Полный текст (918 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
الإسلام دين القوة والإعداد
أمة الإسلام! لئن كان الإسلام دين رحمة وعدل وسلام، فإنه في الوقت نفسه، دين قوة وإباء وضيم، لأنه دين عملي يأخذ الحياة من واقعها، ويعامل الخلائق من طبائعها، وفي الحياة والطبائع ميل إلى المشاحنات، وتوجه نحو المنازعات , ودخول في المنافسات، من أجل ذلك وبجانب عدله ورحمته أمر بإعداد القوة التي تحمي الحق، وتبسط العدل، وتزرع الخير وتنشر السلام، بل إن القوة العادلة، أقوى ضمان لتحقيق السلام، وحذر من أن يفهم الناس أن السلام معناه القعود عن الاستعداد مادام في الدنيا أقوام لا تعرف قيمة السلام، ولا تحترم حرية غيرها في أن تعيش آمنة مطمئنة في بلادها، ومن أجل ذلك كله أُمِر المسلمون بإعداد القوة، وأخذ الأهبة، والقوة المأمور بها قوة شاملة، تحشد فيها كل مصادر القوة الاقتصادية منها والسياسية والاجتماعية والعسكرية، والأخلاقية والمعنوية، وقبل ذلك وبعده، قوة الإيمان، والاستمساك بالشرع المتين: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال:٦٠].
والأمة القوية والدولة القوية تحفظ مهابتها ما دامت صفة القوة ملازمة لها، وتلكم سنة إلهية من السنن التي تبنى عليها الحياة، فلا خير في حق لا نفاذ له، ولا يقوم حق ما لم تحط به قوة تحفظه وتسنده، وما فتئت أمم الأرض ودولها، تعد نفسها بالقوة بمختلف الأنواع والأساليب، حسب مقتضيات العصر، ومتطلبات الظروف في الزمان والمكان.
стр. 527
القوة والإعداد المعنوي
أيها المسلمون! ولعل من المناسب الوقوف عند صورة من صور القوة، تلكم هي قوة الروح المعنوية.
إن من يقلب النظر في تاريخ الأمم التي تتمتع بالعز والسيادة، يجدها لم تبلغ ما بلغت إلا بما تربت عليه من قوة الروح قبل البناء العسكري، فبقوة الروح، وارتفاع المعنويات -بإذن الله- تسلم من خطر يمتد إليها من الخارج، ويستتب لها الأمن من الداخل، وتكون ذات شوكة ومهابة.
ولا عجب أن يولي القرآن الكريم ذلك ما يستحق من عناية، فتنزلت الآيات التي تربي النفوس على خلق البطولة، وتحفز الدواعي لإعداد الوسائل، واتباع النظم، فالظفر بعيد عن الجبناء، وبعيد عن المهازيل، ولقد توجهت الآية الكريمة إلى النفوس تنقيها من رذيلة الجبن والإحجام، وتنذرها من سوء عاقبة الجبناء، اقرءوا وتدبروا قول الله : ﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلّاً وَلا ذِمَّةً﴾ [التوبة:٨].
إن الآية صريحة في أن الجبان يبتلى بذي قوة، لا يعرف للعهد رحمة، ولا يقيم للعدل وزناً، ولا يعرف للحق طريقاً، ولقد سجل الشجعان وصدقت الحكماء: أن الموت في مواطن البطولة أشرف من حياة يكسوها الذل، ويغمرها الهوان، والحر يلاقي المنايا، ولا يلاقي الهوان.
ومن العجز أن يموت الفتى جباناً.
وآية أخرى في كتاب الله تفضح فئات من الجبناء الخوارين، أنكروا رجولتهم، ودفنوا كرامتهم، وقعدوا مع فئات لم تخلق للضرب ولا للطعان: ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾ [التوبة:٨٧] ولا يتوارى عن هواتف الشرف ودواعي البطولة إلا من كان حظه من الرجولة ضئيلاً، ومن الكرامة منقوصاً.
أيها المسلمون: إن بث القوة الروحية ورفع المعنويات يكون بتربية النشء على خلق الشجاعة، وصرامة العزم، والاستهانة بالموت، وإخواننا وأولادنا في فلسطين المحتلة قد ضربوا من ذلك بسهم وافر أعلى الله قدرهم، ورحم شهداءهم، وشفى مرضاهم، وعوضهم ما فقدوا، وحقق لهم النصر على عدونا وعدوهم.
إن الأمة التي تأبى الضيم بحق هي الأمة التي تلد أبطالاً وتبذل كل مجهود في إعداد وسائل الدفاع، لا يقعد بها بخل، ولا يلهيها ترف، إن تفاضل الأمم في التمتع بالحرية، والسلامة من أرجاس الضيم لا يتبين إلا بقدر ما فيها من شهامة الرجال، وما تدخره من أدوات الرمي والطعان، فإذا ما اجتمع للأمة رأي وسيف وعزة؛ تجافت عنها المظالم.
إن العزة وإباء الضيم خلق عظيم، ومركب عزيز، أول ما يقع في نفوس الرجال الموكول إليهم تدبير شئون الأمة، وتنفيذ آمالها، وتحقيق طموحاتها، ورسم خططها.
إن إباء الضيم يدفعها إلى أن تذود عن حياضها وتدافع عن حماها، ولو كان خصمها أعز نفراً، وأقوى جنداً، وأكثر نفيراً، بل تقف موقف الرجولة والاحتفاظ بالكرامة، ولو غلب على ظنها أنها ستغلب على أمرها، تفعل هذا إيثاراً لحياة العزة على حياة المهانة، وتجافياً عن خزي وعار تتناقله الأجيال، الخصوم يبغون الفتنة وهم يبغون السلام.
بإباء الضيم تكون الأمة قوية القنا، جليلة الجاه، وفيرة السناء، تزحزح سحائب الظلم والاستعباد، لا تستكين لقوة، ولا ترهب لسطوة.
стр. 528
القوة والإعداد المادي
أمة الإسلام: ذلكم شيء مما يتعلق بالقوة المعنوية، والعزة النفسية، أما القوة المادية، فلا تحتاج إلى مزيد حديث، إنها إعداد ما يتطلبه الدفاع من وسائل الانتصار على العدو، ولقد تفتقت أذهان أبناء العصر عن مكتشفات ومخترعات في أنواع من القوى، وأساليب من الاستعداد والإنذار فاقت كل تصور.
أيها المسلمون: إن الاستعداد بالقوة، يمنع الحرب من أن يتقد نارها، ويجعل الأمة المستعدة في منعة من أن تهضم حقوقها، إعداداً واستعداداً من أجل اتقاء بأس العدو وهجومه، ولقد جاء هذا الغرض جلياً واضحاً في قول الله : ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال:٦٠].
إنه استعداد ليكون سبباً في منع الحرب قبل أن يكون استعداداً عند نشوبها وإشعالها.
نعم.
إنه السلام المسلح، ذلكم أن الضعف يغري الأقوى بالتعدي على الضعفاء، إن القوي المستعد للمقاومة قلما يعتدى عليه، وإن اعتدي عليه قلما يظفر به عدوه أو ينال منه، إن ترك الاستعداد يغري بالعدوان ويسرع بالاستسلام.
وإن أخطر ما تتعرض له الأمة هو الغفلة عن الخطر المحدق بها، والتقاعس عن إعداد القوة القادرة على الدفاع، إن على الأمة الأبية أن تعد ذلك مسألة حياة أو موت، اقرءوا قول ربكم في محكم كتابه: ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً﴾ [النساء:١٠].
ومن دقائق تعاليم ديننا وآدابه وشريف غاياته: أن العدو إذا عدل عن العدوان، وأرهبه السلام المسلح كان التوجه حينئذٍ نحو السلم والحرص عليه وقبوله: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [الأنفال:٦١].
وإن أبى العدو إلا الحرب والقوة! فالقوة لا تدفع إلا بالقوة، والعدوان لا يرد إلا بمثله: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا﴾ [البقرة:١٩٠] ففي آداب القتال عندنا لا يقاتل غير المقاتل، ولا يحاسب إلا المعتدي.
عباد الله: إنما تسقط الأمم في هاوية الذلة إذا صغرت همة رجالها، فلا يحسون بظلم، ولا يأنفون لعزة، ولا يثأرون لكرامة، يساقون بذلتهم ومهانتهم إلى جهل ونفرة وشقاق، العاجز لا يرجى لدفع مُلمة ولا يؤمل في النهوض بهمة، كما أنه ليس من العقل ولا من الحكمة الوقوف مع الهزائم، واستعادة الأحزان والتعثر في عقباتها، وتبادل كلمات اللوم وآهات التحسر: (ليت، ولو أن) فما كان ذلك من أخلاق الأقوياء، ولا من مسالك ذوي العزة والأنفة، وأباة الضيم.
وفي التنزيل العزيز حث لأهل الإيمان أن لا يكونوا مثل أصحاب هذه المسالك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزّىً لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ * وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ [آل عمران:١٥٦ - ١٥٨].
نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبهدي محمد ﷺ ، وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 529
الاستعداد المطلوب والقوة الممدوحة
الحمد لله الإله الحق، لا تحصى دلائل وحدانيته ولا تعد، أحمده سبحانه وأشكره لا ينتهي كرمه ولا يحد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تنزه عن الصاحبة والولد، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، أكرم رسول وأشرف عبد، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان وسلك مسالك الرشد.
أما بعد:
فإن القوة ممتدحة حين تكون بطرق الخير، ووجوه المنافع للنفس والأهل والناس أجمعين، قوة تحق الحق وتبطل الباطل، تسير في المسار الصحيح والغايات الشريفة، أما حينما توظف القوة في سبيل الشر والأنانية، والمصالح الضيقة، وإيذاء الناس، وبسط النفوذ المستكبر، تكون وبالاً على البشرية، بل إنها في المآل وبال حتى على أصحابها، ولقد قالت قوم عاد الأولى: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت:١٥] وقال لهم نبيهم هود ﵇ محذراً ومنذراً: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [الشعراء:١٣٠ - ١٣١].
وفي مراجعة للقوة في العصور الراهنة، تلك القوة المتسلطة التي صحبت عهود الاستعمار، إنها قوى شر تسلطت على أمم ضعيفة، جاسوا خلال الديار يفتشون عن الثروات، ويقطعون طرق التجارات، ويستأثرون بالمنافع في قلوب ملئت بالجشع، ونفوس مفتوحة بالشره، تتقدمها معدات مجنزرة، وتظللها طائرات مزمجرة في عساكر مدربة، وإرساليات ماكرة، يقطعون على أهل البلاد أرزاقهم، ويكدرون على الوادعين أمنهم، لم تكن تلك القوى في سبيل الله، ولم تكن لإعلاء كلمة الله، بل كانت للشهوات والمصالح الضيقة، ولقد علم من استقرأ التاريخ أن الحروب المعاصرة أشد حروب البشر ضراوة وأقساها معاناة.
ولا تزال كثير من الدول الكبيرة منها والصغيرة تنفق على الاستعداد للحروب فوق ما تنفق على المصالح الأخرى الضرورية للدولة وللأمة، بل إن فيها من يرهق شعوبه بالضرائب لأجلها، ولولا سوء النية وفساد الطوية في بعض النفوس، وقلة الثقة المتبادلة بين كثير من الدول لأمكن الاتفاق سراً وجهراً على ما ينادي به الفضلاء، ويقترحه العقلاء؛ من تقليل الاستعداد لهذه الحروب المدمرة، والتي كثرت أسبابها، واتسعت اختراعاتها، وتنوعت تقنياتها، فصارت خطراً على غير المقاتلين تهلك الحرث والنسل، بل تقضي على كل آثار الحضارة والعمران، ولكن مع الأسف! إذا ساد قانون الغاب فلا يسمع لضعيف قول، ولا يعترف له بحق، ولو أقام كل البراهين، وأدلى بكل الصحيح من الحجج، وحينما يكون الفصل لشريعة الاستبداد فالقول قول القوي، والنافذ فعل الظالم، يأخذ وينهب وليس معنياً بحجة، ولا سائلاً عن برهان.
ألا فاتقوا الله -أيها المسلمون- ما استطعتم، وأعدوا من قوة الخير والحق ما استطعتم، ثم صلوا وسلموا على نبيكم نبي الرحمة والملحمة، فقد أمركم بذلك ربكم، فقال في محكم تنزيله وهو الصادق في قيله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].
اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، والخلق الأكمل، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وارض اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وجودك وإحسانك يا أكرم الأكرمين!
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، واحم حوزة الدين، وانصر عبادك المؤمنين، واخذل الطغاة والملاحدة وسائر أعداء الملة والدين.
اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأيد بالحق والتوفيق والتأييد والتسديد إمامنا وولي أمرنا، ووفقه لما تحبه وترضاه، وخذ بناصيته للبر والتقوى، وارزقه البطانة الصالحة، وأعز به دينك، وأعلِ به كلمتك، وألبسه لباس الصحة والعافية، واجمع به كلمة المسلمين على الحق والهدى يا رب العالمين!
اللهم وفق ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك، وبسنة نبيك محمد ﷺ ، واجعلهم رحمة لعبادك المؤمنين، واجمع كلمتهم على الحق يا رب العالمين!
اللهم وأبرم لأمة الإسلام أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويهدى فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر إنك على كل شيء قدير.
اللهم انصر المجاهدين الذين يجاهدون في سبيلك لإعلاء كلمتك، وإعزاز دينك، اللهم انصرهم في فلسطين، وفي كشمير، وفي الشيشان، وفي كل مكان يا رب العالمين!
اللهم إن هؤلاء اليهود المحتلين قد طغوا وبغوا، وآذوا وأفسدوا، وقتلوا ودمروا، اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك، اللهم فرق جمعهم، وشتت شملهم، واجعل بأسهم بينهم، واجعل الدائرة عليهم، اللهم وأنزل نصرك وتأييدك وعونك لإخواننا في فلسطين، اللهم سدد سهامهم وآراءهم، واجمع كلمتهم يا رب العالمين!
اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا والزلازل والمحن، وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن، عن بلادنا وعن سائر بلاد المسلمين يا رب العالمين!
رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى، وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ؛ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
стр. 530
حقوق الإنسان نظرة متوازنة
إن الإنسان السوي يتطلع بفطرته إلى مرجعية تنظم حقوقه، وتضبط موازينه، وترتب حياته، وتنتزعه من دوامات الضياع، وتبسط له أمنه ودينه وماله وعرضه، ومرد هذا كله إلى فطرة الله ودينه، فالإسلام أول من كرم الإنسان واعترف بحقوقه، أما هذه المنظمات والهيئات فهي تحمل شعاراً زائفاً، بل اتخدت هذا الشعار سلاحاً تشهره على الأمم من أجل أغراض سياسية واقتصادية.
стр. 531
حاجة الإنسان إلى مرجعية تحفظ حقوقه
الحمد لله خلق الإنسان فسواه فعدَّله، في أي صورة ما شاء ركبه، هدى البشرية النجدين، فكان منهم برٌ تقي همته طلب الخيرات، وبغيته الزلفى وحسن المآب، ومنهم فاجرٌ شقي منصرفٌ إلى المتع واللذائذ، اتبع هواه، وتقطعت به الأسباب.
أحمد ربي سبحانه وأشكره، له الحكمة البالغة، وإليه يُرجع الأمر كله وهو الكريم الوهاب.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً تُنجي قائلها يوم الحساب، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، خُتِم به النبيين، وأنزل عليه أشرف كتاب، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه خيرُ آلٍ وأكرم أصحاب، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد:
فأوصيكم -أيها الناس- ونفسي بتقوى الله ، فاتقوا الله -رحمكم الله- وأذلوا الدنيا بالزهد فيها، وأعزوا الآخرة بالإقبال عليها، واحذروا المعاصي وكفر النعم، فقلَّما كفر قومٌ بنعمة ولم يرجعوا إلى التوبة؛ إلا سُلِبوا عزهم، وسُلط عليهم عدوهم، ومن خاف اليوم أمن غداً، والربح المضمون لمن باع قليلاً بكثير، وفائتاً بباقي: ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة:٩٤].
أيها المسلمون: الإنسان السوي يتطلع بفطرته إلى مرجعية تُنظِّم أموره، وتضبط موازينه، وترتب حياته، وتنتشله من دوامات الضياع، وتحفظ له حقوقه، وتبسط له أمنه في دينه ودمه وماله وعرضه، في شمولية متماسكة متناسقة، هذه الحقوق المحفوظة، والأمن المبسوط مردها إلى فطرة الله التي فطر الناس عليها حقٌ في الحياة وحقٌ في الحرية وحقٌ في العدل وحقٌ في العيش الكريم، حقهم في أن يحُفظوا في أنفسهم وأموالهم وأعراضهم وعقائدهم، كل ذلك منحٌ من الله ، فالناس قد ولدتهم أمهاتهم أحراراً.
إن حقوق الإنسان لا تستورد ولا تقرض، ولكنها تنمو نمواً، وتولد ولادة طبيعية، رحمها المجتمع، ورأسها الدين الذي يرتضيه الله للناس، وركناها القائمان عليها: الدولة والأمة، يُسيرها عقدٌ مُبرم بين ولي الأمر ورعيته.
أيها المسلمون: وإذا كان الأمر كذلك؛ فلا يتصور أن يكون أحدٌ ضد حقوق الإنسان، ولا ضد من يقوم على حراستها وحمايتها والدفاع عنها، وإذا كان من الشنيع والفظيع أن يكون أحدٌ ضدها، فإنَّ من الأشنع والأفظع أن يضطرب في تحديدها، وبيان حقائقها، وضبط معاييرها وموازينها، والأشد شناعة والأكثر فظاعة أن تكون ميداناً للمساومة والمزايدة.
إنَّ كل من يحترم نفسه هو مع حقوق الإنسان بلا حدود وبلا تحفظات ما دامت منضبطة بضوابط النظام واضحة المعالم، فالحرية لا تعني التفلت من المسئولية، وحرية القول لا تعني حرية السب والشتم، وحرية الفكر لا تعني حرية الكفر والهدم، وحرية الانتقال لا تعني حرية الاستيلاء والاحتلال.
نعم! إنَّ مما يجب تأكيده: أن هذه الحقوق يجب أن تُحفظ وتُصان، وما يقع من ممارسات يُهضم فيها حقوق الإنسان فيجب أن يُحاسب مرتكبها والمقصر فيها، كما يجب أن يتقرر أن هناك اختلافاً وتبايناً بين الأمم في ديانتها ومعتقداتها، ويجب احترام عقيدة كل أمة ومستلزمات هذه العقيدة، وإنَّ من الإنصاف التوجه إلى معرفة ما لدى الآخرين بحيادية، ومن حق كل أحدٍ أن يسأل ويستفسر، وعلى من سُئِلَ أن يُوضح ويبين، غير أنَّ من دواعي الاستغراب أن يُوجد إعراض لدى بعض الجهات أو الهيئات والمنظمات في إدراك حقوق الإنسان في الإسلام، وإصرارها على عدم تفهم خصوصيات المجتمعات الإسلامية.
إنَّ عدم فهم هذه المنظمات والهيئات للإسلام وأحكامه، أو عدم استعدادها لسماع الإيضاحات لا يُعطيها الحق في تشويه صورته أو الطعن في مبادئه، وهي مبادئ وقيم من المؤكد وبكل ثقة وإصرار أن غايتها رُقي الإنسان والحفاظ على كرامته وحقوقه.
стр. 532
خصوصيات المجتمع الإسلامي في المنطلقات والمفاهيم
أيها المسلمون: أيها الناس! وتنبع الخصوصية في المجتمعات الإسلامية من اختلافها عن غيرها من المجتمعات في المنطلقات والمفاهيم، وفي التكوين الفكري والثقافي المميز لأهل الإسلام، فالإسلام هو الذي صاغ الشخصية المسلمة والإنسان المسلم على امتداد القرون، ومستند ذلك: الوحي الرباني كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، بينما مع الأسف! لا يمثل الوحي الإلهي جانباً ذا بال في الفكر المعاصر، بل الذي يجري عندهم هو إبعاد الدين عن الحياة، فقامت أنظمتهم على فصل الدين عن الحياة والحكم للدولة، وفي مقابل ذلك فإن المسلم يعتبر الدين والمحافظة عليه، والالتزام به، هو أول الحقوق وأولاها وأهمها، فالدين أول الضروريات، بل هو منطلق الحقوق كلها، ومنه تنبثق ضوابط الأخلاق وقيم السلوك الاجتماعي عند المسلمين، كما أن أصول الشريعة ونصوصها هي النظام التشريعي للمجتمع المسلم في علاقاته وحقوقه كلها.
أيها الناس: وإن شئتم قبسات من قبسات ديننا فتأملوا قصة تكريم الإنسان في قرآننا، عندما أذن الله أن يخلقه ويستخلفه في هذه الأرض.
إن كرامة الجنس الإنساني في ديننا ثابتة مقررة، لا تسقط ولا تنتقص بسبب أخطاء إنسان، أو تقصيره وذنوبه؛ فلقد سأل الملائكة الكرام ربهم عز شأنه: أيستحق هذا المخلوق كرامة الوجود والتفضيل والتكريم مع ما يشوب تاريخه الطويل من آثام؟ اقرءوا قول الله : ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة:٣٠] فكان الجواب الرباني: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٣٠]
فالجنس الإنساني جديرٌ بالحياة والتكريم، وإن زيغ أفرادٍ منه أو جماعات لا يسلب أبناء آدم المكانة التي بوأهم الله إياها: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ [الإسراء:٧٠]
وهكذا يرسم ديننا قافلة البشرية وقد بدأت تشق طريقها في الحياة، وقد استخلفها الله في أرضه، لتعمرها وتصلح فيها وتبني: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ [هود:٦١].
ومن أجل هذا! فإن أهل الإسلام يُقررون -وبكل ثقة- أن الإسلام هو أول من قرَّر مبادئ حقوق الإنسان في أكمل صورة وأوسع نطاق، كما يُقررون كذلك أنهم هم الذين صدروها للناس، ثم هاهو يعاد تصديرها على أنها كشفٌ إنساني كأننا ما عرفناها يوماً، ولا عشنا بها دهراً، وإنَّ مثلنا ومثلهم كماءِ المطر ينزل من السماء فيمكث في الأرض ليظهر بعد حين نبعاً جيَّاشاً أو عيناً جارية، كَمُنْتَ آثارنا ثم انبجست بهذا الري العظيم.
كما يُؤكد أهل الإسلام أن الضمان الحقيقي لحقوق الإنسان وحسن تطبيقها هو الحكم بشريعة الله على عباد الله، والتزام الهيئات الإسلامية والدول والأفراد بالإسلام، وهذا ليس انغلاقاً ولا تقوقعاً على الذات، بل انفتاحٌ عن الحضارة الإنسانية في تراثها النافع، وتوجهاتها الراشدة.
стр. 533
ضرورة تصحيح ميثاق منظمة حقوق الإنسان
وعلى هذا؛ فإنَّ ما صدر من إعلانٍ عالمي لميثاق حقوق الإنسان فيه إيجابياتٌ كثيرة، وقد مضى عليه أكثر من خمسين عاماً، لكنه ميثاقٌ لم يُطَّبق تطبيقاً عادلاً، ولم يمنع وقوع مظالم واعتداءات على شعوب كثيرة في مختلف أنحاء العالم، وإن المسلمين قد نالهم من ذلك الظلم النصيب الكبير.
ومما يستحق المراجعة في هذا الميثاق: أنه لم يُراعِ الخصوصيات الدينية والثقافية المختلفة، والأعراف الصحيحة للمجتمعات الإنسانية، مما يستدعي مراجعته، والعمل على إغنائه، وتطويره ليستطيب لتطلعات الشعوب، وينسجم مع معتقداتها الصحيحة وثوابت دينها؛ ليكون صالحاً للتطبيق مع التأكيد على مبادئ العدل والحرية والإخاء.
ومن الحقوق التي نأسى على فواتها، والتي لا تزال جماهير غفيرة من البشر محرومة منها، وهي حقوقٌ لا يستقيم الوجود الإنساني إلا بها: إنها الحقوق التي دعا إليها الأنبياء، والمصلحون، وجاهدوا من أجل تقريرها وتثبيتها، ألا ترى مئات الملايين من البشر يُكرهون على الكفر بربهم إكراهاً، ويُجبرون على الانتظام في تعليمٍ يزدري الديانات، وينال نيلاً أنكى من المقدسات، هناك في قارات الدنيا استعمارٌ كالح متعصب كما يسرق الأقوات فإنه يسرق العقائد، ويسلب الأفكار، ويسعى في فك الأمم عن إيمانها، وتضليلها عن أهدافها.
إن العالم يتطلع إلى تقرير هذه الحقوق التي يتطابق فيها العقل السليم مع الوحي الإلهي، ومن ثمَّ توكيدها واحترامها.
إن المطلوب من المنظمات والهيئات الدولية والأهلية التي ترفع شعارات إنسانية أن تراجع دعواتها ومواقفها؛ وبخاصة موقفها من الدين، وعلاقة الإنسان الفطرية بربه، وما يترتب على هذه العلاقة من استجابةٍ وطاعة، وخضوعٍ لله رب العالمين لا شريك له، كما يجب عليها أن ترصد النتائج الوخيمة على الإنسانية بسبب تمييع الحياة وذوبانها بعد أن تمَّ تجريدها في كثيرٍ من المجتمعات البشرية من التوجيه الديني.
يجب عليها أن تُحصي المآسي الإنسانية التي نتجت عن المروق والتفلت، وأن تراجع مواقفها من عمليات القتل الجماعي التي أوقعت مئات الألوف من الأرواح البشرية، وهاهي الدماء الإسلامية تُهراق أودية وأنهاراً في القوقاز بعد الدماء التي أريقت في البلقان، ولا تزال تراق في فلسطين المحتلة، وجنوب لبنان، وكشمير، وبورما، والفلبين، وبقاع أخرى من الدنيا.
ماذا عن مآسي التجارة بالنساء والأطفال؟
هل من حقوق الإنسان أن يكون اقتصاد الشر والجريمة والمخدرات نصف حجم الاقتصاد العالمي؟!
أليست إهانة بشرية مريعة أشكال الدعارة وأرقامها المتعاظمة؟
ماذا عن الأسرة وتماسكها ورعاية الأطفال في أحضانها؟
وماذا عن ملايين الأجنة التي يتم إجهاضها؟!
وماذا عن الإباحية باسم الحرية، حتى بلغ ما يقرب من ثلث المواليد من علاقات سفاح وزنا؟!
انحطت الأخلاق، وعُدم الحياء، حتى أباحوا اللواط والسحاق، وأصبح للوطية جمعيات وأحزاباً، وسنت من أجلهم القوانين، ووضعت التشريعات، مخالفة لسنن الله وسنن الفطرة، حتى أقروا شريعة زواج الرجال بالرجال، والنساء بالنساء: ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ [الشعراء:١٦٦].
والمسلمون -بحمد الله- محفوظون بدينهم من حرية العهر والسفاح ومن أن ينحدروا في هذا المجون المشين.
لقد عاش المسلمون آمنين وهم يُطبقون شريعة ربهم التي عرفوا عدالتها، وكفلت جميع حقوق أفرادها، رحمت المجتمع المسلم من التفلت والانهيار والتفكك، نظمت حياة الأسرة، وحضنت الطفل برعاية مناسبة، وسنت أحكاماً بحراسة الحقوق، وضمان الواجبات المترتبة عليها من أحكام العقوبات، والتعازيز، وإقامة الحدود، مما يبسط الأمن، ويُوفر الحياة الهانئة المحفوفة بالأخلاق الحميدة، وطهارة العلاقات الاجتماعية.
стр. 534
البراءة من المنظمات والهيئات الزائفة
إننا نبرأ بهذه المنظمات والهيئات أن تُستغل ضد دين الله، وأحكامه وشرعه، أو ضد مجتمعٍ مسلمٍ آمن من خلال مفاهيم مغلوطة، أو قصور في التصور، أو نقص في الفهم، وإن من المرفوض توظيف دعاوى حقوق الإنسان على نحو يستهدف قيم الإسلام، وأحكام الشريعة، والعدوان على العقيدة الإسلامية ومعتنقيها.
لقد جعلوا قضية حقوق الإنسان بمفهومهم الخاص أحد الأسلحة التي يُشهرونها في وجه من شاءوا، جعلوها من مفهومهم وحدهم معياراً في تقديم مساعدات لمن يحتاج المساعدات، وجعلوها باباً واسعاً للتدخل غير المبرر في الشئون الداخلية للدول وانتهاك سيادتها، ومن ثمَّ الجرأة على دينها ومعتقداتها وأعرافها الصحيحة، كل ذلك تحت شعار حقوق الإنسان.
ومع الأسف كل الأسف! أن إثارة مثل هذه القضايا مرهونٌ بأحداثٍ سياسية، أو إملاء لمواقف معينة، نحو هذه الدولة أو تلك، فتتهم دول ويغض الطرف عن دولٍ أُخرى حسب المصالح والمواقف.
ومن غير المبالغ فيه إذا قيل: إنها ممارسة لإرهابٍ سياسي من أجل أغراضٍ سياسية، ومصالح اقتصادية، بتحريضٍ من بعض القوى ذات النفوذ والهيمنة، إنه هجومٌ مبطن من أجل الهجوم على الشريعة وأحكامها، وإن أهل الإسلام ليُؤكدون أنهم يُقدمون صورتهم الحقيقية، وإن لم تحز على رضا دعاة حقوق الإنسان حسب النموذج الذي يُريدون فرضه.
إنك لتعجب كل العجب حينما يتباكون على مجرمٍ نفذ فيه حكم الله وأقيم عليه القصاص؛ لأنه قتل نفساً بغير حق، أو لأنه أفسد في الأرض، أو حارب الله ورسوله، ولا يقولون كلمة حق، ولا يظهرون تعاطف صدق مع مسلمين أبرياء ضعفاء يقتلون بالآلاف بل بالملايين تزهق أرواحهم، وتهدم منازلهم، ويخرجون من ديارهم، وتشرد نساءهم وأطفالهم، بل لا يمكنون من الدفاع عن أنفسهم، والشيشان خير شاهد، بل الجرائم التي تقترف في حق هؤلاء العزل لا تدخل في قاموس هؤلاء؛ لأن هذا شأنٌ داخلي، بينما تنتهك سيادات دول باسم هذه الحقوق.
وبعد: أيها الناس! ما قيمة الإنسان بلا أخلاق؟
وما معنى الحرية إذا ضاعت المسئولية؟
وما معنى الحق إذا ضيع الواجب؟
﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ * لَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ * فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ * أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين:١ - ٨].
نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبهدي محمدٍ ﷺ ، وأقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 535
حقوق الإنسان في بلاد الحرمين
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاًً فيه كما يُحب ربنا ويرضى، والشكر لله على ما أولى من نِعمٍ سابغة وأسدى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً تُقرب لديه زلفى، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله وصفيه وخليله، كَرُمَ رسولاً، وشرف عبداً، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه نجوم الدجى، ومصابيح الهدى، والتابعين ومن تبعهم بإحسان وسار على نهجم فاهتدى.
أما بعد:
أيها المسلمون: حقوق الإنسان شعارٌ باهر، ذو جمالية في العبارة، وبريقٍ أخاذ، إلا أن رصيده لدى الشعوب ضعيفٌ للغاية، ومرد ذلك إلى غلبة الهوى، واضطراب المصالح، واختلاف المعايير، وسلوك مسلك الانتقائية والتشهي، مما ينفي حالة الثبات والاستقرار على مبادئ واضحة، فهي مع الأسف شعارات وقتية متغيرة متقلبة، تجري حسب الأهواء والمصالح، وحسب أحوال الرضا والغضب، خاضعة لنسبية الزمان والمكان والظروف والأحوال، ومن أجل هذا فإن من المتحتم رعاية الخصوصيات الدينية والثقافية، والأعراف الصحيحة، والتقاليد الحسنة.
وبلاد الحرمين الشريفين - المملكة العربية السعودية - نموذجٌ للخصوصية الإسلامية في الالتزام بالدين والتمسك بالعقيدة وتطبيق الشريعة، وفي التميز الفكري، والاجتماعي، والأخلاقي.
المملكة تضم أهم مقدسات المسلمين، مكة المكرمة، والكعبة المشرفة، أول بيتٍ وضع للناس، والمدينة المنورة - طيبة الطيبة- ومسجد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
بلاد الحرمين: هي منطلق الإسلام ومنبعه، ومبعثه، فيها تكونت أول أمة أُخرجت للناس، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله.
بلاد الحرمين ملتزمةٌ بدين الله، مستمسكة بشرعه حاكماً وموجهاً وضابطاً في كل شأنٍ من شئونها، يدخل في ذلك ما تحدثه من أنظمة تتطلبها حركة النمو والتطور، وهذا الالتزام يظهر الخصوصية الإسلامية بكل وضوح تعلنه الدولة في المحافل الدولية وفي كل مناسبة، ويُشرفها أن تكون النموذج الذي ينظر إليه في العلاقات الدولية بين العالم الإسلامي والعوالم الأخرى، ولقد نصَّ نظامها الأساسي الإسلامي على أن الدول تحمي حقوق الإنسان وفق الشريعة الإسلامية.
ومما ينبغي أن يُعلم، أن ميزة حقوق الإنسان التي نصَّ عليها هذا النظام أنها قواعد شرعية، وأحكامٌ دينية واضحةٌ المعالم، محددة المفاهيم، وليست شعاراتٌ تُردد، أو مبادئ باهتة تدخلها الإدِّعاءات الفارغة، مما يضيعها ويذيبها؛ بل قد يجعلها ضارة بالفرد والمجتمع.
ومن أجل هذا كله فليعلم أن أهل هذه البلاد أصحاب رسالة تنزلت من السماء، يحاكمون إلى تعاليمها كل شأنٍ من شئونهم، فما وافقها ولو كان مجلوباً إلى أرضنا فهو حق، وما خالفها ولو كان عُرفاً مقرراً لدينا فهو باطل، ولقد قال مسئول كبير في هذه البلاد كلمة فاصلة حين قال: إذا كانت هذه المنظمات تجادلنا في مدى تطبيقنا للشريعة كما هي في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وما سار عليها الخلفاء الراشدون والتابعون لهم بإحسان، فمن حقهم المناقشة والمسائلة، أما إذا كان اعتراضهم على الإسلام عقيدة وشريعة فذلك ما نرفضه كل الرفض، ونأباه كل الإباء، ولسوف نستمسك بالإسلام، ونعيش على الإسلام، ولسوف يعيش عليه حاضرنا إن شاء الله، وتعيش عليه أجيالنا إن شاء الله حتى يرثَ الله الأرض ومن عليها، أحبَّ من أحب، وكره من كره؛ لأنه لا عز لنا إلا بالإسلام، فعلينا أن نعض عليه بالنواجذ.
إن على هذه الهيئات -والكلام لا يزال للمسئول- أن تعلن مواقفها: هل تطبيق الحدود الشرعية ضد حقوق الإنسان؟
وهل التعزيزات الشرعية لحفظ الأمن وسلامة المجتمع ضد حقوق الإنسان؟
وهل يرحم المجرم ليضيع حق المعتدى عليه؟
ولكن الذي يبدو أنه ليس هذا الوطن هو المستهدف، بل عقيدة هذا الوطن هي المستهدفة، ومن هنا فلا مكان للحوار حول عقيدتنا وشريعتنا التي رضيها لنا ربنا وارتضيناها شاكرين لربنا حامدين.
وبعد: فمرةً أُخرى رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمدٍ ﷺ نبياً ورسولاً، وعلى الله توكلنا، وكفى به هادياً ونصيراً.
ألا فاتقوا الله -أيها المسلمون- ثم صلوا وسلموا على الرحمة المسداة، والنعمة المهداة، نبيكم محمد رسول الله، فقد أمركم بذلك ربكم فقال عز قائلٍ عليم: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].
اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وارض اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بعفوك ومنِّك وكرمك يا أرحم الراحمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، واحم حوزة الدين، واخذل الطغاة والملاحدة وسائر أعداء الدين، اللهم انصر دينك، وكتابك، وسنة نبيك محمد ﷺ وعبادك الصالحين.
اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا في من خافك واتقاك، واتبع رضاك يا رب العالمين!
اللهم وأيد بالحق والتوفيق إمامنا وولي أمرنا، ووفقه لما تحب وترضى، وخذ بناصيته للبر والتقوى، وأصلح بطانته، واجعله نصرةً لأوليائك، وحرباً على أعدائك، وأعز به دينك، وأعلِ به كلمتك، واجمع به كلمة المسلمين على الحق والهدى يا رب العالمين!
اللهم وفق ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك، وبسنة نبيك محمد ﷺ ، واجعلهم رحمةً لرعاياهم، واجمع كلمتهم على الحق يا رب العالمين، اللهم وأبرم لأمة الإسلام أمر رشد يُعز فيه أهل طاعتك، ويُذل فيه أهل معصيتك، ويُؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، إنك على كل شيء قدير.
اللهم انصر المجاهدين الذين يجاهدون في سبيلك؛ لإعلاء كلمتك، وإعزاز دينك، اللهم انصرهم في فلسطين وكشمير والشيشان وفي كل مكان يا رب العالمين!
اللهم سدد سهامهم وآراءهم، وثبت أقدامهم، وأنزل السكينة عليهم، واجعل الدائرة على أعدائهم، وأنزل بهم بأسك الذي لا يُرد عن القوم المجرمين.
اللهم أنت الله لا إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين.
اللهم أغثنا اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفاراً، فأرسل السماء علينا مدراراً، واجعل اللهم ما أنزلته قوة لنا على طاعتك وبلاغاً إلى حين، رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ، رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا ذِينَ سَبَقُ
стр. 536
في الخلطة والعزلة
لقد شرع الإسلام الصلاة في جماعة ليجتمع المسلمون بعضهم ببعض، فتحصل بذلك الخلطة النافعة حيث يكون فيها التناصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغيرها من الفوائد التي هي نتيجة للخلطة، وليس معنى ذلك ترك العزلة، فلابد للمرء من وقت يختلي فيه بنفسه فيحاسبها، كما قال عمر ﵁: خذوا حظكم من العزلة.
стр. 537
الحث على الخلطة النافعة
الحمد الله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً، فصَّل وبيَّن وأوضح الصراط المستقيم، ونصب عليه براهين وحججاً، أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله لا شريك له، جعل من كل همٍ فرجاً، ومن كل ضيقٍ مخرجاً، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، وضع برسالته آصاراً وأغلالاً، ورفع مشقة وحرجاً، اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه، أعدل الأنام طريقة، وأقومهم منهجاً، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد:
فأوصيكم -أيها الناس- ونفسي بتقوى الله ، فاتقوا الله رحمكم الله وعظموا أمره وحرماته، والزموا الإخلاص في الطاعة، وتمسكوا بطريق أهل السنة والجماعة، وحافظوا على الجمع والجماعة، تفوزوا بأربح بضاعة، وإن امرأً تنقضي بالجهالة ساعاته، وتذهب بالتقصير أوقاته، لخليقٌ أن تجري دموعه وحقيقٌ أن يقل في الدجى هجوعه.
أيها المسلمون: جرت سنة الله في خلقه أن لا يقوم لهم معاش ولا تستقيم لهم الحياة إلا بالاجتماع والتآلف، والإسلام وهو دين الفطرة أرشد إلى التعارف من أجل التآلف: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣].
إن نزعة التعرف إلى الناس، والاختلاط بهم، نزعة أصيلة في التوجيهات الإسلامية بالعيش مع الجماعة والانتظام وحسن العلاقة؛ فتستقر النفوس، وتصح العلوم، وتنتشر المعارف، وتبلغ المدينة الفاضلة أشدها، فيعبد الله على بصيرة، وتتضح معالم الدين، ويسود المعروف ويقل المنكر.
إن إيثار الإسلام للاجتماع يظهر في كثيرٍ من أحكامه وآدابه، وإن العبادات -وهي من أشرف المطلوبات- ليست انقطاعاً في بيت أو تعبداً في صومعة، فلماذا شرعت الجماعات في الصلوات؟ ولمن فرضت الجمعات؟ وما الحكمة في العيدين والاستسقاء والكسوف والجنائز؟ ثم إجابة الدعوات في الولائم والمناسبات، والاجتماع في أوقات السرور والمباهج، وفي أوقات الشدائد والمكاره، وفي الأعياد والتعازي، وعيادة المرضى، وتشييع الجنائز، إن ذلك كله لا يتحقق على وجهه إن لم تتوثق في الأمة العلاقات، وتحفظ حقوق الأخوة والجماعة.
إن أهل الإسلام إذا كثر عددهم، واجتمع شملهم، كان أمرهم أزكى وعملهم أتقى، جاء في الحديث: ﴿صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وكلما كثر كان أحب إلى الله﴾ أخرجه ابن ماجة وابن حبان وغيرهما، وصححه غير واحدٍ من أهل العلم.
ومن الذي لا يرغب في تكثير سواد المسلمين، ورؤيتهم جموعاً متراصة لا فرادى متقطعين؟!
يقال هذا -أيها الإخوة- والمراقب يلحظ أن في بعض الناس وبخاصة بعض المنتسبين إلى العلم والفضل والصلاح عزوفاً عن الاجتماع والخلطة، وميلاً إلى الانفراد والعزلة، وقد يظهر منهم نحو إخوانهم جفاء ونفرة.
فكيف تتحقق الأخوة الإيمانية في غير الاجتماع والله يقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠]؟
وكيف تتحقق الشورى إذا اعتزل المسلم الجماعة والله يقول: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى:٣٨]؟
وحينما يدعو العبد من عباد الرحمن ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾ [الفرقان:٧٤] متى يكون المنعزل عن إخوانه مثلاً إماماً في الدعوة والهداية، يشهد الناس سيرته، ويتأسون بالحميد من فعاله، ويقتدون بالحسن من لحظه ولفظه.
أيها الإخوة في الله: من أجل المحافظة على الجماعة شرعت في الإسلام أحكامٌ وآداب، فشرع إلقاء السلام وإفشاؤه، وجعل رده واجباً، وشرعت المصافحة والتبسم وطلاقة الوجه، وأُمر بإظهار المحبة والتودد، وندب المؤمنون إلى تبادل الهدايا والإحسان لذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، وحُرم عليهم أسباب النزاع وجالبات العداوة والبغضاء، ومقتضيات التقاطع والتدابر من الخمر والميسر، والغش في المعاملات، والهجر في القول، والخصومات الفاجرة.
إن معظم خصال الشرف ومحاسن الأخلاق لا تكون إلا لصاحب الخلطة وحسن العشرة، كيف يكون السخاء لمن لم يمد يده شفقة وإحساناً؟
وكيف يقع الإحسان موقعه إن لم يسبق ذلك معرفة بأحوال الناس؟
وهل يظهر الحلم والأناة إلا حين يقابل به صاحبه أصحاب الألسن الحداد والقلوب الغلاظ، في العيش مع الناس؟
يقول أهل الحق للمبطلين في موعظة وحكمة: الصواب في غير ما نطقتم، والحق في غير ما رأيتم، والخير في غير ما سلكتم.
فكيف يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة، والجهاد، والإصلاح، من أجل أن تكون أمة محمد ﷺ خير أمة أخرجت للناس، ومن ثم فإنك ترى الأخيار من أهل العلم والفضل يغشون المجامع ويحضرون المنتديات، فيقولون طيباً، ويعملون صالحاً، وفي الحديث: ﴿المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم﴾ ويقول ابن مسعود ﵁: [[خالط الناس ودينك لا تقلمنه]].
أيها الأحبة: قد يتذرع بعض الأخيار بفساد الزمان، وكثرة سبل الضلال، ونشاط دعاة السوء، أما علموا وفقهم الله أن العزلة تزيد صولات الضلال، وتتسع بها ظلمات المجتمع، فلماذا لا يكون التوجه في مقاومة أصحاب الضلالات وذوي الأهواء؟
ومن وضع يده مع الجماعة وشد أزر إخوانه فقد قام بنصيبه من الخير، وإذا اعتذر فضلاء آخرون بالرغبة في العزلة من أجل قضاء الوقت في العبادة والنظر في حظوظ النفس من الخير؛ فليعلموا -رعاهم الله- أن حضور مجالس العلم إفادة واستفادة هي من العبادة، وعيادة المريض عبادة، والقيام بحقوق الإخوان عبادة، وإرشاد الناس عبادة، ومد يد العون والمساعدة لتقوى الشوكة، ويتحقق المزيد من الألفة والقوة كل ذلك عبادة.
ولئن كان في العزلة تخلصٌ من الوقوع في الأعراض، والسعي في النميمة والغيبة، والتنابز بالألقاب، وفساد الطبع في الأخلاق الرديئة، فإن في مخالطة الصالحين ما يزجر عن هذه المعايب، ويبصر بتلك المثالب، وإن لم تجدِ النصيحة في موقع فإنها مجدية في موقعٍ آخر، وإن لم ينفع التوجيه في وقتٍ فإنه نافعٌ في وقتٍ آخر، والمهمة بالبلاغ والهداية بيد الله، ولكن ليبلو بعضكم ببعض، وإن ما ينقل من الرغبة في العزلة عن بعض من سلف فإنما هي أحوالٌ خاصة، تعرض لمن تعرض له فتجعل الاعتزال عنده أرجح، ولا يمكن أن تكون العزلة مذهباً يسع الناس كلهم.
стр. 538
الجمع بين الخلطة والعزلة
حينما يكون الحث على الجماعة والاجتماع فليس المقصود من ذلك صرف جميع الأوقات في التردد على البيوت، وغشيان جميع المجالس، فالحق أن كل إنسانٍ محتاج لأوقات يخلو فيها بنفسه ليقوم بواجبٍ خاص، أو يتقرب بنافلة، أو يقضي مصلحة، وفي مثل هذا يقول عمر ﵁: [[خذوا حظكم من العزلة]]، فالمسلك العدل، والمنهج الوسط في تقسيم المسلم وقته بين خلطة حسنة، وخلوة نافعة، ليخرج من الحالين بما يصلح به الشأن كله.
وفي الخلطة يتخير المؤمن إخواناً يصطفيهم لنفسه، يعيش في أكنافهم من أهل الصدق والصلاح والوفاء، فإنهم زينة في الرخاء، وعدة في البلاء، وقد قيل في الحكمة: مِن أعجز الناس مَن قصر عن طلب الإخوان، وأعجز منه من ظفر بذلك منهم فأضاع مودتهم، وإنما يحسن الاختيار لغيره من أحسن الاختيار لنفسه.
ويقول علي ﵁: [[شرط الصحبة: إقالة العثرة، ومسامحة العشرة، والمواساة في العسرة]]
وعلى الإخوة في علاقاتهم: الابتعاد عن التكلف، وتجنب التصنع الثقيل، فإشاعة اليسر في المسالك، والبعد عن المواقف الحرجة والمداهنات البغيضة مما يوثق العرى، ويجلب المودة ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ * وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان:١٨ - ١٩].
نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم وبهدي محمدٍ ﷺ ، وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 539
من آداب الإسلام في الصداقة والخلطة
الحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً، أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأكبره تكبيراً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، بعثه بالحق بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
أيها الإخوة: إن من أدب الإسلام في التعارف وحسن العشرة: أن يكون التواصل على وضوحٍ وبينة، حيث لا مانع أن يذكر الأخ لأخيه ما يكنه له من محبة وتقدير، وفي الحديث: ﴿إذا أحب أحدكم أخاه فليخبره أنه يحبه﴾ أخرجه أحمد والترمذي وإسناده حسن.
وعن أنس ﵁ قال: ﴿كان رجلٌ عند النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فمر رجلٌ فقال: يا رسول الله! إني أحب هذا، قال: أعلمته؟ قال: لا، قال: فأعلمه، فلحقه فقال: إني أحبك في الله، فقال: أحبك الله الذي أحببتني له﴾ أخرجه أحمد وابن حبان والحاكم وصححه ووافقه الذهبي.
ومن سنن الصداقة: التزاور الخالي من الأغراض، ففي الخبر عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ﴿أن رجلاً زار أخاً له في قرية، فأرصد الله على مدرجته ملكاً فلما أتى عليه قال: أين تريد؟ قال: أريد أخاً لي في هذه القرية، قال: هل له عليك من نعمة تردها؟ قال: لا، غير أني أحبه في الله تعالى، قال: فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه﴾ أخرجه مسلم، وفي خبر آخر: ﴿من عاد مريضاً، أو زار أخاً له في الله، نادى منادٍ أن طبت وطاب ممشاك، وتبوأت من الجنة منزلاً﴾ أخرجه الترمذي وقال: حديثٌ حسن.
فاتقوا الله رحمكم الله، وأصلحوا ذات بينكم، واحفظوا حقوق إخوانكم، واحرصوا على الجماعة والألفة، ولا تتجشموا التكلف، وأخلصوا في الود، واحفظوا العهد، فلقد قال الفضيل ﵀: إنما تقاطع الناس بالتكلف؛ يزور أحدهم أخاه فيتكلف له فيقطعه ذلك عنه.
واحفظوا كلمة الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁ حين قال: [[لا تظن بكلمة خرجت من مسلم شراً وأنت تجد لها في الخير محملاً]].
هذا وصلوا وسلموا على خير البرية نبيكم محمد رسول الله فقد أمركم بذلك ربكم فقال عز من قائل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].
اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين، وارض اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وجودك يا أكرم الأكرمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، واحم حوزة الدين، واخذل الطغاة والملاحدة وكل أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً سخاءً رخاءً وسائر بلاد المسلمين.
اللهم أيد بالحق إمامنا وولي أمرنا، ووفقه لما تحب وترضى، وارزقه البطانة الصالحة، اللهم أعز به دينك، وأعلِ بهم كلمتك، واجمع به كلمة المسلمين يا رب العالمين!
اللهم وفق ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك وسنة نبيك محمدٍ ﷺ ، واجعلهم رحمةً لعبادك المؤمنين، واجمع كلمتهم على الحق والهدى يا رب العالمين!
اللهم وأبرم لأمة الإسلام أمر رشد يعز فيه أهل الطاعة ويذل فيه أهل المعصية، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر، إنك على كل شيء قدير.
اللهم انصر المجاهدين الذين يجاهدون في سبيلك لإعلاء كلمتك وإعزاز دينك، اللهم انصرهم في فلسطين وفي كل مكان يا رب العالمين، اللهم سدد سهامهم وآراءهم، واجمع كلمتهم، واجعل الدائرة على أعدائهم يا قوي يا عزيز!
اللهم إن هؤلاء اليهود الصهاينة المحتلين الغاصبين قد طغوا وبغوا، وآذوا وأفسدوا، اللهم وأرنا فيهم عجائب قدرتك، اللهم أنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فأشغله بنفسه واجعل تدبيره تدميره يا رب العالمين!
اللهم ارحم موتى المسلمين، واشف مرضاهم، وفك أسراهم، وأصلح لهم شأنهم كله يا رب العالمين!
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ.
فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
стр. 540
من آثار الحج
يغادر الحجاج مكة قافلين إلى ديارهم بعد أن زاروا البلد الحرام، ولكن عودتهم هذه لا تعني انقطاع علاقتهم بالكعبة، فهم يتوجهون إليها خمس مرات في اليوم والليلة على أقل تقدير.
وهذا التوجه يقتضي أموراً يجب أن يدركها المسلمون، فهي مظهر من مظاهر وحدة المسلمين الذي يتجلى في هذا التوجه مرة، وفي موسم الحج مرة أخرى.
стр. 541
علاقة المسلمين بالبيت الحرام
الحمد لله، خلق خلقه أطواراً، وصرفهم كيف شاء سبحانه عزةً واقتداراً، أنزل عليهم كتبه، وأرسل إليهم رسله إعذاراً وإنذاراً، أحمد ربي وأستغفره إنه كان غفاراً، وأثني عليه بما هو أهله وأشكره، أسبغ علينا نعمه مدراراً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة من يرجو لله وقاراً، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، نصب به الدليل، وأنار به السبيل، فتبدلت الظلمات أنواراً، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه، كانوا على الهدى أعلاماً، وعلى الحق مناراً، ﵃ وأرضاهم مهاجرين وأنصاراً، والتابعين ومن تبعهم بإحسان ما أعقب ليل نهاراً.
أما بعد:
فأوصيكم أيها الناس ونفسي بتقوى الله ، فعليكم بتقوى الله فالزموها، وبادروا بالأعمال الصالحة والتزموها، الزمان يطوي مديد الأعمار، وكل مَنْ عليها راحل عن هذه الدار، التسويف لا يورث إلا حسرة وندماً، وطول العمر لا يُعْقِب إلا هرماً وسقماً، فواعجباً لنفوس طال على الدنيا إقبالها، وغلب عن الآخرة إعراضها وإدبارها! ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤].
أيها المسلمون: لقد ولى الحجاج وجوههم شطر ديارهم، تقبل الله منا ومنهم، وجعل حجهم مبروراً، وسعيهم مشكوراً، وذنبهم مغفوراً، وبلغهم أهلهم وديارهم سالمين غانمين، وأعاذهم من سوء المنقلب في المال والأهل؛ ولكن حين ولوا وجوههم شطر بلادهم هل انقطع ارتباطهم بالبيت الحرام؟! إنهم لن يزالوا -مع إخوانهم المسلمين أجمعين- يولون وجوههم شطر المسجد الحرام: ﴿وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة:١٤٤].
معاشر المسلمين: جعل الله البيت الحرام مثابةً للناس وأمناً، وجعل الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس، فارتباط المسلم ببيت الله وبالقبلة ليس مقصوراً على أشهر معلومات، ولا محصوراً في أيام معدودات، ولكنه ارتباط دائم، ووشائج لا تنقطع.
المسلم يبدأ يومه ويستفتح عمله -كما يختم نشاطه- بالتوجه إلى البيت الحرام، حين يقف بين يدي ربه قائماً، يؤدي الصلوات الخمس موزعة بانتظام في يومه وليلته، ينتظم مع إخوانه المسلمين حيثما كانت مواقعهم وأينما كانت ديارهم، ناهيكم عن النوافل والأدعية والأذكار التي يُشرع فيها استقبال البيت الحرام.
فهذه صورٌ وهيئات لا حصر لها، يتفاوت فيها المسلمون، ويتنافس فيها الصالحون.
بيت الله المحرم هو الوجهة الدائمة التي ترافق العبد المؤمن في كل حياته، ليس مرتبطاً بموسم، ولا محصوراً في فريضة، بل حتى حين يُوَسَّد في قبره دفيناً، فإنه يُوجَّه إلى البيت الحرام، فهي قبلتكم أحياءً وأمواتاً.
تأملوا حفظكم الله هذه الآيات الثلاث، قول الله : ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:١٤٤]، وتأملوا قوله سبحانه: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:١٤٩]، وقوله سبحانه: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٠].
يا ترى ما هو السر في التكرار لمعظم هذه الكلمات في هذه الآيات؟!
أُمِر النبي ﷺ باستقبال البيت في هذه الآيات ثلاث مرات وأُمِر المسلمون مرتين، وتكرر قوله سبحانه: ﴿وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ [البقرة:١٤٩] ثلاث مرات، وتكرر تعميم الجهة ثلاث مرات، ما ذلك كله إلا لتأكيد عِظَم هذا التوجه والتنويه بشأن استقبال الكعبة المعظمة، والتحذير من تطرق التساهل في ذلك، تقريراً للحق في نفوس المسلمين، ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [البقرة:١٤٧].
стр. 542
مقتضيات التوجه للكعبة
أيها المسلمون: إن أبعاداً كثيرة لهذا التوجه قد غابت عن حياة كثير من المسلمين اليوم، فأصبح الأمر عندهم أقرب للعادة منه للعبادة.
إن تولية الوجوه نحو البيت تقتضي الحضور الدائم لمعاني الولاء والموالاة، ومعاني الصلاة والحج وأسرارهما، وكل عبادة مرتبطة باستقبال هذا البيت المعظم.
يولي المسلم وجهه شطر المسجد الحرام ليسير مع التاريخ بماضيه، ويستصحبه في حاضره؛ ليتذكر تاريخ البيت وبناء البيت على التوحيد الخالص والملة الإبراهيمية الحنيفية.
يولي وجهه شطر البيت ليرى كيف هدم الإسلام بنيان الجاهلية وقواعدها، يولي وجهه شطر الكعبة المشرفة ليتذكر ألوان العذاب التي لقيها المسلمون المستضعفون في ظلها وعلى جنباتها، والنبي ﷺ يقول لهم مطمئناً ومثبتاً ومؤكداً: ﴿والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون﴾.
إنه النصر الذي لا بد أن يتم بإذن الله من خلال صحيح الإيمان وعَزَمات البشر، والخضوع للسنن الإلهية في النصر والهزيمة، ولكن قوماً يستعجلون.
إن الجالس قِبل بيت الله يدرك حكمة الدعوة وتربية الناس في مثل قوله ﷺ : ﴿إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه﴾ مُخَرَّج في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁.
وفي مثل قوله ﷺ : ﴿لولا أن قومك حدثاء عهد بالكفر لنقضت البيت ثم بنيته على قواعد إبراهيم﴾ أخرجه البخاري وغيره.
كل هذه الاستحضارات والتأملات من أجل ألا يكذَّب الله ورسوله، ومن أجل أن تُسلك مسالك الحكمة في الدعوة والفقه والتعليم والتربية.
أيها المسلمون: وحكمة أخرى تتجلى حين التأمل في التوجه نحو بيت الله المحرم واستقباله؛ ذلكم أن المقصود بالعبادات كلها تمام الخضوع لله: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾ [قريش:٣].
وبمقدار استحضار المعبود وعظمته وجلاله يقرب العبد من مرتبة الإحسان، فالإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فكان التوجه إلى المسجد الحرام وإلى القبلة مساعداً على هذا الاستحضار العظيم.
إن العبادات والشعائر لا تؤدَّى بالنية المجردة ولا بالتوجه القلبي والروحي وحدهما، ولكن هذه العبادات لها صفاتها وهيئاتها: من القيام والقعود، والركوع والسجود، والأقوال والأفعال، والاتجاه نحو القبلة، وكذلك الإحرام والطواف، والحركة والسعي، والدعاء والتلبية، والنحر والرمي، والحلق والتقصير، وهكذا في كل عبادة حركة، وفي كل حركة عبادة، عبادات تجمع بين الماديات والمعنويات ليتأكد الارتباط بين ظاهر النفس وباطنها.
إن ثمة رغبة فطرية بشرية للربط بين الأشكال الظاهرة والقوى الباطنة، فانحرفت فئات من البشر؛ فعبدوا الأحجار، والأشجار، والحيوان، والشمس، والقمر، والأفلاك، وجاء الإسلام ليلبي دواعي الفطرة، فشرع العبادات من الأقوال والأفعال والحركات مع تجريد كل ذلك لله وحده، فيتوجه العبد بجسده إلى القبلة والكعبة، ويولي وجهه شطر المسجد الحرام؛ ولكنه في ذات الوقت يتوجه إلى الله بكليته، بقلبه وجوارحه: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:١١٥]، ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة:١٤٢].
стр. 543
القبلة رمزٌ للوحدة
إن المسلمين حين يتجهون إلى القبلة فإنما يتوجهون نحو التميز والاختصاص، فالقبلة رمز للوحدة والتوحيد، ورمز لتميز الشخص المسلم.
وَحَّدَ اللهُ هذه الأمةَ في ربها، ونبيها، ودينها، وقبلتها، وحدها على اختلاف أوطانها وأجناسها وألوانها ولغتها، وحدة قوامها العقيدة والقبلة؛ عقيدة القلب وقبلة العبادة، ولقد جاء في الحديث الصحيح: ﴿من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، فذلك المسلم﴾ مُخَرَّج في الصحيحين من حديث أنس ﵁.
أمة وسط في الدين والاعتقاد، لا تغلو في التجرد الروحي ولا في الارتكاس المادي، ولكنها الفطرة في روح متلبسة بجسد، وجسد تتلبس به روح، وتطلق كل نشاط في تهذيب بلا إفراط ولا تفريط، قصد وتناسق واعتدال، ومن أجل هذا جاء في هذا السياق كله قوله الله سبحانه: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [البقرة:١٤٧]، ما جاءنا من ربنا هو الحق، والدين الذي نحن عليه هو الحق، فلا نستفتي أحداً في ديننا، ولا نتبع غير أهل ملتنا في شأننا، ولا نقبل من أعدائنا القول في تاريخنا وتراثنا، ولا نسمع إليهم في دراساتهم عن قرآننا وحديث نبينا، إنه الجِد الصارم والحق الجلي الذي تضمحل أمامه الأقاويل والأباطيل.
﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٠] * ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٥١] * ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة:١٥٢].
نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم وبهدي محمد ﷺ .
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 544
مظاهر الوحدة في صلاة الجماعة والحج
الحمد لله، أعطى فأجزل، ومنَّ فأفضل، أحمده سبحانه وأشكره، أتم علينا النعمة ورضي لنا الدين وأكمل، وأتوب إليه وأستغفره من التقصير فيما أقول وأعمل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، هو الظاهر والباطن، والآخر والأول، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، والخلق الأفضل، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسان ما ليل أدبر وصبح أقبل، وسلَّم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فيا أيها المسلمون: يُولي المسلمون وجوههم شطر المسجد الحرام؛ لتبرز من خلال ذلك وحدة المسلمين وجماعتهم، التفاف حول هذا البيت، من خلال -عمود الإسلام- الصلاة المفروضة؛ والتي تبدأ بأهل الحي، وتنتهي بالتجمع الأعظم يوم الحج الأكبر.
صلاة الجماعة قاعدة وأساس، وصلاة الفرد فذ واستثناء، جاء في حديث أبي بن كعب ﵁ في قوله ﷺ : ﴿صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وكلما كثر فهو أحب إلى الله﴾ أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجة بإسناد حسن.
والمؤذن للصلاة هو داعي الجماعة: ﴿أتسمع النداء؟ قال: نعم، قال: أجب، لا أجد لك رخصة﴾.
وصلاة الجمعة صورة ليس لها نظير في تجمع يجمع على الصلاة والموعظة والنصيحة ومعالجة القضايا؛ ليتأكد استمرار الجماعة على الجادة الراشدة.
وشعائر العيدين تجمعٌ مشهود، يحضره الرجال والنساء حتى ربات الخدور جماعةً وبهجة في ظل الالتزام بخلق الإسلام.
ويأتي التجمع الأخطر والاحتفاء الأكبر، حين يؤذَّن في الناس بالحج: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج:٢٧].
تجمعٌ عظيم، لا يعوقه اختلاف الألسنة والألوان، ولا تشعب الأعراق وتباعد الأوطان، فعقيدة الإسلام في سهولتها وفطرتها وحنيفيتها وقبلة المسلمين في قداستها تؤكد هذا الرباط الوثيق من الأخوة والوُد، لينطقوا جمعياً بلسان عربي مبين: (لبيك اللهم لبيك).
إنهم جميعاً في موقف العبودية لله وحده: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٩٢].
ألا فاتقوا الله رحمكم الله، واعرفوا نعمة الله عليكم في دينكم وعباداتكم، وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ.
ثم صلوا وسلموا على الرحمة المهداة والنعمة المسداة نبيكم محمد رسول الله، فقد أمركم بذلك ربكم فقال عز من قائلاً عليماً: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين.
وارضَ اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وإحسانك وجودك يا أكرم الأكرمين!
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، واحمِ حوزة الدين، واخذل الطغاة والملاحدة وسائر أعداء الدين، اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك محمد ﷺ وعبادك الصالحين.
اللهم آمِنا في أوطاننا، واحفظ أئمتنا وولاة أمورنا، وأيد بالحق والتوفيق والتسديد إمامنا وولي أمرنا، وارزقه البطانة الصالحة، ووفقه لما تحب وترضى، وأعز به دينك، وأعلِ به كلمتك، واجعله نصرةً للإسلام والمسلمين، واجمع به كلمتهم على الحق يا رب العالمين، اللهم وفق ولاة أمور المسلمين، للعمل بكتابك وبسنة نبيك محمد ﷺ ، واجعلهم رحمة لعبادك المؤمنين، واجمع كلمتهم على الحق يا رب العالمين!
اللهم وأبرم لأمة الإسلام أمر رُشد، يُعَزُّ فيه أهل طاعتك ويُذَلُّ فيه أهل معصيتك، ويُؤْمَرُ فيه بالمعروف، ويُنْهَى فيه عن المنكر، إنك على كل شيء قدير.
اللهم انصر المجاهدين الذين يجاهدون في سبيلك لإعزاز دينك وإعلاء كلمتك، اللهم انصرهم في فلسطين، وفي كشمير، وفي الشيشان، وفي كل مكان يا رب العالمين!
اللهم عليك باليهود فإنهم لا يعجزونك، اللهم فرق جمعهم، وشتت شملهم، واجعل بأسهم بينهم، وأنزل عليهم رجزك وغضبك إله الحق، اللهم انصر إخواننا عليهم، اللهم سدد سهامهم وآراءهم، وأنزل عليهم نصرك وتأييدك، اللهم واجمع كلمتهم على الحق يا رب العالمين!
اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفاراً، فأرسل السماء علينا مدراراً، اللهم واجعل ما أنزلته قوةً لنا على طاعتك، وبلاغاً إلى حين، اللهم وأنبت لنا الزرع، وأدر لنا الضرع، وأنزل علينا من بركاتك يا رب العالمين.
ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.
اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا والزلازل والمحن، وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن، عن بلادنا وعن سائر بلاد المسلمين يا رب العالمين!
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.
عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
стр. 545
وسائل الإعلام والاتصال بين النقد الهادف والنقد الهادم
تحتل وسائل الإعلام والاتصال مكانة بارزة في عصرنا الحاضر، لما لها من الأهمية في تقريب البعيد واختصار الوقت وغير ذلك من المنافع، وإذا بهذه النعمة تنقلب إلى نقمة عند كثير من الناس ممن لا يحسن الاستفادة من هذه الوسائل، فيتخذونها وسيلة لنشر الشر وإعلان الكذب في الآفاق، فيهدمون الخير من حيث لا يشعرون، ولا يقبلون النقد الهادف، وينتقدون كيفما يشاءون بلا تثبت، وإن التزام القول السديد في هذه الوسائل كفيل بالوصول إلى أهداف الخير والإحسان.
стр. 546
وسائل الاتصال سلاح ذو حدين
الحمد لله الذي نصب على وحدانيته من آياته ومخلوقاته دليلاً، ووعَدَ العاملين المحسنين رحمةً منه وفضلاً، أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأتوكل عليه وكفى به وكيلاً.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً خالصة تورث صاحبها ظلاً ظليلاً، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله اصطفاه رسولاً، واجتباه نبياً واتخذه خليلاً، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه، وتابعيهم بإحسان، صلاةً وسلاماً دائمَين بكرةً وأصيلاً.
أما بعد:
فأوصيكم -أيها الناس- ونفسي بتقوى الله ، فاتقوا الله رحمكم الله، وجدوا في الطاعات، واحترسوا من الشهوات، واحذروا الغفلات؛ فإن الغفلات قواتل، واغتنموا بالصالحات أيامكم، وأصلحوا بالإخلاص أحوالكم، فالأيام قلائل هلاَّ عقلتم حالكم، وذكرتم ارتحالكم، وأصلحتم أعمالكم، واعتبر الأواخر بالأوائل؟! ولقد علمتم أن كل مَن كان على وجه هذه البسيطة راحل، فأين المتبصر وأين العاقل؟! ﴿يُنَبَّأُ الْأِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ [القيامة:١٣] * ﴿بَلِ الْأِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة:١٤] * ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ [القيامة:١٥].
أيها المسلمون: خلق الله السماوات والأرض بالحق، وأرسل رُسَله وأنزل عليهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط، وأمور الناس وشئونهم لا تصلح ولا تستقيم إلا بالحق، وحَيرة البشرية وشِقْوتها ترجع إلى تفريطها في الحق، وإخلالها بموازين العدل، وغفلتها عن سريان الباطل وفشُوِّ الظلم وشيوع الأكاذيب وانتشار الأوهام، وسلوك مسالك الزور والتزوير في أنفسهم وعلومهم وأنبائهم.
إن نجاح الأمم وصلاح البشر يعود إلى جملة ما يقوم عليه الناس، ويقدمونه من فعل الحق، وقول الصدق، وفشُوِّ العدل؛ فإن كانت ثروتها من الحق والصدق والعدل كبيرة سبقت سبقاً بعيداً، وإن كانت غير ذلك سقطت في هُوَّة لا قرار لها من التهريج والخبط، والادعاء والهزل، مما لا يغني فتيلاً، ولا يهدي سبيلاً.
إن المجتمع الصالح لا يُبْنَى إلا بمحاربة الظنون، وطرح الرَّيب، ورفض الشائعات.
وإن الحقائق وحدها هي التي يجب أن تظهر وتغلب وتسود.
يقال ذلك -أيها الإخوة المسلمون- وقد يسَّر الله لأبناء هذا العصر ما يسَّر من اكتشافات، واختراعات في وسائل الاتصال وتقنياته، من أنواع الهواتف، وشبكات المعلومات، وقنوات البث، وغيرها من وسائل الاتصال والإعلام، من مسموعها، ومقروئها ومرئيها.
إنها وسائل خيرٍ لأهل الخير توفر الأوقات، وتقصِّر المسافات، وتصِل بجميع الجهات والاتجاهات، وتُستخدم في الصالحات والنافعات؛ من سؤال أهل الذكر، والفقه في الدين، وتعلم النافع المفيد، وصلة الرحم، والاتصال بالأخيار، وبذل النصح والتوجيه، والإفتاء والاستفتاء، والتثقيف والمتعة المباحة، ومواعيد الخير، وإنجاز الأعمال، وحسن استغلال الأوقات.
إن فضلها وخيرها غير منكورٍ لمن وُفِّق في حسن استخدامها والإفادة منها، يتوفر فيها الجهد، ويُحفظ بها الوقت، ويُلَبَّى بها المطلوب، وترفع مشقة الذهاب والإياب فلله الحمد والمنة.
ومع كل هذا الخير؛ فقد أساء بعض الناس استعمالها، فكانت شراً لأهل الشر؛ في جلب الشقاء، وزرع البغضاء، وإيغار الصدور، وغرس الشحناء، ونشر الأكاذيب، وضياع الأوقات، وإشاعة الفتن بين طبقات الناس وفئاتها، من حكامٍ ومحكومين، وعلماءَ وعامة، ورجالٍ ونساء.
ولقد أنتجت بعض هذه الوسائل مواقع للناس يرتادونها، وأحاديث يتداولونها، وصفحات يتجاذبون فيها أحاديث ومعلومات، وشاشات وقنوات ينتدون فيها ويتحاورون.
وإن المتأمل فيها ليلحظ خللاً كبيراً، وقصوراً كثيراًَ، من الهذر الضار، واللغو الباطل، ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ [النساء:١١٤].
فما أعظم الخلاف في تلك المنتديات والقنوات! وما أكثر الشائعات في تلك المواقع والصفحات! كم حصلت من أمور كان عاقبتها خُسراً! وقد يكون بعض الحق فيضيف إليه بعضُ الناس من الأكاذيب والأوهام وسوء التأويل ما يضيع معه الحق ويسوء به الظن تتبعٌ للعثرات، وتضخيمٌ للهفوات، وحيف في القول، وجفاءٌ عن العدل، فالزلة عندهم تدفِن وافر الفضائل وكثير الحق.
стр. 547
قلب الحقائق في هذه الوسائل
إن الملاحَظ في هذا الشأن أن أناساً يطلقون العنان لأخْيِلَتِهم في تلفيق التُّهَم، وتفسير الأحداث، وتأويل الألفاظ، لا يُحسون حرجاً في إدارة أحاديث مفتراة على ألسنة خصومهم وأصدقائهم على حدٍ سواء، يتندرون ويسخرون، وكم أدى التلهِّي بمثل هذا إلى عداواتٍ وأضرار، وفتنٍ وأحزان، بل إلى مصارع السوء!
إن الحريَّ بأصحاب القلوب الوجلة من أصحاب المواقع والصفحات في شبكات المعلومات وروَّادِها، وبأصحاب القنوات والإذاعات؛ في ندواتها وبرامجها ومشاهديها، وبأصحاب الهواتف؛ في رسائلها ومهاتفاتها، ورجال الصحافة؛ في كُتَّابها ومحلليها حريٌّ بنا وبهم جميعاً -حفظنا الله وإياهم من كل سوء ومكروه- حريٌّ بالجميع تذكر قول نبينا محمد ﷺ في الحديث الصحيح: ﴿رأيت الليلة رجلين أتياني فقالا لي: الذي رأيتَه يشرشر شدقه هو الرجل يَكذب الكذبة فتُحْمَل عنه حتى تبلغ الآفاق﴾ فيُصْنع به هكذا إلى يوم القيامة.
وكم يدرك أبناء هذا الوقت من معاني الآفاق وسعتها ما لم يتجلَّ تفسيره إلا في هذا الوقت!
ثم ناهيكم برجل الإعلام الذي ينشر على الألوف بل الملايين خبراً باطلاً، والسياسي الذي يُعطي الناس صوراً مقلوبةً أو مزيفةً في قضايا الأمة، ومشكلاتها، ومسائلها، وصاحب الهوى من ذوي الرأي والفكر الذي يحسن تسويق التهم بأساليب مباشِرة وغير مباشِرة، وكلما اتسع نطاق الضرر إثر كذبة رائجة، أو إشاعة سارية، أو تحليلٍ أفَّاك كان الوزر أعظم، والخطر على الأمة ورجالها أشد.
وفي الحديث الصحيح: ﴿يكون في آخر أمتي أناسٌ دجالون كذابون، يحدثونكم بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم! لا يضلونكم ولا يفتنونكم﴾.
أيها المسلمون: إن وسائل الاتصال هذه تجسد صورة المستخدِم، وتظهر حسن الأدب وضده، ورقة النفس وغِلَظها، وسلامة القلب وظلامته، وقوة الإيمان وضعفه، ولطف التعامل وخشونته في أدبٍ من الكلام والاستئذان، وحسن الظن، وحب الخير، وسلامة الطوية، ورعاية الأمانة، وتقدير المصالح والمفاسد.
أمة الإسلام: وإن مما يوصَى به في هذا المقام ألاَّ تُعطَى العامةُ فوق ما لها من الحقوق، فليس للجماهير أن تتحكَّم في تقرير الحق، أو تحبيب الفضيلة، بل تؤخذ الحقائق والفضائل من ينابيعها، دون مبالاةٍ بالجاهلين بها أو الخارجين عليها، ولو كانوا بالآلاف أو بالملايين.
стр. 548
عدم الاكتراث بالنقد الهادم
معاشر المسلمين: وثَمَّةَ خطابٌ تقتضيه المناسبة، إنه خطابٌ لأولئك الرجال الكبار؛ ليَبْلُوا سلوكَهم ومواقفَهم على الحق والصدق والعدل والإيمان، فلا يتبرَّموا من النقد المثار، أو يقلقوا لكثرة الهجَّامين والشتَّامين والشامتين.
إن أصحاب الحساسية الشديدة لِمَا يقول الناس، الذين يغترون بالمديح فيطيرون به فرحاً، أو يغتمُّون للذم فيختفون جزعاً، هم بحاجة إلى مقادير كبيرة من البرود والهدوء، وعدم المبالاة؛ لتهدأ أعصابُهم وتطمئن قلوبُهم.
إن العاقل الرزين، والمؤمن الواثق لا يكترث بتعليقات تطْلِقُها أفواهُ أقوامٍ دَيْدَنُهم التسلِّي بشئون الآخرين، ومن ذا الذي يملك حبس ألسنة الناس وكسر أقلامها حتى لا يطلقوها ظلماً وعدواناً وإفكاً وبهتاناً؟!
ولقد قيل: إن العظيم من الرجال من انقسم الناس فيه إلى قادحٍ ومادح!
وكم يفرح هؤلاء العظام بعيوبهم تُهدَى إليهم، فيجتنبوها، ويدعون بالرحمة والصفح لمن أهداها!
إن وحيد دهره مَن يزن ما يقال، فما كان باطلاً أهمله، وما كان حقاً أخذ به وقَبِله، وما لم يستبن فيه يتروَّى ويتمهَّل حتى يتبين له الحق.
وإن من الحق -معاشر المسلمين- التمييز بين النقد الهادف والنقد الهادم.
فالنقد الهادف: نصيحة مخلصة، وأمرٌ بالمعروف، ونهيٌ عن المنكر، وعونٌ على محاسبة النفس وهو نقدٌ بنَّاء يقوم الخطأ، ويقيَّم المعوج، ويقصد إلى الإصلاح؛ ليَحِق الحق ويَبْطُل الباطل، ويَهْدِي إلى الرشد، ويَهْدف إليه نقد يتعالى عن التجريح، وتتبع الزلات، وتضخيم الهفوات.
أما النقد الهادم: فهو ما دخله الهوى، فتوجَّه إلى التجريح، وامتطى صاحبُه الجورَ والزورَ والبهتان، واتهم النيات، ودخل إلى المقاصد من غير حجة ولا برهان، فهو تشويه سمعة، وطعن في الذوات إنه -عياذاً بالله- مشغلةٌ تفسد العمل، وتهدر الطاقات، وصرفٌ للأمة عن مهماتها، وإشغالٌ للمجتمع عن غايته الكبرى، وما هو إلا تَشَفٍّ، ونفثُ سموم، وانبعاثُ أحقاد وغيض، وتفكُّهٌ في المجالس بالغمز واللمز.
وإن مشاعر الرغبة والرهبة ودوافع المنفعة والحرمان؛ ما تزال هي السر الدفين وراء كثيرٍ من النقد والرضى، والنقمة والتأييد.
وبعدُ عباد الله:
فإن خير ما يزن به العبدُ نفسَه في هذه الأمواج: الحذر من الانتصار للنفس، والتذرع بالصبر والاحتساب، والحرص على تحري الحق، ولزوم الصواب، والبعد عما لا يعني، وألا يقع فيما ينتقد فيه غيره، مع الحرص الشديد على صلاح النية، وطرد باعث الحسد والهوى، وسوء الظن ﴿لا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، كل المسلم على المسلم حرام؛ دمه، وماله، وعرضه﴾.
بذلك أوصاكم نبيكم وحبيبكم محمدٌ ﷺ .
والناس أصناف في التعقل والتأدب والذوق وحسن التصرف، والسعيد من إذا بُصِّر تبصَّر، وإذا ذُكِّر تذكَّر، ولكل مقامٍ مقال، ولكل مقالٍ مقدار.
فلا تكن -يا عبد الله- ممن قل أدبه، وضعف إحساسه, وغلظ طبعه، وكل الناس تتحدث عن الإصلاح وتسعى إليه، وما كان الإصلاح في شائعات تثار، أو كلماتٍ في رموزٍ من التوقيعات على مواقع الشبكات والصفحات.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٦ - ١٨].
نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبهدي محمدٍ ﷺ .
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 549
صدق اللهجة
الحمد لله الذي أظل بعدله وبفضله هدى، خلق الخلق ولم يتركهم سُدى، أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لم يتخذ صاحبة ولا ولداً، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، كرُم رسولاً وشرُف عبداً، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه، نجوم الدجى، ومصابيح الهدى، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فإن من أهم ما تحتاج إليه الجماعة في سعادتها، والأمة في جمع كلمتها، وإدارة شأنها صدقَ اللهجة.
وإن الجماعة لتسعد، وإن شأنها لينتظم على قدر التزامها بفضيلة الصدق، فالأقوال والأعمال والتعاملات لا يستقيم سيرها، ولا ينضبط مسارها، إلا أن تديرها لهجةٌ صادقة، والعلاقات والصداقات لا يشتد رباطها إلا بقدر ما تكون ملتزمةً بصدق اللهجة، وقد يكون للكاذب صديقُ منفعة، ولكنه لن يجد في إخوان الفضيلة صديقاً حميماً.
وإنه يجب أن توزَن الكلمة، ويُتَحَرى الحق، ويُلْتَزم الصدق، فالكذب والبهتان خرقٌ للمصالح، وإضرارٌ بالناس، وتقطيع للأواصر.
وإن من المجزوم المحقق أن صدق الأقوال بريدٌ لصدق الأعمال وصلاح الأحوال، فالحرص على الحق والتزام الصدق يقود إلى كل جوامع الخير، وفي الحديث الصحيح: ﴿عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدُق ويتحرى الصدق حتى يُكتب عند الله صديقاً، وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يُكتب عند الله كذاباً﴾.
فلا تكن -يا عبد الله- ممن إذا سمع خبراً طار به كل مطار، وسعى إلى نشره في الأقطار، من غير أن يتثبت في صحته، أو ينظر في جدوى نشره أفاك أثيم، هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ لا تردعه تقوى، ولا يرده دين، ولا تحجزه مروءة إذا حضر مجلساً أطلق الأكاذيب، وإذا دخل موقعاً أتى بالأعاجيب يسوق ما لا يخطر على بال، ويعلِّق بما يشبه الخيال أو الخبال، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!
واللبيب لا يتكلم إلا بعد التثبت، ناهيكم بالمؤمن التقي، فـ ﴿كفى بالمرء إثماً أن يحدِّث بكل ما سمع﴾، ومن حدَّث بكل ما سمع فقد أزرى رأيَه، وأفسد صدقَه، وقد قيل في الحكمة: من غلب لسانَه أمَّره قومُه، ولا يُسارع في الحديث إلا من هانت عليه نفسه، ومن اشتغل بما لا يعلم اتهم فيما يعلم.
ألا فاتقوا الله -رحمكم الله- ﴿وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
ثم صلوا وسلموا على الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، نبيكم محمد رسول الله، فقد أمركم بذلك ربكم جل في علاه، فقال في محكم تنزيله قولاً كريماً: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].
اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك نبينا محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين،
وارضَ اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين، الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون؛ أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن بقية الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بعفوك وجودك وإحسانك يا أكرم الأكرمين!
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، واخذل الطغاة والملاحدة وسائر أعداء الدين، وانصر عبادك المؤمنين.
اللهم آمِنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأيّد بالحق والتوفيق والهدى والتسديد إمامنا وولي أمرنا، وارزقه البطانة الصالحة التي تدله على الخير وتعينه عليه اللهم أعز به دينك، وأعلِ به كلمتك، واجعله نصرة للإسلام والمسلمين، واجمع به كلمتهم على الحق والهدى يا رب العالمين!
اللهم وفق ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك، وبسنة نبيك محمدٍ ﷺ ، واجعلهم رحمةً لعبادك المؤمنين، واجمع كلمتهم على الحق والهدى يا رب العالمين!
اللهم أبرم لأمة الإسلام أمر رشدٍ يُعَزُّ فيه أهل طاعتك، ويُهْدَى فيه أهل معصيتك، ويُؤْمَر فيه بالمعروف، ويُنْهَى فيه عن المنكر إنك على كل شيء قدير.
اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، والموت راحة لنا من كل شر، وأحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة.
اللهم انصر المجاهدين، اللهم انصر المجاهدين الذين يجاهدون في سبيلك لإعلاء كلمتك، وإعزاز دينك.
اللهم انصرهم في فلسطين، وفي كل مكان.
اللهم سدد سهامهم وآراءهم، واجمع كلمتهم، واكتب نصرهم، واجعل الدائرة على أعدائهم يا قوي يا عزيز!
اللهم عليك باليهود الصهاينة، اللهم عليك باليهود الصهاينة المعتدين، اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك، اللهم أنزل بهم بأسك الذي لا يُرد عن القوم المجرمين، اللهم أنزل بهم بأسك الذي لا يُرد عن القوم المجرمين.
اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فأشغله بنفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميره، يا رب العالمين.
اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين.
اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا.
اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفاراً، فأرسل السماء علينا مدراراً، واجعل اللهم ما أنزلته قوة لنا على طاعتك، وبلاغاً إلى حين، اللهم إنا خلق من خلقك فلا تَمْنَعَنا بذنوبنا فضلك.
عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ،
رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ.
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى، وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ، يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فاذكر الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.
стр. 550
النظافة والزينة والتجمل
إن تطهير العقيدة وتنقيتها من شوائب الشرك والمعاصي والبدع مقرون بتطهير ظاهر الإنسان وثوبه ورقعته، أناقة من غير سرف، وتجمل من غير تكلف.
ولهذا جاءت هذه المادة لتبين دعوة الإسلام لتطهير الظاهر والباطن، ولتوضح بعض مظاهر الطهر والنقاء في توجيهات الإسلام، فحين يجمل الدين البواطن بالهداية إلى الصراط المستقيم، فإنه يجعل الظواهر في أحسن تقويم.
стр. 551
شمولية الدين الإسلامي
الحمد لله المحمود بكل لسان، واسع الفضل والإحسان، أحمده سبحانه وأشكره، حمداً وشكراً تنال به نواهل الرضوان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله المبعوث للثقلين؛ الإنس والجان، بلغ الرسالة وأوضح المحجة، حث على منار الحق وأبان، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ذوي التقى والإيمان، والتابعين ومن تبعهم بإحسان.
أما بعد:
فأوصيكم -أيها الناس ونفسي- بتقوى الله، فالسعيد من اتقى ربه، وتدبر أمره، وأخذ حذره، واستعد ليومٍ لا تقال فيه عثرة، ولا تنفع فيه عبرة.
أيها المسلمون: الإسلام دين الفطرة، تصلح له وتصلح به كل الأزمنة وكل الأمكنة، فهو دين العقيدة والشريعة، يعالج شئون الحياة كلها في سلفية لا تتوقف عند عصر، بل تتجدد لتعالج أوضاع كل عصر، وتفتي في كل شأن، وتقضي في كل أمر.
دين يجمع البشاشة في حياة، وحسن الخلق في ابتسامة.
دين يعترف ما للبشر من أشواقٍ قلبية، وحظوظ نفسية، وطبائع إنسانية.
لقد أقر الدين ما تتطلبه الفطرة من سرور وفرح، ولباسٍ وزينة، محاطٌ بسياج من الأدب الرفيع، يبلغ بالمتعة كمالها ونقاءها، وبالسرور غايته، بعيداً عن الخنى والحرام، والظلم والعدوان والغل وإيغال الصدور، ومتطلبات الفطرة هذه جاءت في دين الإسلام، مصاحبة ومرتبطة وملازمة لإصلاح المعتقد وسلامة الباطن: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر:١ - ٥].
فتطهير العقيدة وتنقيتها من شوائب الشرك والبدع والمعاصي مقرون بتطهير الظاهر في بدن الإنسان وثوبه ورقعته، يجمع المسلم بين النظافتين، ويحافظ على الطهارتين، وحين يجمل الدين بواطنهم بالهداية إلى الصراط المستقيم، فإنه يجمل ظواهرهم في أحسن تقويم.
إذا كان ذلك كذلك -أيها الإخوة- فإن الأخذ بالزينة والقصد إلى التجمل، والعناية بالمظهر، والحرص على التنظف والتطهر من أصول الإصلاح الدينية والمدنية التي جاء بها ديننا، وتميز بها أتباعه.
стр. 552
دعوة الإسلام لنظافة الحس مع نظافة النفس
إن حب الزينة والتزين من أقوى غرائز البشر الدافعة لهم إلى إظهار سنن الله في الخليقة، ولقد امتن الله على بني آدم كلهم بلباس الزينة حين قال عز شأنه: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف:٢٦] يقول أهل العلم: خص سبحانه الريش بالذكر لأنه ليس في أجناس الحيوان كالطير في كثرة أنواع ريشها، وبهجة مناظرها، وتعدد ألوانها، فهي جامعة لجميع أنواع المنافع والزينة، ويقول الحافظ ابن القيم ﵀: ولمحبته سبحانه للجمال أنزل على عباده الجمالين؛ اللباس والزينة تجمل ظواهرهم، والتقوى تجمل بواطنهم، وقال في أهل الجنة: ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً * وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً﴾ [الإنسان:١١ - ١٢] فجمل وجوههم بالنضرة، وبواطنهم بالسرور، وأبدانهم بالحرير.
وفي خبر نبينا محمدٍ ﵌: ﴿خمس من الفطرة: الاستحداد، والختان، وقص الشارب، ونتف الإبط، وتقليم الأظافر﴾ إنها الفطرة، وسنن المرسلين اتفقت عليها الشرائع، ودعت إليها الديانات، وترك ذلك وإهماله مضر بالجسم وتشبه بالوحوش والسباع، بل تشبه بالكفار المبتعدين عن صحيح الفطرة وهدي المرسلين.
ومن أجل هذا -أيها الإخوة- فإن الإسلام حريص على أخذ أبنائه بنظافة الحس مع نظافة النفس، وصفاء القلب مع نقاء البدن، وسلامة الصدر مع سلامة الجسد، فالله يحب التوابين ويحب المتطهرين.
أيها الإخوة: المسلمون هم الذين نشروا النظافة والتنظف في أصقاع الدنيا حيثما حلوا وأينما وجدوا مما لم تعرفه الأمم السابقة قبلهم.
إن من يقرأ تاريخ الأمم والملل يعلم أن أكثر البشر يعيشون كما تعيش الوحوش في جزائر البحار وكهوف الجبال وأكواخ الأدغال، كلهم أو جلهم يعيشون عراةً أو شبه عراة، الرجال منهم والنساء، وما دخل الإسلام بيئة ولا بيتاً إلا وعلمهم حسن اللباس، وجمال الستر، ونظافة البدن، وطهارة المسكن، بالإيجاب تارة وبالاستحباب أخرى، نقلهم من الوحشية الفاحشة إلى الحضارة الراقية، وهذا الحديث لا يخص العصور الغابرة، بل إنك بكل ثقة وأسى لا ترى أمكنة أو أزمنة انطمست فيها آثار النبوة إلا ويتجلى فيها صور الجهل والظلم، والكفر بالخالق، والشرك بالمخلوق، واستحسان القبائح، وفساد العقائد، وانحراف السلوك، وما خليت ديار من هدي النبوة إلا وكان أهلها أشبه بالبهائم؛ يتهارجون في الطرقات، ويتعاملون كالعجماوات، لا يعرفون معروفاً ولا ينكرون منكراً ولا يتورعون عن قبيح، ولا يهتدون إلى سبيل، وشواهد ذلك في عصركم هذا تجلو الحق والعدل.
إن المسلمين نماذج رائعة للطهر والجمال عندما ينفذون تعاليم دينهم في أبدانهم وبيوتهم، وطرقهم ومدنهم، ومساكين بعض المنتسبين للإسلام ممن يولون وجوههم شطر نظم وتقاليد وعادات يعجبون بها وهي لغيرهم، ويتشبثون بها وعندهم خيرٌ منها في دينهم، وعند الله ما هو أزكى وأتقى وأغنى وأنقى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ [البقرة: ١٣٨].
стр. 553
بعض مظاهر الطهر والنقاء في توجيهات الإسلام
أيها الإخوة: وهذا استعراض لبعض مظاهر الطهر والنقاء والجمال والزينة في توجيهات الإسلام وسلوك المسلمين المستمسكين.
الطهور شطر الإيمان، والصلاة أهم فرائض الإسلام بعد الشهادتين، شرع لها التطهر من الحدث والتنظف من القذر والنجس، والمسلم يتوضأ في يومه عدة مرات غالباً، ويغتسل في كثيرٍ من المناسبات المشروعات، والوضوء على الوضوء نورٌ على نور، مع مستحبات من الوضوء أخرى للنوم والعبادة، وصلاة الجنازة والعيدين، والخسوف والكسوف، وسجود التلاوة وغيرها، إنها الصلوات الخمس تنظف الباطن وتنهى عن الفحشاء والمنكر، فوضوءها ينظف الظاهر: ﴿أرأيتم لو كان باب أحدكم على نهرٍ جار يغتسل منه خمس مرات، أيبقى من درنه شيء﴾.
وغسل الجمعة واجب على كل محتلم: ﴿لا يغتسل رجلٌ يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طهرٍ ويدهن من دهنه ويمس من طيب بيته، ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى﴾ بهذا جاء الخبر عن رسول الله ﵌.
والتطهر المأمور به ليس مقصوراً على المجامع ومجالس الناس، ولكنه مطلوبٌ في جميع الأحوال حتى إذا قعد المرء في بيته، أو ذهب إلى فراشه، فقد جاء في الخبر مرفوعاً: ﴿طهروا الأجساد طهركم الله، فإنه ليس عبدٌ يبيت طاهراً إلا بات معه في شعاره -أي: في لحافه- ملك لا ينقلب في ساعة من الليل إلا قال: اللهم اغفر لعبدك فإنه بات طاهراً﴾ رواه الطبراني يسند جيد من حديث ابن عباس ﵄، وفي خبر ثان عند أبي داود: ﴿ما من مسلم يبيت طاهراً فيتعار من الليل -أي: يستيقظ- فيسأل الله خيراً من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه الله إياه﴾.
وأمة محمدٍ ﵌ تُعرف يوم القيامة بين الأمم بغرتها وتحجيلها من آثار الوضوء.
والسواك مطهرة للفم، مرضاة للرب، وقص الشارب وحفه من التجمل، ومن كان له شعرٌ فليكرمه بالغسل والدهن والترجيل والتطييب، وقد رأى رسول الله ﵌ رجلاً شعثاً رأسه قد تفرق شعره فقال: ﴿أما كان هذا يجد ما يسكن به شعره﴾.
وقص الأظافر، وغسل البراجم وهي: مفاصل الأصابع، ونتف شعر الإبط، وحلق العانة، واجتناب الروائح الكريهة؛ من الثوم والكراث والبصل، كل ذلك من التوجيهات المتأكدة رعايتها، والإنسان قد يحتمل من غيره ألواناً من الأذى ولكنه لا يصبر على الرائحة المنتنة تنبعث من فمٍ أو عرقٍ أو غيرهما، ويتأكد ذلك في المساجد التي يؤمها المسلمون للطاعة وذكر الله والصلاة، وكيف تخشع نفسٌ مهتاجة مضطربة تعرضت للأذى، وتعكر عليها صفو مناجاة الرب تعالى، وانقطعت من لذة التضرع والتذلل.
ومن المستكره فتح الفم عند التثائب لما في ذلك من قبح المنظر، وقلة الذوق، وإيذاء الجليس، وسرور الشيطان.
وفي مقابل ذلك جاء الحرص على الطيب والحث على التطيب، ونبيكم محمد ﵌ يحب الطيب ويكثر من التطيب.
وغطوا الإناء، وأوكئوا السقاء، واجتنبوا الجشاء، ولا تشربوا من فم السقاء، ولا تتنفسوا في الإناء، ولا تنفخوا فيه، والتنظف من بقايا الطعام وفضلاته، في الأيدي والأفواه والأسنان كل ذلك مندوبٌ إليه، وشرب نبيكم محمد ﷺ لبناً، ثم تمضمض، وقال: ﴿إن له دسماً﴾
والتطهر والتنظف يمتد من الأبدان إلى البيوت والطرقات، والمساجد ومجامع الناس: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة:١٢٥] ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور:٣٦] ﴿وإماطة الأذى عن الطريق صدقة﴾
ومن الدقة في التعاليم رعاية سبل وقاية المجتمع في آداب قضاء الحاجة، لا يتلوث بها ماء، ولا يتنجس بها طريق أو مستظل، فقد جاء النهي عن البول في الماء الدائم، وقال ﵊: ﴿اتقوا الملاعن الثلاثة: البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل﴾.
стр. 554
الاهتمام بجمال الهندام
أما حسن الملبس وجمال الهندام فمطلوب قدر الاستطاعة وحسب الوجد، عن الأخبص الخشمي قال: ﴿رآني النبي ﵌ وعلي أطمار -أي: ثياب بالية- فقال: هل لك من مال؟ قلت: نعم.
قال: ومن أي المال؟ قلت: من كل ما آتى الله من الإبل والشاة، قال: فلتُر نعمته وكرامته عليك﴾ فهو سبحانه يحب ظهور أثر نعمته على عبده.
ولما قال ﵊: ﴿لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، قال رجلٌ: يا رسول الله! إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً، ونعله حسناً، فقال ﵊: إن الله جميلٌ يجب الجمال، الكبر: بطر الحق وغمط الناس﴾.
وفي الناس أجلاف يظنون أن قصد الزينة تصنع، فيرد عليهم ابن الجوزي ﵀ بقوله: "وهذا ليس بشيء، فإن الله تعالى زيننا لما خلقنا؛ لأن للعين حظاً من النظر، وقد كان رسول الله ﵌ أنظف الناس وأطيبهم، وكان لا يفارقه السواك، ويكره أن تشم منه ريحٌ ليست طيبة" فهو ﵊ كاملٌ في العلم والعمل، فيه يكون الاقتداء، وهو الحجة على الخلق، بل إن بعض محترفي التدين يحسبون فوضى اللباس وإهمال الهيئة والتبذذ المستكره ضرباً من العبادة، وربما ارتدوا المرقعات والثياب المهملات، وهم على خيرٍ منها قادرون، ليظهروا زهدهم في الدنيا وحبهم للأخرى، وهذا جهلٌ وخروجٌ عن الجادة.
إنه لا يطيق الروائح الكريهة والأقذار المستنكرة إلا ناقص الفطرة وجمال الأدب، وإنما لبس المرقع من لبسه من السلف الصالحين لاستدامة الانتفاع بها، يوضح ذلك ويجليه الإمام أبو بكر بن العربي ﵀ حين يقول: وما حكي عن عمر بن الخطاب ﵁ من أنه كان يرقع ثيابه إنما يفعله لاستدامة الانتفاع به وذلك شعار الصالحين، حتى اتخذه المتصوفة شعاراً فجعلته في الجديد وليس بسنة، بل هو بدعة عظيمة، وإنما المقصود من الرقع هو الانتفاع بالثوب.
стр. 555
علاقة طهارة الظاهر بطهارة الباطن
أيها الإخوة: ومن دقق النظر في طبائع النفوس وأخلاق البشر رأى بين طهارة الظاهر وطهارة الباطن، وطهارة الجسد واللباس، وطهارة النفس وكرامتها ارتباطاً وثيقاً وتلازماً بيناً.
نعم إن هناك تلازماً بين شرع الله في اللباس والستر والزينة، وبين تقوى الله في النفوس، فكلاهما لباس، فالتقوى لباسٌ يستر عورات القلوب ويزينها، والثياب تستر عورات الجسم وتزينها.
من تقوى الله ينبع الحياء الذي ينبت الشعور باستقباح عري الجسد والحياء منه، ومن لا يستحي من الله ولا يتقيه لا يكترث أن يتعرى أو يدعو إلى التعري.
ومن أجل هذا -أيها الإخوة- فإن ستر الجسد ليس مجرد أعراف وتقاليد كما يزعم الماديون الهادمون لأسوار العفة والفضيلة، ولكنها فطرة الله التي فطر الخلق عليها، وشريعته التي أنزلها وكرم بها بني آدم.
وبعد أيها الإخوة: فعناية الإسلام بالنظافة والتجمل والصحة والتطهر جزء من العناية بقوة المسلمين، إن المطلوب أجسامٌ تجري في عروقها دماء العافية، وتمتلئ أبدان أصحابها قوة وفتوة، فالأجسام المهزولة لا تطيق حملاً، والأيدي القذرة غير المتوضئة لا تقدم خيراً، ورسالة الإسلام أوسع في أهدافها، وأصلب في كيانها من أن تحيا في أمة مريضة موبوءة عاجزة: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ * قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣١ - ٣٢].
نفعني الله وإياكم بهدي كتابه، وبسنة نبيه محمدٍ ﷺ ، وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة فاستغفروه وتوبوا إليه، وكما تغسلون أدرانكم بالماء فاغسلوا ذنوبكم بالتوبة، توبوا إلى ربكم واستغفروه إنه هو التواب الرحيم.
стр. 556
حقيقة الزينة في الإسلام
الحمد لله المتفرد بالعزة والجلال، والمتنزه عن الأنداد والأمثال، أحمده سبحانه وأشكره فهو جميل يحب الجمال، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، جاء بالشريعة السمحة، ورفع عنا ربه ببعثته الآصار والأغلال، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه خير صحبٍ وآل، والتابعين ومن تبعهم بإحسان في الأقوال والأعمال.
أما بعد:
أيها المسلمون: إن الأناقة من غير سرف، والتجمل من غير تكلف من آداب الإسلام وتوجيهاته، إنه الإسلام الذي ينشد لبنيه علو المنزلة، وجمال الهيئة ليكونوا في الناس كالشامة البيضاء، غير أنه ليس من الإسلام الركض إلى أسباب الزينة بغير عنان، وملء اليد منها بغير ميزان.
إن من يطلق يده في الإنفاق في الزينة ولذائذ النفس ويتجاوز بالإنفاق المعتاد من أمثاله يقل نصيبه من البذل في وجوه الخير؛ ذلك أن النفوس المبتلاة بحب الزينة المفرطة، ولذائذ الأجسام المغالى فيها لا تقف عند حد، وكلما أدركت منزلة تشوفت إلى ما فوقها كما جاء في الخبر الصحيح عنه ﷺ : ﴿إن هذا المال حلو، من أخذه بحقه ووضعه في حقه فنعم المعونة، وإن أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع﴾ وسأل رجل عبد الله بن عمر ﵄: [[ما ألبس من الثياب؟ قال: مالا يزدريك به السفهاء ولا يعيبك به الحكماء]].
إذا كان الأمر كذلك -أيها الإخوة- فليس من زينة الرجال حلق اللحى، ولبس الحرير، والتختم بالذهب، وإسبال الثياب، فما أسفل من الكعبين ففي النار.
وليس من المقبول تبرج النساء بزينة: ﴿كاسيات عاريات، مائلات مميلات﴾ وفي الجملة فإن السلف كانوا يكرهون الشهرة من الثياب، العالي منها والمنخفض؛ وثوب الشهرة العالي: ما قصد به الاختيال والتعالي والفخر والمباهاة، والمنخفض: ما قصد إلى الرديء والمبتذل مع القدرة على ما هو خيرٌ منه امتناعاً عما أباح الله بزعم التزهد والتعبد، ودين الله الوسط، والرفيع من اللباس ممدوح إذا كان تجملاً وإظهاراً للنعمة.
وبعد أيها الإخوة: فحسب الناس من القذر الكدر هذا التدخين الذي ابتليت به طوائف من الناس، فيسيء هذا المبتلى ويؤذي بما ينفخ من دخان وينفث من رائحة تخنق الأنفاس وتفسد الأجواء وتلوث المجالس، وهو بلاء ماحق في المكاتب والمتاجر والمراكز، وإنه لشاهدٌ على أن الفرد والأمة حين تبتعد عن آثار النبوة تفقد الأدب الرفيع والذوق السليم، والإحساس الرقيق والتصرف المهذب.
ألا فاتقوا الله رحمكم الله والزموا هدي نبيكم، واسلكوا مسلك العدل والوسط، ثم صلوا وسلموا على صاحب الخلق الأكمل والأدب الأرفع والريح الأطيب، نبيكم محمدٍ رسول الله فقد أمركم بذلك ربكم فقال عز من قائل عليماً: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].
اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين وعن التابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وجودك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، واحم حوزة الدين، واخذل الطغاة والملاحدة وكل أعداء الدين.
اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين.
اللهم أيد بالحق إمامنا وولي أمرنا ووفقه لما تحب وترضى، وارزقه البطانة الصالحة، وأعز به دينك، وأعل به كلمتك، واجعله نصرة للإسلام والمسلمين، واجمع به كلمتهم يا رب العالمين.
اللهم وفق ولاة أمور المسلمين بالعمل بكتابك وبسنة نبيك محمدٍ ﷺ ، واجعلهم رحمةً لرعاياهم، اللهم وأبرم لأمة الإسلام أمراً رشداً يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويُؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر، إنك على كل شيء قدير.
ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.
стр. 557
الأمة الأمل والعمل
الأمة الإسلامية بحاجة إلى استلهام الدروس وأخذ العبر من القرآن الكريم، والله قد بيَّن للأمة في القرآن أحوالها مع مخالفيها.
وهي في حالتها الراهنة تمر بمرحلة ضعف وتشتت وظلام، ومع ذلك فإن المؤمن كلما ازداد الباطل بطشاً وطغياناً ازداد إيمانه بأن هذا هو بداية النهاية لهذا الباطل.
стр. 558
حاجة المسلمين إلى استلهام الدروس من القرآن
الحمد لله أرشد وهدى، ووفق من شاء من عباده إلى طريق الهدى، ومن أضل فلن تجد له ولياً مرشداً، أحمده سبحانه وأشكره، لا تحصى آلاؤه عدداً، ولا تنقطع فضائله مدداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا أشرك به أحداً، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، كرم رسولاً، وشرف محتداً، ﷺ وبارك عليه، وعلى آله أنوار الدجى، وأصحابه مصابيح الهدى، والتابعين ومن تبعهم بإحسان صلاةً وسلاماً وبركاتٍ دائمات أبداً سرمداً.
أما بعد:
فأوصيكم -أيها الناس- ونفسي بتقوى الله ، فاتقوا الله رحمكم الله، واحذروا ضياع العمر في غير طاعة، وخافوا من التسويف، فالتسويف بئست البضاعة، فكم من مؤملٍ لم يبلغ ما أمله، وحيل بينه وبين ما كان يرجو عمله، دارت عليه رحى المنون، كم منصوح وهو معرض بات على تفريطه نادما، يتمنى الرجوع فلا يقدر: ﴿قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠].
أيها المسلمون: شهر رمضان المعظم هو شهر القرآن الكريم، في نزوله ومدارسته وملازمته، وهو شهر انتصارات الأمة، وقوتها وعزتها، انتصارها على شهواتها وأهوائها.
إن أمة الإسلام في أوضاعها المعاصرة، بحاجة إلى استلهام الدروس، وأخذ العبر، ومواقف المحاسبة، من أجل هذا كان التذكير بالقرآن: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [قّ:٤٥] وكان الإنذار بالقرآن ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام:١٩] وكان الجهاد بالقرآن ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً﴾ [الفرقان:٥٢].
ومن أجل ذلك كان هذا القرآن شرف الأمة، وذكرها وعزها: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء:١٠] ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلونَ﴾ [الزخرف:٤٣ - ٤٤].
أمة الإسلام: والمسلمون يعيشون هذا الشهر الكريم في صيامه وقرآنه، هذه مراجعات قرآنية لأوضاع الأمة، ومعالجات لمشكلاتها وأزماتها.
стр. 559
أحوال الأمة مع مخالفيها في القرآن
اقرءوا وتأملوا في حديث القرآن عن أحوال الأمة مع مخالفيها: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً﴾ [آل عمران:١٢٠] ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ * هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ * وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٧ - ١٣٩] ﴿وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾ [النساء:١٠٤].
أيها المسلمون: إن الأمة تمر في حالها الراهنة بأوضاع من الضعف والتشتت، وظلام الطريق، بينما يمر آخرون بموجات من الاستعلاء والقوة، ونزعات التفرد، إن كل ذلك على ظلامه وبأسائه يشير إلى أفقٍ مضيء، وسبيل عامرٍ بالأمل بإذن الله.
نعم.
لئن كان الباطل يزداد بطشاً وطغيانا وغدراً، وصورة ذلك جلية في عدوان اليهود في فلسطين المحتلة، في القتل والهدم والتشريد والصلف والاستكبار، لئن كان الباطل يزداد بطشاً وطغياناً وغدراً بهذه الصورة، فإن ذلك عند المؤمن في إيمانه، وبمعرفته بسنن الله، هو بداية النهاية بإذن الله: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ [يوسف:١١٠] ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة:٢١٤] ﴿مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ [الحشر:٢].
إن المسلم لا يسرف في التعلق بالأماني، وسراب التمنيات، ولكنه في الوقت ذاته، لا يكون منكس الرأس في مستنقعات الهزائم، ومواطن الذل والمهانة.
стр. 560
أهمية الأمل في حياة المسلم
إن أمل المسلم ليس مكابرة ولا قفزاً على الواقع والوقائع، ولكنه عقيدة راسخة يؤمن بها ويعمل في إطارها، سندها كتاب الله : ﴿وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧] ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر:٥٦].
إن اليأس حيلة العاجز الذي يؤثر الانسحاب والعزلة.
إن البلاء يحتمل بعظم الرجاء، والفرج طريقه الثقة بالله العلي الأعلى، المؤمن الحق لا تزلزله المحن، ولا تهده المتاعب، بل يزيده ذلك عطاءً وبذلاً وتضحية: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:١٤٦ - ١٤٨].
معاشر المسلمين: إن من أعظم مهمات أهل العلم والرأي والدعاة والمصلحين أن يشيعوا الأمل الصادق في نفوس الأمة؛ الأمل الذي يدعو إلى الثبات على الدين، والعض عليه بالنواجذ، والعمل على نصرته، والذب عن حياضه، واليقين، لأن نصر الله لن ينزل على أوليائه بمعجزة خارقة، ولكن بسنة جارية، يمتحن فيها العباد ليبلوهم ربهم أيهم أحسن عملا.
وهذا لا يتحقق بموعظة تتلى، أو خطبة تلقى فحسب، ولكن بقدواتٍ صالحة قوية بإذن الله، ذاقت حلاوة الإيمان، وصدقت بموعود الله لأوليائه المتقين.
стр. 561
غربة الإسلام بين الأمم
أيها المسلمون: أمة الإسلام تعيش غربة حقيقية بين الأمم وتنبع غربتها في تميزها وتمنعها عن السير في ركاب الظلم والاستسلام، وقد جر عليها هذا ضغوطا ًكبيرة، وأحمالاً ثقالاً، مادية وأدبية، لا تكاد تدركها، مستها فيها البأساء والضراء وزلزلت.
أيها المسلمون: طغيان القوة وغرورها يجعل صاحبه لا يبالي بمواقف الآخرين، ولا بحقوقهم، بل إنه ليستهين بالأعراف وقواعد التعامل، ويستكثر على غيره أن ينظر في مصالحه، أو يتمسك بحقوقه، أو يعتز بهويته وقيمه.
فالضعفاء في ميزان الظلم لا حق لهم إلا الخضوع والاستسلام، وحين تضعف الأمم يتفجر الحقد المكبوت، ويظهر الخصوم يناوشون من مكان بعيد.
إن الإنسانية كلها مدعوة إلى التأمل في الأخطار الرهيبة، التي تنتظرها إذا تجاهلت النذر المتصاعدة من الصدور الحاقدة التي تبث نيران العداوات والصراعات المدمرة، وازدراء الأمم في معتقدها وفكرها وديانتها.
الظلم هو وقود الصراعات، والعنف لا يولد إلا العنف، وعقلاء البشر وقراء التاريخ يدركون أن قوة الظلم ما هي إلا كضوء شهاب، سرعان ما ينطفئ.
إن الأمة الحية، ولو كانت مستضعفة، فإنها لن تقبل الظلم، بل قد تكون هذه الضغوط والمتغيرات سبباً من أسباب يقظتها، وحيويتها، فلا تهون عليها عزتها وكرامتها.
الأمة الكريمة الضعيفة، وإن كانت لا تقوى على المواجهة في مرحلة من المراحل، لكنها لا ترضى بالدنية في عزتها ومبادئها، ولن ترضى أن تنظر للآخرين باستجداءٍِ أو استخذاء.
стр. 562
ضرورة العمل على إحياء الأمة
أيها المسلمون: إن من دلائل الرشد والفقه استيعاب الأزمة وتوظيف دروسها لإحياء الأمة، وبنائها بنفسية عزيزة وثابة من غير ضعف أو خور.
إن من الحق والحكمة الاعتراف بأن الهزائم قد تكون لازماً من لوازم بناء الأمم، من أجل القضاء على سور الاسترخاء، ومظاهر الترف والفسق، ومن أجل الدربة على تحمل الظروف القاسية، وزوال الطبقات الهشة، من أجل الوصول إلى القواعد الصلبة.
وقد تكون الهزائم أكثر ملازمة عندما تسود في الأمة الأمراض الاجتماعية، ويحكمها الظلم، وتشتد المظالم، وتهمل الحقوق، ويفسق المترفون، ويكثر الخبث، فتكون الهزيمة عقوبة.
وتسلط الأعداء بلاء لتستيقظ الأمة وتتوجه نحو العلاج فيكون التمحيص، وتكون التنشئة على الفكر والمسيرة مبصرة، وحينئذٍ يستقيم المسار بإذن الله.
أيها المسلمون: الأمة لا شك بحاجة إلى إعادة ترتيب أمورها، ودراسة أوضاعها بعمق، دراسةً تتفهم المتغيرات، وإنها لمتغيرات كبيرة، طغت على ساحاتها السياسية والاقتصادية والفكرية وغيرها، مدركةً إمكاناتها، مكتشفةً مكامن قوتها وتأثيرها.
стр. 563
الطريق لتصحيح أوضاع الأمة
ومن أجل تلمس طريق المعالجة -معاشر المسلمين- لا بد من التأكيد على أن أولى الأوليات أن تعلم الأمة علم اليقين أنها لن ترتفع لها راية، أو يعلو لها شأن إلا بصدق الإيمان، ونقاء التوحيد، وصفاء الإخلاص، إيمانٌ يستنير به القلب، وتستقيم به الجوارح، وهذا لا يكون إلا بتربية جادة، وإنك لتحزن حينما لا ترى إلا آثار تربية هشة، وأن طاقات الأمة تستنزف في أمور تذهب بحلاوة الإيمان، وتضعف جذوته، وكيف يتصور التطلع إلى النصر بنفوسٍ لم تذق حلاوة الإيمان: ﴿ذاق حلاوة الإيمان من رضي بالله رباً وبمحمدٍ ﷺ رسولاً، وبالإسلام ديناً﴾.
كما يجب التأكيد: أن الطريق الصحيح ومنهج التصحيح، في مواجهة ضغوط الخارج وتحدياته، ليس بالاشتغال بالرد عليها؛ مما قد يجر أو جر إلى معارك خاسرة، ولكن الإصلاح الحقيقي، والتصحيح الجاد، يتمثل في التوجه نحو الداخل وتصفيته وتنقيته: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً﴾ [آل عمران:١٢٠].
ولا ريب أن التصحيح من الداخل شاقٌ على النفس، وثقيلٌ في الممارسة؛ لأن الإنسان في هذه الحالة سوف ينقد نفسه، وسوف يصلحها، أي أنه: يجعل من نفسه الحجر والنحات في آنٍ واحد.
وإن أصحاب الطريق المسدود والمتأزمين، هم الذين يسلطون سياط نقدهم دائماً نحو الخارج.
﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً﴾ [آل عمران:١٢٠] آية كريمة، ومعلمٌ بارز، وراية مرفوعة، في رسم الطريق لهذا الإصلاح الداخلي، ويقترن بهذه الآية آية أخرى توجه إلى مواجهة الخارج بالنقد الداخلي والإصلاح والتحسين، واقرءوا في خبر غزوة أحد: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٥].
إنه ليس من الحكمة تضخيم شأن العدو إلى الحد الذي يجعل تصور هزيمته شيئاً بعيداً، فالعدو بشر له حساباته، وله موازناته، وله مشكلاته وإمكاناته: ﴿وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ﴾ [النساء:١٠٤].
إن النصر العام لا بد أن يسبقه نصر خاص.
إن الأمة المنتصرة على أعدائها؛ هي أمة قد حققت قبل ذلك نصراً داخليا.
ومما يجب التأكيد عليه أخيراً: سلاح الصبر، والمراد بالصبر هنا: احتمال المشاق والديمومة في تأدية التكاليف مهما كانت قسوة الظروف.
إن الصبر لا يعني الاستسلام للأحوال السيئة والظروف القاسية، ولكنه يعني عدم اللجوء إلى الحلول السريعة.
إن الجري وراء الحلول السريعة لمشكلات مستعصية مآله الإحباط واليأس، أو الاندفاع والتهور، مما يزيد المشكلات تعقيداً ويجعل الحل الحقيقي بعيد المنال.
إن الصبر توظيفٌ صحيح للوقت والزمن؛ لحل أوضاعٍ لا يُستطاع حلها في الوقت القريب.
وبعد أيها المسلمون: ﴿فإن النصر مع الصبر، وإن الفرج مع الكرب، وإن مع العسر يسرا﴾ وإن في رحم كل ضائقة أجنة انفراجها، ومفتاح حلها، وطريق ذلك -بإذن الله- دينٌ صحيح، وعقلٌ مستنير، ومبضع جراح، وحرقة والدة، وعلى الله قصد السبيل، وهو الغالب على أمره: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [آل عمران:١٨٦].
نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبهدي محمدٍ ﷺ ، وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 564
أهمية المراجعة والاعتراف بالأخطاء
الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد، أحمده سبحانه وأشكره، ليس لفضله منتهى، ولا لإحسانه حد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إرغاماً لمن كفر به وجحد، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، بالفضائل تشرف، وبالكمالات انفرد، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه، كانوا للدين أعظم مستند، والتابعين ومن تبعهم بإحسان.
أما بعد:
فإن من صعاب الأمور قيادة الأمم أعقاب الهزائم، وإحياء الأمل بعد الانكسارات، ولكن الرجال يستسهلون الصعب، ويصابرون الأيام حتى يجتازوا الأزمات.
نعم.
إن الأمة الحية اليقظة لا تكف عن مراجعة أمرها، وقياس أدائها في أصولها وأساليبها، كما لا تمل البحث عن المعوقات والحلول.
إن الأمة بحاجة إلى امتلاك الشجاعة الكافية للاعتراف بالأخطاء، والتقصير في مسيرتها، وهي بحاجة إلى التفريق الدقيق بين الأعراض والأمراض، حتى لا تعالج المظاهر والأعراف، وتهمل الحقائق والأدوار.
لقد كشفت الأحداث المتوالية على الأمة اضطراباً في الفهم، واهتزازاً في قراءات الأحداث، واستسلام كثير للتضليل الإعلامي الذي يدير آلته العدو، مما أثار اللبس، وأشاع الشبهات، فأنتج -مع الأسف- استسلاماً في بعض المواطن لأهواء الأقوياء، ولضغوطٍ إعلامية على صوتها.
أيها المسلمون: الإصلاح يبدأ بالنفس، وليس بضجيج الإعلام، ولا هتاف الجماهير، ولا اندفاع الجمهور: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١].
إن الإصلاح يكمن في صلاح القلوب، وارتباطها بعلام الغيوب.
خضوعٌ تامٌ لله الواحد القهار، عبادةً وتذللاً، وانقياداً وتسليماً.
إن أهل الإسلام -وهم يعيشون أيام هذا الشهر المبارك- أولى ما يكونون في التوجه نحو الإصلاح، وأولى الأولويات البدء بإصلاح النفس، فلتكن -يا عباد الله- هذه الأيام المباركة مواقف صدق، ولا سيما هذه العشر الأخيرة، إنها من أرجى الأوقات، وأحرى ما يؤمل المسلم من خيرٍ وفضلٍ وصلاحٍ وإصلاح، وإن لكم في نبيكم محمد ﷺ لأسوة حسنة؛ فقد كان يخلط العشرين بصلاة وصوم، فإذا كان العشر شمر وشد المئزر، وحسبها فضلاً ما يرجى فيها من ليلة القدر: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر:٢ - ٣] ﴿من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه﴾ حديثٌ مخرج في الصحيحين.
أيها المسلمون: إن شهركم قرب رحيله، وأزف تحويله، وقوضت خيامه، فبادروا بالتوجه، واجتهدوا في حسن الختام، ودعوا شهركم بالتوبة إلى الله، والإنابة إليه: ﴿وكل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون﴾ ومن خير أعمالكم: إخراج زكاة الفطر: فهي طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين، من أداها قبل صلاة العيد فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات، فأخرجوها رحمكم الله طيبة بها أنفسكم.
عباد الله: هذا شهركم قد أذن بالرحيل، وفي بقيته للعابدين الجادين مستمتع، فهل من قلبٍ يخشع، وعينٍ تدمع، وعملٍ صالح يرفع؟
ويا ويح قلوبٍ خراب بلقع، تراكمت عليها الذنوب فهي لا تبصر ولا تسمع!!
ألا فاتقوا الله رحمكم الله، وسارعوا إلى مغفرة من ربكم، ثم صلوا وسلموا على نبيكم محمدٍ رسول الله فقد أمركم بذلك ربكم فقال في محكم تنزيله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].
اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وجودك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، واحم حوزة الدين، واخذل الطغاة أعداء الملة والدين، وانصر اللهم عبادك المؤمنين.
اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، ووفق إمامنا وولي أمرنا بتوفيقك، وأيده بتأييدك، وارزقه البطانة الصالحة، وأعز به دينك، وأعلِ به كلمتك، واجعله نصرة للإسلام والمسلمين، واجمع به كلمتهم على الحق يا رب العالمين.
اللهم وفق ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك، وبسنة نبيك محمدٍ ﷺ ، واجعلهم رحمة لعبادك المؤمنين، واجمع كلمتهم على الحق يا رب العالمين.
اللهم وأبرم لأمة الإسلام أمر رشد يعز فيه أهل الطاعة، ويهدى فيه أهل المعصية، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى عن المنكر، إنك على كل شيءٍ قدير.
اللهم اجعلنا ممن صام هذا الشهر وقامه إيماناً واحتسابا، اللهم تقبل صيامنا وقيامنا، اللهم وفقنا لقيام ليلة القدر، واكتب لنا فيها عظيم الثواب، وجزيل الأجر يا رب العالمين.
اللهم انصر المجاهدين الذين يجاهدون في سبيلك لإعلاء كلمتك، وإعزاز دينك، اللهم انصرهم في كل مكان، يا رب العالمين! اللهم انصرهم في فلسطين وفي كل مكان يا رب العالمين، اللهم سدد سهامهم، وآراءهم، واجمع كلمتهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم.
اللهم عليك باليهود الغاصبين المحتلين فإنهم لا يعجزونك، اللهم وأنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين.
اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم إن بالبلاد والعباد من البلاء واللأواء ما لا يكشفه إلا أنت، اللهم إنا خلقٌ من خلقك فلا تمنع عنا بذنوبنا فضلك.
ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم.
عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
стр. 565
حديث في التربية
إن الرجال تُصنع صنعاً، ولكن صناعتهم أشق من صنع الآلات وأخطر، وبحسن صناعتهم تنال الريادة في الأرض، والقيادة في الأمم، والصدارة في الشعوب، ولكي يكون هذا الصنع وهذه التربية ناجحة فلابد من معرفة أسس هذه التربية والصناعة ومعالمها.
следующие страницы →