثيره وفي شخصيته أن يردعهم بحيث يهديهم إلى الحق، ويبعد عنهم هذه الأشياء التي تضرهم وتضر أسرهم، فإن عليه أن يفعل ذلك، وكذلك إذا استطاع أيضاً فيما يتعلق بتجديد العقود أن يأتي بخير منهم؛ يأتي بأناس أفاضل وأخيار، فهذا هو الأحسن.

стр. 497

حكم التسمي بـ (ملاك، هدى، بيان) السؤال كثر السؤال حول مسألة بعض الأسماء المنتشرة؛ مثل اسم ملاك للبنات وبيان وهدى وغيرها من الأسماء، فما رأي فضيلتكم في هذه الأسماء؟ هل هي أسماء محرمة أم لا؟ الجواب يبدو لي أن مثل هذه الأسماء لا شيء فيها، ما لم يظهر مانع شرعي يمنع، فمجرد كون هذه اللفظة ترد في نص شرعي فلا يمنع من جواز استعمالها كبيان مثلاً، بل حتى فيما علمت أنه يسمى بها الرجال والنساء، وقد رأيت رجالاً يسمون باسم بيان، وخاصة في بلاد غير السعودية فلا يبدو لي أن في هذه الأسماء شيئاً، ولا يظهر لي أن هناك محظوراً شرعياً فيها.

стр. 498

انتفاضة الأقصى ومصير الأمة إن الناظر في حال الأمة يأسى لها، ويتألم حزناً وكمداً لما يجري من انتهاك الحرمات، وسفك الدماء، وانتهاك الأعراض، وتدنيس المقدسات في مسرى رسولنا ﵊، والعالم الإسلامي مخدر لا يرفع رأساً، ولا يشهر سيفاً، مع أن إنقاذ بيت المقدس من أيدي الصهاينة فريضة شرعية (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ).

стр. 499

فضل بيت المقدس الحمد لله خلق الجن والإنس ليعبدوه، وأسبغ عليهم آلاءه ونعمه ليشكروه، وأرسل إليهم رسله، وأنزل عليهم كتبه ليعرفوه، أحمده سبحانه وأشكره حمد عبدٍ يخاف ربه ويرجوه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا يُسأل عما يفعل وخلقه مسئولون عما فعلوه، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله؛ دعا أمته إلى التوحيد، وحذَّرهم من الشرك، وأوصاهم أن يخافوا الله ويتقوه، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه، آمنوا به وعزروه وآزروه ونصروه، والتابعين وتابعيهم بإحسان، الذين عرفوا الحق ولزموه، وسلَّم تسليماً كثيراً. أما بعد: فأوصيكم -أيها الناس- ونفسي بتقوى الله ، فاتقوا الله رحمكم الله، فالتقوى بالتوقِّي، ومن يتقِ الله يَقِه، واعلموا أن الأجل دون الأمل، فبادروا الأجل بالعمل، وإنه لا عمل بعد الأجل، والآخرة باقية، والدنيا فانية، فقدموا أمر الآخرة على أمر الدنيا، ولا تأخذكم في الله لومةُ لائم، واحذروا فإن الحذر محله القلب. أيها المسلمون: منذ أن ظهرت الحضارات الإنسانية وميزان القوى لا يستقر على حال، أممٌ تكون في الصدارة، ثم تمسي فإذا هي في غير القافلة، وأخرى لم تكن شيئاً مذكوراً، فإذا هي تترقى في أوج العظمة وقمم المجد، إنها أيام الله يداولها بين الناس، هذا التداول بإذن الله وأمره يخضع لسُننٍ من الله شتى: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً﴾ [الأحزاب:٦٢]. إن حركة التاريخ في السنن والنواميس تعطي أفُقاً واسعاً للنظر والتأمل والتدبر، أسبابٌ تجتمع بإذن الله، فيكون باجتماعها انتصار وقوة، ثم تجتمع بطريقة أخرى ليكون بها التشرذم والانحسار والضعف، لا مفر من سنن الله العاملة في التاريخ، فهي لن تحابي أحداً: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران:١٦٥]. ومن منظور هذه السنن، وبتأمل هذه النواميس، شاء الله سبحانه أن يجعل بيت المقدس مسرى نبيه محمدٍ ﷺ ، ومنطَلَق المعراج إلى السماء في رحلة النبي الأكرم محمدٍ ﷺ ، ولأمرٍ حكيمٍِ شاء سبحانه أن يجعل بيت المقدس قِبلة المسلمين الأولى منذ فُرضت الصلاة في العهد المكي وثمانية عشر شهراً من العهد المدني، وهو ما يزيد على نصف سِنِيِّ البعثة المحمدية. ثم لأمرٍ حكيم وحكمة عظيمة تسلَّم العبقري الملهم الخليفة الراشد الفاروق عمر بن الخطاب ﵁ مفاتيح بيت المقدس من دون سائر المدائن التي فتحها الله على المسلمين، إنه التمييز الواضح، والخصوصية الخاصة، والإعلان الصريح لهذه المدينة المقدسة، لما لهذه المدينة المقدسة من منزلة كبرى في دين الإسلام وتاريخ المسلمين. للمسجد الأقصى وقصة الإسراء خبرٌ خاص، وسورة كاملة في قلب مصحفنا ودستورنا، إنها سورة الإسراء، سورة بني إسرائيل في آياتها ودلالاتها وكنوزها. بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء:١] رباطٌ قرآني محكم بين هاتين المدينتين المقدستين، واتصالٌ ديني وثيق بين مكة المكرمة والقدس الشريف، ورباطٌ مقدس بين أقدس بقعتين فيهما الكعبة المشرفة والمسجد الأقصى، رباطٌ إلهي وثيق وما وصله الله لا ينقطع. بيت المقدس ربوة مباركة ذات قرار ومعين، أرضٌ مقدسة، قبلة الأمة، وبوابة السماء، وميراث الأجداد، ومسئولية الأحفاد، معراج محمدي، وعهدٌ عمري، دار الإسلام، بها يُجَسَّد تراث الأمة، ويُحَدَّد مستقبلها، ويثبت وجودها. إلى مسجدها تُشَدُّ الرحال، ومن قبله تشد الأبدان والنفوس والأفئدة. فتحه المسلمون بعد وفاته ﵊ بست سنوات، وحكموه قروناً طويلة، ثم احتله الصليبيون تسعين عاماً، فأخرجهم صلاح الدين ﵀. وهذه الأيام يحتله يهود، ولن يخرجوا والله إلا بـ صلاح الدين.

стр. 500

العهد العمري لعباد الصليب حَكَم المسلمون هذه المدينة المباركة هذه الأحقاب الطويلة، فما هدموا بيتاً لساكن، ولا معبداً لمتعبد، التزموا بتعاليم دينهم، احترموا كل ذي عهدٍ وعقدٍ وذمة، وفاءً للعهد العمري، استمعوا رعاكم الله إلى هذا النص من هذا العهد العمري: [[بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أعطى عبد الله أمير المؤمنين أهل إيليا من الأمان، أعطاهم أماناً لأنفسهم، وأموالهم، وكنائسهم، وصلبانهم، سقيمها وبريئها، وسائر ملتها ألا تسكن كنائسهم، ولا تهدم، ولا ينتقص منها ولا مِن حيزها، ولا مِن صليبهم، ولا مِن شيءٍ مِن أموالهم، ولا يُكرَهون على دينهم، ولا يضارَّ أحدٌ منهم، على ما في هذا الكتاب عهد الله وذمة رسوله وذمة المؤمنين إذا أعطوا الذي عليهم، شهد على ذلك: خالد بن الوليد، عمرو بن العاص، عبد الرحمن بن عوف، معاوية بن أبي سفيان، عمر بن الخطاب، سنة خمس عشرة من الهجرة، شهد على ذلك وكتب وحضر]]. ﵃ جميعاً وأرضاهم، ورضي عن جميع صحب محمد ﷺ . لقد تضمن العهد العمري حرية المعتقَد، وحرية السكنى، وحرية التنقل، وهو عهدٌ منذ أكثر من ألف وأربعمائة سنة، لم يكن متأثراً بشعارات حقوق الإنسان المنافقة في عصرنا، ولكنها كانت تطبيقاً لمنهج الإسلام في التعامل الراقي المقسط مع أهل الأديان الأخرى. لقد أصبحت القدس الشريفة وسكانها من مختلف الديانات في حماية المسلمين، يحافظون عليها، ويدافعون عنها وعمن فيها، هذا حديث أهل الإسلام، وحكمهم، وتاريخهم، هذا حديثنا، وحكمنا، وتاريخنا.

стр. 501

القدس وما تواجهه من تخريب في عصرنا أما اليوم فـ بيت المقدس يجري فيه ما لم يحدث على أيدي أي غزاة في تاريخ البشرية كلها، ولم يجرِ ذلك في تاريخ بيت المقدس الممتد آلاف السنين، لم يفعل غازٍ أو محتل مثلما فعله ويفعله اليهود اليوم، وليس بعد شهادة التاريخ من شهادة، وليس مَن رأى كمَن سمع على ما تشاهدون في هذه الأيام، بل في هذه الساعات. احتلوا القدس الشريف منذ أكثر من ثلاثين عاماً، فأحرقوا المسجد الأقصى، ونسبوا ذلك إلى معتوه مختل العقل، وكأن المجانين لا يخرجون إلا على مقدسات المسلمين. أما أعمال الحفر والهدم والتخريب حول المسجد فهي متواصلة منذ أن وطئت أقدامُهم قدسَنا ولا تزال. انبعث باعثٌ منهم ليحصد المصلين من المسلمين وهم يصلون في مسجد الخليل، فقتلهم وهم ركعٌ سجود. ومنذ أيام والمسلمون في صلاة الجمعة أُطْلِقَت النار على المصلين وهم في رحاب المسجد الأقصى؛ ليسقط العديد من القتلى والجرحى. هُدِّمت الأبنية والآثار الإسلامية في سعي دائمٍ وحثيث لإزالة المعالم وتغيير الهوية. وفي هذه الأيام يخطر تصرفٌ استفزازي يُوصَف بأنه شاذ، مع أنه مدعومٌ من جهاتهم الرسمية، تصرفٌ أسال الدماء، وفجَّر الحرب، وأزهق الأرواح، إنه ليس تصرفاً من مختل العقل، وليس تصرفاً فردياً، ولكنه تصرف من رئيس حزبٍ من أحزابهم، اقتحامٌ لحرمة المقدسات، محاطٌ بحراسة آلاف الجنود مسلحين بالعتاد والحراب والقنابل، تصرفات عدوانية أسالت الدماء، ورسَّخت الكراهية، وبعثت الأحقاد، وأعادت أجواء الحرب، زرعٌ للحقد الأسود في مدينة الإيمان والسلام والأرض المباركة، اعتداءاتٌ وانتهاكاتٌ في صورٍ فظيعة، تجعل من حق المظلوم أن يستخدم كل سلاحٍ ممكن لحماية نفسه، مظلومٌ احتلت أرضه يقابل جيشاً مدججاً بكل أنواع الأسلحة والآليات الفتاكة، يقابله أطفال وشباب أحداث، ليس لهم حيلة إلا العصي والحجارة والصراخ؛ ليدافعوا عن أنفسهم ومقدساتهم وأرضهم ومنازلهم. كلٌّ يدعي التسامح، وكلٌّ يزعم الديمقراطية، وكلٌّ يتشبث بحقوق الإنسان في هذا القرن، قرن التحضر، وقرن المدنية، قرن المواثيق الدولية والقرارات الأممية؛ ولكن العمل والواقع والأرض والتاريخ هو الذي يصدِّق ذلك أو يكذِّبه. دماءٌ تراق، وحصدٌ للأرواح من المدنيين العزل في أماكن العبادة والشوارع والطرقات والساحات العامة، بل صواريخ وقنابل داخل المنازل والشقق وحربٌ من الأرض والبحر والسماء. يتحدثون عن السلام بألسنتهم، ويباشرون في خططهم واستعداداتهم وأفعالهم أفعالاً شنيعة، وتجاوزاتٍ رهيبة، لا تثير لدى الجهات الدولية القائمة على رعاية المواثيق الدولية، والقيِّمة على حقوق الإنسان، وحاملة لواء الديمقراطية، والمسئولة عن الأمن الدولي والاستقرار العالمي، لا تثير لديها أي تحركٍ أو تصرفٍ منصف. بل إن هؤلاء اليهود الصهاينة لم يُسألوا عن جريمة ارتكبوها، ولم تُحجَب عنهم مساعدة طلبوها، ولم يتأخر عنهم مددٌ سألوه، ولم يُوجَّه إليهم لومٌ ولا عتاب في جرمٍ اقترفوه. بل لقد توافد كبار ساسة العالم من أجل أسراهم، وبُعِثت التعازي من أجل قتلاهم، أما إخواننا في فلسطين فلا بواكي لهم، بل لقد قال أحد هؤلاء الساسة: لن نتغاضى مطلقاً عن قتل الجنود اليهود مهما كانت معاناة الشعب الفلسطيني. أين العدل؟! وأين الإنصاف؟! وأين حقوق الإنسان مِن شعبٍ يعيش منذ سبعين عاماً في احتلال وفي مخيمات، وفي ملاجئ، والملايين منه يعيشون في التشريد والشتات؟! شعب فلسطين حياته كلها خوف وتعذيب واعتقال وطرد، تُهَدَّم البيوت، وتُغْلَق المدارس، بل تُغْلَق المخازن والمتاجر لتُسَدَّ عنهم أبواب الرزق القليلة، تجويعٌ وبطالة، استيلاءٌ على الأرض، وتَحَكُّمٌ في مصادر المياه، بل تحكم في فرص الحياة، محتلٌ يلاحق من يشاء، ويتهم من يشاء، ويقتل من يشاء، ويعتقل من يشاء، ينشئ المستوطنات، ويقيم الحواجز، ويبني الأسوار، ويغلق المدن والقرى، ثم يزعم أنه يريد السلام!

стр. 502

مفهوم السلام عند اليهود والغرب أيها المسلمون! عندما تنعدم الخيارات أمام المظلوم، وتضيق البدائل بشعبٍ مقهور، فإن كل سلوكٍ متوقَّع، وكل سياسات يمكن فهمها، وإن صعب تبريرها. غزارةُ دمٍ يسيل، وحرارةُ دمٍ يغلي، ليسوا طرفين متكافئين، جيشُ احتلال مسلح ضد شعبٍ أعزل، القتلى والضحايا في طرف، والقاتل والجلاد الذي يطلق النار في طرفٍ آخر، قاتلٌ ومقتولٌ وجلادٌ وضحية. إن مشاهدة هذه المناظر ومتابعة الأحداث تقطع الأمل للرغبة الجادة في السلام، إن من بدهيات الأمور وأبجديات التفكير: أن السلام الذي يُبْنَى على أساليب القهر والإذلال والتعسف والإملاء والابتزاز غير السلام الذي يُبْنَى على الحق والعدل والمساواة والتكافؤ والنِّدِّيَّة. إن القوة والقهر والظلم لا يمكن لها أن تنشئ حقاً، أو تقيم سلاماً. إن العدوان لا يولِّد إلا العدوان. وإن مشاعر الشعوب هي معيار الضغط النفسي، وهي مقياس بواعث الانفجار. أيها المسلمون! إن ما يجري في بيت المقدس وفلسطين المحتلة امتحان شديد لأمة الإسلام. أمة الإسلام أمة معطاءة تجود ولا تبخل في تاريخها المشرق الطويل، قدَّمت ما يشبه المعجزات، وهي اليوم تعيش مفترق طرقٍ خطير يحيط بها، وبقدسها، وبأجزاء محتلة من ديارها، إنها لن تعجز عن إيجاد آلية عاقلة منصفة، قوية متزنة، تعيد الحق إلى نصابه، وترد المغتصب إلى صوابه. أمةُ محمد ﷺ ، أمةُ الإسلام، وأمةُ الجهاد، وأمةُ العزة لا تعجز بإذن الله أن تجد لنفسها بتوفيق الله وعونه مخرجاً من أزمتها وعطلها الحضاري، والقدس والأرض المباركة أغلى وأثمن وأكبر من أن تُتْرَك لمتاجرات أو مساومات.

стр. 503

أهمية الاعتصام بحبل الله أيها الإخوة! إن قضية بيت المقدس، وقضية فلسطين لا تنفصل ألبتة عن قضية الإسلام كله، إنها ليست أرضاً فلسطينيةً أو عربيةً فحسب، بل إنها قبل ذلك وبعده أرض المسلمين أجمعين، تُفْدَى بالأرواح والمُهَج، وإذا ضعف الإسلام في نفوس الأتباع ضعفت معه روابط الحقوق والحماس والفداء في قضاياه كلها، ويوم يترسخ الإيمان، ويصفو المعتقد، وتسود الشريعة، وتعلو الشعائر، ستحيا كل القضايا، وسيتحقق كل مطلوب. وبعد فيجب أن يعي المسلمون ويعلنوا أنه لا سبيل لاسترداد الحقوق واستنقاذ المغتصبات في أي مكان، وعلى أي أرض، إلا حين يعتصمون بحبل الله، ويكونون جميعاً ولا يتفرقون، ويصطفون عباداً لله إخواناً، يجمعهم نداءٌ واحد لا نداءَ غيرُه: ﴿يا مسلم، يا عبد الله﴾ ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٢١]. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ * وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:١٣٨ - ١٤١]. نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبهدي محمدٍ ﷺ . وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 504

إنقاذ بيت المقدس فريضة شرعية الحمد لله؛ الحمد لله الذي نصب الكائنات على ربوبيته دليلاًَ: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً﴾ [المزمل:٩] أحمده سبحانه وأشكره، أولانا من فضله وكرمه عطاءً جزيلاً. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا ند ولا شبيه ولا مثيلٍ، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، قام في عبادة ربه حتى تفطرت قدماه، وتبتل تبتيلاً، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه، حازوا بصحبته وأتباعه والجهاد معه فوزاً عظيماً، وذكراً جميلاً، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلَّم تسليماً كثيراً. أما بعد: أيها المسلمون: اتقوا الله رحمكم الله، واعلموا أن بيت المقدس والأرض المباركة في خطرٍ عظيم، والعمل من أجل إنقاذها وتطهيرها، فريضة شرعية وواجبٌ ديني، يستنهض عزم أبناء الأمة، وبذل كل الجهود والوسائل لإحقاق الحق ونصرة القضية. في نصوص الكتاب والسنة، ربطٌ متين صريح للأرض المقدسة والأرض المباركة بأصلها الأصيل وهو الإسلام، فهو مستقبلها وبه حياتها، ولن يتم لها أمر أو يعلو لها شأن إلا من خلال دين محمدٍ ﷺ . إن هذا الربط يعطي لقضية القدس والأرض المحتلة ولكل قضايا الأمة إطاراً رحباً، وعمقاً عميقاً، لا يتحقق من خلال نظرة إقليمية، أو دعوة قومية، إن مكة المكرمة، والمدينة المنورة، وبيت المقدس، هي سر القوة التي جابت خيولها العالم. أيها المسلمون! إن الذي ينظر إلى القضية بمنظار القرآن فلن يُخدَع أبداً، فالقرآن الكريم يقول: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة:١٠٠]. ويقول: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَاراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [المائدة:٦٤]. ومن يتزود بزاد القرآن فلن يضعف أبداً: ﴿لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر:١٤] ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة:١٤ - ١٥]. ومن يتعامل مع قضاياه على هدي القرآن فلن يضل أبداً: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:٥١] ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠] ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة:٢١٧]. ومَن صدَّق بما في القرآن فلن يتنازل عن حقٍ أبداً: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيراً﴾ [الإسراء:٧]. ولكن مع الأسف -أيها المسلمون- إذا كان الإسلام ذاته في عقول بعض المسلمين وكتاباتهم وإعلامهم لا يستحق أن يحظى منهم بتفكير أو اهتمام، بل إذا كانت العقيدة عند بعضهم أهون من الأرض، والشريعة أرخص من التراب، فهيهات أن تنتصر القضية، أو يتنزل نصر. يا هؤلاء! لا عودة للحق قبل العودة الصحيحة إلى الإسلام.

стр. 505

الدين منصور إلى قيام الساعة ونصرته واجبة إن من سنن الله أن العاقبة للمتقين، وأن الأرض يرثها عباد الله الصالحون، ولكن من سننه أيضاً إذا تخلى أهل الإيمان عن إيمانهم فإنه يستبدل قوماً غيرهم ويَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ. أيها المسلمون! النصر قادمٌ لا محالة بكم أو بغيركم: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣٣]. ودين الله منصورٌ بكم أو بغيركم: ﴿إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التوبة:٣٩]. والحق سيعلو على أيديكم أو أيدي غيركم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [المائدة:٥٤]. والباطل سيزهق بجهودكم أو جهود غيركم: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٨]. ولكن لماذا لا يطلب المسلم الخير لنفسه، لماذا لا يكون لَبِنَة في طريق النصر، وسهماً من سهام الحق، وأداة لزهق الباطل؟! أيها المسلمون! مطلوبٌ من أمة الإسلام بقياداتها وشعوبها وهي على أبواب قمة تجمع قادتها وقد تبين لها من الأحداث ما تبين، مطلوبٌ فعاليات مؤثرة، ترفع الذلة، وتثبت العزة، وتجمع الكلمة، وتعيد الحقوق، وتعرف العدو من الصديق، وتقف صفاً واحداً في مصالح أمتها، وما يحاك من مؤامرات. إن الأمة التي لا تحمي مقدساتها بأغلى ما تملك من أنفسٍ ونفيس لن تجد ما تحميه وتدافع عنه، وستبقى مستباحة الكرامة والحقوق والديار. أيها المسلمون! إن من البشائر ومما يبعث الأمل ويقوي العزائم: هذا التفاعل الذي شهده المسلمون، وقرت به الأعين، هذا التفاعل من الأمة كلها في الأقطار الإسلامية كافة -شعوباً وقادة- لقاء هذه الاعتداءات الآثمة من هذا العدو الصهيوني المحتل الغاشم، والمآسي التي يتعرض لها إخواننا في فلسطين، لقد أبدت الأمة بقادتها وساستها وعلمائها ومثقفيها أبدوا مواقف مشرفة من الاستنكار ورفع الأصوات عالية مسموعة بالتنديد وفضح الأعداء، وعدم الوقوف مكتوفي الأيدي في نداءات وكتابات وتحليلات وإعلام ومواقف سياسية، ثم ذلك التفاعل في تقديم المساعدات والإمدادات المادية والعينية والإسعافية، وتأتي بلاد أمِّ المقدسات، بلاد الحرمين الشريفين لتكون في مقدمة الصفوف مع أشقائها البلاد العربية والإسلامية للقيام بواجب العون والدعم، ومهما قُدِّم ويُقَدَّم فليس بكثير ولا مستكثر على مقدساتنا وإخواننا. ثم قبل ذلك وبعده ما يبذله المسلمون من الدعاء لإخوانهم، والصالحون في الأمة كثيرٌ إن شاء الله. سبحانك ربنا، عز جاهك، وجل ثناؤك، وتقدست أسماؤك، سبحانك وبحمدك، لا يُهْزَم جندُك، ولا يُخْلَف وعدُك يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام! اللهم إن هؤلاء اليهود قد طغوا وبغوا، وظلموا وأفسدوا، اللهم أنزل عليهم رجزك وبأسك وغضبك وعذابك إله الحق. اللهم إن هؤلاء اليهود قد طغوا وبغوا، وظلموا وأفسدوا، اللهم أنزل عليهم رجزك وبأسك وغضبك وعذابك إله الحق. اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزم اليهود الغاصبين المحتلين وزلزلهم. اللهم خالف بين قلوبهم، وفرق جمعهم، وشتت شملهم، وزلزل أقدامهم، وأنزل بهم بأسك الذي لا يُرَد عن القوم المجرمين. اللهم إنا نجعلك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم. اللهم انصر إخواننا في فلسطين، اللهم انصر إخواننا في فلسطين. اللهم كن لهم مؤيداً ونصيراً، ومعيناً وظهيراً. اللهم إنهم حُفاةٌ فاحملهم، وضَعَفَةٌ فقوهم. اللهم ارحم ضعفهم، واجبر كسرهم، وقوِّ عزائمهم، واحفظ عليهم دينهم، واجمع كلمتهم، ووحد صفوفهم. اللهم أنت المرتجى، لا ملجأ إلا إليك، اللهم إنا نسألك لهم فرجاً عاجلاً، ونصراً مؤزراً. اللهم لقد مسهم الضر، اللهم لقد مسهم الضر، اللهم فاكشف عنهم هذه الغمة، واكشف الغمة عن إخواننا المسلمين في كل مكان. اللهم انصر إخواننا المجاهدين في سبيلك في كل مكان. اللهم انصرهم في كشمير، وفي الشيشان، وفي كل مكان يا رب العالمين! اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك الصالحين، اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك الصالحين. اللهم من أرادنا بسوء فأشغله بنفسه، واجعل كيده في نحره. اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 506

في رحاب رحمة الله الواسعة آفاق رحمة الله الواسعة تفهم من قوله سبحانه: (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) فيسمع الإنسان هذا المفهوم فيسعى للرحمة وينشر أنوارها بين الخلق، وبينما هو كذلك إذ يستجلب الرحمة من الله لتمده رحمة الله برحمة خلقه، فيستجلبها بطاعة الله ورسوله، بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والرحمة بالعباد، وإحسان معاملة الخدم، وصلة الأرحام، ثم يقسو أحياناً على من يرحم؛ ليكون حزماً في رحمة مسداة، فيكون ممن شملهم قول الله: (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنَا يُؤْمِنُونَ).

стр. 507

حاجة الناس إلى الرحمة الحمد لله وسع كل شيء برحمته، وعمَّ كل حي بنعمته، لا إله إلا هو خضعت الخلائق لعظمته، سبحانه يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته، أحمده سبحانه وأشكره على سوابغ آلائه وجلائل منِّته، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ربوبيته وألوهيته، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، خيرته من بريته، ومصطفاه لرسالته، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وعترته، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ وسار على نهجه وطريقته. أما بعد: فأوصيكم -أيها الناس- ونفسي بتقوى الله ، فاتقوا الله رحمكم الله، واعتبروا بمن مضى من قبلكم، فقد عاجلهم ريب المنون، وجاءهم ما كانوا يوعدون هم السابقون وأنتم اللاحقون، سبقوكم بمضي الآجال، وأنتم على آثارهم تشد بكم الرحال ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦]. أيها المسلمون: الناس في حاجة إلى كنف رحيم، ورعاية حانية، وبشاشة سمحة. هم بحاجة إلى ودٍ يسعهم، وحلمٍ لا يضيق بجهلهم، ولا ينفر من ضعفهم. في حاجة إلى قلبٍ كبير يمنحهم ويعطيهم، ولا يتطلع إلى ما في أيديهم، يحمل همومهم ولا يثقلهم بهمومه. إن تبلد الحس يهوي بالإنسان إلى منزلة بهيمية أو أحط، والإنسان بغير قلبٍ رحيم أشبه بالآلة الصماء، وهو بغير روحٍ ودود أشبه بالحجر الصلد. إن الإنسان لا يتميز في إنسانيته إلا بقلبه وروحه، لا في أكوام لحمه وعظامه، فبالروح والقلب يحس ويشعر، وينفعل ويتأثر، ويرحم ويتألم. الرحمة -أيها الإخوة في الله- كمالٌ في الطبيعة البشرية، تجعل المرء يرق لآلام الخلق، فيسعى لإزالتها كما يسعى في مواساتهم، كما يأسى لأخطائهم فيتمنى هدايتهم ويتلمس أعذارهم. الرحمة صورة من كمال الفطرة وجمال الخلق، تحمل صاحبها على البر، وتهب عليه في الأزمات نسيماً عليلاً تترطب معه الحياة وتأنس له الأفئدة.

стр. 508

سعة رحمة الله جاء في الحديث الصحيح: ﴿جعل الله الرحمة مائة جزءاً، أنزل في الأرض جزءاً واحداً، فمن ذلك الجزء تتراحم الخلائق حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه﴾. وربنا سبحانه متصف بالرحمة صفةً لا تشبه صفات المخلوقين، فهو أرحم الراحمين، وخير الراحمين، وسعت رحمته كل شيء، وعم بها كل حي، وملائكة الرحمة وهي تدعو للمؤمنين أثنت على ربها وتقربت إليه بهذه الصفة العظيمة: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [غافر:٧] وفي الحديث القدسي: ﴿إن رحمتي تغلب غضبي﴾ مخرَّج في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁، وفي التنزيل الحكيم: ﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون:١١٨]، ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف:٦٤]. وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: ﴿قدم رسول الله ﷺ بسبي، فإذا امرأة من السبي تسعى قد تحلَّب ثديها، إذ وجدت صبياً في السبي أخذته فألزقته ببطنها فأرضعته، فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار؟ قلنا: لا والله وهي تقدر على ألاَّ تطرحه. قال: فالله تعالى أرحم بعباده من هذه بولدها﴾ أخرجه البخاري.

стр. 509

رحمة الله سبب واصل بين الله وعباده أيها المسلمون: إن رحمة الله سببٌ واصل بين الله وعباده، بها أرسل رسله إليهم، وأنزل كتبه عليهم، وبها هداهم، وبها يسكنهم دار ثوابه، وبها يرزقهم ويعافيهم وينعم عليهم، فبينهم وبينه سبب العبودية، وبينهم وبينه سبب الرحمة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ * قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس:٥٧ - ٥٨]. والرحمة تحصل للمؤمنين المهتدين بحسب هداهم؛ فكلما كان نصيب العبد من الهدى أتم كان حظه من الرحمة أوفر، فبرحمته سبحانه شرع لهم شرائع الأوامر والنواهي، بل برحمته جعل في الدنيا ما جعل من الأكدار حتى لا يركنوا إليها فيرغبوا عن نعيم الآخرة، وأرسل رسوله محمداًَ ﷺ بالرحمة؛ فهو نبي الرحمة للعالمين أجمعين: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّراً وَنَذِيراً﴾ [الإسراء:١٠٥] بعثه ربه فسكب في قلبه من العلم والحلم، وفي خلقه من الإيناس والبر، وفي طبعه من السهولة والرفق، وفي يده من السخاوة والنداء ما جعله أزكى عباد الرحمن رحمة، وأوسعهم عاطفة، وأرحبهم صدراً: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩]، ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨].

стр. 510

عموم الرحمة للخلق كافة الإسلام رسالة خير وسلام ورحمة للبشرية كلها؛ دعا إلى التراحم، وجعل الرحمة من دلائل كمال الإيمان، فالمسلم يلقى الناس وفي قلبه عطف حنون، وبرٌ مكنون، يوسع لهم ويخفف عنهم ويواسيهم، فعن ابن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: ﴿لن تؤمنوا حتى تراحموا، قالوا: يا رسول الله! كلنا رحيم. قال: إنه ليس برحمة أحدكم صاحبه، ولكنها رحمة العامة﴾ رواه الطبراني ورجاله ثقات. فليس المطلوب قصر الرحمة على من تعرف من قريبٍ أو صديق، ولكنها رحمة عامة تسع العامة كلهم، وأحاديث رسول الله ﷺ تبرز هذا العموم في إفشاء الرحمة، والحث على انتشارها، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿لا يرحم الله من لا يرحم الناس﴾ متفق عليه وفي الحديث الآخر: ﴿من لا يرحم لا يرحم﴾ يقول ابن بطال ﵀: في هذا الحديث الحض على استعمال الرحمة للخلق فيدخل المؤمن والكافر، والبهائم المملوك فيها وغير المملوك، ويدخل في الرحمة التعاهد بالإطعام، والمساعدة في الحمل، وترك التعدي بالضرب.

стр. 511

مستجلبات رحمة الله عباد الله: ورحمة الله تستجلب بطاعته وطاعة رسوله محمدٍ ﷺ ، والاستقامة على أمر الإسلام: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٢] كما تُستجلَب بتقوى الله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات:١٠]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحديد:٢٨]. ومن جالبات رحمة الله: إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:٧١] والعبد بذنوبه وتقصيره فقير إلى رحمة الله: ﴿لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [النمل:٤٦]. ومن أعظم ما تُستجلَب به رحمة الله عباد الله: الرحمة بعباده، ففي الحديث الصحيح: ﴿الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء﴾ رواه أبو داود والترمذي. ومن أجل هذا، فإن المؤمن قوي الإيمان، يتميز بقلبٍ حي مرهف لين رحيم، يرق للضعيف، ويألم للحزين، ويحنو على المسكين، ويمد يده إلى الملهوف، وينفر من الإيذاء، ويكره الجريمة، فهو مصدر خيرٍ وبرٍ وسلامٍ لما حوله ومن حوله.

стр. 512

مواطن الرحمة أيها المسلمون: وإذا كان الأمر كذلك؛ فإن من أولى الناس وأحقهم بالرحمة وأولاهم بها الوالدين، فببرهما تُستجلَب الرحمة، وبالإحسان إليهما تكون السعادة: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾ [الإسراء:٢٤]. ثم من بعد ذلك الأولاد فلذات الأكباد، فعن أسامة بن زيد ﵁ قال: ﴿كان رسول الله ﷺ يأخذني فيقعدني على فخذه، ويقعد الحسن على فخذه الأخرى، ثم يضمهما ثم يقول: اللهم ارحمهما فإني أرحمهما﴾ أخرجه البخاري. والمشاهد أن في الناس أجلافاً تخلو قلوبهم من الرقة والحنو، في مسالكهم فظاظة، وفي ألفاظهم غلظة، فقد قبَّل رسول الله ﷺ الحسن والحسين ﵄ وعنده الأقرع بن حابس، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحداً، فنظر إليه رسول الله ﷺ وقال: ﴿من لا يرحم لا يرحم﴾ وفي رواية: ﴿أوأملك أن نزع الله الرحمة من قلبك؟﴾ مخرَّج في الصحيحين من حديث عائشة وأبي هريرة ﵄. ويرتبط بالوالدين والأولاد حق أولي الأرحام، فالرحم مشتقة من الرحمة في مبناها، فحريٌّ أن تستقيم معها في معناها، وفي الحديث: ﴿الرحم شجنة من الرحمة، من وصلها وصله الله، ومن قطعها قطعه الله﴾ فليس للمسلم أن يوصد قلبه وبيته دون أقاربه، أو يقطع علائقهم، فلا يسدي لهم عوناً، ولا يواسيهم في ألم، ولا يبادرهم في معروف. إن الغلظة والجفاء والقطيعة والصدود في حق ذوي الرحم تحرم العبد بركة الله وفضله، وتعرضه لسخط الله ومقته، فعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ﴿الرحم شجنة من الرحمة تقول: يا رب إني قُطعت، يا رب إني ظُلمت، يا رب إني أسيء إليَّ فيجيبها: ألا ترضين أن أصل من وصلك، وأن أقطع من قطعك﴾ أخرجه أحمد. ومن مواطن الرحمة: إحسان معاملة الخدم والترفق بهم فيما يكلَّفون به من أعمال، والتجاوز عن هفواتهم، وليحذر المرء من سطوة التصرف، فيسخّرهم ويسخر منهم، فإن الله إذا ملّكَ أحداً شيئاً فاستبد به وأساء سلبه ما ملّك، ويخشى عليه من سوء المنقلب. يقول أنس بن مالك ﵁: ﴿خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين، فما قال لي أفٍ قط، وما قال لشيءٍ صنعته: لم صنعته؟ ولا لشيء تركته: لم تركته؟﴾ رواه مسلم، وعن أبي مسعود البدري ﵁ قال: ﴿كنت أضرب غلاماً لي بالسوط، فسمعت صوتاً خلفي: اعلم أبا مسعود، فلم أفهم الصوت من الغضب، فلما دنا فإذا هو رسول الله ﷺ ، وإذا هو يقول: اعلم أبا مسعود أن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام. فقلت: يا رسول الله! هو حر لوجه الله. فقال: أما لو لم تفعل للفحتك النار﴾، وجاءه ﵊ رجل يسأله: كم أعفو عن الخادم؟ فقال ﷺ : كل يومٍ سبعين مرة أخرجه أبو داود. وفي الناس أقوام شداد قساة ينتهزون ضعف الخدم؛ فيوقعون بهم ألوان الأذى، وقد شدد الإسلام في ذلك وغلظ، يقول رسول الله ﷺ : ﴿من ضرب سوطاً ظلماً اقتص منه يوم القيامة﴾. وممن تتطلب حالتهم الرحمة: المرضى، وذوو العاهات والإعاقات وهم يعيشون في الحياة بوسائل منقوصة تعوق مسيرهم، وتحول دون تحقيق كل مقاصدهم، وتضيق بها صدورهم، وتحرج نفوسهم، فلقد قيدتهم عللهم، واجتمع عليهم حر الداء مع مر الدواء، فيجب الترفق بهم، والحذر من الإساءة إليهم، أو الاستهانة بمتطلبات راحتهم، فإن القسوة معهم جرمٌ عظيم: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور:٦١]. أما الصغار والأطفال فإنهم محتاجون إلى عناية خاصة، ورحمة راحمة،،فليس منَّا من لم يوقر كبيرنا، ويرحم صغيرنا، وللنفوس ذات الفطر السليمة تعلق بالصغير حتى يكبر، وبالمريض حتى يُشفى، وبالغائب حتى يحضر، وفي الحديث: ﴿ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويعرف شرف كبيرنا﴾ أخرجه أحمد والترمذي، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.

стр. 513

امتداد الرحمة إلى كل شيء أيها الإخوة المسلمون: وتعاليم الإسلام وآداب الدين في هذا الباب تتجاوز الإنسان الناطق إلى الحيوان الأعجم، فجنات عدن تفتح أبوابها لامرأة بغيٍّ سقت كلباً فغفر الله لها، ونار جهنَّمٍ فَتَحت أبوابها لامرأة حَبَست هرة حتى ماتت، لا هي أطعمتها وسقتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض فإذا كانت الرحمة بكلبٍ تغفر ذنوب البرايا؛ فإن الرحمة بالبشر تصنع العجائب، وفي المقابل فإذا كان حَبسُ هرة أوجب النار، فكيف بحبس البرآء من البشر. وتترقى تعاليم ديننا في الرحمة بالبهائم حتى في حال ذبحها والمشروع من قتلها يقول ﵊: ﴿إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحدَّ أحدكم شفرته، وليُرح ذبيحته﴾. وبعد -أيها الناس- فبالرحمة تجتمع القلوب، وبالرفق تتألف النفوس، والقلب يتبلد مع اللهو الطويل والمرح الدائم، لا يشعر بحاجة محتاج، ولا يحس بألم متألم، ولا يشاطر في بؤس بائس، ولا حزن محزون. جاء رجل إلى النبي ﷺ يشكو قسوة قلبه فقال له: ﴿أتحب أن يلين قلبك؟ ارحم اليتيم، وامسح رأسه، وأطعمه من طعامك يلن قلبك﴾ والرحمة لا تنزع إلا من شقي عياذاً الله. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف:٣٢]. نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبهدي محمدٍ ﷺ ، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 514

الرحمة خُلُق يرعى الحقوق كلها الحمد لله يعلم مكنونات الصدور ومخفيات الضمائر، أحمده سبحانه وأشكره على ما أولى من وافر النعم والفضل المتكاثر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، هو الأول والآخر والباطن والظاهر، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله المطهر الطاهر كريم الأصل زكي المنافذ، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أولي الفضائل والمفاخر، والتابعين ومن تبعهم بإحسان ومن على درب الحق سائر. أما بعد: فيا عباد الله: إن الرحمة ليست حناناً لا عقل معه، وليست شفقة تتنكر للعدل والنظام. كلا! بل إنها خُلُق يرعى الحقوق كلها، فقد تأخذ الرحمة صورة الحزم حين يُؤخذ الصغير إلى المدرسة من أجل التربية وطلب العلم، فيلزم بذلك إلزاماً، ويكف عن اللعب كفاً، ولو تُرِكوا وما أرادوا لم يُحسنوا صنعاً ولم يبنوا مجداً، والطبيب يُمزق اللحم ويَهشم العظم ويبتر العضو؛ وما فعل ذلك -أحسن الله إليه- إلا رحمة بالمريض وعلاجه، ناهيكم بإقامة الحدود والأخذ على أيدي السفهاء وأطرهم على الحق أطراً، فهي الرحمة في مآلاتها، والحياة في كمالاتها: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٧٩]. والشفقة على المجرمين تظهر أشد أنواع القسوة على الجماعة، إنها تشجع الشواذ على الإجرام. والشفقة على المجرمين سماها القرآن رأفة ولم يسمها رحمة، فقال في عقاب الزناة والزواني: ﴿وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور:٢]، إن القسوة التي استنكرها الإسلام جفاف في النفس لا ترتبط بتحقيق عدل، ولا بمسلك صعب، ولكنها شدة وانحراف في دائرة مجردة وهوىً مضل. أيها المسلمون: وقد يستوقف المتأمل معنى الشدة على الكافرين في مقابل الرحمة بالمؤمنين في قول الله : ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩] والحق أن الإسلام قد جاء بالرحمة العامة لا يستثنى منها إنسانٌ، ولا دابة، ولا طير، بيد أن هناك من الناس والدواب من يكون مصدر خطرٍ ومسار رعبٍ، فيكون من رعاية مصلحة الجماعة كلها أن يحبس شره، ويكف ضرره، بل إن الشدة معه رحمة به وبغيره، فالإسلام رسالة خيرٍ وسلام، ورحمة للبشرية كلها بل للدنيا كلها، ولكن ذئاب البشر أبوا إلا اعتراض الرحمة المرسلة ووضع العوائق في طريقها؛ حتى لا تصل إلى الناس فيهلكوا في أودية الحيرات والجهالات، فلم يكُ بد من إزالة هذه العوائق والإغلاظ لأصحابها، ويوم ينقطع تعرضهم وتحديهم تشملهم هذه الرحمة العامة، فليس في الرحمة قصور، ولكنَّ القصور في من حرم نفسه متنزلاتها، اقرءوا قول الله : ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ [الأعراف:١٥٦ - ١٥٧]. ألا فاتقوا الله رحمكم الله، وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة. ثم صلوا وسلموا على نبيكم نبي الرحمة المهداة، والنعمة المسداة محمد رسول الله، فقد أمركم بذلك ربكم جلَّ في علاه فقال في محكم تنزيله، وهو الصادق في قيله قولاً كريماً: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وارض اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن بقية الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بعفوك وإحسانك يا أكرم الأكرمين! اللهم أعزَ الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، واحم حوزة الدين، واخذل الطغاة والملاحدة وسائر أعداء الملة والدين. اللهم آمنا في أوطاننا، واحفظ أئمتنا وولاة أمورنا، وأيدَّ بالحق والتوفيق والتأييد والتسديد إمامنا وولي أمرنا، ووفقه لما تحب وترضى، وارزقه البطانة الصالحة، وأعلِ به كلمتك، وأعز به دينك، واجعله نصرة للإسلام والمسلمين، وألبسه لباس الصحة والعافية، واجمع به كلمة المسلمين على الحق يا رب العالمين! اللهم وفق ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك وبسنة نبيك محمدٍ ﷺ ، واجعلهم رحمة لعبادك المؤمنين، واجمع كلمتهم على الحق والهدى يا رب العالمين! اللهم وأبرم لأمة الإسلام أمر رشدٍ يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر، إنك على كل شيءٍ قدير. اللهم انصر المجاهدين الذين يجاهدون في سبيلك في كل مكان، اللهم انصرهم في فلسطين، وفي كشمير، وفي الشيشان، اللهم سدد سهامهم وآراءهم، وقوِّ عزائمهم، وأمدهم بنصرٍ من عندك يا قوي يا عزيز! اللهم إن هؤلاء اليهود المحتلين الغاصبين قد بغوا وطغوا، وآذوا وأفسدوا، وقتلوا وشردوا، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك، اللهم فرق جمعهم، وشتت شملهم، واجعل بأسهم بينهم، اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك، اللهم واجعل الدائرة عليهم يا ذا الجلال والإكرام! اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا والزلازل والمحن، وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن، عن بلادنا وعن سائر بلاد المسلمين يا رب العالمين! اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة. ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 515

دعوى تحرير المرأة إن ضعف الأمم وعجزها ليس له سبب إلا تلك الأخلاقيات المفضوحة، من إضاعة للأمانات، وتحلل من المسئوليات، وعدم إتقان للعمل، والتفاف حول المآرب الشخصية، وتضييع للواجبات، ونسيان للمبادئ الكبرى، ودعوة إلى انحلال الأمة عن أخلاقها ودينها، وتفسخ نسائها بدعوى تحرير المرأة.

стр. 516

الأسباب الحقيقية لضعف الأمم الحمد لله المستحق للحمد والثناء؛ أحمده سبحانه وأشكره وأتوب إليه وأستغفره، وأسأله السعادة في الدارين، وأعوذ به من حال أهل الشقاء؛ وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، وأشهد أن سيدنا ونبينا عبد الله ورسوله، أفضل الرسل وخاتم الأنبياء؛ صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه البررة الأتقياء؛ والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: أيها الناس! أوصيكم ونفسي بتقوى الله ، فاتقوا الله -رحمكم الله- ما استطعتم، واستدركوا بالتوبة والأعمال الصالحة ما أضعتم؛ فربكم سبحانه خلقكم لتعبدوه، وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لتشكروه. أيها المسلمون! يظن بعض الناس أن بعض الأمم وعجزها يرجع إلى ضعفها الصناعي أو عجزها العسكري أو نقصها الاقتصادي وأن الأمة الضعيفة لو ملكت هذا أو ذاك سادت ثم صادت! وهذا عند النظر والتفكر فكر فيه عوج، ونظر فيه خلل، يعشى بصر صاحبه أن يبصر الشلل العضوي في أجهزة تلك الأمة الخلقية، وملكاتها النفسية، وانهزامها الداخلي في فكرها وعقلها وتبعيتها وفغرها أفواهها إعجاباً وبلاهة. ولقد يروعك إن كنت مخلصاً ناصحاً ذا بصيرة نافذة، وأنت تتلمس العيوب والأخطاء وأسباب الضعف والتخلف، يروعك انتشار أخلاقيات بين الناس دون مبالاة، بل يصحبها إغماض شديد ممن ينصبون أنفسهم مفكرين في المجتمع، ومثقفين في أوساطه، إغماض منهم عن هذه الأخلاقيات المفضوحة، من إضاعة الأمانات، والتحلل من المسئوليات، وعدم إتقان العمل، والالتفاف حول المآرب الشخصية، ونسيان المبادئ الكبرى والحقوق العامة، وانتشار اللغو واللغط والكسل والإهمال، وتضييع الأوقات في غير المجدي والمفيد، واستقصاء المرء في طلب ما يرى أنه من حقوقه، واستهتاره وإهماله في أداء ما لزمه ووجب عليه، وتقاعسه عن الكمال كالعامة وهو من القادرين، ينضم إلى ذلك فقدان الرفق في القول والعمل، وشيوع القسوة في التعامل، والمبالغة في الخصام والعداء، والتحاكم إلى قشورٍ يطل من ورائها الرياء والمجاملات الكاذبة، ويدركك العجز وأنت تُعدد هذا الكم الهائل من النقائص والمثالب. أيها الإخوة! إن كثيراً مما يتحاور فيه أبناء الأمم الضعيفة، من المنتسبين إلى الفكر والثقافة والرأي، والخوض في أمور المجتمع من النساء والرجال، كاتبين وكاتبات، ومتحدثين ومتحدثات إن كثيراً من حواراتهم لا يُساعد على تقييم خلق أو تهذيب سلوك، إن كثيراً من القراءات المتاحة للناس بلاءٌ تختنق الفضائل في ضجته، وتذوب الأخلاق في أزمته. ماذا تقول لأناس يهشون لمنكر، ويودون لو نبت الجيل في حمأته؟ وماذا تقول لأناس تمتلئ سطورهم مقتاً للأصيل من أصولهم والمجيد من تراثهم؟! اتباع الهوى أرجح عندهم من اتباع العقل، وبريق التقدم الكاذب أقوى من سلطان الدين والشرائع. ولهؤلاء قدرة عجيبة في إلباس أهوائهم وشهواتهم ثوب الحق والعمومية، وتحقيق مآربهم باسم الوطنية والمصلحة الاجتماعية. أيها الإخوة! لا يقال هذا الكلام جزافاً، وإن من الأمثلة الماثلة والشواهد الحية على هذه الطروحات والتناولات في بعض المؤلفات والكتابات، وفي بعض البلدان الإسلامية حديثهم الذي لا يكل عن المرأة وشئونها، وحقها وحقوقها، والمصارعة من أجلها كما يقولون أو كما يصورون. والموضوع -أيها الإخوة- يحتاج إلى تجلية، ويحتاج إلى النظر في بواعث الموضوع في كثير من أقطار الدنيا بزعم تحرير المرأة وإعادة حقوقها إليها.

стр. 517

تاريخ الحركة النسوية أيها الإخوة! وفي عودةٍ إلى أصول الموضوع وجذوره وبواعثه ومثيراته؛ لا بد من التذكير بالتاريخ الذي تنبعث منه دعوة هؤلاء. إن تاريخ الحركة النسوية، أو الحركة الأنثوية -كما يُعبرون- مذهب جيء به لكي يفرض ويسود العالم كله، ويحل محل العقائد والأديان والمذاهب، سماوية أو غير سماوية، إن هذا المذهب النسوي جارٍ على النهج الذي اختطه الغرب العلماني لنفسه حينما تخلَّى عن الدين، وابتدع عقائد ومذاهب من الوجودية، والعقلانية، والشيوعية، والاشتراكية، والتنويرية، والنفعية ونحوها، وكلها مذاهب تنطلق من رفض الوحي، وإنكار الله جل في عُلاه، وتجعل الإنسان إله نفسه ومُشرِّع حياته، وأغلب هذه الحركات قد تساقطت واندثرت، وأصبحت حديثاً في الغابرين. إن الحركة النسوية حركة قامت على أنقاض تلك الحركات، مستخدمة في ذلك مبادئها، قامت على ما يسمونه تحطيم المنطلق، ويريدون به هز الأسس الفكرية، والمبادئ الأساسية، التي يقوم عليها المجتمع، ونسفها من أجل إقامة ما يُريدون من أفكار هدَّامة، قامت على الشعور بالذاتية المنعزلة المتمردة، والتي تتخذ من معاداة الرجل حرباً مستعرةً، وتعاملُه كجنس شيطاني شرِّير، قامت على أن بناء المجتمع على الفرد وليس على الأسرة والعائلة؛ ولهذا فإن الحديث والخطب والسياسات التي ترسم للمجتمعات عندهم والأمم هناك تُبنى على الفرد، ولم يعد للعائلة ولا للأسرة شأنٌ يُذكر في خضم دراستهم، فالفرد بفرديته هو المقصود، رجلاً كان أو امرأة، وهكذا تبدَّلت المفاهيم والقيم، وشاعت هذه الحرية التي يزعمونها وينادون بها ويتبنونها، فصارت المرأة لا تعني زوجة ولا أماً لا أختاً ولا بنتاً، ولم يعد الرجل أخاً أو أباً أو ابناً، ليس هناك انتشار وثيق لهذا الكيان العائلي، بل أصبح وأصبحت زملاء دراسة، وأصدقاء عمل، وخلائل وأخدان، ولم يعد ينظر في الحساب إلى الزواج، وإقامة البيوت، فغرائزهم ملباة دون مسئوليات تُلقى على العواتق والكواهل، وكلٌ حر في التناقل بين أحضان من يشاء.

стр. 518

مبادئ ومقومات الحركة النسوية إن هذه الحركة النسوية نشطت في قلب القيم، وعكس المفاهيم، وارتبطت بمصالح مادية وإعلامية وتيارات اجتماعية؛ تُعادي الدين والعقائد، وتُروج للإلحاد والإباحية والشذوذ الجنسي وهكذا يتجسد مفهوم تحرير المرأة في منهجهم عبر صنع امرأة مشاكسة عدوانية محاربة لجنس الرجال، قد تقبل من التعاليم السائدة ما تراه يُكرس لها حقوقها، ولكنها ترفض ما ترى أنه واجبات أو مسئوليات، إنها ليست دعوة إلى تحرير المرأة كما يزعمون؛ ولكنها دعوة إلى تحرير الوصول إلى المرأة. انعتقوا من كل الروابط والقيم، والمسئوليات الأسرية، والحقوق الاجتماعية، وحولوا العلاقات العائلية إلى وظيفة رتيبة أشبه بمحاضن تفريخ، عزف الرجال عن الزواج لوجود السبل المحرمة، يشبعون من خلالها غرائزهم دون تحمل لما يترتب على الزواج الشريف من أعباء ومسئوليات. أيها الإخوة: لقد أصبحت الحركة النسوية مذهباً ومبدأً يُكافح عنه أناس، يعقدون له المؤتمرات والندوات، ويمتطون من أجله صهوات المنظمات والهيئات من حقوق الإنسان وغيرها. ومع الأسف -أيها الإخوة- فإن هذه المبادئ لا يُناجي بها، ولا يُدافع عنها، ولا يتحمس لها في كثير من بلاد المسلمين إلا النُّخب العلمانية ذات الهيمنة على مجريات الفكر في بلادها. إن المعشش في عقول هؤلاء: أن التقدم العلمي، والسباق التقني، لن يتحقق إلا على أنقاض الفضيلة والإيمان، والالتزام بأحكام الإسلام، وإنها الهزيمة النفسية، والانكسار الداخلي، وحينما يُبتلى المرء بذلك؛ فإنه يفقد القُدرة على التمييز بين الحق والباطل. إن الداعين والداعيات إلى تحرير المرأة على الطريقة العلمانية في أوطان المسلمين إنما ينشدون محالاً من الأمر، فهم وهن في عناء مستمر في سبيل الوصول إلى مركب يجمع لهم الخير والشر والحق والباطل في آن واحد. إن الإسلام الذي جاء من عند الله شاملاً كاملاً كما جاء واضحاً جلياً لا يمكن أن يمتطى بمثل هذه الأساليب، إنهم يحاولون بأيدي مرتعشة التوفيق بين أهوائهم وانهزامهم، وتطويع بعض النصوص الشرعية.

стр. 519

المرأة بين الشريعة الإسلامية والتبعية المنهزمة والحق أن المسألة دائرة بين أمرين لا ثالث لهما: إما الإسلام كله، أو التبعية المنهزمة، إنهم في نظرتهم يريدون أن تكون المرأة نداً للرجل، ومماثلاً له، ومناوئاً له، ومتصارعاً معه، وفي نظر ديننا هي: شقيقة الرجل ووشقه ومتممه، وهو متممها، هو رجل محتفظ برجولته، وهي امرأة متميزة بأنوثتها، المرأة في مسلكهم آلت إلى سلعة في سوق النخاسين، في دُور الأزياء وعروضها، وغانية في سوق الملذات والشهوات، يستعبدها الرجل الذي يزعم تحريرها، يستمتع بها؛ لأنه لا يريد حريتها، ولكنه يريد حرية الوصول إليها، وفي نظر ديننا لا يجوز أن يكون تأمين العيش ومكافحة الفقر ومحاربة الجهل على حساب العرض والشرف، وفي ضياع الشرف ضياع العالم لو كانوا يعقلون: ﴿وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة:١٠٣]. ليس من حقوق المرأة في ديننا حق الزنا، وحق الحمل من سفاح، وحق الشذوذ والسحاق، وليس من حقها أن ترفض الدين وأحكامه، وتقول: إنه متخلف ومعادٍ للمرأة وقيد على حريتها، حقوق المرأة مقرونة بمسئوليتها في الأمومة ورعاية الأسرة. حقوق المرأة تُؤخذ وتُمارس من خلال الحشمة والأدب، محوطة بسياج الإيمان بالله في أمة واحدة متكاتفة متآلفة، وليست متنازعة متصارعة: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران:١٩٥]، وقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل:٩٧]. أما المرأة عندهم ذات الحقوق: فهي المتمردة على بيتها وأطفالها وشئون منزلها؛ لأنهم يقولون: إن ربة البيت داخل بيتها ذات عمل لا مردود له. ويقولون: إن خدمتها في بيتها مجانية وعملها في بيتها عمل غير منتج؛ فالتحرير لا يتم إلا بالتدمير: تدمير الأسرة وتدمير القيم؛ ألا شاهت الوجوه وسُدت الأفواه! تربية النشء وحفظ الكرامة والاستقرار العائلي والهدوء النفسي ليس له مردود وغير منتج! هكذا قاس قائسهم وقدر مقدرهم ألا: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ [المدثر:١٩] ﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ [المدثر:٢٠]. أيها الإخوة! وإنكم لتعلمون ويعلم كل عاقل منصف أن المرأة التي أخرجوها من خدرها وقرارها المكين مهما تحدثوا عنها، وأعطوها ومنحوها، ودافعوا عنها؛ فقد جعلوها في الصفوف الخلفية في الأهمية والقدرة والمرتب والطاقة، مهما أبلت وبذلت من جهد وعرق وساعات عمل، لماذا فعلوا ذلك؟ لأن موازينهم مادية بحتة، وأصحاب رءوس الأموال وأرباب المصانع والمتاجر لا يؤمنون إلا بالنفعية، وما دام أن المرأة خرجت من بيتها، واحتاجت إلى العمل، فلماذا لا تستغل ويحقق فائض الربح من خلالها؟ ومن ثم كان لزاماً على المرأة المسكينة أن تواجه وحدها وبمفردها جفاف هذا المجتمع وغلظة هذا التعامل، أصبحت الضحية الأولى التي تنعكس عليها تناقضات ذلك المجتمع وعلومه، فهي راكضة بائسة تركض في مبدأ حياتها لتتعلم، ثم تركض لتعمل وتكسب وتعيش، ثم تركض وراء الأزياء ولفت الأنظار لعلها تجد من يلتفت إليها بلا عقد ولا ميثاق غليظ، وهكذا تعيش حاضراً لا طعم له، ومستقبلاً مكشراً تلقي بنفسها بين فكيه وحيدة منبوذة، وما هي إلا إفرازات البيوت الخربة، والمسئوليات الضائعة حين ألقاها الرجال عن كواهلهم، فهل ينبه لذلك الغافلون؟! ويا ليت فئات من القوم يعلمون! ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمْ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:٧١]. نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبهدي سيد المرسلين ﷺ ، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 520

نداء الفطرة وتعارضه مع نداء دعاة تحرير المرأة الحمد لله الذي يقول الحق وهو يهدي السبيل، أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأعوذ به من الزيغ والتبديل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وأشهد أن سيدنا ونبينا عبد الله ورسوله أمر بالصدق والعفاف وكل خلق جميل، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه كل بكرة وأصيل، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:- أيها الإخوة! هذا هو نداء التحرير عندهم، مبادئ علمانية مادية، أغرقت الإنسانية في الضياع والرذيلة والعبثية، وأَدَّت إلى فقد الإنسان المعاصر للقيمة والهدف والغاية، لقد أصبح تائهاً ضائعاً بين مبادئ وأفكار، ونظريات وفلسفات، كلها تصب في بوتقة المادية والشهوانية بكل صورها وأبعادها وألوانها، وليعلم من لا يعلم أن الباقي هو نداء الفطرة التي فطر الله الناس عليها، إنه نداء الفطرة الذي يقول: إن الرجل يبحث عن المرأة التي تعمر البيت بوجودها وحركتها وعملها، وليست المرأة التي تملأ المعامل والمصانع والمكاتب والشوارع، وتخلف وراءها بيتاً يفترسه الفراغ والخراب. إنه نداء الفطرة الذي يقول: إن المرأة تبحث عن الرجل الكريم الشريف الذي يقف إلى جانبها في مسار حياتها، شابة وامرأة وسيدة محترمة، هو سكنٌ لها وهي سكن له، ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف:١٨٩]، إنها أم بنيه وبناته، يرعاها ويرعى أولادها ويصل رحمها، وليس هو الرجل الذي يعجب بها لحظة خاطفة، ومتعة عابرة، ثم ينبذها إلى غير رجعة، هذا هو النداء، وما عدا ذلك فزيف وتصنُّع وجهلٌ وعمى وظلم وإفك مبين.

стр. 521

بلاد الحرمين وتعليم المرأة وبعد -أيها الإخوة- فمن أراد مثالاً حياً، وطريقة تُحتذى، جمعت بين تعاليم الإسلام وآداب الدين، واستوعبت المفيد من القديم والجديد؛ فلينظر إلى النموذج الذي تتبعه بلاد الحرمين الشريفين من الحفاظ على المرأة بحشمتها، مع توفير كل الإمكانات الممكنة، تعليماً وعملاً في طريق المنظمة المنتظمة، فلهن ميادينهن ومجالاتهن في التعليم والعمل والإدارة، ميادين تتمكن منها المرأة أن تُعطي العطاء المطلوب، مجتنبةً الويلات التي يُعاني منها المستسلمون والمتخاذلون والمخذولون بصرخات التحريم الكاذبة الكافرة الماكرة، لم يكن ذلك هنا لولا توفيق الله سبحانه، ثم التوجه المخلص والصادق والمدروس من القيادة حفظها الله، والقائمين على شئون المرأة -وفقهم الله- تعليماً وعملاً، منطلقاً من هدي كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . إنه التنظيم والترتيب الذي يحفظ البلاد وأهلها من الانزلاق في أوحال الاختلاط وأخطاره المريضة، ولا نزال -ولله الحمد- نرى آثاره الخيرة طهراً وعفةً ونقاءً، ولن ترضى هذه البلاد بغير هذا المنهاج بديلاً، مهما نعق الناعقون، واستبطن المستبطنون. بارك الله في الجهود، وسدد الخُطى، وهدى إلى الحق والطريق المستقيم. ألا فاتقوا الله -رحمكم الله- واستمسكوا بآداب دينكم، ثم صلوا وسلموا على نبي الرحمة والهدى، نبيكم محمد المصطفى، فقد أمركم بذلك ربكم جلّ وعلا، فقال عز قائلاً عليماً: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وجودك وإحسانك يا أرحم الراحمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، واحمِ حوزة الدين، واخذل أعداء الملة والدين. اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأيد بالحق إمامنا وولي أمرنا، ووفقه لما تحب وترضى، وارزقه البطانة الصالحة، وأيده بتأييدك، وأعزه بنصرك، واجمع به كلمة المسلمين على الحق يا رب العالمين. اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك محمد ﷺ وعبادك الصالحين. اللهم وفق ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك وبسنة نبيك محمد ﷺ ، واجعلهم رحمةً لرعاياهم، واجمعهم على الحق يا رب العالمين. اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أغثنا، اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً غدقاً سحاً مجللاً تغيث به العباد، وتسقي به البلاد، وتجعله بلاغاً للحاضر والباد، واجعل اللهم ما أنزلت لنا قوةً على طاعتك وبلاغاً إلى حين. ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار. عباد الله! إن الله يأمر بالعدل والإحسان، وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 522

بين السلام وإباء الضيم إن الله اقتضت حكمته قدراً وكوناً أن يكون هناك حق وباطل، وخير وشر، وإصلاح وفساد، يدال هذا مرة وهذا مرة، وإن مما نشاهده في عصرنا هذا الحرب العالمية الكبرى من قوى الشر ضد الإسلام وأهله، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون.

стр. 523

العرب قبل الإسلام الحمد لله واسع الفضل، مجزل الثواب، يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من أناب، أحمده سبحانه وأشكره، يفيض فوائض النعم، ويسبغ سوابغ الكرم، ويعطي بغير حساب، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الكريم الوهاب، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله ختم به الأنبياء، وأنزل عليه أشرف كتاب، صلى الله وسلم وبارك عليه، أوضح العقائد وفصَّل الأحكام، وسَنَّ مكارم الأخلاق والآداب، وعلى آله الأطهار، وأصحابه الأخيار خير آل وأكرم أصحاب، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فأوصيكم -أيها الناس- ونفسي بتقوى الله ، فاتقوا الله رحمكم الله، فبتقواه تُنال الدرجات، وتزكو الأعمال، وتزودوا من ممركم لمقركم، فأنتم في فترة الإمهال، فالدنيا غرارة مكارة، والموت آتٍ لا محالة، والأجل قريب والأحمال ثقال، فاغتنموا رحمني الله وإياكم سويعات أعمالكم فالأيام فانية، ولسوف يندم أصحاب القلوب القاسية، وطهروا درن الذنوب بفيض العبرات، واستثيروا رقة القلوب بذكر يوم الحسرات، فالناس فيه سكارى من طول الوقوف، حيارى من هول يوم مخوف: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٨].

стр. 524

بزوغ فجر الإسلام أيها المسلمون! جاء الإسلام وأمم الأرض تشتبك في حروب لا تحصى، ولأغراض من المطامع شتى، دول في القديم كبرى، كان القتال بينها سجالاً، فنيت فيها جيوشها، وناءت بمغارمها شعوبها، ولم يكن وقود تلك الحروب إلا مطامع الكبار، ولم يشعل فتيلها إلا شهوة التوسع، والمباهات في الاستبداد. لقد جاء الإسلام وجاءت حضارته والعالم تحكمه قوانين الغاب، وتسوده شريعة الوحوش، القوي يقتل الضعيف، والمسلح ينهب الأعزل، والحرب تنشب من غير قيد أو حد، فكل من ملك قوة امتطى صهوة جواده، وشهر سلاحه، ليستذل الأمة الضعيفة على أرضها، ويغلبها على قوتها، ويكرهها على عقيدتها، فيشعلها حرباً آثمة، ويوقدها على الضعفاء ناراً تلظى. وأما العرب أنفسهم في تلك الأحقاب فقد أكلتهم غاراتهم، فكان الاقتتال لهم طبعاً، والقتل بينهم عادة، حتى إذا لم يجدوا غارة على البعيد أغاروا على القريب، فهم على بكرٍ أخيهم إن لم يجدوا إلا أخاهم. وفي هذه العصور المظلمة، والظروف الكالحة تفجر ينبوع الإسلام؛ فلانت القلوب الصلبة؛ وترطبت الغصون الجافة، وأقبل فيه العالم على دين جعل الإيمان صنو الأمان، والإسلام قرين السلام، فانحسرت مطامع النفوس، وتجافت وساوس الشيطان، تقاصر العدوان على الحقوق. ثم كان النداء لأهل الإيمان: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة:٢٠]. بهذه الروح وبهذه المبادئ انتشر الإسلام في سنواته الأولى، حتى بلغ مشارق الأرض المعمورة ومغاربها، في أقل من قرن من الزمان، ومن المعلوم قطعاً أن المسلمين لم يكن لهم في ذلك الوقت من القوة العددية، ولا من الآلة العسكرية، ولا من تقنية الاتصالات، ولا من وسائل المواصلات ما يُمكِّنهم من قهر الشعوب على ترك دينها، ولا فرض الحكم على الديار التي دخلوها، لولا أنه دين حق، وحضارة سلام، وسياسة عدل، فالشعوب المفتوحة لم تدن بالإسلام، ولم تتعلم لغة القرآن، ولم تخضع للمسلمين إلا لما ظهر لها فيه من الحق والرحمة والعدل الموصل لسعادة الدنيا والآخرة. إن الإسلام دين الفطرة، سمته البارزة وعلامته المسجلة نشر الحق، وفعل الخير، وهداية الخلق: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:١٠٤]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج:٧٧] تلكم هي حقيقة الإسلام ووظيفته التي يجب أن تعرف في أروقة الأمم، ومحافل الدول، ومجامع العالم.

стр. 525

الإسلام ليس نظريات ضيقة أيها المسلمون! والإسلام في غايته والدين في مبادئه لا ينظر إلى مصلحة أمة دون أمة، ولا يقصد إلى نهوض شعب على حساب آخر، ولا يهمه في قليل أو كثير تملك أرض، أو سيادة سلطان هذا أو ذاك، ولكن مقصوده وغايته سعادة البشرية وفلاحها، وبسط الحق والعدل فيها، فكل توجه غير هذا، وكل هدف سوى هذا لا اعتبار له في الإسلام؛ بل إذا كانت التوجهات تتضمن ظلماً أو تقود إلى غمط حق، فلا بد حينئذٍ من مقاومتها حتى لا تكون فتنة، ويكون الدين لله، فالأرض كلها لله، ويرثها الصالحون من عباد الله.

стр. 526

الإسلام دين القوة والإعداد أمة الإسلام! لئن كان الإسلام دين رحمة وعدل وسلام، فإنه في الوقت نفسه، دين قوة وإباء وضيم، لأنه دين عملي يأخذ الحياة من واقعها، ويعامل الخلائق من طبائعها، وفي الحياة والطبائع ميل إلى المشاحنات، وتوجه نحو المنازعات , ودخول في المنافسات، من أجل ذلك وبجانب عدله ورحمته أمر بإعداد القوة التي تحمي الحق، وتبسط العدل، وتزرع الخير وتنشر السلام، بل إن القوة العادلة، أقوى ضمان لتحقيق السلام، وحذر من أن يفهم الناس أن السلام معناه القعود عن الاستعداد مادام في الدنيا أقوام لا تعرف قيمة السلام، ولا تحترم حرية غيرها في أن تعيش آمنة مطمئنة في بلادها، ومن أجل ذلك كله أُمِر المسلمون بإعداد القوة، وأخذ الأهبة، والقوة المأمور بها قوة شاملة، تحشد فيها كل مصادر القوة الاقتصادية منها والسياسية والاجتماعية والعسكرية، والأخلاقية والمعنوية، وقبل ذلك وبعده، قوة الإيمان، والاستمساك بالشرع المتين: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال:٦٠]. والأمة القوية والدولة القوية تحفظ مهابتها ما دامت صفة القوة ملازمة لها، وتلكم سنة إلهية من السنن التي تبنى عليها الحياة، فلا خير في حق لا نفاذ له، ولا يقوم حق ما لم تحط به قوة تحفظه وتسنده، وما فتئت أمم الأرض ودولها، تعد نفسها بالقوة بمختلف الأنواع والأساليب، حسب مقتضيات العصر، ومتطلبات الظروف في الزمان والمكان.

стр. 527

القوة والإعداد المعنوي أيها المسلمون! ولعل من المناسب الوقوف عند صورة من صور القوة، تلكم هي قوة الروح المعنوية. إن من يقلب النظر في تاريخ الأمم التي تتمتع بالعز والسيادة، يجدها لم تبلغ ما بلغت إلا بما تربت عليه من قوة الروح قبل البناء العسكري، فبقوة الروح، وارتفاع المعنويات -بإذن الله- تسلم من خطر يمتد إليها من الخارج، ويستتب لها الأمن من الداخل، وتكون ذات شوكة ومهابة. ولا عجب أن يولي القرآن الكريم ذلك ما يستحق من عناية، فتنزلت الآيات التي تربي النفوس على خلق البطولة، وتحفز الدواعي لإعداد الوسائل، واتباع النظم، فالظفر بعيد عن الجبناء، وبعيد عن المهازيل، ولقد توجهت الآية الكريمة إلى النفوس تنقيها من رذيلة الجبن والإحجام، وتنذرها من سوء عاقبة الجبناء، اقرءوا وتدبروا قول الله : ﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلّاً وَلا ذِمَّةً﴾ [التوبة:٨]. إن الآية صريحة في أن الجبان يبتلى بذي قوة، لا يعرف للعهد رحمة، ولا يقيم للعدل وزناً، ولا يعرف للحق طريقاً، ولقد سجل الشجعان وصدقت الحكماء: أن الموت في مواطن البطولة أشرف من حياة يكسوها الذل، ويغمرها الهوان، والحر يلاقي المنايا، ولا يلاقي الهوان. ومن العجز أن يموت الفتى جباناً. وآية أخرى في كتاب الله تفضح فئات من الجبناء الخوارين، أنكروا رجولتهم، ودفنوا كرامتهم، وقعدوا مع فئات لم تخلق للضرب ولا للطعان: ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾ [التوبة:٨٧] ولا يتوارى عن هواتف الشرف ودواعي البطولة إلا من كان حظه من الرجولة ضئيلاً، ومن الكرامة منقوصاً. أيها المسلمون: إن بث القوة الروحية ورفع المعنويات يكون بتربية النشء على خلق الشجاعة، وصرامة العزم، والاستهانة بالموت، وإخواننا وأولادنا في فلسطين المحتلة قد ضربوا من ذلك بسهم وافر أعلى الله قدرهم، ورحم شهداءهم، وشفى مرضاهم، وعوضهم ما فقدوا، وحقق لهم النصر على عدونا وعدوهم. إن الأمة التي تأبى الضيم بحق هي الأمة التي تلد أبطالاً وتبذل كل مجهود في إعداد وسائل الدفاع، لا يقعد بها بخل، ولا يلهيها ترف، إن تفاضل الأمم في التمتع بالحرية، والسلامة من أرجاس الضيم لا يتبين إلا بقدر ما فيها من شهامة الرجال، وما تدخره من أدوات الرمي والطعان، فإذا ما اجتمع للأمة رأي وسيف وعزة؛ تجافت عنها المظالم. إن العزة وإباء الضيم خلق عظيم، ومركب عزيز، أول ما يقع في نفوس الرجال الموكول إليهم تدبير شئون الأمة، وتنفيذ آمالها، وتحقيق طموحاتها، ورسم خططها. إن إباء الضيم يدفعها إلى أن تذود عن حياضها وتدافع عن حماها، ولو كان خصمها أعز نفراً، وأقوى جنداً، وأكثر نفيراً، بل تقف موقف الرجولة والاحتفاظ بالكرامة، ولو غلب على ظنها أنها ستغلب على أمرها، تفعل هذا إيثاراً لحياة العزة على حياة المهانة، وتجافياً عن خزي وعار تتناقله الأجيال، الخصوم يبغون الفتنة وهم يبغون السلام. بإباء الضيم تكون الأمة قوية القنا، جليلة الجاه، وفيرة السناء، تزحزح سحائب الظلم والاستعباد، لا تستكين لقوة، ولا ترهب لسطوة.

стр. 528

القوة والإعداد المادي أمة الإسلام: ذلكم شيء مما يتعلق بالقوة المعنوية، والعزة النفسية، أما القوة المادية، فلا تحتاج إلى مزيد حديث، إنها إعداد ما يتطلبه الدفاع من وسائل الانتصار على العدو، ولقد تفتقت أذهان أبناء العصر عن مكتشفات ومخترعات في أنواع من القوى، وأساليب من الاستعداد والإنذار فاقت كل تصور. أيها المسلمون: إن الاستعداد بالقوة، يمنع الحرب من أن يتقد نارها، ويجعل الأمة المستعدة في منعة من أن تهضم حقوقها، إعداداً واستعداداً من أجل اتقاء بأس العدو وهجومه، ولقد جاء هذا الغرض جلياً واضحاً في قول الله : ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال:٦٠]. إنه استعداد ليكون سبباً في منع الحرب قبل أن يكون استعداداً عند نشوبها وإشعالها. نعم. إنه السلام المسلح، ذلكم أن الضعف يغري الأقوى بالتعدي على الضعفاء، إن القوي المستعد للمقاومة قلما يعتدى عليه، وإن اعتدي عليه قلما يظفر به عدوه أو ينال منه، إن ترك الاستعداد يغري بالعدوان ويسرع بالاستسلام. وإن أخطر ما تتعرض له الأمة هو الغفلة عن الخطر المحدق بها، والتقاعس عن إعداد القوة القادرة على الدفاع، إن على الأمة الأبية أن تعد ذلك مسألة حياة أو موت، اقرءوا قول ربكم في محكم كتابه: ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً﴾ [النساء:١٠]. ومن دقائق تعاليم ديننا وآدابه وشريف غاياته: أن العدو إذا عدل عن العدوان، وأرهبه السلام المسلح كان التوجه حينئذٍ نحو السلم والحرص عليه وقبوله: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [الأنفال:٦١]. وإن أبى العدو إلا الحرب والقوة! فالقوة لا تدفع إلا بالقوة، والعدوان لا يرد إلا بمثله: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا﴾ [البقرة:١٩٠] ففي آداب القتال عندنا لا يقاتل غير المقاتل، ولا يحاسب إلا المعتدي. عباد الله: إنما تسقط الأمم في هاوية الذلة إذا صغرت همة رجالها، فلا يحسون بظلم، ولا يأنفون لعزة، ولا يثأرون لكرامة، يساقون بذلتهم ومهانتهم إلى جهل ونفرة وشقاق، العاجز لا يرجى لدفع مُلمة ولا يؤمل في النهوض بهمة، كما أنه ليس من العقل ولا من الحكمة الوقوف مع الهزائم، واستعادة الأحزان والتعثر في عقباتها، وتبادل كلمات اللوم وآهات التحسر: (ليت، ولو أن) فما كان ذلك من أخلاق الأقوياء، ولا من مسالك ذوي العزة والأنفة، وأباة الضيم. وفي التنزيل العزيز حث لأهل الإيمان أن لا يكونوا مثل أصحاب هذه المسالك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزّىً لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ * وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ [آل عمران:١٥٦ - ١٥٨]. نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبهدي محمد ﷺ ، وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 529

الاستعداد المطلوب والقوة الممدوحة الحمد لله الإله الحق، لا تحصى دلائل وحدانيته ولا تعد، أحمده سبحانه وأشكره لا ينتهي كرمه ولا يحد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تنزه عن الصاحبة والولد، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، أكرم رسول وأشرف عبد، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان وسلك مسالك الرشد. أما بعد: فإن القوة ممتدحة حين تكون بطرق الخير، ووجوه المنافع للنفس والأهل والناس أجمعين، قوة تحق الحق وتبطل الباطل، تسير في المسار الصحيح والغايات الشريفة، أما حينما توظف القوة في سبيل الشر والأنانية، والمصالح الضيقة، وإيذاء الناس، وبسط النفوذ المستكبر، تكون وبالاً على البشرية، بل إنها في المآل وبال حتى على أصحابها، ولقد قالت قوم عاد الأولى: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت:١٥] وقال لهم نبيهم هود ﵇ محذراً ومنذراً: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [الشعراء:١٣٠ - ١٣١]. وفي مراجعة للقوة في العصور الراهنة، تلك القوة المتسلطة التي صحبت عهود الاستعمار، إنها قوى شر تسلطت على أمم ضعيفة، جاسوا خلال الديار يفتشون عن الثروات، ويقطعون طرق التجارات، ويستأثرون بالمنافع في قلوب ملئت بالجشع، ونفوس مفتوحة بالشره، تتقدمها معدات مجنزرة، وتظللها طائرات مزمجرة في عساكر مدربة، وإرساليات ماكرة، يقطعون على أهل البلاد أرزاقهم، ويكدرون على الوادعين أمنهم، لم تكن تلك القوى في سبيل الله، ولم تكن لإعلاء كلمة الله، بل كانت للشهوات والمصالح الضيقة، ولقد علم من استقرأ التاريخ أن الحروب المعاصرة أشد حروب البشر ضراوة وأقساها معاناة. ولا تزال كثير من الدول الكبيرة منها والصغيرة تنفق على الاستعداد للحروب فوق ما تنفق على المصالح الأخرى الضرورية للدولة وللأمة، بل إن فيها من يرهق شعوبه بالضرائب لأجلها، ولولا سوء النية وفساد الطوية في بعض النفوس، وقلة الثقة المتبادلة بين كثير من الدول لأمكن الاتفاق سراً وجهراً على ما ينادي به الفضلاء، ويقترحه العقلاء؛ من تقليل الاستعداد لهذه الحروب المدمرة، والتي كثرت أسبابها، واتسعت اختراعاتها، وتنوعت تقنياتها، فصارت خطراً على غير المقاتلين تهلك الحرث والنسل، بل تقضي على كل آثار الحضارة والعمران، ولكن مع الأسف! إذا ساد قانون الغاب فلا يسمع لضعيف قول، ولا يعترف له بحق، ولو أقام كل البراهين، وأدلى بكل الصحيح من الحجج، وحينما يكون الفصل لشريعة الاستبداد فالقول قول القوي، والنافذ فعل الظالم، يأخذ وينهب وليس معنياً بحجة، ولا سائلاً عن برهان. ألا فاتقوا الله -أيها المسلمون- ما استطعتم، وأعدوا من قوة الخير والحق ما استطعتم، ثم صلوا وسلموا على نبيكم نبي الرحمة والملحمة، فقد أمركم بذلك ربكم، فقال في محكم تنزيله وهو الصادق في قيله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، والخلق الأكمل، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وارض اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وجودك وإحسانك يا أكرم الأكرمين! اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، واحم حوزة الدين، وانصر عبادك المؤمنين، واخذل الطغاة والملاحدة وسائر أعداء الملة والدين. اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأيد بالحق والتوفيق والتأييد والتسديد إمامنا وولي أمرنا، ووفقه لما تحبه وترضاه، وخذ بناصيته للبر والتقوى، وارزقه البطانة الصالحة، وأعز به دينك، وأعلِ به كلمتك، وألبسه لباس الصحة والعافية، واجمع به كلمة المسلمين على الحق والهدى يا رب العالمين! اللهم وفق ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك، وبسنة نبيك محمد ﷺ ، واجعلهم رحمة لعبادك المؤمنين، واجمع كلمتهم على الحق يا رب العالمين! اللهم وأبرم لأمة الإسلام أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويهدى فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر إنك على كل شيء قدير. اللهم انصر المجاهدين الذين يجاهدون في سبيلك لإعلاء كلمتك، وإعزاز دينك، اللهم انصرهم في فلسطين، وفي كشمير، وفي الشيشان، وفي كل مكان يا رب العالمين! اللهم إن هؤلاء اليهود المحتلين قد طغوا وبغوا، وآذوا وأفسدوا، وقتلوا ودمروا، اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك، اللهم فرق جمعهم، وشتت شملهم، واجعل بأسهم بينهم، واجعل الدائرة عليهم، اللهم وأنزل نصرك وتأييدك وعونك لإخواننا في فلسطين، اللهم سدد سهامهم وآراءهم، واجمع كلمتهم يا رب العالمين! اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا والزلازل والمحن، وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن، عن بلادنا وعن سائر بلاد المسلمين يا رب العالمين! رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى، وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ؛ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 530

حقوق الإنسان نظرة متوازنة إن الإنسان السوي يتطلع بفطرته إلى مرجعية تنظم حقوقه، وتضبط موازينه، وترتب حياته، وتنتزعه من دوامات الضياع، وتبسط له أمنه ودينه وماله وعرضه، ومرد هذا كله إلى فطرة الله ودينه، فالإسلام أول من كرم الإنسان واعترف بحقوقه، أما هذه المنظمات والهيئات فهي تحمل شعاراً زائفاً، بل اتخدت هذا الشعار سلاحاً تشهره على الأمم من أجل أغراض سياسية واقتصادية.
следующие страницы →